الأشياء وسماع حجة كل محتج والنظر فيها وتفتيشها، والإشراف على الديانات والآراء (١) والنحل والمذاهب والاختيارات واختلاف الناس وقراءة كتبهم، فمن ذم من الجهال ما ذكرنا فليعلم أنه (٢) خالف ربه تعالى، فقد أعلمنا (٣) في كتابه المنزل أقوال المختلفين من أهل الجحد القائلين بأن العالم لم يزل، ومن أهل الثنوية (٤) ، ومن أهل التثليث ومن الملحدين (٥) في صفة كل ذلك ليرينا تعالى تناقضهم وفساد أقولهم.
ثم نرجع فنقول: ولابد لطالب الحقائق من الاطلاع على القرآن ومعانيه ورتب (٦) ألفاظه وأحكامه وحديث النبي ﷺ وسيره الجامعة لجميع الفضائل المحمودة في الدنيا والموصلة إلى خير (٧) الآخرة. ولابد له مع ذلك من مطالعة الأخبار القديمة والحديثة والإشراف على أقسام (٨) البلاد ومعرفة الهيئة والوقوف على اللغة التي تقرأ الكتب المترجمة بها والتبحر في وجوه المستعمل منها، ولابد له مع ذلك من مطالعة النحو ويكفيه منه ما يصل به إلى اختلاف المعاني بما يقف عليه من اختلاف الحركات في الألفاظ ومواضع الإعراب منها فقط، وهذا مجموع في كتاب " الجمل " لأبي القاسم عبد الرحمن ابن إسحاق الزجاجي الدمشقي (٩) . وأما كل ما تقدم فليستكثر منه ما أمكنه، ولذلك حدان: حد هو الغاية وحد هو الذي لا ينبغي أن يقتصر على أقل منه. فالحد الأكبر
стр. 1262
هو ألا تخلو (١) من النظر في العلوم التي قدمنا إلا في أوقات (٢) أداء الفرائض والنظر فيما لابد لك منه من المعاش وترك كل ما يمكن أن تستغني عنه من أمور الدنيا. واعلم أن نظرك في العلوم على نية إدراك الحقائق في إنكار الباطل ونصر الحق وتعليمه للناس وهدي الجاهل ومعرفة ما تدين به خالقك لئلا تعبده (٣) على جهل فتخطئ أكثر مما تصيب من (٤) ملة الله تعالى ونحلة الحق والمذهب المصيب في أداء ما تعبدك به تعالى [٩٠و] ونفعك الناس في أديانهم وأبدانهم وتدبير أمورهم وإنفاذ أحكامهم وسياستهم، وتبصير من يتولى شيئا من ذلك وتعديل طبعة ونصيحته في ذلك، بالحق وتفهيمه وتقبيح القبيح لديه، أفضل عند الله من كل نافلة تتقرب بها (٥) إلى الله وأعظم أجرا وأعود عليك من كل مال تتكسبه (٦) بعد ما لا قوام لجسمك وعيالك إلا به مما لعلك تتركه لمن لو شاهدت فعله فيه (٧) بعدك لغاظك، ومن كل جاه لعله لا يكسبك إلا الإثم والخوف والتعب والغيظ. واعلم أن ذلك أعظم ثوابا وأفضل عاقبة وأكثر منفعة من صلتك الناس بالدنانير والدراهم؛ وضرر الجهل والخطاء أشد وأعظم من ضرر الفقر والخمول.
واعلم أنك لا تورث العلم إلا من يكسبك الحسنات وأنت ميت، والذكر الطيب وأنت رميم، ولا يذكرك إلا بكل جميل. ولا تورثه بعدك ولا تصحب في حياتك في طريقه إلا كل فاضل بر (٨) ، ولست تصحب في طلب المال والجاه إلا أشباه الثعالب والذئاب.
وأحدثك في ذلك بما نرجو (٩) أن ينتفع به قارئه إن شاء الله تعالى، وذلك (١٠)
стр. 1263
أني كنت معتقلا في يد (١) الملقب بالمستكفي (٢) وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر (٣) في مطبق (٤) وكنت لا آمن قتلته لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غير مأمون ولا متثبت، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر (٥) ﵁، وكان العيارون (٦) قد انتزوا (٧) بهذا الخاسر على المستظهر فقتله، واستولى على الأمر واعتقلنا حيث ذكرنا. وكنت مفكرا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معان عظيمة كثر فيها الشغب قديما وحديثا في أحكام الديانة، وهي متصرفة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى أن لاح لي وجه البيان فيها وصح لي وحق لي الحق يقينا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال الذي وصفت (٨) فبالله الذي لا إله إلا هو الخالق الأول (٩) مدبر الأمور كلها أقسم، الذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذ وأنا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به وإشراق الصواب لي أشد من سروري بإطلاقي (١٠) مما كنت فيه، وما ألفنا كتابنا هذا وكثيرا من كتبنا إلا ونحن مغربون مبعدون عن الوطن والأهل والولد، مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلما وعدوانا،
стр. 1264
لا نسر (١) هذا بل نعلنه، ولا يمكن الطالب (٢) إبطال قولنا في ذلك، إلى الله تعالى نشكو، وإياه نستحكم لا سواه، لا إله إلا هو.
وأما الحد الأصغر الذي لا (٣) ينبغي للعاقل أن [٩٠ظ] يقصر دونه فلينظر الوقت الذي ينفرد فيه (٤) للفضول من الحديث الذي لا يجدي (٥) مع جيرانه أو القعود متبطلا بلا شغل لا من عمل أخرى ولا من عمل دنيا، أو حين مشيه في الأرض مرحا، وقد نهاه خالقه تعالى عن ذلك، فليجعل هذه الأوقات (٦) للتعلم والنظر في العلوم التي قدمنا ورياضة طبعه على العدل الذي هو أس كل فضيلة، فإن العدل يقتضي أن لا يميل لقول على قول إلا ببرهان واضح، ويقتضي له أيضا أن لا يشتغل بالأدنى ويترك الأفضل، فإنه إن فعل هكذا أوشك أن يظفر بما فيه الفوز في الدارين. وأما الأوقات التي يشتغل فيها أهل الجهل إما باللذات بالمعاصي، وإما بظلم الناس في أموالهم، والسعي بالفساد في سياستهم، والنيل من أعراضهم، والجور عليهم، فإن اشتغالهم بالأمراض المؤلمة لأنفسهم المؤذية لأبدانهم أعود عليهم من ذلك وأفضل، فكيف الاشتغال بالعلوم المؤدية إلى خير الدنيا وفوز الآخرة وقد قال الواحد الأول: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر:٢٨) وقال رسول الله ﷺ " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (٧) ولا فقه إلا بمعرفة ما ذكرنا والإشراف عليه. فمن حرم ما ذكرنا (٨) فما أخوفنا عليه أن يكون الله لم يرد به خيرا، نعوذ بالله من ذلك لأنفسنا ولأبنائنا ولإخواننا ولكل أهل (٩) الخير والفضل، وما توفيقنا إلا بالله .
стр. 1265
واعلم أن من فضل العلم والإكباب على طلبه والعمل بموجبه أنك تحصل على طرد الهم (١) الذي هو الغرض الجامع لجميع المقاصد من كل قاصد أولها عن آخرها وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل لا إله إلا هو.
١٩ - باب كيفية أخذ المقدمات من (٢) العلوم الظاهرة عند الناس بإيجاز (٣)
العلوم الدائرة بين الناس اليوم المقصودة بالطلب اثنا عشر علما، وينتج منها علمان زائدان، وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين، ولكن إنما نتكلم على ما ينتفع به الناس في كل زمان مما يتوصلون به إلى مطلوبهم من إدراك العلوم بحول الله تعالى وقوته. فالعلوم التي ذكرنا: علم القرآن. وعلم الحديث. وعلم المذاهب. وعلم الفتيا. وعلم المنطق. وعلم النحو (٤) . وعلم اللغة. وعلم الشعر. وعلم الخبر. وعلم الطب. وعلم العدد والهندسة (٥) . وعلم النجوم. وينتج من هذه علم العبارة وعلم البلاغة.
فأما علم القرآن فينقسم أقساما [٩١و] وهي علم قراءاته وإعرابه وغريبه وتفسيره وأحكامه؛ فالمرجوع إليه من علم قراءته مقدمات مقبولة راجعة إلى قراء مرضيين معلومين، راجعة إلى النبي ﷺ الذي قد قامت البراهين على صحة نقلها عنه وعلى صحة ثبوته. وأما إعرابه فهو مقدمة صحيحة فيه إذا أخذ (٦) اللفظ فيه على حركات ما وهيئة ما فهو أصل مرجوع إليه. وأما لغته فإلى المعهود منها في اللغة العربية. وأما أحكامه فإلى مفهوم ألفاظها وإلى بيان النبي ﷺ لها.
стр. 1266
وأما الحديث فينقسم على (١) قسمين: علم رواته (٢) وعلم أحكامه. فأما رواته فالمرجوع إليه فيهم مقدمات منقولة عن ثقات شهدوا عليهم بالعدالة أو الجرحة والشهادة مأخوذة من نص القرآن الذي ذكرنا صحته. وأما أحكامه فإلى مفهوم ألفاظها وإلى بناء (٣) بعضها على بعض، على ما قد شرحنا في غير هذا المكان.
وأما علم المذاهب فما كان منها خارجا عن الملة الإسلامية فإلى القرآن وإلى مقدمات راجعة إلى أوائل العقل والحس على ما ذكرنا (٤) في كتاب " الفصل ".
وأما علم المنطق فقد بيناه في هذا الديوان وهو المعيار (٥) على كل علم.
وأما علم الفتيا فإلى مقدمات مأخوذة من القرآن والحديث اللذين صحا بالبراهين، وإلى إجماع العلماء الأفاضل الذي صح بالقرآن على ما بينا في سائر كتبنا.
وأما علم النحو فإلى مقدمات محفوظة عن العرب الذين نريد (٦) معرفة تفاهمهم للمعاني بلغتهم (٧) ؛ وأما العلل فيه ففاسدة جدا.
وأما علم اللغة فإلى ما سمع أيضا من العرب بنقل الثقات المقبولين أن هذه هي (٨) لغتهم.
وأما علم الشعر فإلى ما سمع أيضا من استعمالهم في الأوزان خاصة دون كل وزن يستعمل عند غيرهم، إذ إنما يسمى الناس شعرا ما ضمته الأعاريض فقط التي ذكر النديم في كتابه. وأما في مستحسنه ومستقبحه فإلى أشياء اصطلح عليها أهل الإكثار من روايته والإكباب على تفتيش معانيه من لفظ عذب وسهل ومعنى جامع حسن
стр. 1267
وإصابة تشبيه وكناية ملحية ونظم بديع.
وأما علم الخبر فإلى مقدمات قد اضطر تواتر النقل إلى الإقرار بصحتها من كون البلاد المشهورة والممالك المعروفة (١) والملوك المعلومين ووقائعهم وسائر أخبارهم مما لا شك فيه.
وأما علم الطب فإلى مقدمات صححتها التجربة أو ما بدا وظهر من قوى الأمراض وما يولدها عن اضطراب المزاج ومقابلة ذلك بقوى الأدوية [٩١ظ] وذلك كله راجع إلى أوائل العقل والحس.
وأما علم العدد والهندسة فمقدماته من أوائل العقل كلها.
وأما علم النجوم فينقسم قسمين: أحدهما على هيئة الأفلاك وقطع الكواكب والشمس والقمر والسماوات وأقسام الفلك ومراكزها. فهذا القسم مقدماته راجعة إلى مقدمات (٢) العدد والهندسة وأوائل العقل والحس. والقسم الثاني القضايا الكائنة بنصب انتقال الكواكب والشمس والقمر في البروج ومقابلة بعضها بعضا، فإن صححت التجربة شيئا من ذلك صدق به، وإلا فليس هنالك إلا أقوال عن قوم متقدمين فقط.
وأما علم البلاغة فعلى ما نذكره في بابها بعد هذا (٣) إن شاء الله .
وأما علم العبارة فإلى أشياء رويت عن رسول الله ﷺ وعن أفاضل أهل هذا العلم. وملاك هذين العلمين التوسع في جميع العلوم مع الطبع والموافقة في أصل الخلقة.
وقد انتهينا إلى ما أردنا من إحكام القول في البرهان وتوابعه وما تشبه (٤) به مما ليس ببرهان.
والحمد لله رب العالمين كثيرا لا شريك له وحسبنا الله ونعم الوكيل (٥) .
стр. 1268
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
كتاب البلاغة (١)
قد تكلم أرسطاطاليس في هذا الباب وتكلم الناس فيه كثيرا، وقد أحكم فيه قدامة بن جعفر الكاتب (٢) كتابا حسنا، وبلغنا حين تأليفنا هذا أن صديقنا أحمد بن عبد الملك بن شهيد (٣) ألف في ذلك كتابا، وهو من المتمكنين من علم البلاغة الأقوياء فيه جدا، وقد كتب إلينا يخبرنا بذلك، إلا أننا لم نر الكتاب بعد فغنينا بالكتب التي ذكرنا عن الإيغال في الكلام في هذا الشأن، ولكنا نتكلم فيه بإيجاز جامع، ونحيل على ما قد بينه غيرنا ممن سمينا وممن نسمي، إن شاء الله فنقول وبالله تعالى نتأيد:
البلاغة قد تختلف في اللغات على قدر ما يستحسن أهل كل لغة من مواقع ألفاظها على المعاني التي تتفق في كل لغة. وقد تكون معدودة في البلاغة الفاظ مستغربة فإذا كثر
стр. 1269
استعمالهم لها (١) لم تعد في البلاغة ولا استحسنت. ونقول: البلاغة ما فهمه العامي كفهم الخاصي وكان بلفظ ينتبه له العامي لأنه لا عهد له (٢) بمثله، ويتنبه له الخاصي لأنه لا عهد له بمثله، ويتنبه له الخاصي لأنه لا عهد له بمثل نظمه ومعناه واستوعب المراد كله ولم يزد فيه ما ليس منه ولا حذف مما يحتاج من ذلك المطلوب شيئا، وقرب على المخاطب به فهمه، ولوضوحه وتقريبه ما بعد، وكثر من المعاني [٩٢و] وسهل عليه حفظه لقصره وسهولة ألفاضه. وملاك ذلك الاختصار لمن يفهم، والشرح لمن لا يفهم، وترك التكرار لمن قبل ولم يغفل وإدمان التكرار لمن لم يقبل أو غفل.
وهذا الذي ذكرنا ينقسم قسمين: أحدهما مائل إلى الألفاظ المعهودة عند العامة كبلاغة عمرو بن بحر الجاحظ، وقسم مائل إلى الألفاظ غير المعهودة عند العامة كبلاغة الحسن البصري وسهل بن هرون. ثم يحدث بينهما قسم ثالث أخذ من كلا الوجهين كبلاغة صاحب ترجمة كليلة ودمنة، ابن المقفع كان أو غيره (٣) . ثم بلاغة الناس تحت هذه الطرائق التي ذكرنا.
وأما نظم القرآن فإن منزله تعالى منع من القدرة على مثله وحال بين البلغاء وبين المجيء بما يشبهه (٤) . وقد كان أحدث ابن دراج (٥) عندنا نوعا من البلاغة ما بين الخطب والرسائل. وأما المتأخرون فإنا نقول: إنهم مبعدون عن البلاغة ومقربون من الصلف والتزيد، حاشا الحاتمي وبديع الزمان فهما مائلان نحو طريقه سهل بن هرون.
فهذه حقيقة البلاغة ومعناها قد جمعناه والحمد لله رب العالمين.
ولابد لمن أراد علم البلاغة من أن يضرب في جميع العلوم التي قدمنا قبل هذا
стр. 1270
بنصيب، وأكثر هذا (١) القرآن والحديث والأخبار وكتب عمرو بن بحر ويكون مع ذلك مطبوعا فيه وإلا لم يكن بليغا؛ والطبع لا ينفع مع عدم التوسع في العلوم.
تم كتاب البلاغة والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآله
стр. 1271
- ٨ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشعر
هذه صناعة قال فيها بعض الحكماء: كل شيء يزينه الصدق إلا الساعي والشاعر، فإن الصدق يشينهما فحسبك بما تسمع. وقال المتقدمون: الشعر كذب ولهذا (١) منعه الله نبيه ﷺ فقال تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ (يس: ٦٩) وأخبر تعالى أنهم يقولون ما لا يفعلون. ونهى النبي ﷺ عن الإكثار منه، وإنما ذلك لأنه كذب إلا ما خرج عن حد الشعر فجاء مجيء الحكم والمواعظ ومدح النبي ﷺ . وأما ما عدا ذلك فإن قائله إن تحرى الصدق فقال (٢) :
الليل ليل والنهار نهار ... والبغل بغل والحمار حمار
والديك ديك والحمامة مثله ... وكلاهما طير له منقار صار في نصاب من يهزأ به ويسخر منه ويدخل في المضاحك، حتى إذا كذب وأغرق فقال: [٩٢ظ]
ألف السقم جسمه والأنين ... وبراه الهوى فيما يستبين
لا تراه الظنون إلا ظنونا ... وهو أخفى من أن تراه الظنون
قد سمعنا أنينه من قريب ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
لم يعش أنه جليد ولكن ... ذاب سقما (٣) فلم تجده المنون
стр. 1272
حسن (١) وملح، ولكنا نتكلم فيه بمقدار (٢) ما يحسن فنقول: الشعر ينقسم ثلاثة أقسام: صناعة وطبع وبراعة:
فالصناعة هي التأليف الجامع للاستعارة والإشارة (٤) ، والتحليق على المعاني والكناية عنها، ورب هذا الباب من المتقدمين زهير بن أبي سلمى ومن المحدثين حبيب ابن أوس (٥) .
والطبع هو ما لم يقع فيه تكلف، وكان لفظه عاميا لا فضل فيه عن معناه، حتى لو أردت التعبير عن ذلك المعنى بمنثور لم تأت بأسهل ولا أخصر (٦) من ذلك اللفظ، ورب هذا الباب من المتقدمين جرير ومن المحدثين الحسن (٧) .
والبراعة هي التصرف في دقيق المعاني وبعيدها، والإكثار فيما لا عهد للناس بالقول فيه، وإصابة التشبيه، وتحسين المعنى اللطيف، ورب هذا الباب من المتقدمين امرؤ القيس ومن المتأخرين عليّ بن العباس (٨) الرومي.
وأشعار سائر الناس راجعة إلى الأقسام التي ذكرنا ومركبة منها. وأما من أراد التمهر في أقسام الشعر ومختاره وأفانين التصرف في محاسنه فلينظر في كتاب قدامة ابن جعفر في نقد الشعر وفي كتب أبي عليّ الحاتمي (٩) ففيها كفاية الكفاية (١٠) والتوسع (١١) والإيعاب لهذا المعنى. وكون المرء شاعرا ليس مكتسبا لكنها جبلة (١٢) ،
стр. 1273
إلا أنه يقوى (١) صاحبها بالتوسع في قراءة (٢) الأشعار وتدبرها.
وإذ قد تكلمنا في الشعر بكلام جامع لأقسامه وانقضى أربنا فنقول: هذا هو (٣) حد المنطق الذي يحذر (٤) منه من اتبع (٥) الظنون وترك اليقين، قد كشفنا غامضه مسهلنا مطلبه، وكفينا صاحبه تشنيع الجاهلين وشعوذة الممخرقين وحيرة المتوهمين، ولله الشكر خالق الأولين والآخرين، فلنختم كتابنا بما بدأنا به (٦) فنقول: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليما كثيرا.
تم كتاب التقريب لحد المنطق تأليف الإمام الأوحد البارع أبي محمد
عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح
ابن خلف بن معدان بن يزيد رضوان الله عليه (٧)
стр. 1274
٣ - رسالة في ألم الموت وإبطاله
стр. 1275
فراغ
стр. 1276
- ٣ -
رسالة في ألم الموت وإبطاله
فصل
هل للموت ألم أم لا
قال أبو محمد ﵀:
اختلف المتقدمون من أصحاب الطبائع في الموت: هل له ألم أم لا ألم له، فقالت طائفة إنه لا ألم له أصلا وبهذا نقول، لبرهانين: أحدهما حسي والآخر ضروري عقلي راجع إلى الحس أيضا. فأما الأول فهو أنه كل من رأينا يموت، وهو في عقله، إذا سئل عما يجد فإنه يقول: لا شيء إلا الانحلال فقط، وأن كل من يحس عند ذلك ألما فإنه ألم المرض الذي كان فيه، كالوجع المختص بمكان واحد، وما أشبه ذلك، حتى إنه لابد من شيء يسميه الناس راحة الموت، ثم لا يكون بين حكايتهم وبين زهوق أنفسهم إلا لمحة يسيرة جدا.
وأما البرهان الضروري فإنه لا يكون ألم للشيء المألوم البتة في حين وقوعه ولا يكون إلا في ثاني وقوعه، وليس للنفس بعد الموت بقاء بحيث يصل إليها الألم الجسدي أصلا، لأنها قد فارقت الجسد، وأكثر ما يكون القلق الشديد، والشوق المرعب، لمن فارق عقله. وقد يعرض مثل ذلك القلق لمن يبرأ من مرضه، فإذا برئوا وسئلوا (١) عن ذلك أخبروا أنهم لم يكونوا يجدون شيئا.
وقد نجد من تخرج النفس من بعض أعضائه فيموت ذلك العضو خاصة من المفلوجين، ومن عفن بعض أعضائه لبعض القروح والعلل، لا بالموت، لخروج النفس عن ذلك الموضع، حين خروجها، لا (٢) بعده. وإنما الألم ما دامت النفس
стр. 1277
في ذلك الموضع قوية التشبث.
وأما الطائفة التي قالت إن للموت ألما، فلم تأت ببرهان يصحح قولها، وقد يمكن أن تشغب من شدائد المرض (١) ومقدمات الموت التي عنها يكون، ومن الشريعة بقول النبي ﷺ (٢) " إن للموت لسكرات " وهذا لا حجة فيه لقولهم، لأن هذه الآلام التي تظهر من المريض إنما هي ما دامت النفس متشبثة بالجسد مقترنة به، لا بعد الموت. إنما هو حال الفراق، وحال الفراق [أليم] . وقوله إن للموت سكرات حق وصدق لا شك فيه، لأنه قد يمكن أنه ﵇ يصف ما يكون سببا للموت، من فساد الجسم واضطراب حاله الموجب للألم للموت، فهي من سكراته؛ وقد يكون ذلك لعناء في (٣) النوم، فلم يعن ﵇ قط إلا من له سكرات متقدمة، وقد يكون ﵇ [يصف] حاله، وما كان مثلها، أو يكون عنى ما كان ما يتخوف بعده، وما يفكر العاقل حينئذ فيما يقدم (٤) عليه، فتكون سكرات معلقة بنفسه ولا سبيل إلا ما يكون إلا ما في قلبه أو فيما بعده حين لقائه لها، ولم ينص ﵇ على أن حال الموت ذات ألم فيكون معارضا للمذكور، وحاشا له ﵇ أن يأتي بخلاف ما تقتضيه العقول وتدركه المشاهدات، إنما يصفه بهذا من يريد إطفاء نوره، وإبطال كلمته، وتوهين أمره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وبالله تعالى التوفيق.
تمت الرسالة في ألم الموت وإبطاله
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد
стр. 1278
٤ - الرد على الكندي الفيلسوف
стр. 1279
فراغ
стр. 1280
- ٤ -
الرد على الكندي الفيلسوف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وعترته
١ -[قال الكندي] : اعلم، أسعدك الله (١) ، أن أعلى الصناعات الإنسانية درجة (٢) ، وأشرفها مرتبة، صناعة الفلسفة، التي حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان. ولا نجد (٣) مطلوبا من الحق من غير علة، وعلة كل شيء وثباته الحق، لأن كل ماله إنية له حقيقة، فالحق اضطرارا (٤) موجود، إذ الإنيات (٥) موجودة.
٢ - قال: وإنما نعلم كل معلوم إذا [نحن] أحطنا بعلم علته، لأن كل علة إما أن تكون عنصرا، وإما صورة، وإما فاعلة، أعني ما منه مبدأ الحركة، وإما متممة، أعني ما من أجله كان الشيء. والمطالب العامة (٦) أربعة: هل، وما، [وأي] ، [ولم] ، فهل باحثة عن الانية، وما فبحث عن الجنس في كل ما له جنس؛ وأي فبحث عن الفصل، وما وأي جميعا عن النوع؛ ولم عن العلة التمامية. وبين أنا متى أحطنا بعلم عنصرها فقد أحطنا بعلم نوعها، وفي علم النوع علم الفصل، فإذا أحطنا بعلم العنصر والصورة والعلة التمامية (٧) ، فقد أحطنا بعلم حدها؛ وكل محدود فحقيقته في حده.
стр. 1281
٣ - قال محمد: اختصار هذا، أنا متى أحطنا بعلم الأصل أحطنا بعلم ما بعده.
٤ - وذكر أهل الرياسة فقال: نصبوا كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق بل للترؤس والتجارة بالدين، وهم عدماء الدين، لأن من تجر بشيء باعه، ومن باع شيئا لم يكن له، ومن تجر بالدين لم يكن له دين، وحق (١) أن يتعرى من الدين من عاند قنية علم الأشياء بحقائقها وسماها وكفرا، لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة (٢) ، [وجملة] علم كل نافع والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه، واقتناء هذه جميعا هو الدين (٣) الذي أتت به الرسل الصادقة عن الله جل ثناؤه، فإن الرسل صلوات الله عليهم إنما أتت بالإقرار بربوبية الله تعالى وحده، ولزوم القضايا المرتضاة عنده، ورفض الرذائل المضادة للفضائل في ذاتها وعواقبها.
ما في الفن الثاني
٥ - الوجود الإنساني وجودان: أحدهما: وجود الحواس الذي هو لجميع الحيوان معنا منذ نشوئه، وهذا الوجود الذي ثبتت صورته في المصور (٤) فأداها (٥) الحس إلى الحفظ، فتصور وتمثل في النفس، والحس يباشرها بلا زمان ولا مؤونة، والمحسوس كله (٦) ذو هيولى فكله ذو جرم.
والوجود الثاني أقرب من الطبيعة وأبعد عنا، وهو وجود العقل. وبحق كان الوجود وجودين، إذ الأشياء كلية وجزئية، أعني بالكلية الأجناس (٧) [٩٣ظ] لكل الأنواع والأنواع لكل الأجناس، والجزئية للأشخاص أجزاء من النوع، والأنواع أجزاء من الجنس. فالأشخاص الجزئية الهيولانية واقعة تحت الحواس، والأجناس والأنواع لا توجد إلا بقوة من قوى النفس التامة، وتلك القوة هي العقل.
стр. 1282
٦ - قال محمد: اختصار هذا أن الحواس تجد (١) الأشخاص وأن العقل يجد المعاني.
٧ - قال: وكل متمثل نوعي جزئي، وما فوق النوعي لا يتمثل للنفوس، لأن المثل كلها [محسوسة] ، ولكنه مصدق ومحقق، متيقن اضطرارا، كقولك (٢) هو لا هو غير صادقتين (٣) في شيء بعينه. وهذا وجود للنفس لا يحتاج إلى متوسط ولا مثال له في النفس، لأنه لا لون ولا صوت ولا رائحة ولا طعم ولا ملموس. ومثله لو قال لنا: إن جسم الكل ليس خارجا منه لا خلاء ولا ملاء، وهذا لا يتمثل لأن " لا خلاء ولا ملاء " لم يدركه الحس ولا لحقته النفس (٤) ، فيكون له فيها مثال، وإنما هو شيء يجده العقل اضطرارا. فاحفظ، حفظ الله عليك جميع الفضائل، وصانك من جميع الرذائل، هذه المقدمة لتكون لك دليلا قاصدا إلى الحقائق (٥) ، فإن بهاتين السبيلين كان الحق من جهة سهلا، ومن جهة عسرا، لأن من طلب تمثيل ما لا يتمثل عشي عنه، كعشا أعين الوطاوط عن درك (٦) الأشخاص الواضحة لنا في شعاع الشمس.
٨ - قال: والهيولى موضوعة الانفعال فهي متحركة، والطبيعة علة أولية لكل متحرك وساكن.
٩ - قال محمد: يقول فالطبيعة فوق الهيولى، والهيولى هو حد التمثيل والإدراك بالحس، فكيف يدرك ما فوقها بالتمثيل لا يدرك إلا بعلته وفي الطبيعة.
١٠ -[قال] : وعلم الطبيعة (٧) علم كل متحرك، فما فوق الطبيعة من المحدثات أيضا [هو] لا متحرك لأنه [ليس] يمكن أن يكون الشيء علة كونه (٨) ،
стр. 1283
فليس علة الحركة حركة، ولا علة المتحرك متحركا، فما فوق الطبيعة (١) ليس متحركا.
وهذا القول صواب، إن شاء الله، لأنه ليس فوق الطبيعة من المحدثات إلا العدم، والله فوق الحركات والسكون، لا تأخذه صفة حركة ولا سكون. فهذا صواب من الوجهين.
١١ - قال: وقد ينبغي أن لا يطلب في إدراك كل مطلوب الوجود البرهاني، لأنه ليس كل مطلوب عقلي موجودا بالبرهان، لأنه ليس لكل شيء برهان، إذ البرهان بعض الأشياء (٢) ، ولو كان للبرهان برهان لكان هذا بلا نهاية (٣) ولم يكن لشيء وجود بتة، لأن ما لا ينتهي إلى علم أوائله فليس بمعلوم، فلا يكون علم بتة [٩٤و] .
١٢ -[قال] محمد: هذا كقوله لا ينبغي أن يطلب ما فوق الهيولي بالتمثيل. ونعم ما قال إن شاء الله، لأن البرهان هو النور في نفس اللفظة، فإدراك هو كإدراك البصر نور واضح لا يحتاج إلى برهان. فلو قال قائل: ما البرهان أن هذه السماء وهذه الأرض قيل له: لو أجبناك على ذلك ببرهان طلبت على البرهان برهانا إلى ما لا نهاية له، ولكن هذا برهانه، لأن ما ذهب في إدراك البرهان إلى إدراك الطبيعة وإدراك الحواس نسميه إقناعا.
١٣ - قال الكندي: فلا ينبغي أن يطلب الإقناع في العلوم الرياضية، بل البرهان، لأنا إن استعملنا الإقناع في العلم الرياضي كانت إحاطتنا به ظنية (٤) .
١٤ -[قال] محمد: ثم خلط أنواع المطلوبات خلطا ما هو بمحصل لأنه قال: فلا يطلب في العلم الرياضي إقناع، ولا في العلم الالإهي حس ولا تمثيل، ولا في أوائل العلم الطبيعي الجوامع الفكرية ولا في الإقناعية (٥) برهان، ولا في أوائل البرهان
стр. 1284
برهانا.
١٥ - أوائل العلم الطبيعي هو الهيولاني عنده الآن.
والجوامع الفكرية عنده البرهان.
وأوائل البرهان ما فوق الطبيعة والفطرة من أوائل الأمر بلا تعريف.
وكيف يكون هذا محصلا والعلم الالإهي وأوائل الطبيعة واحد في الإدراك لا يتمثل، فهلا جمعهما وقال: حسا ولا تمثيلا؛ وفي الآخر الجوامع الفكرية، والجوامع الفكرية هي المتمثلات، وهو قد قال: كهو لا هو لا يدرك إلا اضطرارا.
١٦ - قال محمد: صحته عندي أن لا يطلب في العلم الرياضي علم الربوبية؛ وما كان فوق الهيولى إقناعا، ولكن اضطرارا، ولا يطلب في أوائل البرهان، وهو علم الحس، برهان، كما ذكرنا في أمر السماء والأرض.
١٧ - ثم ذكر (١) حقيقة معنى الأزلية فقال: ينبغي أن نقدم القرائن (٢) التي نحتاج إلى استعمالها.
فنقول: إن الأزلي هو الذي لم يجب لشيء (٣) هو مطلق، أي بل هو مطلق، فالأزلي لا قبل (٤) لهويته، فالأزلي هو لا قوامة هو [من] غيره (٥) ، [هو] ولا علة له ولا موضوع ولا محمول ولا فاعل له ولا سبب، أعني ما من أجله كان، فلا جنس له، لأنه إن كان له جنس فهو نوع، والنوع مركب من جنسه العام له ولغيره، ومن فصل ليس في غيره، فله موضوع هو الجنس القابل لصورته وصورة غيره، ومحمول هو الصورة الخاصية له دون غيره، فالنوع كله موضوع ومحمول. فالأزلي لا يفسد، لأن الفساد (٦) إنما هو تبدل المحمول لا الحامل الأول، فأما الحامل الأول الذي هو
стр. 1285
الأيس (١) فليس يتبدل، لأن الفاسد ليس تتباين إنيته بتباين إبنيته (٢) ، وكل متبدل فإنما يتبدل (٣) بضده الأقرب معه (٤) في جنس واحد كالحرارة (٩٤ظ) إلى البرودة، لا بالأبعد (٥) من المقابلة كالحرارة باليبس أو بالحلاوة أو بالطول، والأضداد المتقاربة هي في جنس (٦) واحد، فالفاسد جنس، والأزلي لا جنس له، فهو لا يتبدل ولا ينتقل من نقص إلى تمام، لأن الانتقال استحالة، وهو لا يستحيل. والتام هو الذي ليست له حاله ثانية يكون بها فاضلا، والأزلي لا يمكن أن يكون ناقصا، لأنه لا يمكن أن ينتقل إلى حال يكون بها فاضلا، لأنه لا يمكن أن يستحيل بتة، فالأزلي تام اضطرارا، وإذا كان الأزلي لا جنس له، فما له جنس وأنواع غير أزلي، فالجرم لا أزلي.
стр. 1286
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم
١٨ - قال الموحد: هذا قولنا والرد على من جهل ربه وسماه بغير أسمائه التي سمى بها نفسه، ووصفه بغير صفاته، عن ذلك، لا نقول في الباري كما قال يعقوب بن إسحاق: إنه علة، فنقض (١) توحيده وهدم بناءه وكذب نفسه في المقدمات التي برهنها في بدء أقاويله، وزلت قدمه فهوى، فلا نقول في الباري إنه علة لما بعده إذا نحن أردنا كشف العلل والبلوغ إلى حقائقها في ذواتها والإبانة عنها، لأنا نوهم السامع أنه من جهة المعلول وجب أن نسميه بعلة، إذ ليست العلة علة معقولة إلا لمعلول، ولا المعلول معلول إلا لعلة بالقول إلى مضاف اضطرارا، فتوهم إذن السامع أن خالقه مضاف إلى كل معلول بغير إطلاق، تعالى ربنا عن ذلك وتقدس.
١٩ - والكندي يقولنا بما قلنا بلسانه وينطق به كتابه عنه ويشهد به عليه، فقد كرر القول وبرهنه أنه لا يلحقه المضاف ولا ما شاكل المضاف، وإن رام أحد بعد أن يخطئ على نفسه فيسميه بعلة [على] ألا يكون حينئذ من المضاف في عقله بكل جهده، لم يجد ذلك ولم يقدر أن ينفي عنه الإضافة من بعد أبدا، بل أوجب بذلك التبعيض والنهاية، وكل ما نفى عنه الكندي وغيره إذ سماه علة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلذلك لا نقول نحن إنه علة أفعال المعلولات، ولا علة المعلولات، ولا علة العلة، في مطلبنا هذا الذي نريد به قصد الواحد الصمد جل ثناؤه، بل نقول: هو الأحد الأول الصمد مبدع العلل، وهو الذي (٩٥و) ابتدع المعلولات لأجل تلك العلل التي سبقت منه، فوجب أن يكون الإبداع من أجلها كائنا تاما متقنا على ما هو عليه من التنضيد والإتقان.
стр. 1287
٢٠ - فإن سأل سائل عن تلك العلل الأول: هل هي غيره بذواتها وغير الإبداع الكائن منها قيل له: نعم، ومن أجل تلك العلل الأول البسيطة الانهمال كانت المهويات المركبة في أنفسها حقائق؛ والعلل الأول هي التي تسمى بالحقيقة عللا، لأنها وضعت لتكون معلولاتها المتهوية منها بفعال فاعلها ، ولا نقول إن العلل كانت لأجل واضعها المخرج لها من عدم، لأنه الغني عن ذلك والمتعالي عنه ﴿ليس كمثله شيء﴾ (الشورى:١١) فهو لا من أجله وجب أن يكون شيء، لأنه هو لا موضوع لشيء يجب، فيقال لذلك الشيء إنه من أجله كان، كما (١) يقال ذلك في العلل الموضوعة، عن ذلك.
٢١ - فإن قال قائل: فلولاه لم تكن العلل ولا المعلولات. قيل له: نعم، لولاه لم تكن، ولكن ليس علة لذلك، لأن اسم العلة فيه معنى الضرورة إلى معلولها، وفي المعلول معنى الضرورة إلى علته، لأن العلة موضوعة للمعلول، والمعلول محمول على العلة، فهما مضافان مضطران متصلان غير مفترقين ولا غنيين، لحاجة كل واحد منهما إلى صاحبه. وليست هذه صفة الخالق الأول الذي كان قبل أن يبدع شيئا غنيا عن كل شيء، ثم لم يحل به حال لأنه لا لتأخذه الاستحالة فيعود من غني إلى احتياج، أو من انفراد (٢) إلى اتصال، أو من وحدانية (٣) إلى تكثر. وفرقان صفته من صفة العلة، أن العلة منساقة إلى معلولها، كما ذكرنا، وهو ليس بأولى أن يكون واضعا لها منه بأن لا يكون، عن أن يكون أولى بالترك، لا بإيجاد معرفته منه لإيجادها. كمثل ما يلزم العلل من ضد هذا القول، بل هو المختار الذي لا يلزمه في أحد المعنيين ولا في شيء منها اضطرار، لا يلزمه فعل شيء ولا يلزمه ترك شيء، كلتا الحالتين معدلتان في اختياره. والعلل الموضوعة ليست بأولى بالترك لمعلولاتها وإعدامها منها إلا بترك ما قد جعل لها في قوتها أن تفعله ويوجد منها، لأنها مضطرة إلى فعل ما جعل فيها فعله.
стр. 1288
٢٢ - فالأول الغني المتعال ﷻ بريء مما يلزم الموضوعات من الضرورة لإيجاد ما لها في القوة إيجاد ﴿ليس كمثله شيء﴾ هو الخالق وما سواه مخلوق (٩٥ظ) ، وهو المختار وما سواه مضطر، ولذلك لا تلحقه الأسماء المجازية ولا الخفية لحوق اللزوم والتطرد في العقول العالمة به ، إنما الأسماء والصفات موضوعة على معنى هي له بدائع، لا لتلحقه، كما هي لاحقة الذي هو مركب منها معار جوهرها، لأنا نقول في الصفات: إنها لاحقة المركبات بجوهرها، وإن المركبات مركبات من جوهرها مكسبة إياه، وهذا اللحاق اللاحق الذي لا يلحق بارينا تعالى من صفاته وأسمائه، وإنما هي دلالات دالة للعقول، دالة عليه سبحانه وبحمده الواحد الصمد. ونقول إنها ليست بخالقة ولا نقول مخلوقة، بل هي صفات مجعولة موضوعة، والخلق مركب منها، أعني من جوهرها البسيط. وأقول في الأسماء الصوتية: إنها للصفات مثالات باتفاق المعارف، كائنة ما كانت تلك الأصوات، كانت من صنع الله تعالى أو من صنع الآدميين، وأقول ذلك في الأسماء المرقومة كائنة ما كانت من لون مداد أو غير ذلك.
٢٣ - فإن سأل سائل عن تلك العلل الموصوفة البسيطة السابقة (١) لتهوية المهويات، قيل له: الاسطقصات الأربع الخارجة من عنده التي هي للخلق موضوعة منفعلة، بعد إذ هي لا كائنة ولا موجودة، فهي الاسطقصات الأربع المتهوية المتأيسة (٢) في المكان الجامع لها، وهي الطبائع الأربع المتأيسة (٣) السابقة للخلق من ربها : الأرض والماء والنار والهواء، هي العلل الموضوعات لتهوية جميع المهويات في المكان الجامع.
٢٤ - فإن قال قائل: فهل من علة أوجبت هذه العلل، فكانت العلل لأجلها قيل له: العلل ليست بلا نهاية، لأن هذا (٤) الاسم الذي هو لها جامع يحصرها في الحال للذي له صارت عللا، فتقصر إليه ضرورة بلا زيادة دائمة. فإن وجد واجد
стр. 1289
علة داخلة في الحال سوى ما ذكرنا فليأت على ذلك بسلطان بين: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا﴾ (الأنعام: ١٤٤، الأعراف: ٣٧، يونس: ١٧، الكهف: ١٥) بأن سماه علة فأدخله بزعمه في حال العلل التي هو عنها متعال في وجود كل ذي عقل، وهو محدث العلل وواضعها ومدخلها بالاسم والحال، بلا تبديل لها ما دامت كائنة، كما وضعها عليه في البدء، إقامة لدلائل الضرورة فيها، وإبانة لنفسه عنها بالارتفاع عليها سبحانه وبحمده ﴿تعالى﴾ عما يقول المبطلون علوا كبيرا.
٢٥ - ثم يقال له: هل هي علل إلا لأنها بحال هي بد للمعلولات علل (٩٦و) موضوعة بذلك البتة، وأن ذلك حال الفاضل لها من كل معلول خرج منها ويكون من أجلها، وأنها ليست بأولى بأنفسها منها بإخراج المعلول بتة فهذا بيان الضرورة فيها إن أقررت، وإن أنكرت جحدت العلل والمعلولات والمتعارف المعقول منها.
٢٦ - فإن قال: سماه علة، ، لأنه للعل بحالها [ما] هي لغيرها على مثل سواء، فهذا الكذب الصراح، فليأت عليه بسلطان بين، لأن الحال لا تلزمه ولا تستطيع أن تلحقه صفتها من جهة من الجهات أبدا.
٢٧ - فإن قال: فهل هي للعلل ببعض ما هي لغيرها. قيل له: سبحان الله عن التبعيض والتجزئة، أو أن يكون نفسه لغيره لا لنفسه، فإن ظهر له نفي جميع ذلك عنه، كما هو أهله ، بالحقيقة الظاهر (١) نورها لكل ذي هدى وإنصاف. فما سبيله إذن إلى أن يسميه علة يجب لإيجابه شيء سواه، كما وجبت أن تكون المعلولات لأجل العلل، وأن تكون العلل لأجل المعلولات الواجبة منها ضرورة، وانعطف بعض الخلق على بعض وانحصر في نفسه بما حده له خالقه، ولم يكن له أن يجاوز الحادث إلى القدم، ولا المحصور إلى المطلق، ولا المخلوق إلى الخالق، إنما نفع اسم من كتب نبوة أو حجة فطرة، فإن أقر بالنبوة فليس هذا الاسم منها، وإن ذهب إلى حجة العقول، فقد ظهر به نفي ذلك عنه سبحانه.
٢٨ - وإن سأل السائل عن حال العلل فقال: وما الحال التي من أجلها صارت عللا، فلا يجب لتلك الحال أن يكون الباري علة المعلول قيل له: الاشتراك في
стр. 1290
حال العلل، لأن تلك الحال جامعها معا لكون كل معلول يكون من أجلها، كالاشتراك بحالها الجامع لها. فالباري تعالى لا علة، إذ ليس مشتركا معها في الاسم ولا في المعنى، وإذ هي بالفصل بائنه عنه، لأن الفصل غاية لها، وهو لا غاية له .
٢٩ - فإن قال: فلم صارت هي عللا سابقة دون أن تكون هي المعلولات المسبوقة قيل له: لأنها بالفصل الأكبر في بسطها أحق من المعلولات، وإذ هي بالفصل الأكبر أحق، وجب لها السبق قبل كل معلول، لأنه محال أن تكون هي في بسطها وعظم أقدارها في الفصل الأصغر الذي هو أحق المعلولات من بعدها، فلأجل [٩٦ظ] صغر الفصل صارت معلولات من غير اضطرارا، ولأجل عظم الفصول العظام صارت عللا لغيرها واستحقت السبق لها، وهو أصغر قدرا منها. ثم هي لا تعود بتلك الفصول العظام إلى أن تكون معلولات لغيرها أبدا إلا أن يكون قبلها ذو فصل أعظم منها. ولو كان قبل كل عظيم أعظم منه، كان هذا بلا غاية. والباري جل وعز لا يقال فيه إنه ذو فصل، أي يناله بذاته، على معنى أن تكون المنفصلات فيه كما هي في العلل، لأن الموضوع في المحدود محدود، والفاصل لذي الغاية ذو غاية، والمحيط بذي النهاية إحاطة الاتصال ذو نهاية، وهو الذي لا غاية له، عن ذلك.
٣٠ - فإن قال قائل: ولم كان هذا كذا قيل له: لأنه لم يكن بد من أن يكون صغير وكبير، ليعقل الصغير والكبير، ولا يعقل الصغير إلا بالكبير، ولا الكبير إلا بالصغير، فلما لم يكن بد من أن يعقل وضع على المعنى الذي به يعقل، فكان الكبير أحق بالسبق لكبره وفضله عن الصغير وحمله له، فكان علة له، وتأخر الصغير لصغره إذ حق ذلك له، إذ لا يقوم إلا في حامل قبله يسعه، فالكبير مكان، والصغير متمكن.
٣١ - فإن قال: ولم لم يكن المعلول بالفصل الأكبر أحق من العلة قيل له: فهذا تكرير بعد الفصل، ولكنا نقول له: لأن الفصل الأكبر فاصل عنه، فالكبير يفصل الصغير، لا الصغير يحيط بالكبير، ولا يعقل المعقول إلا بفصله الأحق به، فالصغير معقول بفصله الأصغر إذا أضيف إلى ما هو أكبر منه، فإن لم يضف إلى ما هو أكبر منه لم يعقل أن فصله صغير أو كبير بتة، وإذا لم يعقل دثر بلا زمان عن
стр. 1291
المعقول، لأن ما لا يعقل فصله دائر غير قائم، لأن الفصل هو الحق المبين له في العقول، فإن لم يكن الحق فقد بطل ما قارنه الحق، لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال.
٣٢ - واعلم أن الحق الأول الرب الأعلى المحقق للحق، الفاصل لكل شيء مرتفع عن أن يقال بالحق حق، كما حق بالحق غيره، لأنه المحقق للحق الذي حقت به الأشياء، ولو وجب أن يكون المحقق للحق بالحق حق أعني قبل الحق - لوجب أن يكون المكون للكون بالكون تكون، وهذا رأس المحال، وهو الذي أحق الحق الأكبر وأحق به الأشياء، فأثبتها وأبانها به، فمحال أن تكون حقت بالحق حقيقته، بل (٩٧و) ويحق عندنا بالحق على معنى الدلالة عليه أنه الحق المبين، لأن كل ما حقت إنيته بشيء، فذلك الشيء قبل إنيته، فافهم.
٣٣ - ومن الزيادة في إيضاح قولنا في العلة والمعلول أنا نقول: إن الباري خلق المعلولات على ما هي عليه من الإتقان والإحكام والثبات باضطراره للعلل التي وجبت المعلولات من أجلها واضطراره إياها. وهذا قول صحيح جدا. ألا ترى المركب المعلول المنضد ذا أجزاء لا محالة بعضها مخالف في الطبع لبعض: حار وبارد، ورطب ويابس، وثقيل راسب، وخفيف طاف، ومتوسط بينهما شبيه بالطرفين كليهما، وشديد غاية ضعيف بتة، ومتوسط بينهما قد توسط بين طرفيهما مما يلي الشديد شديد ليس كشدة الأشد، ومما يلي الضعيف ضعيف ليس كضعف الأضعف، فأنت لو طلبت سوى الأربعة بجهدك وجهد غيرك لم تجده بتة في شيء من العالم. فيحق ما قلنا على المعلولات إنها فعل الله تعالى باضطرار العلل لبعضها، لأنا نرى الأربعة في المعلول المركب مبنية بوزن العدل، قائمة بالإتقان لما يجب على ما يجب عند دفع العلل من أماكنها في الفصل المراد للمعلول. فالأثقل الراسب منها تجده في المعلول قد نزل في الحضيض الأسفل حاملا لسواها، كالماء الذي هو في الأسفل من العالم الأكبر، وكذلك هو في العالم الأصغر، وكذلك هو في النبات والحيوان الكلي. والأخف الطافي تجده لا محالة في الأعلى من العالم الأكبر وفي كل شيء سواه. والمتوسط بين الطرفين قائم لا محالة باعتدال موزون، فإن نزل فيه الجزء حامت (١) الأطراف عليه
стр. 1292
ليعتدل ويسكن، ذلك تقدير العزيز العليم.
٣٤ - فالمعلول فرع لعلته بوصفنا هذا، والعلة أصل لمعلولها، وحركة التأليف لا يمكن أن يكون منها التضاد القائم بينهما، فهي من محرك غيرهما ليس مثلهما لا محالة. فالمعلولات، كما فسرنا، كناية لأجل العلل الأول التي اضطرت إلى فعل معلولها، والعلل الأول الباعثة بما جعل في طبعها لكون كل معلول موضوعات لمنفعلاتها، وليست العلل بعد، إذ هي النهاية من [كل] شيء، سوى العدم الذي هو اسم ناف لكل شيء من وهم أو لفظ. ومن قال كقول يعقوب بن إسحاق إنها من أجل (٩٧ظ) الباري، تعالى عن ذلك، فالباري ليس شيء أولى به من شيء، إلا أن الأول لا يكون إلا عن سبب معلوم أنه لا موضوع هو لشيء يكون من أجله انفعال ذلك الشيء، فقد نقض قوله إنه لا موضوع إذن، والباري ليس شيء أولى به من شيء، لأن الأولى لا يكون إلا عن سبب متقدم يوجب له أن يكون أولى، فهو مطلق الاختيار تام الغنى.
٣٥ - فرأس العلم وقطبه وذروته العليا أن تعلم أنه ليس شيء من المعلولات كائنا إلا لعلة موضوعة، وضعها من تعالى عن أن يكون علة أو معلولها، ولكن كل شيء كان فلعلة موضوعة كان، وجب عند الله أن يكون المعلول من أجلها كائنا لأن الله تعالى وتقدس وتنزه وارتفع عن أن يضع نفسه ليكون من أجله شيء، لأن الخالق لا يعود مخلوقا والموضوع مخلوق، ولكنه القادر على أن وضع ما من أجله كان كل شيء، فتعالى ذو الكبرياء والعزة والعظمة والجلال عما يقول الملحدون في أسمائه، خطأ وعمدا، علوا كبيرا.
٣٦ - وإنما دخل الغلط على الكندي على ما قال، لأنه نزه الباري زعم - أن يكون خلق الخلق من أجل غيره، فظن أنه إن أوجب ذلك وجب أن ذلك الغير سابق له ومستحق للقبل قبله، فاعجب كيف طمس عليه عقله، فإذا لم يجد صحيحا أن يكون فعل من أجل إنيته ولا من أجل غير قبله، أن يقول فعل من أجل شيء بعده فيصيب، فنعوذ بالله من العمى عن الهدى والضلال عن الحق والزيغ عن الطريق المستقيم.
стр. 1293
٣٧ - أرأيت لو قال له قائل قولا مختصرا: يا أيها الكندي المنكشف المبهوت، نحن نقول: إن الباري ﷻ فعل ما فعل من أجل المفعول، إذ لا يجوز أن يكون مفعوله مفعولا تاما كائنا ذا أفعال وانطلاق وانتفاع إلا بفعل التمام له الذي من أجله كان المفعول وتم، وكان هو من أجل المفعول، إذ لا يكون علة إلا لمعلول، ولا معلول إلا لعلة متشاكلان. وإذ لا يجوز أن يعلمه المفعول إلا وهو منفعل وإرادته أن تعلمه هي علة انفعاله، فللإرادة كان المفعول، وللمفعول كانت الإرادة، ليس لواحد منهما عن صاحبه مخرج. فإن قال: هو إذن من [أجل] أن يعلمه فعله، قيل له: نعم، من أجل أن يعلمه، وأن يعلمه هي إرادته التي من أجلها فعل، لأن علم المفعول هي الإرادة التي من أجلها قام، فافهم.
٣٨ - وقوله إن الإنية فعلت من أجل إنيتها فباطل محض، لأنه لا يجوز أن يقال على الإنية الواحدة بقول متوسط، إذ لا غاية لها فيدخلها توسط، لأنه لو دخلها توسط كان لها إذن بعض يفعل من أجله هذا قول لا يحمله العقل عن الله ، تعالى الله عنه، لأنه إن كان فاعلا من أجل [٩٨و] ذاته، والذات وحده لا غيرية فيها، فهو لذاته فاعل ما فعل، وذاته قبل ذلك وحدة لا علة فيها، هذا من أشنع المحال والتناقض لمن عقله. وأيضا إن كان فعل من إجل إنيته، فالفعل لازمه ضرورة بما كانت الإنية علة للفعل، لأن العلة والمعلول من المضاف، لأن العلة علة المعلول، والمعلول معلول العلة، لا يجد العقل سوى هذا.
٣٩ - وأيضا إن كانت الإنية فعلت من أجل ذاتها، إذ الفعل ليس ضرورة، فهي فاعلة لبعضها وما سواها معدوم، لأن بعضها علة فعل، وبعضها علة إيجاب فعل، فهذا كله يدخل على الكندي.
٤٠ - وأيضا إن كان الفعل من أجل الإنية، فالفعل لازمه ضرورة، فالفعل إذن لم يزل والإنية متقدمة للفعل، فهي إذن قبل الفعل، فهي إذن أزلية والفعل حادث، والفعل من أجل الإنية، فالفعل إذن لم يزل، فالفعل إذن حادث والفعل لم يزل، هذا خلف، أراد شيئا فكانت الإرادة السابقة علة موضوعة لما يكون، ولا علة لها هي لأنه ليس قبلها مثلها، والعلة والمعلول متشاكلان، فمحال أن يكون لها علة، إذ ليس
стр. 1294
قبلها شيء يشاكلها فيكون علة لها، فالله تعالى محدثها وباعثها، وهي علة بأن سبقت كل معلول بعدها. هذا عندي أصح من أن يكون من أجل المعلول.
٤١ - تفسير الإرادة: الإرادة في الفصل الأكبر وهي الحد الأول وهي النهاية القصوى وهي العلة الأولى، فليس للفصل فصل، ولا للحد حد، ولا للنهاية نهاية، ولا للعلة علة. الفصل هو بنفسه فصل، والحد هو بنفسه حد، والنهاية هي بنفسها نهاية، والعلة هي بنفسها علة.
٤٢ - العلة والمعلول من المضاف الذي لا يكون بعضه إلا لبعض، وهو يتسابق بالفعل ليس هو كالمكان والمتمكن؛ المكان والمتمكن والحد والمحدود والفصل والمفصول لا يتسابق بتة، وأما العلة والمعلول فيتسابق بالفصل، وأظن القائلين إنه لا يتسابق هم الدهرية، لأن هذا اللفظ يعضد ضلالهم فيزيدهم ضلالا.
والناقص والتام يتسابقان أيضا، فاحفظ إن شاء الله ما يتسابق مما لا يتسابق وتحفظ منه. وإنما يعنون بقولهم في العلة والمعلول: مضاف لا يتسابق، لأن العلة فيها معنى المعلول مضمر في لفظها، إذ لا يكون علة إلا لمعلول فيها معنى المعلول قائم لا تسبقه، كما المعلول فيه معنى العلة لا يسبقها، لأنه إذا ذكر فذكرها قائم فيه، فهو لا يسبقها بزمان، لغنى في ذكره إذا ذكر ومعناه وصف، وهي تسبق معلولها بالذات كالأب يسبق الابن، والمالك يسبق المملوك [٩٨ظ] .
٤٣ - تفسير الفصل الأول: الفصل الأول فصل العدم من الوجود، فهل فصل للمفصول وحد للمحدود، فالمحدود فيه عن العدم، والمفصول فيه من العدم، هو العلم. هي المقادير الأول التي عنها كان الكون كله، هي مثال الكون كله، ولا يمكن أن يكون هذا الفصل الأكبر إلا العدم، والعدم لا يكون علة ولا معلولا. فمن زعم أن العلة التي هي العدم علة، قيل له: مشاكلة لها أو غير مشاكلة فإن قال: مشاكلة، قيل له: فهي إذن العلة الأولى حتى تنتهي إلى علة ليس بعدها علة مشاكلة، فإذا لم يجد أن الخالق والعدم، قيل له: فالخالق ليس مشاكلا للمعلول فيكون علة، والعدم لا يكون علة ولا معلولا، فإلى العلة إذن، فهي إذن ضرورة بنفسها علة لا علة لها، ولغيرها كانت علة، وذلك الغير هو المحدث لها، والأول الذي ليس كمثله
стр. 1295
شيء.
٤٤ - مسألة الإمكان: نقول قولا لابد للكندي وأهل مذهبه وأشباههم من القول به ضرورة، نقول: إن الفاعل الأول فعل فعلا كان ممكنا أن يكون قبل كونه، فليس يقدر أن ينكر الإمكان لله تعالى في ذلك أحد، لأن الإمكان واجب قبل الفعل لا محالة، فلإمكان الذي ظهر ضرورة بين الفاعل والفعل هو البون الأكبر بين البون بين الفاعل والمفعول، ثم بينه بون آخر دونه في القدر والعظم هو تحته حاجز أيضا للمفعول أن يضاف إلى البون الأعلى، فضلا عن الفاعل الأول، جل وعز، وهذا البون الثاني هو الانفعال الخارج من جهة البون الأعلى الذي هو الإمكان، ولا يجوز أن يكون الإمكان هو الانفعال، كما لا يجوز أن يكون الانفعال هو المفعول التام المقدر المفروغ منه، لأن الانفعال عن إمكان يكون ضرورة، والمفعول القائم عن انفعال يكون ضرورة أيضا متتابعا. هكذا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ يخبر بجميع ذلك لمن لقنه، والحمد لله، وليس لأحد من الملحدين عن هذا بحجة العقل مخرج أبدا ولا محيص.
٤٥ - تفسير الإمكان: فقل الآن للمتشاغل عن نور النبوة التي أبانت الألفاظ مع المعاني بوحي الله تعالى ونوره: فلإمكان هي الإرادة، هي الملك، هي العرش، وهو الغاية القصوى والنهاية العظمى والفصل الأكبر، وهو الحق المحيط بالكل، وهو الأمر الأعلى، والنور الأعظم، والحجاب الأرفع المضروب بين الخالق وخلقه، ثم دونه إلى الخلق حجاب آخر، وهو مكان الانفعال، وهو المثال الكائن [٩٩و] من بعد الأمر الأول الجامع لأقدار المكونات كلها، قدر كل ما يكون، وزمام ما قد كان؛ وهو العلم والكرسي القائم تحت عرش الرحمن، فسبحان رب العالمين رب العرش العظيم.
٤٦ - فقل الآن على ترجمة ما قالت حكماء الفترة (١) ولم يفصحوا بالتسمية إذ عدموا نور النبوة: الإمكان هي الإرادة الجامعة لكل مراد من المنفعل والمفعول،
стр. 1296
والانفعال هو الطبيعة المتحركة تحت الإمكان، فهو مدة خروج الأقدار المفعولة عنه، فهو الزمان، ونهاية حركة الانفعال إلى حد؛ الإمكان الإرادة الجامعة لانفعال المنفعلات، والإمكان نهاية للزمان [أي] الطبيعة المتحركة للانفعال؛ فالإمكان [هو] العرش والذي تحته حركة انفعال الزمان، والذي تحت الزمان حركة المفعولات المكونات التامة هي الأوقات والسنون والأيام، والزمان نهاية السنين والأيام، والدهر نهاية الزمان، فالدهر جامع للزمان القائم بحركات الصور التي هي ذات الأقدار الثلاث طول وعرض وعمق - التي هي للجرم، وتلك الحركات التي هي حركات الأجرام هي المفصلة أوقات الانفصال أقدارها أجساما تامة، والدهر الجامع لذلك كله هو البون الأكبر والحد الأعظم والإرادة الدائمة الأبدية لخلود أهل الجنة والنار، وربنا المحمود ذو العرش المجيد الفعال لما يريد، وصلى الله على سيدنا محمد الذي لم يدعنا في ضلال أهل الفترة ولا حيرة أهل الفتنة وسلم.
٤٧ - وقوله: اعلم أن الدهر هو بقاء غاية الإمكان التي يقوم الإمكان بها دائما ما بقيت تلك الغاية ساكنة في حال واحدة أو حركة واحدة لا ضد لها، واعلم أنهما غايتان: إحداهما ساكنة والأخرى متحركة، فالمتحركة تحمل الساكنة، لأنا لا نجوز أن يكون ساكن قبل حركته، لأنه لا يكون قبل حركة إبداعه وكونه ولا قبل حركة انفعاله، فالساكن من حركة فصل، ولم تفصل الحركة من ساكن كأنه يفسر الإرادة الأولى والحادثة هذا الكلام مدخول لأن الذي قال فيه بإمكان (١) لا بد أن يجعله قديما أو محدثا. فإن جعله محدثا زعم أنه لم يكن ممكنا له أن يفعل قبل، فأوجب عارضا فنفى الوحدة. وإن جعله قديما أوجب الدهر قديما شيء آخر، فنفى الوحدة.
٤٨ - فإن تبلد ذهن سامع فازداد بيانا فقال: بين لي كيف امتنع ذلك بوجوب الإمكان والانفعال فصلان عظيمان [٩٩ظ] والإضافة لا تقال إلا على اثنين لا بون بينهما بمكان ولا بزمان، بإجماع من الفلاسفة الذين خطوا لكم الطريق، فالوجود الضروري للفصلين العظيمين قطع الإضافة بين الخالق والمخلوق، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ومن جهة مائية الإضافة هلكت النصارى
стр. 1297
بديا، وعن إيجاب الإضافة هلكت الدهرية أيضا والديصانية والمجوس كلها، وعن جهل ذلك هلكت المنانية والمشبهة أيضا، وبجهل الكندي بها هلك في كتابه، فلم يجد علة للخلق إلا الخالق، فسماه غير اسمه، إذ لم يجد إلا الخالق والخلق ولم يعرف الأمر. فوجود الإمكان والانفعال بحجة العقل وضرورته، قيل: كون المعقول الخارج عنها من عدم، وهما الدهر والزمان الكائنان بتعديهما بين المفعول والفاعل الأول، جل ثناؤه، فصل الإضافة، لأنهما ليسا فعلا تاما، بل الفعل التام أعني المفعول كائن لأجلهما (١) ، ولذلك لا يمكن أن يقال: الانفعال والإمكان فعل، إذ الفعل المفعول غيرهما لا محالة، وهما الدهر والزمان المدبران لذلك الفصل بين الفاعل الأول والفعل الكائن القائم المحسوس في مستقره.
٤٩ - فإن قال: وما الذي منع أن يكون الدهر والزمان من المضاف إلى ربهما دون المفعول قيل له: منع من ذلك أنهما مضافان إلى مفعولهما الكائن عنهما، لأن الدهر هو غاية الزمان، أعني غاية مدة حركة الانفعال والمفعول، والزمان مدة انفعال المفعول، فلا يمكن أن يكون الزمان بلا غاية، لأنه لا يكون شيء بلا غاية، ولا يكون مفعول بلا مدة، فالانفعال مدة المفعول، فهما لا يصلان إلى غير ما هما مضافان إليه، بل هما بائنان بالمفعول وزائلان به، والمفعول ثابت بهما وزائل فيهما، دون الوصول منه أو منهما إلى الفاعل الذي لا غاية له. والإضافة أيضا لا تكون إلا لذوي الغايات المتساوية الأبعاد والأوساط، وإلا لم تكن الإضافة بينهما حقيقة أصلا ولا واجبة لهما أبدا. ألا ترى أنه يمتنع أن يكون المفعول مضافا إلى الزمان كله من قبل حدوث كلية المفعول المستقر في الدهر بعد زمانه، المقضي الذي هو انفعاله المخرج له من عدم إلى وجود. والمفعول إنما يكون مضافا إلى الانفعال بأول دقيقة منه، يكون إذن مضافا، والإرادة الأولى المحيطة بالانفعال هي الفصل الجامع الفاصل في الانفعال إلى مثلها من الانفعال في الصغر من الزمان ضرورة، وهكذا تقال الإضافة بينهما قولا صادقا بالتكافؤ بالدقائق، فكيف تجب الإضافة لما لا أبعاد له [١٠٠و] ولا أوساط إذن
٥٠ - فإن قال: فما منع أن يكون المفعول بدهره وزمانه مضافا إلى الفاعل الأول
стр. 1298
فلا يتسابق قيل له: الزمان الذي هو انفعال المفعول إلى أن يستقر في دهر لا يتخلق به فيه بعد لتمام انفعاله؛ قد أريناك فصل المفعول من فاعله، لأنه مخرج من عدم إلى وجود، وموجب عليه الحدث، ووجوب الحدث عليه موجب لقدمه خالقه قبله، فإذا وجب التسابق بطلت الإضافة بطل التسابق، فافهمه.
٥١ - فإن تبلد فقال: فإن كان الانفعال قديما ثم ظهر المفعول حديثا قيل له: الانفعال حركة ما، والحركة بدء ما، وما كان له بدء فله قبل، وما كان له قبل فهو حادث.
стр. 1299
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم
﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾
وهذه زيادة تبين على من ألحد في أسماء الله فسمى ربه علة
٥٢ - قال الموحد: نحن نقول أن الواحد الأول الذي لا مثل له يقول لأجل إرادته، فيفعل بقوله الذي لا خلف فيه، وهو جل وعز أبدا، إن أراد شيئا قال له: كن فيكون، قوله الحق وله الملك، فقوله الحق وأرادته الحكم الفاصل، جل ربنا وتقدس. فإن أراد ربنا شيئا كان بقوله: كن فيكون كائنا، وإن لم يرد شيئا لم يكن. فنقول: إن الله فاعل بالقول، لأجل الإرادة التي سبقت منه قبل الفعل، وهذا بين في القرآن [مثل] قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ (سورة البروج: ١٦) ، وهو بالقول فعال، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (سورة النحل: ٤٠) . ونقول: إنه لو لم يشأ أن تكون منه الإرادة لم تكن، لأنه غير مضطر إلى الإرادة، غير مضطر إلى أن يريد، كيف وهو الأول قبل الإرادة سبحانه الواحد الصمد الفرد الأحد فنقول: لا كائن إلا بقوله، ولا قول يسبق منه إلا بإرادته، وهما يحدثان منه متى ما شاء قضاءهما بلا مانع له عنهما، فإن أراد قولا قال، وإن لم يرد لم يقل، فإذن لا قول يكون منه ولا إرادة إن لم يرد، هو مالك الإرادة ومالك القول، ومالك كل شيء سواه. فلأجل هاتين الصفتين كان المفعول مفعولا بعد أن لم يكن، وهما علتان لكل مفعول، لا علة قبلهما من الله لكون الكائنات سواهما. فلا يقال في الباري ﷻ إنه علة الأكوان (١٠٠ظ) بهذا الاسم الذي لا يحسن ولا يحق أن يسمى به إن أراد مريد قصد الصمد بذلك دون الصفات، أعني دون القول والإرادة، لأن الصفات علل الكائنات جميعا، وهو بوحدانيته غيرهما لا محالة، وهي محضة صمدة كما سمى نفسه، متعال، ووحدانيته قديمة بلا غاية
стр. 1300
لها، ولكل شيء من القول والإرادة غاية، فليس الله تعالى يسمى علة كما ظن الجاهلون الملحدون في أسمائه، ﴿سيجزون ما كانوا يعملون﴾ (الأعراف: ١٨٠) لأنه ليست العلة علة معقوله إلا لمعلول يكون المعلول من أجلها ضرورة، أعني بلا أختيار وبلا رجعة عما لها في القوة أن يكون منها، أعني كون معلولها منها كالقول الذي هو للإرادة بالقوة قبل خروجه منها بالفعل لكون الكائنات، وكالكائنات التي هي للقول في القوة مكونة قبل الفعل، وذلك من شأن العلل معقول أبدا عند أهل العلم، أعني لا شيء لها في القوة إلا ولابد أن يكون كائنا بالفعل ضرورة يلزمها طبع العلة مقدور على ذلك اضطرارا.
٥٣ - فالأول المبدع للعلل الذي لا مثل له ليس هو لشيء علة تعالى عن ذلك وارتفع، إذ العلة في العقول الصحيحة هي السبب المطبوع لكون المسبب لا محالة، فالأول جل وعز لا سبب، تعالى عن ذلك، فأنى يكون سببا وهو محدث الأسباب وفاعلها، وأنى يكون علة وهو محدث العلل وواضعها، لا من سبب ولا من علة.
٥٤ - والذين قالوا إنه ليس علة الخلق شيء سوى القول والإرادة والقدرة، وأنه إن كان جميع ذلك لم يزل بلا غاية، فالخلق لم يزل بلا غاية، فهو كما قالوا في كلامهم؛ غير أنهم ضلوا عن المبدع الأول، لأنه ليس علة الخلق إلا الإرادة والقول والقدرة، فأما محدث ذلك فليس علة، ولا لأنه لو لم تزل هذه الصفات لم نزل الكائنات واجبة، لأن العلة فيها إيجاب معلولها، ولكن من لهم بدعواهم أن العلل لم تزل مع الأول الموصوف، وأنها أزلية بلا غاية، وهم لا يأتون عليه بسلطان أبدا، وإذا لم يجدوا به سلطانا ولا برهانا، أليس القول به كفرا وشرا وطغيانا وهذا موضع خلاف النصارى والدهريين، فسبحان الفرد الصمد الذي ﴿ليس كمثله شيء﴾ وهو الأول وحده، وكل شيء سواه حادث بعده، بائن منه، مملوك له ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ .
٥٥ - ومن فقه الصفات أن الصفات علل بادية، وهي قبل أن يكون الفعل التام لانفعالات بتركيب المفعول [١٠١هـ] المفعول منها، ولذلك لا يجب أن يقال: هي مفعولة، أعني العلل التي هي الاسطقصات الأربع، لأن المفعول هو المركب، وهي