على قتله، فانتدب لذلك محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وهما من بني عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر، أخو بني حارثة. فأذن لهم رسول الله ﷺ أن يقولوا غير ما يعتقدون، على سبيل جواز ذلك في الحرب. فقدموا إليه سلكان بن سلامة، فقصد له، وأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله ﷺ ، وشكا إليه ضيق حالهم، وكلمه في أن يبيعه وأصحابه، فخرجوا، وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد في ليلة مقمرة. فأتوا كعباً، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا، فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولاً كان معه في ثنته فقتله (١)، وصاح الفاسق صيحة شديدة، انذعر بها أهل الحصون حواليه، فأوقدوا النيران؛ وجرح الحارث بن أوس في رجله ببعض سيوف أصحابه أو في رأسه، فنزفه الدم، فتأخر ونجا أصحابه، فسلكوا على بني أمية بن زيد إلى بني قريظة، إلى بعاث، إلى حرة العريض، فانتظروا صاحبهم هنالك، فوافاهم، فأتوا به رسول الله ﷺ في آخر الليل وهو يصلي، فأخبروه، وتفل على جرح الحارث بن أوس فبرأ، وأطلق رسول الله ﷺ المسلمين على
стр. 177
قتل اليهود. وحينئذ أسلم حويصة بن مسعود، وقد كان أسلم قبله محيصة ابن مسعود، وهما من بني حارثة.
غزوة أحد (١)
فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد قدومه من بحران، جمادى الآخرة، ورجباً، وشعبان، ورمضان، فغزته كفار قريش في شوال سنة ثلاثة، وقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش (٢) من بني كنانة وغيرهم، وخرجوا بنسائهم لئلا يفروا، فأتوا فنزلوا بموضع يقال له: عينين، وهو بقرب أحد على جبل ببطن السبخة من قناة، على شفير الوادي، مقابلة المدينة.
فرأى رسول الله ﷺ رؤيا، أن في سيفه ثلمة، وأن بقراً تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة؛ فتأولها: أن نفراً من أصحابه يقتلون، وأن رجلاً من أهل بيته يصاب، وأول الدرع المدينة.
فأشار رسول الله ﷺ أن لا يخرجوا إليهم، وأن يتحصنوا بالمدينة، فإن قدموا منها قاتلهم على أفواه الأزقة، ووافق رسول الله ﷺ على هذا الرأي عبد الله بن أبي ابن سلول، وألح قوم من
стр. 178
فضلاء المسلمين، ممن أكرمه الله تعالى بالشهادة في ذلك اليوم على رسول الله ﷺ في الخزرج إلى قتالهم، حتى دخل النبي ﷺ فلبس لأمته وخرج، وذلك يوم الجمعة، فصلى على رجل من بني النجار مات، يقال له: مالك بن عمرو، وقيل: بل اسمه محرز ابن عامر؛ فندم الذين ألحوا عليه، وقالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد. فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم للصلاة بمن بقى بالمدينة من المسلمين. فلما صار رسول الله ﷺ بالشؤط بين المدينة وأحد، انصرف عبد الله ابن أبي ابن سلول بثلث الناس مغاضباً إذ خولف رأيه، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر، يذكرهم الله والرجوع إلى رسول الله ﷺ ، فأبوا عليه، ورجع عنهم إلى رسول الله ﷺ .
وقد ذكر له قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى [من] (١) ذلك، ومن أن يستعين بمشرك.
فسلك [﵇ مع المسلمين] (٢) حرة بني حارثة، وقال: من يخرج بنا (٣) على القوم من كثب فقال أبو خيثمة، أحد بني حارثة: أنا يا رسول الله. فسلك به بين أموال بني حارثة، حتى سلك في مال
стр. 179
لمربع بن قيظي، وكان منافقاً ضرير البصر، فقام الفاسق يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، وزاد في القول، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر. وضربه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل بقوسه، فشجه في رأسه.
ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل (١) الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل (٢)، فجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم؛ وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع بالصمغة من قناة للمسلمين (٣)؛ وتعبأ رسول الله ﷺ في القتال، وهو في سبعمائة؛ وقيل: إن المشركين كانوا في ثلاثة آلاف، فيهم مائتا فرس، وقيل: كان في المشركين يومئذ خمسون فارساً. وكان رماة المسلمين خمسين رجلاً، فأمر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف من (٤) الأوس، وهو أخو خوات بن جبير، وعبد الله يومئذ [معلم] (٥) بثياب بيض. فرتبهم رسول الله ﷺ ، خلف الجيوش، فأمره أن ينصح المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين (٦)، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخي بني عبد الدار.
стр. 180
وأجاز ﵇ يومئذ سمرة بن جندب الفزاري، ورافع بن خديج من بني حارثة، ولهما خمسة عشر عاما؛ كان رافع رامياً. ورد أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعمرو ابن حزم، وهما من بني مالك بن النجار، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وهما من بني حارثة، وعرابة بن أوس، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري؛ ثم أجازهم عام الخندق، بعد ذلك بسنة. وكان لعبد الله ابن عمر يوم أحد أربعة عشر عاماً، وكان سائر من رد معه في هذه (١) السن أيضاً.
فجعلت قريش على ميمنتهم في الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم في الخيل عكرمة بن أبي جهل.
ودفع رسول الله ﷺ سيفه بحقه (٢) إلى أبي دجانة سماك بن خرشة أخي بني ساعدة، وكان شجاعاً بطلاً يختال عند الحرب.
وكان أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، وكان أبوه كما ذكرنا في الجاهلية قد ترهب وتنسك، فلما جاء الإسلام غلب عليه الشقاء، ففر مباعداً لرسول الله ﷺ ، في جماعة من فتيان الأوس، فلحق بمكة، وشهد يوم أحد مع المشركين، وكان سيداً في الأوس، فوعد قريشاً بانحراف قومه إليه، وكان هو أول من لقي المسلمين يوم أحد في عبدان أهل مكة والأحابيش؛ فلما نادى قومه وعرفهم بنفسه، قالوا: لا أنعم الله بك
стр. 181
عيناً يا فاسق. قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً.
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد: أمت أمت. وأبلي يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، وأبلى أنس بن النضر (١) بلاء شديداً عجز عن مثله كثير ممن سواه؛ وكذلك جماعة من الأنصار، أصيبوا يومئذ مقبلين غير مدبرين. وقاتل الناس، فاستمرت الهزيمة على قريش، فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم الله أعداء الله. قالوا. فما لقعودنا هاهنا معنى، فذكر لهم أميرهم عبد الله بن جبير أمر رسول الله ﷺ لهم بأن لا يزولوا، فقالوا: قد انهزموا؛ ولم يلتفتوا إلى قوله، فقاموا، ثم كر المشركون، فأكرم الله تعالى من أكرم من أكرم من المسلمين بالشهادة، ووصلوا (٢) إلى رسول الله ﷺ ، فقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ ، حتى قتل رضوان الله عليه؛ وجرح رسول الله ﷺ في وجهه المكرم، وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى بحجر (٣)، وهشمت البيضة في رأسه المقدس (٤)، فأعطي رسول الله ﷺ الراية لعلي بن أبي طالب بعد مقتل مصعب، وصار رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار. وكان الذي نال مما ذكرنا من نحو النبي ﷺ عمرو بن قميثة الليثي، وعتبة بن أبي وقاص.
стр. 182
وشد حمظلة الغسيل بن أبي عامر علي أبي سفيان، فلما تمكن منه، حمل شداد بن الأسود الليثي، وهو ابن شعوب، على حنظلة فقتله؛ وكان حنظلة قتل جنباً كما قام من امرأته، فغسلته الملائكة، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ . وكان قد قتل أصحاب اللواء من المشركين حتى سقط، فرفعته عمرة بنت علقمة الحارثية للمشكرين، فاجتمعوا إليه.
وقد قيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري، عم الفقيه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، هو الذي شج رسول الله ﷺ في جبهته، وألبت (١) الحجارة على رسول الله ﷺ ، حتى سقط في حفرة، قد كان حفرها أبو عامر الأوسي مكيدة للمسلين. فخر النبي ﷺ . ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من جرح رسول الله ﷺ ؛ ونشب حلقتان من حلق المغفر في وجه رسول الله ﷺ ، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح بثنينيه (٢)، وعض عليهما حتى ندرت ثنيتا أبي عبيدة، وكان الهتم يزينه.
ولحق المشركون رسول الله ﷺ ، فكر دونه نفر من المسلمين رضوان الله عليهم، كانوا سبعة، وقيل أكثر، حتى قتلوا كلهم، وكان آخرهم عمارة بن يزيد بن السكن.
ثم قاتل طلحة بعد ذلك كقتال الجماعة، حتى أجهض المشركين عن رسول الله ﷺ (٣).
стр. 183
وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية قتالاً شديداً، وضربت عمرو بن قميئة بالسيف ضربات، فوقعت درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحاً عظيماً على عاتقها. وترس أبو دجانة عن رسول الله ﷺ بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك، وحينئذ قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: ارم فداك أبي وأمي.
فأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفري، فأتى رسول الله ﷺ وعينه على وجنته، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.
وانتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى جماعة من الصحابة، قد ألقوا بأيديهم، فقال لهم: ما يجلسكم قالوا: قتل رسول الله ﷺ . فقال لهم: ما تصنعون بالحاءة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ . ثم استقبل الناس، ولقى سعد بن معاذ، قال: يا سعد، إني والله لأجد ريح الجنة من قبل أحد. فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، وجد به سبعون ضربة.
وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحو عشرين جراحة، بعضها في رجله، فعرج منها.
وأول من ميز رسول الله ﷺ يومئذ بعد الحملة كعب بن مالك الشاعر من بني سلمة، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ . فأشار رسول الله ﷺ أن اصمت. فلما عرفه لاثوا به، ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم: أبو بكر
стр. 184
وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم.
فلما أسند رسول الله ﷺ في العب، أدركه أبي بن خلف الجمحي، فتناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ثم طعنه بها في عنقه، فكر أبي منهزماً، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق علي لقتلني. وكان قد أوعد رسول الله ﷺ القتل بمكة، فقال له رسول الله ﷺ : أنا أقتلك. فمات عدو الله بسرف، مرجعه إلى مكة.
وملأ على درقته من المهراس (١) فأتى به النبي ﷺ ، فوجد له رائجة، فعافه، وغسل به وجهه، ونهض إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان بدن (٢)، وظاهر بين درعين، فجلس طلحة بن عبيد الله، وصعد رسول الله ﷺ على ظهره، ثم استقل به طلحة حتى استوى رسول الله ﷺ . وحانت الصلاة، فصلى ﷺ قاعداً والمسلمون وراءه قعوداً.
وانهزم قوم من المسلمين، فبلغ بعضهم إلى الجلعب (٣) دون الأعوص (٤). منهم: عثمان بن عفان، وعثمان بن عبيد الأنصاري، غفر الله ذلك لهم،
стр. 185
ونزل القرآن بالعفو بقوله تعالى: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم﴾ إلى آخر الآية.
وكان الحسيل بن جابر، وهو اليمان والد حذيفة، وثابت بن وقش، شيخين كبيرين فاضلين، قد جعلا في الآطام مع النساء والصبيان والهرمى؛ فقال أحدهما لصاحبه: ما بقى من أعمارنا إلا ظمء حمار (١)، فلو أخذنا سيوفنا فلحقنا برسول الله ﷺ ، لعل الله تعالى يرزقنا الشهادة. ففعلا ذلك، ودخلا في المسلمين؛ فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما الحسيل فظنه المسلمون من المشركين فقتلوه خطأ، وقيل: إن متولي قتله كان عتبة بن مسعود، أخا عبد الله بن مسعود، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين.
وكان مخيريق أحد بني ثعلبة بن الفطيون من اليهود، فدعا اليهود مخيريق إلى نصر رسول الله ﷺ ، وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم حق واجب. فقالوا له: إن اليوم السبت. فقال: لا سبت لكم. فأخذ سلاحه، ولحق رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل، وأوصى أن يكون ماله لرسول الله ﷺ يصنع فيه ما يشاء، فيقال: إن بعض صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة من مال مخيريق.
وكان الحارث بن سويد بن الصامت منافقاً، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى المسلمون عدا على المجذر بن ذياد البلوي، وعلى قيس بن زيد أحد بني ضبيعة، فقتلهما، وفر إلى الكفار، وكان المجذر في الجاهلية
стр. 186
قتل سويداً والد الحارث المذكور في بعض حروب الأوس والخزرج. ولحق الحارث بنم سويد بمكة، فأقام هنالك، ثم إنه حينه الله ﵎ (١)، فانصرف إلى قومه، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء، فنهض عليه السلا إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه، فخرج إليه الأنصار أهل قباء، في جملتهم الحارث بن سويد عليه ثوب مورس (٢)، فأمر رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة بأن يضرب عنق الحارث بن سويد. فقال الحارث: فيم يا رسول الله فقال: في قتلك المجذر بن ذياد يوم أحد غيلة. فما راجعه الحارث بكلمة. وضرب عويم عنقه، فانصرف رسول الله ﷺ ولم يجلس. وقد روى أنه قال: يا رسول الله، والله ما قتلته شكاً في ديني، ولكني لما رأيته لم أملك نفسي، إذ ذكرت أنه قاتل أبي. ثم مد عنقه وقتل.
وكان عمرو بن ثابت بن وقش، من بني عبد الأشهل، يعرف بالأصيرم يأبى الإسلام. فلما كان يوم أحد، قذف الله تعالى في قلبه الإسلام للذي أراد به من السعادة، فأسلم، وأخذ سيفه ولحق بالنبي ﷺ . فقاتل، فأثبت بالجراح، ولم يعلم أحد بأمره؛ فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى يلتمسون قتلاهم، فوجدوه وبه رمق يسير، فقال بعضهم لبعض: والله إن هذا الأصيرم. فأجابه: لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر. ثم سألوه: يا عمرو، ما الذي أتى بك أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام فقال: بل رغبة في الإسلام، آمن بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما ترون. فمات من
стр. 187
وقته؛ ذكره لرسول الله ﷺ ، فقال: هو من أهل الجنة. قيل: وكان أبو هريرة إذا بلغه أمره يقول: ولم يصل لله قط.
وكان في بني ظفر رجل أتى (١) لا يدرى ممن هو، يقال له قزمان، فأبلي يوم أحد بلا شديداً، وقتل سبعة من وجوه المشركين، وأثبت جرحاً، فأخبر رسول الله ﷺ بأمره، فقال: هو من أهل النار. فقيل لقزمان: أبشر بالجنة. فقال: بماذا أبشر والله ما قتلت إلا عن أحساب قومي. ثم لما اشتد عليه الألم أخرج سهماً من كنانته، فقطع به بعض عروقه، فجرى دمه حتى مات.
ومثل بقتلى المسلمين.
وأخذ الناس ينقلون قتلاهم بعد انصراف قريش، فأمر رسول الله ﷺ بأن يدفنوا في مضاجعهم، وأن لا يغسلوا، ويدفنوا بدمائهم وثيابهم.
فكان ممن استشهد من المسلمين يوم أحد (٢):
حمزة، عم رسول الله ﷺ ، قتله وحشي، غلام بني نوفل ابن عبد مناف، وأعتق لذلك، رماه بحربة، فوقعت في ثنته. ثم إن وحشياً أسلم، وقتل بتلك الحربة نفسها مسيلمة الكذاب يوم اليمامة.
وعبد الله بن جحش حليف أمية، وقيل: إنه دفن مع حمزة في قبر واحد، لأن النبي ﷺ أمرهم أن يحفروا ويعمقوا، وبدفنوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد، ويقدموا أكثرهم قرآناً.
стр. 188
وذكر سعد بن أبي وقاص قال: قعدت أنا وعبد الله بن جحش صبيحة يوم أحد نتمنى، فقلت: اللهم لقني من المشركين رجلاً عظيماً كفره، شديداً حرده (١)، فيقاتلني فأقتله: قيل: فآخذ سلبه. فقال عبد الله بن جحش: اللهم لقني من المشركين رجلاً عظيماً كفره، شديداً [حرده] (٢)، فأقاتله فيقتلني، قيل: ويسلبني ثم يجدع انفي وأذني، فإذا لقيتك فقلت: يا عبد الله ابن جحش، فيم جدعت قلت: فيك يا ربي. قال سعد: فوالله لقد رأيته آخر ذلك النهار وقد قتل، وإن أنفه وأذنه لفي خيط واحد بيد رجل من المشركين؛ وكان سعد يقول: كان عبد الله بن جحش خيراً مني.
ومصعب بن عمير، قتله ابن قميثة الليثي.
وعثمان بن عثمان، وهو شماس بن عثمان المخزومي.
ومن الأنصار، ثم من الأوس، ثم من بني عبد الأشهل:
عمرو بن معاذ بن النعمان، أخو سعد بن معاذ.
والحارث بن أنس بن رافع.
وعمارة بن زياد بن السكن.
وسلمة وعمرو، ابنا ثابت بن وقش.
وأبوهما: ثابت بن وقش.
وأخوه: رفاعة بن وقش.
وصيفي بن قيظي.
وحباب (٣) بن قيظي.
стр. 189
وعباد بن سهل.
والحارث بن أوس بن معاذ، ابن أخي سعد بن معاذ.
واليمان، وهو الحسيل بن جابر، والد حذيفة حليف لهم.
ومن أهل راتج (١) من بني عبد الأشهل أيضاً:
إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو (٢) بن الأعلم بن زعورا بن جشم (٣).
وعبيد بن التيهان.
وحبيب بن زيد بن تيم (٤).
ومن بني ظفر:
يزيد، أو زيد (٥)، بن حاطب (٦) بن أمية بن رافع.
ومن بني عمرو بن عوف؛ ثم من بني ضبيعة بن زيد:
أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد (٧).
стр. 190
وحنظلة الغسيل بن أبي عامر بن صيفي بن النعمان بن مالك (١).
ومن بني عبيد بن زيد:
أنيس بن قتادة.
ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف:
أبو حبة بن عمرو بن ثابت، أخو سعد بن خيثمة لأمه.
وعبد الله بن جبير بن النعمان، أمير الرماة.
ومن بني السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس:
خيثمة، والد سعد بن خيثمة.
ومن حلفائهم من بني العجلان:
عبد الله بن سلمة.
ومن بني معاوية بن مالك:
سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة.
ومن بني خطمة:
عمير بن عدي، ولم يكن في بني خطمة يومئذ مسلم غيره (٢).
ومن بني النجار، ثم من بني سواد (٣):
عمرو بن قيس.
стр. 191
وابنه: قيس بن عمرو بن قيس بن زيد بن سواد.
وثابت بن عمرو بن زيد.
وعامر بن مخلد.
ومن بني مبذول [بن مالك بن النجار] (١):
أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقف بن مالك بن مبذول.
وعمرو بن مطرف.
[ومن بني عمرو بن مالك بن النجار]:
أوس بن ثابت بن المنذر، أخو حسان بن ثابت (٢).
[ومن بني عدي بن النجار]:
أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار (٣).
وقيس بن مخلد، من بني مازن بن النجار.
وكيسان، عبد لهم.
ومن بني الحارث بن الخزرج:
خارجة بن زيد بن أبي زهير.
وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير دفنا في قبر واحد.
وأوس بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب، وهو أخو زيد بن أرقم.
стр. 192
ومن بني الأبجر، وهم بنو خدرة:
مالك بن سنان، والد أبي سعيد الخدري.
وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر. وعتبة بن ربيع (١) بن رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد ابن الأبجر.
ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج:
ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج ابن ساعدة.
وثقف بن [فروة بن] البدن (٢).
[ومن بني طريف رهط سعد بن عبادة]:
عبد الله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف.
وضمرة، حليف لهم من جهينة.
ومن بني عوف بن الخزرج، ثم من بني سالم، ثم من بني مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم:
نوفل بن عبد الله.
والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان.
والنعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر بن غنم بن سالم.
والمجذر بن ذياد البلوي، حليف لهم.
стр. 193
وعبادة بن الحسحاس دفن هؤلاء الثلاثة: النعمان والمجذر وعبادة في قبر واحد.
ومن بني سلمة:
عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، اصطبح الخمر في صبيحة ذلك اليوم، ثم قتل من آخره شهيداً، وذلبك قبل أن تحرم الخمر.
وعمر بن الجموح بن زيد بن حرام دفنا في قبر واحد، وكانا صديقين جداً.
وابنه خلاد بن عمرو بن الجموح.
وأبو أيمن، مولى عمرو بن الجموح.
ومن بني سواد بن غنم:
سليم بن عمرو بن حديدة.
ومولاه عنترة.
وسهل بن قيس بن أبي كعب.
ومن بني زريق بن عامر:
ذكوان بن عبد قيس.
وعبيد بن المعلى بن لوذان فجميعهم خمسة وستون رجلاً.
وقد ذكر أيضاً في شهداء أحد من الأوس:
مالك بن نميلة، حليف بني معاوية بن مالك.
ومن بني خطمة، واسم خطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس: الحارث بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة.
ومن الخزرج، ثم من بني سواد بن مالك:
стр. 194
مالك بن إياس.
ومن بني عمرو بن مالك بن النجار:
إياس بن عدي.
ومن بني سالم بن عوف:
عمرو بن إياس.
فتموا سبعين، رضوان الله عليهم؛ ولم يصل رسول الله ﷺ على قتلى أحد حين دفنهم.
وقتل من كفار قريش يومئذ اثنا وعشرون رجلاً:
فيهم من بني عبد الدار:
طلحة، وأبو سعيد (١)، وعثمان، بنو أبي طلحة واسم أبي طلحة: عبد الله ابن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار.
ومسافع، وجلاس، والحارث، وكلاب، بنو طلحة بن أبي طلحة المذكور.
وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وابن عمه: أبو يزيد [بن] (٢) عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وابن عمهما: القاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وصؤاب مولى أبي طلحة.
ومن بني أسد بن عبد العزى:
عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، قتله علي.
ومن بني زهرة بن كلاب:
стр. 195
أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف لهم، قتله علي.
وسباع بن عبد العزى الخزاعي، حليف لهم.
ومن بني مخزوم:
هشام بن أبي أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين.
والوليد بن العاصي بن هشام بن المغيرة.
وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة.
وخالد بن الأعلم، حليف لهم.
ومن بني جمح:
أبو عزة الشاعر، وكان رسول الله ﷺ أسره يوم بدر، ثم من عليه وأطلقه بغير فداء، وأخذ عليه أن لا يعين عليه، فنقض العهد، فأسر يوم أحد، فأمر رسول الله ﷺ فضرب عنقه صبراً، وقال له: والله لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمداً مرتين.
وأبي بن خلف رجلان.
ومن بني عامر بن لؤي:
عبيدة بن جابر.
وشيبة بن مالك بن المضرب رجلان.
стр. 196
غزوة حمراء الأسد (١)
وكانت وقعة أحد يوم السبت، النصف من شوال من السنة الثالثة من الهجرة، فلما كان من الغد يوم الأحد لست عشرة (٢) ليلة خلت لشوال، أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الطلب للعدو، وعهد رسول الله ﷺ أن لا يخرج معه أحد إلا من حضر المعركة يوم أحد، فاستأذنه جابر بن عبد الله أن يفسح له في الخروج معه، ففسح له في ذلك.
فخرج المسلمون على ما بهم من الجهد والجراح، وخرج رسول الله ﷺ ، مرهباً للعدو ومتجلداً، فبلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، فأقام بها الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
ومر برسول الله ﷺ معبد بن أبي معبد الخزاعي، ثم طواه (٣)، ولقي أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء، فأخبرهم بخروج رسول الله ﷺ في طلبهم، ففت ذلك في أعضاد قريش، وقد كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة، فكسرهم خروجه ﵇، فتمادوا إلى مكة، فظفر رسول الله ﷺ في خروجه بمعاوية بن المغيرة بن العاص بن أمية، فأمر بضرب عنقه صبراً، وهو والد عائشة أم عبد الملك بن مروان.
стр. 197
بعث الرجيع (١)
وقدم على رسول الله ﷺ في نصف صفر، في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة نفر من عضل والقارة، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، أخي بني أسد بن خزيمة. فذكروا له ﷺ أن فيهم إسلاماً، ورغبوا أن يبعث نفراً من المسلمين يفقهونهم في الدين، فبعث رسول الله ﷺ معهم ستة رجال من أصحابه (٢): مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن البكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أحد بني عمرو بن عوف بن الأوس، وخبيب بن عدي أحد بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدقنة أحد بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر.
وأمر رسول الله ﷺ مرثد بن أبي مرثد (٣)، ونهضوا مع القوم، حتى إذا صاروا بالرجيع (٤)، ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهدأة، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلاً، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال
стр. 198
بأيديهم السيوف وقد غشوهم، فأخذ المسلمون سيوفهم لقاتلوهم، فأمنوهم، وخبروهم أنهم لا أرب لهم في قتلهم، وإنما يريدون أن يصيبوا بهم فداء من أهل مكة.
فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فأبوا، وقالوا: والله لا قبلنا لمشرك عهداً أبداً. فقاتلوهم حتى قتلوا؛ وكان عاصم يكنى أبا سليمان، وكان قد قتل يوم أحد فتيين من بني عبد الدار، ابنين لسلافة ابنة سعد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها (١) أن تشرب الخمر في قحفة (٢)، فرأت بنو هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد ابن شهيد، فأرسل الله تعالى الدبر (٣) فحمته، فقالت هذيل: إذا جاء الليل ذهب الدبر، فأرسل الله تعالى سيلاً لم يدر سببه، فحمله قبل أن يقطعوا رأسه، فلم يصلوا إليه، وكان قد نذر أن لا يمس مشركاً أبداً، فأبر الله تعالى قسمه بعد موته، رضوان الله عليه.
وأما زيد الدثنة، وخبيب بن عدي، وعبد الله بن طارق فأعطوا بأيديهم (٤) فأسروا، وخرجوا بهم إلى مكة، فلما صاروا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، ورموه بالحجارة حتى مات، رضوان الله عليه، فقبره بمر الظهران.
وحملوا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فباعوهما بمكة، فصلب
стр. 199
خبيب بالتنعيم، رضوان الله عليهم؛ وهو القائل إذ قرب ليصلب (١):
ولست أبالي حين أقتل مسلماً … على أي شق كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلوٍ ممزع وهو أول من سن الركعتين عند القتال.
وابتاع زيد بن الدثنة صفوان بن أمية، فقتله بأبيه، رضوان الله على زيد. وقال أبو سفيان لخبيب أو لزيد: يسرك أن محمد مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك فقال: والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو في يصيبه شوكة تؤذيه.
بعث بئر معونة (٢)
وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر، في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد.
وكان سبب ذلك أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو ملاعب الأسنة، وفد على رسول الله ﷺ ، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل
стр. 200
نجد فدعوهم إلى أمرك، لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال ﷺ : إني أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا جارهم.
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو، أحد بني ساعدة، وهو الذي يلقب: المعنق ليموت، في أربعين رجلاً من المسلمين، وقد قيل في سبعين من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو أم سليم، وهو خال أنس بن مالك وعروة ابن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، وغيرهم؛ فنهضوا فنزلوا بئر معونة (١)، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله ورسوله ﷺ ، عامر بن الطفيل. فلما أتاه لم ينظر في كتابه، ثم عدا عليه فقتله، ثم استنهض إلى قتال الباقين بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، لأن أبا براء أجارهم، فاستغاث عليهم بني سليم، فنهضت معه عصية ورعل وذكوان، وهم قبائل من بني سليم، فأحاطوا بهم، فقاتلوا فقتلوا كلهم رضوان الله عليهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنه ترك في القتلى وفيه رمق، فارتث (٢) من القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق رضوان الله عليه.
وكان عمرو بن أمية في سرح المسلمين، ومعه المنذر بن محمد بن عقبة
стр. 201
ابن أحيحة بن الجلاح (١)، فنظر إلى الطير تحوم على العسكر، فنهضا ناحية اصحابها، فإذا الطير تحوم على القتلى، والخيل التي أصابتهم لم تزل بعد؛ فقال المنذر بن محمد لعمرو بن أمية: فما ترى فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطب قتل في المنذر بن عمرو. فقاتل حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيراً، فلما أخبرهم أنه من مضر، جز ناصيته عامر بن الطفيل، وأطلقه عن رقبة كانت على أمه. وذلك لعشرين بقين من صفر، مع الرجيع في شهر واحد.
فرجع عمرو بن أمية، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني كلاب، وقيل من بني سليم، حتى نزلا مع عمرو بن أمية في ظل كان فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو، فسألهما: من أنتما فانتسبا له، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب ثأراً من قتلة أصحابه.
فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره بذلك، فقال له رسول الله ﷺ : لقد قتلت قتيلين لأدينهما. وهذا سبب غزوة بني النضير.
стр. 202
غزوة بني النظير (١)
ونهض رسول الله ﷺ بنفسه إلى بني النضير، مستعيناً بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، فلما كملهم قالوا: نعم. فقعد رسول الله ﷺ مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرهم. فاجتمع بنو النضير، وقالوا: من رجل يصعد على ظهر البيت، فيلقي على محمد صخرة، فيقتله، فيريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب؛ فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقام لوم يشعر بذلك أحداً من أصحابه ممن معه، فلما استلبثه (٢) أصحابه ﵃ قاموا فرجعوا إلى المدينة، وأتوا رسول الله ﷺ ، فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه مما أرادته اليهود، وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ونهض إلى بني النضير في أول السنة الرابعة من الهجرة، فحاصرهم ست ليال، وحينئذ نزل تحريم الخمر (٣). فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل وإحراقها، ودس عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير: إنا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم
стр. 203
خرجنا معكم، فاغتروا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم، فسألوا رسول اله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا لسلاح. فاحتملوا بذلك إلى خيبر، ومنهم من صار إلى الشام، وكان ممن سار معهم إلى خيبر أكابرهم: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق؛ فدانت لهم خيبر. فقسم رسول الله ﷺ أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصة، إلا أنه أعطي منها أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، وكانا فقيرين.
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب (١) بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب أسلما، فأحرزا أموالهما، وذكر أن يامين بن عمير جعل جعلا لمن قتل ابن عمه عمرو بن جحاش، لما هم به في رسول الله ﷺ .
وفي قصة بني النضير نزلت سورة الحشر.
غزوة ذات الرقاع (٢)
ثم أقام رسول الله ﷺ بعد بني النضير بالمدينة شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى، في صدر السنة الرابعة بعد الهجرة. ثم غزا نجداً، يريد بني محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان، واستعمل على
стр. 204
المدينة أبا ذر الغفاري، أو عثمان بن عفان، ونهض حتى نزل نخلا (١).
وإنما سميت هذه الغزوة ذات الرقاع لأن أقدامهم ﵃ نقبت (٢)، وكانوا يلفون عليها الخرق، فلذلك سميت ذات الرقاع.
فلقي ﷺ بنخل جمعاً من غطفان، فتوافقوا، إلا أنه لم يكن حرب، وصلى رسول الله ﷺ يومئذ صلاة الخوف.
وفي انصرافهم من تلك الغزوة أبطأ جمل جابر، فنخسه ﵇، فانطلق متقدماً للركاب، وابتاعه منه ﵇، ثم رده عليه ووهبه الثمن وزيادة قيراط، فلم يزل عند جابر متبركاً به، حتى أخذه أهل الشام في جملة ما انتهبوه بالمدينة يوم الحرة.
وفي هذه الغزوة أيضاً أتى رجل من بني محارب بن خصفة، اسمه غورث ابن الحارث، فأخذ سيف رسول الله ﷺ وهزه، وقال: يا محمد من يمنعك مني قال: الله. فرد غورث السيف مكانه، فنزل في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم﴾.
وفي هذه الغزوة رمى رجل من المشركين رجلاً من الأنصار كان ربيئة (٣) لرسول الله ﷺ ، فجرحه وهو يقرأ سورة من القرآن، فتمادى في القراءة ولم يقطعها لما أصابه.
стр. 205
غزوة بدر الثالثة (١)
وكان أبو سفيان يوم أحد نادى: موعدنا وإياكم بدر في عامنا المستقبل. فأمر رسول الله ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم؛ فأقام رسول الله ﷺ منصرفه من ذات الرقاع (٢) بالمدينة، بقية جمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، ثم خرج في شعبان من السنة الرابعة، للميعاد المذكور. فاستعمل على المدينة [عبد الله بن] (٣) عبد الله بن أبي ابن سلول، ونزل في بدر، فأقام هنالك ثمان ليال. وخرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل مجنة (٤) من ناحية الظهران، وقيل: بلغ عسفان، ثم بدا لهم في الرجوع، واعتذر بأن العام عام جدب.
غزوة دومة الجندل (٥)
وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأقام بها إلى أن انسلخ ذو الحجة من السنة الرابعة من الهجرة، ثم غزا ﵇ إلى
стр. 206
دومة الجندل في شهر ربيع الأول، ابتداء العام الخامس من الهجرة، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة. وانصرف ﵇ من طريقه قبل أن يبلغ دومة الجندل، ولم يلق حرباً.
غزوة الخندق (١)
ثم كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، هكذا قال أصحاب المغازي (٢)؛ والثابت أنها في الرابعة بلا شك، لحديث ابن عمر: " عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ". فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة فقط، وأنها قبل دومة الجندل بلا شك (٣).
وسببها: أن نفراً من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وكنانة
стр. 207
ابن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عمار الوائليان (١). وهم حزبوا الأحزاب: خرجوا فأتوا مكة داعين إلى حرب رسول الله ﷺ ، وواعدين من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك؛ ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة، والحارث ابن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن رخيلة (٢) بن نويرة ابن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع. فلما سمع [بهم] رسول الله ﷺ أمر بحفر الخندق على المدينة، فعمل فيه ﷺ بيده، فتم الخندق؛ وكانت فيه المعجزات، منها أن كدية صخر عرضت في الخندق كلت المعاول عنها (٣)، فأتى رسول الله ﷺ ، فدعا ونضح عليها الماء، فانهالت كالكثيب؛ وأطعم النفر العظيم من تمر يسير، إلى غير ذلك.
وقبلت الأحزاب حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة (٤)، بين الجرف
стр. 208
وزغابة (١)، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم. ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى (٢)، إلى جانب [أحد] (٣).
وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين (٤)، وقد قيل: في تسعمائة فقط، وهو الصحيح الذي لا شك فيه، والأول وهم؛ حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فنزلوا هنالك والخندق بينهم. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الآطام.
وكان كعب بن أسد رئيس بني قريظة موادعاً لرسول الله ﷺ ، فأتاه حيي بن أخطب، فلم يزل به، وكعب يأبى عليه، حتى أثر فيه، ونقض كعب عهده مع رسول الله ﷺ ، ومال مع حيي.
стр. 209
وبعث رسول الله ﷺ إذ بلغه الأمر سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وهما سيد الأوس والخزرج، وخوات بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وعبد الله بن رواحة أخا بني الحارث بن الخزرج، ليعرفوا الأمر، فلما بلغوا بني قريظة وجدوهم مكاشفين بالغدر، ونالوا من رسول الله ﷺ ، فشاتمهم سعد بن معاذ، وانصرفوا.
وكان رسول الله ﷺ قد أمرهم إن وجدوا غدر بني قريظة حقاً أن يعرضوا له الخبر ولا يصرحوا، فأتوا فقالوا: عضل والقارة؛ تذكيراً بغدر القارة بأصحاب الرجيع. فعظم الأمر، وأحيط بالمسلمين من كل جهة؛ واستأذن بعض بني حارثة فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة وخارجة عن المدينة، فأذن لنا نرجع إلى ديارنا. وهم أيضاً بالفشل بنو سلمة، ثم ثبت الله كلتا الطائفتين، ورحم القبيلتين؛ وبقى المشركون محاصرين للمسلمين نحو شهر، ولم يكن بينهم حرب، إلى أن رسل رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن بن حذيفة، والحارث بن عوف ابن أبي حارثة، رئيسي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، وجرت المراوضة في ذلك (١)، ولم يتم الأمر، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله، أشيء أمرك الله به فلا بد لنا منه أم شيء تحبه فنصنعه أم شيء تصنعه لنا قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على
стр. 210
الشرك بالله وعبادة الأوثان (١)، وهم لا يطيقون (٢) أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعاً، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك [و] به نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رسول الله ﷺ رأيه، وتمادوا على حالهم.
ثم إن فوارس من قريش، منهم: عمرو بن عبد ود، أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب أخو بني محارب بن فهر، خرجوا على خيلهم، فلما وقفوا على الخندق، قالوا: هذه مكيدة والله ما كانت تعرفها العرب. وقد قيل: إن سلمان أشار به. ثم تيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق، فاقتحموه وجاوزوه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز، فبارز علي بن أبي طالب عمراً فقتله، وخرج الباقون من حيث دخلوا، فعادوا إلى قومهم. وكان شعار المسلمين يوم الخندق: " حم، لا ينصرون ".
وكانت عائشة أم المؤمنين مع أم سعد بن معاذ في حصن بني حارثة، وكان من أحصن حصن بالمدينة. وكان صفية عمة رسول الله ﷺ في فارع، أطم حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت فيه مع النساء والصبيان.
ورمى في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل،
стр. 211
ورماه حبان بن قيس ابن العرقة (١)، وقد قيل: بل رماه أبو أسامة الجشمي (٢) حليف بني مخزوم، وقيل: إن سعداً دعا إذ أصيب رضوان الله عليه فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم (٣) من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
ولما اشتدت الحال وصعب الأمر أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف ابن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم. قالوا: صدقت. فقال: إن قريشاً وغطفان ليسوا كذلك ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم؛ ولا طاقة لكم بمحمد إن تركتم معه، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً. فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم نهض إلى قريش، فقال لأبي سفيان: قد عرفتم
стр. 212
صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفكموه، فاكتموا عني. قالوا: وما هو قال: اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهناً يدفعونه إلى محمد، ويرجعون معه عليكم. فشكرته قريش على ذلك. ثم نهض حتى أتى غطفن فقال لهم مثل ما قال لقريش. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال. فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً. فردوا إليهم الرسول: والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا. فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم. فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله تعالى عليهم ريحاً عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم.
وبعث رسول الله ﷺ إليهم حذيفة بن اليمان عيناً، فأتاه بخبر رحيلهم، ورحلت قريش وغطفان.
فلما أصبح رسول الله ﷺ وقد ذهب الأحزاب، رجع عن الخندق إلى المدينة، ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريل عن الله تعالى بالنهوض إلى بني قريظة (١)، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم. ورأى قوم من المسلمين يومئذ جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة ديباج، ثم مر عليهم دحية بعد ذلك.
стр. 213
فأمر رسول الله ﷺ أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة. ونهض المسلمون، فوافاهم وقت العصر في الطريق، فقال بعضص المسلمين: نصلي، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها. وقال آخرون: لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ أن نصليها. فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلاً؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم يعنف من الطائفين أحداً.
أما التعنيف فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية وهو يعلم أنها معصية؛ وأما من تأويل قصداً للخير، فهو وإن لم يصادف الحق غير معنف؛ وعلم الله تعالى أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيام (١)؛ ولا فرق بين نقله ﷺ صلاةً في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة، وبين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة، وصلاة العصر من يوم عرفة على قوت الظهر، والطاعة في ذلك واجبة.
رجع الخبر: فأعطى رسول الله ﷺ الراية عليّ بن أبي طالب ﵁، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل رسول الله ﷺ حصونهم، فأسمعوا المسلمين سب رسول الله ﷺ ، فلقي على رسول الله ﷺ ، فعرض له بأن لا يدنو منهم من أجل ما سمع. فقال له رسول الله ﷺ : لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً. فلما رأوا النبي صلى الله
стр. 214
عليه وسلم أمسكوا عما كانوا يقولون. فنزل رسول الله ﷺ على بئر من آبارهم يقال لها " بئر أنا " (١) وقيل " بئر أني "، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمساً وعشرين [ليلة] (٢)، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، وهي: إما الأسلام؛ وإما قتل ذراريهم ونسائهم ثم القتال حتى يموتوا؛ وإما تبيت النبي ﷺ ليلة السبت ظنا منه أن المسلمين قد أمنوا منهم. وأبوا كل ذلك، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس فأرسله ﷺ إليهم، فلما أتاهم أجتمع إليه رجالهم والنساء والصبيان، فقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد قال: نعم. أشار إليهم أنه الذبح. ثم ندم أبو لبابة من وقته وعلم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه ولم يرجع إلى النبي ﷺ ، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ. وعاهد الله تعالى أن لا يدخل أرض بني قريظة أبداً، ولا يكون بأرض خان الله ورسوله فيها. وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: لو أتاني لا ستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقعه من مكانه حتى يتوب الله عليه. فنزلت التوبة على رسول الله ﷺ في أمر أبي لبابة، فتولى رسول الله ﷺ إطلاقه بيده، وقيل: إنه رضوان الله تعالى عليه أقام مرتبطاً بالجذع ست ليالٍ لا يحل إلا للصلاة. (٣).
стр. 215
ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول الله ﷺ . وأسلم ليلة نزولهم ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من هدل، من بني عم قريظة والنضير.
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول الله ﷺ ، فنجا، ولم يعلم أين وقع.
فلما نزلت بنو قريظة على حكمه، ﷺ ، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا. فقال رسول الله ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة في المسجد، تسكنها رفيدة الأسلمية وكانت امرأة صالحة تقوم على المرضى، وتداوي الجرحى ليعوده النبي صلى الله عليه وسلممن قريب. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد ليؤتي به فيكم في بني قريظة، فأتى به على حمار، وقد وطئ له بوسادة أدم، وأحاط به قومه، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك. فقال لهم سعد: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض (١) من معه إلى ديار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة، فلما أظل سعد على رسول الله ﷺ ، قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم. فقام المسلمون، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن