رسائل
ابن حزم الأندلسي
هذه هي المجموعة الأولى من رسائل الفقيه الظاهري الكبير الإمام أبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم، وهي تضم أربع رسائل: هي طوق الحمامة في الألفة والألأف، ورسالة في مداواة النفوس، ورسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور، ورسالة في معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. وتمثل الرسالة الأولى رأي ابن حزم في الحب وأحواله وبواعثه، وقد نالت من الشهرة العالمية ما جعلها تترجم إلى عدة لغات، وتصبح موضوع دراسات متعددة، وهي بحق أثر بالغ القيمة وستظل دائماً موضع درس وتفسير. وتكملها الرسالة الثانية فهي عصارة تجارب ابن حزم في الحياة، وفي شؤون الناس ومحاولة لإيجاد فلسفة ذاتية من خلال تلك التجارب. وتمثل الرسالة الثالثة قبول ابن حزم الكلي بالغناء الملهي، وتضعيفه الأحاديث التي رويت في النهي عنه، ولهذا الموضوع مؤيدون ومعارضون على مر الزمن. وأما الرسالة الأخيرة فهي خفقة فكرية جميلة تقوم على الحوار الذاتي، فالرسائل الأربع في مجموعها ترتبط بموقف واحد، وسيتلوها مجموعات أخرى من رسائله في المستقبل القريب، إن شاء الله تعالى.
стр. 2
تصدير عام
- ١ -
رسائل ابن حزم
هذا أوان الشروع بنشر كل ما وقعت عليه اليد من رسائل أبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم في أجزاء متتابعة، مع مراعاة التقارب في الموضوعات، حيثما أمكن ذلك، وهي تضم مجموعة الرسائل التي وردت في النسخة المحفوظة بمكتبة شهيد علي باستانبول، وإليك وصفاً للمخطوطة ومحتوياتها:
في مكتبة " شهيد علي " مخطوط رقمه ٢٧٠٤، يرجع تاريخ نسخه إلى القرن العاشر الهجري، مكتوب بخط نسخي جميل، ولكن ما يكاد القارئ يمضي في قراءة سطوره متأملا متمعناً حتى يحكم بان جمال خطه يحجب وراءه كثيراً من الخطأ والتحريف. ويحتوي هذا المخطوط على ٢٦٥ ورقة، في كل ورقة ٢٣ سطراً، وفي كل سطر عدد من الكلمات يتراوح بين ١٠ - ١٤ كلمة. ويشمل في مجموعه كتاباً لابن حزم الأندلسي اسمه " كتاب الأصول والفروع " أو " كتاب يشتمل على أصول وفروع شتى ". وأبواب هذا الكتاب في جملتها صورة أخرى لكثير من الفصول التي وردت في كتاب " الفصل في الملل والنحل " لابن حزم، مع اختلاف يسير في التعبير، لعله يوحي بشيء من الإيجاز والتلخيص، أو لعل هذه الفصول كتبت قبل أن يكتب " الفصل " ثم أدخلها ابن
стр. 3
حزم فيه كما هي عادته في تواليفه، على ان أحد الذين تملكوا هذا الكتاب، كتب على هامش الورقة (٩٠) يقول إنه قرأ هذا الكتاب وهو كتاب المجلى لابن حزم من أوله إلى آخره قراءة بحث وتحقيق على الإمام شهاب الدين أحمد الميلي المالكي. والمجلى هو الكتاب الذي شرحه ابن حزم في المحلى، ولكن المشابهة بين كتاب الفروع وبعض فصول كتاب الفصل تكاد تكون تامة حرفية، فلعل متملك الكتاب وهم فيما قال.
ويلي كتاب الفروع خمس عشرة رسالة وردت على الترتيب التالي:
١ - رسالة البيان عن حقيقة الإيمان. (٩٠ ب - آخر ٩٨) .
٢ - رسالة في معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. (٩٩ - ١٠٠أ) .
٣ - رسالة الدرة في تحقيق الكلام فيما يلزم الإنسان اعتقاده (١٠٠ - ١٤١ب) .
٤ - رسالة التوقيف على شارع النجاة. (١٤٢أ - ١٤٥/ب) .
٥ - رسالة في الرد على الهاتف من بعد. (١٦٣/ب - آخر ١٦٧) .
٦ - رسالة في الرد على الهاتف من بعد. (١٦٣/ب - آخر ١٦٧) .
٧ - رسالة في مسألة الكلب. (١٦٨/أ - آخر ١٧١) .
٨ - رسالة في الجواب عما سئل عنه سؤال تعنيف. (١٧٢/أ - آخر ١٩٥) .
٩ - رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق. (١٩٦/أ - ٢٢١/أ) .
١٠ - رسالة في الإمامة. (٢٢١/ب - آخر ٢٢٥) .
١١ - رسالة في ألم الموت. (٢٢٦/ أب) .
١٢ - رسالة في أرواح الأشقياء. (٢٢٧/أ - ٢٣٢/أ) .
١٣ - رسالة في الغناء الملهي. (٢٣٢/ب - ٢٣٥/أ) .
стр. 4
١٤ - رسالة التلخيص لوجوه التخليص. (٢٣٥/ ب - ٢٥٣) .
١٥ - رسالة في مراتب العلوم. (٢٥٤/أ - آخر ٢٦٥/أ) .
وتنقطع الرسائل عند هذا الحد، وتنتهي مشتملات المخطوطة دون أن تتم، إذ كان يجب أن ترد بعد الرسالة الخامسة عشرة رسالة " في الوعد والوعيد وبيان الحق في ذلك من السنن والقرآن " [كتبها] إلى الأمير أبي الأحوص معن بن محمد التجيبي صاحب المرية.
وقد تم نشر هذه الرسائل في مجموعتين: الأولى بعنوان رسائل ابن حزم (القاهرة، ١٩٥٦) ؛ والثانية بعنوان: الرد على ابن النغريلة ورسائل أخرى (القاهرة، ١٩٦٠) ما عدا أربع رسائل هي رقم ٣، ٧، ١٠، ١٢ سيتم نشرها في هذه السللسة.
١٦ - رسالة الرد على الكندي الفيلسوف (وقد نشرت مع الرد على ابن النغريلة، وهي لاحقة بكتاب التقريب لحد المنطق) .
١٨ - ٢٢ - خمس رسائل ألحقت بكتاب جوامع السيرة.
٢٣ - رسالة في فضل أهل الأندلس (ومصدرها نفح الطيب) .
٢٤ - رسالة نقط العروس.
٢٥ - رسالة في أمهات الخلفاء (نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد ٣٤ (١٩٥٩) ص ٢٩١ - ٢٩٩) .
إلى رسائل أخرى قد يتم العثور عليها. وقد كان ابن حزم مكثراً من التأليف ولكن كثيراً مما كتبه مفقود أو محتجب.
стр. 5
- ٢ -
ما لم يصلنا بعد من مؤلفات ابن حزم
ذكرت في مقدمة المجموعة الثانية من رسائل ابن حزم (التي نشرتها بعنوان: الرد على ابن النغريلة ورسائل اخرى، القاهرة، ١٣٨٠ ١٩٦٠) مجموعة من مؤلفاته التي لم تصلنا، تمثل العشرين الأولى، ثم أضاف إليها الابن العزيز أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري عدداً آخر (في مجلة الفيصل، السنة الثالثة، العدد ٢٦) معتمداً في الأكثر على ترجمة ابن حزم في سير أعلام النبلاء للذهبي (ورمزنا إليه باسم: السير) :
١ - رسالة في الوعد والوعيد وبيان الحق في ذلك من السنن والقرآن، كتبها للأمير أبي الأحوص معن بن محمد التجيبي (انظر رسائل ابن حزم، مخطوطة شهيد علي، الورقة: ٢٦٥. والسير: الرسالة الصمادحية في الوعد والوعيد) .
٢ - كتاب كشف الالتباس لما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس (تذكرة الذهبي ٣: ١١٥٢، والنفح ١: ٣٦٥، والسير: ما وقع بين الظاهرية وأصحاب القياس) .
٣ - كتاب الصادع والرادع في الرد على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على من قال بالتقليد (تذكرة الذهبي ٣: ١١٥٢ والذخيرة ١/ ١: ١٤٣، والنفح ١: ٣٦٥، والسير: الرد على من كفر المتأولين من المسلمين في مجلد) .
٤ - كتاب الجامع في صحيح الأحاديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها (تذكرة الذهبي ٣: ١٢٥٢، والذخيرة ١/ ١: ١٤٣، والنفح ١: ٣٦٥، والمحلى ١١: ٣٧٩، والسير) .
٥ - كتاب شرح أحاديث الموطأ والكلام على مسائله (تذكرة الذهبي
стр. 6
٣ - ١١٥٢، والنفح ١: ٣٦٥، والسير: الإملاء في شرح الموطأ في ألف ورقة، وانظر مخطوطة شهيد علي من رسائله، الورقة ٣١/ أ.
٦ - كتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للكتابين التوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما " لا " يحتمل التأويل (تذكرة الذهبي ٣: ١١٤٧، والذخيرة ١/ ١: ١٤٣، والجذوة: ٢٩١، والسير) .
٧ - كتاب المجلى في الفقه على مذهبه واجتهاده، مجلد واحد (تذكرة الذهبي: ٣: ١١٤٧ وهو الذي شرحه في المحلى؛ وهو غير مفقود وإنما لم يجمع على حدة) .
٨ - الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام والحلال والحرام وسائر الأحكام على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول، وهو كتاب كبير جداً (تذكرة الذهبي ٣: ١١٤٧، والذخيرة ١/ ١: ١٤٣، وقد أشار إليه ابن حزم في الفصل ١: ١١٤، ١٧٢ وفي الإحكام ١: ٧٢، ٤: ١٦١، ٤: ٢٠٢) .
٩ - كتاب الإمامة والسياسة في قسم سير الخفلاء ومراتبها والندب إلى الواجب منها (الذخيرة ١/ ١: ١٤٣، والنفح ١: ٣٦٥ باسم كتاب الإمامة والخلافة الخ، وقد ذكر ابن حزم كتاب السياسة في التقريب: ١٨١، وهو يدل على أن السياسة بمعنى التدبير، وذكره ابن عباد الرندي في الرسائل الصغرى: ٥١ ونقل منه شيئاً في بعض أحوال النفس الإنسانية. وهذا يدل على أن كتاب " السياسة " مختلف في موضوعه عن كتاب " الخلافة والغمامة ".
١٠ - كتاب في أسماء الله تعالى (تذكرة الذهبي ٣: ١١٤٧، والنفح ١: ٣٦٥. قال الغزالي: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأبي
стр. 7
محمد بن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه؛ والسير: أسماء الله) .
١١ - فهرست شيوخ ابن حزم، (ذكره ابن خير في فهرسته وقال إنه قرأه على شريح بن محمد، وذكره عقيل بن عطية باسم البرنامج؛ وانظر السير: فهرسة ابن حزم) .
١٢ - الرد على ابن الإفليلي في شعر المتنبي (الصلة ١: ٢٧٤ في ترجمة عبد الله بن أحمد النباهي قال: " وله رد على أبي محمد بن حزم فيما انتقده على ابن الإفليلي في شرحه لشعر المتنبي ") . (وانظر المرقبة العليا: ٢٠، والسير بعنوان: التعقب على الإفليلي في شرحه لديوان المتنبي) .
١٣ - نقض العلم الالهي للرازي (ذكره ابن حزم في الفصل مرات، انظر رسائل فلسفية للرازي نشر ب. كراوس ١٧٠ - ١٧٥، والسير: كتاب الرد على ابن زكريا الرازي في مائة ورقة) .
١٤ - رد على إسماعيل بن إسحاق (ترجمته في تاريخ بغداد ٦: ٢٨٤) في كتابه الخمس (الإحكام ٣: ١٠٣، قال: ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه وفضحناه بحول الله وقوته، وفي السير: قسمة الخمس في الرد على إسماعيل القاضي) .
١٥ - كتاب فيما خالف فيه المالكية الطائفة من الصحابة (رسائل ابن حزم الورقة ١٨٠، قال: فقد ألفنا كتاباً ضخماً فيما خالفوا فيه الطائفة من الصحابة ﵃ بآرائهم دون تعلق بأحد من الصحابة والتابعين ﵃، وانظر أيضاً الورقة: ١٩٢) .
١٦ - كتاب أن تارك الصلاة عمداً حتى يخرج وقتها لا قضاء عليه فيما قد خرج من وقته (رسائل ابن حزم، الورقة ١٩٢، قال: ولنا في هذه المسألة كتاب مفرد مشهور؛ السير: من ترك الصلاة عمداً) .
стр. 8
١٧ - ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس (الجذوة: ١٦٨) .
١٨ - الفضائح (ياقوت: معجم البلدان (بربر) قال: " ولهم - أي البربر - من هذا فضائح ذكر بعضها إمام أهل المغرب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي في كتاب له سماه الفضائح ") .
١٩ - نكت الإسلام (تذكرة الذهبي ٣: ١١٤٩ قال الفقيه ابن العربي. وقد جاءني رجل بجزء لابن حزم سماه نكت الإسلام الخ؛ ولابن العربي رد عليه فيه، وقد ذكره ابن حزم نفسه في المحلى ١: ٥٧) .
٢٠ - كتاب فيما خالف أبو حنيفة ومالك والشافعي جمهور العلماء وما انفرد به كل واحد منهم (ذكره ابن حزم في قسم الفرائض من المحلى، وانظر تذكرة الذهبي ٣: ١١٥٢) .
٢١ - مراتب العلماء وتواليفهم (السير) .
٢٢ - العتاب على أبي مروان الخولاني (السير) .
٢٣ - الرسالة البلقاء في الرد على (عبد الحق بن محمد بن هارون) الصقلي (السير: في مجيلد) .
٢٤ - بيان غلط عثمان بن سعيد الأعور في المسند والمرسل (السير) .
٢٥ - ترتيب سؤالات عثمان الدارمي لابن معين (السير) .
٢٦ - الرد على أناجيل النصارى (السير: وهو غير إظهار تبديل اليهود والنصارى) .
٢٧ - زجر الغاوي: (السير: جزءان) .
٢٨ - رسالة المعارضة (السير) .
٢٩ - اليقين في النقض على الملحدين المحتجين عن إبليس اللعين وسائر
стр. 9
الكافرين (الفصل ٣: ١٥٠، ٥: ٤٨ في الرد على عطاف بن دوناس؛ والسير: اليقين في نقض تمويه المعتذرين عن ابليس وسائر المشركين، في مجلد) .
٣٠ - الرد على من اعترض على الفصل (السير: في مجلد) .
٣١ - ذو القواعد (الاحكام ١: ٣١، ٣: ٥٧؛ ٥: ٣١؛ السير: در القواعد في فقه الظاهرية، ألف ورقة) .
٣٢ - الإملاء في قواعد الفقه (السير: ألف ورقة) .
٣٣ - الرسالة اللازمة لأولي الأمر (السير) .
٣٤ - قصر الصلاة (السير: رسالة صغيرة) .
٣٥ - التصفح في الفقه (السير: في مجلد) .
٣٦ - الفرائض (السير: في مجلد) .
٣٧ - مختصر الموضح من تأليف أبي الحسن المغلس (السير: في مجلد) .
٣٨ - مختصر في علل الحديث (السير: في مجلد) .
٣٩ - رسالة في معنى الفقه والزهد (السير) .
٤٠ - الاظهار لما شنع به على الظاهرية (السير) .
(١) ٤١ - مراتب الديانة.
٤٢ - مهم السنن.
٤٣ - جزء في فضل العلم وأهله (السير) .
٤٤ - أجوبة على صحيح البخاري (فتح الباري ١: ١٧ وكشف الظنون) .
стр. 10
٤٥ - الخصال (وهو متن الإيصال) (السير، الإيصال الحافظ لجميع شرائع الإسلام؛ النبذ: الخصال) .
٤٦ - الانصاف (في الرجال) (لسان الميزان ٦: ٢١٧) .
٤٧ - مختصر كتاب الساجي في الرجال (مرتب على الحروف / ميزان الاعتدال (ترجمة خالد بن عكرمة) ؛ والاعلان بالتوبيخ: ٣٤٨.
٤٨ - الحدود (التهذيب لابن حجر ٧: ١٨٥) .
٤٩ - نسب البربر (السير: في مجلد)
٥٠ - ترتيب مسند بقي بن مخلد.
٥١ - جزء في أوهام الصحيحين.
٥٢ - كتاب اختلاف الفقهاء الخمسة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وداود (السير) .
٥٣ - القراءات (المحلي ٣: ٢٥٣، ٣٦٦) .
(١) ٥٤ - كتاب تفسير: حتى إذا استيأس الرسل.
٥٥ - رسالة في آية: فغن كنت في شك مما أنزلنا إليك.
٥٦ - رسالة في أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس (الفصل ١: ١٠٧) .
٥٧ - مقالة السعادة (السير) .
٥٨ - تسمية شيوخ مالك (السير) .
٥٩ - شيء في العروض (السير) .
٦٠ - تسمية الشعراء الوافدين على أبي عامر (المنصور) (السير) .
٦١ - غزوات المنصور بن أبي عامر (السير) .
стр. 11
٦٢ - تواريخ أعمامه وأبيه وأخواته وبنيه وبناته، مواليدهم وتاريخ من مات منهم في حياته.
٦٣ - الترشيد في الرد على كتاب الفريد لابن الراوندي (السير: مجلد) .
٦٤ - الاستجلاب (السير، مجلد) .
٦٥ - رسالة التأكيد (السير) .
٦٦ - الضاد والظاء (السير) .
٦٧ - بيان البلاغة والفصاحة، رسالة في ذلك إلى ابن حفصون (السير) .
٦٨ - رسالة في الطب النبوي (السير) .
٦٩ - اختصار كلام جالينوس في الأمراض الحادة (السير: نقلا عن الطب النبوي) .
٧٠ - كتاب في الأدوية المفردة (السير: نقلاً عن الطب النبوي) .
٧١ - بلغة الحكيم (السير: نقلا عن الطب النبوي) .
٧٢ - حد الطب (السير: نقلا عن الطب النبوي) .
٧٣ - مقالة في شفاء الضد بالضد (السير: عن الطب النبوي) .
٧٤ - شرح فصول بقراط (السير: نقلا عن الطب النبوي) .
٧٥ - مقالة في النحل (السير: نقلا عن الطب النبوي)
٧٦ - مقالة في المحاكمة بين التمر والزبيب (السير: نقلا عن الطب النبوي) .
٧٧ - مسألة هل السواد لون أم لا (لعلها من الفصل، وقد نشرها النادي الأدبي في الرياض ١٩٧٩) .
٧٨ - كتاب التبيين في هل علم المصطفى أعيان المنافقين (السير: في ثلاث مجلدات) .
стр. 12
٧٩ - إجازة لتلميذه شريح (تكملة ابن الأبار) .
٨٠ - إجازة للحسين بن عبد الرحيم (تكملة ابن الأبار) .
٨١ - (١) - المرطار في اللهو والدعابة.
٨٢ - كتاب العظايم (حاشية الورقة ٩٠/ أمن نسخة شهيد علي) .
٨٣ - كتاب العانس في صدمات () (المصدر السابق نفسه) .
- ٣ -
وتحتوي هذه المجموعة الأولى على أربع رسائل هي: طوق الحمامة، ومداواة النفوس، والغناء الملهي، ومعرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. وان ما يجمع بينها في نطاق أنها " ذاتية " في طابعها العام، وتتصل بشخص ابن حزم، وتلقي أضواء على نفسيته وتأملاته، وتصور تسامحه إزاء الحب والغناء على وجه الخصوص، وستكون كل مجموعة من الرسائل بعدها خاضعة لرابطة تنتظمها، متقاربة في إطارها العام وموضوعاتها.
ولست أرى من الضروري أن أخص حياة ابن حزم بدراسة شاملة في مقدمة هذه الرسائل، فقد كتبت عنه كتب ودراسات كثيرة في لغات مختلفة، تجد أسماءها في ثبت المصادر والمراجع.
وأنا مدين في إعداد هذه الرسائل إلى عون أحد أبنائي الأعزاء العاملين في حقل الدراسات الأدبية وهو السيد ماهر زهير جرار، وفقه الله فيما ارتضاه لنفسه من انتهاج طريق العاملين في ميدان العلم.
بيروت في تموز (يوليه) ١٩٨٠
إحسان عباس
стр. 13
طوق الحمامة في الألفة والألاف
стр. 14
فراغ
стр. 15
تصدير
- ١ -
منذ أن أصدر المستشرق بتروف طبعة من كتاب طوق الحمامة (١٩١٤) اعتماداً على النسخة الوحيدة منها المحفوظة في ليدن بهولندة، توالت الأيدي على طبع هذه الرسالة في الشرق وعلى ترجمتها في الغرب؛ ولابد أن تكون لهذه الرسالة أهمية خاصة حتى تنال كل ما نالته من عناية حتى اليوم.
وقد كانت معظم الطبعات التي صدرت في المشرق العربي عالة على طبعة بتروف، وهي طبعة أمينة للأصل المخطوط؛ ولكن هناك مواطن كثيرة فيها يعسر فهمها، واكبر الظن ان ذلك يعود إلى تصحيف أو تحريف في القراءة. وكنت أعجب دائماً كيف صدرت تلك الترجمات لطوق الحمامة من قبل أن يستقيم فيها النص ويصبح مفهوماً دون حاجة إلى تأول متعسف. وقد كان أجراً من حاول الخروج عن قراءة بتروف هو ليون برشيه، الذي طوق الحمامة مع ترجمة فرنسية (الجزائر ١٩٤٩) ، ولكن برشه، رغم التوفيق الذي واكبه في بعض القراءات، أسرف أحياناً في البعد عن الأصل المخطوط، طلباً لصحة المعنى واستقامته.
ولست أدعي أنني أقدم اليوم نصاً بارئاً من كل خطأ، ولكني في
стр. 16
هذه المحاولة استطعت أن أصحح كثيراً من الأخطاء في النص نفسه، وفي أسماء الأعلام، وأن أزود هذه الطبعة بتعليقات أراها ضرورية.
- ٢ -
الطبعات العربية من طوق الحمامة
١ - طوق الحمامة تحقيق د. ك. بتروف (مع مقدمة بالفرنسية) ليدن ١٩١٤.
٢ - طوق الحمامة، ط. دمشق، ١٣٤٩ ١٩٣٠.
٣ - طوق الحمامة (نص وترجمة فرنسية) لليون برشيه، الجزائر ١٩٤٩.
٤ - طوق الحمامة، ط. القاهرة (طبعة شعبية) ١٩٥٠.
٥ - طوق الحمامة، تحقيق حسن كامل الصيرفي ومقدمة لإبراهيم الابياري، القاهرة ١٩٥٠.
٦ - طوق الحمامة، تحقيق فاروق سعد، دار الحياة، بيروت ١٩٦٨.
٧ - طوق الحمامة، تحقيق الدكتور الطاهر مكي، القاهرة ١٩٧٧.
٨ - طوق الحمامة، ط. مؤسسة ناصر الثقافية ببيروت، ١٩٧٨ (طبعة شعبية) .
٩ - طوق الحمامة، تحقيق الدكتور إحسان عباس (في المجموعة الأولى من رسائل ابن حزم، ط. المؤسسة العربية، بيروت ١٩٨٠) .
- ٣ -
ترجمات طوق الحمامة
" الإنجليزية والروسية والألمانية والإيطالية والفرنسية والأسبانية "
١ - Abook Containing the Risala Known as the Dow " s Neck - Ring، about Love and Lovers، composed by Abu Muhammad Ali ibn Hazm al - Andalusi، trans. By A. R. Nykl، Paris، Geuthner، ١٩٣١.
٢ - A. Salie. (ترجمة روسية) ، Leningrad، ١٩٣٣.
٣ - Halsband Der Taube Uber die Liebenden، von Max Weisweiler، Leiden، ١٩٤٤.
٤ - II Collare della Colomba، versione dall " arabo di Francesco Gabrieli، Bari، ١٩٤٩.
٥ - Le Collier du Pigeon، Par Leon Bercher، Alger، ١٩٤٩.
٦ - El Collar de Ia Paloma، Traducido del Arabe por Emilio Garcia Gomez. Madrid ١٩٥٢ (٢، a edicion ١٩٦٧) .
стр. 17
دراسات عن طوق الحمامة (١)
١ - باللغة العربية
١ - طوق الحمامة لابن حزم، دراسة ليوسف الشاروني (في كتاب دراسات في الحب، - كتاب الهلال ١٩٦٦) ص ٤٣ - ٧١ وانظر مجلة المجلة العدد ١٠٢ (ص ٧٦ - ٨٥) القاهرة.
٢ - ابن حزم وكتابه طوق الحمامة للدكتور الطاهر مكي (فيه فصول متعددة عن طوق الحمامة) الطبعة الثانية، القاهرة ١٩٧٧.
٣ - تأثير طوق الحمامة في الأدب العالمي للدكتور الطاهر مكي (مجلة آفاق عربية، العدد الأول ١٩٧٦، بغداد) .
٤ - طوق الحمامة لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري (بحث نشر في مجلة العرب، السنة الثالثة ص ٢٢٧، ٧١٣) .
٥ - في الحب والحب العذري للدكتور صادق جلال العظم، بيروت ١٩٦٨ (ليس خاصاً بكتاب الطوق، ولكنه يعتمد عليه) .
٦ - ابن حزم الفقيه الذي عالج الحب في رسالته الشهيرة " طوق الحمامة " لمحمد أبو زهرة، مجلة العربي، أغسطس (١٩٦٣) العدد: ٥٧.
٧ - مقارنة بين طوق الحمامة وكتاب المصون في سر الهوى المكنون لأبي إسحاق الحصري للدكتور محمد بن سعد الشويعر (مجلة الفيصل، السنة الأولى، عدد ١٠) ص: ١٦ - ٢١.
٢ - باللغات الأجنبية:
Leon Bercher؛ A propos du texte du " Tawq al - Hamama " d " Ibn Hazm، Melange W. Marcais، ١٩٥٠، pp. ٢٩ - ٣٦.
стр. 18
- Ibn Hazm et Son " Tawg al - Hamama "، Bulletin des etudes arabes، ٧، (١٩٤٧) pp. ٣ - ٦.
Cauq al - Hamama، Islamica ٥، (١٩٣٢) pp. ٤٧٤ - ٤٧٤.
E Garcia Gomez: " El Collar de Ia Paloma " y Ia medicina occidental، Homenaje a Millas - Vallicrosa I، ١٩٥٤، pp. ٧٠١ - ٧٠٦.
- Una nota al Capitulo XXX del " Collar de Ia Paloma "، Andalus، ١٨، (١٩٥٣) pp. ٢١٥ - ٢١٧.
- Un Precedente y une consecuencia del " Collar de Ia Paloma " Anda lus ١٦ (١٩٥١) pp. ٣٠٩ - ٣٣٠.
- El " Tawq " de Ibn Hazm y el " Diwan al - Sababa "، Andalus، (١٩٤١) pp. ٦٥ - ٧٢ (١) .
E. Levi - Provencal: En relisant le " Collier de la Colombe "، Andalus، ١٥ (١٩٥٠) pp. ٣٣٥ - ٣٧٥.
W. Marcais: Observations Sur le texte du " Tawq al - Hamama " d " Ibn
Hazm، Mem. H. Basset II، ١٩٢٨، pp. ٥٩ - ٨٨.
J. Lomba Fuentes: La beaute objestive chez Ibn Hazm cahiers de civilisation medievale، ٧ (١٩٦٤) pp ١ - ١٨، ١٦١ - ١٧٨.
стр. 19
نظرة في رسالة طوق الحمامة
١ - آراء في الحب قبل أبن حزم:
يبدو إن حوار " المأدبة " لأفلاطون كان معروفاً على نحو ما في القرن الثالث الهجري لدى المثقفين المسلمين، وإن لم نجد له ذكراً صريحاً بين كتب أفلاطون في المصادر العربية (١) . ويدور حوار المأدبة حول موضوع " الحب " أو " العشق " على نحو غير حواري في البداية، إذ يتوالى على الحديث في الموضوع على صورة " المقام " خمسة من المتحدثين، اجتمعوا في بيت أحدهم، وأحبوا أن يتجنبوا الاستسلام إلى نوبة من الشرب بعد انتهائهم من الطعام، فتناوبوا الحديث واحداً بعد آخر، وعرض كل واحد منهم وجهة نظره في الحب، فلما جاء دور السادس، وهو سقراط، رأى جاداً أو هازلاً، إنه يقصر في البلاغة عن مدى كل منهم، وهو في حقيقة الأمر ينتقد الطريقة " الخطابية " التي عالجوا فيها الموضوع، ولذلك تحول إلى طريقته المفضلة وهي " الحوار " المتنامي، الذي يستحث فيه محاوره إلى الالتزام بحدود واضحة بعد إذ يتحول به إلى ظل له وفي أثناء ذلك أنتقل سقراط يقص حواراً جرى بينه وبين امرأة سماها ديوتيما عرفة بفنون
стр. 20
الحب، حول الموضوع نفسه، وعندما ينتهي سقراط من آراء تلك المرأة، يدخل القبيادس مع شلة من السكارى، ويتجه الحديث وجهة عملية، إذ يكون دور المتحدث السابع - وه القبيادس - أن بين مميزات سقراط، وخاصة في الحب، وعلى نحو أخص في محبته لالقبيادس نفسه. وفيما كانت الجلسة تنحو نحواً جديداً، بعد أن انتهى كلام السابع، جاء جمع من السكارى آخر، ووجدوا الباب مفتوحاً فدخلوا، وكثر الضجيج وأنتقض النظام، وانفضت الجلسة على نحو ما.
ذلك هو الإطار العام الذي جرى فيه " حوار المأدبة " - دون المحتوى - ولعله أو إطاراً شبيهاً به (١) هو الذي أوحى بعقد ذلك " المقام " حول " العشق " في مجلس يحيى بن خالد البرمكي (١٩٠/٨٠٥) (٢) ، فقد كان يحضر ذلك المجلس عدد غفير من أهل البحث والنظر مثل أبي الهذيل العلاف وهشام بن الحكم والنظام وبشر بن المعتمد وثمامة بن أشرس والموبذ قاضي المجوس وغيرهم؛ وقد كان عدد المتحدثين في مجلس يحيى ثلاثة عشر، وهم وإن لم يحاولوا ترسم حوار فيما بينهم فقد اكتفوا بحكاية الشق الأول من " حوار المأدبة "، إذ تناول كل منهم " العشق " حسب تصوره له، بوصف موجز، وربما لم يكن فيهم من أعتمد الآراء التي وردت في " حوار المأدبة " حول العشق، ولكن الإطار نفسه يربط بين مجلسهم والمأدبة؛ وشيء آخر أهم من الحوار وهو تلك التوطئة في كل من المجلسين، فقد بدأ " حوار المأدبة " بالشكوى من أن جميع الأرباب تصاغ فيهم الأناشيد والمدائح إلا رب الحب، بل إن المعلمين المحترفين من السوفسطائيين يؤلفون الكتب والخطب في أصغر
стр. 21
الموضوعات كفائدة الملح للإنسان، وليس ثمة واحد يقف ليثني على " الحب "؛ وفي مجلس يحيى فاتحة مشابهة، فقد وجه رب المجلس حديثه إلى المثقفين والموجودين في حضرته، بالتذمر من أنهم أسرفوا في الحديث عن كل نقطة، مهما تدق، في علم الكلام، فتحدثوا عن الكمون والظهور والقدم والحدوث والنفي والإثبات والحركة والسكون والجزء والطفرة والأجسام والإعراض، وإنهم قد أشبعوا القول في هذه القضايا وسواها، ومن حق العشق عليهم أن يقولوا فيه شيئاً - دون منازعة (١) - ودون استعداد سابق، بل بما سنح لهم في الوقت، على نحو ما جرى في " حوار المأدبة ".
وليس يهمني هنا: أحدث ذلك المجلس حقاً أم لم يحدث، وهل ضم تلك الشخوص أو لم يضم، وإنما الذي يهمني هو هذا " الأنموذج " الذي يقرب إلى الظن أن " حوار المأدبة " على نحو ما، أو شيئاً شبيهاً به، كان معروفاً لدى المثقفين المسلمين في أواخر القرن الثاني أو أوائل الثالث، وإلا فلماذا " العشق " من دون سائر الموضوعات ينتدب إلى الكلام فيه على نحو واقعي أو متخيل - عدد من مفكري ذلك العصر لقد ملأ الحديث عن الحب الشعر العربي والحكايات والأسعار حتى حينئذ، وكان لابد - في ظل الثقافة اليونانية - أن يتصدى له " المتفلسفون " ليحددوا طبيعته وماهيته، على نحو يذكر المأدبة.
بل إننا لا نستطيع أن ننفي الصلات الموضوعية بين مجلس يحيى والمأدبة، معتمدين الحافز والإطار موضوعين للتشابه بينهما وحسب، فإن المدقق في أحاديث المتكلمين في مجلس يحيى يلمح بعض المشابه في التعبير عن " الحب " أو " العشق ". هذا هو " فايدرس " المتحدث الأول في " المأدبة " يتناول الحب من حيث هو قوة محولة، تجعل الحب يتوجه نحو الفضيلة وينفر من الرذيلة ومن كل ما يجر العار على نفسه في سبيل رضى
стр. 22
المحبوب، مثلما إن الحب يقترن بالتضحية، مورداً هنا مثل " لقست " (Alcestis) الزوجة الوفية التي ضحت بنفسها من أجل زوجها بعد أن أنكره كل الناس حتى أبوه وأمه (١) . ويقول أبو الهذيل العلاف " غير أن العشق من أريحية تكون في الطبع وطلاقة توجد في الشمائل، وصاحبه جواد لا يصغي إلى داعية المنع ولا يصيخ لنازع العذل " (٢) . ويقول آخر: " وأيسر ما يبذله لمعشوقه أن يقدم دونه " (٣) - وتلك هي التضحية - ويصف أغاثون - وهو المتحدث الخامس - كيف إن الحب نموذج للرقة، رشيق، جميل القسمات يعيش بين الأزهار، وإنه شجاع حكيم وكل من يمسه يصبح حكيماً، وإنه يقرب بين النفوس ويزيل الشعور بالاغتراب، وهو أبو اللياقة واللطف وكل ضرب الفضل (٤) ، وإذا نحن تغاضينا عن التشخيص أحياناً في العبارات اليونانية - لأن الحديث عن الحب في العربية كثيراً ما ينصرف إلى المحب نفسه - وجدنا أحد المتحدثين في مجلس يحيى يقول: " هو (ي الحب) من بحر اللطافة ورقة الصنيعة وصفاء الجوهر (٥) " وآخر يقول أنه " موسوم بالبراءة ولطف الصورة " (٦) ويقول: " وإلى غاية الرقة يضاف صاحبه " (٧) .. وثالثاً يقول: " العشق أرق من السراب وأدب من الشراب " فهذه كلها مواطن للتشابه قد ترجح القول بمعرفة " المأدبة " وقد تكون أيضاً نتيجة نظرة مستقلة في جانب من تلك التجربة الإنسانية المشتركة بين الناس.
стр. 23
على أنا قبل أن نغادر مجلس يحيى بن خالد علينا أن نتذكر أموراً سنحتاج إليها كلما تقدمت بنا الخطى في طريق هذا البحث، ومنها:
١ - أن أولئك المفكرين يكادون يجمعون على أن الحب اتصال بين الأرواح أو النفوس (أو بين روحين ونفسين) على سبيل المشاكلة، والتكافؤ في الطريقة، والمطابقة والمجانسة في التركيب، أو إنه تمازج بين جواهر النفوس بوصل المشاكلة والمناسبة والمساكنة، أو انه اتفاق الأهواء وتمازج الأرواح وتراوح الأشباح.
٢ - أن بعض أولئك المفكرين ذهب إلى القول بنورانية الحب: " انبعث لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقل وتهتز لإشراقه طبائع الحياة " (١) .
٣ - عبر أكثرهم عن قوة الحب وسلطانه ونفوذه بصور مختلفة لكن المرمى فيها واحد، مثل: " له نفوذ في القلب كنفوذ صيب المزن في خلل الرمل " و " له مقتل في صميم الكبد ومهجة القلب " و " أدب من الشراب له سحابة غزيرة تهمي على القلوب فتعشب شغفاً وتثمر كلفاً " و " له دبيب كدبيب النمل " و " يسور في البنية سوران الشراب " الخ.
٤ - أتفق أكثرهم على وصف حال المحب بالتذلل وما إليه من مظاهر فقالوا: إنه يخضع لعبد عبده، دائم اللوعة، طويل الفكر، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى، أذل من النقد، يهش لكل عبد، ويؤسر بكل طمع، يتفوه بالأماني ويتعلل بالأطماع.
٥ - وأنفرد الموبذ قاضي المجوس بالربط بين الحب وحركات النجوم والفلك " الأسطقسات تولده والنجوم تنتجه وعلل الأسرار العلوية تصوره تنبعث خواطره بحركات فلكية الخ ".
стр. 24
إن مثل هذه النظرات، يدلنا على لون " الفكر " الذي كان رائجاً حول الحب في المشرق قبل أبن حزم، ويبين إلى أي مدى التقت مفهوماته عن طريق التجربة، بما وقر في نفسه عن طريق الثقافة. ولكن المشرق قبل أبن حزم عرف آراء ونظرات أخرى في الحب، أطلع عليها أبن حزم من بعد، وكان أهمها ما قرأه في كتاب الزهرة (١) لأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني (- ٢٩٧/ ٩١٠) وهو ظاهري أيضاً، فقد جاء في ذلك الكتاب: " وزعم بعض المتفلسفين أن الله - جل ثناؤه - خلق كل روح مدورة الشكل على هيئة الكرة، ثم قطعها أيضاً، فجعل في كل جسد نصفاً، وكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة، وتتفاوت أحوال الناس في ذلك على حسب رقة طبائعهم " (٢) . وقد أطلع أبن حزم على هذا القول ونسبه إلى أبن داود ولكنه أورده على النحو الآتي: " الأرواح أكر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها ".
وبين النصين اختلاف جوهري، ولكن هذا يجب ألا يستوقفنا أيضاً، إنما الذي يستوقفنا هو فكرة " الأكر " التي انقسمت: من أين تسربت هذه الفكرة إلى أبن داود إن هذه الفكرة تقوي الحجة بأن كتاب " حوار المأدبة " كان معروفاً على نحو ما في القرن الثالث، لأنه -
стр. 25
فيما اعتقد - مصدر تلك الفكرة. فالمتحدث الرابع في المأدبة، وهو الكاتب الكوميدي أرسطوفان، يرى أن الخلق كانوا ثلاثة أصناف، ذكوراً، وإناثاً وخليطاً من هذين، وكان كل مخلوق بشري كلاً كاملاً، ظهره وجانباه مدوران على شكل كرة، وكان له أربع أيد وأربع أرجل ووجهان متماثلان قائمان على رقبة مستديرة، وكان هذا المخلوق يمشي في شكل دائري، وكان قوياً مخوفاً، فرأى الإله أن يضعف من قوته، فشقه نصفين، ومنذ ذلك الحين أخذ كل نصف يتوق إلى النصف الآخر الذي أنفصل عنه، فإذا التقيا تعانقا كأنما يطلبان الاتحاد. فإذا كان النصفان المتلقيان ذكراً وأنثى نتج عن تلاقيهما التناسل، فوجدا الاكتفاء في الاتصال، وانصرف الذكر بعده إلى ممارسة شؤون الحياة الأخرى، وإذا حدث التجاذب بين ذكر ومثله، نشأت بينهما عاطفة قوية غلابة تخلق متعة في الصحبة، ولكن لا أحد يستطيع أن يقول إنها قاصرة على الجسد بل إن روح كل منهما تتوق إلى الأخرى توقاً لا تستطيع أن تصفح عنه. وعلى هذا فليس الحب سوى محاولة للعودة إلى الحال التي كان الآدميون عليها. فهو رغبة في استعادة الوحدة القديمة (١) .
إن هزل أرسطوفان في معرض الجد قد تحول وتحور حين انتقل إلى بيئة بغداد في القرن الثالث؛ فموضوع الحب في المأدبة، وهو حب بين الذكران، ويكاد لا يتوقف عند حب الذكر للأنثى، قد اختفى، ولم يستطع إلا أن يومئ إليه إيماء من وراء ستار النظرية شخص مثل أبن داود شهر بحب حدث أصبهاني يقال له محمد بن جامع أو وهب بن جامع (٢) ، وانقسام الأجساد في ذلك التصوير شبه الهزلي لدى أرسطوفان أصبح عند أبن داود انقساماً في روح كرية جعلت في جسدين، فأخذ كل نصف يفتش عن نظيره، وكان ذلك التحول والتحور ضرورياً لفقيه
стр. 26
ولمجتمع " استعلائي " النظرة، تحول عفته الدينية - أو تعففه - دون التسليم ببحث الجسد عن جسد مناظر له.
وفي المأدبة استطاع سقراط وحده أن يتحول بالحب - حسب تعليمات " ديوتيما " - إلى مجال آخر: فقد تدرج من أن الحب " روح " (أو شيء يشبه الملاك) وسيط بين الله والخلق، وإن هذه الروح تحفز إلى اختيار المحبوب، وذلك هو الجمال أو الخير، والرغبة في ذلك تؤدي إلى السعادة، وهذه الرغبة تعبر عن ذاتها بصور مختلفة، فالناس يقولون إن النصف يبحث عن نصفه ولكن سقراط يرى أن الحب ليس رغبة في الاتحاد بالنصف، وإنما هو رغبة في الاحتياز السرمدي للمحبوب - وهو الخير - ومهمة الحب هي " التناسل " فكل الناس " حاملون " روحياً وجسدياً، وعندما يحين الحين يحسون بالحاجة إلى " الوضع "، ولا يستطيعون ذلك إلا في الجمال لا في القبح، وهذه " الولادة " هي أقرب شيء إلى الخلود مع الخير، فالحب إذن هو حب الخلود، مثلما هو حب الخير وهما سيان؛ فمن كانت غريزته في " التولد " جسدية بحث عن المرأة، ومن كانت رغبته في " التولد " روحية بحث عن الحكمة؛ وهكذا يتدرج الحب: من تأمل الجمال الجسدي في واحد " يفرخ " في تأمله مشاعر جميلة، ثم إلى تأمل الجمال المطلق خارج هذا العالم، وهكذا يتم الانتقال في الحب من المادي إلى المعنوي ومن المعنوي إلى جمال المعرفة، ومنها إلى جمال المعرفة الكلية العليا (١) .
وهذا التدرج هو الذي لفت أنظار إخوان الصفا، فبعد أن قرروا أن النفوس تتفاوت في المحبة بين نفس شهوانية وأخرى حيوانية وثالثة ملكية (ناطقة) وأن في جبلة النفوس محبة البقاء السرمدي (٢) تحدثوا
стр. 27
عن تدرج النفس من المادي إلى الروحاني فقالوا: " ثم أعلم أن الغرض الأقصى من وجود العشق في جبلة النفوس ومحبتها الأجساد واستحسانها لها ولزينة الأبدان، واشتياقها إلى المعشوقات المفتنة، كل ذلك إنما هو تنبه لها ومن نوم الغفلة ورقدة الجهالة ورياضة لها وتعريج لها وترقية من الأمور الجرمانية إلى المحاسن الروحانية ودلالة على معرفة جوهرها " (١) ذلك لأن كل المشتهيات في الأجساد رسوم طبعتها فيها النفس الكلية، فإذا تأملتها النفس الجزئية حنت إليها، وأحبتها، فإذا غابت تلك الرسوم بقيت المحبة، لأنها تمثل تشوق النفس الجزئية إلى النفس الكلية، والنفس الكلية تشبه بالباري تعبداً له واشتياقاً ليه، ولذلك كان الله هو المعشوق الأول الذي تشتاق إليه جميع الموجودات ونحوه تقصد لأنه هو الموجود المحض، وله البقاء السرمدي والكمال المؤبد (٢) .
وعلى الرغم من تحول إخوان الصفا إلى نظرة أفلوطونية واضحة، فليس ببعيد إذن أن تكون " المأدبة " مصدراً لكثير من تلك التصورات عن الحب، ولكنها وأشباهها تمثل المصدر الفلسفي، وهو مصدر يقف في موازاته المصدر الطبي؛ فقد كان ابن داود نفسه يعرف أن بعض المتطببين يقول، " العشق طمع يتولد في القلب، وتجتمع إليه مواد من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة الشهوة، وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء، ومن طغيان السوداء فساد الفكر، ومع فساد الفكر تكون الفدامة ونقصان العقل، ورجاء ما لا يكون وتمني ما لا يتم، حتى يؤدي ذلك إلى الجنون، فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه، وربما مات غماً، وربما نظر إلى معشوقه فيموت فرحاً أو أسفاً، وربما شهق شهقة فتختفي فيها روحه أربعاً وعشرين ساعة فيظنون أنه قد مات فيقبرونه وهو حي، وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه
стр. 28
وينضم عليها القلب فلا ينفرج حتى يموت، وربما ارتاح وتشوق للنظر أو رأى من يحب فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة " (١) .
ولا يرى ابن داود بأسا في أن يقرن بين هذا التفسير الطبي في الحب، وهو قائم على نظرية الطبائع والأخلاط، متصل بالجسد اتصالاً وثيقاً، غير معترف بأي دور للروح أو للنفس في مجال الحب وبين حديث آخرين عن النفوس - أو الأرواح - الكرية التي انقسمت " في مقر عالمها العلوي " (حسب مفهوم ابن حزم) دون أن يعلق على المفارقة القائمة بين النظريتين. وأسوا من ذلك صنيع إخوان الصفا، فإنهم حشدوا جميع الآراء في نطاق، فأوردوا قول من قال إن العشق جنون إلا وهي (٢) - وهو رأي ذكره ابن داود نفسه (٣) - وتحدثوا عن آراء الأطباء فيه، حسبما جاء عند ابن داود (٤) ، وهو رأي لم يلبث أن نسب إلى أفلاطون نفسه أيضاً (٥) ، بل زاد إخوان الصفا زيادة في فهم الحب الجسدي اربت على كل شيء ساب، وإن كان توجههم النهائي أفلوطينياً، فزعموا أن العاشق والمعشوق إذا تباوسا وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه وبلعه وصلت تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما وامتزجت مع سائر الرطوبات، ثم وصلت إلى الكبد واختلطت بأجزاء الدم وانتشرت في العروق، وأصبحت جزءاً من تكوين الجسد، وإذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه اختلط ذلك مع الهواء المستنشق، ووصل بعضه إلى مقدم الدماغ، فاستلذ كل واحد ذلك التنسم، أو وصل إلى الرئة ومن الرئة إلى القلب، وأنتقل مع حركة النبض إلى سائر الجسد، وأختلط بالدم واللحم (٦) .
стр. 29
واجتمع إلى هذين المصدرين الفلسفي والطبي - في تصور مفهوم الحب مصدر ثالث هو المصدر التنجيمي الذي رأينا بوادره عند الموبذ قاضي المجوس، وقد خضع ابن داود أيضاً لهذا المصدر (١) وقرنه بالمصدرين الآخرين، كما فعل شيئاً شبيهاً بذلك إخوان الصفا (٢) وإن لم يكن تحديد المؤثرات النجومية متفقاً عليه بينهما.
فإذا انتهينا إلى أواخر القرن الرابع وجدنا " تصعيداً " متعمداً لكل هذه النظرات لدى أبن سينا الذي يرى أن من شأن العاقل " الولوع بالمنظر الحسن من الناس " ولكن إن كان هذا الولوع لذة حيوانية فهو مستحق للوم (مثل الفرقة الزانية والمتلوطة) (٣) ، ولهذا تستبعد لذة المباضعة، فأما المعانقة والتقبيل فإن كان الغرض منهما الاتحاد فليس بمنكر (وهذا هو الظرف) ، ولكن العشق الحقيقي هو عشق الخير المطلق عشقاً غريزياً، أي قبول تجليه على الحقيقة، وتجليه هو حقيقة ذاته، والنفوس الملكية عاقلة له وعاشقة ومتشبهة بما تعقله منه أبداً (٤) . وهكذا ينتهي أبن سينا إلى ما انتهى إليه إخوان الصفا، دون أن ندري يقيناً أيهما كان قبل الآخر، ويكون المتفلسفة قد وصلوا إلى فكرة " الاتحاد " في الحب، وكان وصولهم إلى ذلك قبل المتصوفة، على الأرجح.
غير أن القرن الثالث شهد مفهوماً رابعاً للحب (إلى جانب المفهوم الفلسفي والطبي والنجومي) ؛ وهذا المفهوم صوفي أيضاً، لكنه لم يبلغ بعد درجة " الاتحاد " ولا ندري حقيقة من هو الذي قال به لأنه فريد في منزعه وهو يتلخص في أن الحب - على المستوى الإنساني - امتحان لكي يتلقن المحب درساً في طاعة محبوبه ويدرك معنى المشقة في مخالفته؛ وهذا
стр. 30
يهيئه ليدرك قيمة رضى الله تعالى، لأن الله تعالى أحرى بأن يتبع رضاه وتتجنب مخالفته (١) ؛ فكأن الحب الإنساني رياضة في مرحلة أولى ينتقل بعدها " العبد " إلى مرحلة ثانية.
هذه المفهومات الأربعة للحب قد جمعت معاً - بشكل موجز - في كتاب " الزهرة "، وهو كتاب عرفه أبن حزم معرفة تمكن واستلهام، فلو لم يطلع على المصادر الشرقية الأخرى، لكان كتاب " الزهرة " وحده كافياً في هذا المجال. ولكنه كان يعرف من دون ريب مروج الذهب للمسعودي، وما ورد فيه من مقامات المتكلمين حول الحب، كما كان يعرف بعض الكتب الطبية، ولا أستبعد أن يكون قد عرف " فردوس الحكمة " لعلي بن ربن الطبري (٢٤٧/ ٨٦١) أو مصدراً مشبهاً له، فالحديث عن ضروب المحبة عندهما متشابه، يقول أبن ربن: " فإن من شأن النفس الولوع والعجب بكل شيء حسن من جوهر أو نبت أو دابة (٢) " ويقول أبن حزم: " فالظاهر أن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة (٣) " ثم يتفقان على أن الإثارة الأولى بعد تحريك الإعجاب هي " الشهوة " ويتمايزان بعد ذلك في الاستنتاج. وليس ببعيد أيضاً أنه عرف مصادر شرقية أخرى ذات علاقة بالموضوع من قريب أو بعيد (٤) ، هذا بالإضافة إلى ما كان يمده به الشعر المشرقي،
стр. 31
وحكايات العشاق المشارقة من ذخيرة كبيرة تصورات الشعراء والرواة والقصاص لموضوع الحب.
ولعله لم يكن يجد في البيئة الأندلسية تنظيراً حول " الحب "، ولكن البيئة الأندلسية كانت تمده بشيئين هامين: أولهما ذلك الشعر العفيف المتشبه بالشعر العذري، نزولاً على أحكام الظرف والفتوة السليمة (وإن كان يوازيه في خط آخر شعر المجون) ؛ وقد مهد أبن فرج في كتاب " الحدائق " لذلك السياق الأندلسي الخالص في شعر الحب، وكان أبن حزم معجباً بكتابه، كما كان يزيد على ما عرفه أبن فرج أشعاراً كثيرة جدت من بعده وجرت في ذلك السياق، وأبو محمد ذو حافظة عجيبة وذوق رفيع في الحفظ والتخير، وذو رغبة حافزة للإطلاع على كل ما يتصل بالأندلس من تراث أدبي وغير أدبي؛ وثانيهما: قصص الحب في الأندلس، ومنها المتصل بالماضي ومنها التجارب المعاصرة التي جرت لأفراد يعرفهم أبن حزم أو يسمع عنهم، فذلك الشعر وتلك القصص كانا مظهرين هامين في " الحب الأندلسي ". فأما التنظير فقد بدأت بوادره تتسرب في مجالس الجدل كما يشير إلى ذلك كتاب الطوق نفسه، وفي المحاورة التي جرت بين أبن كليب القيرواني وأبن حزم أيام كونهما بقرطبة في التفلسف حول أمور تتعلق بالحب (١) ما يدل على ذلك: وإليك هذه المحاورة (ك أبن كليب، ح أبن حزم) .
ك: إذا كره من أحب لقائي وتجنب قربي ما أصنع
ح: أرى أن تسعى في إدخال الروح على نفسك بلقائه وإن كره.
ك: (أنا) لا أرى ذلك بل أوثر هواه على هواي ومراده على مرادي، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف.
ح: إني إنما أحببته لنفسي ولالتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي وأقفو طريقتي في الرغبة في سرورها.
стр. 32
ك: هذا ظلم من القياس. أشد من الموت ما تمني له الموت، وأعز من النفس ما بذلت له النفس.
ح: عن بذلك نفسك لم يكن اختياراً بل كان اضطراراً ولو أمكنك ألا تبذلها لما بذلتها، وتركك لقاءه اختياراً منك أنت فيه ملوم لإضرارك بنفسك وإدخالك الحتف عليها.
ك: أنت رجل جدلي ولا جدل في الحب يلتفت إليه.
ح: إذا كان صاحبه مؤوفاً.
ك: وأي آفة أعظم من الحب
ومع أن هذا القيرواني هو الذي فتح باب الجدل، فانه عاد يلوذ بما أرقته الطبيعة الأندلسية نفسها حين اقتصرت على الشعر والقصص، ويقول " ولا جدل في الحب يلتفت إليه "، وكأنه يردد بهذا قول الشاعر المشرقي:
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج وعلى هذا الأساس - وخضوعاً لمنطق البيئة الأندلسية - لم يكن ابن حزم بحاجة إلى التنظير، وكان يكفيه منه القليل الذي وجده في كتاب الزهرة، كما سنرى من بعد.
٢ - تسمية الرسالة:
سمى ابن حزم رسالته " طوق الحمامة " فلماذا اختار هذا الاسم يقول الثعالبي: " طوق الحمامة يضرب مثلاً لما يلزم ولا يبرح ويقيم ويستديم (١) "، ترى هل هذا هو المعنى الذي أراده ابن حزم حين اختار هذه التسمية دعني أقرر أنها فريدة، بادئ ذي بدء، ولكن من درس أحوال الحب في الكتاب يجد ان معنى " الدوام " ليس من الأمور التي تلازم الحب، لا من حيث النظرية ولا من حيث التجربة، غير أن
стр. 33
هذا لا ينفي أن الطوق للحماسة زينة منحتها بدعاء نوح، حين أرسلها لتستكشف المدى الذي سترسو عنده سفينته، فطوق الحمامة هنا كناية عن استلهام الجمال الذي هو مثار الحب اعني جمال الطوق لأنه حلية متميزة عن سائر لون الحمامة. ولست أستطيع هنا أن أتحدث عن " الحمائم " التي تقود مركبة فينوس - ربة الحب - في الأساطير الرومانية، فربما كان التوجه إلى هذا المعنى إيغالاً في التصور، ونقلاً من حضارة إلى حضارة أخرى، ولست كذلك أتوجه إلى أفانين الحب التي يمارسها الحمام، والتي يرى الجاحظ - أو من نقل عنه - أنها هي عين الممارسات التي توجد لدى الإنسان (١) ، كأنما هي صورة طبق الأصل من شتى المواقف من إخلاص وغيرة وشذوذ وتضحية وما إلى ذلك من فنون، ولكني حين أجدني اصل إلى الحيرة في سر هذه التسمية، أتوقف عند " الجمال " " والتميز "، وكأني بابن حزم يقول: هذا كتاب يتحدث عن العلاقة السرية بين الجمال والحب أو هذا الكتاب بين الكتب كطوق الحمامة بالنسبة للحمامة؛ وعند هذا الحد أجد الثعالبي يقول ان الحمامة إنما أعطيت طوقها " من حسن الدلالة والطاعة "، فأضيف إلى الجمال والتميز عنصر " الطاعة " وهو عنصر هام في مفهوم الحب.
ومع ان ابن حزم يقول في رسالته: " وكلفتني أعزك الله ان أصنف لك رسالة في صفة الحب وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " فغن العنوان الذي اختاره لرسالته هو " في الألفة والألاف "، يعني أنه تجاوز في رسالته ما كلفه به صديقه لأن " الألفة " كلمة اعم من " الحب " وهي ناظرة إلى الحديث الشريف في الأرواح: " فما توافق منها ائتلف ". وبسبب هذه العمومية نجده أحياناً يخرج في أمثلته. التي يوردها من دائرة العشق، وذلك شيء سأتحدث عنه عند الحديث عن العلاقة بين نظريته في الحب، وتطبيقه لتلك النظرية.
стр. 34
٣ - تاريخ التأليف:
تقلبت الأحوال بابن حزم تقلباً جائراً في الفتنة، كان عمره حين انتقل أبوه من دورهم الجديدة بالجانب الشرقي (في ربض الزاهرة) إلى دورهم الجديدة في الجهة الغربية (أب بلاط مغيث) حوالي خمسة عشر عاماً وتسعة أشهر، وفي ذي القعدة من سنة ٤٠٢ توفي والده (وقبلها بنحو عام توفي أخوه أبو بكر في الطاعون) ، وتوالت عليهم النكبات والاعتقال والمصادرة، ثم احتل جند البرابر منازل أهله، فاضطر للخروج عن قرطبة (أول المحرم سنة ٤٠٤ / ١٠١٣) فذهب إلى المرية يطلب الاستقرار فيها، ولم تطل فيها إقامته، فقد نكبه صاحبها خيران العامري إذ اتهمه مع صاحبة محمد بن إسحاق بأنهما يسعيان في استعادة الدولة الأموية، فاعتقلهما اشهراً، ثم غربهما فذهبا إلى حصن القصر ونزلا على صاحبه عبد الله بن هذيل التجيبي فرحب بهما، ولما سمعا بقيام المرتضى عبد الرحمن بن محمد (٤٠٧/ ١٠١٦) لإحياء الدولة الأموية ركبا البحر من حصن القصر إلى لقائه في بلنسية، وسكنا معه فيها. ويبدو أن ابن حزم سار إلى قرطبة بعد إخفاق المرتضى ومقتله عند غرناطة، ويبدو أن ابن الخليفة بقرطبة يومئذ القاسم بن حمود، فدخلها (٤٠٩/ ١٠١٩) وبقي فيها حتى لاحت الفرصة بمبايعة عبد الرحمن بن هشام الناصري الذي لقب بالمستظهر (٤١٤/ ١٠٢٧) فقرب إليه ابن حزم وابن عمه أبا المغيرة وابن شهيد، لكن هذه الخلافة لم تدم أكثر من سبعة وأربعين يوماً، وبويع المستكفي فاعتقل ابن حزم وغيره من رجال المستظهر وسجنهم، ثم نراه سنة (٤١٧/ ١٠٢٦) في شاطبة، ولعله استوطنها قبل ذلك بقليل. وفي ذلك العام جاء إليه صديق من المرية (١) ونزل ضيفاً عنده بشاطبة، فلم يمض إلا وقت قصير حتى نشبت الفتنة بين أبي الجيش مجاهد العامري وخيران العامري (وكان ذلك سنة ٤١٧) فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب " وتحوميت السبل واحترس البحر بالأساطيل " فاشتد الكرب
стр. 35
بصديقه لأنه حيل بينه وبين العودة إلى هوى له بالمرية (١) . ويقول ياقوت نقلاً عن صاعد الأندلسي إن ابن حزم وزر للمعتد بالله هشام بن محمد (٢) ، ونحن نعلم ان أهل قرطبة أرسلوا بيعتهم إلى هشام وهو في البونت (البنت) في ربيع الآخر سنة ٤١٨ ثم انتقل إلى قرطبة سنة ٤٢٠، فإذا كان ابن حزم قد وزر له أولاً فقد انتقل إلى البنت وإذا كان قد وزر له بعد ذلك فقد انتقل إلى قرطبة، ولكن الرسالة كتبت في شاطبة، ولابد ان يكون ذلك قد تم في وقت ما بين سنتي ٤١٧ - ٤١٨، ومما يزيد الأمر تحديداً قول ابن حزم، في حكم بن المنذر بن سعيد البلوطي: " وحكم المذكور في الحياة حين كتابتي إليك بهذه الرسالة، قد كف بصره وأسن جداً " وقد ذكر ابن بشكوال نقلاً عن ابن مدير ان وفاة حكم كانت في نحو سنة عشرين وأربعمائة (٣) ، وهذا يعني أن وفاته تمت في ٤١٨ أو ٤١٩ أو أوائل سنة عشرين وأربعمائة (٤) .
ولا أعلم أن ابن حزم أشار إلى هذه الرسالة في سائر كتبه ولكن النقول القليلة التي وردتنا منها (وخاصة في روضة المحبين لابن قيم الجوزية، على تباعد في الزمن) تؤكد اسم الرسالة ونسبتها إلى ابن حزم فإذا كان التاريخ الذي قدرناه لتأليف الرسالة صواباً أو قريباً من الصواب، كان ابن حزم عندما كتبها في حدود الرابعة والثلاثين من عمره، وكان قد حصل ضروباً من الثقافات فيها الفقه والحديث - على أساس ما يظهر جلياً في هذه الرسالة - والمنطق والفلسفة والنجوم، ونظر في التوراة، وشهر بقوة عارضته في الجدل، وبالتفنن في ضروب مختلفة من الشعر، ولكن الطابع العقلاني يزاحم في شعره قوة العاطفة ويتغلب على المجال التصويري.
стр. 36
٤ - دواعي التأليف:
أحب أن أقول - بداع من إحساس يشبه اليقين - أن رسالة " طوق الحمامة " بدأت تسلية لصديق ذي ود صحيح لابن حزم، كان يستوطن المرية - ولعله حلها بعد تفرق القرطبيين في الفتنة -. وفي موطنه الجديد، نشب القرطبي المهاجر في براثن حب آسر، على غير ما تسمح به السن (فهو على الأرجح لدة لابن حزم) ، أي لم يكن مثل ذي الرمة الذي راهق الثلاثين، بل تجاوزها، وحلمته العشائر (١) ، فكتب إلى صديقه وموضع سره ابن حزم، يسأله في كتاب زادت معانيه على ما في سائر كتبه من قبل، رأيه في هذا الذي نشب فيه، ويتحدث إليه بحديث الحب، ويسأله أن يطب له، فدعا الله بينه وبين نفسه ان لا يكلنا " إلى ضعف عزائمنا وخور قوانا ووهاء بنيتنا، وتلدد آرائنا (أو آرابنا) وسوء اختيارنا، وقلة تميزنا، وفساد اهوائنا "، ولكنه حرك ساكناً وذكر أمراً متصلاً بالصبا والشباب، والجراح لم تكد تندمل، وفيما ابن حزم يقلب وجوه الرأي، إذا بصديقه وقد استبطأ رده يسافر من المرية إلى شاطبة ليلقى صاحبه ويبث إليه ما في نفسه، وما تكاد شاطبة تستقبل ذلك الصديق حتى تقوم القيامة، وتسد في وجهه أبواب العودة إلى المرية، لاشتعال نار الحرب بين مجاهد وخيران، فلا يجد ابن حزم خيراً من قصص من ابتلي بمثل ما ابتلي صديقه، يسليه عما ألم به، ويضرب له المثل بالأئمة الراشدين والخلفاء المهديين، ويذكره بما عرفاه من أحاديث العشاق والمحبين في قرطبة وغيرها، بل يقدم له نفسه نموذجاً عجيباً لتصاريف الحب وشؤونه. وأنا أصدق ابن حزم فيما يقول، لأنه منزه عن تعمد الكذب، حتى وأن كان غيره يتخذ مثل هذه التعلة مدخلاً للتأليف،
стр. 37
فهناك صديق كلفه ان يؤلف " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأعراضه وأسبابه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " ن ولكن من السذاجة أن نظن بان الحافز لذلك كان حافزاً واحداً بسيطاً، وأن امرءاً (فقيهاً) يكتب رسالة في الحب وهو يستشعر " نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطات، وتغير الاخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الايام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع كاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار " - أن امرءاً على هذه الحال إنما اندفع إلى ذلك بتوجيه حافز بسيط بل أقدر انه قد وجد ولابد حوافز أخرى لكتابة هذه الرسالة، وما كانت تسلية الصديق إلا انقداح الشرارة الأولى، التي بعثت الماضي كله حياً في نفسه.
وفجأة انتقل الأمر من تسلية الصديق إلى تعزية النفس: فابن حزم الذي كان في حاضره حينئذ يفكر " في صيانة الأهل والولد " وفي الحصول على الرزق له ولهم، كان يريحه أن يعود إلى الماضي، لأنه لا يمثل الحب وحسب، بل يمثل المجد والجاه والغنى والراحة والحياة الرغيدة ولهو أيام الطلب، ولذة المحادثة مع الأخوان " قبل أن يغيرهم الزمان "؛ لقد تركته تجاربه الكثيرة بين علو وانحدار يحس بوطأة العمر رغم أنه لم يقطع من حبل العمر إلا نصفه، أصبح " شيخا " في إحساسه، فهو يريد أن يصرف عنه هذا الإحساس؛ وكان شاعراً وجدانياً، وهوذا يتحول متكلماً عقلانيا، فهو يريد أن يخلد شعر فترة الشباب والصبا في كتاب، وهو قد عرف الناس وخبر نفسياتهم، وأدرك مدى سيطرة الحب على نفوسهم، فليس هو وصديقه اثنين من أولئك الناس وحسب، يرضيهما أن يكونا في انسجام مع نماذج عديدة تعرضت لما تعرضا له، بل إن ابن حزم ينفرد عن صديقه ثم عن سائر الناس بأنه يستطيع أن يستوعب تلك التجارب، وأن يخضعها للدراسة والتحليل، ليتجاوز بها
стр. 38
تسلية صديقه وتعزية ذاته، فتصبح " رصداً " لحركات النفوس وطبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية، أي أن ابن حزم - من خلال تلك النماذج والتجارب - أحس أنه قادر على أن يقوم بدور السيكولوجي الاجتماعي، وذلك كله يتطلب إلى جانب التعمق في الدراسة جرأة على " الاعتراف " وتلك ميزة لم تكن تنقصه أبداً.
فمن حال صديقه وحال نفسه وحال قرطبة (التي تمثل صورة مكبرة لكليهما) وجد الحوافز قوية لكتابة هذه الرسالة، ولعل ابن حزم أحس وهو يكتب رسالته، انه يريد أن يقدم تجربة أو صورة " أندلسية " خالصة، ولعل هذا هو الذي دعاه أن يقول وهو يحدد برنامجه في التأليف: " ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين فسبيلهم غير سبيلنا " فمما لا ريب فيه أن ابن حزم كان خير ثمرة لتلك الحركة الثقافية التي حاول بها الحكم المستنصر بلورة الشخصية الأندلسية في جميع المجالات الثقافية والحضارية، ولذلك كان للأندلس في نفسه - رغم ضياع الدولة الأموية وما حل بالبلاد من تعاسة على يد ملوك الطوائف - وجودها المحدد، وطبيعتها المشخصة، وقد أمدته ثقافته بكثير من تجارب الحب في المشرق، ولكن أين التجربة الأندلسية في ذلك أكاد أقرر أن ابن حزم ما كاد يرسم المنهاج الذي يعمل على أساسه في هذه الرسالة حتى سطعت في نفسه هذه الحقيقة، كما سطعت بعد سنوات عندما كتب رسالته في فضل الأندلس؛ ولذلك فغن هذا البيت:
ويا جوهر الصين سحقاً فقد ... غنيت بياقوتة الأندلس الذي اتخذه بعضهم شعاراً يدل على " أندلسية " ابن حزم (١) ، ليس إلا نقطة صغيرة في بحر ممتلئ بتلك الحقيقة، حتى إن المؤلف ليتابع تجارب أندلسيين اغتربوا، ونادراً ما يتوقف عند تجارب غير الأندلسيين، ولو تأملنا قوله فسبيلهم غير سبيلنا " لوجدنا أن صيغة الجمع هذه هي " سبيلنا "
стр. 39
لا تشير إلى طريقة فردية، وإنما تشير إلى طريقة جماعية أندلسية؛ وأرجو ألا يساء فهم هذه الروح لدى ابن حزم وان لا تلتبس بتلك الدعوى التي تشتط في القومية العرقية فترى في ابن حزم نموذجاً إسبانياً في الغضب والوفاء ومواجهة الحسد بل وحتى في الثرثرة، إلى آخر ما هنالك من صفات، تميز الأسباني عن غيره من سائر البشر (١) ، فإن هذه النعرة لاحقة بهذيان الممرورين، وبانتحال المميزات المتوهمة للتغلب على مركبات نقص، كان ابن حزم بريئاً منها، ولله الحمد، وهذا وحده يثبت أنه لم يكن أسبانياً بهذا المعنى الذي يريده له بعض المتهوسين من العرقيين. إنما الذي أطمح إلى توضيحه هنا أن ابن حزم الناشئ في ظل الإسلام والثقافة العربية، المحب للدولة الأموية في الأندلس، المتعلق بوطنه، وحب الوطن من الإسلام ومن الايمان - كان يعتز بذلك الوطن، ويدافع عن فضائله. ولا يجد حرجاً في رسم صورته على حقيقتها، لأنه يحب تلك الصورة، حتى وإن كانت لا تعجب الآخرين، إننا حقاً نجد لدى ابن حزم صورة أندلسية، ولكن من الضروري أن نحذر - قبل المضي قدماً في هذا البحث - من الإسراع إلى الظن بأن الأندلس تتفرد بهذه الصورة، ذلك أن ابن حزم لم يكن يحاول أن يقيم مقارنة بين الأندلس وغيرها، وإنما يرسم ما يراه في صدق ودقة، ولكن الدارس يستطيع من موقف المؤرخ أن ينشئ تلك المقارنة: فلقد نجد ابن حزم يقول: " وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد، وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى، ولفت في تطاريف الوشي والخز، وما أشبه ذلك، لتكون تذكرة عند البين. وأما تهادي المساويك بعد مضغها، والمصطكي اثر استعمالها فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء (٢) فنظن ان هذه عادات أندلسية، وسمات
стр. 40
حضارية خاصة بالأندلس، ولكن نقرأ في الموشى (والاستاذ غرسيه غومس يعرف النص تمام المعرفة) عند الحديث عن حب القيان " وتبعث (أي القينة) إليه بخاتمها وفضلة من شعرها وقلامة من ظفرها، وشظية من مضرابها، وقطعة من مسواكها، ولبان قد جعلته عوضاً عن قبلتها، ومضغة لتخبره عن نكهتها، وكتاب قد نمقته بظرفها، وطيبته بكفها، وسحته بوتر من عودها، ونقطت عليه قطرات من دمعها وختمته بغالية قد عدل بالعنبر متنها " (١) فندرك أننا نتحدث عن حضارة واحدة، ليس من فرق كبير فيها بين أندلس ومشرق، وإن كان ابن حزم غير مطالب بإجراء هذه المقارنة التي يستطيعها المؤرخ دونه. هذا في وسائل الحضارة وطبيعة العادات المتصلة بها، ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى خلجات النفوس الإنسانية، ومدى تقبلها أو رفضها للمؤثرات المختلفة، فابن حزم حين يتحدث عن الحب لا يكاد يختلف عن الوشاء أيضاً حين يقول: " واعلم أن الحب مع ما فيه من المرارة والنكد وطول الحسرات والكمد مستعذب عند أربابه، مستحسن عند أصحابه، حلو لا تعدله حلاوة ولا تعدله مرارة " (٢) أو حين يقول: " وأعلم أن الهوى عندهم هو الهوان الصراح والبلاء المتاح لأنه يهين الكريم وبذل العزيز ويدله العاقل " (٣) ؛ من غير أن يكون ابن حزم قد اطلع على ما قاله الوشاء أو غيره، دع عنك القول بان ابن حزم إنما قال ما قال لأنه " إسباني " الإدراك والأحاسيس، وكذلك هو الشان في مظاهر أخرى، لا داعي إلى الإطالة بالوقوف عندها.
وليس من الصواب ان ننفي كتاب " الزهرة " من بين تلك الحوافز التي دفعت ابن حزم إلى كتابة الطوق، بل ان نقلل من قيمته في هذه الناحية، كما زعم الأستاذ غرسيه غومس حين يقول: " إنه على الرغم من إشارة نصية بسيطة ومن التوافق في الاتجاهات العاطفية، فإن الطوق