والانفعال هو الطبيعة المتحركة تحت الإمكان، فهو مدة خروج الأقدار المفعولة عنه، فهو الزمان، ونهاية حركة الانفعال إلى حد؛ الإمكان الإرادة الجامعة لانفعال المنفعلات، والإمكان نهاية للزمان [أي] الطبيعة المتحركة للانفعال؛ فالإمكان [هو] العرش والذي تحته حركة انفعال الزمان، والذي تحت الزمان حركة المفعولات المكونات التامة هي الأوقات والسنون والأيام، والزمان نهاية السنين والأيام، والدهر نهاية الزمان، فالدهر جامع للزمان القائم بحركات الصور التي هي ذات الأقدار الثلاث طول وعرض وعمق - التي هي للجرم، وتلك الحركات التي هي حركات الأجرام هي المفصلة أوقات الانفصال أقدارها أجساما تامة، والدهر الجامع لذلك كله هو البون الأكبر والحد الأعظم والإرادة الدائمة الأبدية لخلود أهل الجنة والنار، وربنا المحمود ذو العرش المجيد الفعال لما يريد، وصلى الله على سيدنا محمد الذي لم يدعنا في ضلال أهل الفترة ولا حيرة أهل الفتنة وسلم.
٤٧ - وقوله: اعلم أن الدهر هو بقاء غاية الإمكان التي يقوم الإمكان بها دائما ما بقيت تلك الغاية ساكنة في حال واحدة أو حركة واحدة لا ضد لها، واعلم أنهما غايتان: إحداهما ساكنة والأخرى متحركة، فالمتحركة تحمل الساكنة، لأنا لا نجوز أن يكون ساكن قبل حركته، لأنه لا يكون قبل حركة إبداعه وكونه ولا قبل حركة انفعاله، فالساكن من حركة فصل، ولم تفصل الحركة من ساكن كأنه يفسر الإرادة الأولى والحادثة هذا الكلام مدخول لأن الذي قال فيه بإمكان (١) لا بد أن يجعله قديما أو محدثا. فإن جعله محدثا زعم أنه لم يكن ممكنا له أن يفعل قبل، فأوجب عارضا فنفى الوحدة. وإن جعله قديما أوجب الدهر قديما شيء آخر، فنفى الوحدة.
٤٨ - فإن تبلد ذهن سامع فازداد بيانا فقال: بين لي كيف امتنع ذلك بوجوب الإمكان والانفعال فصلان عظيمان [٩٩ظ] والإضافة لا تقال إلا على اثنين لا بون بينهما بمكان ولا بزمان، بإجماع من الفلاسفة الذين خطوا لكم الطريق، فالوجود الضروري للفصلين العظيمين قطع الإضافة بين الخالق والمخلوق، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ومن جهة مائية الإضافة هلكت النصارى
стр. 1297
بديا، وعن إيجاب الإضافة هلكت الدهرية أيضا والديصانية والمجوس كلها، وعن جهل ذلك هلكت المنانية والمشبهة أيضا، وبجهل الكندي بها هلك في كتابه، فلم يجد علة للخلق إلا الخالق، فسماه غير اسمه، إذ لم يجد إلا الخالق والخلق ولم يعرف الأمر. فوجود الإمكان والانفعال بحجة العقل وضرورته، قيل: كون المعقول الخارج عنها من عدم، وهما الدهر والزمان الكائنان بتعديهما بين المفعول والفاعل الأول، جل ثناؤه، فصل الإضافة، لأنهما ليسا فعلا تاما، بل الفعل التام أعني المفعول كائن لأجلهما (١) ، ولذلك لا يمكن أن يقال: الانفعال والإمكان فعل، إذ الفعل المفعول غيرهما لا محالة، وهما الدهر والزمان المدبران لذلك الفصل بين الفاعل الأول والفعل الكائن القائم المحسوس في مستقره.
٤٩ - فإن قال: وما الذي منع أن يكون الدهر والزمان من المضاف إلى ربهما دون المفعول قيل له: منع من ذلك أنهما مضافان إلى مفعولهما الكائن عنهما، لأن الدهر هو غاية الزمان، أعني غاية مدة حركة الانفعال والمفعول، والزمان مدة انفعال المفعول، فلا يمكن أن يكون الزمان بلا غاية، لأنه لا يكون شيء بلا غاية، ولا يكون مفعول بلا مدة، فالانفعال مدة المفعول، فهما لا يصلان إلى غير ما هما مضافان إليه، بل هما بائنان بالمفعول وزائلان به، والمفعول ثابت بهما وزائل فيهما، دون الوصول منه أو منهما إلى الفاعل الذي لا غاية له. والإضافة أيضا لا تكون إلا لذوي الغايات المتساوية الأبعاد والأوساط، وإلا لم تكن الإضافة بينهما حقيقة أصلا ولا واجبة لهما أبدا. ألا ترى أنه يمتنع أن يكون المفعول مضافا إلى الزمان كله من قبل حدوث كلية المفعول المستقر في الدهر بعد زمانه، المقضي الذي هو انفعاله المخرج له من عدم إلى وجود. والمفعول إنما يكون مضافا إلى الانفعال بأول دقيقة منه، يكون إذن مضافا، والإرادة الأولى المحيطة بالانفعال هي الفصل الجامع الفاصل في الانفعال إلى مثلها من الانفعال في الصغر من الزمان ضرورة، وهكذا تقال الإضافة بينهما قولا صادقا بالتكافؤ بالدقائق، فكيف تجب الإضافة لما لا أبعاد له [١٠٠و] ولا أوساط إذن
٥٠ - فإن قال: فما منع أن يكون المفعول بدهره وزمانه مضافا إلى الفاعل الأول
стр. 1298
فلا يتسابق قيل له: الزمان الذي هو انفعال المفعول إلى أن يستقر في دهر لا يتخلق به فيه بعد لتمام انفعاله؛ قد أريناك فصل المفعول من فاعله، لأنه مخرج من عدم إلى وجود، وموجب عليه الحدث، ووجوب الحدث عليه موجب لقدمه خالقه قبله، فإذا وجب التسابق بطلت الإضافة بطل التسابق، فافهمه.
٥١ - فإن تبلد فقال: فإن كان الانفعال قديما ثم ظهر المفعول حديثا قيل له: الانفعال حركة ما، والحركة بدء ما، وما كان له بدء فله قبل، وما كان له قبل فهو حادث.
стр. 1299
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم
﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾
وهذه زيادة تبين على من ألحد في أسماء الله فسمى ربه علة
٥٢ - قال الموحد: نحن نقول أن الواحد الأول الذي لا مثل له يقول لأجل إرادته، فيفعل بقوله الذي لا خلف فيه، وهو جل وعز أبدا، إن أراد شيئا قال له: كن فيكون، قوله الحق وله الملك، فقوله الحق وأرادته الحكم الفاصل، جل ربنا وتقدس. فإن أراد ربنا شيئا كان بقوله: كن فيكون كائنا، وإن لم يرد شيئا لم يكن. فنقول: إن الله فاعل بالقول، لأجل الإرادة التي سبقت منه قبل الفعل، وهذا بين في القرآن [مثل] قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ (سورة البروج: ١٦) ، وهو بالقول فعال، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (سورة النحل: ٤٠) . ونقول: إنه لو لم يشأ أن تكون منه الإرادة لم تكن، لأنه غير مضطر إلى الإرادة، غير مضطر إلى أن يريد، كيف وهو الأول قبل الإرادة سبحانه الواحد الصمد الفرد الأحد فنقول: لا كائن إلا بقوله، ولا قول يسبق منه إلا بإرادته، وهما يحدثان منه متى ما شاء قضاءهما بلا مانع له عنهما، فإن أراد قولا قال، وإن لم يرد لم يقل، فإذن لا قول يكون منه ولا إرادة إن لم يرد، هو مالك الإرادة ومالك القول، ومالك كل شيء سواه. فلأجل هاتين الصفتين كان المفعول مفعولا بعد أن لم يكن، وهما علتان لكل مفعول، لا علة قبلهما من الله لكون الكائنات سواهما. فلا يقال في الباري ﷻ إنه علة الأكوان (١٠٠ظ) بهذا الاسم الذي لا يحسن ولا يحق أن يسمى به إن أراد مريد قصد الصمد بذلك دون الصفات، أعني دون القول والإرادة، لأن الصفات علل الكائنات جميعا، وهو بوحدانيته غيرهما لا محالة، وهي محضة صمدة كما سمى نفسه، متعال، ووحدانيته قديمة بلا غاية
стр. 1300
لها، ولكل شيء من القول والإرادة غاية، فليس الله تعالى يسمى علة كما ظن الجاهلون الملحدون في أسمائه، ﴿سيجزون ما كانوا يعملون﴾ (الأعراف: ١٨٠) لأنه ليست العلة علة معقوله إلا لمعلول يكون المعلول من أجلها ضرورة، أعني بلا أختيار وبلا رجعة عما لها في القوة أن يكون منها، أعني كون معلولها منها كالقول الذي هو للإرادة بالقوة قبل خروجه منها بالفعل لكون الكائنات، وكالكائنات التي هي للقول في القوة مكونة قبل الفعل، وذلك من شأن العلل معقول أبدا عند أهل العلم، أعني لا شيء لها في القوة إلا ولابد أن يكون كائنا بالفعل ضرورة يلزمها طبع العلة مقدور على ذلك اضطرارا.
٥٣ - فالأول المبدع للعلل الذي لا مثل له ليس هو لشيء علة تعالى عن ذلك وارتفع، إذ العلة في العقول الصحيحة هي السبب المطبوع لكون المسبب لا محالة، فالأول جل وعز لا سبب، تعالى عن ذلك، فأنى يكون سببا وهو محدث الأسباب وفاعلها، وأنى يكون علة وهو محدث العلل وواضعها، لا من سبب ولا من علة.
٥٤ - والذين قالوا إنه ليس علة الخلق شيء سوى القول والإرادة والقدرة، وأنه إن كان جميع ذلك لم يزل بلا غاية، فالخلق لم يزل بلا غاية، فهو كما قالوا في كلامهم؛ غير أنهم ضلوا عن المبدع الأول، لأنه ليس علة الخلق إلا الإرادة والقول والقدرة، فأما محدث ذلك فليس علة، ولا لأنه لو لم تزل هذه الصفات لم نزل الكائنات واجبة، لأن العلة فيها إيجاب معلولها، ولكن من لهم بدعواهم أن العلل لم تزل مع الأول الموصوف، وأنها أزلية بلا غاية، وهم لا يأتون عليه بسلطان أبدا، وإذا لم يجدوا به سلطانا ولا برهانا، أليس القول به كفرا وشرا وطغيانا وهذا موضع خلاف النصارى والدهريين، فسبحان الفرد الصمد الذي ﴿ليس كمثله شيء﴾ وهو الأول وحده، وكل شيء سواه حادث بعده، بائن منه، مملوك له ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ .
٥٥ - ومن فقه الصفات أن الصفات علل بادية، وهي قبل أن يكون الفعل التام لانفعالات بتركيب المفعول [١٠١هـ] المفعول منها، ولذلك لا يجب أن يقال: هي مفعولة، أعني العلل التي هي الاسطقصات الأربع، لأن المفعول هو المركب، وهي
стр. 1301
بسيطة لا مركبة. ولا يقال في العلل إنها أفعال الله ما دامت متحركة لا مستقرة، بل هي انفعالات لله تعالى واجبة، ولا يقال في المعلولات إنها انفعالات إذا هي تمت مستقرة. وهكذا تنفصل في الوهم الهوية من لا هوية، لأن الموجب يبعث السالب.
стр. 1302
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم
٥٦ - كتب محمد ﵀ في جانب كتاب الكندي صاحب هذا الكتاب لمن فهمه عنه:
لاشك فيه أنه غير صحيح الإيمان، غير عالم بربه، غير ذي بصيرة في شيء، لأنه تناقض في كلامه واضطرب اضطرابا يخبر أنه لم يحصل ما يقول.
٥٧ - أول ذلك العلة والمعلول التي كفر فيهما في كتابه في التوحيد هو ما قد جاء بهما كما هنا، فبعد أن أوجب الإيجاب التام الجيد ونفى عن التوحيد كل ما ينغصه من المضاف والنوع والجنس وسائر المقولات، زعم أن الواحد علة ما خلق، والعلة لا تكون إلا جنسا، والعلة لا تكون إلا مضافة، والعلة من كل جهة لا تكون مع الوحدة الصحيحة في قوله وبما أوجب بلسانه، فحسبه بهذا عيا وكفرا وضلالا.
٥٨ - ثم جعل تناقص النبوة في هذا الكتاب بما يدخل عليه، أن جعل ربه علة، دخولا كدخوله عليهم أو أشد، وكذلك الكفر ما نقص ضربا منه نقص أجناسه كلها، وإنما هلك المسكين لأنه بعد أن نفى عن الخالق شبه المخلوق في شيء من صفاته، جعل يطلب خالقه بما يتمثل لعقله كطلب المخلوق سواء سواء. ولو لم يعرف إذا بلغ الحد الذي وقفت الغايات إليه كيف ينفذ إلى إيجاب وجود الخالق بما يخالف وجود المخلوق، وأراد أن يسلك فيها سبيلا واحدا بعد أن أوجب في مبادي كلامه أن سبيل وجودهما مختلف، فلعمري ما أرى الكلام الصحيح الذي قدمه في كتاب " التوحيد "، والذي يجري في داخل كلامه في هذا الكتاب، إلا ما حفظ من كلام غيره من الأوائل الموحدين: أرسطاطاليس وأفلاطون وأبقراط ومن وحد منهم، حتى إذا رجع إلى محصول نفسه جاء حينئذ بالاختلاط والضلال، فليتق عبد على نفسه، فإن النظر في مثل [١٠١ظ] هذه الكتب لمن يعرف الله معرفة تامة تهلكه وتكفزه وتخسره آخرته وتوجب عليه عذاب الأبد السرمد، وأين من يعرف ربه كانوا إذ كانوا، وقد والله
стр. 1303
ذهبوا، فإن كان قد بقي منهم في الدنيا واحد أو اثنان فعلمه مخزون في صدورهم مقصور على أنفسهم أو على خاصة يسلك بهم مثل سبيله في طيه عن أهل زمانه، إذ لا يرى مستحقا ولا أمينا ولا لقنا ولا صديقا ولا مريدا صادقا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
٥٩ - قال الموحد: من المسائل التي هي محالية السؤال، فلا أجوبة لها بالمقابلة (١) لأنك إن قابلت المحال كنت محيلا: لو سأل سائل عن الله بإيقاع صفة التمام والكمال مثل ما هو تام كامل، قيل له: أتسأل بصفة المخلوق عن الخالق، تعالى الله عن هذه الصفة كما تعالى عن ضدها، هو فوق ما يأخذه التمام والنقص، عال علوا كبيرا، وهذا المحال من السؤال موجود مثاله في المخلوقات وجودا قريبا ظاهرا، لو قال قائل: الأمير حاجب أو وزير قيل له: منزلته فوق منزلة الحاجب والوزير. فلو قال القائل: اللؤلؤ أخضر هو أو أحمر قيل له: لا ذا ولا ذا. ومثل هذا يرد كثيرا في مواضع مشبهة لا يظهر محالها إلا بالكشف. وكذلك لو سأل سائل، وهي أغمض من التي قبلها: هل يحيط علم الله بذاته أم لا يحيط قيل له: لا تسل عما لا يتناهى بصفة الإحاطة فليس لك جواب، أرأيت لو قلت: أيحيط المحيط بما لا يحاط به ألم يكن محالا كما لو قلت: هل لما لا حد له حد، وهل لما لا نهاية له نهاية، وهل يخلوا الذهب أن يكون أسود أو أخضر قلنا: لا يقع عليه واحدة من هاتين الحالتين، فكذلك بمن سأل عن متقابلين في المخلوقات ليس واحد منهما فيه، نفيا جميعا. ومن سأل عن الخالق تعالى بما يقع على المخلوقات من الصفة، ومن جهة الضد والند، ومن جهة الكم والكيف، كل هذا لا يجاب فيه حتى يسأل غير سؤال المخلوق، كما لا يشبه خلقه في صفة من صفاته، كذلك لا يمكن أن يسأل عنه بصفة من صفات خلقه، فافهم ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ (سورة البقرة: ٤٢) ، الذين قالوا بالكمون جهلوا المكان والمتمكن، فحسبوا أن المتمكن يكون في المتمكن ولا يكون المتمكن إلا في مكان، والمكان لا يأخذ منه الجسم إلا قدره وحده، فلا يمكن أن يكون جسم آخر معه في مكان لا فضل فيه، والمكان [١٠٢و] الهواء والأجسام المتمكنات فيه، فبؤسا
стр. 1304
لهم ما أبلدهم.
٦٠ - قال: أخشى أن يكون هذا الكندي الشقي كان زنديقا، فعمل على أن يوقع غيره فيما وقع هو فيه، ويرى مثله ممن أراد الله تعالى هلاكه أن البراهين تتناقض في إثبات التوحيد، كيف هي وكيف تثبت، وأنها لا تصح إلا بهذه الشرائط. ثم أتبع ذلك بأنه لابد للعالم من علة، وأنه لا علة إلا خالقه، لينقض بذلك الصفة التي هي التوحيد، فيرى أن الوحدة غير موجودة وغير قائمة. فإن كانت هذه بصيرته وإياها قصد، فما أرى في جهنم أسفل درجة منه. وإن لم يكن قصدها، فالشيخ (١) دبرها على لسانه، فهو معه في أسفل السافلين، إذ مكنه الله تعالى من أن أجرى على لسانه الكفر بهذا اللبس من حيله، ليصد عن سبيل الله. وربما ظننت أن طويته قول الدهرية لأنه رجع قوله إلى أن كل شيء معلول وعلة فأثبت العالم ونفى غير ذلك. فلعمري إذ خشيت هذا من كيده إنه ليجب أن يوضع شيء يبين به عليه، ويقابل به ضلاله، لتمحى ظلمته بنور الهدى إن شاء الله. ألا ترى كلامه كله كلام الحيران معرفته بأزمة الكلام من جهة صناعة المنطق، فهو يرد على المنانية والدهرية ويخلط القول صحيحا بمريض، كما كان في قلبه سواء، والله أعلم.
٦١ - قال: إن الكندي وإن ناظر هؤلاء المبطلين، فقوله ظنين غير مأمون لنقضه على نفسه التوحيد جهارا، إذ أقر أن العلة والمعلول من المضاف، وأن الوحدانية لا يقال عليها بالمضاف، ثم زعم أن ربه علة، فأوجب المضاف، فكأنه تعمد النقض، فنقول: إن رده على المنانية ومناقضته إياهم صحيحة، كما ناقض، إلا مواضع زل فيها. وأصل مناظرته صحيحة (٢) ، غير أنه كثر فيما يستغنى فيه بالقليل، إنما هي عقدة واحدة، فلينظر إليها من أراد الحق ويجعلها لنفسه أصلا يغنيه عمن زال عن قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ . فكل مناظرة تلحقه، وكل مناقضة تدخل عليه من شبه إلهه بشيء من المخلوقات من جهة من الجهات، فجعله جرما أو محدودا أو متناهيا أو أي صفة من صفات المخلوق كانت، دقت أو جلت، دخل عليه سائر الصفات
стр. 1305
كلها، وناقضته المعاني كلها في السموات والأرض حتى تخرجه عن المثل بكل جهة مقولة ومتوهمة، وإلا فهو مبطل ملحد في الدنيا والآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد.
كما أن الكندي إذ سمى ربه علة، يدخل عليه كل ما أدخله على المنانية [١٠٢ظ] فيسأله عما كان خطأ أو عمدا.
تم الكتاب بحمد الله وعونه
стр. 1306
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم
٦٢ - من المقلوب قياس أمور خالقنا على قياس أنفسنا فنخر ولا نشعر، وإنما منع الإضافة عدم المشاكلة، هي فصل، لا فصل مسافة مانعة من الإضافة، وإن زاغ المعنى عن هذا إلى توهم المسافة ووضع الكلام عليه، دخل الباطل والزيغ لا محالة، فاشعر إن كنت تشعر.
٦٣ - الإنية والذات: الشيء بعينه.
٦٤ - الأشخاص الجزئية: كل ما تدركه بالحواس الخمس.
٦٥ - والأجناس والأنواع: كل ما يدركه الوهم - وهو العقل وإنما يدرك العقل المعاني والجواهر البسيطة التي هي الأمر.
٦٦ - المركبات: المخلوقات.
٦٧ - والصفات: العلل.
٦٨ - " الحكمة ": هي الفصل الأكبر؛ " رب احكم " أي افصل؛ " حاكم ": فاصل، ﴿وهو خير الفاصلين﴾ أي خير الحاكمين.
٦٩ - العلل التي هي رؤوس بادية أربع: العنصر والصورة والفاعلة والمتممة. فأما العنصر فمثل الذهب والنحاس والفضة؛ وأما الصورة فما صور منها مثل: الأباريق والكؤوس والحلي؛ وأما الفاعلة فمثل الصانع الذي منه ابتدأت الحركة لفعل هذه الأشياء من العنصر؛ وأما المتممة فإنها التي من أجلها فعل الفاعل مفعوله من العنصر، مثل أن يقال: لم عمل الكأس فقيل: عمل لأجل الشرب به، ومثل البيت الذي بناه البناء، فيقال: لم بني البيت قيل: للسكنى فيه، فكأن علة بنيان البيت السكنى الذي لأجله بني البيت، فهذه العلة التمامية التي تم بها المفعول.
٧٠ - ومما يحق على من أراد أن يقضي بالحق ألا يكون معاديا لمن خالفه، بل
стр. 1307
يجب عليه أن يكون رفيقا محسنا منصفا، ومن إحسانه أن يجيز له مثل الذي يجيز لنفسه من الصواب، والوقوف عند حدود البراهين، وكل حجة بلا برهان خرافة.
٧١ - العلة العنصرية تنقسم ضربين: روحاني وجسماني، فأما الروحاني فمثل إرادة الباري جل ثناؤه، والجسماني مثل الاسطقصات الأربع.
والعلة الصورية تنقسم قسمين: روحاني وجسماني، فأما الروحاني فمثل الأرواح والملائكة التي قامت من العلة الروحانية العنصرية وهي إرادة الباري، وأما الجسمانية فمثل أجسام بني آدم وأجسام البهائم والنبات التي قامت من العلة العنصرية الجسمانية وهي [١٠٣و] الأسطقصات الأربع.
والعلة الفاعلة تنقسم قسمين: روحاني وجسماني، فأما الروحاني فمثل كلمة الباريالتي فصلت الأرواح والملائكة من إرادة الباري، وأما الجسمانية فمثل الطبيعة المتحركة لفعل أجسامنا وأجسام البهائم والنبات من العلة العنصرية التي هي الاسطقصات (١) الأربع.
وأما العلة المتممة فتنقسم قسمين: روحانية وجسمانية، فالجسمانية مثل تحرك الأجسام أجمع، وأما الروحانية فمثل علوم الإلهية وأفراد الوحدة.
٧٢ - قال أفلاطون: الأفعال ثلاثة: فعل اختراعي وطبيعي وصناعي. فأما الاختراعي فهو المخصوص بفعل الباري، وهو تأسيس أيس من ليس. وأما الطبيعي فهو تأسيس أيس من أيس. مع فساد صورة ذلك الشيء وطبيعته إلى صورة أخرى وطبيعة أخرى (٢) ، المخصوص بفعل العلل بإذن الله تعالى. وأما الصناعي فهو أيس من أيس بغير فساد صورة ذلك الأيس، وهذا المخصوص بفعل المعلولات بإرادة الباري ومشيئته تعالى.
٧٣ - الجوهر ينقسم قسمين: روحاني وجسماني، فأما الروحاني مثل العقل والنفس، والجسماني مثل الطويل والعريض والعميق.
والعرض ينقسم قسمين: روحاني وجسماني، فالروحاني مثل الحلم والعلم والأدب
стр. 1308
المحمولة في (١) النفس، وأما الجسماني فمثل السواد والبياض المحمولة على الجسم، فافهم.
٧٤ - قال محمد: قال أفلاطون: كل ما وقعت حركته تحت الزمان محدود معدود، وكل محدود معدود فأوله التفريق، ثم ألفه بعد التفريق، لأن كل شيء له طرفان، والزمان والمكان معا معا، فإذا فني المكان فني معه الزمان لا محالة، والحمد لله رب العالمين.
٧٥ - صفة الله تعالى: الله تعالى نفى صفات البشر عنه، وقد جعل لذلك اعتبارا، وهو المريد المحدد، فإن صفته عدم صفته، فنقول: هو خير مجرد لم ير قبله مثله، كذلك نقول: هو رب ﴿ليس كمثله شيء﴾ .
٧٦ - قال: سألتني أكرمك الله عن قول داود القياسي في الله تعالى: إنه لم يزل متكلما، وأن أكتب إليك بما يوجبه عليه مذهبه فيه، فمذهبه أعزك الله مدخول، ولا أدري من أين أخذه، ولا على أي شيء حمله، ولا معنى له في القرآن، ولا في سنة الرسول ﷺ ، ولا يكون الكلام إلا عن سبب وعلة توجب الكلام [١٠٣ظ] ، ولولا العلة لم يكن كلام، ولكن نقول: إنه لم يزل متكلما منذ خلق القلم، ولا يزال إلى يوم القيامة لقوله: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (سورة يس: ٨٢) . وإنما كان هذا من حيث ابتدأ خلق ما خلق، فلم يتكون شيء من ملكوته كله إلا بهذه الكلمة، وفيها زم قدرته على كل ما خلق، فإنما أوجب كلمته هذه خلق الأشياء كلها لما أراده من المحنة .
٧٧ - محمد ﵀ قال: كلمت رجلا على قول الدهرية فقلت له: هل تعرف شيئا إلا ما يعرفه عقلك، أو عندك شيء آخر تعرف به وتنكر
قال: ما أعرف إلا ما عرفه عقلي.
قلت: فما عرفه العقل فهو المعروف المقر به
قال: نعم.
стр. 1309
قلت: فما لم يعرفه العقل إذن فهو المنكر، والمنكر أصل الذي لا برهان عليه
قال: نعم.
قلت: والمنكر باطل
قال: نعم.
قلت له: فهل يعرف العقل شيئا لا نهاية له
قال: لا يعرف العقل إلا ما له نهاية في جسمه.
قلت: فإني أجمع لك كل ما مضى: لا يخلو قولك وقول أصحابك من أن نقول: إن الفلك هو الغاية أو أن فوقه غاية، فإن قلت: هو الغاية قلت لك: فهو متحرك، والحركة لا تكون إلا في مكان، والمكان لا يكون إلا في مكان إلى ما لا نهاية له؛ فالعقل ينكر هذا، وإن قلت: هو في متحرك، فإنه جسم، والجسم لا يكون إلا في جسم إلى ما لا نهاية له. وإن قلت: فوقه غاية، قلت لك: ما تلك الغاية التي فوقه أتشبهه أم لا تشبهه فإن قلت: تشبهه. قلت لك: فهي جسم، فهي إذن في جسم، فرجعت إلى سيرتك الأولى. وإن قلت: لا تشبهه. قلت لك: فإن العقل لا يجد مثالا إلا ما يشاهده، ولم يشاهد إلا الأجسام. فإذا أجبت بشيء تزعم أنك تجد مثاله وهو خلاف المثال أنكره العقل، وما أنكر العقل فهو باطل (١) .
قال: أقول: فوقه شيء يشبهه في الجسم، وليس يدور عليه زمان، لأنه فوق الزمان.
قلت له: فهو جسم أو غير جسم
قال: جسم.
قلت له: قد رجعت إلى الجسم، ولا يكون الجسم إلا في جسم إلى غير نهاية، وهذا باطل.
قال: ليس بجسم ولكنه الدهر.
قلت: وما هو
قال: لا هو الدهر.
стр. 1310
قلت: اسم بلا معنى.
قال: اسم له معنى.
[قلت] : فإني أسمعك تأتي بالاسم فردا.
قال: اسم أشار إلى معنى.
قلت: فصف لي المعنى.
قال: هو الذي تنتهي إليه الحركات [١٠٤و] .
قلت: وما ذلك الذي تنتهي إليه الحركات ما مائيته عن ذلك أسألك.
قال: هو الدهر.
قلت: إن الاسم لا يتوهمه العقل إنما يتوهم المعنى، فما معناه أهو مكان
قال: لا.
قلت: فكيف يكون جسم الفلك في غير مكان ثم قلت: ويحك إنه ينكر عليك هذا القول من جهات كثيرة أن الذي يقول فوق الزمان إن كان متوهما فهو جسم، وإن كان غير متوهم أنكره العقل على أصلك. ولا يخلو شيء من أن يكون زمانا أو مكانا، لأن الزمان لا يكون إلا مع المكان، والمكان لا يسبق الزمان. فإذا كان زمانا أو مكانا فهو مؤلف متحرك، والمتحرك ذو آخر لأنه ذو نقلة. فإن كان ذا أجزاء فهو مؤلف من تفرقة، والتفرقة نهايته الأولى.
قال: فأقول: إن له نهاية أولى من التفرقة تأتلف.
قلت: وقبل أن تأتلف، ما كان
قال: مفرقا.
قلت: عدما
قال: لا.
قلت: فكان أجزاء متفرقة إذن، والأجزاء أمكنة، فمعها زمان بلا نهاية تأليف.
قال: بل للتأليف نهاية أولى.
قلت: فمن عدم إذن
قال: من عدم.
стр. 1311
قلت: في العدم لا شيء، فلا شيء يؤلف شيئا إذن، وهذا ما يحده العقل، لأن الشيء لا يؤلف نفسه، لأنه قبل أن يؤلف نفسه عدم، والعدم لا شيء، ولا شيء لا يكون منه شيء من ذاته، لأنه لا ذات له، إلا أن يكون منشئ ينشئ شيئا من لا شيء، وهو الله رب العالمين.
قال: فلو سامحني أولا في النهاية الأولى، كيف كنت تصنع في آخر الأمر
قلت له: إذا كان لشيء طرف أول لم يكن له بد من طرف ثان، وإلا لم يكن بذي نهاية، والعقل لا يحد ما لا نهاية له ممثلا، ولا يحد ما ليس له طرف ممثلا. فإن كان له طرف، فطرفه الفناء، لأنه منه بدأ وإليه يعود، كما أن كل شيء له طرفان من ضده لا محالة؛ هكذا نجد ونرى في الممتثلات كلها.
قال: فما أراني أجد إلا أحد أمرين: إما مكانا فوق الممثلات يكون جسما فيلزمني فقد النهاية، أو أقول: ليس جسما فينكره العقل.
قلت له: كذلك تجد في قولك.
قال: فما تقول أنت
قلت: أقول: فوق الزمان والمكان خالقهما ومؤلفهما وهو خلافهما وغيرهما من كل جهة، فلا يحيط به العقل من جهة التمثيل ويدركه من جهة الدليل، ومن قولك آخذه، لأنك أنت وكل من يفهم من أصحابك وغيرهم لا يحدون في البدء إلا الزمان والمكان معا، لا يسبق بعضه بعضا، ولا يكون المكان إلا من [١٠٤ظ] تأليف، ولا يقوم التأليف إلا من عدم، فمخرجه من عدم هو الله الذي لا إله إلا هو، تعالى [الله] الأول الخالق. ولا يكون المكان أيضا إلا لمتمسك، فلو كان مثله كان بلا نهاية، غير محدود لا محالة، ولكنه ممسك خلافه من كل جهة، فلذلك الله رب العالمين.
قال: والله ما أجد بعقلي إلا ما تقول، غير أن قوما قالوا: جوهر بسيط.
قلت: يلزمهم في الجوهر البسيط ما لزمك، لأن الجوهر البسيط شيء قالوه لا يتمثل. فإن قالوا إنه لا يتمثل وهو جسم كذبوا وجاءوا بما لا يعرفه العقل. وإن قالوا: هو غير جسم، قلت لهم: هو مقيم الأجسام ومدبر الكل، وليس يشبهه شيء، تعالى
стр. 1312
الله رب العالمين.
قال: كذلك لعمري يلزمهم ولابد من هذا.
قلت: فاعلم أنه لما نظروا وجدوا بعد المكان والزمان غيرهما، فلما قالوا مثل، بطل عليهم في فكرهم، ولما قالوا خلافه لم يحسنوا الصفة، لأنهم حسبوا أن العقل لا يجد خالقا مرتفعا فوق العقل يدركه بالدليل بلا تمثيل، لأنه لا شبه له ولا ند، ويوجد مخلوقا يتمثل، لأنهم وجدوا له أمثلة وأشباها. فلما أرادوا أن يرفعوه فوق العقل لم يهتدوا إلى الدليل عليه فأنكره. ولما أرادوا أن يتمثلوه وجدوه من المخلوقات بلا نهاية، فأنكروه فوقعوا بين الحيرتين على ثالثة لا يعرفونها، وجعلوها حيلة يختصمون بها في المناظرة، اسما بلا معنى، صفة بلا كيفية، فقالوا: جوهر بسيط، ففروا من الحيرة إلى الضلال، ومن العشى إلى العمى، ومن الحر إلى النار، فنعوذ بالله من العمى ونحمده على الهدى، ونصلي على نبيه محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
فاعلم الآن بما هداك الله موقع الكفر وفظاعته وعظم خطره في الشر والخسران من كل من ألحد في توحيد الله تعالى، وأنه إذا أخذ توحيده ممن ليس يقر بربه ولا خالقه، بأن تعلم أن كل من لم يصح توحيده ويخلص لله فيه حق إخلاصه، وزعم أن ربه غير واحد بوحدانيته الحقيقية من كل جهة، فهو كعابد وثن، لأن العباد إنما يتوجهون إلى عبادة ربهم، ويصفون خالقهم بتصحيح الصفة في العقل، فإذا لم يصب وصف صفة الخالق، فإنما يصيب صفة المخلوق، لأنه ليس إلا الله تعالى خالقا، فمن زال عن صفة خالقه ربه زال إلى صفة خلقه [١٠٥و] . فإذا قصد بعبادته صفة الخلق، فهو كعابد الوثن، قد تبرأ من الله وكفر وجحد نعمته كلها من الدنيا والآخرة، ونسبها إلى غيره، وتعبد ورجا وخاف غير الله، فلم يوجه إلى الله تعالى بشيء من حقوقه، ولا أقر له بشيء من نعمته، ولا أعلق به شيئا من رجائه ولا خوفه، ولا أسند إليه شيئا من دنياه وآخرته، ولا أقر بخالق، ولا أثبت ربا ولا إلها، تعالى الله علوا كبيرا، والحمد لله على الهدى كثيرا حمدا يرضاه ويتقبله، ويوجب الثبات به حتى نلقاه عليه، ويوجب الزلفى لديه والكون في جواره وظل
стр. 1313
عرشه، برحمته آمين.
فصل
٧٨ - قال محمد ﵀:
كل مكون معلول، وكل كائن فله علة، وما لا علة له فلا كون له، فالعلة العليا علة العلل وجنس الأجناس وطبيعة كل طبيعة وجنس كل نوع. فالعلة العليا لكل شيء هي مشيئة الله تعالى لكون الأشياء كلها، فهي شاملة عامة، ثم انفصل منها لكل شيء علة خاصة لاصقة بالشيء قريبة منه، والعلة الكبرى فوقها أم لها، لا مقصر لشيء من العلل دونها، لأن منها فصلها، ولا أم لها بعدها لأنها غايتها، فالعلم معرفة العلل، والرسوخ فيه بقدر الرسوخ فيها.
٧٩ - وإن الله لما خلق الدنيا دار محنة وبلوى، خلقها أضدادا وأزواجا، لتقع المحنة وتتم الدلالة، فتمام الدلالة بذلك لأنه لا يعرف الشيء بحقيقته إلا من قبل ضده، فبالظلمة يعرف النور، وبالمكروه يعرف المحبوب، وبالشر يعرف الخير، وبالبرد يعرف الحر، وبالتحت يعرف الفوق، وبالظاهر يعرف الباطن، كل واحد منها يعرف بصاحبه، ويهتدى إليه بزوجه وضده، ويهتدى بالأضداد كلها إلى وحدانية الخالق لها. وأما وقوع المحنة من جهة الأزواج، فإن الله جعل الدنيا امتزاجا وانفصالا زوجين أيضا ضدين، ليعرف هذا بهذا. فما فصله الله تعالى بأمره ولم يكن إلى المخلوق لعله قامت حقيقته، وارتفعت الشبهة عنه، كانفصال الأرض من السماء، والماء من الثرى، والنار من الرطوبة، والأجسام بعضها من بعض، وما مرجه وامتحن المخلوق بفصله جعل بين حديه البينين، وهما معظم الشيئين، شبهة مشبهة بالشك واليقين، فالشبهة واقعة بين الحق [١٠٥ظ] والباطل، كالغبش بين الظلمة والنور، وكالدكنة بين البياض والسواد، وكالحامض بين الحلو والمر، والسنة بين النوم واليقظة، فكل شيء في الدنيا من المتصل والمنفصل زوجان، والشبه واقع بين حدي المتصل عند وقت
стр. 1314
الانفصال. فانفرد الله تعالى بالوحدانية وحده، وجعل الأشياء كلها زوجين بعده، والعلم هو معرفة العلل، ومعرفة العلل هي معرفة الحدود، والحدود زوجان: حد إحاطة وحد مقاربة، والشبهة زوجان: أحدهما يقع في حد الإحاطة بأن يشابه أعيان الشيئين، كاشتباه الشبه بالذهب والقزدير بالفضة ونحو ذلك. والثاني في حد المقاربة حيث تقع الشبهة بين المنفصلين، كحد ما بين الجبل والسهل والحلو والمر والقوة والوهن.
فالأزواج والأضداد الجارية في كل موضوع ومخلوق من أمور الدنيا والدين هي علة الاختلاف الكبرى التي من جهتها وجب النظر، ووقعت كلفة التدبر والتثبت والاشتباه. وكل خطأ وقع في بني آدم فمن هذه الجهة يقع، ومن هذا الأصل ينبعث.
٨٠ - وأمثلة العلم أمثلة باطنة مفصولة من الذكر الباطن في الذكر المفصول للإنسان في الباطن، فهي لا ترى إلا بالبصر الباطن، وهو العقل، فتمييز الناظر فيها على قدر حدة بصره، وقوة نور باطن عقله، كما يتميز الناظر في دقائق الأشخاص بحسب قوة بصر عينه وحدة حاسة حدقته ونوره، وقوة البصر الباطن ونوره بحسب بعده من الشهوات التي هي تكدره وتطمس عليه وتحجبه عن الاتصال بمادته، ومادته علم الله الأعلى الذي يمد به من يشاء، فافهم. ومن ارتفع بنظره إلى العلل العليا فأصاب وجه ما طلب، جرى صوابه في كل ما تحت ذلك من العلل، فعظم صوابه. ومن أخطأ في تلك المنزلة العليا، جرى خطأه فيما تحت ذلك فعظم خطأه. ومن أخطأ فيما دون ذلك، فخطأه بقدر درجته من النظر، فافهم.
٨١ - تكلمت النصارى في الله فأخطأت الوحدانية فكفروا، وتكلمت اليهود في النبوة فأخطأوا فيها فكفروا، لأن الكلام في النبوة هو من الكلام في الصفات العلى. وتكلم الفقهاء في فروع الأحكام، فلم يكن خطأهم كفرا، لبعد الكلام من الأصل. وتكلمت الفرق المبتدعة في الأصول العليا بعد أن اعتصموا بالإقرار بالوحدانية والنبوة، فمنعهم أن يكون كلامهم كفرا اعتصامهم بجملة الإقرار، وارتفعوا (١) في القدر عن
стр. 1315
الخطأ في فروع الأحكام، ولم يبلغ بهم الخروجعن حد الإسلام [١٠٦و] لاعتصامهم بعقدة الإقرار، وكان خطأهم كأنه خطأ تأويل، وهو بين الحدين في موقف الشبهة لأنه يقول: أنا مؤمن بما جاء به النبي على ما جاء به، لا أنكر شيئا منه، ولا أخرج نفسي عنه. ثم يتأول فيخرج عنه، وهو يرى أنه يوافقه، وكأنه إنما يطلب موضع الحق منه، فهو خارج من جهة النظر، معتصم من جهة النية والإقرار، فبيان الحكم فيهم غيب، ولله عليهم حجة إن عذب، ولهم وسيلة إلى العفو إن عفا، ونستعصم الله من الخطأ والزيغ في رفيع الأمور وقريبها برحمته.
٨٢ - جملة المختلفين من أمتنا: المرجئة والخوارج والجهمية، من هذه الثلاث طوائف انفصلت الفرق بأجمعها، وأعظم فرقة انفصلت منها حتى صارت كأنها رابعة معها فرقة الشيعة، ولكنها منفصلة من الخوارج، ثم تليها فرقة القدرية الذين جملتهم المعتزلة، وهي منفصلة من الجهمية، وانفصلت المرجئة على كل فرقة فرقة منها، لم يغلب عليها اسم يمحو عنها اسمها الأعظم، كلهم يسمون مرجئة.
فأما المرجئة والخوارج فإنهم يختلفون أن الإيمان روحاني كشيء له طرفان، ابتداء وغاية، ونشوء وكمال، وأنه في ذاته درجات منفصلات ومراتب متفاوتات. فقالت المرجئة: الإيمان هو الإقرار بالله تعالى، فكل من أقر بالله فهو مؤمن في الجنة، فحكموا في الإيمان بأحد طرفيه، وهو أوله ومدخله، فضاهوا اليهود. وقالت الخوارج بالطرف الآخر فقالت: المؤمن من لا ذنب له بتة، وما دون ذلك فكافر في النار فحكموا في الإيمان بأحد الطرفين، وهو طرف الكمال وأعلاه وغايته، وتركوا الحق وسطا، ومشت الطائفتان من جانبيه تعسفا، وركبت الجماعة الوسط، فأصابوا الجادة ولزموا القصد وأم الطريق، والحمد لله.
وأما الجهنمية فإنهم تكلموا فيما لم يبح الكلام فيه للعامة، وأرادوا أن يكيفوا علم الله تعالى، فضاهوا النصارى. ونحن لا نتمكن من صفة العلة التي من جهتها أخطأت الجهمية، لأنه من الكلام في الصفات العلي التي لم يبح لنا نبينا ﷺ الكلام فيها ولا يتجاوزها علم القلوب، ولكنا نقصد من ذلك إلى ما نرى أنه يجوز لنا الكلام فيه، فمن لقنه انتفع به، ومن لم يلقنه فقد قدمنا إليه العذر المانع من التفصيل
стр. 1316
أصل الخطأ في القدر [١٠٦ظ] والعلم أن المتكلف له أراد أن يقترن القدر بالعدل، فتنافرا في نظره، وقصر عن كيفية اقترانهما فهمه. فقال قوم فأثبتوا العدل ونفوا القدر، وهم المعتزلة، فضاهوا المجوس، وقال قوم فارتفعوا فوقهم وانحرفوا إلى الكلام في العلم، وهم الجهمية، فضاهوا ضروبا من الكفر كثيرا. وقوم أقروا بعدل الله وقدره مذعنين لما ذكر في كتابه، واقفين عند ما لم يستبين لهم علمه، وهم الجماعة، فثبتوا على إيمانهم ولم ينقضوا عقدة إقرارهم. ومن تكلم من كلا الفريقين في ذلك غوى وهوى، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
وأما المعتزلة فإنهم كالجهنمية، اتقوا في أمر ضاهوا به الدهرية، وذلك أنهم أرادوا أن لا يقروا إلا بما يتمثل في عقولهم وما قصر عنه فهمهم ردوه، وزعموا أن الله لم ينزله، وأن الرسول ﵇ لم يقله، فحسبوا أن الدين وضع، وأن القضايا قضيت على مقدار الأفهام الخسيسة وفطر القلوب القاسية التي نشأت في عصر الفتنة، والتبست برين الظلمة، وأصغت إلى كدر الشهوات المعشية، فكذبوا من ذلك بفتنة القبر، وحياة الأرواح في البرزخ، وبخلق الجنة والنار، وبحقيقة العرش والكرسي، وغير ذلك من أنباء النبوة. فنعوذ بالله من الجرأة على الله والرد لأمر الله تعالى، ومن جهل المخلوق بقدرته وتخطيه إلى غير حده، وصلى الله على جميع أنبيائه ورسله.
فصل
٨٣ - رسالة اتفاق العدل بالقدر.
قال محمد ﵀ عليه:
أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله فإن العاقبة للتقوى، وأوصيك فيما أردت علمه من جهة القدر والعدل وتصاحبهما بأن تقف حيث وقفت منه، وتؤمن بما عليك أن تؤمن به، وتنتهي إلى ما انتهى سلفك إليه.
فأما قولك: قد نزلت البلية فيه، والتبس بالقلوب داء مخامر منه لا غنى به عن الدواء، وصدى ولابد له من الجلاء، فإني واعظك بمثالك الذي مثلت، وعاطف
стр. 1317
بك إلى أصلك الذي أصلت:
فاعلم أن من الدواء نفعا عاجلا، ومنه سم قاتل، ومهما قصر عن الحتف بقي له دواء ومداخل، وكذلك الكلام في القدر إذا وقف به على حده ولم يتعد به إلى ما لا يجوز، فهو دواء غير داء. وإذا جووز (١) به الكفاية، وابتغي فيه التطلع من الغاية، فهو داء لا دواء. وسألقي إليك إن شاء الله في ذلك مقدارا (٢) يسعني ويسعك وينفعني وينفعك إن وفقت، وبقدر إليك إن جمحت. فمهما شككت فيه أو [١٠٧و] اشتبه عليك منه، فاعلم أن الله تعالى خلق جميع خلقه على ما سبق في علمه المخطوط في أم الكتاب الذي لا تبديل له، فمضى عليه خلقهم وجرت عليه سائر أمورهم دقيقتها وجليلها، وخيرها وشرها، وعامها وخاصها، وباطنها وظاهرها، ومكروها ومحبوبها، لا يزيغ أحد عما سبق في مقاديره ونفذ من مشيئته، وقضي في أم الكتاب عنده، ولا يعيدوه في لفظة ولا لحظة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر في دنيا ولا آخرة، بل جارون على ما علم وكتب وقضى وقدر وشاء وأراد قبل أن يخلق السماوات والأرض، إن ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير.
ومن قضائه في أم الكتاب أن كتب على نفسه الرحمة، ومن الرحمة العدل والفضل، ومن العدل الفضل أنه لا يظلم الناس شيئا، ولا يكلف فوق طاقته أحدا، وأن له الحجة البالغة، وأن له الحمد في الأولى والآخرة، ولكن الناس أنفسهم يظلمون فمن زعم أنه يخرج من قدر الله في شيء من أمره كائنا ما كان: عمل أو أجل، أو سراء أو ضراء، فقد نقص توحيده وأشرك بربه. ومن ادعى على الله ما لا برهان له به، فزعم أن الضرورة لزمته من قبل ربه، وأنه معذور بذنبه، مكلف فوق وسعه، غير محجوج في معصية الله، فقد كفر وجحد عدله وفضله، ورد كتابه وكذب رسله. وكلا الفريقين قد جاءته (٣) الفتنة المتخوفة التي أنذرها سلفنا خلفهم: أن المرء يسلب إيمانه وهو لا يشعر، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ونعوذ بالله من الزيغ بعد الهدى
стр. 1318
والضلال بعد البيان (١) . ومن سلك الواعظة ولزم الجادة واتبع آثار السلف الراشدين، فآمن بالقدر كله خيره وشره، موقنا بعدل الله تعالى وصدق وعده، وأنه أهل العفو والفضل، وأن ابن أدم أهل الخطأ والذنب، وأن لله الحجة البالغة، ثم لم يكذب بما آمن به من ذلك بلفظ غيره نصا، ولا تعريضا، فقد نجا إن شاء الله ولم يسأله الله عما وراء ذلك.
فقد رأينا من يقر بهذا الإقرار، ثم يعود عليه بلفظ آخر فينقضه نقضا وهو لا يشعر، فأخشى أن يكون سلب إيمانه وهو لا يشعر.
فاجعل - وفقك الله - مع الإيمان بالقدر الإيمان بالعدل غير زائغ عنه بلفظة ولا لحظة، وداو وساوس الشيطان الباطنة بما تشاهده من أحكام الله الظاهرة التي تشهد أن عدله فيها أرفع العدل، وفضله فيها أعظم الفضل، فاستشهد الظاهر على الباطن، والمحكم على المتشابه، وما اتضح لك على ما خفي عليك [١٠٧ظ] ، ليقويك على ذلك ثبات علمك بأن الله ذو القدرة التامة والحكمة البالغة قادر على كل شيء، مالك لكل شيء، لم تلزمه ضرورة في أول تدبيره ولا آخره، ولا لحقه ضيق ولا حرج في عدله وقدره وفي نظامهما ووضعهما وإمضائهما، وأن أحكامه كلها لمن عقل موقعها، وعاين بعين عقله حكمة تطلبها، قائمة على غاية الإتقان والإحسان، لا جور فيها يضاد العدل والخير، ظاهرها كباطنها، وواضحها كغامضها، ومجهولها كمعلومها، لا دخل (٢) فيه ولا غاية، وإنما النقص في درك ذلك من بعضها على نظر المخلوق وقصر فهمه لا عليها. من ظن غير ذلك فقد ظن عجزا، وأضمر إلحادا وكفرا.
واعلم فيما تعلم من ذلك أن كل قدرة لمخلوق أو مشيئة أو إرادة فالله مالكها، كما هو خالقها، لم ينفرد المخلوق بحال يملكه، ولا أمر يقدره، ولا قوة يبطش بها، ولا مشيئة ينفذها، أمر الله فوق أمره، ويد الله فوق يده، ومشيئته ماضية عليه ولازمة له نافذة فيه: ﴿قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله﴾ (سورة يونس: ٤٩) ، وما كسب ابن آدم من خير وشر فهو عاملة وكاسبه، له
стр. 1319
النية فيه والمباشرة بفعله.
فاجعل مع الإقرار بلزوم مشيئة الله تعالى لك وفيك، الإقرار بأن الذنب لك ومنك، وانسب إلى الله العدل والفضل والإحسان الذي هو أهله، والذي لست ترى عندك من الله غيره، وبؤ على نفسك بالخطأ والزلل واللوم والذنب الذي أنت أهله وجانيه، والذي لست ترى مع نفسك شريكا فيه، ونزه الله تعالى وبرئه مما يعمل الظالمون، سبحانه وتعالى عما يصفون.
ثم اعلم مع ذلك أنه قضي عليك ولك إن عملت خيرا أصبت خيرا، وإن عملت شرا أصبت شرا، وتركك للخير هو من عملك للشر، وعملك للشر هو من تركك للخير، ذلك كله عمل، ولا ينال شيء من الثواب إلا بالعمل، ولا يدرك إلا بالسعي، كالثمرة لا تجتنى إلا من غراس الشجرة. وهكذا قضى الله تعالى أمر الدنيا ودبرها، وأن الاجتهاد وسيلتك، والعمل مبلغك، وأن الله معين المريدين ومؤيد الصالحين ومثبت الصابرين، ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ (سورة النحل: ١٢٨) .
ثم اعلم أن مما قد نزل من فتنة هذا الأمر أن لا أزال أسمع موعوضا يوعظ أو غافلا يذكر، فيلجأ إلى الاعتذار بالقدر، فيتخذه عذرا مانعا، ومخطئاً يخطئ، وآثما [١٠٨و] يأثم، فيعتذر بالقدر، فيجعله لنفسه براءة من الذنب، كالمقيم لنفسه الحجة والعذر. أفلا تتقي الله يا ابن آدم فتعلم من خاصمت ومن حاددت وعلى من احتججت أما إنك إذا قصدت وطر شهوتك التي سخطها الله تعالى منك راكبا لبعض محارم ربك، فإنك تنهض إليه بأيد أيد وبطش شديد، غير متوهم حينئذ لمانع يمنعك منه، أو حاجز يحجزك عنه، حتى إذا أنت هممت بالخير الذي رضيه الله تعالى منك، تلكأت وتثاقلت وأخلدت إلى الأرض وتربصت، ثم افتعلت الحجج وألقيت: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره﴾ (سورة القيامة: ١٤) .
أحين نهضت إلى الشيء فعلمت أن الله خاذلك ومعرض عنك وواكلك إلى نفسك، لم تخف عجزا عنه حتى بلغت غاية ما تريد منه، فلما هممت بالخير فعلمت
стр. 1320
أن الله تعالى معك ولك ومؤيدك ومثبتك، خفت العجز والنكول وافتعلت المعاذير كذلك لما أخطأت زعمت أن القدر قواك، فإذا هممت بالخير تزعم أن القدر خذلك لم لا تعدل وقد عدل الله عليك ولكنك تتخير على القدر بهواك، فتزعم أن القدر ينهضك إلى الخطأ، وأن القدر يثبطك عن الصواب، فلم لا إذ تكلفت ما ليس عليك وازنت ببصيرتك فقلت: وبالقدر أيضا أثبطك عن الخطأ. وبالقدر أنهض إلى الصواب أو لعلك تزعم أن القدر معك إذا أردت الشر، وليس معك إذا أردت الخير كلا، لئن قلت ذلك، لقد ضللت وكفرت، وما فارقك القدر في حال من حالاتك، ولقد عدل ربك عليك في جميع أوقاتك، وفي قدر الله كنت، وفي قدر الله أنت، وفي قدر الله تكون، وإنما عليك أن تعمل ولا تطالب ربك بما تعمل، فاكلف بما كلفت، ودع عنك أن تحاج الله ، فإنك متى خاصمته خصمت.
فلا تكون أخي ممن يتخذ الإقرار بالقدر سببا للكسل والوهن في العمل، ولا تحسب أن عملك مخرجك من قدر الله الذي قدر لك، ولا أن القدر، كيف تصرفت بك الحال، يزايلك. بل اعلم أن عملك من قدرك، وأن عجزك إن عجزت من قدرك، وأنك في القدر كنت وفي القدر تكون وإليه تصير، كيف تصرفت بك الحال، فمن قدر الله إلى قدر الله، لا زائغا عنه ولا خارجا منه. فارغب وارهب وجد واعمل، فليس تسأل عما قضي عليك، ولكن عما عهد إليك، ولن تجازى إلا بعملك، ولن تحاسب إلا بسعيك، ولن تجد محضرا إلا ما قدمت، ولن ترد إحدى المنزلتين إلا بما كسبت [١٠٨ظ] ، ولا تلزم الشر إذا تركته وفررت إلى الله تعالىمنه، ﴿ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين. ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين﴾ (سورة الذاريات: ٥١) ، والسلام عليك، وصلى الله على سيدنا محمد.
فصل
٨٤ - قال محمد: أما الروح فليس يخلو من إحدى منزلتين عند القبض: أن يكون يقبض، ثم يرد إلى فناء المضجع، ويكون متصلا إلى أعلى منزلته بقدر ما يجعل
стр. 1321
له في الأولى والثانية أو حيث كان. فإن جاوز السماء وفتحت له، فهو إن شاء الله ممن يرى الجنة من موضعه ذلك من أعلاه، وكلما قرب إليها كان أبين له وأروح حتى [يبلغ] إلى منزلة الشهداء الذين يشاهدون الملكوت رؤية مشاهدة ومداخلة في الروضة والفناء والساحة.
وتذكر أن الله لا يسمى ما كان من ابن آدم روحا، وإنما يسمي الروح الملائكة والقرآن ونحو ذلك، لأن الروح الذي في ابن آدم لا يستحق أظن - الثناء حتى يختم له بالسعادة وتسميته روحا فهو ثناء، فإن لم يكن من أهل السعادة سمي نفسا، قال الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (سورة الزمر: ٤٢) فهذا يجمع أنفس المؤمنين والكافرين، " والتي لم تمت في منامها ". أيضا يجمع الطائفتين. وقال في الكفار: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ (سورة الأنعام: ٩٣) ، ومن العجب أنه لم يقل في الشهداء أرواحا، قال: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ (سورة آل عمران: ١٦٩) ، وقال رسول الله ﷺ : إنما نسمة المؤمن ولم يقل روحه؛ فلعل هذا ال فصل بين أرواح الملائكة صلى الله عليهم وبين هذه الأرواح الأرضية، أو لما الله به أعلم أن الروح تحفظ كل ما فعل ابن آدم، وإنما النسيان آفات من آفات النفس أو الجسد، فإذا كشفت الآفات ذكر الروح كل ما شاهد في الدنيا، ذكره في الآخرة ألا تراه في الدنيا ينسى، ثم يذكر، وهذا دليل بين.
فصل
وأما الروح المرسل إلى مريم، و ﴿يوم يقوم الروح﴾ (سورة النبأ: ٢٨) هذا جبريل. وقوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾ (سورة الشورى: ٥٢) هذا هو العلم، ﴿وروح منه﴾ (سورة النساء: ١٧١) هو الروح المنفوخ في عيسى، كالذي نفخ في آدم، وهو قدس لم تتناتجه الأصلاب. كل هذا أصله من الروح الأعلى، إن ألقي في القلوب فهو علم، وإن كان نسيما فهو روح، وإن كان شديد
стр. 1322
الحركة فهو ريح، وإن كان قويا في القلب مفصلا راسخا فهو يقين، وإن كان حياة للجسم فهو روح للجسم، وأصله كله الروح الأعلى، ثم تختلف أسماؤه باختلاف صفاته وحركاته.
تم الكتاب بعون الله وتوفيقه وصلى الله
على سيد الأولين والآخرين
محمد وعلى آل محمد
وصحابته والتابعين
стр. 1323
فراغ
стр. 1324
فراغ
стр. 1325
فراغ
стр. 1326
- ٥ -
تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول (١)
١ - اللفظ: هو كل ما حرك به اللسان يراد به الكلام قال الله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (ق: ١٨) وحده على الحقيقة هواء مندفع من الشفتين والأضراس والحنك والحلق والرئة.
٢ - الخلاف: في أي شيء كان هو أن يأخذ الإنسان مسلكا من القول أو الفعل ويأخذ غيره مسلكا آخر وهو التنازع، قال الله : ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾ (الأنفال: ٤٦) وقال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (النساء: ٨٢) وهو التفرق، قال تعالى: ﴿ولا تفرقوا﴾ (آل عمران: ١٠٣) .
٣ - الإجماع: في اللغة هو ما اتفق عليه اثنان فصاعدا، وهو الاتفاق، وهو حينئذ مضاف إلى من أجمع عليه. وأما الذي تقوم به الحجة في الشريعة فهو ما نتيقن أن جميع الصحابة ﵃ دانوا به عن نبيهم ﷺ وأما [ما] لم يكن إجماعا في الشريعة فهو ما اختلفوا فيه باجتهادهم وسكت بعضهم عن الكلام فيه.
٤ - السنة: هي الشريعة نفسها، وهي في أصل اللغة وجه الشيء، وأقسامها في الشريعة فرض أو ندب أو تحريم أو كراهة أو إباحة، كل ذلك قد سنها رسول الله ﷺ عن الله تعالى.
стр. 1327
٥ - البدعة: كل ما قيل أو فعل مما ليس له أصل في ما نسب إليه، وهو في الدين كل ما لم يأت [في القرآن ولا] عن رسول الله ﷺ ، إلا منها ما يؤجر عليه صاحبه ويعذر فيما قصد به الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه جملة ويكون حسنا كما روي عن عمر ﵁ أنه قال: " نعمت البدعة هذه "، ومنها ما يكون مذموما ولا يعذر صاحبه وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى عليه القائل به.
٦ - الكناية: هو لفظ يقام مقام الاسم كالضمائر المعهودة في اللغات وكالتعريض بما يفهم منه المراد وإن لم يصرح بالاسم ومنه قيل للكنية كنية.
٧ - الإشارة: تكون باللفظ وتكون ببعض الجوارح، وهي تنبيه على المشار إليه أو تنبيه له.
٨ - المجاز: في اللغة هو ما سلكت عليه من مكان إلى آخر، كما يقال هذا المجاز من مكان كذا إلى مكان كذا، ثم استعمل فيما نقل عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر، وذلك لا يعلم إلا بدليل من اتفاق أو مشاهدة؛ وهو في الدين كل ما نقله الله تعالى أو رسوله ﵇ عن موضوعه في اللغة، ولا يقبل من أحد في شيء من النصوص أنها مجاز إلا ببرهان يأتي به من نص آخر أو إجماع متيقن أو ضرورة حس، وهو حينئذ حقيقة لأن التسمية لله تعالى فإذا سمى شيئا ما باسم ما فهو اسم ذلك الشيء على الحقيقة في ذلك المكان، وليس ذلك لغيره تعالى في الدين، قال تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ (النجم: ٢٣) .
٩ - التشبيه: هو أن يشبه شيء بشيء في بعض صفاته، وهذا لا يوجب حكما في الدين أصلا، وهو أصل القياس، لأن كل ما في العالم دون الله فمشبه بعضه لبعض من وجه أو وجوه ومخالف له أيضا من وجه من الوجوه وهو التمثيل.
١٠ - والمتشابه في القرآن هو الذي نهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه وأمرنا بالإيمان به جملة وليس هو شيئا غير الأقسام التي في السور والحروف المقطعة التي في أوائلها وكل ما عدا هذا من القرآن فمحكم.
стр. 1328
١١ - المفصل: هو ما بينت أقسامه، وهو في أصل اللغة ما فرق بعضه عن بعض، تقول فصلت اللحم ونحو ذلك.
١٢ - دليل الخطاب: معناه ضد القياس وهو أن يحكم للمسكوت بخلاف حكم المنصوص عليه.
١٣ - الشريعة: هو ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه ﷺ في الديانات أو على ألسنة أنبيائه ﵈، والحكم منها للناسخ، وأصلها في اللغة الموضع الذي يتمكن فيه ورود الماء للراكب الشارب من النهر، قال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ (الشورى: ١٣) .
وقال امرؤ القيس:
ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي ١٤ - اللغة: ألفاظ يعبر بها عن المسميات والمعاني المراد إفهامها، ولكل أمة لغتهم، قال : ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (إبراهيم: ٤) ولا خلاف في أنه أراد اللغة.
١٥ - الاستنباط: إخراج الشيء المغيب من شيء آخر كان فيه، وهو في الدين إن كان منصوصا على معناه فهو حق، وإن كان غير منصوص على معناه فهو باطل.
١٦ - الحكم: هو إمضاء قضية في شيء ما، وهو في الدين تحريم أو إيجاب أو إباحة على ما قدمنا.
١٧ - الإيمان: أصله في اللغة التصديق بالقلب بكل ما أمر الله تعالى أن نصدق به، والنطق بذلك باللسان واستعمل الجوارح في جميع الطاعات، برهان ذلك أن جميع أهل الإيمان مكذبون بأشياء مصدقون بأشياء، وقد أطلق عليهم في الدين اسم الإيمان، وهكذا مطلقا دون إضافة، ولا خلاف في أنه لا يحل أن يطلق عليهم اسم التكذيب بلا إضافة.
١٨ - الكفر: أصله في اللغة التغطية، قال تعالى: ﴿أعجب الكفار نباته﴾
стр. 1329
(الحديد: ٢٠) .
وقال الشاعر:
ألقت ذكاء يمينها في كافر ... يريد الليل لأنه يغطي كل شيء. وهو في الدين [صفة] من جحد ما افترض الله الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق نحوه بقلبه أو بلسانه أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له عن اسم الإيمان على ما قد بينا في غير هذا الموضع، وبرهان ذلك أن جميع من يطلق عليه اسم الكفر فإنه مصدق بأشياء مكذب بأشياء ولا يجوز بلا خلاف أن يطلق عليهم اسم الإيمان بلا إضافة.
١٩ - الشرك: هو في اللغة أن تجمع شيئا إلى شيء فتشرك بينهما، وهو في الدين معنى الكفر سواء سواء لما قد بيناه في غير هذا المكان، والتسمية لله تعالى لا لغيره.
٢٠ - الإلزام: هو أن يحكم على الإنسان بحكم ما فإما واجب وإما غير واجب.
٢١ - العقل: هو استعمال الطاعات والفضائل، وهو غير التمييز، لأنه استعمال ما أوجب التمييز فضله، فكل عاقل فهو مميز، وليس كل مميز عاقلا، وهو في اللغة المنع تقول: عقلت البعير أعقله عقلا، وقد يستعمل أيضا في اللغة بمعنى الفهم، تقول: عقلت عنك أعقل عقلا، وأهل الزمان يستعملونه في من وافق أهواءهم، والحق من ذلك هو ما قاله الله ، قال تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾ (يونس: ١٠٠) يريد الذين يعصونه ولا يطيعونه. وأما فقد التمييز فهو الجهل أو الجنون على حسب الحال.
٢٢ - الفوز: هو ما استعمل بلا مهلة.
٢٣ - والتراخي: هو ما أخر وترك تعجيله، وحكم أوامر الله تعالى كلها الفور، إلا أن يأتي نص أو إجماع بإباحة التراخي في شيء منها فيوقف عنده.
٢٤ - الاحتياط: هو التورع نفسه، وهو اجتناب ما تتقي أنه لا يجوز، وإن لم يصح ذلك، أو اتقاء ما غيره خير منه عند ذلك المحتاط، وليس بواجب في شيء من الدين ولكنه حسن ولا يحل أن يقضى به على أحد ولا أن يلزم أحد ولكن يندب إليه فقط.
стр. 1330
٢٥ - والحد (١) : هو ذكر صفات المحدود الذاتية الجوهرية، وهي تنبىء عن طبيعته وتميزه.
٢٦ - والرسم (٢) : ذكر صفاته الغيرية العرضية، وهي تميزه فقط.
٢٧ - والعلم: تيقن الشيء على ما هو عليه عن برهان أولي، أو راجع إلى أولي، أو عن اتباع صادق قام البرهان على صدقه، وعلم الباري تعالى ليس محدودا إذ ليس [هو] غيره تعالى (٣) .
٢٨ - والاعتقاد: استقرار حكم ما في النفس، وقد يكون حقا ويكون باطلا، والعلم لا يكون إلا حقا أبدا.
٢٩ - والبرهان: كل قضية أو قضايا دلت على حقيقة حكم ما.
٣٠ - والدليل: ما استدل به، وقد يكون برهانا، وقد يقع اسما لكل شيء دلك على معنى كرجل دلك على طريق ونحو ذلك.
٣١ - والحجة: هي الدليل نفسه، وقد تكون برهانا أو إقناعا أو شغبا.
٣٢ - والدال: هو المعرف بحقيقة الشيء، وقد يكون إنسانا معلما، وقد يعبر به عن الباري تعالى الذي علمنا كل ما نعلم؛ وقد يسمى الدليل دالا والدال دليلا في لغة العرب.
٣٣ - والاستدلال: طلب الدليل من قبل معارف العقل ونتائجه، أو من قبل معلم.
٣٤ - والدلالة: وقد تضاف إلى الدليل أيضا.
٣٥ - والإقناع: قضية أو قضايا أنست النفس بحكم شيء ما دون أن توقفها على
стр. 1331
حقيقة حجة ولم يقم برهان بابطاله.
٣٦ - والشغب: تمويه بحجة باطل.
٣٧ - والتقليد: قبول قول كل من لم يقم على قبول قوله برهان.
٣٨ - والإلهام: شيء يقع في النفوس بلا دليل ولا استدلال ولا إقناع ولا تقليد.
٣٩ - والنبوة: اختصاص الله من شاء من الناس بالانباء بما ليس في قوة نوعه أن يعرفوه حتى يعرفوا به، وليس ذلك لأحد بعد محمد رسول الله ﷺ وخاتم أنبيائه ﵈.
٤٠ - والرسالة: زيادة معنى على النبوة، وهو أن يأمر الله تعالى النبي بانذار غيره والتبليغ إليهم.
٤١ - والبيان: كون الشيء في ذاته ممكنا أن يعرف بحقيقة من أراد علمه.
٤٢ - والتبين والإبانة: فعل المبين وهو إخراجه للمعنى من الاشكال إلى إمكان الفهم بحقيقة، والتبين فعل نفس المتبين للشيء في فهمها إياه، وهو الاستبانة أيضا، والمبين هو الدال نفسه.
٤٣ - والصدق: هو الإخبار عن الشيء بما هو عليه أو بما يكون عليه إذا كان شيئا.
٤٤ - والحق: هو كون الشيء صحيح الوجود وكون الخبر صدقا.
٤٥ - والباطل: ما ليس حق.
٤٦ - والكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، أو ما يكون عليه، إذا كان شيئا.
٤٧ - والأصل: ما أدرك بأول العقل والحواس.
٤٨ - والفرع: كل ما عرف بمقدمة راجعة إلى ذلك من قرب أو بعد، وقد يكون ذلك الفرع أصلا لما انتج منه.
стр. 1332
٤٩ - والنص: هو اللفظ الوارد في القرآن والسنة مبينا لأحكام الأشياء ومراتبها، وهو الظاهر، وهو ما يقتضيه اللفظ في اللغة المنطوق بها، وقد يسمى ما يتكلم به المتكلم نصا إذ هو نص على مراده وإخبار عنه.
٥٠ - والتأويل: إخراج اللفظ عن مقتضاه في اللغة، فإن كان بدليل قبل وإلا فلا.
٥١ - والعموم: حمل اللفظ على كل ما اقتضاه في اللغة، والفرق بين العموم والظاهر أن العموم لا يقع إلا على معنيين أو شخصين فصاعدا، والظاهر قد يقع على واحد، فكل عموم ظاهر وليس كل ظاهر عموما.
٥٢ - والخصوص: حمل اللفظ على بعض ما يقتضيه اللفظ في اللغة، فإن كان بدليل قبل وإلا فلا.
٥٣ - والمجمل: لفظ يقتضي تفسيرا يؤخذ من لفظ آخر.
٥٤ - والمفسر: لفظ يفهم منه معنى المجمل.
٥٥ - والأمر: إلزام المأمور عملا ما.
٥٦ - والنهي: إلزام المنهي ترك عمل ما.
٥٧ - والفرض والواجب واللازم والحتم: أسماء مترادفة تقع بمعنى واحد على كل ما استحق تاركه اللوم، واسم المعصية والحرام والمحضور والذي لا يجوز والممنوع عبارات مترادفة أيضا تقع بمعنى واحد على ما استحق فاعله اللوم.
٥٨ - واسم المعصية والطاعة: التزام المأمور لما أمر به والانتهاء عما نهي عنه.
٥٩ - والندب: حض على فعل شيء ما وترغيب فيه من غير إيجاب للفعل، ومن المستحسن والمستحب والاختيار والائتساء، وذلك في أفعال الخير كلها.
٦٠ - والكراهة: حض على ترك شيء ما من غير إيجاب للترك.
٦١ - والإباحة: وهي الحلال واسطة بين هذين، وهو ما ليس محضوضا على تركه ولا على فعله كسائر الحركات كلها.
стр. 1333
٦٢ - والقياس: عندهم حكم لشيءٍ ما بحكم شيءٍ آخر، لاجتماعه معه واشتباهه به في صفةٍ ما لم ينص عليها.
٦٣ - والنية: قصدٌ إلى العمل بإرادة النفس له واعتقاد النفس ما استيقن فيها.
٦٤ - والشرط: تعليق حكم ما بوجود حكم آخر ورفعه برفعه.
٦٥ - والتفسير والشرح: هما التبيين.
٦٦ - والنسخ: ورود أمرٍ بخلاف أمرٍ كان قبله ينقضي به أمد الأول.
٦٧ - والاستثناء: ورود لفظ أو بيان بفعل يقتضي إخراج بعض ما اقتضاه لفظ آخر.
٦٨ - والجدل والجدال: إخبار كل واحد من المختلفين بحجته أو بما يقدر أنه حُجته.
٦٩ - والاجتهاد: بلوغ الجهد في طلب الحق وإجهاد النفس في تفتيشه في مواضع طلبه.
٧٠ - والرأي: ما طنته النفس صواباً دون برهان.
٧١ - والاستحسان: ما اشتهته النفس ووافقها.
٧٢ - والصواب: إصابة الحق.
٧٣ - والخطأ: العدول عنه بغير قصد إلى ذلك.
٧٤ - والعناد: القصد إلى مخالفة الحق.
٧٥ - والجهل: مغيب [حقيقة] العلم عن النفس.
٧٦ - والطبيعة: صفات في الشيء موجودةٌ يوجد بها على ما هو عليه ولا تعدم منه إلا بفساده وسقوط ذلك الاسم عنه.
تم تفسير الألفاظ بحمد الله تعالى وعونه