٤ - دواعي التأليف:
أحب أن أقول - بداع من إحساس يشبه اليقين - أن رسالة " طوق الحمامة " بدأت تسلية لصديق ذي ود صحيح لابن حزم، كان يستوطن المرية - ولعله حلها بعد تفرق القرطبيين في الفتنة -. وفي موطنه الجديد، نشب القرطبي المهاجر في براثن حب آسر، على غير ما تسمح به السن (فهو على الأرجح لدة لابن حزم) ، أي لم يكن مثل ذي الرمة الذي راهق الثلاثين، بل تجاوزها، وحلمته العشائر (١) ، فكتب إلى صديقه وموضع سره ابن حزم، يسأله في كتاب زادت معانيه على ما في سائر كتبه من قبل، رأيه في هذا الذي نشب فيه، ويتحدث إليه بحديث الحب، ويسأله أن يطب له، فدعا الله بينه وبين نفسه ان لا يكلنا " إلى ضعف عزائمنا وخور قوانا ووهاء بنيتنا، وتلدد آرائنا (أو آرابنا) وسوء اختيارنا، وقلة تميزنا، وفساد اهوائنا "، ولكنه حرك ساكناً وذكر أمراً متصلاً بالصبا والشباب، والجراح لم تكد تندمل، وفيما ابن حزم يقلب وجوه الرأي، إذا بصديقه وقد استبطأ رده يسافر من المرية إلى شاطبة ليلقى صاحبه ويبث إليه ما في نفسه، وما تكاد شاطبة تستقبل ذلك الصديق حتى تقوم القيامة، وتسد في وجهه أبواب العودة إلى المرية، لاشتعال نار الحرب بين مجاهد وخيران، فلا يجد ابن حزم خيراً من قصص من ابتلي بمثل ما ابتلي صديقه، يسليه عما ألم به، ويضرب له المثل بالأئمة الراشدين والخلفاء المهديين، ويذكره بما عرفاه من أحاديث العشاق والمحبين في قرطبة وغيرها، بل يقدم له نفسه نموذجاً عجيباً لتصاريف الحب وشؤونه. وأنا أصدق ابن حزم فيما يقول، لأنه منزه عن تعمد الكذب، حتى وأن كان غيره يتخذ مثل هذه التعلة مدخلاً للتأليف،
стр. 37
فهناك صديق كلفه ان يؤلف " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأعراضه وأسبابه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " ن ولكن من السذاجة أن نظن بان الحافز لذلك كان حافزاً واحداً بسيطاً، وأن امرءاً (فقيهاً) يكتب رسالة في الحب وهو يستشعر " نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطات، وتغير الاخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الايام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع كاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار " - أن امرءاً على هذه الحال إنما اندفع إلى ذلك بتوجيه حافز بسيط بل أقدر انه قد وجد ولابد حوافز أخرى لكتابة هذه الرسالة، وما كانت تسلية الصديق إلا انقداح الشرارة الأولى، التي بعثت الماضي كله حياً في نفسه.
وفجأة انتقل الأمر من تسلية الصديق إلى تعزية النفس: فابن حزم الذي كان في حاضره حينئذ يفكر " في صيانة الأهل والولد " وفي الحصول على الرزق له ولهم، كان يريحه أن يعود إلى الماضي، لأنه لا يمثل الحب وحسب، بل يمثل المجد والجاه والغنى والراحة والحياة الرغيدة ولهو أيام الطلب، ولذة المحادثة مع الأخوان " قبل أن يغيرهم الزمان "؛ لقد تركته تجاربه الكثيرة بين علو وانحدار يحس بوطأة العمر رغم أنه لم يقطع من حبل العمر إلا نصفه، أصبح " شيخا " في إحساسه، فهو يريد أن يصرف عنه هذا الإحساس؛ وكان شاعراً وجدانياً، وهوذا يتحول متكلماً عقلانيا، فهو يريد أن يخلد شعر فترة الشباب والصبا في كتاب، وهو قد عرف الناس وخبر نفسياتهم، وأدرك مدى سيطرة الحب على نفوسهم، فليس هو وصديقه اثنين من أولئك الناس وحسب، يرضيهما أن يكونا في انسجام مع نماذج عديدة تعرضت لما تعرضا له، بل إن ابن حزم ينفرد عن صديقه ثم عن سائر الناس بأنه يستطيع أن يستوعب تلك التجارب، وأن يخضعها للدراسة والتحليل، ليتجاوز بها
стр. 38
تسلية صديقه وتعزية ذاته، فتصبح " رصداً " لحركات النفوس وطبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية، أي أن ابن حزم - من خلال تلك النماذج والتجارب - أحس أنه قادر على أن يقوم بدور السيكولوجي الاجتماعي، وذلك كله يتطلب إلى جانب التعمق في الدراسة جرأة على " الاعتراف " وتلك ميزة لم تكن تنقصه أبداً.
فمن حال صديقه وحال نفسه وحال قرطبة (التي تمثل صورة مكبرة لكليهما) وجد الحوافز قوية لكتابة هذه الرسالة، ولعل ابن حزم أحس وهو يكتب رسالته، انه يريد أن يقدم تجربة أو صورة " أندلسية " خالصة، ولعل هذا هو الذي دعاه أن يقول وهو يحدد برنامجه في التأليف: " ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين فسبيلهم غير سبيلنا " فمما لا ريب فيه أن ابن حزم كان خير ثمرة لتلك الحركة الثقافية التي حاول بها الحكم المستنصر بلورة الشخصية الأندلسية في جميع المجالات الثقافية والحضارية، ولذلك كان للأندلس في نفسه - رغم ضياع الدولة الأموية وما حل بالبلاد من تعاسة على يد ملوك الطوائف - وجودها المحدد، وطبيعتها المشخصة، وقد أمدته ثقافته بكثير من تجارب الحب في المشرق، ولكن أين التجربة الأندلسية في ذلك أكاد أقرر أن ابن حزم ما كاد يرسم المنهاج الذي يعمل على أساسه في هذه الرسالة حتى سطعت في نفسه هذه الحقيقة، كما سطعت بعد سنوات عندما كتب رسالته في فضل الأندلس؛ ولذلك فغن هذا البيت:
ويا جوهر الصين سحقاً فقد ... غنيت بياقوتة الأندلس الذي اتخذه بعضهم شعاراً يدل على " أندلسية " ابن حزم (١) ، ليس إلا نقطة صغيرة في بحر ممتلئ بتلك الحقيقة، حتى إن المؤلف ليتابع تجارب أندلسيين اغتربوا، ونادراً ما يتوقف عند تجارب غير الأندلسيين، ولو تأملنا قوله فسبيلهم غير سبيلنا " لوجدنا أن صيغة الجمع هذه هي " سبيلنا "
стр. 39
لا تشير إلى طريقة فردية، وإنما تشير إلى طريقة جماعية أندلسية؛ وأرجو ألا يساء فهم هذه الروح لدى ابن حزم وان لا تلتبس بتلك الدعوى التي تشتط في القومية العرقية فترى في ابن حزم نموذجاً إسبانياً في الغضب والوفاء ومواجهة الحسد بل وحتى في الثرثرة، إلى آخر ما هنالك من صفات، تميز الأسباني عن غيره من سائر البشر (١) ، فإن هذه النعرة لاحقة بهذيان الممرورين، وبانتحال المميزات المتوهمة للتغلب على مركبات نقص، كان ابن حزم بريئاً منها، ولله الحمد، وهذا وحده يثبت أنه لم يكن أسبانياً بهذا المعنى الذي يريده له بعض المتهوسين من العرقيين. إنما الذي أطمح إلى توضيحه هنا أن ابن حزم الناشئ في ظل الإسلام والثقافة العربية، المحب للدولة الأموية في الأندلس، المتعلق بوطنه، وحب الوطن من الإسلام ومن الايمان - كان يعتز بذلك الوطن، ويدافع عن فضائله. ولا يجد حرجاً في رسم صورته على حقيقتها، لأنه يحب تلك الصورة، حتى وإن كانت لا تعجب الآخرين، إننا حقاً نجد لدى ابن حزم صورة أندلسية، ولكن من الضروري أن نحذر - قبل المضي قدماً في هذا البحث - من الإسراع إلى الظن بأن الأندلس تتفرد بهذه الصورة، ذلك أن ابن حزم لم يكن يحاول أن يقيم مقارنة بين الأندلس وغيرها، وإنما يرسم ما يراه في صدق ودقة، ولكن الدارس يستطيع من موقف المؤرخ أن ينشئ تلك المقارنة: فلقد نجد ابن حزم يقول: " وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد، وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى، ولفت في تطاريف الوشي والخز، وما أشبه ذلك، لتكون تذكرة عند البين. وأما تهادي المساويك بعد مضغها، والمصطكي اثر استعمالها فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء (٢) فنظن ان هذه عادات أندلسية، وسمات
стр. 40
حضارية خاصة بالأندلس، ولكن نقرأ في الموشى (والاستاذ غرسيه غومس يعرف النص تمام المعرفة) عند الحديث عن حب القيان " وتبعث (أي القينة) إليه بخاتمها وفضلة من شعرها وقلامة من ظفرها، وشظية من مضرابها، وقطعة من مسواكها، ولبان قد جعلته عوضاً عن قبلتها، ومضغة لتخبره عن نكهتها، وكتاب قد نمقته بظرفها، وطيبته بكفها، وسحته بوتر من عودها، ونقطت عليه قطرات من دمعها وختمته بغالية قد عدل بالعنبر متنها " (١) فندرك أننا نتحدث عن حضارة واحدة، ليس من فرق كبير فيها بين أندلس ومشرق، وإن كان ابن حزم غير مطالب بإجراء هذه المقارنة التي يستطيعها المؤرخ دونه. هذا في وسائل الحضارة وطبيعة العادات المتصلة بها، ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى خلجات النفوس الإنسانية، ومدى تقبلها أو رفضها للمؤثرات المختلفة، فابن حزم حين يتحدث عن الحب لا يكاد يختلف عن الوشاء أيضاً حين يقول: " واعلم أن الحب مع ما فيه من المرارة والنكد وطول الحسرات والكمد مستعذب عند أربابه، مستحسن عند أصحابه، حلو لا تعدله حلاوة ولا تعدله مرارة " (٢) أو حين يقول: " وأعلم أن الهوى عندهم هو الهوان الصراح والبلاء المتاح لأنه يهين الكريم وبذل العزيز ويدله العاقل " (٣) ؛ من غير أن يكون ابن حزم قد اطلع على ما قاله الوشاء أو غيره، دع عنك القول بان ابن حزم إنما قال ما قال لأنه " إسباني " الإدراك والأحاسيس، وكذلك هو الشان في مظاهر أخرى، لا داعي إلى الإطالة بالوقوف عندها.
وليس من الصواب ان ننفي كتاب " الزهرة " من بين تلك الحوافز التي دفعت ابن حزم إلى كتابة الطوق، بل ان نقلل من قيمته في هذه الناحية، كما زعم الأستاذ غرسيه غومس حين يقول: " إنه على الرغم من إشارة نصية بسيطة ومن التوافق في الاتجاهات العاطفية، فإن الطوق
стр. 41
لا يكاد يدين للزهرة بشيء، أو إن شئت يدين لها بشيء محدود للغاية. لقد تغربت النظرية " وتأسبنت " وفقدت تكلفها الواضح، وتحذلقها الخنث، وما كان يقال في بغداد نثراً رقيقاً أو شعراً ملتقطاً أخذ ابن حزم يقوله في شاطبة دافئاً وإنسانياً عن نفسه وعن أصدقائه في قرطبة، وأتت العاطفة واللهفة، وهما خاصيتان اسبانيتان، على أسوار التقليد التي تحول دون تدفق النبع " (١) . أما أن ما جاء به ابن حزم كان " دافئاً انسانياً " فذلك لا غبار عليه بل هو عين الحقيقة، وأما أن الطوق، " لا يكاد يدين للزهرة بشيء " فذلك هو الدعوى التي لا تثبت للمناقشة، كما سأبين بعد قليل.
وقبل أن أتقدم لإثبات وجهة نظري، علي أن أقرر أن التأثير لا يعني المحاكاة، فابن حزم لا يحاكي في الطوق كتاب الزهرة، فقد قام بتلك المحاكاة ابن فرج في كتاب الحدائق، حتى كاد يتفوق - أو هو تفوق حقاً - على سلفه المشرقي، وكان ابن حزم يدرك هذه المحاكاة، وينفر منها، في آن معاً، لأنه امرؤ لا يؤمن بالتقليد حسبما يمليه عليه اتجاهه الظاهري ولكنه فيما يبدعه لا يستطيع ان ينجو من التأثر، وبين التأثر والتقليد بون شاسع.
٥ - أثر الزهرة في ابن حزم:
ولكن - على كل ما هنالك - كان ابن حزم يرى في ابن داود إماماً ظاهرياً يستحق التقدير، إماماً يكتب في الحب، دون أن يعبأ بنقد المتزمتين، ويستطيع في الوقت نفسه ان يتحول بالحب، رغم العذرية والأفلاطونية والصوفية، إلى مستوى إنساني واقعي، وهذا يعجب ابن حزم كثيراً، ويوافق مشاعره ذات المنزع الظاهري، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يتخلص من تأثير ابن داود، حتى لو حاول ذلك، وهذا التأثير قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً.
стр. 42
لنقل بادئ ذي بدء ان الزهرة يحتوي فصولاً لا تربطها وحدة في المنهج، وان كل فصل لا يتجاوز رواية شعر متصل بموضوعه، وتعليقات على بعض ذلك الشعر، وان في بعض تلك التعليقات نظرات ذاتية نافذة؛ هذه المواقف كفيلة باظهار تأثر ابن حزم بكتاب الزهرة، فانعدام المنهج أو اضطرابه أوحى لابن حزم بتتبع منهج دقيق، ورواية الشعر دفعته إلى ان لا يستأنس بالموروث الشعري في موضوع الحب، وتلك النظرات النافذة هي ما استغله ابن حزم على نحو يتفق وطريقته ومنهجه، وتلك النماذج الشعرية هي التي قررت لديه " انسانية " تجربة الحب سواء أكانت تلك التجربة أندلسية أم غير ذلك.
ولابد لدارس كتاب الزهرة من أن يتجاوز تلك العنوانات الشعرية المسجوعة إلى الحقائق القائمة تحتها، ليستطيع المقارنة بينه وبين كتاب الطرق، وأن تجاوز أيضاً تبدد الموضوع الواحد في عدة فصول، لكي يرد ما تبدد إلى حيز واحد، يقتضيه المنهج الحزمي الدقيق. وسوف يكتشف أن الكتابين يعالجان موضوعات واحدة من مثل الرقيب، القنوع، الرسول، الواشي، الهجر، السلو الخ وأن كثيراً من الحقائق في هذه الفصول، وضعه ابن داود، وتابعه فيه ابن حزم، مستعملاً كثيراً من لباقته التأليفية، وعقليته المنطقية.
وخير ما يصور هذا الذي نقوله أن نعرض للمقارنات، بين الكتابين في بعض المواضع:
١ - يقول ابن داود (٥١) : والهجر الذي يتولد عن الثقة بالوداد خير من الوصال الذي يقع من غير اعتماد؛ ويقول ابن حزم: ثم هجر يوجبه التدلل وهو ألذ من كثير من الوصال، ولذلك لا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه.
٢ - ويقول ابن داود (١٣٦) " الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال وهجر دلال وهجر مكافأة على الذنوب وهجر يوجبه البغض
стр. 43
المتمكن في القوب، فاما هجر الدلال فهو ألذ من كثير الوصال وأما هجر الملال فيبطله مر الأيام والليال، إما بنأي الدار وإما بطول الاهتجار " ويؤسس ابن حزم على هذه القسمة فيجعل الهجر سبعة أقسام منها الأربعة التي عدها ابن داود كما يتحدث عن الهجر الذي يعد مكافأة على ذنب وعن هجر الملال ويحلل هذا الثاني تحليلاً دقيقاً ويورد عليه أمثلة، ويشفق فيما سماه ابن داود " هجر يوجبه البغض " فيتخلص من كلمة بغض، ويستعمل بدلاً من ذلك " الجفاء " و " القلى " واللفظة الأخيرة مبهمة لأنها تعني الهجر، فإذا قلت " هجر الهجر " لم تفد معنى واضحاً.
٣ - ويتوقف ابن داود (١٥٥) عند السلو الناتج عن الغدر، فيراه غير معيب، لان السالي إنما ينفر عمن خالف شكله، ولكن عليه ألا يشنع بهذا الغدر على المحبوب أو يذيعه عنه، ويعود إلى الموضوع (١٧٠) فيرى أن الصبر أحياناً على الغدر يقع لدى بعض المحبين، لأن حالة المحب قد تجاوزت حد العشق إلى الرضى بكل ما يفعله المحبوب ولو كان غدراً؛ أي أن ابن داود لا يقطع برأي وإنما يجيز حدوث السلو أو بقاء الحب مع الصبر؛ ويتعرض ابن حزم أيضاً لظاهرة السلو الناتج عن الغدر فيرى ان السالي غير ملوم، ويحدد موفقه على نحو أدق إذ يلوم من يسبر عليه لأنه يرى ان الغدر لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم " ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي الحفيظة والسري السجايا من الغدر، فما يصبر إلا دنئ المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة "؛ ومع مخالفته لابن داود فان الذي مهد له الانطلاق في هذه المخالفة هو ابن داود نفسه.
٤ - ويرد ابن داود (١٦٣) أسباب السلو إلى: نيل المحب لما أمله، أو لملل بسبب جفاء المحبوب ومخالفته، أو من الغدر المطلوب، أو التأذي من رقيب وحاجب، أو بسبب سعاية واش وعذول ويفرع ابن حزم على هذه الأسس، فيجعل بعض الأسباب ناجماً من قبل المحب: ومنها الملل والرغبة في الاستبدال (وهي تقابل نيل المحب لما أمله وسعيه
стр. 44
لتجديد حب آخر) ؛ وبعضها ناجماً من قبل المحبوب: مثل الهجر ونفار المحبوب وجفاء فيه ونزوع إلى الغدر وأخيراً سبب لا يتعلق بالمحب او المحبوب، وهو اليأس بسبب موت أو غيبة منقطعة أو عارض قتل السبب الذي من أجله نشأ الحب؛ وقد عقد ابن داود فصلاً خاصاً للحديث عن الياس، وتحليليه نفسياً وطبياً (١) (وذلك ما لم يتوقف ابن حزم عنده) ولكنه ربطه بالسلو، وأضاف إضافة هامة - لم يستطع ابن حزم معالجتها - حين ربط بين اليأس وبين الانتحار عن طريق ايراده لبعض الحكايات.
٥ - ويعقد ابن داود (٩٨) فصلاً للقنوع، يورد فيه نماذج من الشعر، ويعلق عليها بقوله " وكل هذه الأحوال ناقصة عن حد التمام "؛ ويعد ابن حزم مراتب للقنوع ستاً، يستخلص أحدها من الشعر، فيقول " وللشعراء فن من القنوع أرادوا فيه إظهار غرضهم وإبانة اقتدارهم على المعاني الغامضة والمرامي البعيدة. فمنهم من قنع بان السماء تظله هو ومحبوبه.. الخ " ثم يلمح انهم لم يبلغوا غاية التمام - كما فعل ابن داود، فيقول: " ولي في هذا المعنى قول لا يمكن لمتعقب ان يجد بعده متناولاً ولا وراءه مكاناً.. " (وذلك هو قنوعه بلقاء محبوبه في علم الله) ولا يخفى تدقيقه هنا في ملاحظة ابن داود، وتأثره بها.
٦ - وفي الزهرة فصلان أحدهما في الحجاب (١٠٤) والثاني في الوداع (١٨٤) وقد جمعهما ابن حزم في حديثه عن البين، فيعد حجب المحبوب ومنعه من لقاء محبه بيناً. وابن داود هنا أدق لأنه قسم الحجاب في قسمين اضطراري واختياري، وجعل الحجب بالقوة سبباً اضطرارياً. وأما الحجاب الاختياري فمنه امتحان المحب للمحبوب والخوف عليه من الرقيب (ابن حزم: ثم بين يتعمده المحب بعداً عن قول الوشاة) والإشفاق على النفس من العذال، واستيلاء الملال على نفس المحب. ولا
стр. 45
يقف ابن حزم عند بعض هذه الظواهر لأن وضعه الوداع تحت اسم البين جعله يفكر في البين المتأتي عن الرحلة او عن الموت. وقد تنبه ابن داود إلى أن مواقف الشعراء من الوداع متفاوتة، فمنهم من يسارع إلى الفراق تغنماً لساعة الوداع لان فيه " عناقاً وانتظار اعتناق يوم التلاق " ومنهم من يصبر عليه ويتعمد ألا يشهد منظر الوداع إشفاقاً من ألمه؛ وقد فتح الباب بذلك لابن حزم كي يقول: ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم النوى، وما ذاك بحسن ولا صواب ولا بالأصيل من الرأي فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات.. الخ ".
٧ - ويلتقي المؤلفان في كثير من الحقائق العامة التي عرضاها عند الحديث عن حفظ السر والاذاعة (البابان ١٢، ١٣ عند ابن حزم؛ والبابان ٤٣، ٤٤ في الزهرة) حتى ليلتقيان في بعض العبارات، فيقول ابن داود في من يطوي سره رغم مضاضة الكتمان " شديد الإبقاء على إلفه " (٣١١) ويقول ابن حزم " وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب على محبوبه ". ويتفقان على أن المحب لا يملك أحياناً إلا البوح بسره لأنه يمتلكه من الوجد ما يغلبه أو بتعبير ابن حزم: " وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب ".
٨ - ولا خلاف في ان ابن حزم حين يتحدث عن الحب من أول نظرة وعن الحب بعد المطاولة (الفصلان ٥، ٦) يعتمد تجارب عرفها عند غيره وفي نفسه، ولكن أصول هذا كله متوفرة في الزهرة (٣٣٠) حيث يقرر ابن داود أن ما وقع من الهوى بأول نظر كان بقاؤه يسيراً وأما ما كان استحساناً ينمو على مر الأيام فإنه لا يزول - إذا قدر له ذلك - إلا ببطء؛ ويتبنى ابن حزم نفسه هذا الموقف حين يقول " وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا اجعل حبه إلا ضرباً من الشهوة " ويقول في تصوير المطاولة: " فما دخل عسيراً لم يخرج يسيراً " ويقابل هذا عند ابن داود قوله: كل شيء في العالم إن اعتبرته وجدت ما ارتقى إلى هذه الغاية القصوى بغير
стр. 46
ترتيب انحط انحطاطاً طويلاً " (٣٣٠) أو بقوله في من صعد إلى ذروة المحبة بأول نظرة: " فكلما كان ارتقاؤهم فيها سريعاً كان انحطاطهم قريباً " (٣٣٥) .
٩ - وفي باب الوفاء يجيء تأثر ابن حزم بابن داود ناحياً منحى المخالفة، فإذا قال مؤلف الزهرة: " فالمحبوب يكون موفياً لمحبه ويكون غادراً بعهده، والمحب لا يكون موفياً ولا غادراً وإنما يصلح أن يكون المحبوب موفياً وغادراً لأنه يأتيه مختارا " (٣٦٢) (أما المحب فهو غير مختار إلا إذا زالت المحبة فعندئذ يمكن ان يوصف بالوفاء أو بالغدر) ، وجدنا ابن حزم ينطلق إلى النقيض بقوله: " واعلم أن الوفاء على المحب أوجب منه على المحبوب وشرطه له ألزم، لان المحب هو البادي باللصوق والتعرض لعقد الأزمة.. فمن أجبره على استجلاب المقة إن لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده عليها ". ثم يلتقيان بالاشادة بالوفاء مع اليأس وخاصة بعد حلول المنايا، فيجعل ابن داود عنوان الفصل " قليل الوفاء بعد الوفاة اجل من كثيره وقت الحياة " (٣٦١) ويردد ابن حزم هذا المعنى فيقول: " وغن الوفاء في هذه الحالة (يعني بعد الوفاة) لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء " (الفصل: ٢٢) .
١٠ - ويتقارب المؤلفان من حيث المنحى العام في المقدمة والخاتمة، فكلاهما في المقدمة يتوجه إلى إلف عزيز، اقترح فكرة الكتاب ويتطرف ابن داود في المقدمة إلى ذكر الأنبياء ومن جرى عله حب منهم، ويخلص إلى القول: " والنبيون ﵈ والصالحون من أئمة أهل السلام يجل مقدارهم عن أن تذكر للعوام أخبارهم " (ص: ٥) ؛ وكان رد الفعل لدى ابن حزم مخالفته في هذا إذ ذكر عددا من الخفاء المهديين والأئمة الراشدين والصالحين والفقهاء ". وهذا باب من تأثير كتاب الزهرة في ابن حزم، أعني مخالفته، إذا لم يقتنع بوجهة نظر صاحبه. وتحرز في بعض المواقف تحرز ابن داود حين قال: " وغنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه الحزم وإحياء الدين، وإنما هو شيء كانوا ينفردون به
стр. 47
في قصورهم مع عيالهم فلا ينبغي الإخبار به عنهم " وبذلك قطع حبل الإطناب في هذا الموضوع. ثم ردد النظرية الفلسفية التي جاء بها ابن داود في الفصل الأول عن الأكر التي انقسمت. وأما الخاتمة فإنها اتجهت عند ابن حزم وجهة دينية أخلاقية، فيها تحذير من المعصية وإشادة بفضل العفة، في فصلين متعاقبين، مؤيدين بالأحاديث النبوية، والشعر الزهدي التخويفي التعليمي. وأما الخاتمة عند ابن داود فلها شأن آخر؛ إذ ليس في كتابه على التحقيق خاتمة؛ ولكن مؤلفاً يبدأ كتابه في ذكر العشق وأحواله ويجعل نصيب هذا الموضوع من كتابه النصف كاملاً، ثم يعد بخمسين باباً آخر يذكر فيها الموضوعات الشعرية الباقية من رثاء ومدح وفخر وهجاء ووصف الخ؛ ثم يجعل الفصول التالية للفصول في الحب مباشرة في تعظيم الله جل شأنه - في ما مدح به الرسول - فيما قاله شعراء الاسلام في أهل بيت النبي، أقول إن مؤلفاً يفعل ذلك إنما كان يحس بتوجيه ديني بعد إذ أحس أنه أسرف في جعل " الحب " يحتل نصف كتابه، ولهذا فمن باب الاعتذار غير المقنع قوله: إنه إنما بدأ بالغزل لان الشعراء تجعل التشبيب في صدر كلامها، وانه لا يريد في تأليفه أن يخرج عن مذهب الشعراء، وانه لا يصلح إذا انقضى ذكر التشبيب بالغزل ان يقدم على أمر الله أمراً لوا يرسم بين يدي الأشعار الدالة على عظمته شعراً (١) . أقول: اعتذار غير مقنع لأنه كان في مقدوره ان يضم الأبواب الثلاثة إلى الفصول التي خصصها للثناء والمدح، ولكن قلقه من الإسراف في موضوع العشق حفزه إلى ما يشبه التمحيص أو التكفير، فبادر إلى إيراد فصل فيه ذكر عظمة الله تعالى؛ تماماً كما أحس ابن حزم ان من واجبه التنفير من المعصية والمدح للعفة، لكي لا يظن أن الفصول السابقة ربما أوحت بالبعد عن ذلك.
من أجل ذلك كله يصح القول إن حضور كتاب الزهرة في نفس
стр. 48
ابن حزم وذهنه، كان حضورا دقيقا، وأنا أقدر أنه حفظه في سن صغيرة حتى ظلت ذاكرته تستوعب منه عبارات مطابقة أو مقاربة؛ تأمل قوله: " وسمع بعض الحكماء قائلاً يقول الفراق أخو الموت فقال بل الموت أخو الفراق " (١) ؛ تجده علق بذاكرته من كتاب الزهرة ثم أنسيه نصاً، فأداه بحسب المعنى، وأصله في الزهرة: " وقد قال الجاحظ: لكل شيء رفيق، ورفيق الموت الهجر، وليس الأمر كما قال بل لكل شيء رفيق، ورفيق الهجر الموت " (٢) . ومثل هذا حدث له في إيراد الرأي الفلسفي حول انقسام الأصلي الأرواح الكريه، وقد ذكرت لك من قبل. فهذا التباين بين النص الأصلي والاقتباس لا يفسره إلا ان ابن حزم حين كان في شاطبة يكتب " طوق الحمامة " لم تكن لديه نسخة من كتاب " الزهرة، وإنما كان يستعيد بعض ما علق منه بذاكرته، وسنرى أثر كتاب " الزهرة " حتى في المنهج الذي بنى عليه كتابه.
٦ - خطة الرسالة:
وحين استجاب ابن حزم لما اقترحه عليه صديقه ونوى أن يكتب " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " دون تزيد او تفنن، أخذ يتصور خطة لتلك الرسالة، ولما كان يريد قول الحقيقة من غير تزيد أو تفنن، التزم بأن لا يورد إلا تجارب واقعية، مما وقع له هو نفسه أو مما وقع لغيره وحدثه به الثقات، وهذه الواقعية قد أبعدت عن رسالته حكايات الأسمار التي أدارها قصاص ذوو خيال - واسع أو ضيق - حول مشهوري العشاق، وأحداث العشق السالفة؛ وأنقذت رسالته من الجنوح إلى الخيالات مثلما أنقذنها رسالته من الجنوح إلى الخيالات مثلما أنقذتها من التردي في المبالغات، لان غايتها هي أن تصور لقارئها كيف يعيش الحب في الواقع، وفي الواقع الأندلسي على شكل خاص، كيف
стр. 49
تتجسد المشاعر والأحاسيس والشهوات والنزوات في الحياة العملية، وتكون جانباً من نشاط المجتمع. وهذه النزعة القائمة على التجريب تعني ان الرسالة ليست ذات غايات أخلاقية أبداً، وكل ما يحميها من التهاوي في بعض فجاجات الواقعية - وإن لم تسلم من ذلك سلامة مطلقة - إنما هي أخلاقية كاتبها، تلك الأخلاقية التي ستسفر عن وجهها عمداً في الخاتمة.
ولما كان الأعراب - من حيث أشعارهم الوجدانية وأخبارهم في العشق، يحتلون مقاماً هاماً في كتب الأدب المشرقية، ومنها كتاب " الزهرة " نفسه، رأى ابن حزم أن ينأى بكتابه عن هذه الناحية، وهذا لم يكفل لكتابه الواقعية التي التزم بها وحسب، وإنما أثر في منهجه تأثيراً واضحاً حين أعفاه من تكرار المواقف البدوية في الحب، فلم يعد بحاجة إلى أن يفرد فصولاً في البكاء على الطلول - وإن ألمح إليه إلماحاً - والأنس بالبروق اللوامع، وتلهب النيران والعافية والزجر وحنين الابل، إلى غير ذلك من مظاهر تحدث عنها ابن داود في الزهرة. وبذلك تم لرسالة " طوق الحمامة " وجه حضري قرطبي أندلسي. ويبدو أن تعلق ابن حزم " بحضارية " ذلك الوجه كان محتوماً، بسبب فقدانه " المدينة " التي أحبها كثيراً، أعني قرطبة؛ وهذا كلام يوهم بالتناقض، وتفسيره أن ابن حزم - ابن المدينة - فقد تلك المدينة وهو أشد تعلقاً بها، ولم يغص في سلبياتها فيثور عليها ويحن إلى حياة " رعوية " نقية، ولهذا تراه يستمد أمثلة التعفف من مجتمعها: " حدثتني امرأة أثق بها " و " حدثني ثقة من إخواني " (١) بينما هو يشكل في عفاف نساء الأعراب اللواتي طار لهن ذكر بالعفاف في الشعر القديم. فيقول: " وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على أنه يذكر
стр. 50
عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى " (١) .
ولما كان الحديث المتصل بالواقع قد يتناول أشخاصاً أحياء او أشخاصاً ذوي مقام اجتماعي مرموق، فإن ذكر أسمائهم متصلا بتلك الأحداث قد يسيء إلى سمعتهم أو يعد تشهيراً بهم، ولهذا اقتصر ذكر الأسماء على من لا ضرر في تسميتهم، إما لأن الحادثة مشهورة قد تناقلها الناس وعرفوا صاحبها فلم يعد ذكر اسمه زائداً في جلب الأذى لسمعته، وخاصة إذا كان هؤلاء الناس قد أصبحوا في ذمة التاريخ مثل: الرمادي وحكايته في حب " خلوة "، أو ابن زمان وحبه لأسلم، وغما لان المخبر عنه راض بنقل ذلك الخبر غير منكر شيئاً على ناقله. والأمر أسهل إذا كان المتحدث عنه إنساناً سيء السمعة، معروفاً بذلك بين الناس، قد بلغ من سقوطه حداً لا يؤثر فيه الذيوع، كما كان حال عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الجزيري. وقد كان إخفاء الأسماء في بعض الأحيان - معيناً لابن حزم على التمثيل بالحادثة الواحدة في غير موضع، لحاجته إلى تأييد مقرراته أحياناً باللجوء إلى الواقع. وهذا محض استنتاج لا أجد عليه دليلاً قاطعاً، وإنما استأنس ببعض ما أراه دليلاً معقولاً، فمن ذلك مثلاً أنه يخفي الاسم مرة فيقول في حال صفاء محبين عدما الرقباء وأمنا الوشاة أنه يخفي الاسم مرة فيقول في حال صفاء محبين عدما الرقباء وأمنا الوشاة وسلما من البين ورغبا عن الهجر: " ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله إلا أنه كان دهي في من كان يحبه بشراسة أخلاق ودالة على المحبة فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس إلا وكان بينهما خلاف فيه، وكلاهما كان مطبوعاً بهذا الخلق، لثقة كل واحد منهما بمحبة صاحبه، إلى أن دبت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب
стр. 51
لهذا العالم " (١) . ثم يذكر عن أخيه أبي بكر وزوجه عاتكة " أنهما كانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا أقدر لها، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاقب مدة ثمانية أعوام، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه " (٢) ثم فرق بينهما الموت، وليس بمستبعد ان يكون الخبر في الحالين واحداً. ومثل ذلك أيضاً قد يستشف من أخبار رواها ابن حزم عن نفسه فقال مرة: دعني أخبرك أنني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر " (٣) ثم قال: " وذلك أني كنت أشد الناس كلفاً وأعظمهم حباً بجارية لي - كانت فيما خلا - أسمها نعم " (٤) فهل " نعم " هي تلك الشقراء او هي غيرها اعتقد أن إخفاء الاسم في المرة الأولى ساعد ابن حزم على الاستشهاد بالواقع الواحد في موضعين متباعدين.
بل لعلي أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فأزعم ان ابن حزم كان يخفي اسمه أحياناً، لتتم له رواية الحكاية على وجه مقبول، لحساسية خاصة في طبيعة القصة. ولعل أقوى ما يمثل ذلك قصة المرأة التي أحبت في غير ذات الله (٥) فقد تفنن ابن حزم في وصفها أيام المودة، وفي وصفها بعد التغير بما ينبئ عن لذة داخلية عميقة باسترجاع ذينك الموقفين، ولا يحاول أحد أن يسترسل في وصف هاتين الحالتين على النحو الذي فعله ابن حزم إلا إن كان يصور علاقة ذاتية في الحكاية، أو كان قاصاً محترفاً، ولما لم يكن ابن حزم هو الثاني، فذلك يجعلنا نأخذ بالفرض الأول.
стр. 52
ثم ان ابن حزم رأى أن يلتزم في خطته بأمر آخر: وهو أن يستشهد في الرسالة بأشعار قالها هو لا بأشعار لغيره، ونبهنا إلى أن مضمون تلك الأشعار لا ينصرف دائماً اليه، لأن أصدقاءه كثيراً ما كانوا يكلفونه نظم الشعر في ما يقع لهم من أحداث. وهذا الالتزام متصل بطبيعة المؤلف لا بطبيعة الرسالة، ويبدو من أول الأمر تحكماً لا يسنده تعليل قوي: عل كان ابن حزم يعتقد أن إيراد أشعار الآخرين يبعده عن الواقع ويسلمه إلى الخيال هل كان يحس أن محفوظه من الشعر غزير وأنه إن تمثل بالشعر لم يكد يكتفي منه بالقطعة والقطعتين في الموقف الواحد، وبهذا تعود رسالته صورة أخرى من كتاب الزهرة أكبر الظن أنه شاء ان يبعد عن " الزهرة " قدر المستطاع ليلتقي بها في جانب آخر، ففي الزهرة أيضاً عمد ابن داود - فيما يرجح الدارسون - إلى إيراد شعره نفسه مع أشعار الشعراء الآخرين تحت عنوان مبهم هو " وقال بعض أهل العصر "، فرأى ابن حزم ان هذا عمل يتيح له الفرصة ليعرض شعر الصبا والشباب، بعد أن كان آخذاً بالتحول عن هذا اللون الوجداني من الشعر، كما اشرت من قبل.
بعد التقيد بهذه الالتزامات أصبح وضع منهج للرسالة أقرب إلىالتحقيق؛ ولا بد لذلك المنهج من ان يكون دقيقاً قائماً على تصور واضح مكتمل، لا كمنهج ابن داود الذي لم يؤسس على خطة سليمة، فتعددت عنده الفصول وتباعدت فيها النظائر: ووجد ابن حزم أن رسالته يمكن أن تقسم في ثلاثة فصول وخاتمة: فصل في أصول الحب (وهي عشرة) وفصل في أعراض الحب (وهي اثنا عشر) وفصل في الآفات الداخلة على الحب (وهي تجيء في ستة أبواب ثلاثة منها للأشخاص: العاذل والرقيب والواشي، وثلاثة للأحوال، الهجر والبين والسلو) وخاتمة من فصلين في قبح المعصية وفضل التعفف.
ويبدو بوضوح ان المنهج منطقي، ولكن كتابته على هذا النحو المتدرج تباعد بين الأمور المتوازية؛ فالوصل من أعراض الحب مثلاً، وضده
стр. 53
الهجر وهو آفات الحب، وهما يقفان متباعدين إذا التزمنا بالمقولات الثلاث. لهذا بعد ان قرر ابن حزم هذا الهيكل المنطقي عاد فغير ترتيب الفصول بحيث يتوازى كل موضوع مع ضده إن وجد له ضد.
وقد حتم عليه هذا المنهج ان يستبعد موضوعات تتصل بالحب أو يجعلها هامشية بينما يعالجها غيره في فصول مستقلة مثل الشوق والحنين، والبكاء والعتاب والغيرة، ودرجات المحبة، ولا ريب في أن ابن حزم تحدث عن هذه الموضوعات، إلا أنه رآها تفريعاً على موضوعات أكبر منها، فجعل البكاء من علامات الحب، والمح إلى العتاب في مواطن، وتحدث عن غيرته هو وعن القنوع بالشركة في المحبوب لذهاب الغيرة وعن سقوط ابن الجزيري وغيره لسقوط الغيرة من نفوسهم، ولعله أدرك من بعد أن منهجه في الطوق لم يمكنه من تحديد بعض الأمور المتعلقة بموضوع الحب فعاد إلى " الغيرة " في رسالته " في مداواة النفوس " فحددها بأنها " خلق فاضل متركب من النجدة والعدل لان من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره وأن يتعدى غيره على حرمته، ومن كانت النجدة له طبعاً حدثت فيه عزة، ومن العزة الأنفة من الاهتضام " (١) وقرر هنالك ان الغيرة إذا ارتفعت ارتفعت المحبة (٢) . فابن حزم إذن لا يمكن أن يفرد للغيرة باباً في رسالة عن الحب لأنها " خلق " ولكنه قد يتحدث عنها في معرض الحديث عن ظواهر معينة من الحب.
وفي رسالة مداواة النفوس توقف عند درج المحبة، وهو موضوع لم يتح له منهجه في الطوق أن يعالجه فقال: " درج المحبة خمسة أولها الاستحسان وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور إليه حسنة أو يستحسن أخلاقه، وهذا يدخل في باب التصادق، ثم الإعجاب وهو رغبة الناظر في المنظور اليه في قربه، ثم الألفة وهي الوحشة إليه متى غاب، ثم
стр. 54
الكلف وهو غلبة شغل البال به، وهذا النوع يسمى في باب الغزل بالعشق، ثم الشغف وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك وربما أدى ذلك إلى المرض أو التوسوس أو إلى الموت، وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلاً (١) ؛ والحق أن هذا التدرج أمر ضمني في تلك الفصول التي تحدث فيها ابن حزم عن التعريض ثم الإشارة بالعين ثم المراسلة ثم إرسال سفير، ثم في الموت، فلو أفرد الحديث عن درج المحبة هنالك لتعرض بعض أجزاء رسالته للتكرار والتداخل.
وكأن ابن حزم كان ما يزال تحت تأثير كتاب الزهرة عندما كتب رسالته " في مداواة النفوس " فقد ذكر ابن داود موضوع التدرج في المحبة حين قال: " فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان ثم يقوى فيصير مودة.. ثم تقوى المودة فتصير محبة ثم تقوى المحبة فتصير خلة ثم تقوى الخلة فتوجب الهوى ثم تقوى الحال فيصير عشقاً الخ " (٢) وهما لا يتفقان في المصطلح، وإنما يتفقان في القول بأن التدرج أمر واقعي.
ولكن منهج ابن حزم على منطقيته، بل سبب منها، لم يستطع أن يتلاقى التداخل، وكيف يمكن ذلك في موضوع عاطفي مثل الحب، تولته المصطلحات اللغوية المتداخلة المتقاربة بالتحديد، قبل أن يحاول العقل رسم حدود له ولهذا أمكن الحديث عن الملل والهجر والغدر وما أشبه في غير موطن واحد من طوق الحمامة، ولكن الذي يخفف من التكرار والتداخل أن ابن حزم لم يكن غافلاً عنه، بل كان وعيه الدقيق للمبنى الكلي مسيطراً في كل مرحلة.
٧ - بين النظرية والتطبيق:
لم يقبل ابن حزم بالرأي الذي أورده ابن داود وهو أن الأرواح أكر مقسومة في العالم العلوي، وأن كل قسم يحن إلى نظيره؛ بل عدل فيها
стр. 55
ليقول إن النفوس تنقسم في هذه الخليقة (لا في عالم علوي) وأنها ليست أكراً (ولكنه لم يحدد لها شكلاً) وأن عنصرها رفيع، فالحب اتصال بين تلك الأجزاء، على أساس من المجانسة والمشاكلة (وهو ما لا ينفك ابن داود من تكريره في كتابه وذلك ما قال به المتكلمون في مجلس يحيى ابن خالد) وذلك سهل على نفس تنزع إلى نفس لان عالمها صاف خفيف وجوهرها صعاد معتدل، فالحب إذن تقارب بين النفوس وليس منشؤه استحسان الصورة الجسدية إذ لو كان الأمر كذلك لما استحسن محب صورة جسدية ناقصة، ولو كان الأمر لتوافق في الأخلاق لما أحب المرء من يخالفه.
وقد كانت هذه البداية مصدر اضطراب لدى ابن حزم لا ندري سببه، ولعله اضطراب في النسخة التي وصلتنا (١) ، فبعد أن أكد أن انقسام النفوس يتم في هذه الخليقة عاد يقول إن قوله المسطر في صدر الرسالة هو " إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي ". وبعد أن قرر أن الاتصال يتم بين أجزاء النفوس المتشاكلة، وأنه ليس استحساناً جسدياً ولو كان كذلك لما أحب امرؤ صورة ناقصة، عاد يخبرنا ان الحب يقع في الأكثر على الصورة الحسنة، لأن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة، فإذا وجدت وراء الصورة (الجسدية) الحسنة مشاكلة اتصلت وصحت المحبة، فان لم تميز شيئاً توقفت عند حب الصورة؛ وهذا يعني أن الحب يبدأ باستحسان الصورة الجسدية الحسنة، وأن محبة الصور الناقصة أمر نادر.
هذا هو شأن الحب الذي يسمى العشق، فهو امتزاج نفساني، فان قيل لماذا يحب المرء محبوباً ثم لا يبادله المحبوب ذلك فالجواب عند ابن حزم ان النفس المحبوب في هذه الحالة تكون قد أصبحت أسيرة الأغراض الكثيفة والطبائع الأرضية، مغمورة بالحجب، فهي " ساكنة " في ظلمة
стр. 56
(متقبلة لا مهاجمة) ولهذا لا تستثار إلا بعد محاولات من ايصال المعرفة إليها وتنبيهها من غفلتها لتستطيع التجاوب مع روح المحب التي تكون متخلصة غير مأسورة، طالبة لنظيرها " متحركة " (مهاجمة لا متقبلة) جاذبة مشتهية لتمام التلاقي. ومثل هذا الفهم يؤكد لابن حزم أن الحب " عملية " تتطلب زمناً متطاولاً، وتكراراً في ايقاظ نفس الصنو، فأما ما يتم بسرعة من جراء الاستحسان الجسدي، أو ما يسمى الحب من النظرة الأولى فذلك هو " الشهوة "، ولهذا التجاذب بين الصنوين لا يصح ان يحب المرء اثنين في آن معاً. ولكن " الشهوة " نفسها قد تتحول إلى حب، إذا زادت عن حد الرضى الجسدي، واجتمعت تلك الزيادة مع اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس.
إذن فنحن ازاء نظريتين في الحب، لا نظرية واحدة، وقد لفهما ابن حزم لفاً سريعاً، وكأنهما ظاهرة واحدة وكأن احداهما تكمل الأخرى. والواقع أن هنالك حباً بين نفسين، وهو حب علوي، لا مدخل فيه للاستحسان الجسدي، وهنالك حب يبدأ بالاستحسان الجسدي، وهو شهوة، ثم تصعد الشهوة بالرضى الجنسي أو ما أشبهه لدى المحب والمحبوب (كقصة الرجل الذي كان يبتاع الجارية وهي سالمة الصدر من حبه، بل ربما كرهته، وسرعان ما يتحول الكره إلى كلف شديد لأنه كان بطيء الإراقة، تقضي المرأة شهوتها معه مرة أو مرتين) فتوافق الشهوة أخلاق النفس، فتنشأ المحبة. وعلى الرغم من غموض في عبارة " توافق أخلاق النفس " فان البون شاسع جداً بين النظرية الأولى والثانية، لأن النفسين في الحالة الثانية لم تتعارفا إلا بعد تعارف الجسدين، وليس من الضروري ان تكونا منقسمين في عالمها العلوي، فإذا أقررنا بهذا الاحتراس، انتقضت النظرية الأولى، وهي منقوضة منذ البداية، لأنها لا تستطيع ان تفسر حالات الحب في الواقع كما عرضها ابن حزم. ومثال واحد على ذلك يعد كافياً في هذا المقام: ابن حزم نفسه الذي لم يكن يؤمن إلا بالحب بعد تطاول الزمن، أحب أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً، فهل
стр. 57
كانت نفسه تبحث عن صنوها فتجده في كل أنثى من الأربع تباعاً أو أنه عن طريق الاستحسان الجسدي كان يسلك الطريق إلى قلب المحبوب من الواضح أن الأمر الثاني هو الأصح، وهكذا يقال في الحكايات الكثيرة التي أوردها في كتابه؛ ولهذا يسقط القول بان الحب عند ابن حزم أفلاطوني.
ويعطي ابن حزم للحب الأول قوة الانطباع المحفور في الذوق إلى الأبد، فبعض الناس إذا أحب فتاة وقصاء او فوهاء أو شقراء جرى ذوقه طول حياته - على استحسان ما ألفه من صفة مميزة في محبوبه الأول إذا فقده، ويعلل ذلك بالحنين إلى الحب الأول.
ويتميز الحب الذي يسمى عشقاً عن سائر ضروب المحبة - في رأي ابن حزم - بأنه لا يفنى إلا بالموت، وانه يتقبل الخبل والوسواس وتبدل الطبائع والنحول والزفير، أي أنه لا ينقضي لأن علته دائمة (وهي في زعمه اتصال بين النفوس) بينما تقتضي ضروب المحبة الأخرى بانقضاء عللها. ومن تلك الضروب:
١ - محبة المتحابين في ذات الله.
٢ - محبة القرابة.
٣ - محبة الألفة والاشتراك في المطالب.
٤ - محبة التصاحب والمعرفة.
٥ - محبة البر يضعه المرء عند أخيه.
٦ - محبة الطمع في جاه المحبوب.
٧ - محبة المتحابين لسر يلزمهما ستره.
٨ - محبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر.
وقد ترقى ابن حزم من هذه النظرة إلى القول (في رسالته: مداواة النفوس) بان المحبة ليست ضروباً وإنما هي جنس واحد، وغنما قدر الناس أنها تختلف لاختلاف الأغراض، واختلاف الأغراض فيها ناشئ
стр. 58
عن اختلاف الأطماع، وعد هنالك ضروباً منها ثم قال: " فهذا كله جنس واحد على قدر الطمع فيما ينال " (١) .
ويضيف قائلاً: " فقد رأينا من مات على ولده كما يموت العاشق أسفاً على معشوقه، وبلغنا عن من شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات، ويتدرج الطمع من الحظوة والزلفة لدى المحبوب (كما في حب الإنسان لله) إلى المجالسة فالمحادثة فالمؤازرة (محبة السلطان والصديق وذوي الرحم) وأقصى الطمع المخالطة بالأعضاء: " ولذلك نجد المحب المفرط في ذات فراشه يرغب في مجامعتها على هيئات شتى وفي أماكن مختلفة ليستكثر من الاتصال " فإذا انحسم الطمع لم تكن محبة، فالمجوسي يستحل ابنته واليهودي ابنة أخيه، للطمع الموجود، ولكن المسلم لا يفعل ذلك ولو أنهما أجمل من الشمس وكان هو أعهر الناس وأغزلهم، لذهاب مادة الطمع، (٢) ؛ وهكذا غابت تماماً نظرية الاتصال بين النفوس وحل محلها التلاحم الجسدي، على أشكال شتى. وكأننا بابن حزم بعد عهد " طوق الحمامة " أصبح أكثر إدراكاً لواقع العلاقات الإنسانية.
بل أزيد فأقول إن مفهوم الحب الأفلاطوني، حتى في عهد الطوق لم يكن يلائم ابن حزم، وإنما كان مادة دخيلة على واقعيته الشاهرة، ولعله أخذ بالفكرة من زاوية فلسفية، فلما راح يسرد نماذج من تجارب الحياة، لم يجد بين الفكرة والواقع لقاء. وحسبك من امرئ يعترف بان " الاغتصاب " يكون أحياناً طريقاً لتحقيق الحب، ماذا تراه يعني حين يقول: " وربما اتبع المحب شهوته وركب راسه، فبلغ شفاءه من محبوبه، وتعمد مسرته منه على كل الوجوه، سخط أو رضي " (٣) ، اترى هذا يعني غير التحكم القاسر، وتنفيذ الإرادة التي لا رد لها!
стр. 59
وإذا كان انقسام النفوس في عالمها العلوي (أو في هذه الخليقة) انقساماً يوازي الآية القرآنية: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها " فأين يمكن ان يقع في سياق تلاقي الأجزاء حب الذكر للذكر (١) وإذا كان ذلك في أصل تجزئة النفوس فلماذا لم تكن سبيلاً إلى السكون ولقد أقر ابن حزم - على مستوى الواقع - بوجود هذا النوع من الحب، اعني انه ذكر " أحداثاً " بعضها معروف مشهور تتصل بذلك النوع، ولم يحاول ان يعللها - او يقرر إلى أين تنتهي - على أساس من فكرة انقسام النفوس، او حتى على أساس الاستحسان الجسدي الذي يؤدي إلى اتصال النفوس.
إن الاعتماد على فكرة انقسام النفوس (في عالمها العلوي أو في الخليقة) - وهي على الأساس الافلاطوني أو الأفلوطيني أجزاء من النفس الكلية المتصلة بالأول - لا يلبث لدى ابن حزم ان يتهاوى، لأننا نكتشف لديه ان النفس تعني عنده " الأمارة بالسوء "، وهذه تنقاد للشهوات، وضدها العقل (وقائده العدل) ؛ وهاتان الطبيعتان - العقل والنفس - قوتان من قوى الجسد الفعال بهما، وهما في تنازع مستمر، فغلبة العقل تعني اتباع العدل والاستضاءة بنور الله، وغلبة النفس تعني عمى البصيرة وضياع الفرق بين الحسن والقبيح " والروح واصل بين هاتين الطبيعتين وموصل ما بينهما " (٢) ؛ وإذا فإن النفس التي يعرفها ابن حزم ليست قوة نورانية تحيط بها ستور الجسد وتحجب عنها التعرف إلى صنوها، كما قال في أول الرسالة، بل هي التي تؤدي إلى هلكة الإنسان، ورغم ذلك فإن ابن حزم يسميها هي والعقل " جوهرين عجيبين رفيعين علويين " وهكذا يضطرب ابن حزم اضطراباً واضحاً ويزيد من اضطرابه هنا تفرقته بين
стр. 60
النفس والروح، مع أنه يقول من بعد: " والنفس والروح اسمان مترادفان لمسمى واحد ومعناهما واحد " (١) .
إن هذا الصراع بين المفهوم الأفلاطوني للنفس والمفهوم القرآني، يقابله صراع آخر بين ابن حزم الاجتماعي الواقعي وبين ابن حزم الأخلاقي المتدين، فالأول منهما لا يؤمن بان النظرة الأولى لك والثانية عليك (٢) ، ويقترب من المرأة بحيث يتجاوز نص الحديث " باعدوا بين انفاس الرجال والنساء " (٣) ، والثاني يؤمن بعكس ذلك تماماً، إيماناً نظرياً فهو يقول: " والصالح من الرجال من لا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب " وفي سلوكه العملي يكرر النظر حتى ترسخ العلاقة ويلاحق المرأة من مكان إلى آخر، ويقول في السفير: ويجب تخيره واستجادته واستفراهه " (٤) وكلمة " يجب " تدل على ان الأمر عملياً لابد من ان يقع، رغم أن المتدين القابع في نفس ابن حزم يقول: " وكم داهية دهت الحجب المصونة والأستار الكثيفة والمقاصير المحروسة والسدد المضبوطة " يعني من مثل ذلك السفير.
هنالك إيمان قار لدى ابن حزم وهو أن التعفف أمر عسير، ولا يملك - وهو يحض عليه - أن يجزم بأن من نجا في امتحان تحقيق الرغبة عند إمكانها لا يتعدى أحد سببين: طبع ليس من السهل استدراجه في لحظة أو كلمة وكلمتين، ولكن لو طال الامتحان لسقط فيه الممتحن، وبصيرة حادثة - على المكان - قهرت الشهوة وردتها إلى جحرها وأطفأت بنفخة قوية شعلتها، وهذا الإيمان مبني على ان بني الإنسان ذوو " بنية مدخولة ضعيفة " وأن استحسان الحسن وتمكن الحب طبع في أصل
стр. 61
الخلقة (١) ، ولما كان كذلك لم يكن واقعاً تحت الأوامر الدينية، إنما الأمور الدينية تنص على المحرمات، وهذه ليست من بنية الخلقة وإنما يأتيها الإنسان باختياره " وبحسب المرء المسلم ان يعف عن محارم الله " (٢) . والسؤال الذي لا نظن ابن حزم يستطيع أن يجيب عنه هو: كيف يعف مع تلك البنية المدخولة الضعيفة، أو كان طبعه من السهل أن يستدرج في كلمة أو كلمتين، أو لم تحدث له بصيرة عاجلة تقاوم ثورة الشهوة لديه في حينها، أي لم يكن نبياً مثل يوسف الصديق! إن ابن حزم يحل هذه المشكلة ويأتي بالجواب على المستوى الذاتي حين يقول: يعلم الله - وكفى به عليماً - أني برئ الساحة سليم الأديم صحيح البشرة نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا " (٣) ، ولكنه حين يقص كيف تورط الآخرون، يستعيذ بالله مما فعلوه، أو يورد الحكاية دون تعليق.
فليس بمستغرب إذ أن تجد فقيهاً مثل ابن قيم الجوزية يتعقب هذا التناقض لدى ابن حزم إذ يقول: وذهب أبو محمد ابن حزم إلى جواز العشق للأجنبية من غير ريبة، وأخطأ في ذلك ظاهراً، فإن ذريعة العشق أعظم من ذريعة النظر وإذا كان الشرع قد حرم النظر لما يؤدي إليه من المفاسد فكيف يجوز تعاطي عشق الرجل لمن لا يحل له " (٤) ثم وصف ابن حزم بأنه " انماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة " (٥) وبين موقفي الرجلين بون واضح، سببه اختلاف المنطلق وزاوية النظر، ولا ريب في أن اقربهما إلى حقيقة الاجتماع
стр. 62
الإنساني هو ابن حزم، لأنه يأخذ بنظرة المؤرخ الاجتماعي دون أن يتخلى عن حد هام في الموقف الديني وهو " البعد عن الكبيرة " وما عداها فقد يكون من اللمم الذي يشمله الغفران، ولولا الفصل الذي عقده ابن حزم عن " قبح المعصية " لما اضطر إلى أن يظهر بمظهر المتناقض أحياناً في رسالته، فهي رسالة ترصد العلاقات العاطفية والمواقف النفسية.
ولو أنا رصدنا فيها ظاهرة الحب كما تتمثل في المجتمع الأندلسي، لخرجنا من ذلك بالجدول الآتي:
١ - حب بين ذكر وأنثى: ٤٠ حالة (منها ٦ حالات تعد المرأة فيها طالبة، ومنها ١١ حالة تتحدث عن زوج وزوجة) .
٢ - حب بين ذكر وذكر: ٧ حالات (٣ منها ذكر فيها المحب والمحبوب، وحالتان ذكر فيهما المحب فقط، وحالتان أبهم فيهما اسم المحب والمحبوب) .
٣ - حالت مبهمة (١) : ٢٣ حالة.
وهبنا تغاضينا في هذا الإحصاء عن أن المثل الواحد يصح شاهداً في عدة مواضع، وقبلنا بالأرقام كما جاءت، فإن الحالات المبهمة لا تمكننا من البت بنسبة ما يسمى الحب الشاذ إلى الحب الطبيعي، ولكننا إذا قدرنا أن هذه الإبهام متعمد فان ذلك قد يرفع من نسبة الحب (رقم: ٢) في الجدول الي ما يزيد عن ٥٠./.، مع علمنا بأن المجتمع الأندلسي مجتمع تغلب عليه الجواري (٢) ، أو إن شئت قلت إنه مجتمع " غير مغلق ".
وكل هذه الحالات في " طوق الحمامة " نماذج لما يسمى العشق،
стр. 63
أو ما وضعه تحت مفهوم " اتصال النفوس " (مباشرة أو عبر الأجساد) ، وقد كان في كل ذلك أميناً للموضوع الرئيسي في الرسالة، عير أنه كثيراً ما يلجأ إلى انتزاع أمثلة لا علاقة لها بالعشق، وإنما هي تنتمي إلى ضروب الحب الأخرى، كالمودة بين الاصدقاء، وحب الماضي الذي يمثل الغي والجاه " وغن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء " (١) ، وما يألفه المرء من ملبوس ومطعوم ومركوب وهذا أدخل في عنوان الرسالة " في الألفة والألاف " ولكنه يبدو هامشياً إزاء الموضوع الرئيس فيها؛ ولعل ابن حزم اختاره ليقوي معنى سيطرة العلاقات العاطفية جملة على مواقف الفرد. ولكن من اللافت للنظر ان الكتاب خال تماماً من أية إشارة إلى حب الانثى للأنثى (٢) ، مع أن ابن حزم يتبجح في غير موطن بأنه وقف من أسرار النساء على ما لم يقف عليه أحد؛ فشهادة ابن حزم هنا على المجتمع الأندلسي تعد ناقصة.
وهي أيضاً شهادة محدودة، لأنها لا تصور المجتمع الأندلسي، ويجب أن لا تؤخذ كذلك؛ فإن اكثر الأحداث التي تستشهد بها إنما تتم - في الغالب - بين أناس من طبقة اجتماعية غنية، ومن هذه الطبقة أسر من موالي الأمويين - أي من سراة الناس وأصحاب المناصب العالية مثل بني حدير وبني عبدة وبني مغيث، ومنها رجال من البيت الحاكم أو من المقربين منه مثل ابن أبي عامر وعمار بن زياد مولى المؤيد هشام وعبيد الله بن يحيى الجزيري وبنت ابن برطال زوجة يحيى بن محمد بن الوزير يحيى، وعاتكة بنت قند صاحب الثغر الأعلى وزوجها أبو بكر ابن حزم (وأبوه وزير) ، وابن الطبني من أسرة مقربة إلى العامريين، ومنها أفراد من أسر الكتاب - وهي اسر ذات مقام اجتماعي بارز، وأحياناً كثيرة تتمتع بكثرة الأموال العريضة والخدم والحشم؛ ولا يفتأ ابن حزم
стр. 64
يميز المحب أو المحبوب بصفة تدل على منزلته الاجتماعية: " فتى من أهل الجدة والحسب " " فتى من أبناء الرؤساء "، " فتى من أبناء الملوك " " جارية لبعض الرؤساء " " امرأة موسرة ذات جوار وخدم " " فتى بسبب من الرئيس والجارية تحضر مجلس بعض أكابر الملوك " وهكذا، ومرة يذكر حب شاعر لا ينتمي إلى الطبقة الثرية (وهو الرمادي) وإن كان من طبقة برجوازية بحكم ثقافته، واخرى حب ن علق بهوى وهو في حال شظف (ولعل ذلك الشظف كان مرهوناً بظروف معينة) . وذلك هو القطاع الاجتماعي الذي عرفه ابن حزم بحكم منتماه ونشأته.
وفي هذا القطاع تكثر الجواري، والجارية لفظة تدل في قصص الحب على " الفتاة "، فإذا رشحت بنوع من الوصف يميزها قطعنا أنها ليست حرة، كأن يذكر أنها بيعت أو أعتقت، أو يتحدث عنها بصفة التملك " جارية لي " " جارية لي " فرغب بعض عجائزنا إلى سيدتها " وما أشبه، وإذا رشحت بوصف من نوع آخر كانت حرة مثل " جارية من ذوات المناصب والشرف من بنات القواد " أو " امرأة من معارفي ومعها جارية من قراباتها " فمثل هذا التحديد يعين أنها حرة. ومن بين إحدى وثلاثين حالة ذكرت فيها الجواري نجد تسع عشرة منها من الرقيق، واثنتين من الحرائر، واحدى عشرة حالة مبهمة ليس من السهل أن نقطع إلى أي الفريقين تنتمي؛ وهذا كله يعتمد على ورود اللفظة نفسها في النص، فإذا أضفنا إلى ذلك أن اللواتي تزوج بهن بعض الأمراء والخلفاء مثل طروب وغزلان وصبح كن في الأصل جواري من الرقيق، ارتفع العدد كثيراً، ولهذا قلت فيما تقدم إن المجتمع الأندلسي كانت تغلب عليه الجواري، بمعنى أن الرقيق كان كثيراً، وتلك حقيقة تؤيدها المصادر الأخرى.
ولست هنا بصدد المقارنة مع ما كانت عليه الحال في المجتمع المشرقي، إذ ليس لدي تصور إحصائي أو شبه إحصائي يمكن من ذلك، ولكن إذا صح ان الجواري كن يغلبن على المجتمع الأندلسي فإن
стр. 65
" قضية الحب " تقع تحت منظور جديد، وكذلك تكون المعاناة والعذاب والوجد بسببه أموراً تتطلب تفسيراً مقنعاً. وأول ظاهرة في هذا الحب أن أكثر الذين يعانون منه هم " الأبناء " في العائلات التي تملك الجواري، إذ يبدو بالإضافة إلى الجواري اللواتي كن في ملك الفتى ابن حزم - وهو لم ينفصل عن أهله بعد - أن القصر كان مليئاً بجوار أخر تتطلع أنظاره اليهن، وذلك يمكن أن يقال في فتيان آخرين من أبناء تلك الأسر، وكان ذهاب الجارية بالبيع، أو استئثار أخ دون أخيه الآخر بها، أو فراق أحدثته الحروب والأزمات، أو شؤون السفر، هي الأسباب التي رفعت درجة المعاناة إلى حد الخبل أحياناً، كما كان تعالي الفتى أو غفلته عما تحس به الجارية نحوه مسبباً في خروجها عن حد الحياء المنتظر في تصرفاتها. ولكن أشد الحالات التي تعز على التفسير هي معاناة الفتى بسبب تمنع جارية هي في ملك يده، وقد عبر ابن حزم عن هذه الظارهة حين قال: " فقد ترى الإنسان يكلف بامته التي يملك رقها ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها. فكيف الانتصاف منها ". أي انه يكلف بها، ولا يستطيع أن يحولها عن تمنعها ويتعذب بذلك (كما حدث لسعيد بن منذر ابن سعيد) وترفض الجارية ان تتزوجه، وهذا موقف يدل على إرهاف في العلاقة بين الأسياد والجواري، مثلما يدل على ان شخصية الجارية لم تكن دائماً محط إذلال، وخاصة حين يكون الأمر متصلاً بالعواطف، نعم قد يبيعها سيدها، وتصبح ملكاً لغيره، ولكنها هي لا تمنح محبتها بل ولا جسدها بحكم الملكية. ويجب هنا أن نتذكر أن الجواري كن أيضاً متفاوتات في المنزلة الاجتماعية، فمنهن اللواتي يتخذن للخدمة ومنهن اللواتي يتخذن للذة والنسل، والفريق الثاني بطبيعة الحال أرفع منزلة من الأول، ولكن إن شاءت الجارية ان تتحول من الحالة الأولى إلى الثانية فهذا ربما كان يعتمد على جمالها وعلى ما قد تحاول إتقانه من فنون، فأما تحولها من الثانية إلى الأولى فأمر مستهجن في عرف المجتمع حينئذ، وقد ينالها
стр. 66
الضرب رجاء استبقائها على حالها، ولدينا مثال واحد يشير إلى وفاء جارية بيعت بعدما مات سيدها الأول فأبت أن تنصاع لرغبة مالكها التالي، وانكرت علمها بالغناء ورضيت بالخدمة رغم ما نالها من ضرب وتعذيب (١) .
٨ - حال المرأة من خلال طوق الحمامة:
هل يمكننا بعد ذلك أن نتحدث عن وضع المرأة عامة من خلال الطوق قد كان من الممكن أن تسعفنا هذه الرسالة على تكوين صورة دقيقة لنفسية المرأة ووضعها الاجتماعي بحيث تتجاوز الصورة ما ألف عن الانطباعات العامة، لأن مؤلفها قد علم من أسرار النساء ما لا يعلمه غيره، فهو قد ربي في حجورهن، ولم يجالس سواهن حتى أصبح في حد الشباب، وهن اللواتي علمنه القرآن وروينه كثيراً من الأشعار ودربنه في الخط، وكان همه منذ الطفولة ان يتعرف إلى أسبابهن ويبحث عن أخبارهن، مع ذاكرة لا تنسى (٢) ؛ ولكنه يعترف أنه طبع على غيرة شديدة، وسوء ظن في المرأة (٣) ، بحيث لا يصلح أن يكون شاهداً موضوعياً مجرداً من التحيز، وثمة شيء آخر وهو أن الطوق يتحدث عن العلاقات العاطفية ولا يتجاوزها إلا قليلاً، ولهذا السبب ستكون صورة المرأة فيه محدودة، في إطار ذلك الموضوع، ومع ذلك فإنها رغم ذلك هامة.
وأول ما يلفت النظر ان المرأة الحرة كانت في الأندلس مقصورة تعيش خلف حجاب غليظ، وخاصة في الأسر الغنية، ولعلها تشبه في ذلك أختها في المشرق، وأما ما نلمحه من حرية في الحركة فيكاد يكون مقصوراً على الجواري، ولكن المرأة الحرة في تلك الأسر كانت ذات
стр. 67
سيطرة وقدرة على التصرف، وهي محفوفة بالخدم والحشم. وقد أحدث ذلك الحجاب الغليظ لدى النساء يقظة عاطفية على الأصوات المسموعة والصور المتخيلة، حتى ميزهن ابن حزم بالضعف في هذه الناحية، لسرعة إجابة طبائعهن إلى الهيام عن طريق التخيل (١) . ولكن الحجاب نفسه، ولأسباب أخرى في البنية الاجتماعية أصبح السفير بين العاشقين ذا دور هام، ولكن المرأة تتفوق على الرجل في هذه الناحية، خاصة إذا كانت عجوزاً، ولذلك كان أرباب الأسر بقرطبة يحذرون الفتيات الناشئات من النساء ذوات العكاكيز والتسابيح والثوبين الأحمرين (٢) .
وأكبر عامل يصنع الفرق بين الرجال والنساء ويمتد اثره إلى المناحي المختلفة في طبيعة كل منهما هو الفرق في العمل وأنواع النشاط، فالرجال مشغولو النفوس والعقول بجمع المال وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض (٣) ، ومثل هذه الأمور لا تترك للرجل مجالاً كبيراً أو وقتاً كثيراً للانسياق وراء العواطف؛ أما المرأة فهي متفرغة لا تعنيها هذه الشؤون العنيفة وربما لم تطقها، ولهذا يظل خيالها مشدوداً إلى شؤون الغزل وما يتعلق به، ومن ثم كانت النساء أكثر تعاطفاً مع المحبين وأكثر إسعافاً لهما، فهن يكتمن الاسرار، ويمقتن من تفشيها منهن، وأشدهن في الكتمان العجائز منهن، لان الفتيات ربما أدركتهن الغيرة فبحن بالسر، وهن يتلذذن بالتضحية في سبيل إسعاد محبين، بل أحب الأعمال إلى امرأة صالحة مسنة منقطعة الرجاء من الرجال ان تسعى في تزويج يتيمة أو تعير حليها أو ثيابها لعروس فقيرة (٤) ، ويبدو ان هذا النوع من النساء إنما ينتمي إلى طبقات ميسورة، إذ ليس كل النساء
стр. 68
متفرغات بشهادة ابن حزم نفسه، وإنما كان فيهن الطبيبة والحجامة والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلمة والعاملة في الغزل والنسيج (١) ؛ ولكن من الواضح أيضاً أن هذه الفئة من المهن تختلف اختلافاً أصيلاً في أكثرها عن مهن الرجال، وهي في مجموعها مهن لخدمة النساء أنفسهن، محافظة على الحجاب الغليظ، كما أنها مداخل إلى ترسيخ الوساطة بين العشاق.
ومن السهل أن يقال بعد ذلك إن جمال المرأة - على مستوى التكوين الطبيعي والقدرة على التحمل - جمال هش لا يعمر طويلاً، وأنها إذا ابتذلت في الخدمة سارع جمالها إلى الزوال؛ أما حسن الرجل فإنه أثبت، وبرهان ذلك أنه يتعرض للهجير ولفح الرياح، فلا يذوي بسرعة (٢) .
فإذا تجاوزنا التكوين الطبيعي إلى رصد التصرفات المتصلة بالعواطف والشهوات وجدنا الجنسين سواء - في رأي ابن حزم - من حيث قدرتهما على قمع الشهوة أو الانقياد لها، فكل رجل تعرض له امرأة بالحب وتثابر على ذلك واقع ولابد في حبائل الشيطان، وكل امرأة دعاها رجل بمثل ذلك مستجيبة ما من ذلك بد (٣) . وكذلك هما في الصلاح سواء، والصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت، والصالح هو الذي يتجنب المغريات (لاحظ الفرق هنا بين من يحتاج إلى من يضبطه ومن يستطيع أن يستعمل إرادته في ضبط نفسه) فإذا أهملت المرأة وطمح الرجل ببصره لم يعد للصلاح وجود (٤) . وكل من المرأة والرجل يحب " الإعلان الذاتي " والتزين والتعريض ليكسب ود الآخر، فإذا شعرت المرأة بأن رجلاً يسمع حسها أو يراها " أحدثت حركة فاضلة كانت عنها
стр. 69
بمعزل " وحورت في حركاتها وكلامها لتقع موقعاً من نفسه، وكذلك الرجل أيضاً، فأما إذا تراءيا فهما سواء في حب إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزاح، إلا أن المرأة أقدر من الرجل على التحيل لاستجلاب الهوى وإيصال محبتها إلى قلبه (١) . كما أنها أنفذ بصراً في استشعار أدنى ميل نحوها (٢) . وإذا كان الرجل يقدم على الاغتصاب دون تفكير في العواقب، أو يقبل التديث حين تضمحل الغيرة، فإن المرأة عنيفة تقدم على القتل إذا أحست أن محبوبها مشترك الهوى، وليس في الطوق أية إشارة إلى رجل قتل امرأة لأنها خانته، وغاية ما حدث لأحدهم عندما خانته محبوبته انه وجد لذلك وجداً شديداً (٣) . فأما الموت وفاء للمحبوب، فيبدو أن الرجل والمرأة فيه سواء، وكذلك الخروج فيه إلى حد الاختلاط والجنون.
٩ - صورة ابن حزم في الطوق (ورسالة مداواة النفوس)
ولقد كان لصلة ابن حزم بالنساء منذ الطفولة حتى الصبا، عن طريق المعاشرة والثقافة، أثر كبير في ذوقه وشخصيته، ويبدو أنه لم ينعم بمعرفة الأم وتربيتها وحنانها، فاستعاض عن ذلك بالدلال الذي لقيه من الجواري، وأصبح يلاحقهن وينصت لأحاديثهن ويشره إلى معرفة أخبارهن وأسرارهن وحيلهن، وكن - فيما أقدر - لا يتحرجن لصغره من البوح بأشياء كثيرة جعلته يسيء الظن بتصرفات النساء، كما أكسبته تلك العشرة محبة الانفراد بالعطف، فنشأ شديد الغيرة، واكتسب من البيئة التي ساعد عليها ذوق والده (في محبة الشقراوات) ميلاً إلى الشقرة، ورسخ تلك الحقيقة أن حبه الأول اتجه إلى فتاة شقراء؛ وقد أرهفت تلك البيئة البيتية إحساسه بجمال الأنثى، وعلمته التجارب الأولى في تنقل
стр. 70
الميل مع كل حسن لائح، ان المحبة لابد من أن تكون " خلقة " مجبولة في فطرة الانسان. لقد مارس كل ذلك على نحو عملي قبل أن يتعلم أحكام النظر ومخالطة المرأة الأجنبية في مجالس الفقه، ولذلك لم يستطع - بعد أن تعلم ذلك - التخلص مما نشأ عليه، إذ ما دامت العفة عن الحرام قد حالت بينه وبين الوقوع في الكبيرة، فما ثمة ضير كبير في محقرات الذنوب عند رب غفور؛ ولهذا قال فيه ابن القيم انه " انماع في باب العشق والنظر " أي لم يستطع أن يواجههما بتشدده الذي أظهره من بعد في الشؤون الأخرى.
ولعله صوناً لذلك التعفف - تزوج " نعما " في سن مبكرة، " وكانت أمنية المتمني وغاية الحسن خلقا وخلقا " وكان هو أبا عذرها (وتلك أيضاً حقيقة هامة) فكان فقدها فاجعاً لأنه ابرز إلى العيان ما انطوت عليه نفسه من " حدة رومنطيقية كامنة " كان يداريها من قبل بالاستحسان والألفة والتودد، فلم تعد هذه كافية لصد تيار الحزن الجارف المتدفق من نفسه، فقد أقام بعدها سبعة أشهر دون أن يغتسل، وهو آخذ في بكاء متواصل، رغم أنه معروف بجمود الدمع بسبب إدمانه أكل الكندر - على ما يقول - لمداواة خفقان القلب، ولم يطب له عيش بعدها ولا أنس بسواها ولا نسي ذكرها؛ شيء واحد لم يستطع ذلك الفقد أن يزلزله وهو إيمانه بالتعفف، ومما زاده رسوخاً في ذلك اتخاذه استاذه أبا علي الحسين بن علي الفاسي نموذجه الأعلى، وكان رجلاً صالحاً ناسكاً، ولعله كان حصوراً لم يتزوج، قال ابن حزم " فنفعني الله به كثيراً وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي " نعم ظل قلبه يخفق كلما شاه جمالاً، وكان يقترب حتى يكاد يصبو " ويثوب إليه مرفوض الهوى ويعاوده منسي الغزل " ولكنه كان يغلب الإرادة فيفر مبتعداً.
كانت نعم جزءاً من الماضي، ولكن ذلك الماضي كله انهار دفعة واحدة حين ذهبت الدور والمقصور وانطفأ العز والجاه والغنى وتفرقت الكواعب في أنحاء الأرض، وتشتت الشمل، وتهاوى البلد الحبيب تحت
стр. 71
مطارق الدمار؛ وكانت " الحدة الرومنطيقية " تتعلق بالحب فأصبحت وجوداً في الماضي، وإنكاراً للحاضر (إلا من علاقات عملية عابرة) وأصبحت ألفة كل شيء تقدم هي التي تسيطر على الفكر والمشاعر: " وان حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وانه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفك يطرقني، ولقد نغص تذكري ما مضى كل شيء استأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا " (١) . ولقد أورثته هذه النكبات إحساناً مرهفاً بمعنى الفقد والفراق حتى أصبح يرى الموت أسهل من الفراق، وجعلته يستعيذ بالله من التنكر لما درس، أي لما أصبح جزاءاً من الماضي؛ وكم جلب تغير الحال من تنكر الاخوان والأصدقاء، مما زاد حساسيته تجاه الحفاظ على العهود الماضية، فأخذ في علاقاته يتكئ على التأني والتربص والمسالمة وخفض الجناح - رغم توقد حدته - كلما أحس أنه قد يفقده التعجل والغضب صديقاً من أصدقائه؛ ولهذا استشعر انه بالمقايسة إلى المتقلبين في صداقاتهم يتحلى بالوفاء، لا لمن يمثلون العهود الماضية وحسب، بل انبسط وفاؤه حتى شمل كل من مت إليه بلقية واحدة أو حادثه ساعة، وتورع عن إلحاق الأذى بمن كان بينه وبينه أقل ذمام ولو عظمت ذنوبه وإساءاته إليه. وقد كان هذا النوع من الوفاء مرمضاً لأنه يكلفه الحمل على نفسه، ومما يزيد في الألم الناشئ عنه اقترانه بعزة النفس، فالوفاء يتطلب تحمل الضيم من الصديق، وعزة النفس لا تقر على الضيم، ومن صراعهما يتولد قهر الذات وحملها على التصبر وتحمل الألم الممض، وكل هذا يحمل على اكتنان مقت شديد للغدر والكذب والتلون، وذلك أيضاً مبعث ألم آخر، وقد يسامح ابن حزم في كل عيب يجده في من حوله من معارفه وأصدقائه إلا في الكذب، فحينئذ يكون هو
стр. 72
البادئ إلى القطيعة والمتاركة، وكأنه يقول: أن وفائي يضيق عن الكذب مهما انبسط نطاقه واتسع.
وقد بقيت تلك " الحدة الرومنطيقية " في معايشة الماضي محور شخصية ابن حزم حتى بعد سنوات من كتابة الطوق، وأحسبها لم تتغير شخصية ابن حزم حتى بعد سنوات من كتابة الطوق، وأحسبها لم تتغير إلى النهاية، وإنما كانت تتلبس أشكالاً مختلفة؛ وقد غرست في نفسه شعوراً بالظمأ الدائم، لان ريه إنما يتم بالعودة إلى الماضي وذلك أمر مستحيل؛ ولهذا كان واقع الحياة يزيد في حرارة ذلك الظمأ، وفي مجال الحب عبر عن ذلك الشعور بقوله: " وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني الا ظمأ " (١) ، وإذا كان الصوفية يرون غايتهم في الفناء، فان ظمأ ابن حزم لم يكن يشفيه إلا أحد شيئين إما الاتحاد النهائي بالمحبوب أو العودة إلى رحم الماضي، وقد خلصته السن من الظمأ الأول وأبقت له الثاني.
قلت إن " الحدة " لدى ابن حزم أخذت تتلبس من بعد أشكالاً مختلفة، فقد أخذت تتمثل بعد عهد الطوق بالإفراط في الغضب والتعبير عن ذلك بالكلام والفعل والتخبط، وكان يقابل ذلك أيضاً الإفراط في طلب الرضى، ولكنه ظل يعالج هذين الأمرين فاستطاع التغلب على الغضب جملة، وأعجزه ذلك في شأن الرضى، وتشكلت الحدة أحياناً لديه بصورة " حقد مفرط " فقاومه بالطي والقهر، حتى لم يبد للناس، ولكنه ظل عاجزاً عن مصادقة من عاداه عداوة صحصحة - وهذا مطلب يعجز عنه أيضاً من لم يكن لديه حقد مفرط، وكذلك تشكلت في صورة حب الشهرة والغلبة، وقد ظلت هذه الصفة تلازمه إلا فيما لا يحل في الديانة، فأما العجب الذاتي اللاحق بها فقد استطاع خنقه إلى الأبد.
وأما الغيرة وسوء الظن المأتيان من تجاره مع الجواري، فقد ظلا
стр. 73
يلازمانه. أما الغيرة أو الأنفة الشديدة فقد حملته على بضعه لانكاح الحرم جملة، وأما سوء الظن فإنه امتد حتى شمل الرجال، وقد ظل يراه حزماً ما لم يخرج عن حدود الدين. كذلك استمر لديه التحمل للأذى والصبر على الألم من الخصوم والإخوان على السواء، حتى اتهمه بعضهم بتبلد الإحساس في هذه الناحية، وهو يرد على ذلك بان الإحساس بالألم في مثل ذلك أمر طبيعي ولكن كل ما هنالك أنه راض نفسه على عدم الثورة والهياج والتخبط، ولكنه يستطيع ان يرد بكلام مؤلم دون إفحاش متحرياً الصدق فيما يقول.
كذلك اتهم بأنه مذل بأسرار إخوانه، ولعل في هذا إشارة إلى كتاب الطوق نفسه إذ كشف فيه أسرار كثيرين ممن عرفهم، وكان الناس في أيامه يعرفونهم حتى وان لم يذكر أسماءهم؛ كما اتهموه بأنه يسمع الذم في اخوانه ولا يمتعض لهم، ويرد على هذه التهمة بأنه يمتعض امتعاضاً رقيقاً، يحمل الذام على الندم والاعتذار والخجل، دون مهارشة له أو استثارة لغضبه، لان ذلك قد يحمله على التمادي في ذم أحد إخوانه، ويتعدى الذم إلى سب الأبوين وإلى السفه والبذاءة.
وأخذ عليه أنه متلف لماله، ولابد أن تكون هذه التهمة بعد إذ أصبح يستطيع الحصول على مال يمكن التوفير فيه، وهذه الحال غير مستنكرة في من عانى شظف العيش بعد استقرار ورفاهية، واني لأظنها مأخذاً صحيحاً، ولكن ابن حزم يعتذر عنها بأنه لا يتلف من ماله إلا ما فيه حفظ دينه من النقص وعرضه من الأخلاق ونفسه من التعب، وكأني به يقر بتلك الخصلة على نحو غير مباشر.
ويطالعنا ابن حزم بخصلة كانت فيه ليس من السهل أن يستشف من مؤلفاته، وهي دعابة غالية، وتلك صفة حاول فيها الاعتدال بتجنب ما يغضب الممازح، وظل يحتفظ منها بالقسط الذي لا يؤذي الآخرين. وقد نحمل عليها ثلاثة مواقف في الطوق أولها: أن ابن حزم توقف في
стр. 74
موطن جاد ليقول لنا إن أحد المنتسبين إلى العلم فسر القبقب بأنه البطيخ، وليس من شك في أنها نادرة كانت تضحك ابن حزم. والثاني: تلك الروح " الفضولية " التي دفعته وهو في مجلس رأى فيه غمزاً وخلوات أن ينبه صاحب المنزل بإنشاد هذين البيتين وتكرارهما كثيراً وهما:
إن إخوانه المقيمين بالامس ... أتوا للزناء لا للغناء
قطعوا أمرهم وأنت حمار ... موقر من بلادة وغباء حتى قال له صاحب المجلس " وقد أمللتنا من سماعهما فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما "، فالأمر كان يبدو لابن حزم نوعاً من التندر، حتى وجد أن تندره لا يؤثر في ذلك البلد. والموقف الثالث: حين دعا أحدهم محباً كان متأنساً فرحاً بجلوسه مع محبوبه ليحضر إلى منزله، فلم يفعل فلما قابله الداعي بعد مدة لامه بشدة، فقال له ابن حزم: أنا أكشف عذره صحيحاً من كتاب الله إذ يقول " ما اخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم " وهي دعابة عميقة.
١٠ - شعره:
جمع طوق الحمامة قدراً صالحاً من شعر ابن حزم مما قاله حتى سن الخامسة والثلاثين، ولعل قسماً كبيراً منه سقط بفعل ناسخ النسخة التي وصلتنا، ونقدر أن شعره كان كثيراً لأنه كان يقول على البديهة والروية، ويعالج مختلف الموضوعات، وبعض شعره قاله قبل بلوغ الحلم، واكثر ما نظمه وهو دون الشرين إنما كان تغزلاً في " نعم " ثم رثاء لها؛ وكان إخوانه يسومونه القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم فيقول ما يناسب حالهم ومقصودهم، أي أنه لم يكن يرفض أن يقول الشعر بتكليف، وأن يتحدث فيه عن أحوال غيره، وقد كلفته إحدى كرائم المظفر أن يصنع لها أغنية لتلحنها ففعل. ولم يكن يختار وقتاً معيناً لقول الشعر، فأحياناً يقول الشعر وهو نائم - وذلك شيء نادر - ويختار أحياناً
стр. 75
أخرى أن ينظم بعد صلاة الصبح؛ وشعره حتى في الطوق زاخر بالمعاني، تكثر فيه المؤثرات الثقافية والإشارات إلى العلوم والعقائد والتعليلات ويكشف عن أثر الفقه الظاهري والمنحى الجدلي، ولا يفتأ يشقق المعاني ويولدها دون اهتمام كثير برونق الصياغة، وفي شعره في الطوق جانب دقيق قد نسميه " الجانب الباطني " كان يهرب إليه أحياناً من قسوة الظاهر وحدته، وينقل فيه معاني التنزيه والتوحيد، ويتأول الأشياء على غير ظاهرها حتى كان بعض أصدقائه يسمي قصيدة له " الإدراك المتوهم " وفيها يقول:
ترى كل ضد به قائماً ... فكيف تحد اختلاف المعاني
فيا أيها الجسم لا ذا الجهات ... ويا عرضاً ثابتاً غير فان
نقضت علينا وجوه الكلام ... فما هو مذ لحت بالمستبان وتجده وهو المتمسك بأشد ألوان التنزيه يقول:
أمن عالم الأملاك أنت أم انسي ... ابن لي فقد أزري بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه ... إذا أعمل التفكير فالجرم علوي
ولا شك عندي أنك الروح ساقه ... إلينا مثال في النفوس اتصالي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل ... سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي ومن تأمل هذا اللون من الشعر في موضوع الحب خاصة وجد أن ابن حزم الظاهري المتشدد قد بلغ فيه مشارف التصوف " الباطني " - لكن عن طريق التأمل الفكري - وهو في هذا الجانب المستمد من الوهم متأثر بطريقة أبي إسحاق النظام، معجب بها.
وتكاد أكثر المواقف العاطفية أن تكون لديه " قضايا " تحاكم بمنطق العقل، وتتطلب استدلالاً: تصور نفسه انتظر زيارة المحبوب، فلما حل الظلام أدرك أنه لن يأتي، فما الدليل.
وعندي دليل ليس يكذب خبره ... بأمثاله في مشكل الأمر يستدل
لأنك لو رمت الزيارة لم يكن ... ظلام ودام النور فينا ولم يزل