← Сира

Сира · id 1036

جوامع السيرة - ط المعارف

ابن حزم

Полный текст (287 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ورماه حبان بن قيس ابن العرقة (١)، وقد قيل: بل رماه أبو أسامة الجشمي (٢) حليف بني مخزوم، وقيل: إن سعداً دعا إذ أصيب رضوان الله عليه فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم (٣) من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. ولما اشتدت الحال وصعب الأمر أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف ابن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم. قالوا: صدقت. فقال: إن قريشاً وغطفان ليسوا كذلك ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم؛ ولا طاقة لكم بمحمد إن تركتم معه، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً. فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم نهض إلى قريش، فقال لأبي سفيان: قد عرفتم

стр. 212

صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفكموه، فاكتموا عني. قالوا: وما هو قال: اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهناً يدفعونه إلى محمد، ويرجعون معه عليكم. فشكرته قريش على ذلك. ثم نهض حتى أتى غطفن فقال لهم مثل ما قال لقريش. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال. فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً. فردوا إليهم الرسول: والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا. فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم. فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله تعالى عليهم ريحاً عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم. وبعث رسول الله ﷺ إليهم حذيفة بن اليمان عيناً، فأتاه بخبر رحيلهم، ورحلت قريش وغطفان. فلما أصبح رسول الله ﷺ وقد ذهب الأحزاب، رجع عن الخندق إلى المدينة، ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريل عن الله تعالى بالنهوض إلى بني قريظة (١)، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم. ورأى قوم من المسلمين يومئذ جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة ديباج، ثم مر عليهم دحية بعد ذلك.

стр. 213

فأمر رسول الله ﷺ أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة. ونهض المسلمون، فوافاهم وقت العصر في الطريق، فقال بعضص المسلمين: نصلي، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها. وقال آخرون: لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ أن نصليها. فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلاً؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم يعنف من الطائفين أحداً. أما التعنيف فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية وهو يعلم أنها معصية؛ وأما من تأويل قصداً للخير، فهو وإن لم يصادف الحق غير معنف؛ وعلم الله تعالى أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيام (١)؛ ولا فرق بين نقله ﷺ صلاةً في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة، وبين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة، وصلاة العصر من يوم عرفة على قوت الظهر، والطاعة في ذلك واجبة. رجع الخبر: فأعطى رسول الله ﷺ الراية عليّ بن أبي طالب ﵁، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل رسول الله ﷺ حصونهم، فأسمعوا المسلمين سب رسول الله ﷺ ، فلقي على رسول الله ﷺ ، فعرض له بأن لا يدنو منهم من أجل ما سمع. فقال له رسول الله ﷺ : لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً. فلما رأوا النبي صلى الله

стр. 214

عليه وسلم أمسكوا عما كانوا يقولون. فنزل رسول الله ﷺ على بئر من آبارهم يقال لها " بئر أنا " (١) وقيل " بئر أني "، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمساً وعشرين [ليلة] (٢)، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، وهي: إما الأسلام؛ وإما قتل ذراريهم ونسائهم ثم القتال حتى يموتوا؛ وإما تبيت النبي ﷺ ليلة السبت ظنا منه أن المسلمين قد أمنوا منهم. وأبوا كل ذلك، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس فأرسله ﷺ إليهم، فلما أتاهم أجتمع إليه رجالهم والنساء والصبيان، فقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد قال: نعم. أشار إليهم أنه الذبح. ثم ندم أبو لبابة من وقته وعلم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه ولم يرجع إلى النبي ﷺ ، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ. وعاهد الله تعالى أن لا يدخل أرض بني قريظة أبداً، ولا يكون بأرض خان الله ورسوله فيها. وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: لو أتاني لا ستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقعه من مكانه حتى يتوب الله عليه. فنزلت التوبة على رسول الله ﷺ في أمر أبي لبابة، فتولى رسول الله ﷺ إطلاقه بيده، وقيل: إنه رضوان الله تعالى عليه أقام مرتبطاً بالجذع ست ليالٍ لا يحل إلا للصلاة. (٣).

стр. 215

ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول الله ﷺ . وأسلم ليلة نزولهم ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من هدل، من بني عم قريظة والنضير. وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول الله ﷺ ، فنجا، ولم يعلم أين وقع. فلما نزلت بنو قريظة على حكمه، ﷺ ، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا. فقال رسول الله ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة في المسجد، تسكنها رفيدة الأسلمية وكانت امرأة صالحة تقوم على المرضى، وتداوي الجرحى ليعوده النبي صلى الله عليه وسلممن قريب. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد ليؤتي به فيكم في بني قريظة، فأتى به على حمار، وقد وطئ له بوسادة أدم، وأحاط به قومه، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك. فقال لهم سعد: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض (١) من معه إلى ديار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة، فلما أظل سعد على رسول الله ﷺ ، قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم. فقام المسلمون، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن

стр. 216

الحكم فيهم لما حكمت قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا في الناحيثة التي فيها رسول الله ﷺ ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالاً له فقال رسول الله ﷺ : نعم. قال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء. فقال له رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. (١). فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى موضع سوق المدينة اليوم، فخندق بها خنادق، ثم أمر رسول الله ﷺ فضربت أعناقهم في تلك الخنادق. وقتل يومئذ حيي بن أحطب والد أم المؤمنين صفية، وكعب بن أسد، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة. وقتل من نسائهم امرأة واحدة، وهي بنابة (٢) امرأة الحكم القرظي، التي طرحت الرحى على خلاد ابن سويد بن الصامت فقتلته، وأمر رسول الله ﷺ بقتل كل من أنبت، وترك من لم ينبت. ووهب رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير باطا، فاستحياهم، منهم عبد الرحمن بن الزبير، أسلم وله صحبة. ووهب أيضاً ﷺ رفاعة بن شمويل القرظي لأم المنذر سلمى (٣) بنت قيس من بني النجار، وكانت قد صلت القبلتين، فأسلم رفاعة وله صحبة، وكان ممن لم ينبت (٤).

стр. 217

واستحيا عطية القرظي، وله صحبة. وقسم رسول الله ﷺ أموال بني قريظة، فأسهم للفارس صلاصة أسهم، وللراجل سهماً، وكان الخيل يومئذ في المسلمين ستةً وثلاثين فرساً. ووقع للنبي ﷺ من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، إحدى (١) نساء بني عمرو بن قريظة، فلم تزل في ملكه حتى مات ﷺ . فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة متصلاً بأول ذي الحجة في السنة الرابعة من الهجرة. فلما تم أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الصالح: سعد بن معاذ رضول الله عليه، فانفجر عرقه فمات. وهو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، يعني سرور حملة العرش بروحه، ﵁. ذكر من استشهد يوم الخندق ويوم بني قريظة (٢) ذكرناهما معاً لأنهما متصلان، لم يكن بينهما فصل. أصيب يوم الخندق: سعد بن معاذ من بني عبد الأشهل. وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو. وعبد الله (٣) بن سهل كلاهما من بني عبد الأشهل.

стр. 218

ومن بني سلمة بن الخزرج: الطفيل بن النعمان. وثعلبة بن عنمة (١). ومن بني دينار بن النجار بن الخزرج: كعب بن زيد، أصابه سهم غرب فقتله (٢). وأصيب من المشركين يوم الخندق: [من بني عبد الدار]: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم مات منه بمكة. وقيل: بل هو عثمان بن منبه بن السباق. ومن بني مخزوم [بن يقظة]: نوفل بن عبد الله بن المغيرة، اقتحم الخندق فقتل فيه. [ومن بني عامر بن لؤي]: عمرو بن عبدود. وابنه (٣): حسل بن عمرو، من بني عامر بن لؤي. واستشهد يوم بني قريظة من المسلمين: خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو، من بني الحارث بنم الخزرج، طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته (٤).

стр. 219

ومات في الحصار: أبو سنان بن محصن بن حرثان الأسدي، أخو عكاشة بن محصن، فدفنه النبي ﷺ في مقبرة بني قريظة التي يتدافن فيها المسلمون السكان بها إلى اليوم. ولم يصب غير هذين. ولم يغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق (١)، والحمد لله رب العالمين. بعث عبد الله بن أبي عتيك إلى قتل سلام ابن أبي الحقيق، وهو أبو رافع (٢) ولما فتح الله تعالى في الكافر كعب بن الأشرف على يدي رجال من الأوس (٣)، رغبت الخزرج في مثل ذلك تزيداً في الأجر والغناء في الإسلام؛ فتذاكروا أن سلام بن أبي الحقيق من العداوة لرسول الله ﷺ والمسلمين على مثل حال كعب بن الأشرف، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم. فخرج إليه خنمسة نفر من الخزرج، كلهم من بني سلمة: وهم: عبد الله ابن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن الأسود (٤)، حليف لهم من المسلمين. وأمر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك، ونهاهم عن

стр. 220

قتل النساء والصبيان. فنهضوا حتى أتوا خيبر ليلاً، وكان سلام ساكناً في دار مع جماعة، وهو في علية منها، فتسوروا الدار، ولم يدعوا باباً من أبوابها إلا استوثقوا منه في خارج، ثم أتوا العلية التي هو فيها، فاستأذنوا عليه، فقالت امرأته: من أنتم فقالوا: أناس من العرب. فقالت: هذاكم صاحبكم فادخلوا. فلما دخلوا أغلقوا الباب على أنفسهم، فأيقنت بالشر وصاحت فهموا بقتلها، ثم ذكروا نهى النبي ﷺ عن قتل النساء، فأمسكوا عنها؛ ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقد على فراشه، أبيض في سواد الليل كأنه قبطية (١)، ووضع عبد الله بن عتيك سيفه في بطنه حتى أنفذه، وعدو الله يقول: قطني قطني (٢). ثم نزلوا. وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر، فوقع فوثئت رجله وثئا شديداً (٣)، فحمله أصحابه حتى أتوا منهراً من مناهرهم (٤)، فدخلوا فيه استتروا. وخرج أهل الآطام، وأوقدوا النيران في كل وجه، فلما يئسوا رجعوا، فقال المسلمون: كيف لنا و [أن] نعلم أن عدو الله قد مات فرجع أحدهم، ودخل بين الناس، ثم رجع إلى أصحابه فذكر لهم أنه وقف مع الجماعة، وأنه سمع امرأته تقول: والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم [أكذبت نفسي] (٥) وقلت: أني ابن عتيك بهذه البلاد! ثم إنها نظرت في وجهه فقالت: فاظ وإله يهود. قال: فسررت،

стр. 221

وانصرف إلى أصحابه فأخبرهم بهلاكه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، وتداعوا في قتله، فقال ﷺ : هاتوا سيوفكم. فأروه إياها، فقال عن سيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. غزوة بني لحيان (١) وأقام رسول الله ﷺ بعد فتح قريظة بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفراً، وربيعاً الأول، وربيعاً الآخر، وجمادي الأولى، ثم خرج وهو الشهر السادس من فتح بني قريظة، في الشهر الثالث من السنة السادسة من الهجرة، كذا قالوا، والصحيح: أنها السنة الخامسة قاصداً إلى بني لحيان، مطالباً بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن عديّ وأصحابهما، المقتولين بالرجيع، وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل. فسلك ﷺ على غراب، جبل بناحية على طريق الشام إلى مخيض (٢)، [ثم إلى] البتراء، ثم أخذ ذات اليسار فخرج على يين (٣)، ثم على صخيرات اليمام، ثم أخذ المحجة من طريق مكة، فأغذ السير حتى نزل غران (٤)،

стр. 222

واد بين أمج وعسفان، وهي منازل بني لحيان، إلى أرض يقال لها: ساية (١)، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فخرج رسول الله ﷺ إذ فاته غرتهم وتمنعوا في مائتي راكب من أصحابه، حتى نزل عسفان، وبعث ﵇ رجلين من أصحابه فارسين، حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا، ورجع ﵇ قافلا إلى المدينة. غزوة ذي قرد (٢) وفي غزوة بني لحيان قالت الأنصار: إن المدينة خالية منا، وقد بعدنا عنها، ولا نأمن عدونا يخالفنا إليها، فأخبرهم رسول الله ﷺ أن على كل نقب من أنقابها ملكا يحميها بأمر الله . ثم قفل حينئذ، فما هو إلا أن نزل المسلمون المدينة وبقوا ليالي، وأغار عليهم عيينة ابن حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاكتسحوا لقاحا لرسول الله ﷺ ، وفيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الغفارى، وحملوا المرأة واللقاح. وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، وكان ناهضا إلى الغابة (٣)، فلما علا ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار، فصاح، فأنذر المسلمين، ثم نهض في آثارهم، فأبلى بلاء عظيما، ورماهم بالنبل حتى استنقذ

стр. 223

ما كان بأيديهم. فلما وقعت الصيحة بالمدينة، فكان أول من أتى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن الأسود، ثم عباد بن بشر بن وقش من بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وأسيد ابن ظهير أخو بني الحارثة، وعكاشة بن محصن الأسدي، ومحرز بن نضلة الأسدي الأخرم (١)، وأبو قتادة الحارثة بن ربعي أخو بني سلمة، وأبو عياش بن زيد بن الصامت أخو بني زريق. فلما اجتمعوا أمر رسول الله ﷺ عليهم سعد بن زيد، وقيل: إن رسول الله ﷺ أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص، وكان أحكم للفروسية من أبي عياش. وأول من لحق بهم: فمحرز بن نضلة الأخرم، فقتل ﵁، وكان على فرس لمحمود بن مسلمة من بني عبد الأشهل، أخذه إذ كان صاحبه غائباً، فلما قتل رجع الفرس إلى آريه (٢) في بن عبد الأشهل؛ وقيل: قتله عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، فركب فرسه، ثم قتل سلمة عبد الرحمن، واسترجع الفرس. وكان اسم فرس المقداد: سبحة، وقيل: بعزجة (٣)؛ وفرس معاذ بن وقش: لماع (٤)؛ وفرس عكاشة بن محصن: ذو اللمة؛ وفرس سعد ابن زيد: لاحق؛ وفرس أبي قتادة: جروة (٥)؛ وفرس أسيد بن

стр. 224

ظهير: مسنون؛ وفرس أبي عياش؛ جلوة، والفرس الذي ركب الأخرم: الجناح (١). وولى المشركون منهزمين، وبلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له ذو القرد، ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة، وأقام رسول الله ﷺ ليلة ويوماً، ثم رجع إلى المدينة. وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة رسول الله صلة الله عليه وسلم، فلما أتت المدينة نذرت أن تنحرها، فأخبرها رسول الله ﷺ أنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك، وأخذ ﵇ ناقته. غزوة بني المصطلق (٢) ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة، ورجباً، وباقي العام، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان من السنة السادسة من الهجرة، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، وقيل: بل نميله بن عبد الله الليثي، وأغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وعم غارون (٣)، على ماء يقال له: المريسيع (٤)، من ناحية

стр. 225

قديد إلى الساحل، فقتل من قتل منهم، وسبى النساء والذرية. ومن ذلك السبى كانت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فأدى عنها رسول الله ﷺ ، فأعتقها وتزوجها. وأصيب في هذه الغزوة هشام يبن صبابة الليثي، من بنى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة ابن الصامت خطأ، وهو يظنه من العدو. وفي رجوع رسول الله ﷺ من هذه الغزوة قال عبد الله ابن أبي بن سلول: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل "، وذلك لشرٍ وقع لبني جهجاه بن مسعود (١) الغفاري أجير عمر بن الخطاب، وبين سنان بن وبر الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج، فنادى فنادى الغفاري؛ يا للمهاجرين. ونادى الجهني: يا للأنصار. وبلغ زيد بن أرقم رسول الله ﷺ مقالة عبد الله بن أبي. فنزل في ذلك من عند الله تعالى سورة المنافقين. وتبرأ عبد الله بن أبي من أبيه، وأتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل، والله إن شئت لتخرجنه يا رسول الله. ووقف لأبيه قرب المدينة، فقال: والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ في الدخول فتدخل حينئذ.

стр. 226

وقال أيضاً عبد الله بن عبد الله لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل أبي، وإني أخشى إن أمرت بذلك غيري لا تدعني نفسي أرى أبي قاتل أبي يمشي على الأرض، فأقتله به، فأدخل النار إذا قتلت مسلماً بكافر، وقد علمت الأنصار أبي من أبرها بأبيه، ولكن، يا رسول الله، إذا أردت قتله فمرني بذلك، فأنا والله أحمل إليك رأسه. فقال له رسول الله ﷺ خيراً. وأخبره أنه لا يسيء إلى أبيه. وقدم من مكة مقيس بن صبابة، مظهراً الإسلام، وطالباً دية أخيه هشام بن صبابة، فأمر له رسول الله ﷺ بها، فأخذها، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، وفر إلى مكة كافراً. وهو الذي أمر رسول الله ﷺ بقتله يوم فتح مكة، في جملة من أمر بقتله. وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق: أمت أمت. ولما علم المسلمون أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية أعتقوا كل ما كان في أيديهم من بني المصطلق، كرامةً لمصاهرة رسول الله ﷺ ، فلقد أطلق بسببها أهل بيتٍ من قومها. ثم إن رسول الله ﷺ بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم بأزيد من عامين: الوليد بن عقبة بن أبي معيط مصدقاً (١)، فخرجوا ليتلقوه، ففزع، فرجع وأخبر رسول الله ﷺ أنهم هموا بقتله، فتكلم الناس في غزوهم، ثم أتى وافدهم منكراً لرجوع مصدقهم، قبل أن يلقاهم، معرفين أنهم إنما خرجوا متلقين له مكرمين لوروده،

стр. 227

فنزلت في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [سورة الحجرات، الآية: ٦] وفي مرجع الناس من غزوة بني المصطلق قال أهل الإفك ما قالوا، وأنزل الله تعالى في ذلك براءة عائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها ما أنزل (١). وقد روينا من طرقٍ صحاح (٢): أن سعد بن معاذ كانت له في شيء من ذلك مراجعة مع سعد بن عبادة، وهذا عندنا وهم، لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح قريظة، بلا شك، وفتح بني قريظة في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة من الهجرة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة، بعد سنةٍ وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقالة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة (٣). وذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد وغيره: أن المقاول لسعج بن عبادة إنما كان أسيد بن الحضير. وهذا هو الصحيح، والوهم لم يعر منه أحد من بني آدم، إلا من عصم الله تعالى (٤).

стр. 228

غزوة الحديبية (١) فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة، بعد منصرفه من غزوة بني المصطلق، رمضان، وشوالاً، وخرج في السنة السادسة في ذي القعدة معتمراً، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة، فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب، وساق الهدى، وأحرم بالعمرة من ذي الحليفة، ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب، وخرج في ألف رجل ونيف، المكثر يقول: ألف وخمسمائة لا تزيد أصلاً؛ والمقلل يقول: ألف وثلاثمائة؛ والمتوسط يقول: ألف وأربعمائة. وقد قال بعضهم: كانوا سبعمائة، وهذا وهم شديد ألبتة، والصحيح بلا شك بين الألف والثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة (٢). فلما بلغ قريشاً ذلك خرج حمها (٣) عازمين على صدّ رسول الله ﷺ عن البيت، أو قتاله دون ذلك. وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغمم. فورد الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ وهو بعسفان، فسلك طريقاً خرج منه في ظهورهم، كان دليلهم فيه رجل من أسلم، وذلك ذات اليمين [بين] ظهري الحمض، في طريقٍ أخرجه على ثنيه المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة، فلما بلغ ذلك قريشاً

стр. 229

التي مع خالد، كرت إلى قريش، فلما كان رسول الله ﷺ بالمكان الذي ذكرنا بالحديبية، بركت ناقته، فقال الناس: خلأت (١). وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم نزل رسول الله ﷺ هنالك، فقيل له: يا رسول الله، ليس بالوادي ماء. فأخرج سهماً من كنانته، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء (٢)، حتى كفى جميع أهل الجيش. وقيل: إن الذي نزل بالسهم في القليب ناجية بن جندب ابن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله ﷺ ؛ وقيل: بل نزل به البراء بن عازب. ثم جرت السفراء بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، وطال الخطب، إلى أن أتاه ﷺ سهيل بن عمرو، فقاضاه على أن ينصرف عامه ذلك، فإذا كان من قابلٍ أتى معتمراً، ودخل مكة وأصحابه بلا سلاح، حاشا السيوف في القرب فقط، فيقيم بها ثلاثاً ولا مزيد، على أن يكون بينهم صلح متصل عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس ويأمن بعضهم بعضاً، وعلى أن من جاء من الكفار إلى المسلمين مسلماً من رجل أو امرأة رد إلى الكفار، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار مرتدا لم يرد إلى المسلمين. فعظم ذلك على المسلمين، حتى

стр. 230

كان لبعضهم فيه كلام، وكان رسول الله ﷺ أعلم بما علمه ربه تعالى، وقد علم ﵇ أن الله تعالى سيجعل للمسلمين فرجاً مضموناً من عند الله تعالى، وأنذر المسلمين بذلك، وعلم ﵇ أن هذا الصلح قد جعله الله تعالى سبباً لظهور الإسلام. وأنس الناس بعد نفارهم، وكره سهيل بن عمرو أن يكتب صدر الصحيفة " محمد رسول الله " وأبى عليّ بن أبي طالب، وهو كاتب الصحيفة، أن يمحو بيده " رسول الله " ﷺ (١)، فمحا رسول الله ﷺ هذه الصفة بيده، وأمر الكاتب أن يكتب " محمد بن عبد الله ". وأتى أبو جندل بن سهيل، يرسف في قيوده، فرده رسول الله ﷺ إلى أبيه بعد أن أجاره مكرز بن حفص (٢)، فعظم ذلك على المسلمين، فأخبرهم ﵇ أن الله سيجعل له فرجاً. وكان قد أتى قوم من عند قريش، قيل: ما بين الأربعين إلى الثلاثين، فأرادوا الإيقاع بالمسلمين، فأخذوا أخذاً، فأطلقهم رسول الله ﷺ ، فهم العتقاء الذين ينتمون إليهم العتقيون. وكان ﵇ قبل تمام هذا الصلح قد بعث عثمان بن عفان إلى مكة رسولا، وشاع أن المشركين قتلوه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المبايعة على الموت، وأن لا يفروا عن القتال، وهي بيعة الرضوان، التي كانت تحت الشجرة، التي أنثنى الله تعالى على أهلها، وأخبر ﵇ أنهم لا يدخلون النار.

стр. 231

وضرب رسول الله ﷺ بيساره على يمينه، وقال: هذه عن عثمان. فلما تم الصلح المذكور أمر رسول الله ﷺ أن ينحروا ويحلوا، ففعلوا بعد إباء كان منهم وتوقف أغضب رسول الله ﷺ ، ثم وفقهم الله تعالى ففعلوا، وقيل: إن الذي حلق رأس رسول الله ﷺ خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأتاه أبو بصير عتبة ابن أسيد بن جارية هارباً، وكان ممن حبس بمكة، وهو ثقفي حليف لبني زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق الثقفي، رجلاً من بني عامر بن لؤي ومولى لهم، فأتيا النبي ﷺ ، فأسلمه إليهما، فاحتملاه، فلما صار بذي الحذيفة نزلوا، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: أرني هذا السيف. فلما صار بيده، ضرب به العامري فقتله، وفر المولى فأتى النبي ﷺ فأخبره بما وقع. وأظل أبو بصير، فقال: يا رسول الله وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم، وقد امتنعت بديني أن أفتتن فيه أو يعبث بي (١)، فقال رسول الله ﷺ : ويل أمه، مسعر حرب (٢)، لو كان له رجال. فعلم أبو بصير أنه سيرده، فخرج حتى أتى سيف البحر، موضعاً يقال له: العيص، من ناحية ذي المروة، على طريق قريش إلى الشام، فقطع على رفاقهم (٣)، فاستضاف إليه كل من فر عن قريش ممن أراد

стр. 232

الإسلام، فآذوا قريشاً، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ بأن يضمهم إلى المدينة. وأنزل الله تعالى بفسخ الشرط المذكور في رد النساء، ومنع تعالى من ردعن. ثم نسخت براءة كل ذلك، والحمد لله رب العالمين. وهاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فأتى أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة فيها، فمنع الله تعالى من رد النساء، وحرم الله تعالى حينئذ على [المؤمنين] (١) الإمساك يعضم الكوافر، فنفسخ نكاحهن من المسلمين؛ ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. غزوة خيبر (٢) فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة مرجعه من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية من المحرم غازياً إلى خيبر، وذلك قرب آخر السنة السادسة من الهجرة (٣). واستخلف رسول الله ﷺ نميلة بن عبد الله الليثي،

стр. 233

ودفع الراية إلى علي بن أبي طالبن وقيل: إنها كانت بيضاء. وسلك على عصر (١)، فبنى له بها مسجد (٢)، ثم على الصهباء، ثم نزل بواد يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانت غطفان قد أرادت إمداد يهود خيبر فلما خرجوا أسمعهم الله تعالى من ورائهم حساً راعهم، فانصرفوا، وبدا لهم فأقاموا في أماكنهم. وجعل رسول الله ﷺ يفتتح الآطام والحصون والأموال مالاً مالا. فأول حصونهم افتتح حصن اسمه: ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى فقتلته؛ ثم القموص، حصن بني أبي الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن (٣): صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وبنتي (٤) عم لها، فوهب ﵇ صفية لدحية، ثم ابتاعها منه بتسعة أرؤس، وجعلها عند أم سليم، حتى اعتدت وأسلمت، ثم أعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فصارت سنة مستحبة لكل من أراد أن يفعل ذلك إلى يوم القيامة. وفي غزوة خيبر حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية، وأخبر أنها رجس، وأمر بالقدور فألقيت وهي تفور بلحومها، وأمر بغسل

стр. 234

القدور بعد، وأحل حينئذ لحوم الخيل وأطعمهم إياها. ثم فتح حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر حصن أكثر طعاماً من، ولا أوفر ودكاً منه (١). وآخر ما افتتح ﵇ من حصونهم: الوطيح والسلالم، حاصرهما بضع عشرة ليلة. وكان شعار المسلمين يوم خيبر أمت أمت. ووقف إلى بعض حصونهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، فلم يفتحاه، فدفع رسول الله ﷺ الراية إلى علي رضوان الله عليه، ففتحه، وكان أرمد، فتفل في عينيه، فبرئ. وكان فتح خيبر: الأرض كلها وبعض الحصون عنوة وهي الأكثر [وبعضها] (٢) صلحاً على الجلاء، فقسمها رسول الله ﷺ بعد أن عزل الخمس، وأقر اليهود على أن يعتملوها (٣) بأموالهم وأنفسهم، ولهم النصف من كل ما يخرج منها من زرع أو ثمر، ويقرهم على ذلك ما بدا له. فبقوا على ذلك حتى مات رسول الله ﷺ ، ومدة خلافة أبي بكر، وجمهور خلافة عمر؛ فلما كان في آخر خلافته، بلغه أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي مات فيه أن لا يبقى في جزيرة العرب دينان. فأمر بإجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب، وأخذ المسلمون ضياعهم من مقاسم خيبر، فتصرفوا فيها. وكان

стр. 235

متولي قسمتها بين أصحابها جبار بن صخر من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار. وفي فتح خيبر أهدت يهودية تسمى زينب بنت الحارث، امرأة سلام ابن مشكم، إلى رسول الله ﷺ شاة مصلية (١)، قد جعلت فيها السم، وكان أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ الذراع، فتناول رسول الله ﷺ ، فلاك منها مضغة، وكان معه ﵇ بشر بن البراء بن معرور من بني سلمة، فأكل منه وازداد (٢) لقمة، فقال ﵇: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ولفظ لقمةً، ثم دعا باليهودية فاعترفت، ومات بشر من أكلته تلك، رضوان الله عليه، ولم يقتل ﵇ اليهودية (٣). وكان المسلمون يوم خيبر ألفاً وأربعمائة رجل ومائتي فارس. ووقع سهم زبير بن العوام بالخوع (٤) من النطاة؛ ووقع أيضاً بالنطاة سهم بني بياضة وبني الحارث بن الخزرج؛ ووقع بنو عوف بن الخزرج ومزينة في ناعم من النطاة، ووقع سهم عاصم بن عدي أخي بني عجلان مع سهم رسول الله ﷺ ؛ وسهم عبد الرحمن بن عوف، وسهام بني ساعدة، وبني النجار، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وغفار، وأسلم، وعمر بن الخطاب، وبني سلمة، وبني حارثة، وجهينة، وثقيف من العرب -: في الشق.

стр. 236

وكان عبيد بن أوس من بني حارثة بن عوف، عرف يومئذ بعبيد السهام، لكثرة ما اشترى من سهام الناس يومئذ. واشترى عمر مائة سهم بخيبر، فهي صدقته الباقية إلى اليوم، وإلى يوم القيامة. ذكر من استشهد يوم خيبر (١) ربيعة بن أكثم بن سخبرة (٢) بن عمرو بن لكيز (٣) بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. وثقف بن عمرو بن سميط بن ثعلبة بن عبد الله بن غنم بن دودان. ورفاعة بن مسروح وهؤلاء كلهم من بني أمية بن عبد شمس. ومسعود بن ربيعة، من القارة، حليف بني زهرة. وعبد الله بن الهبيب وقيل: [ابن الهبيب] (٤) بن أهيب ابن سحيم بن غيرة، [من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة] (٥)، حليف بني أسد بن عبد العزى وابن أختهم. وبشر بن البراء بتن معرور، من بني سلمة، مات من السم الذي أكله مع رسول الله ﷺ . وفضيل بن النعمان، من بني سلمة أيضاً.

стр. 237

ومسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق. ومحمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ابن الأوس، حليف لبني عبد الأشهل. وابو ضياح ثابت (١) بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو ابن عوف، من أهل قباء. ومبشر بن عبد المنذر (٢) بن دينار بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف. والحارث بن حاطب. وأوس بن قتادة. وعروة (٣) بن مرة بن سراقة. وأوس بن القائد. وأنيف بن حبيب. وثابت بن أثلة (٤). وطلحة. والأسود الراعي، واسمه: أسلم (٥) - كل هؤلاء من بني عمرو بن عوف. ومن بني غفار:

стр. 238

عمارة بن عقبة بن حارثة بن غفار بن مليل بن ضمرة، أصابه سهم. ومن أسلم: عامر بن الأكوع. وإثر فتح خيبر قدم من الحبشة (١): جعفر بن أبي طالب، وامرأته: أسماء بنت عميس، وابناهما (٢): عبد الله ابن جعفر، ومحمد بن جعفر. وخالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس، مع امرأته: أمينة بنت خلف. وابناهما: سعيد، وأمة. وعمرو بن سعيد بن العاصي (٣)، وكانت امرأته فاطمة بنت صفوان الكنانية قد ماتت بأرض الحبشة. ومعيقيب بن أبي فاطمة، وهو الذي ولي بيت المال لعمر، وهو حليف آل عتبة بن ربيعة. والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل، وابناه: عمرو بن جهم، وخزيمة بنت جهم. وهو من بني عبد الدار، وكانت امرأته: أحرملة بنت عبد الأسود، قد هلكت بأرض الحبشة.

стр. 239

والحارث بن خالد بن صخر، من بني تيم بن مرة، وكانت امرأته: ريطة بنت الحارث بن جبيلة، هلكت بأرض الحبشة. وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي. ومحمية بن جزء الزبيدي، حليف لبني سهم، ولاه رسول الله ﷺ الخمس. ومعمر بن عبد الله بن نضلة، من بني عدي بن كعب. وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، من بني عامر بن لؤي. ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس، من بني عامر بن لؤي، ومعه امرأته: عمرة بنت السعدي بن وقدان بن عبد شمس العامرية. وكان أتى سائر مهاجرة الحبشة قبل ذلك بسنتين، وكان هؤلاء المذكورون آخر من بقى بها (١). فتح فدك (٢) ولما اتصل بأهل فدك ما فعل رسول الله ﷺ بأهل خيبر، بعثوا إلى رسول الله ﷺ ليؤمنهم، ويتركوا الأموال. فأجابهم رسول الله ﷺ إلى ذلك، فكانت مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فلم تقسم لذلك، ووضعها ﵇ حيث أمره ربه تعالى.

стр. 240

فتوح وادي القرى (١) وانصرف رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادي القرى، فأصيب بها غلام اسمه: مدعم، أصابه سهم غرب فقتله (٢)، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال ﵇: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم، تشتعل عليه الآن ناراً؛ أو كما قال ﵇، فافتتحها عنوة وقسمها. عمرة القضاء (٣) فلما رجع رسول الله ﷺ من خيبر، أقام بها شهري ربيع، وشهري جمادى، ورجباً، وشعبان، ورمضان، وشوالا، فبعث في خلال ذلك السرايا، ثم خرج في ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة، قاصداً للعمرة، على ما عاهد عليه قريشاً حين الحديبية، وخرج أكابر قريش عن مكة، عداوة لله تعالى ولرسوله ﷺ . فأتم ﵇ عمرته، وتزوج هنالك بعد إحلاله ميمونة بنت الحارث، خالة ابن عباس وخالد بن الوليد؛ فلما تمت الثلاث أوجبت عليه قريش

стр. 241

أن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه حتى يبني بأم المؤمنين، فخرج فبنى بها بسرف (١)، وهنالك ماتت أيام معاوية، وبها دفنت، وقبرها هنالك إلى اليوم مشهور. غزوة مؤته (٢) فلما انصرف رسول الله ﷺ من عمرة القضاء، أقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفراً، وربيعاً، ثم بعث في جمادى الأولى من السنة الثامنة من الهجرة بعث الأمراء إلى الشام. وقد كان أسلم قبل ذلك وبعد الحديبية وبعد خيبر: عمرو بن العاصي، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وهم من كبار قريش. فبعث رسول الله ﷺ على الجيش زيد بن حارثة، فإن أصابه قدر فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن أصابه قدر فعلى الناس عبد الله بن رواحة. وشيعهم رسول الله ﷺ وودعهم، ثم انصرف ونهضوا. فلما بلغوا معان من أرض الشام، أتاهم الخبر: أن هرقل ملك الروم قد نزل أرض بني مآب، وهي أرض بني مآب المذكورين في كتب بني إسرائيل، وأنهم كانوا يغاورونهم في أيام دولتهم (٣)، وأنهم من بني لوط ﵇، وهي أرض البلقاء -: في مائة ألف من الروم،

стр. 242

ومائة ألف أخرى من نصارى أهل الشام من لخم، وجذام، وقبائل قضاعة: من بهرام وبلى وبلقين، وعليهم رجل من بني إراشة من بلى، يقال له: مالك بن راقلة (١). فأقام المسلمون في معان ليلتين، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فيأمرنا بأمره أو يمدنا. فقال (٢) عبد الله بن رواحة: يا قوم، إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون يعني الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، وما نقاتلهم إلا بهذا الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين (٣): إما ظهور، وإما شهادة. فوافقه الجيش على هذا الرأي، ونهضوا، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقوا الجموع التي ذكرناها مع هرقل إلى جنب قرية يقال لها: مشارف، وصار المسلمون في قرية يقال لها: مؤتة، فجعل المسلمون على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذرى، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري، وقيل: عبادة. واقتتلوا، فقتل الأمير الأول: زيد بن حارثة، ملاقياً بصدره الرماح، والراية في يده؛ فأخذها جعفر بن أبي طالب، ونزل عن فرس شقراء، وقيل: إنه عقرها، فقاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بيسراه، فقطعت، فاحتضنها، فقتل كذلك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأخذ عبد الله بن رواحة الراية، وتردد عن النزول بعض التردد، ثم صمم، فقاتل حتى قتل. فأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا:

стр. 243

أنت؛ قال: لا. فأخذها خالد بن الوليد، وانحاز بالمسلمين، فأنذر النبي ﷺ بقتل الأمراء المذكورين قبل ورود الخبر، في يوم قتلهم بعينه. تسمية من استشهد يوم مؤتة (١) زيد بن حارثة، الأمير الأول. وجعفر بن أبي طالب، الأمير الثاني بعده. وعبد الله بن رواحة، الأمير الثالث. ومسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة، من بني عدي بن كعب. ووهب بن سعد بن أبي سرح، من بني حسل، ثم من بني عامر ابن لؤي. وعباد بن قيس، وهو وعبد الله بن رواحة من بني الحارث بن الخزرج. والحارث بن النعمان بن إساف بن نضله بن عوف بن غنم بن مالك ابن النجار. وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول، من بني مازن ابن النجار. وابو كليب، وقيل: أبو كلاب. وأخوه: جابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول. وعمرو، وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة

стр. 244

ابن مالك بن أفصى، من بني النجار. هؤلاء من ذكر منهم. وقيل: إن عدد المسلمين يوم مؤتة ثلاثة آلاف. غزوة فتح مكة (١) فأقام ﵇ بعد مؤتة جمادى ورجباً. ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عهد قريش المعقود يوم الحديبية، وهو: أن خزاعة كانت في عقد رسول الله ﷺ : مؤمنها وكافرها، وكانت كفار بني بكر بن عبد مناة بن كنانة في عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد بن كنانة في عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد مناة على قوم من خزاعة، على ماء يقال له: الوتير، بأسفل مكة. وكان سبب ذلك: أن رجلاً يقال له: مالك بن عباد الحضرمي، حليفاً لآل الأسود بن رزن، خرج تاجراً، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، وذلك قبل الإسلام بمدة، فعدت بنو بكر بن عبد مناة، رهط الأسود بن رزن، على رجل من بني خزاعة، فقتلوه بمالك بن عباد. فعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب، بني الأسود ابن رزن، فقتلوهم، وهؤلاء الإخوة أشراف بني كنانة، كانوا يودون في الجاهلية ديتين، ويؤدي سائر قومهم دية دية، وكل هذه المقاتل قبل الإسلام؛ فلما جاء الإسلام حجز ما بين من ذكرنا، واشتغل الناس به،

стр. 245

فلما كلنت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية أمن الناس بعضهم بعضاً، فاغتنم بنو الديل من بني بكر بن عبد مناة تلك الفرصة، وغفلة خزاعة، وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن. فخرج نوفل بن معاوية الدبلى بمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة، وليس كلهم تابعه، جاء حتى بيت خزاعة، وهم على الوتير، فاقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وأعانهم قوم من قريش بأنفسهم مستخفين، وانهزمت خزاعة إلى الحرم. فقال قوم نوفل بن معاوية: يا نوفل، الحرم، اتق الله إلهك. فقال الكافر: لا إله له اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تدركون فيه ثأركم فقتلوا رجلاً من خزاعة يقال له: منبه، وانجحرت في دور مكة (١)، فدخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار (٢) مولى لهم اسمه رافع، وكان هذا نقضاً للعهد الواقع يوم الحديبية. فخرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم أحد بني كعب، وبديل بن ورقاء، وقوم من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين مما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة وقريش، فأجابهم. وأنذرهم رسول الله ﷺ بأن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في المدة، وأنه سيرجع بغير حاجة. وندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة، فلقى بديل بن ورقاء بعسفان، فكتمه بديل مسيره إلى النبي ﷺ ، وأخبره [أنه] (٣)

стр. 246

إنما سار خزاعة على الساحل؛ فنهض أبو سفيان حتى أتى المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، أم المؤمنين، فذهب ليقعد على فراش رسول الله ﷺ ، فطوته دونه، فقال لها في ذلك. فقالت: هو من أثر رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه. فقال: لقد أصابك بعدي شر يا بنية. ثم أتى النبي ﷺ في المسجد، فكلمه، فلم يجبه بكلمة. ثم ذهب أبو سفيان إلى أبي بكر الصديق، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فيما أتى له، فأبى أبو بكر من ذلك، فلقي عمر فكلمه في ذلك، فقال عمر: أنا أفعل ذلك والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. فدخل على علي بيته، فوجد عنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، والحسن وهو صبي، فكلمه فيما أتى له، فقال له علي: والله ما نستطيع أن نكلم رسول الله ﷺ في أمر قد عزم عليه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فقالت: ما بلغ بني ذلك، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ . فقال علي: يا أبا سفيان، أنت سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك. فقال: أترى ذلك مغنياً عني شيئاً قال: ما أظن ذلك، ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب فانطلق راجعاً إلى مكة حتى قدمها، وأخبر قريشاً بما فعل وبما لقي، فقالوا له: ما جئت بشيء، وما زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك. ثم أعلم رسول الله ﷺ أنه سائر إلى مكة، فأمرهم

стр. 247

بالتجهز لذلك، ودعا الله تعالى أن يأخذ عن قريش بالأخبار (١). فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتاباً يخبرهم فيه بقصد رسول الله ﷺ . فأتى الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، فدعا علي بن أبي طالب والزبير والمقداد، وهم فرسان، فقال لهم: انطلقوا إلى روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب لقريش. فانطلقوا، فلما أتوا المكان الذي وصف لهم رسول الله ﷺ ، وجدوا المرأى فأناخوا بها، ففتشوا رحلها كله فلم يجدوا شيئاً، فقالوا: والله ما كذب رسول الله ﷺ . فقال علي: والله لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فحلت قرون رأسها، فأخرجت الكتاب منها؛ فأتوا به النبي ﷺ ، فلما قرئ عليه قال: ما هذا يا حاطب فقال حاطب: يا رسول الله، والله ما شككت في الإسلام، ولكني ملصق في قريش، فأردت أن أتخذ عندهم يداً يحفظونني بها في شأفتي (٢) بمكة وولدي وأهلي. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر، لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وخرج رسول الله ﷺ في عشرة آلاف، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وذلك لعشر خلون من رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، بين عسفان وأمج، فأفطر بعد صلاة

стр. 248

العصر، وشرب على راحلته علانية ليراه الناس، وأمر بالفطر، فبلغه ﷺ أ، قوما تمادوا على الصيام فقال: أولئك العصاة. فكان هذا نسخا لما تقدم من إباحة الصيام في السفر. ولم يسافر ﷺ بعدها في رمضان أصلا، فهذا الحكم في السفر ناسخ لما قبله، ولم يأت بعد شيء ينسخه، ولا حكم يرفعه. فلما نزل مر الظهران، ومعه من بني سليم ألف رجل، ومن مزينة ألف رجل وثلاثة (١) رجال، وقيل: من بني سليم سبعمائة، ومن غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم، ومن سائر القبائل أيضاً جموع. وقد أخفى الله تعالى عن قريش الخبر لدعوة رسول الله ﷺ ، إلا أنهم وجسون خائفون؛ وقد خرج أبو سفيان، وبديل بن ورقاء، وحكم بن حزام، يتجسسون الأخبار. وقد كان العباس بن عبد المطلب هاجر في تلك الأيام، فلقى رسول الله ﷺ بذي الحليفة، فبعث ثقله إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله ﷺ غازيا. فالعباس من المهاجرين من قبل الفتح، وقيل: بل لقيه بالجحفة. وذكر أيضاً أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، أخا أم سلمة أم المؤمنين، لقياه بنيق العقاب مهاجرين؛ فاستأذنا رسول الله ﷺ ، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة فأذن لهما، فأسلما.

стр. 249

فلما نزلوا بمر بمر الظهران أسفت نفس العباس على ذهاب قريش، إن فجئهم الجيش قبل أن يأخذوا (١) لأنفسهم فيستأمنوا (٢)، فركب بغلة النبي ﷺ ونهض، فلما أتى الأراك وهو يطمع أن يرى حطاباً أو صاحب لبن يأتي مكة فينذرهم؛ فبينما هو يمشي كذلك، إذ سمع صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتساءلان، وقد رأيا نيران عسكر النبي ﷺ ، وبديل يقول لأبي سفيان: هذه والله نيران خزاعة. فيقول له أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه: يا أبا حنظلة. فميز أبو سفيان صوته، فقال: أبو الفضل قال: نعم. فقال له أبو سفيان: ما الشأن فداك أبي وأمي. فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، وإصباح قريش! فقال له أبو سفيان: وما الحيلة فقال له العباس: والله إن ظفر بك ليقتلنك، فارتدف خلفي وانهض معي إلى رسول الله ﷺ . فأردفه العباس، فأتى به العسكر، فلما مر على نار عمر، نظر عمر إلى أبي سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد رسول الله ﷺ ، وسابقه العباس، فسبقه العباس على البغلة، وكان عمر بطيئاً في الجري، فدخل العباس ودخل عمر على أثره، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد، فأذن لي أضرب عنقه. فقال العباس: يا رسول الله، قد أجرته. فراده عمر الكلام، فقال العباس: مهلاً يا عمر، فلو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا،

стр. 250

ولكنه من بني عبد مناف. فقال عمر: مهلاً، فوالله لإسلامك، يوم أسلمت (١)، كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فأمر رسول الله ﷺ أن يحمله إلى رحله، ويأتيه به صباحاً، ففعل العباس ذلك. فلما أتى به النبي ﷺ قال (٢) له رسول الله ﷺ : ألم يأن لك ألم تعلم أنه لا إله إلا الله فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أنه لو كان معه إله غيره لقد أغنى. ثم قال له رسول الله ﷺ : ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك ألم تعلم أني رسول الله فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأصولك! أما هذه (٣) والله فإن في نفسي منها شيئاً حتى الآن. فقال له العباس: ويحك، أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً. فقال له رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وهذا القول من رسول الله ﷺ لكل من كان لا يقاتل من أهل مكة، بنص جلي لا إشكال فيه، فمكة مؤمنة بلا شك، ومن ثم لم تؤخذ عنوة بوجه من الوجه، ولم أمن مسلم من أي من المسلمين
следующие страницы →