- ٢ -
رسالة في مداواة النفوس
وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل
стр. 318
فراغ
стр. 319
تصدير
نشرت هذه الرسالة عدة مرات قبل اليوم:
١ - بعناية محمد هاشم الكتبي (بمصر أو دمشق، ١٣٢٤ هـ) .
٢ - بعناية الشيخ عمر المحمصاني، وذكر أن فيها زيادات على الطبعة الأولى، ١٣٢٥ هـ.
٣ - طبعة الجمالية ١٩١٣ ومعها كلمات في الأخلاق لقاسم أمين، وتشغل رسالة ابن حزم الصفحات من ٢ - ٥٣، وذكر ناشرها أنها الطبعة الأولى٤
٤ - وقمت بنشرها في مجموعة رسائل ابن حزم (القاهرة ١٩٥٦) اعتماداً على مخطوطة شهيد علي رقم ٢٧٠٤ ومقارنة على طبعة الجمالية (ورمزها م) .
٥ - ثم نشرتها السيدة ندى توميش (بيروت ١٩٦١) اعتماداً على مخطوطة استانبول والنشرة التي قمت بها وعلى طبعتين في القاهرة (احداهما سنة ١٩٠٨ والأخرى دون تاريخ) وطبعتين اسكندريتين (إحداهما سنة ١٩١٣) . وقد وجدت أن طبعة القاهرة (١٣٢٥ ١٩٠٨) تزيد فقرات لم ترد في مخطوطة استانبول أو في الطبعات الأخرى على تعددها، مما يدل على وجود أصل أتم لها لا أدري ماذا كان مصيره؛ وقد كنت فتشت عن تلك الطبعة كثيراً فلم أستطع الحصول عليها
стр. 320
ولهذا فاني في إعداد هذه الطبعة راجعت نص الرسالة على مطبوعة السيدة توميش لأنها أفادت كثيراً من زيادات طبعة المحمصاني ولكني لم أتقيد بترقيمها للفقرات أو ببعض ما لا أراه صواباً من القراءات. وقد قامت السيدة توميش بترجمة الرسالة إلى الفرنسية وقدمت لها بدراسة عن حياة ابن حزم، كما زودت الترجمة بالحواشي المسهبة التي تعد تزيداً في معظم الأحوال.
٦ - ونشرتها دار الآفاق الجديدة (بيروت ١٩٧٨) بعنوان الأخلاق والسير.
٧ - ونشرتها مؤسسة ناصر الثقافية (بيوت ١٩٧٩) في طبعة شعبية (١) .
وكتب عنها الأستاذ رئيف خوري دراسة بعنوان حول " كتاب السير والأخلاق " لابن حزم (مجلة الأديب، عدد ١١/ ١٩٤٣ بيروت) .
الرموز
ص: نسخة شهيد علي (أي الأصل المعتمد) .
م: طبعة الجمالية.
د: طبعة السيدة ندى توميش.
стр. 321
رسالة في مداواة النفوس
مقدمة
- ١ -
تبدو هذه الرسالة نوعاً من المذكرات والخواطر، التي دونت على مر الزمن، وكانت حصيلة التجربة المتدرجة، ولعل أكثرها إنما دون في سن كبيرة، لأنها تشير إلى الهدوء والنضج في محاكمة الناس والأشياء، وتمثل مفارقة وتكملة لطوق الحمامة، وخروجاً على بعض الأحكام التي جاءت في الطوق أو تطويراً لها. ففي هذه الرسالة يقدم ابن حزم نظرته في الحياة على نحو فلسفي أو فكري.
فإذا نظر إلى الحياة الاجتماعية وجدها تقوم على محور واحد، أحد طرفيه موجب والثاني سالب، أما الطرف الموجب فاسمه " الطمع " ومعناه بهذا التعميم: المحرك أو الدافع الداخلي الذي يوجه الفرد نحو هذا الشيء أو ذاك. فالطمع أصل في كل المظاهر الاجتماعية التي نراها من حب وطموح وحياة مادية وغير ذلك. وإذا أخذنا الحب مثلا لنفسره على مبدأ الطمع وجدنا أنواعا من الحب تختلف في الظاهر، وترجع كلها إلى أصل واحد هو " الطمع فيما يمكن نيله من المحبوب ".
ألست ترى جميع أنواع المحبين يتفرقون في النهاية، فيموت الوالد أسفاً على ولده، والعاشق حزناً على معشوقه كما يتفقون في التعبير عن هذا الحب فيغار الرجل على صديقه كما يغار الآخر على زوجه. ثم تأمل من يقر برؤية الله تعالى ويحن إلى تحققها تجده
стр. 322
لا يقنع بشيء دونها لطمعه فيها، ولكن الذي لا يؤمن بها أي لا يطمع فيها لا يحس بها أصلا، وترى المسلم يحب ابنة عمه حبا مفرطاً على قدر طمعه في أن تصير اليه بينما نجد النصراني الذي لا يحق له الزواج من ابنة عمه لا يحس نحوها بشيء إطلاقاً، وترى هذا النصراني نفسه يعشق أخته من الرضاع بينما لا يحس المسلم بعاطفة نحوها لقلة طمعه فيها. ومعنى ذلك أن هذه الظاهرة الانسانية التي تسمى " الحب " ليس لها وجود إيجابي - في رأي ابن حزم - إلا عندما يدفعها الطمع إلى الوجود فتوجد وتتشكل وتصبح فعالة في حياة صاحبها. ولا يقتصر الطمع على توجيه الحياة الاجتماعية نحو الخير بل هو سبب للشر، وهو يدعو صاحبه إلى الذل، وهو الذي يحرك في الأفراد الأنانية العمياء حتى ليجعل بعض الناس يفضل نفسه على نفوس الآخرين في سبيل الحصول على ما يحدوه الطمع إليه.
فإذا كان الطمع بهذه القوة في حياة الأفراد فمن الطبيعي أن ينشأ عنه " الهم " وهو الظرف السالب في محور الحياة الاجتماعية.
ويصف ابن حزم جميع أدوار الحياة ومظاهرها بأنها محاولة لطرد الهم، وأن الناس جميعا يتفقون في هذه الغاية سواء في ذلك المتدين ومن لا دين له، والخامل والزاهد والفيلسوف العازف عن اللذات وغيرهم. فطالب المال يكد في سعيه ليطرد " هم الفقر "، والساعي وراء الشهرة يجري إليها ليطرد " هم الخفاء والخمول "، والراغب في اللذة يطلبها ليطرد " هم الحرمان من اللذة ". وقل مثل ذلك فيمن أكل وشرب وتزوج ولعب، فإن من يقوم بهذه الأمور إنما يحاول طرد الهم الناشئ عن أضدادها.
ولكن المنافسة في هذه الأمور تخلق هموماً جديدة كطعن حاسد أو ذم ذام. أما الشيء الذي يقتلع الهم من جذوره دون أن يثير بين عناصر المجتمع هماً جديداً فهو التوجه إلى الله تعالى، فتلك هي
стр. 323
الغاية السليمة التي يمكن أن يسعى إليها الفرد مطمئنا، يقول ابن حزم: " فاعلم أنه مطلوب واحد وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد وهو العمل لله تعالى، فما عدا هذا فضلال وسخف.
ويظهر أن ابن حزم يؤمن بقوة الطمع في تكبير جانب الشر في الحياة، ومن ثم آمن بان الهم دائما شر، ولكنه نسي أن الأكل والشرب والزواج واللعب وغيرها من الأمور التي تقوم بها الحياة الانسانية ليست شراً وإن سخرت لطرد الهم، وأن التوجه إلى الله تعالى لا يقضي عليها، بل هي متجددة لأنها ضرورية، ومن ثم يصبح طرد الهم ملازماً لبقاء الحياة الانسانية لا يزول إلا بزوالها. فإذا ارتبطت هذه الأمور كلها بغاية واحدة، وهي التوجه إلى الله تعالى فليس ذلك طرداً للهم، ولكنه تهوين لشأنه، وتقليل لأثره في السعي والعمل الانساني على ظهر هذه الأرض.
ومن الملاحظة يتبين لنا أن ابن حزم يقترب في بعض نظراته الاجتماعية من رجال المدرسة النفسية، فنظرية " الطمع " تشبه إلى حد كبير ما يقال عن الغرائز وأثرها، بل إن اتخاذ اسم واحد للدوافع في نفس الفرد يقترب من رأي فرويد في حصره جميع الطاقات الغريزية في الانسان تحت اسم " لبيدو " واتخاذه غريزة الجنس متمثلة لكل الطاقات والقوى. أما طرد الهم فيمكن ان يشمل ما يسمى في علم النفس الجماعي، " الصراع النفسي والاجتماعي " وهذان النوعان من الصراع قد يحتوي أحدهما الآخر، وقد يستقل عنه، ولكن في الربط بين طرد الهم وفكرة التوجه إلى الله يقترب ابن حزم من فكرة " الصراع الاجتماعي " الذي يتمثل في توجيه الرغبات الدنيوية نحو غاية مثالية.
ومهما يقل في نقد الآراء الاجتماعية التي أوردها ابن حزم يزال بعض تلك الآراء يقربه إلى أنفسنا. فنحن نحس كأن ابن حزم يتحدث عن مشكلاتنا الحاضرة وهو يقول: أشد الأشياء على الناس الخوف والهم والمرض والفقر. ونحن أيضاً نعجب إعجاباً بالغا بنفاذ
стр. 324
نظرته في المجموعة البشرية وشؤونها حين يقول: " تأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه وغير حي، من طبعه إن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته، فترى الفاضل يود لو كان كل الناس فضلاء وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء، وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له. " وعلماء الاجتماع المحدثون يرون في هذه الظاهرة ميلا إلى " الانسجام الاجتماعي ".
- ٢ -
وتسلمنا هذه النظرات الاجتماعية إلى ذلك المبدأ العام الذي لون تفكير ابن حزم في كلياته وجزئياته وهو " التوجه إلى الله تعالى "، فقد كان هذا الاعتبار حاضراً في ذهنه عند كل قولة يقولها وكل رأي يبديه حتى استسلمت فلسفته إلى نوع من الزهد يوحي لأول وهلة أنه يتعارض مع مبادئه الاجتماعية، ولكنه في الواقع زهد صحيح وسليم، تستطيع أن تعبيره تحقيقاً دقيقاً للسنة الاسلامية، ولا يضطلع به، بمثل هذا الوضوح، إلا رجل كابن حزم في تحريه ودقته وسعة اطلاعه وتشربه لروح الدين الاسلامي، فابن حزم مؤمن بقيمة الزهد، وتوجهه نظرته التشاؤمية أحياناً إلى تحبيب العزلة، ولكنه في مجموع نظرته يفهم أن الزهد هو التغلب على النفعية جهد الطاقة، وانه التربية النفسية التي تضحي بالعجب وتقضي عليه، ولذلك وقف كثيراً من جهده على توضيح الطرق التي يحارب بها العجب، ومضى يدرس الأفراد حتى يقف على دوافع هذه الرذيلة في أعماق نفوسهم ليستطيع القضاء على تلك الدوافع في منابتها. والزهد أيضاً هو التكيف المحمود الذي يمثله الرسول، وقد لخص ابن حزم سيرة الرسول في هذه الناحية تلخيصاً مبدعاً حين قال " وقد كان رسول الله ﷺ وهو القدوة في كل خير والذي أثنى الله تعالى على خلقه والذي جمع فيه تعالى أشتات
стр. 325
الفضائل بتمامها وأبعده عن كل نقص، يعود المريض مع أصحابه راجلاً في أقصى المدينة بلا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة، ويلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره، لا يتكلف إلى ما لا يحتاج اليه ولا يترك ما يحتاج إليه، ويستغني بما وجد عما لا يجد، ومرة يمشي حافياً راجلاً، ومرة يمشي بالخف، ويركب البغلة الرائعة الشهباء ومرة يركب الفرس عرياً ومرة يركب الناقة ومرة يركب حماراً، ويردف عليه بعض أصحابه، ومرة يأكل التمر دون خبز، والخبز يابساً، ومرة يأكل العناق المشوية، والبطيخ بالرطب والحلوى، يأخذ القوت ويبذل الفضل ويترك ما لا يحتاج اليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة اليه، ولا يغضب لنفسه ولا يدع الغضب لربه ".
ولا شك أن رجال الدين الذي دعوا إلى الزهد الخالص في الدنيا أو الذين يفعلون ذلك، في حاجة إلى أن يقرأوا هذه النبذة القصيرة التي تحدد معنى الزهد الطبيعي.
وبمثل هذه البصيرة النافذة وذلك الذكاء المدهش استطاع ابن حزم أن يحل كثيراً من المشكلات التي أثارتها حياة الزهد على مر العصور، فقد كان الزهاد يتجادلون حول الفقر والغنى وأيهما أفضل: الغني أو الفقير، ولما سئل ابن حزم " آلبلاء أفضل أم العافية والفقر أفضل أم الغنى أجاب دون تردد: هذا سؤال فاسد، إنما الفضل للعباد بأعمالهم ونحن نسأل الله تعالى العافية والغنى ونعوذ بالله من البلاء والفقر، وإنما الفضل بالصبر والشكر [الرسائل: الورقة ٢٣١] .
وفي موطن آخر استطاع ابن حزم أن يوقفنا على رأي صحيح واضح في مشكلة الزهد الذي يدعو إلى المغالاة في التعبد، فقد سئل: ما الحد الأعلى في التعبد فكان جوابه: أنا اكره لكل واحد أن يزيد عن عدد ما كان يتنفل به نبيه محمد لوجهين: أحدهما: قول الله عز
стр. 326
وجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . والثاني أن يخطر الشيطان في قلبه، فيوسوس أنه قد فعل من الخير أكثر مما كان محمد يفعله فيهلك في الأبد، ويحيط عمله، ويجد صلاته وصيامه في ميزان سيئاته [رسالة التلخيص لوجوه التخليس، الورقة: ٢٤٢] .
- ٣ -
فإذا كان لابن حزم نظرات اجتماعية صادقة أو فلسفة أخلاقية موضحة الحدود فلابد ان تدرس هذه النواحي عنده في ظل فكرته الدينية، فهي التي كانت توجهه وتأخذ بيده في كل سبيل، وإن لم يخل من تأثر عام ببعض مبادئ الفلسفة الأخلاقية عند أفلاطون وأرسطوطاليس كمحاولته أن يفسر قيام الفضائل على أربعة عناصر - تنشأ من تجمعها المركبات - وهي العدل والفهم والنجدة والجود، وهذا يذكرنا برأي فلاطون، كما يذكرنا مبدأ التوسط بين طرفين بتعريف الفضيلة عند أرسطوطاليس. ولا شك أن كثيراً من محاكمات ابن حزم تظهر تأثره بالفلسفة والمنطق، وهو الشيء الذي عابه بن خصومه وشنعوا عليه بسببه. ولكن لا شك أيضاً أن الفكرة الدينية هي العامل الرئيس في توجيه ملكاته وذكائه، فبها استطاع أن يقول إن علم الشريعة أفضل العلوم وأجلها، وبسببها يظهر ابن حزم الناقد الأدبي جائراً في أحكامه على الشعر، فهو يراه من العلوم المتأخرة، ولكنه في حكمه خاضع لمبادئه الخلقية تمام الخضوع. ويرى أن يكون منهج التعليم قاصراً في الشعر على شعر الحكمة كأشعار حسان وكعب بن مالك وصالح بن عبد القدوس، ويرى كذلك أن يحال بين الطلبة وبين رواية أربعة أضرب من الشعر هي الغزل وأشعار التصعلك وأشعار التغرب وشعر الهجاء. وهذه التقدير للشعر صادر عن مبدأ تربوي قائم على تحكيم المبدأ الخلقي في تقويم الفن. ومهما يكن رأينا في ابن حزم الناقد، فلا شك أنه في موقفه من الشعر يمثل حلقة في تلك السلسلة الطويلة من قياس الشعر بمقاييس خلقية، وإذا نحن أنكرنا هذا الرأي على ابن
стр. 327
حزم فما هو إلا إنكار نظري، لأننا نتبع ما يقوله بالفعل في تدريس الشعر للطلبة قبل انتقالهم إلى طور النضج، ونجنبهم قراءة جزء كبير مما نهى عنه ابن حزم، ولعل هذا عينه هو عناه ابن حزم في نقده للشعر لأنه يرسم منهجاً في التعليم ويخضع كل العلوم لمقاييس تربوية.
- ٤ -
وقد نبهتني هذه المذكرات وغيرها إلى أن ابن حزم ربما كان من أولئك الرواد الذين مهدوا لابن خلدون طريقه لوضع علم الاجتماع. فذهبت أقارن بين الرجلين، ودلتني المقارنة على اتفاقهما في بعض المظاهر، مثل اعتقادهما ان التاريخ علم شريف الغاية " لأنه يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سريهم. حتى تتم في ذلك فائدة الاقتداء لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا " (المقدمة: ٩ ط. التجارية) .
ومنها إبطال علم النجوم لبطلان إمكان التجربة التي تحتاج آماداً طويلة لا يفي بها العمر الانساني، ومنها الإيمان بسلامة البداوة في أجسام أهلها واستغنائهم عن علم الطب بطرقهم الخاصة، إلى غير ذلك من نظرات لو جمعت لكان منها قدر صالح لإثبات مدى التشابه، ولكنه فيما يبدو لي - تشابه ظاهري يصل إليه كل مفكر على انفراد دون تأثر أو اتباع. وربما لم يكن ابن حزم من الأشخاص الذي تأثر بهم ابن خلدون، فابن خلدون لا يذكره بين من عنوا بشيء من التفسيرات الاجتماعية، ولا يحيل عليه حين ينصح الطلبة بقراءة كتب تفهمهم حقيقة السنة الإسلامية وتؤمن لديهم سلامة العقيدة، وربما كان اتباع ابن خلدون للمذهب المالكي يباعد بينه وبين الاستئناس إلى رأي رجل ظاهري كابن حزم كان عنيفاً في خصومه للمالكية. ثم هنالك ذلك البون الشاسع في النظرة الاجتماعية عند كل منهما، فابن حزم أقرب
стр. 328
إلى الفيلسوف الأخلاقي، ومن هذا الوضع نفسه ينظر إلى المجتمع، ويهتم بالفرد اهتماماً بالغاً، أما ابن خلدون فإنه عالم اجتماعي لا يعبر الفرد في فلسفته ومبادئه اهتماماً كبيراً. وابن حزم صاحب مذهب قائم على الاكتفاء بالنقل، وهو يتخذ من هذا النقل شاهداً على صحة النبوات والشرائع والتواريخ، بينما لا يرضى ابن خلدون بالنقل وحده في الخبر، لأنه يتحمل الخطأ والدس والتشويه، ومع كل ذلك فإن ابن حزم يظل مقدمة صالحة لذلك السموق الشامخ في الفكر الاسلامي كما يمثله ابن خلدون: أولا في تلك النظرة الإجلالية للتاريخ واعتباره علماً وثانياً في ذلك التقدير لمعنى التعاون في الحياة الاجتماعية، ذلك المبدأ الذي تلقاه ابن حزم عن أستاذه ابن الكتاني ودان به في نظرته الاجتماعية، فقد كان ابن حزم معجباً بقول ذلك الأستاذ " إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة، أما يرى الحراث يحرث له، والطحان يطحن له، والنساج ينسج له وسائر الناس كل متول شغلا له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة " وعلى بساطة هذا الكلام فإنه يجمل أن يكون أساساً لتحويل الناس في المغرب عن الاتكالية والخمول اللذين كانا يصحبان التصوف حيثما حل. ومن هذه النظرة الايجابية إلى التعاون الإنساني في المجتمع المغربي، ومن تفشي الحياة الخاملة في طبقات الصوفية هنالك، استمد ابن خلدون، ولابد، شيئاً من تفسيراته. ومن مغالاة أهل الظاهر وإغراقهم في الاعتماد على النقل تولد لديه ما يبصره بالطريقة المثلى لتصحيح الأخبار وتمحيصها، فاهتدى إلى ضرورة المعرفة بالعمران البشري وقاده هذا إلى البحث عن مبادئ كامنة وراء ذلك العمران.
стр. 329
بسم الله الرحمن الرحيم
رب أسألك العون
اللهم صل على محمد وآله وسلم.
قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفقيه الأندلسي.
الحمد لله على عظيم مننه، وصلى الله على سيدنا محمد عبده وخاتم أنبيائه ورسله وسلم تسليماً كثيراً، وأبرأ إليه تعالى من الحول والقوة، وأستعينه على كل ما يعصم في الدنيا من جميع المخاوف والمكاره، ويخلص في الأخرى من كل هول وضيق.
أما بعد، فإني جمعت في كتابي هذا معاني كثيرة أفادنيها واهب التمييز تعالى، بمرور الأيام وتعاقب الأحوال، بما منحني من التهمم (١) بتصاريف الزمان والإشراف على أحواله، حتى أنفقت في ذلك أكثر عمري. وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له والفكرة فيه على جميع اللذات التي تميل إليها أكثر النفوس وعلى الازدياد من فصول المال. ورقمت (٢) كل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب لينفع الله تعالى به من شاء من عباده، ممن يصل إليه، ما أتعبت فيه نفسي، وأجهدتها فيه وأطلت فيه فكري، فيأخذه عفواً، وأهديته إليه هدياً، فيكون ذلك
стр. 330
أفضل له من كنوز المال وعقد الأملاك إذا تدبره ويسره الله تعالى لاستعماله، وأنا راج في ذلك من الله تعالى أعظم الأجر لنيتي في نفع عباده وإصلاح ما فسد من أخلاقهم ومداواة علل نفوسهم، وبالله تعالى أستعين، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.
стр. 331
١ - فصل في مداواة النفوس
وإصلاح الأخلاق الذميمة
١ - لذة العاقل بتمييزه، ولذة العالم بعلمه، ولذة الحكيم بحكمته، ولذة المجتهد لله باجتهاده أعظم (١) من لذة الآكل باكله، والشارب بشربه، والواطئ بوطئه، والكاسب بكسبه، واللاعب بلعبه، والآمر بأمره. وبرهان ذلك أن الحكيم والعالم والعاقل والعامل ومن ذكرنا (٢) واجدون لسائر اللذات التي سمينا كما يجدها المنهمك فيها ويحسونها كما يحسها المقبل عليها. وإنما يحكم في الشيئين من عرفهما، لا من عرف أحدهما ولا يعرف الآخر.
٢ - إذا تعقبت (٣) الأمور كلها فسدت عليك، وانتهيت في آخر فكرتك، باضمحلال جميع أحوال الدنيا، إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط، لان كل أمل ظفرت به فعقباه حزن إما بذهابه عنك، وإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين، إلا العمل لله ، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل. أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس وانك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة.
стр. 332
٣ - تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً، وهو طرد الهم (١) : فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم هممهم وإراداتهم (٢) لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم. فمن مخطئ وجه سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره، والله اعلم.
[فطرد الهم] (٣) مذهب قد اتفقت الأمم كلها مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء ويعاقبه عالم الحساب على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئاً سواه، وكل غرض غيره ففي الناس من لا يستحسنه، إذ في الناس من لا دين له فعلا يعمل للآخرة، وفي الناس من أهل الشر من لا يريد الخير ولا الأمن ولا الحق، وفي الناس من يؤثر (٤) الخمول بهواه وإرادته على بعد الصيت، وفي الناس من لا يريد المال ويؤثر عدمه
стр. 333
على وجوده ككثير من الأنبياء، ﵈، ومن تلاهم من الزهاد والفلاسفة، وفي الناس من يبغض اللذات بطبعه ويستنقص طالبها كمن ذكرنا من المؤثرين فقد المال على اقتنائه، وفي الناس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من نرى من العامة، وهذه هي أغراض الناس التي لا غرض لهم سواها. وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد (١) يستحسن الهم، ولا يريد إلا طرحه عن نفسه.
فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الانسان، الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له. فلم أجدها إلا التوجه إلى الله بالعمل للآخرة. وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به عن أنفسهم هم الفقر، وإنما طلب الصوت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه، وإنما أكل من أكل وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكتنز من اكتنز، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع، ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد منه: من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها، وذهاب ما وجد منها والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة، وأيضاً سوء شح (٢) بالحصول على ما حصل عليه
стр. 334
من كل ذلك من خوف منافس، أو طعن حاسد، أو اختلاس راغب، أو اقتناء عدو، مع الذم والإثم وغير ذلك. ووجدت العمل للآخرة سالماً من كل عيب، خالصاً من كل كدر، موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر، إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال منه، عون له (١) على ما يطلب، لم يهتم، إذ ليس مؤاخذاً بذلك، فهو غير مؤثر فيما يطلب. ووجدته (٢) إن قصد بالأذى سر، وإن تعب فيما سلك فيه سر، فهو في سرور متصل أبداً، وغيره بخلاف ذلك أبداً. فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه طريق واحد، وهو العمل لله تعالى. فما عدا هذا فضلال وسخف.
٤ - لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله ، في دعاء إلى حق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم. وباذل نفسه في عرض دنيا، كبائع الياقوت بالحصى.
٥ - لا مروءة لمن لا دين له.
٦ - العاقل لا يرى لنفسه ثمناً إلا الجنة.
٧ - لإبليس في م الرياء حبالة، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير خوف أن يظن به الرياء، فإذا اطرقك منه هذا، فامض على فعلك، فهو شديد الألم عليه.
٨ - باب عظيم من أبواب العقل والراحة: وهو طرح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق ، بل هو
стр. 335
باب العقل كله والراحة كلها - من قدر انه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. من حقق النظر وراض (١) نفسه على السكون إلى (٢) الحقائق وإن ألمتها في أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه، بل مدحهم إياه إن كان بحق، وبلغه مدحهم له، أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله، وإن كان بباطل فبلغه فسر فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه، فإن كان بحق فبلغه فربما كان لك سبباً إلى تجنبه ما يعاب عليه، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص، وإن كان بباطل فبلغه، فصبر، اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر، وكان مع لك غانماً لأنه يأخذ حسنات من مه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها، وهذا حظ رفيه لا يزهد فيه إلا مجنون. وأما أن (٣) لم يبلغه مدح الناس إياه، فكلامهم وسكوتهم سواء. وليس كذلك ذمهم إياه لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه. ولولا قول رسول الله ﷺ في الثناء الحسن: " ذلك عاجل بشرى المؤمن " (٤) ، لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق. ولكن إذ جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل فإنما تجب البشرى بما في المدح لا بنفس المدح.
٩ - ليس بين الفضائل والرذائل ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط. فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاغات ونفرت من الرذائل والمعاصي، والشقي من أنست نفسه بالرذائل
стр. 336
والمعاصي ونفرت من الفضائل والطاعات. وليس ها هنا إلا صنع الله تعالى وحفظه.
١٠ - طالب الأجر في الآخرة (١) متشبه بالملائكة، وطالب الشر متشبه بالشياطين، وطالب الصوت والغلبة متشبه بالسباع، وطالب اللذات متشبه بالبهائم، وطالب المال لعين المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة أسقط وأرذل من أن يكون له في شيء من الحيوان شبه، ولكنه يشبه الغدران (٢) التي في الكهوف، في المواضع الوعرة لا ينتفع بها شيء من الحيوان إلا ما قل من الطائر. ثم تجفف الشمس والريح ما بقي منها. كذلك المال الذي لا ينفق في معروف.
١١ - العاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد. وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير حقها (٣) لله تعالى، فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه، ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً. ومن سر بحمله الأثقال، فليعلم أن الحمار أحمل منه. ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع منه صوتاً، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته. فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه هذه البهائم متقدمة له لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه وحسن عمله، فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس.
١٢ - قول الله: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن
стр. 337
الهوى فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: ٤٠) جامع لكل فضيلة، لان نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني، لان كليهما واقع تحت موجب الهوى، فلم يبق إلا استعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي (١) به بانت عن البهائم والحشرات والسباع.
١٣ - قول رسول الله ﷺ للذي استوصاه: " لا تغضب " (٢) ، وأمره، ﵇، أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه، جامعان لكل فضيلة، لان في نهيه عن الغضب ردع ذات القوة الغضبية عن هواها وفي أمره ﵇ بان يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه ردع النفوس عن القوة الشهوانية، وجمع لأزمة العدل الذي هو فائدة النطق الموضوع في النفس الناطقة.
١٤ -[ (٣) رأيت أكثر الناس، إلا من عصم الله تعالى وقليل ما هم، يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا، ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً: من نيات خبيثة يضبون عليها من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب له، وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه، وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه أو يوجب كونه، وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه أو يمنع كونه. فأي غبن اعظم من هذه
стр. 338
الحال التي نبهنا عليها، وأي سعد أعظم من الذي دعونا إليه (١) ] .
١٥ -[إذا حقت مدة الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل الزمانين فقط. وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن؛ فمن أضل ممن يبيع باقياً خالداً بمدة هي أقل من كر الطرف] .
١٦ -[إذا نام المرء خرج عن الدنيا ونسي كل سرور وكل حزن، فلو رتب نفسه في يقظته على ذلك أيضاً لسعد السعادة التامة] .
١٧ -[من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم، ومن كافأ من أساء إليه منهم فهو مثلهم، ومن لم يكافئهم بإساءتهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم] .
стр. 339
٢ - فصل في العلم
١٨ - لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويحبونك (١) وأن العلماء يحبونك ويكرمونك، لكان ذلك سبباً إلى وجوب طلبه. فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويعبه نظراؤه من الجهال لكان ذلك سبباً إلى وجوب الفرار عنه، فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة..
١٩ - لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساويس المضنية ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس، لكان ذلك أعظم داع إليه. فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره، ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم، وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم، فتشاغلوا عما ذكرنا بالشطرنج والنرد والخمر والأغاني وركض الدواب في طلب الصيد وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة. وأما بفائدة (٢) فلا.
٢٠ - لو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسلط الجهال، ومن الهم بمغيب الحقائق عنه، ومن الغبطة بما قد بان
стр. 340
له وجهة من الأمور الخفية عن غيره لزاد حمداً لله ، وغبطة بما لديه من العلم، ورغبة في المزيد منه.
٢١ - من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه، كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر، وكزارع الشعراء (١) حيث يزكو النخل والتين.
٢٢ - نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والحلوى من به احتراق وحمى، وكتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع من احتدام الصفراء.
٢٣ - البال بالعلم ألوم من الباخل بالمال، فالباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده، والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة ولا يفارقه مع البذل.
٢٤ - من مال بطبعه إلى علم ما - وإن كان أدنى من غيره - فلا يشغله (٢) بسواه، فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند، وكل ذلك لا ينجب.
٢٥ - أجل العلوم ما قربك من خالقك تعالى، وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
٢٦ - انظر في المال والحال والصحة إلى من دونك وانظر في الدين والعلم والفضائل إلى من فوقك.
٢٧ - العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة، وتصفيه من كل آفة، وتهلك ذا العقل الضعيف.
٢٨ - من الغوص على الجنون ما لو غاصه صاحبه على العقل
стр. 341
لكان أحكم من الحسن البصري، وأفلاطون الأثيني، وبزرجمهر الفارسي.
٢٩ - وقف العقل عند أنه لا ينفع إن (١) لم يؤيد بتوفيق في الدين أو بسعد في الدنيا.
٣٠ -[لا (٢) تضر بنفسك في أن تجرب بها الآراء الفاسدة لتري المشير بها فسادها فتهلك فإن ملامة ذي الرأي الفاسد لك على مخالفته وأنت ناج من مكاره خير لك من أن يقدرك ويندم كلاكما وأنت قد حصلت في مكاره.] .
٣١ -[إياك أن تسر غيرك بما تسوء به نفسك فيما لم توجبه عليك شريعة أو فضيلة] .
٣٢ - وقف العلم عند الجهل بصفات الباري .
٣٣ - لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون.
٣٤ - من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ وليستعمل أخلاقه وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به بمنه، آمين آمين.
٣٥ - غاظني أهل الجهل مرتين من عمري: إحداهما بكلامهم فيما لا يحسنونه أيام جهلي، والثانية بسكوتهم عن الكلام بحضرتي أيام علمي. فهم أبداً ساكتون عما ينفعهم ناطقون فيما يضرهم. وسرني أهل العلم مرتين من عمري: إحداهما بتعليمي أيام جهلي، والثانية بمذكراتي أيام علمي.
стр. 342
٣٦ - من فضل العلم والزهد في الدنيا انهما لا يؤتيهما الله إلا أهلها ومستحقهما. ومن نقص علو أحوال الدنيا من المال والصوت أن أكثر ما يقعان ففي غير أهلهما وفيمن لا يستحقهما.
٣٧ - ومن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق [من] (١) أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشرة والصبر والوفاء والأمانة والحلم وصفاء الضمائر وصحة المودة؛ ومن طلب الجاه والمال واللذات لم يساير إلا أمثال الكلاب الكلبة والثعالب الخلبة ولو يرافق في تلك الطريق إلا كل عدو في المعتقد خبيث الطبيعة.
٣٨ - منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة، وهو انه يعلم حسن الفضائل، فيأتيها ولو في الندرة، ويعلم قبح الرذائل فيتجنبها ولو في الندرة، ويستمع الثناء الحسن فيرغب في مثله، والثناء الرديء فينفر منه، فعلى هذه المقدمات وجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة، وللجهل حصة في كل ريلة، ولا يأتي الفضائل من لم يتعلم العلم إلا صافي الطبع جداً فاضل التركيب. وهذه منزلة خص بها النبيون عليهم الصلاة والسلام، لأن الله تعالى علمهم الخير كله دون أن يتعلموه من الناس.
٣٩ -[وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جداً. ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء ﵈ ووصايا الحكماء، وهو لا يتقدمه في خبث السيرة وفساد العلانية والسريرة شرار الخلق، وهذا كثير جداً، فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى] .
стр. 343
٣ - فصل في الأخلاق (١) والسير
٤٠ - احرص على أن توصف بسلامة الجانب، وتحفظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك، حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك.
٤١ - وطن نفسك على ما تكره يقل همك إذا أتاك ولم تستضر بتوطينك أولاً، ويعظم سرورك ويتضاعف، إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدرته.
٤٢ - إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها.
٤٣ - الغادر يفي بالمحدود [والوفي يغدر بالمحدود] (٢) والسعيد كل السعيد في دنياه من لم يضطره الزمان إلى اختيار الإخوان.
٤٤ - لا تفكر فيمن يؤذيك فانك ان كنت مقبلاً فهو هالك، وسعدك يكفيك، وإن كنت مدبراً فكل أحد يؤذيك.
٤٥ - طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثر مما يعلم منها.
٤٦ - الصبر على الجفاء ينقسم ثلاثة أقسام: فصبر عن من يقدر عليك ولا تقدر عليه، وصبر عن من تقدر عليه ولا يقدر عليك، وصبر
стр. 344
عن من لا تقدر عليه ولا يقدر عليك. فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل، والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر عليه، المتاركة والمباعدة، والثاني فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة، وهو الذي يوصف به الفضلاء، والثالث ينقسم قسمين: إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلطة والوهلة ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه، فالصبر عليه فضل وفرض، وهو حلم على الحقيقة، وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقاً يستطيل به، فلا يندم على ما سلف منه، فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور عليه، لأنه يزيد استشراء، والمقارضة له سخف، والصواب إعلامه بأنه كان ممكناً أن ينتصر منه، وأنه إنما ترك ذلك استرذالاً له فقط، وصيانة عن مراجعته، ولا يزاد على ذلك. وأما جفاء (١) السفلة فليس جوابه الا النكال وحده.
٤٧ - من جالس الناس لم يعدم هماً يؤلم نفسه، وإثماً (٢) يندم عليه في معاده، وغيظاً ينضج كبده، وذلاً ينكس همته. فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ (٣) بها ولا تخالطها. (٤)
٤٨ -[لو لم يكن في مجالسة الناس الا عيبان لكفيا، أحدهما: الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح، والثاني: مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالانفراد عن المجالسة جملة] .
٤٩ - لا تحقرن (٥) شيئاً من عمل غد أن (٦) تحققه بان تعجله
стр. 345
اليوم (١) وان قل فإن من قليل الأعمال يجتمع كثيرها، وربما اعجز أمرها عند ذلك فبطل الكل. ولا تحقر شيئاً مما ترجو به تثقيل ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن، وان قل، فانه يحط عنك كثيراً لو اجتمع لقذف بك في النار.
٥٠ - الوجع والفقر والنكبة والخوف لا يحس أذاها الا من كان فيها، ولا يعلمه من كان خارجاً عنها، وفساد الرأي والعار والإثم لا يعلم قبحها إلا من كان خارجاً عنها وليس يراه من كان داخلاً فيها.
٥١ - الأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها الا من كان خارجاً عنها وليس يعرفه (٢) من كان فيها. وجودة الرأي والفضائل وعمل الآخرة لا يعرف فضلها الا من كان من أهلها، ولا يعرفه من لم يكن منها.
٥٢ - أول من يزهد في الغادر من غدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه فالذي يزني بها.
٥٣ - ما رأينا شيئاً فسد فعاد إلى صحته الا بعد لأي - أي بعد شدة - فكيف بدماغ يتوالى عليه فساد السكر كل ليلة، وان عقلاً زين لصاحبه تعجيل افساده كل ليلة لعقل (٣) ينبغي أن يتهم.
٥٤ -[الطريق تبرم، والزوايا تكرم، وكثرة المال ترغب وقلته تقنع] (٤) .
٥٥ - قد ينحس العاقل بتدبيره ولا يجوز أن يسعد الأحمق بتدبيره.
стр. 346
٥٦ - لا شيء اضر على السلطان من كثرة المتفرغين حواليه. فالحازم يشغلهم بما لا يظلمهم فيه، فان لم يفعل شغلوه بما يظلمونه فيه.
٥٧ - مقرب أعدائه قاتل نفسه.
٥٨ - كثرة وقوع العين على الشخص تسهل أمره وتهونه.
٥٩ - التهويل بلزوم زي ما، والاكفهرار وقلة الانبساط، ستائر جعلها الجهال الذين مكنتهم (١) الدنيا أمام جهلهم.
٦٠ - لا يغتر العاقل بصداقة حادثة أيام دولته، فكل أحد صديقه يومئذ.
٦١ - اجهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد لنفسك، ولا يستعن فيها بمن حظه من غيرك كحظه منك.
٦٢ - لا تجب عن كلام نقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله فان من نقل إليك كذباً رجع من عندك بحق (٢) .
٦٣ - ثق بالمتدين وان كان على غير دينك، ولا تثق بالمستخف وان أظهر أنه على دينك. من استخف بحرمات الله تعالى فلا تأمنه على شيء مما تشفق عليه.
٦٤ - وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم، هذا شيء طال اختباري اياه، ولم أجد قط على طول التجربة سواه، فأعيتني معرفة العلة في ذلك حتى قدرت أنها طبيعة في البشر.
٦٥ -[من قبيح الظلم الإنكار على من أكثر الإساءة إذا أحسن في الندرة] .
٦٦ -[من استراح من عدو واحد حدث له أعداء كثيرة] .
стр. 347
٦٧ -[أشبه ما رأيت بالدنيا خيال الظل وهي تماثيل مركبة على مطحنة خشب تدار بسرعة فتغيب طائفة وتبدو أخرى] .
٦٨ - طال تعجبي في الموت، وذلك أني صحبت أقواماً صحبة الروح للجسد من صدق المودة، فلما ماتوا رأيت بعضهم في النوم ولم أر بعضهم، وقد كنت عاهدت بعضهم في الحياة على التزاور في المنام بعد الموت ان أمكن ذلك، فلم أره في النوم بعد أن تقدمني إلى دار الآخرة، فلا أدري أنسي أم شغل] .
٦٩ -[غفلة النفس ونسيانها ما كانت فيه في دار الابتداء قبل حلولها في الجسد كغفلة من وقع في طين غمر عن كل ما عهد وعرف قبل ذلك. ثم أطلت الفكر أيضاً في ذلك فلاح لي شعب زائد من البيان. وهو أني رأيت النائم اذ همت نفسه بالتخلي من جسده وقوي حسها حتى تشاهد الغيوب قد نسيت ما كان فيه قبيل نومها نسياناً تاماً البتة على قرب عهدها به، وحدثت لها أحوال أخر، وهي في كل ذلك ذاكرة حساسة متلذذة آلمة، ولذة النوم محسوسة في حاله، لان النائم يلتذ ويحتلم ويخاف ويحزن في حال نومه] .
٧٠ - انما تأنس النفس بالنفس. فأما الجسد فمستثقل مبروم به، ودليل ذلك استعجال المرء بدفن جسد حبيبه إذا فارقته نفسه، وأسفه لذهاب النفس وان كانت الجثة حاضرة بين يديه.
٧١ - لم أر لإبليس (١) أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان ان يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس، [أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره. فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مستهلتين للشر ومدخلتين له في حد ما يعرف ويحمل ولا ينكر] .
стр. 348
٧٢ -[استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتاهب، واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ فتربح راحة النفس] .
٧٣ -[حد الجود وغايته أن تبذل الفضل كله في وجوه البر وأفضل ذلك في الجار المحتاج وذي الرحم الفقير، وذي النعمة الذاهبة والأخص فاقة. ومنع الفضل من هذه الوجوه داخل في البخل، وعلى قدر التقصير والتوسع في ذلك يكون المدح والذم، وما وضع في غير هذه الوجوه فهو تبذير، وهو مذموم، وما بذلت من قوتك لمن هو أمس حاجة منك، فهو فضل وإيثار، وهو خير من الجود؛ وما منع من هذا فهو لا حمد ولا ذم وهو انتصاف] .
٧٤ - بذل الواجبات فرض، وبذل ما فضل عن القوت جود. والإيثار على النفس من القوت بما لا تهلك على عدمه فضل، ومنع الواجبات حرام، ومنع ما فضل عن القوت بخل وشح. والمنع من الايثار ببعض القوت عذر (١) ، ومنع النفس أو الأهل القوت أو بعضه نتن ورذالة ومعصية، والسخاء بما ظلمت فيه أو أخذته بغير حقه ظلم مكرر (٢) ، والذم جزاء ذلك لا الحمد، لأنك إنما تبذل مال غيرك على الحقيقة لا مالك. واعطاء الناس حقوقهم مما عنك ليس جوداً ولكنه حق.
٧٥ - حد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم، وعن الجار المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلماً في المال والعرض وسائر سبل الحق، سواء قل من يعارض أو كثر. والتقصير (٣) عما ذكرنا جبن وخور، وبذلها في عرض الدنيا تهور وحمق. وأحمق من
стр. 349
ذلك من بذلها في المنع عن الحقوق والواجبات - قبلك أو قبل غيرك - وأحمق من هؤلاء كلهم قوم شاهدتهم لا يدرون فيما يبذلون أنفسهم، فتراه يقاتلون زيداً عن عمرو، وتارة يقاتلون عمراً عن زيد، ولعل ذلك يكون في يوم واحد، فيتعرضون للمهالك بلا معنى، فينقلبون (١) إلى النار أو يفرون إلى العار. وقد أنذر بهؤلاء رسول الله ﷺ في قوله " يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل " (٢) .
٧٦ - حد العفة ان تغض بصرك وجميع جوارحك عن الأجسام التي لا تحل لك، فما عدا هذا فهو عهر، وما نقص حتى يمسك عما أحل الله تعالى فهو ضعف وعجز.
٧٧ - حد العدل أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه، وحد الجور أن تأخذه ولا تعطيه.
٧٨ - وحد الكرم أن تعطي من نفسك الحق طائعاً، وتتجافى عن حقك لغيرك قادراً، فالفضل أعم والجود أخص، إذ الحلم فضل وليس جوداً، والفضل فرض زدت عليه نافلة.
٧٩ - إهمال ساعة يفسد رياضة سنة.
٨٠ - خطأ الواحد خير في تدبير الأمور من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد، لأن خطأ الواحد في ذلك يستدرك، وصواب الجماعة يضري على استدامة الإهمال، وفي ذلك الهلاك.
٨١ -[نوار الفتنة لا يعقد] .
٨٢ -[كانت في عيوب، فلم أزل بالرياضة واطلاعي على
стр. 350
ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها، حتى أعان الله على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها، ليتعظ بذلك متعظ يوماً ان شاء الله.
(أ) فمنها كلف في الرضاء وإفراط في الغضب، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلاً شديداً وصبرت على مضض مؤلم كان ربما امرضني، وأعجزني ذلك في الرضى وكأني سامحت نفسي في ذلك، لأنها تمثلت ان ترك ذلك لؤم.
(ب) ومنها دعابة غالبة، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح، وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهياً للكبر.
(ج) ومنها عجب شديد: فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع.
(د) ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الأعضاء فقسرت نفسي على تركها فذهبت.
(هـ) ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة، والله المستعان على الباقي، مع ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادة للناطقة فضل وخلق محمود.
(و) ومنها إفراط في الأنفة بغضت الي إنكاح الحرم جملة بكل وجه وصعبت ذلك في طبيعتي، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الافراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي، والله المستعان.
стр. 351
(ز) ومنها عيبان قد سترها الله تعالى وأعان على مقاومتهما، وأعان بلطفه عليهما، فذهب احدهما البتة ولله الحمد. وكأن السعادة كانت موكلة بي، فاذا لاح منه طالع قصدت طمسه. وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه فيكاد يظهر ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه حتى اخلد.
(ح) ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره، وغلبته على اظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبداً.
وأما سوء الظن فيعده (١) قوم عيباً على الاطلاق وليس كذلك إلا اذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو ما يقبح في المعاملة والا فهو حزم، والحزم فضيلة.
وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي - فيما اعتقده حقاً - عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض، وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ولعمري لو لم تكن في - وأعوذ بالله - لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي . وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي، فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول اذا اسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها.
وقد عابني أيضاً بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيل من نال مني، وأني اتعدى ذلك من نفسي إلى اخواني فلا امتعض لهم إذا نيل منهم بحضرتي. وأنا أقول إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره. والكلام إذا أجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن. ألا
стр. 352
ترى لو أن قائلاً قال: ان فلاناً يطأ أخته، لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال: هي اخته في الإسلام، ظهر فحش هذا الاجمال وقبحه! وأما أنا فاني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق، فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم. لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضباً ولا تخبطاً ولا تهيجاً، فان تيسر لي الامساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي اعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته، وان بادرني الأمر لم أقارض الا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل. وبالجملة فاني كاره لهذا، الا لضرورة داعية اليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل الي، إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه اياه على ألسنة غيرهم، ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه، فانهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد الا إفساد الضمائر وادخال النمائم فقط.
ثم بعد هذا فان النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لها: أما أن يكون كاذباً، وإما أن يكون صادقاً. فان كان كاذباً فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب، وبأن نبه على فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه برئ العرض، وقد يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال. وان كان صادقاً فانه لا يخلو من أحد من ثلاثة أوجهك إما أن أكون شاركته في أمر استرحت اليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة، فهذا أسوأ الناس حالة، وكفى به سقوطاً وضعة. وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيباً، فقد كفاني جهله شأنه. وهو المعيب لا من عاب. وإما أن يكون عابني بعيب هو في على الحقيقة وعلم مني نقصاً أطلق به لسانه، فإن كان صادقاً فنفسي أحق بأن ألوم منه، وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق. وأما أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم، لكني
стр. 353
أمتعض امتعاضاً رقيقاً لا أزيد فيه على أن أندم القائل منهم بحضرتي وأجعله يتذمم ويتعذر ويخجل ويتنصل، وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس، وان نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس، وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة وأن أقول له: " انه لا يرضى فيك فهو أولى بالكرم منك، فلا ترض لنفسك بهذا "، أو نحو هذا من القول. وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره، فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب وتكراره فيه وإسماعه من لم يسمعه والإغراء به، وربما كنت أيضاً في ذلك جانياً على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه، وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت، فان تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل وان يتعدى أيضاً اليه بقبيح المواجهة، وربما إلى أبوي وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة وربما كانت منازعة بالأيدي، فأنا مستنقص لفعله في ذلك زار عليه متظلم منه غير شاكر له، لكني ألومه على ذلك أشد اللوم، وبالله تعالى التوفيق] .
[وذمني أيضاً بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي، وهذه جملة بيانها] ، أني لا أضيع منه (١) الا ما كان في حفظه نقص ديني أو إخلاق عرضي أو إتعاب نفسي،. فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة، وأن قل، أجل في العوض مما يضيع من مالي، ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس.
٨٣ - أفضل نعم الله على العبد أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره [فما استعنت على قمع هذه الطوالح الفاسدة وعلى كل خير
стр. 354
في الدين والدنيا الا بما في قوتي من ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله تعالى. وأما من طبع على الجور واستسهاله على الظلم واستخفافه فلييئس من أن يصلح نفسه او يقوم طباعه أبداً، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود. وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط، وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها، والحمد لله رب العالمين] .
٨٤ - من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال اذا احب عاملها أن يذكر بها وكاد يكون شركاً، لانه يعمل لغير الله ، وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حباً للخير لكن ليذكر به.
٨٥ - أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك، لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك، ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة.
٨٦ - لو علم الناقص نقصه لكان كاملاً.
٨٧ - لا يخلو مخلوق من عيب. فالسعيد من قلت عيوبه ودفنت (١) .
٨٧ - أكثر ما يكون ما لم تظن، والحزم هو التأهب لما تظن. فسبحان مرتب (٢) ذلك ليري الإنسان عجزه وافتقاره إلى خالقه.
стр. 355
٤ - فصل في الإخوان والصداقة والنصيحة
٨٩ - استبقاك من عاتبك، وزهد فيك من استهان بشأنك (١) .
٩٠ - العتاب للصديق كالسبك للسبيكة، فإما تصفو وإما تطير.
٩١ - من طوي من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك، لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط، ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك.
٩٢ - لا ترغب فيمن يزهد فيك فتحصل على الخيبة والخزي.
٩٣ - لا تزهد فيمن يرغب فيك، فإنه باب من أبواب الظلم وترك مقارضة الاحسان، وهذا قبيح.
٩٤ - من امتحن بان يخالط الناس فلا يكون (٢) توهمه كله إلى من صحب ولا يبيت (٣) منه إلا على أنه عدو مناصب، ولا يصبح كل غداة إلا وهو مترقب من غدر إخوانه وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف. فإن سلم من ذلك، فلله الحمد، وإن كانت الأخرى ألفي متأهباً ولم يمت هماً.
[وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية