← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(ز) ومنها عيبان قد سترها الله تعالى وأعان على مقاومتهما، وأعان بلطفه عليهما، فذهب احدهما البتة ولله الحمد. وكأن السعادة كانت موكلة بي، فاذا لاح منه طالع قصدت طمسه. وطاولني الثاني منهما فكان إذا ثارت منه مدوده نبضت عروقه فيكاد يظهر ثم يسر الله تعالى قدعه بضروب من لطفه حتى اخلد. (ح) ومنها حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره، وغلبته على اظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبداً. وأما سوء الظن فيعده (١) قوم عيباً على الاطلاق وليس كذلك إلا اذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو ما يقبح في المعاملة والا فهو حزم، والحزم فضيلة. وأما الذي يعيبني به جهال أعدائي من أني لا أبالي - فيما اعتقده حقاً - عن مخالفة من خالفته ولو أنهم جميع من على ظهر الأرض، وأني لا أبالي موافقة أهل بلادي في كثير من زيهم الذي قد تعودوه لغير معنى، فهذه الخصلة عندي من أكبر فضائلي التي لا مثيل لها ولعمري لو لم تكن في - وأعوذ بالله - لكانت من أعظم متمنياتي وطلباتي عند خالقي . وأنا أوصي بذلك كل من يبلغه كلامي، فلن ينفعه اتباعه الناس في الباطل والفضول اذا اسخط ربه تعالى وغبن عقله أو آلم نفسه وجسده وتكلف مؤونة لا فائدة فيها. وقد عابني أيضاً بعض من غاب عن معرفة الحقائق أني لا آلم لنيل من نال مني، وأني اتعدى ذلك من نفسي إلى اخواني فلا امتعض لهم إذا نيل منهم بحضرتي. وأنا أقول إن من وصفني بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره. والكلام إذا أجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن. ألا

стр. 352

ترى لو أن قائلاً قال: ان فلاناً يطأ أخته، لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال: هي اخته في الإسلام، ظهر فحش هذا الاجمال وقبحه! وأما أنا فاني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق، فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم. لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضباً ولا تخبطاً ولا تهيجاً، فان تيسر لي الامساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي اعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته، وان بادرني الأمر لم أقارض الا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل. وبالجملة فاني كاره لهذا، الا لضرورة داعية اليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل الي، إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه اياه على ألسنة غيرهم، ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه، فانهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد الا إفساد الضمائر وادخال النمائم فقط. ثم بعد هذا فان النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لها: أما أن يكون كاذباً، وإما أن يكون صادقاً. فان كان كاذباً فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب، وبأن نبه على فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه برئ العرض، وقد يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال. وان كان صادقاً فانه لا يخلو من أحد من ثلاثة أوجهك إما أن أكون شاركته في أمر استرحت اليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة، فهذا أسوأ الناس حالة، وكفى به سقوطاً وضعة. وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيباً، فقد كفاني جهله شأنه. وهو المعيب لا من عاب. وإما أن يكون عابني بعيب هو في على الحقيقة وعلم مني نقصاً أطلق به لسانه، فإن كان صادقاً فنفسي أحق بأن ألوم منه، وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق. وأما أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم، لكني

стр. 353

أمتعض امتعاضاً رقيقاً لا أزيد فيه على أن أندم القائل منهم بحضرتي وأجعله يتذمم ويتعذر ويخجل ويتنصل، وذلك بأن أسلك به طريق ذم من نال من الناس، وان نظر المرء في أمر نفسه والتهمم بإصلاحها أولى به من تتبع عثرات الناس، وبأن أذكر فضل صديقي فأبكته على اقتصاره على ذكر العيب دون ذكر الفضيلة وأن أقول له: " انه لا يرضى فيك فهو أولى بالكرم منك، فلا ترض لنفسك بهذا "، أو نحو هذا من القول. وأما أن أهارش القائل فأحميه وأهيج طباعه وأستثير غضبه فينبعث منه في صديقي أضعاف ما أكره، فأنا الجاني حينئذ على صديقي والمعرض له بقبيح السب وتكراره فيه وإسماعه من لم يسمعه والإغراء به، وربما كنت أيضاً في ذلك جانياً على نفسي ما لا ينبغي لصديقي أن يرضاه لي من إسماعي الجفاء والمكروه، وأنا لا أريد من صديقي أن يذب عني بأكثر من الوجه الذي حددت، فان تعدى ذلك إلى أن يساب النائل مني حتى يولد بذلك أن يتضاعف النيل وان يتعدى أيضاً اليه بقبيح المواجهة، وربما إلى أبوي وأبويه على قدر سفه النائل ومنزلته من البذاءة وربما كانت منازعة بالأيدي، فأنا مستنقص لفعله في ذلك زار عليه متظلم منه غير شاكر له، لكني ألومه على ذلك أشد اللوم، وبالله تعالى التوفيق] . [وذمني أيضاً بعض من تعسف الأمور دون تحقيق بأني أضيع مالي، وهذه جملة بيانها] ، أني لا أضيع منه (١) الا ما كان في حفظه نقص ديني أو إخلاق عرضي أو إتعاب نفسي،. فإني أرى الذي أحفظ من هذه الثلاثة، وأن قل، أجل في العوض مما يضيع من مالي، ولو أنه كل ما ذرت عليه الشمس. ٨٣ - أفضل نعم الله على العبد أن يطبعه على العدل وحبه وعلى الحق وإيثاره [فما استعنت على قمع هذه الطوالح الفاسدة وعلى كل خير

стр. 354

في الدين والدنيا الا بما في قوتي من ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله تعالى. وأما من طبع على الجور واستسهاله على الظلم واستخفافه فلييئس من أن يصلح نفسه او يقوم طباعه أبداً، وليعلم أنه لا يفلح في دين ولا في خلق محمود. وأما الزهو والحسد والكذب والخيانة فلم أعرفها بطبعي قط، وكأنني لا حمد لي في تركها لمنافرة جبلتي إياها، والحمد لله رب العالمين] . ٨٤ - من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال اذا احب عاملها أن يذكر بها وكاد يكون شركاً، لانه يعمل لغير الله ، وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حباً للخير لكن ليذكر به. ٨٥ - أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك، لأنه نبه على نقصك، وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك، ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة. ٨٦ - لو علم الناقص نقصه لكان كاملاً. ٨٧ - لا يخلو مخلوق من عيب. فالسعيد من قلت عيوبه ودفنت (١) . ٨٧ - أكثر ما يكون ما لم تظن، والحزم هو التأهب لما تظن. فسبحان مرتب (٢) ذلك ليري الإنسان عجزه وافتقاره إلى خالقه.

стр. 355

٤ - فصل في الإخوان والصداقة والنصيحة ٨٩ - استبقاك من عاتبك، وزهد فيك من استهان بشأنك (١) . ٩٠ - العتاب للصديق كالسبك للسبيكة، فإما تصفو وإما تطير. ٩١ - من طوي من إخوانك سره الذي يعنيك دونك أخون لك ممن أفشى سرك، لأن من أفشى سرك فإنما خانك فقط، ومن طوى سره دونك منهم فقد خانك واستخونك. ٩٢ - لا ترغب فيمن يزهد فيك فتحصل على الخيبة والخزي. ٩٣ - لا تزهد فيمن يرغب فيك، فإنه باب من أبواب الظلم وترك مقارضة الاحسان، وهذا قبيح. ٩٤ - من امتحن بان يخالط الناس فلا يكون (٢) توهمه كله إلى من صحب ولا يبيت (٣) منه إلا على أنه عدو مناصب، ولا يصبح كل غداة إلا وهو مترقب من غدر إخوانه وسوء معاملتهم مثل ما يترقب من العدو المكاشف. فإن سلم من ذلك، فلله الحمد، وإن كانت الأخرى ألفي متأهباً ولم يمت هماً. [وأنا أعلمك أن بعض من خالصني المودة وأصفاني إياها غاية

стр. 356

الصفاء في حال الشدة والرخاء والسعة والضيق والغضب والرضى، تغير علي أقبح تغير بعد اثني عر عاماً متصلة في غاية الصفاء، ولسبب لطيف جداً ما قدرت قط أنه يؤثر مثله في أحد من الناس، وما صلح لي بعدها، ولقد أهمني ذلك سنين كثيرة هماً شديداً] . فلا تستعجل مع هذا سوء المعاملة فتلحق بذوي الشرارة من الناس وأهل الخب منهم. ولكن ها هنا طريق وعرة المسلك شاقة المتكلف، يحتاج سالكها إلى أن يكون أهدى من القطا وأحذر من العقعق (١) حتى يفارق الناس راحلاً إلى ربه تعالى، وهذه الطريق هي طريق الفوز في الدين والدنيا [يحرز صاحبها صفاء نيات ذوي النفوس السليمة والعقود الصحيحة، البراء من المكر والخديعة، ويحوي فضائل الأبرار وسجايا الفضلاء، ويحصل مع ذلك على سلامة الدهاة وتخلص الخبثاء ذوي النكراء والدهاء] ، وهي أن تكتم سر كل من وثق بك، وأن لا تفشي إلى من إخوانك ولا من غيرهم من سرك ما يمكنك طيه بوجه ما من الوجوه وإن كان أخص الناس بك، وان تفي لجميع من ائتمنك، ولا تأتمن أحداً على شيء من أمرك تشفق عليه إلا عن ضرورة لا بد منها، فارتد حينئذ واجتهد وعلى الله تعالى الكفاية. وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه لم يعتمدك بالرغبة. ولا تشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك . ولا تبت إلا على أن أول من أحسنت إليه أول مضر بك وساع (٢) عليك، فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون، لشدة الحسد، كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم. وعامل كل أحد في الإنس أجمل معاملة وأضمر

стр. 357

السلو عنه إن حلت بعض الآفات التي تأتي مع مرور الأيام والليالي تعش سالماً مستريحاً. ٩٥ - لا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الاجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على سبيل استعمال الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف. ٩٦ - حد الصداقة الذي يدور على طرفي محدوده هو أن يكون المرء يسوءه ما ساء الآخر، ويسره ما سره. فما سفل عن هذا فليس صديقاً ومن حمل هذه الصفة فهو صديق. وقد يكون المرء صديقاً لمن ليس صديقه - وإنما الذي يدخل في باب الاضافة، فهو المصادقة فهذا يقتضي فعلاً من فاعلين - إذ قد يحب الانسان من يبغضه، وأكثر من ذلك في الآباء مع الأبناء، وفي الاخوة مع اخوتهم، وبين الأزواج، وفيمن صارت محبته عشقاً. وليس كل صديق ناصحاً، لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه. و [حد] (١) النصيحة هو أن يسوء المرء ما ضر الآخر ساء ذلك الآخر أم سره. وأن يسره ما نفعه سر الآخر أم ساءه. فهذا شرط في النصيحة زائد على شروط الصداقة. وأقصى غايات الصداقة التي لا مزيد عليها من شاركك بنفسه وماله لغير علة توجب ذلك، وآثرك على من سواك. ولولا أني شاهدت مظفراً ومباركاً (٢)

стр. 358

صاحبي بلنسية، لقدرت أن ها الخلق معدوم في زماننا، ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال الموجبة للفرقة غيرهما. ٩٧ - ليس شيء من الفضائل أشبه بالرذائل من الاستكثار من الاخوان والأصدقاء. فإن ذلك فضيلة تامة مركبة، لأنهم لا يكتسبون إلا بالحلم والجود والصبر والوفاء والاستضلاع والمشاركة والعفة وحسن الدفاع وتعليم العلم، وبكل حالة محمودة. ولسنا نعني الشاكرية (١) والاتباع أيام الحرمة، [فأولئك لصوص الاخوان وخبث الأصدقاء، والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك، ودليل ذلك] انحرافهم عند انحراف الدنيا (٢) ، ولا نعني المصادقين لبعض الاطماع، ولا المتنادمين على الخمر والمجتمعين على المعاصي والقبائح ونيل أعراض الناس والفضول وما لا فائدة فيه. فليس هؤلاء أصدقاء، لنيل بعضهم من بعض وانحرافهم (٣) عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم، وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله ، [إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية وإما لنفس المحبة المجردة فقط. ولكن] إذا حصلت عيوب الاستكثار منهم [وصعوبة الحال في إرضائهم والغرر في مشاركتهم] وما يلزمك من الحق لهم عند نكبة تعرض لهم [فإن غدرت بهم أو أسلمتهم لؤمت وذممت، وإن وفيت أضررت بنفسك وربما هلكت، وهذا الذي لا يرضي الفاضل بسواه إذا تنشب في الصداقة، وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من] موت أو فراق، أو غدر من يغدر منهم كان السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم. وليس في الرذائل شيء أشبه بالفضائل من محبة المدح، لأنه

стр. 359

في الوجه سخف ممن يرضى به [وقد (١) جاء في الاثر في المداحين ما جاء] ، إلا أنه قد ينتفع به في الاقصار عن الشر والتزيد من الخير وفي أن يرغب في مثل ذلك الخلق الممدوح من سمعه. ولقد صح عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلاً من أهل الأذى للناس، وقد قلده (٢) بعض الأعمال بالجميل والرفق منتشراً، فكان ذلك سبباً إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره. ٩٨ - بعض أنواع النصيحة يشكل تمييزه من النميمة لأن من سمع إنساناً يذم آخر ظالماً له أو يكيده ظالماً له فكتم ذلك على وجهه كان ربما قد ولد على الذام (٣) والكائد ما لم يبلغ استحقاقه بعد من الأذى فيكون ظالماً له، وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قدر ظلمه. والتخلص من هذا الباب صعب إلا على ذوي العقول. والرأي للعاقل في مثل هذا أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط دون أن يبلغه ما قال لئلا يقع في الاسترسال إليه فيهلك. وأما في الكيد، فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على الكائد، وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد، ولا يزد على هذا شيئاً. وأما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه، وبالله تعالى التوفيق. ٩٩ - النصيحة مرتان، فالأولى فرض وديانة والثانية تنبيه وتذكير، وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع وليس وراء ذلك إلا الركل واللطام (٤) ، وربما

стр. 360

أشد من لك من الغي والأذى، اللهم إلا في معاني الديانة. فواجب على المرء ترداد النصح، رضي المنصوح أو سخط، تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ. ١٠٠ - إذا نصحت فانصح سراً لا جهراً أو بتعريض لا بتصريح إلا لمن لا يفهم، فلا بد من التصريح له (١) . ١٠١ - ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه، فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة (٢) لا مؤدي حق ديانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته والسيد مع عبيده. ١٠٢ - لا تكلف صديقك إلا مثل ما تبذل له من نفسك فإن طلبت أكثر فأنت ظالم. ١٠٣ - لا تكسب إلا على شرط الفقد، ولا تتول إلا على شرط العزلة (٣) وإلا فأنت مضر بنفسك خبيث السيرة. ١٠٤ - مسامحة أهل الاستئثار والاستغنام والتغافل لهم ليس مروءة ولا فضيلة، بل هو مهانة وضعف وتضرية لهم على التمادي على ذلك الخلق المذموم وتغبيط لهم به وعون لهم على فعل ذلك السوء؛ وإنما تكون المسامحة مروءة لأهل الإنصاف المبادرين إلى المسامحة (٤) والايثار، فهؤلاء فرض على أهل الفضل أن يعاملوهم بمثل ذلك، لا سيما إن كانت حاجتهم أمس وضرورتهم أشد. فإن قال قائل: فإذا كان كلامك هذا موجباً لاسقاط المسامحة والتغافل للإخوان، فقد استوى الصديق والعدو والأجنبي في المعاملة، وهذا إفساد ظاهر،

стр. 361

فنقول، وبالله التوفيق: كلا ما نحض (١) إلا على المسامحة والايثار والتغافل - ليس لأهل التغنم - لكن للصديق حقاً، فإن أردت معرفة وجه العمل في هذا والوقوف على نهج الحق فإن القضية (٢) التي توجب الأثرة من المرء (٣) على نفسه صديقه ينبغي لكل واحد من الصديقين أن يتأمل ذلك النازل (٤) ، فأيهما كان أمس حاجة فيه وأظهر ضرورة لديه، فحكم الصداقة والمروءة تقتضي للآخر وتوجب عليه أن يؤثر على نفسه في ذلك، فأن لم يفعل فهو متغنم (٥) مستكثر، لا ينبغي أن يسامح البتة، إذ ليس صديقاً ولا أخاً. فأما إذا استوت حاجتهما واتفقت ضرورتهما، فحق الصداقة ههنا أن يسارع كل واحد منهما إلى الأثرة على نفسه، فإن فعلا ذلك فهما صديقان، وإن بدر أحدهما إلى ذلك ولم يبادر الآخر إليه، فإن كانت عادته هذه فليس صديقاً ولا ينبغي أن يعامل معاملة الصداقة، وإن كان قد يبادر هو أيضاً إلى مثل ذلك في قضية أخرى فهما صديقان. ١٠٥ - من أردت قضاء حاجته بعد أن سألك إياها أو أردت ابتداءه بقضائها، فلا تعمل له إلا ما يريد هو لا ما تريد أنت، وإلا فأمسك. فإن تعديت هذا كنت مسيئاً لا محسناً، ومستحقاً للوم منه ومن غيره لا للشكر، ومقتضياً للعداوة لا للصداقة. ١٠٦ - لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته، بهذا فعل الأراذل (٦) ، ولا تكتمه ما يستضر بجهله فها فعل أهل الشر.

стр. 362

١٠٧ - لا يسرك أن تمدح بما ليس فيك، بل ليعظم (١) غمك بلك لأنه نقصك ينبه الناس عليه ويسمعهم إياه وسخرية منك وهزء بك، ولا يرضى بهذا إلا أحمق ضعيف العقل. ولا تأس إن ذممت بما ليس فيك، بل افرح به، فإنه فضلك ينبه الناس عليه. ولكن افرح إذا كان فيك ما تستحق به المدح، وسواء مدحت به أو لم تمدح. واحزن إذا كان فيك ما تستحق به الذم، وسواء ذممت به أو لم تذم. ١٠٨ - من سمع قائلاً يقول في امرأة صديقه قول سوء فلا يخبره بذلك أصلاً، لا سيما إن كان القائل عيابة وقاعاً في الناس، سليط اللسان أو دافع معرة (٢) عن نفسه يريد أن يكثر أمثاله في الناس، وهذا كثير موجود؛ وبالجملة فلا يحدث الانسان (٣) إلا بالحق، وقول هذا القائل لا يدري أحق هو أم باطل، إلا أنه في الديانة عظيم، فإن سمع القول مستفيضاً من جماعة وعلم أن أصل ذلك القول شائع وليس راجعاً إلى قول إنسان واحد، أو اطلع على حقيقة، إلا انه لا يقدر أن يوقف صديقه على ما وقف هو عليه، فليخبره بذلك بينه وبينه في رفق، وليقل له: النساء كثير، أو حصن منزلك وثقف أهلك واجتنب أمر كذا وتحفظ من وجه كذا، فإن قبل المنصوح وتحرز، فحظ نفسه أصاب، وإن رآه لا يتحفظ ولا يبالي أمسك ولم يعاوده بكلمة، وتمادى على صداقته إياه، فليس في أن لا يصدقه في قوله ما يوجب قطيعته؛ فإن اطلع على [حقيقة] وقدر أن يوقف صديقه على مثل (٤) ما وقف هو عليه من الحقيقة، ففرض عليه أن يخبره بذلك وأن يوقفه على الجلية، فإن غير ذلك، وإن رآه لا يغير (٥) فليتجنب صحبته، فإنه رذل

стр. 363

لا خير فيه ولا بقية (١) . ودخول رجل مستتر في منزل المرء دليل سوء لا يحتاج إلى غيره، ودخول المرأة في منزل رجل على سبيل التستر مثل ذلك أيضاً، وطلب دليل أكثر من هذين سخف. وواجب أن يجتنب مثل هذه المرأة، وفراقها على كل حال، وممسكها لا يبعد عن الديانة. ١٠٩ - الناس في بعض أخلاقهم على سبع مراتب: فطائفة تمدح في الوجه وتذم في المغيب، وهذه صفة أهل النفاق والعيابين، وهذا خلق فاش في الناس غالب عليهم. وطائفة تذم في المشهد والمغيب، وهذه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين. وطائفة تمدح في الوجه والمغيب وهذه صفة أهل الملق والطمع. وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب، وهذه صفة أهل السخف والنواكة. وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح والذم في المشاهدة، ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن الذم. وأما العيابون البرآء من النفاق والقحة، فيمسكون في المشهد ويذمون في المغيب. وأما أهل السلامة فيمسكون عن المدح وعن الذم في المشهد والمغيب، ومن كل من أهل هذه الصفات قد شاهدنا وبلونا. ١١٠ - إذا نصحت ففي الخلاء وبكلام لين، ولا تسند سب من تحدثه إلى غيرك فتكون نماماً. فإن خشنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير. وقد قال تعالى: (فقولا له قولاً ليناً) (طه: ٤٤) وقال رسول الله ﷺ : " لا تنفر " (٢) . وإن نصحت بشرط القبول منك فأنت ظالم ولعلك مخطئ في وجه نصحك فتكون مطالباً بقبول خطئك وبترك الصواب. ١١ - لكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك (٣) أهل الجهل

стр. 364

منعة عظيمة، وهي أنه توقد طبعي واحتدام خاطري وحمي فكري وتهيج نشاطي، فكان ذلك سبباً إلى تواليف لي عظيمة المنفعة، ولولا استثارتهم ساكني، واقتداحهم كامني ما ابنعثت لتلك التواليف. ١١٢ - لا تصاهر إلى صديق ولا تبايعه، فما رأينا هذين العملين إلا سبباً للقطيعة، وإن ظن أهل الجهل أن فيهما تأكيداً للصلة فليس كذلك، لان هذين العقدين داعيان كل واحد إلى طلب حظ نفسه، والمؤثرون على أنفسهم قليل جداً. فإذا اجتمع طلب كل امرئ حظ نفسه وقعت المنازعة، ومع وقوعها فساد المودة. وأسلم المصاهرة مغبة مصاهرة الأهلين بعضهم بعضاً، لان القرابة تقتضي الصبر وإن كرهوه لأنهم مضطرون إلى ما لا انفكاك لهم منه من الاجتماع في النسب الذي توجب الطبيعة لكل أحد الذب عنه والحماية له.

стр. 365

٥ - فصل في أنواع المحبة وقد سئلت عن تحقيق القول فيها وفي أنواعها ١١٣ - المحبة كلها جنس واحد، ورسمها أنها الرغبة في المحبوب وكراهة منافرته والرغبة في المقارضة منه بالمحبة. وانما قدر الناس أنها تختلف من أجل اختلاف الأغراض فيها، وانما اختلفت الأغراض من أجل اختلاف الأطماع وتزايدها وضعفها وانحسامها، فتكون المحبة لله وفيه، وللاتفاق على بعض المطالب، وللأب والابن والقرابة والصديق والسلطان، ولذات الفراش، والمحسن، والمأمول، والمعشوق، فهذا كله جنس واحد اختلفت أنواعه كما وصفت لك على قدر الطمع فيما ينال [من المحبوب] ، فلذلك اختلفت وجوه المحبة. وقد رأينا من مات أسفاً على ولده كما يموت العاشق أسفاً على معشوقه. وبلغنا عمن شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات. ونجد المرء يغار على سلطانه وعلى صديقه كما يغار على ذات فراشه وكما يغار العاشق على معشوقه. فأدنى أطماع المحبة، ممن تحب، الحظوة منه والرفعة لديه والزلفة عنده اذا لم تظمع في أكثر، وهذه غاية أطماع المحبين لله تعالى ثم يزيد الطمع في المجالسة ثم في المحادثة والمؤازرة. وهذه أطماع المرء في سلطانه وصديقه وذوي رحمه. وأقصى أطماع المحب ممن يحب المخالطة بالأعضاء اذا رجا ذلك. ولذلك نجد المحب المفرط المحبة في ذات فراشه

стр. 366

يرغب مجامعتها على هيئات شتى في أماكن مختلفة ليستكثر من الاتصال. ويدخل في هذا الباب الملامسة بالجسد والتقبيل، وقد يقع بعض هذا الطمع في الأب في ولده فيتعدى إلى التقبيل والتعنيق. وكل ما ذكرنا، إنما هو على قدر الطمع. فإذا انحسم الطمع عن شيء ما لبعض الأسباب الموجبة له مالت النفس إلى ما تطمع فيه. ونجد المقر بالرؤية ونجد المقر بالرؤية لله شديد الحنين اليها عظيم التروح (١) نحوها، لا يقنع بدرجة دونها لأنه يطمع فيها، ونجد المنكر لها لا تحن نفسه إلى ذلك ولا يتمناه أصلاً لأنه لا يطمع فيه، ونجده يقتصر على الرضى والحلول في دار الكرامة فقط، لأنه لا تطمع نفسه في أكثر. ونجد المستحل لنكاح القرائب لا يقنع منهن بما يقنع المحرم لذلك، ولا تقف محبته حيث تقف محبة من لا يطمع في ذلك. فنجد من يستحل نكاح ابنته وابنة أخيه كالمجوس واليهود لا يقف من محبتهما حيث يقف المسلم، بل نجدهما يتعشقان الابنة وابنة الأخ كتعشق المسلم من يطمع في مخالطته بالجماع. ولا نجد مسلماً يبلغ ذلك. فيهما ولو أنهما أجمل من الشمس، وكان هو أعهر الناس وأغزلهم. فان وجد ذلك في الندرة فلا تجده الا من فاسد الدين، قد زال عنه ذلك الرادع فانفسح له الأمل وانفتح له باب الطمع. ولا يؤمن من المسلم أن تفرط محبته لابنة عمه لحاً (٢) حتى تصير عشقاً وحتى تتجاوز محبته لها محبته لابنته وابنة أخيه وان كانت اجمل منها، لأنه يطمع من الوصول إلى ابنة عمه حيث لا يطمع من الوصول إلى ابنته وابنة أخيه. ونجد النصراني قد أمن ذلك من نفسه في ابنة عمه أيضاً لأنه لا يطمع منها في ذلك ولا يأمن ذلك من نفسه في أخته من الرضاعة لأنه طامع بها في شرعته (٣) .

стр. 367

فلاح بهذا عياناً ما ذكرنا من أن المحبة كلها جنس واحد لكنها تختلف أنواعها على قدر اختلاف الأغراض فيها. وإلا فطبائع البشر كلهم واحدة، الا ان للعادة والاعتقاد الدياني تأثيراً ظاهراً. ولسنا نقول إن الطمع له تأثير في هذا الفن وحده، لكنا نقول ان الطمع سبب إلى كل هم، حتى في الأموال والأحوال، فاننا نجد الانسان يموت جاره وخاله وصديقه وابن عمته وعمه لأم وابن أخيه لأم وجده أبو أمه وابن بنته، فاذ لا مطمع له في ماله، ارتفع عنه الهم بفوته عن يده، وان جل خطره وعظم مقداره فلا سبيل إلى أن يمر الاهتمام بشيء منه بباله؛ حتى إذا مات له عصبة على بعد أو مولى على بعد حدث له الطمع في ماله وحدث له من الهم والأسف والغيظ والفكرة بفوت اليسير منه عن يده أمر عظيم. وهكذا في الأحوال: فنجد الانسان من أهل الطبقة المتأخرة لا يهتم لإنفاذ غيره أمور بلده دون أمره ولا لتقريب غيره وإبعاده، حتى اذا حدث له طمع في هذه المرتبة حدث له من الهم والفكر والغيظ أمر ربما قاده إلى تلف نفسه وتلف دنياه وأخراه. فالطمع اذاً أصل كل هم (١) ، وهو خلق سوء ذميم. وضده نزاهة النفس، وهذه صفة فاضلة متركبة من النجدة والجود والعدل والفهم لأنه فهم (٢) قلة الفائدة في استعمال ضدها فاستعملها، وكانت فيه نجدة انتجت له عزة نفسه فتنزه، وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس فلم يهتم لما فاته، وكانت فيه طبيعة عدل حببت اليه القنوع وقلة الطمع. فاذا نزاهة النفس متركبة من هذه الصفات، فالطمع الذي هو ضدها متركب من الصفات المضادة لهذه الأربع الصفات، وهي الجبن والشح والجور والجهل.

стр. 368

والرغبة طمع مستوفى متزايد متعمل (١) ، ولولا الطمع ما ذل أحد لأحد. واخبرني أبو بكر بن [أبي] (٢) الفياض قال: كتب عثمان بن محامس (٣) على باب داره بأستجة (٤) " يا عثمان لا تطمع ".

стр. 369

فصول من هذا الباب ١١٤ - من امتحن بقرب من يكره كمن امتحن ببعد من يحب ولا فرق. ١١٥ - إذا دعا المحب في السلو فإجابته مضمونة وهي دعوة مجابة. ١١٦ - اقنع بمن عندك يقنع بك من عندك. ١١٧ - السعيد في المحبة هو من ابتلي بمن يقدر أن يلقي عليه تعلة (١) ولا تلحقه في مواصلته تبعة من الله تعالى ولا ملامة من الناس. صلاح ذلك ان يتوافقا في المحبة، وتحديده (٢) أن يكونا خاليين من الملل، فانه خلق سوء منغص (٣) ، وتمامه نوم الأيام عنهما مدة انتفاع بعضهما ببعض، وأنى بذلك إلا في الجنة. وأما ضمانه بيقين فليس الا فيها، فهي دار القرار، والا فلو حصل ذلك كله في الدنيا لم تؤمن الفجائع والقطع والهرم (٤) دون استيفاء اللذة. ١١٨ - اذا ارتفعت الغيرة فأيقن بارتفاع المحبة. ١١٩ - الغيرة خلق فاضل متركب من النجدة والعدل لأن من

стр. 370

عدل كره ان يتعدى إلى حرمة غيره وأن يتعدى غيره على حرمته. ومن كانت النجدة له طبعاً حدثت فيه عزة، ومن العزة تحدث الأنفة من الاهتضام. ١٢٠ - اخبرني بعض من صحبناه في الدهر عن نفسه أنه ما عرف الغيرة قط حتى ابتلي بالمحبة فغار. وكان هذا المخبز فاسد الطبع، خبيث التركيب، إلا انه [كان] (١) من أهل الفهم والجود. ١٢١ - درج المحبة خمسة: أولها الاستحسان وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور اليه حسنة أو يستحسن اخلاقه وهذا يدخل في باب التصادق، ثم الاعجاب، وهو رغبة الناظر في المنظور اليه وفي قربه، ثم الألفة وهي الوحشة اليه متى غاب، ثم الكلف، وهو غلبة شغل البال به، وهذا النوع يسمى في باب الغزل بالعشق، ثم الشغف وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك، وربما أدى ذلك إلى المرض أو إلى التوسوس أو إلى الموت. وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلاً. ١٢٢ - فصل: كنا نظن أن العشق في ذوات الحركة والحدة من النساء أكثر فوجدنا الأمر بخلاف ذلك، وهو في الساكنة الحركات أكثر، ما لم يكن ذلك السكون بلهاً.

стр. 371

٦ - فصل في أنواع صباحة (١) الصور وقد سئلت عن تحقيق الكلام فيها ١٢٣ - الحلاوة دقة المحاسن ولطف الحركات وخفة الاشارات وقبول النفس لأعراض الصورة وان لم تكن هنالك صفات ظاهرة. ١٢٤ - القوام جمال كل صفة على حدتها، ورب جميل الصفات على انفراد كل صفة منها، بارد الطلعة غير مليح ولا حسن ولا رائع ولا حلو. ١٢٥ - الروعة بهاء الأعضاء الظاهرة [مع جمال فيها] (٢) . وهي أيضاً الفراهة والعتق. ١٢٦ - الحسن هو شيء ليس له في اللغة اسم يعبر به غيره (٣) ، ولكنه محسوس في النفوس باتفاق [كل] من رآه، وهو برد مكسو على الوجه واشراق يستميل القلوب نحوه، فتجتمع الآراء على استحسانه وان لم يكن هنالك صفات جميلة، فكل من رآه راقه واستحسنه وقبله،

стр. 372

حتى إذا تأملت الصفات افراداً لم تر طائلاً، وكأنه شيء في نفس المرئي تجده نفس الرائي، وهذه أجل مراتب الصباحة. ثم تختلف الأهواء بعدها، فمن مفضل للروعة، ومن مفضل للحلاوة. وما وجدنا أحداً قط يفضل القوام المنفرد. ١٢٧ - الملاحة اجتماع شيء بشيء مما ذكرنا.

стр. 373

٧ - فصل فيما يتعامل به الناس في الاخلاق ١٢٨ - التلون المذموم هو التنقل من زي متكلف، لا معنى له، إلى زي آخر مثله في التكلف وفي أنه لا معنى له، ومن حال لا معنى لها [إلى حال لا معنى لها] (١) بلا سبب يوجب ذلك. فأما من استعمل من الزي ما أمكنه مما به إليه حاجة وترك التزيد مما لا يحتاج إليه، فهذا عين من عيون العقل والحكمة كبير. وقد كان رسول الله ﷺ ، وهو القدوة في كل خير والذي أثنى الله تعالى على خلقه والذي جمع الله تعالى فيه أشتات الفضائل بتمامها وأبعده عن كل نقص، يعود المريض مع أصحابه راجلاً في أقصى المدينة بلا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة، ويلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره لا يتكلف إلى ما لا يحتاج إليه، ولا يترك ما يحتاج إليه، ويستغني بما وجد عما لا يجد، ومرة يمشي حافياً راجلاً، ومرة يركب الناقة، ومرة [يركب] (٢) حماراً ويردف عليه بعض أصحابه، ومرة يأكل التمر دون خبز والخبز يابساً، ومرة يأكل العناق المشوية والبطيخ بالرطب والحلوى، يأخذ القوت، ويبذل الفضل، ويترك ما لا يحتاج إليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة إليه، ولا يغضب لنفسه، ولا يدع الغضب لربه .

стр. 374

١٢٩ - الثبات الذي هو صحة العقد، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهاً لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق. والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل أو ما فعله الفاعل نصراً لما نشب فيه، وقد لاح له فساده او لم يلح له صوابه ولا فساده. وهذا مذموم، وضده الانصاف. وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق أو على ما اعتقده المرء حقاً ما لم يلح له باطله. وهذا محمود، وضده الاضطراب، وإنما يلام بعض هذين لأنه ضيع تدبير ما ثبت عليه وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل. ١٣٠ - حد العقل استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل. وقد نص الله تعالى في غير موضع من كتابه على أن من عصاه لا يعقل. قال تعالى حاكياً عن قوم: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ (الملك: ١٠) ثم قال مصدقاً لهم: ﴿فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير﴾ (الملك: ١١) . ١٣١ - وحد الحمق استعمال المعاصي والرذائل. وأما التعدي وقذف الحجارة والتخليط في القول، فإنما هو جنون ومرار هائج. وأما الحمق فهو ضد العقل وهو ما بينا آنفاً، ولا واسطة بين العقل والحمق، إلا السخف. ١٣٢ - وحد السخف هو العمل والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ولا حميد خلق، مما ليس معصية ولا طاعة ولا عوناً عليهما ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية، ولكنه من هذر القول وفضول العمل. فعلى قدر الاستكثار من هذين الأمرين والتقلل منهما يستحق المرء اسم السخف. وقد يسخف المرء في قصة ويعقل في أخرى ويحمق في ثالثة. ١٣٣ - وضد الجنون تمييز الأشياء ووجود القوة على التصرف

стр. 375

في المعارف والصناعات، وهذا الذي يسميه الأوائل النطق. ولا واسطة بينهما. وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى الناس بما وافقهم وصلحت عليه حال المتودد من باطل أو غيره أو عيب أو ما عداه، والتحيل في إنماء المال وبعد الصوت وتمشية (١) الجاه بكل ما أمكن من معصية ورذيلة، فليس عقلاً. ولقد كان الذين صدقهم الله تعالى في أنهم لا يعقلون، فأخبرنا تعالى بأنهم لا يعقلون، سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم مدارين لملوكهم حافظين لرياستهم، لكن هذا الخلق يسمى الدهاء، وضده الغفلة (٢) والسلامة. وأما إذا كان السعي فيما ذكرنا فيه تصاون وأنفة فهو يسمى الحزم. وضده المنافي له التضييع. وأما الوقار ووضع الكلام موضعه والتوسط في تدبير المعيشة ومسايرة الناس بالمسالمة فهذه الأخلاق تسمى الرزانة، وهي ضد السخف. ١٣٤ - الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة، لأن الوفي (٣) رأى من الجور ألا يقارض (٤) من وثق به أو من أحسن إليه فعدل في ذلك، ورأى أن يسمح بعاجل يقتضيه له عدم الوفاء من الحظ فجاد في ذلك، ورأى أن يتجلد لما يتوقع من عاقبة الوفاء فشجع في ذلك. ١٣٥ - أصول الفضائل [كلها] (٥) أربعة، عنها تتركب كل فضيلة وهي العدل والفهم والنجدة والجود. وأصول الرذائل كلها أربعة، عنها تتركب كل رذيلة، وهي أضداد التي ذكرنا، وهي الجور والجهل والجبن والشح. ١٣٦ - الأمانة والعفة نوعان من أنواع العدل والجود.

стр. 376

١٣٧ - قال أبو محمد علي بن أحمد: ومما قلته في الأخلاق (١) : [مجزوء الرمل] إنما العقل أساس ... فوقه الأخلاق سور فتحل العقل بالعل ... م وإلا فهو بور جاهل الأشياء أعمى ... لا يرى حيث (٢) يدور وتمام العلم بالعد ... ل وإلا فهو زور وتمام العدل بالجو ... د وإلا فيجور وملاك الجود بالنج ... دة والجبن غرور عف إن كنت غيوراً ... ما زنى قط غيور وكمال الكل بالتق ... وى وقول الحق نور ذي أصول الفضل عنها ... حدثت بعد النزور ومما قلته أيضاً: [متقارب] زمام [أصول] (٣) جميع الفضائ ... ل عدل وفهم وجود وباس فعن هذه ركبت غيرها ... فمن حازها فهو في الناس راس كذا الراس فيه الأمور التي ... بإحساسها يكشف الالتباس ١٣٨ - النزاهة في النفس فضيلة، تركبت من النجدة والجود، وكذلك الصبر. ١٣٩ - الحلم نوع مفرد من أنواع النجدة. ١٤٠ - القناعة فضيلة مركبة من الجود والعدل. ١٤١ - الحرص متولد عن الطمع، والطمع متولد عن الحسد. والحسد متولد عن الرغبة. والرغبة متولدة عن الجور والشح والجهل.

стр. 377

ويتولد من الحرص رذائل عظيمة منها الذل والسرقة والغضب والزنا والقتل والعشق والهم بالفقر. والمسألة لما بأيدي الناس [تتولد فيما بين الحرص والطمع] (١) ، وإنما فرقنا بين الحرص والطمع لأن الحرص هو إظهار ما استكن في النفس من الطمع. ١٤٢ - المداراة فضيلة متركبة من الحلم والصبر. ١٤٣ - الصدق مركب من العدل والنجدة. ١٤٤ -[من جاء إليك بباطل رجع من عنك بحق، وذلك أن من نقل إليك كذباً عن إنسان حرك طبعك، فأجبته فرجع عنك بحق. فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله] . ١٤٥ - لا شيء أقبح من الكذب وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعاً من أنواعه. فكل كفر كذب. فالكذب جنس [و] الكفر (٢) نوع تحته. ١٤٦ - الكذب متولد من الجور والجبن والجهل، لان الجبن يولد مهانة النفس، والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة. ١٤٧ - رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقساماً ثلاثة: أحدها من لا يبالي فيما أنفق كلامه، فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا إنكار باطل، وهذا هو الأغلب في الناس، والثاني أن يتكلم ناصراً لما وقع بنفسه انه حق ودافعاً لما توهم أنه باطل، غير محقق لطلب الحقيقة، لكن لجاجاً فيما التزم، وهذا كثير وهو دون الأول. والثالث واضع الكلام في موضعه، وهذا أعز من الكبريت الأحمر. ١٤٨ - لقد طال هم من غاظه الحق.

стр. 378

١٤٩ - اثنان عظمت راحتهما: أحدهما في غاية الحمد (١) والآخر في غاية الذم، وهما مطرح الدنيا ومطرح الحياء. ١٥٠ - لو لم يكن من التزهد في الدنيا إلا أن كل إنسان في العالم، فإنه كل ليلة إذا نام نسي كل ما يشفق (٢) عليه في يقظته، وكل ما يشفق منه، وكل ما يشره (٣) إليه، فتجده في تلك الحال (٤) لا يذكر ولداً ولا أهلاً ولا جاهاً ولا خمولاً ولا ولاية ولا عزلة ولا فقراً ولا غنى ولا مصيبة (٥) ، وكفى بهذا واعظاً لمن عقل. ١٥١ - من عجيب تدبير الله للعالم، أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه، كان (٦) ذلك أهون له. وتأمل ذلك في الماء فما فوقه. وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له. وتأمل ذلك في الياقوت الأحمر فما دونه. ١٥٢ - الناس فيما يعانونه (٧) كالماشي في الفلاة، كلما قطع أرضاً بدت له أرضون. وكلما قصد المرء سبباً حدثت له أسباب. ١٥٣ - صدق من قال ان العاقل في الدنيا متعوب، وصدق من قال انه فيها مستريح. فأما تعبه فبما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يحال بينه وبين الحق من إظهار الحق. وأما راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا. ١٥٤ - إياك وموافقة الجليس [السيء] (٨) ومساعدة أهل زمانك

стр. 379

فيما يضرك في أخراك وفي دنياك، وإن قل، فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم. ولن (١) يحمدك من ساعدته بل يشمت بك، وأقل ذلك، وهو المضمون، أنه لا يبالي بسوء (٢) عاقبتك وفساد مغبتك. وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك، وإن قل، فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة، وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلاً. ١٥٥ - إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو إغضاب الله ، ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الحق ومنافرة الخلق، فأغضب الناس ونافرهم، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق. ١٥٦ - الاتساء بالنبي ﷺ في وعظه أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته وصار في أكثر الأمور مغرياً للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجاً وحرداً ومغايظة للواعظ الجافي، فيكون في وعظه مسيئاً لا محسناً. ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح من الموعوظ فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة. فغن لم يتقبل فلينتقل إلى الوعظ بالتحشيم وفي الخلاء. فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحيي منه الموعوظ. فهذا أدب الله تعالى في أمره بالقول اللين. وكان ﷺ لا يواجه بالموعظة، لكن كان يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذا " (٣) . وقد أثنى ﵇ على الرفق، وأمر بالتيسير، ونهى عن التنفير، وكان يتحول بالموعظة خوف الملل. وقال تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران: ١٥٩) وأما الغلظة والشدة فإنما تجب في حد من حدود الله، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحد

стр. 380

خاصة. ومما ينجع في الوعظ أيضاً الثناء بحضرة المسيء على من فعل خلاف فعله، س فها داعية إلى عمل الخير. وما أعلم لحب المدح فضلاً إلا ها وحده، وو أن يقتدي به من يسمع الثناء. ولهذا يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره، ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه، ويتعظ بما سلف. ١٥٧ - وتأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه، من حي وغير حي، من طبعه عن قوي أن يخلع [على] (١) غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته. فترى الفاضل يود لو كان [كل] الناس فضلاء، وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء، وترى كل من ذكر شيئاً يحض عليه يقول: أنا أفعل أمر كذا وكذا، وكل [ذي] مذهب يود لو كان الناس موافقين له. وترى ذلك في العناصر، إذا قوي بعضها على بعض أحاله إلى نوعيته، وترى ذلك في تركيب الشجر وفي تغذي النبات والشجر بالماء ورطوبة الأرض وإحالتهما ذلك إلى نوعيتها. فسبحان مخترع ذلك ومدبره، لا إله إلا هو. ١٥٨ - ومن عجيب قدرة الله تعالى كثيرة الخلق، ثم لا نرى أحداً يشبه آخر شبهاً لا يكون بينهما فيه فرق. وقد سالت من طال عمره وبلغ ثمانين عاماً، هل رأى الصور فيما خلا مشبهة لهذه شبهاً واحداً، فقال لي: لا بل لكل صورة فرقها. وهكذا كل ما في العالم، يعرف ذلك من تدبر الآلات وجميع الأجسام المركبات، وطال تكرر بصره عليها، فإنه حينئذ يميز ما بينها ويعرف بعضها من بعض بفروق فيها تعرفها النفس، ولا يقدر أحد يعبر عنها بلسانه. فسبحان العزيز الحكيم الذي لا تتناهى مقدوراته.

стр. 381

١٥٩ -[من عجائب الدنيا قوم غلبت عليهم آمال فاسدة لا يحصلون منها إلا على إتعاب النفس عاجلاً ثم الهم والإثم آجلاً، كمن يتمنى غلاء الأقوات التي في غلائها هلاك الناس، وكمن يتمنى بعض الأمور التي فيها الضرر لغيره، وإن كانت له فيها منفعة، فإن تأميله ما يؤمل من ذلك لا يعجل له ذلك قبل وقته، ولا يأتيه من ذلك بما ليس في علم الله تعالى تكونه، فلو تمنى الخير والرخاء لتعجل الأجر والراحة والفضيلة ولم يتعب نفسه طرفة عين فما فوقها، فاعجبوا لفساد هذه الأخلاق بلا منفعة] (١) .

стр. 382

٨ - فصل في مداواة ذوي الأخلاق الفاسدة ١٦٠ - من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه. فان اعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنية، فان خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أنه مصيبة للأبد (١) وأنه اتم الناس نقصاً وأعظمهم عيوباً وأضعفهم تمييزاً. وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها. والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدر ان عيوبه خصال، وهذا أشد عيب في الأرض. وفي الناس كثير يفجرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم فيعجب بتأتي هذه النجوس له وبقوته على هذه المخازي. واعلم يقيناً أنه لا يسلم إنسي من نقص، حاشا الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة (٢) وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة. وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة الا الاتعاظ بما يسمع المرء منها

стр. 383

فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته. وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير لا يسوغ أصلاً، والواجب اجتنابه الا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب، أو على سبيل تبكيت المعجب فقط في وجهه لا خلف ظهره. ١٦١ - ثم تقول للمعجب: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تميل (١) بين نفسك وبين من هو أكثر منها عيوباً فتستسهل الرذائل وتكون مقلداً لأهل الشر، وقد ذم تقليد أهل الخير فكيف تقليد أهل الشر لكن ميل بين نفسك وبين من هو أفضل منك فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس، وفيهم بلا شك من هو خير منك، فإذا استخفت بهم لغير حق، استخفوا بك بحق، لان الله تعالى يقول: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) فتولد على نفسك ان تكون أهلاً للاستخفاف بك على الحقيقة، مع مقت الله وطمس ما فيك من فضيلة. (أ) فان أعجبت بعقلك، ففكر في كل فكرة سوء تمر بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة (٢) بك، فانك تعلم نقص عقلك حينئذ. (ب) وان أعجبت بآرائك، فتفكر في سقطاتك (٣) واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قدرته صواباً فخرج بخلاف تقديرك، وأصاب غيرك وأخطأت انت، فانك ان فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك صوابه فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك. وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم.

стр. 384

(ج) وان أعجبت بخيرك (١) فتفكر في معاصيك وتقصيرك وفي معايبك ووجوهها (٢) ، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفي على حسناتك، فليطل (٣) همك حينئذ من ذلك، وأبدل من العجب تنقيصاً لنفسك. (د) وان أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك اياها ربك تعالى فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت. ولقد أخبرت عن عبد الملك بن طريف (٤) وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم، لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته، وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ وأخل بقوة حفظه اخلالاً شديداً ولم يعاوده ذلك الذكاء بعد. وأنا أصابتني علة فأقمت منها، وقد ذهب ما كنت احفظ الا ما لا قدر له، فما عاودته الا بعد أعوام. واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة والإكباب على الدرس والطلب ثم لا يرزقون منه حظاً، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالاكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح انه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا ما هذا الا موضع تواضع وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه واستعاذة من سلبها. ثم تفكر أيضاً في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم الذي

стр. 385

تختص (١) به والذي أعجبت بنفاذك فيه، أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها، فهو أولى. وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيراً، فلتهن نفسك عندك حينئذ. وتفكر في إخلالك بعلمك، فانك لا تعمل بما علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً. واعلم ان الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية. ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك. (هـ) وان أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها، فان كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق، لأنك بذلت نفسك فيما ليس بثمن لها. وان كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخ، وانك إن عشت فستصير في عدد العيال وكالصبي ضعفاً. على أني ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة، فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها. (و) وإن اعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك واندادك ونظائرك (٢) ولعلهم أخساء وضعاء (٣) سقاط. فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ولعلهم ممن يستحيي من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وفي أخلاقهم ومنابتهم، فاستهن بكل منزلة شارك فيها من ذكرت لك.

стр. 386

وان كنت مالك الأرض كلها ولا خليفة عليك - وهذا بعيد جداً في الإمكان، فما نعلم أحداً ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق مساحته (١) بالإضافة إلى غامرها (٢) فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط - فتفكر فيما قال ابن السماك (٣) للرشيد، وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها فقال له الرشيد بملكي كله. قال: يا أمير المؤمنين، فلو منعت من خروجها منك، بكم كنت ترضى تفتدي من ذلك قال: بملكي كله. فقال: يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك ﵀. وان كنت ملك المسلمين كلهم، فاعلم أن ملك السودان وهو رجل أسود (٤) مكشوف العورة جاهل، يملك أوسع من ملكك. فان قلت أخذته بحق، فلعمري ما أخذته بحق اذ استعملت فيه رذيلة العجب، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك، فهي حالة لا حالة يجب العجب فيها. (ز) وان أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت. واعلم ان عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها الا بان تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط. والمال ايضاً غاد ورائح (٥) ، وربما زال

стр. 387

عنك ورأيته بعينه في يد غيرك، ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف. (ج) وان اعجبت بحسنك ففكر فيما عليك مما نستحيي نحن من اثباته وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن. وفيما ذكرنا كفاية. (ط) وان اعجبت بمدح اخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك اياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب، فان لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس الله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله. فان استحقرت عيونك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل اطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك ان كانت لك مسكة من تمييز. واعلم بأنك لو تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الأخلاق من امتزاج ناصرها المحمولة في النفس فستقف من ذلك وقوف يقين على ان فضائلك لا خصلة لك فيها وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك، وانك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت، فاجعل بدل عجبك بها حمداً لواهبك إياها وإشفاقاً من زوالها، فقد تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض وبالفقر وبالخوف وبالغضب وبالهرم، وارحم من منع ما منحت، ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعاطي (١) على واهبها تعالى، وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقاً، فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلاً واجلاً. ولقد أصابتني علة شديدة ولدت علي ربواً في الطحال شديداً، فولد علي لك من الضجر وضيق الخلق وقلة الصبر والنزق أمراً حاسبت نفسي فيه، اذ أنكرت تبدل خلقي، فاشتد عجبي من مفارقتي لطبعي، وصح عندي أن الطحال موضع الفرح، فإذا فسد تولد ضده.

стр. 388

(ي) وان أعجبت بنسبك، فهذه اسوأ من كل ما ذكرنا، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك. ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك، وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء ﵈ ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الاسلام، فتأمل غبراتهم وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلقهم في غاية السقوط والرذالة والتبذل والتحلي بالصفات المذمومة. فلا تغتبط بمنزلة هم نظراؤك أو فوقك. ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً، وشربة خمور، ولاطة، ومتعبثين (١) ، ونوكى، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور، فأنتجوا آثاراً (٢) قبيحة يبقى عارهم بذلك على الأيام، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب. فان كان ذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار، لا في الاعجاب. (ك) فان أعجبت بولادة الفضلاء اياك، فما أخلى يدك من فضلهم ان لم تكن أنت فاضلاً، وما أقل غناءهم عنك في الدنيا والآخرة ان لم تكن محسناً، والناس كلهم ولد آدم الذي خلقه الله تعالى بيده، وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته، ولكن ما أقل نفعه لهم، وفيهم كل عيب (٣) وكل فاسق وكل كافر. واذا فكر العاقل في أن فضائل آبائه لا تقربه من ربه تعالى ولا تكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده او بفضله في نفسه ولا ماله، فأي معنى

стр. 389

للإعجاب بما لا منفعة فيه وهل المعجب بذلك الا كالمعجب بمال جاره وبجاه غيره وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه (١) ، وكما تقول العامة في أمثالها: " كالخصي يزهى بذكر ابيه ". (٢) (ل) فان تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك، لأنه قد عجز عقلك عن مفارقة (٣) ما فيك من العجب. هذا ان امتدحت بحق، فكيف ان امتدحت بكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وابراهيم وسلم، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك. وقد كان فيمن ولد لغير رشدة، من كان الغاية في رئاسة الدنيا كزياد وأبي مسلم، ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله عن ذكره في مثل هذا الفصل ممن يتقرب إلى الله تعالى بمحبته (٤) والاقتداء بحميد آثاره. (م) وان أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال، وان أعجبت بخفتك، فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب. فمن اعجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق. ١٦٢ - واعلم أن من قدر في نفسه عجباً أو ظن لها على سائر الناس فضلاً، فلينظر إلى صبره عندما يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو دمل أو مصيبة، فان رأى في نفسه قلة الصبر (٥) فليعلم أن جميع أهل

стр. 390

البلاء من المجذمين وغيرهم من الصابرين، أفضل منه على تأخر طبقتهم في التمييز. وان رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو إما متأخر عنهم وإما مساو لهم، ولا مزيد. ١٦٣ - ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله تعالى من نعمة أو مال أو خول أو أتباع أو صحة أو جاه، فان وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه من الشكر لواهبه تعالى، ووجدها حائفة في العدل، فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من المخولين أكثر مما هو فيه، أفضل منه. فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل، فالعادل بعيد من العجب البتة لعلمه بموازين الأشياء، ومقادير الأخلاق، والتزامه التوسط الذي هو الاعتدال بين الطرفين المذمومين. فإن أعجب لم يعدل، بل قد مال إلى جنبة الافراط المذمومة. ١٦٤ - ولتعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل، لان العاقل الرفيع النفس العالي الهمة، انما يغالب أكفاءه في القوة ونظراءه في المنعة. وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة، فسقوط في الطبع ورذالة في النفس والخلق وعجز ومهانة، ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ او بعقر برغوث او بفرك قملة وحسبك بهذا ضعة وخساسة. ١٦٥ - واعلم أن رياضة النفس (١) أصعب من رياضة الأسد، لان الأسد اذا سجنت في البيوت التي تتخذها (٢) لها الملوك، أمن شرها، والنفس ان سجنت لم يؤمن شرها.
следующие страницы →