مطارق الدمار؛ وكانت " الحدة الرومنطيقية " تتعلق بالحب فأصبحت وجوداً في الماضي، وإنكاراً للحاضر (إلا من علاقات عملية عابرة) وأصبحت ألفة كل شيء تقدم هي التي تسيطر على الفكر والمشاعر: " وان حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وانه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفك يطرقني، ولقد نغص تذكري ما مضى كل شيء استأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا " (١) . ولقد أورثته هذه النكبات إحساناً مرهفاً بمعنى الفقد والفراق حتى أصبح يرى الموت أسهل من الفراق، وجعلته يستعيذ بالله من التنكر لما درس، أي لما أصبح جزاءاً من الماضي؛ وكم جلب تغير الحال من تنكر الاخوان والأصدقاء، مما زاد حساسيته تجاه الحفاظ على العهود الماضية، فأخذ في علاقاته يتكئ على التأني والتربص والمسالمة وخفض الجناح - رغم توقد حدته - كلما أحس أنه قد يفقده التعجل والغضب صديقاً من أصدقائه؛ ولهذا استشعر انه بالمقايسة إلى المتقلبين في صداقاتهم يتحلى بالوفاء، لا لمن يمثلون العهود الماضية وحسب، بل انبسط وفاؤه حتى شمل كل من مت إليه بلقية واحدة أو حادثه ساعة، وتورع عن إلحاق الأذى بمن كان بينه وبينه أقل ذمام ولو عظمت ذنوبه وإساءاته إليه. وقد كان هذا النوع من الوفاء مرمضاً لأنه يكلفه الحمل على نفسه، ومما يزيد في الألم الناشئ عنه اقترانه بعزة النفس، فالوفاء يتطلب تحمل الضيم من الصديق، وعزة النفس لا تقر على الضيم، ومن صراعهما يتولد قهر الذات وحملها على التصبر وتحمل الألم الممض، وكل هذا يحمل على اكتنان مقت شديد للغدر والكذب والتلون، وذلك أيضاً مبعث ألم آخر، وقد يسامح ابن حزم في كل عيب يجده في من حوله من معارفه وأصدقائه إلا في الكذب، فحينئذ يكون هو
стр. 72
البادئ إلى القطيعة والمتاركة، وكأنه يقول: أن وفائي يضيق عن الكذب مهما انبسط نطاقه واتسع.
وقد بقيت تلك " الحدة الرومنطيقية " في معايشة الماضي محور شخصية ابن حزم حتى بعد سنوات من كتابة الطوق، وأحسبها لم تتغير شخصية ابن حزم حتى بعد سنوات من كتابة الطوق، وأحسبها لم تتغير إلى النهاية، وإنما كانت تتلبس أشكالاً مختلفة؛ وقد غرست في نفسه شعوراً بالظمأ الدائم، لان ريه إنما يتم بالعودة إلى الماضي وذلك أمر مستحيل؛ ولهذا كان واقع الحياة يزيد في حرارة ذلك الظمأ، وفي مجال الحب عبر عن ذلك الشعور بقوله: " وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني الا ظمأ " (١) ، وإذا كان الصوفية يرون غايتهم في الفناء، فان ظمأ ابن حزم لم يكن يشفيه إلا أحد شيئين إما الاتحاد النهائي بالمحبوب أو العودة إلى رحم الماضي، وقد خلصته السن من الظمأ الأول وأبقت له الثاني.
قلت إن " الحدة " لدى ابن حزم أخذت تتلبس من بعد أشكالاً مختلفة، فقد أخذت تتمثل بعد عهد الطوق بالإفراط في الغضب والتعبير عن ذلك بالكلام والفعل والتخبط، وكان يقابل ذلك أيضاً الإفراط في طلب الرضى، ولكنه ظل يعالج هذين الأمرين فاستطاع التغلب على الغضب جملة، وأعجزه ذلك في شأن الرضى، وتشكلت الحدة أحياناً لديه بصورة " حقد مفرط " فقاومه بالطي والقهر، حتى لم يبد للناس، ولكنه ظل عاجزاً عن مصادقة من عاداه عداوة صحصحة - وهذا مطلب يعجز عنه أيضاً من لم يكن لديه حقد مفرط، وكذلك تشكلت في صورة حب الشهرة والغلبة، وقد ظلت هذه الصفة تلازمه إلا فيما لا يحل في الديانة، فأما العجب الذاتي اللاحق بها فقد استطاع خنقه إلى الأبد.
وأما الغيرة وسوء الظن المأتيان من تجاره مع الجواري، فقد ظلا
стр. 73
يلازمانه. أما الغيرة أو الأنفة الشديدة فقد حملته على بضعه لانكاح الحرم جملة، وأما سوء الظن فإنه امتد حتى شمل الرجال، وقد ظل يراه حزماً ما لم يخرج عن حدود الدين. كذلك استمر لديه التحمل للأذى والصبر على الألم من الخصوم والإخوان على السواء، حتى اتهمه بعضهم بتبلد الإحساس في هذه الناحية، وهو يرد على ذلك بان الإحساس بالألم في مثل ذلك أمر طبيعي ولكن كل ما هنالك أنه راض نفسه على عدم الثورة والهياج والتخبط، ولكنه يستطيع ان يرد بكلام مؤلم دون إفحاش متحرياً الصدق فيما يقول.
كذلك اتهم بأنه مذل بأسرار إخوانه، ولعل في هذا إشارة إلى كتاب الطوق نفسه إذ كشف فيه أسرار كثيرين ممن عرفهم، وكان الناس في أيامه يعرفونهم حتى وان لم يذكر أسماءهم؛ كما اتهموه بأنه يسمع الذم في اخوانه ولا يمتعض لهم، ويرد على هذه التهمة بأنه يمتعض امتعاضاً رقيقاً، يحمل الذام على الندم والاعتذار والخجل، دون مهارشة له أو استثارة لغضبه، لان ذلك قد يحمله على التمادي في ذم أحد إخوانه، ويتعدى الذم إلى سب الأبوين وإلى السفه والبذاءة.
وأخذ عليه أنه متلف لماله، ولابد أن تكون هذه التهمة بعد إذ أصبح يستطيع الحصول على مال يمكن التوفير فيه، وهذه الحال غير مستنكرة في من عانى شظف العيش بعد استقرار ورفاهية، واني لأظنها مأخذاً صحيحاً، ولكن ابن حزم يعتذر عنها بأنه لا يتلف من ماله إلا ما فيه حفظ دينه من النقص وعرضه من الأخلاق ونفسه من التعب، وكأني به يقر بتلك الخصلة على نحو غير مباشر.
ويطالعنا ابن حزم بخصلة كانت فيه ليس من السهل أن يستشف من مؤلفاته، وهي دعابة غالية، وتلك صفة حاول فيها الاعتدال بتجنب ما يغضب الممازح، وظل يحتفظ منها بالقسط الذي لا يؤذي الآخرين. وقد نحمل عليها ثلاثة مواقف في الطوق أولها: أن ابن حزم توقف في
стр. 74
موطن جاد ليقول لنا إن أحد المنتسبين إلى العلم فسر القبقب بأنه البطيخ، وليس من شك في أنها نادرة كانت تضحك ابن حزم. والثاني: تلك الروح " الفضولية " التي دفعته وهو في مجلس رأى فيه غمزاً وخلوات أن ينبه صاحب المنزل بإنشاد هذين البيتين وتكرارهما كثيراً وهما:
إن إخوانه المقيمين بالامس ... أتوا للزناء لا للغناء
قطعوا أمرهم وأنت حمار ... موقر من بلادة وغباء حتى قال له صاحب المجلس " وقد أمللتنا من سماعهما فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما "، فالأمر كان يبدو لابن حزم نوعاً من التندر، حتى وجد أن تندره لا يؤثر في ذلك البلد. والموقف الثالث: حين دعا أحدهم محباً كان متأنساً فرحاً بجلوسه مع محبوبه ليحضر إلى منزله، فلم يفعل فلما قابله الداعي بعد مدة لامه بشدة، فقال له ابن حزم: أنا أكشف عذره صحيحاً من كتاب الله إذ يقول " ما اخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم " وهي دعابة عميقة.
١٠ - شعره:
جمع طوق الحمامة قدراً صالحاً من شعر ابن حزم مما قاله حتى سن الخامسة والثلاثين، ولعل قسماً كبيراً منه سقط بفعل ناسخ النسخة التي وصلتنا، ونقدر أن شعره كان كثيراً لأنه كان يقول على البديهة والروية، ويعالج مختلف الموضوعات، وبعض شعره قاله قبل بلوغ الحلم، واكثر ما نظمه وهو دون الشرين إنما كان تغزلاً في " نعم " ثم رثاء لها؛ وكان إخوانه يسومونه القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم فيقول ما يناسب حالهم ومقصودهم، أي أنه لم يكن يرفض أن يقول الشعر بتكليف، وأن يتحدث فيه عن أحوال غيره، وقد كلفته إحدى كرائم المظفر أن يصنع لها أغنية لتلحنها ففعل. ولم يكن يختار وقتاً معيناً لقول الشعر، فأحياناً يقول الشعر وهو نائم - وذلك شيء نادر - ويختار أحياناً
стр. 75
أخرى أن ينظم بعد صلاة الصبح؛ وشعره حتى في الطوق زاخر بالمعاني، تكثر فيه المؤثرات الثقافية والإشارات إلى العلوم والعقائد والتعليلات ويكشف عن أثر الفقه الظاهري والمنحى الجدلي، ولا يفتأ يشقق المعاني ويولدها دون اهتمام كثير برونق الصياغة، وفي شعره في الطوق جانب دقيق قد نسميه " الجانب الباطني " كان يهرب إليه أحياناً من قسوة الظاهر وحدته، وينقل فيه معاني التنزيه والتوحيد، ويتأول الأشياء على غير ظاهرها حتى كان بعض أصدقائه يسمي قصيدة له " الإدراك المتوهم " وفيها يقول:
ترى كل ضد به قائماً ... فكيف تحد اختلاف المعاني
فيا أيها الجسم لا ذا الجهات ... ويا عرضاً ثابتاً غير فان
نقضت علينا وجوه الكلام ... فما هو مذ لحت بالمستبان وتجده وهو المتمسك بأشد ألوان التنزيه يقول:
أمن عالم الأملاك أنت أم انسي ... ابن لي فقد أزري بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه ... إذا أعمل التفكير فالجرم علوي
ولا شك عندي أنك الروح ساقه ... إلينا مثال في النفوس اتصالي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل ... سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي ومن تأمل هذا اللون من الشعر في موضوع الحب خاصة وجد أن ابن حزم الظاهري المتشدد قد بلغ فيه مشارف التصوف " الباطني " - لكن عن طريق التأمل الفكري - وهو في هذا الجانب المستمد من الوهم متأثر بطريقة أبي إسحاق النظام، معجب بها.
وتكاد أكثر المواقف العاطفية أن تكون لديه " قضايا " تحاكم بمنطق العقل، وتتطلب استدلالاً: تصور نفسه انتظر زيارة المحبوب، فلما حل الظلام أدرك أنه لن يأتي، فما الدليل.
وعندي دليل ليس يكذب خبره ... بأمثاله في مشكل الأمر يستدل
لأنك لو رمت الزيارة لم يكن ... ظلام ودام النور فينا ولم يزل
стр. 76
أو يقول:
دليل الأسى نار على القلب تلفح ... ودمع على الخدين يهمي ويسفح ويريد أن يصور أن المحبة سرت على مهل ولم تكن بنت ساعة، فيرى في ذلك قضية تستحق الاستدلال فيقول:
يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة ... تتم سريعاً عن قريب نفادها أو يأخذ قضية " عدم جواز حب اثنين في آن " فيقول:
فكما العقل واحد ليس يدري ... خالقاً غير واحد رحمان
فكذا القلب واحد ليس يهوى ... غير فرد مباعد أو مدان ويفيء إلى مذهبه الظاهري في اعتماد النص حين ينكر ورود نص في تحريم الحب:
متى جاء تحريم الهوى عن محمد ... وهل منعه في محكم الذكر ثابت
إذا لم أوقع محرماً أتقي به ... مجيئي يوم البعث والوجه باهت
فلست أبالي في الهوى قول لائم ... سواء لعمري جاهر أو مخافت وكثيراً ما يلجأ في شعره إلى الحوار لأنه مأخوذ بالجدل، وذلك مبثوث في طوق الحمامة، وعلى الجملة قد يطول بنا القول لو أردنا التمثيل على كل المظاهر التي ذكرناها في شعره. وقد كان إخوانه يظهرون له إعجابهم بذلك الشعر حتى قال له أحدهم في أبيات نظمها " يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا " والأبيات تعد نسبياً من أحسن شعره ولكنها لا تبلغ من المستوى ما يستحق قولة ذلك الصديق.
ولا تقتصر الصعوبة في شعره على تشقيق المعاني المتوهمة، وركوب التعبير الخشن، والإشارات الثقافية والتاريخية وإنما تجاوز ذلك إلى صعوبات تتصل بالتلميحات والتعريضات، وخاصة حين يهجو، وتدل
стр. 77
بعض قصائده في الطوق على انه جرب المنحى الزهدي في شعره في عهد مبكر، وأنه كان يطيل في قصائده وخاصة الوعظية والفخرية. وسيزداد نظم ابن حزم للشعر بعد الطوق، وربما قلل فيه من الحديث عن الحب، غير أنه أكثر من الوعظيات والفقيهات والدفاع عن مذهبه ومدح الحديث وكتبه، وزادت البديهة لديه، حتى ابتعد نظمه عن الشعر الصحيح، وقد قام تلميذه الحميدي بجمع شعره وترتيبه على حروف المعجم، ولكن هذا الديوان لم يصلنا.
١١ - نثره:
من الواضح لمن يقرأ الطوق ان نثر ابن حزم فيه يقف موقف المفارقة من شعره، فهو أكثر شاعرية، وأحفل بالحيوية، وأقل حظاً من المحاكمات الذهنية، ولا يتعدى هذا النثر ثلاثة طرائق، تجيء أحياناً مجتمعة في الفصول الطويلة، فينتقل القارئ فيما بينها نقلات مريحة، وتلك الطرائق هي التقرير والخبر أو الحكاية والوصف الفني. ويجمع بينها التكثيف المتعمد استجلاباً للقوة في طيعة الأسلوب وطلباً للتأثير، وإن كانت الحكاية غالباً حظاً من ذلك، ويليها في الإكثار منه التقرير ثم ينفرد الوصف الفني بالمبالغة في التكثيف.
ويتراوح التقرير في حظه من التكثيف بين إقلال وإكثار. وقد نقارن هنا بين قوله في الطاعة: " ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسراً إلى طباع من يحبه، وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القياد، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أبي الخسف، فما هو إلا أن يبتسم بنسيم الحب، ويتورط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لياناً والصعوبة سهالة، والمضاء كلالة، والحمية استسلاماً " فهنا يتدرج الأسلوب من الحديث عن الطاعة في جملتين إلى تصوير المحب في ست جمل إلى وصف الحالة عند الوقوع في الحب في ثلاث جمل إلى النتيجة في أربع (٢ - ٦ - ٣ - ٤) وعند السؤال لماذا
стр. 78
اختص تصوير المحب بهذا القدر (وهو ٢/ ٥ القطعة في مجموعها) نجد أن الجواب على ذلك هو ميل ابن حزم إلى رسم " الشخصية " وهذا يتبين لنا إذا انتقلنا إلى تقرير آخر تحتل فيه " الشخصية " جميع الدورات التي مثلتها القطعة السابقة، وذلك هو التقرير عن حال المساعد من الإخوان الذي يشترط فيه أن يكون " صديقاً مخلصاً "، لطيف القول بسيط الطول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم.. الخ " ففي عملية التكثيف يحشد الكاتب ما يزيد على خمسين جملة في الشروط التي يجب أن تتوفر فيه.
أما الحكاية فأنها لا تتطلب تكثيفاً لأنها قائمة على الحركة، بينا التقرير يقوم على بطء فكري، من ذلك: " كنت بين يدي أبي الفتح والدي ﵀، وقد أمرني بكتاب أكتبه، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها، وبهت أبي، وظن انه عرض لي عارض، ثم راجعني عقلي، فسمحت وجهي، ثم عدت، واعتذرت بأنه غلبني رعاف ". فأنت ترى أن الاسترسال هنا - على الطبيعة - هو الأغلب وكل جملة في القطعة تنقلنا نقلة جديدة إلى النهاية.
غير أن الحكاية نفسها قد تستدعي التكثيف لنفس السبب الذي ذكرناه في التقرير وهو تصوير الشخصية المحورية فيها: " وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح: كنت أعهده كثير التصاون، من بغاة العلم وطلاب الأدب، يبذ أصحابه في الانقباض، ويفوقهم في السرعة، لا ينظر إلا في حلقة فضل الخ " ويمضي في هذا " التشخيص " المكثف وغايته من ذلك إبراز المفارقة القائمة بين حال التصاون التي كان عليها وحال التبذل التي صار إليها (وهذه الثانية أيضاً تقوم على ممائلة في التكثيف) ومن الخير أن نتنبه إلى أن هذه الحكاية ليست كالأولى لأنه ليس فيها إلا خبر عن فتى تغيرت حاله.
стр. 79
وأما الوصف الفني فنكتفي بان نميز منه:
١ - وصف دور بني حزم ببلاط مغيث بعد أن خرجت.
٢ - وصف نزهة.
٣ - وصف جارية ألفها في الصبا.
٤ - وصف حال امرأة كانت مودتها في غير ذات الله (١) (تشخيص محض في حالي المودة والبغضاء) وتشترك هذه المواقف جميعاً في العنصر الذاتي، كما يمثل التكثيف فيها استغراقاً نفسياً يكفل من خلال التعبير عن الحال غياباً في جنباتها، وتعتمد دون إسراف على صور شعرية، كما أن الأخيرة من هذه القطع تعتمد على غاية النهاية فيما يشبه الأمثال، وهذا النوع من النثر في الطوق، أبرعه وأكثره مائية وجمالاً.
стр. 80
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
- ١ -
[صدر الرسالة وأبوابها والكلام في ماهية الحب]
(١) [صدر الرسالة]
قال أبو محمد عفا الله عنه:
أفضل ما ابتدئ به حمد الله بما هو أهله، ثم الصلاة على محمد عبده ورسوله خاصة وعلى جميع أنبيائه عامة، وبعد -
عصمنا الله وإياك من الحيرة، ولا حملنا ما لا طاقة لنا به، وقيض لنا من جميل عونه دليلاً هادياً إلى طاعته، ووهبنا من توفيقه أدباً صارفاً عن معاصيه، ولا وكلنا إلى ضعف عزائمنا، وخور قوانا، ووهاء بنيتنا، وتلدد آرائنا (١) ، وسوء اختيارنا، وقلة تمييزنا، وفساد أهوائنا - فإن كتابك وردني من مدينة المرية (٢) إلى مسكني بحضرة شاطبة (٣) ، تذكر من حسن حالك ما يسرني، وحمدت الله
стр. 81
عليه واستدمته لك، واستزدته فيك؛ ثم لم ألبث أن اطلع (١) علي شخصك وقصدتني بنفسك، على بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق؛ وفي دون هذا ما سلى المشتاق، ونسى الذاكر، إلا من تمسك بحبل الوفاء مثلك، ورعى سالف الأذمة ووكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبا، وكانت مودته الله تعالى. ولقد أثبت بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون.
وكانت معانيك (٢) في كتابك زائدة على ما عهدته من سائر كتبك، ثم كشفت إلي بإقبالك غرضك، وأطلعتني على مذهبك، سجية لم تزل عليها من مشاركتك لي في حلوك ومرك، وسرك وجهرك، يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه، لا أبتغي جزاء غير مقابلته بمثله؛ وفي ذلك أقول مخاطباً لعبيد الله بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر (٣) ﵀ في كلمة لي طويلة وكان لي صديقاً: [من الطويل]
أودك وداً ليس فيه غضاضة ... وبعض مودات الرجال سراب
وأمحضك النصح الصريح وفي الحشا ... لودك نقش ظاهر وكتاب
فلو كان في روحي سواك اقتلعته ... ومزق بالكفين عنه إهاب
وما لي غير الود منك إرادة ... ولا في سواه لي إليك خطاب
стр. 82
إذا حزته فالأرض جمعاء والورى ... (١) هباء وسكان البلاد ذباب وكلفتني - أعزك الله - أن أصنف لك رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله (٢) على سبيل الحقيقة، لا متزايداً ولا مفنناً، لكن مورداً لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه، حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره، فبدرت (٣) إلى مرغوبك، ولولا الإيجاب لك لما تكلفته، فهذا من العفو، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غداً، وغن كان القاضي حمام بن احمد (٤) حدثني عن يحيى ابن مالك بن عائذ (٥) بإسناد يرفعه إلى أبي الدرداء أنه قال: أجموا النفوس بشيء من الباطل ليكون عوناً لها على الحق (٦) ؛ ومن أقوال الصالحين من السلف المرضي: من لم يحسن يتفتى لم يحسن
стр. 83
يتقرأ (١) . وفي بعض الأثر: أريحوا النفوس فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد (٢) .
والذي كلفتني فلا بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتي، وأدركته عنايتي، وحدثني به الثقات من أهل زماني، فاغتفر لي الكناية عن الأسماء فهي إما عورة لا نستجيز كشفها، وإما نحافظ في ذلك صديقاً ودوداً ورجلاً جليلاً وبحسبي أن اسمي من لا ضرر في تسميته ولا يلحقنا والمسمى عيب في ذكره، إما لاشتهار لا يغني عنه الطي وترك التبيين، وإما لرضى من المخبر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لنقله.
سأورد في رسالتي هذه أشعاراً قلتها فيما شاهدته، فلا تنكر أنت ومن رآها - علي أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث عن نفسه، فهذا مذهب المتحلين بقول الشعر، وأكثر من ذلك فإن إخواني يجشمونني القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم. وكفاني أني ذاكر لك ما عرض لي مما يشاكل ما نحوت نحوه وناسبه إلي.
والتزمت في كتابي هذا الوقوف عند حدك، والاقتصار على ما رأيت أو صح عندي بنقل الثقات، ودعني من أخبار الأعراب المتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سواي، ولا أتحلى بحلي مستعار، والله المستغفر والمستعان لا رب غيره.
стр. 84
(٢) [أبواب الرسالة]
وقسمت رسالتي هذه على ثلاثين باباً:
منها في أصول الحب عشرة:
فأولها هذا الباب (١) ؛ ثم باب في علامات الحب، ثم باب فيه ذكر من احب في النوم، ثم باب فيه ذكر من احب بالوصف، ثم باب فيه ذكر من احب من نظرة واحدة، ثم باب فيه ذكر من لا يصح محبته إلا مع المطاولة، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الاشارة بالعين، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير.
ومنها في أغراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة اثنا عشر باباً - وإن كان الحب عرضاً، والعرض لا يحتمل الأعراض (٢) ، وصفة، والصفة لا توصف، فهذا على مجاز اللغة في إقامة الصفة مقام الموصوف، وعلى معنى قولنا: وجودنا عرضاً أقل في الحقيقة من عرض غيره وأكثر وأحسن وأقبح، في إدراكنا لها [و] علمنا انها متباينة في الزيادة والنقصان (٣) من ذاتها المرئية والمعلومة، إذ لا تقع فيها الكمية ولا تجزي، لأنها لا تشغل مكاناً - وهي:
باب الصديق المساعد، ثم باب الوصل، ثم باب طي السير، ثم باب الكشف والاذاعة، ثم باب الطاعة، ثم باب المخالفة، ثم باب
стр. 85
من احب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب القنوع، ثم باب الوفاء، ثم باب الغدر، ثم باب الضنى، ثم باب الموت.
ومنها في الآفات الداخلة على الحب ستة أبواب وهي:
باب العادل، ثم باب الرقيب، ثم باب الواشي، ثم باب الهجر، ثم باب البين، ثم باب السلو.
ومن هذه الأبواب الستة بابان لكل واحد منهما ضد من الأبواب المتقدمة الذكر، وهما:
باب العاذل، وضده باب الصديق المساعد؛ وباب الهجر، وضده باب الوصل.
ومنها أربعة أبواب لا ضد لها من معاني الحب وهي:
باب الرقيب، وباب الواشي، ولا ضد لهما إلا ارتفاعهما. وحقيقة الضد ما إذا وقع ارتفع الأول، وإن كان المتكلمون قد اختلفوا في ذلك، ولولا خوفنا إطالة الكلام فيما ليس من جنس الكتاب لتقصيناه - (١) ، وباب البين وضده تصاقب الديار - وليس التصاقب من معاني الحب نتكلم فيها - وباب السلو، وضده الحب بعينه، إذ معنى السلو ارتفاع الحب وعدمه.
ومنها بابان ختمنا بهما الرسالة، وهما:
باب الكلام في قبح المعصية، باب في فضل التعفف، ليكون
стр. 86
خاتمة إيرادنا وآخر كلامنا الحض على طاعة الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك مفترض على كل مؤمن.
لكن خالفنا في نسق بعض هذه الأبواب هذه الرتبة المقسمة في درج هذا الباب الذي هو أول أبواب الرسالة، فجعلناها على مباديها إلى منتهاها واستحقاقها في التقدم والدرجات والوجود، ومن أول مراتبها إلى آخرها، وجعلنا الضد إلى جنب ضده فاختلف المساق في أبواب يسيرة والله المستعان.
وهيئتها في الإيراد: أولها هذا الباب الذي نحن فيه وفيه صدر الرسالة وتقسيم الأبواب والكلام في باب ماهية الحب، ثم باب علامات الحب، ثم باب من أحب في النوم، ثم باب من أحب بالوصف، ثم باب من أحب من نظرة واحدة، ثم باب من لا يحب إلا مع المطاولة، ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الاشارة بالعين، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير، ثم باب طي السر، ثم باب إذاعته، ثم باب الطاعة، ثم باب المخالفة، ثم باب العاذل، ثم باب الوصل، ثم باب الهجر، ثم باب الوفاء، ثم باب الغدر، ثم باب البين، ثم باب القنوع، ثم باب الضنى، ثم باب السلو، ثم باب الموت، ثم باب قبح المعصية، ثم بابا فضل التعفف.
(٣) [الكلام في ماهية الحب] :
الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله .
وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير، منهم
стр. 87
بأندلسنا (١) عبد الرحمن بن معاوية (٢) لدعجاء، والحكم بن هشام (٣) ، وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه بطروب (٤) أم عبد الله ابنه أشهر من الشمس، ومحمد بن عبد الرحمن (٥) وأمره مع غزلان أن بنيه عثمان والقاسم والمطرف معلوم (٦) ، والحكم المستنصر وافتتانه بصبح أم هشام المؤيد بالله (٧) ﵁ وعن جميعهم وامتناعه عن التعرض للولد
стр. 88
من غيرها. ومثل هذا كثير، ولولا ان حقوقهم على المسلمين واجبة - وإنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه الحزم وإحياء الدين، وغنما هو شيء كانوا ينفردون به في قصورهم مع عيالهم فلا ينبغي الإخبار به عنهم - لأوردت من أخبارهم في هذا الشأن غير قليل.
وأما كبار رجالهم ودعائهم دولتهم فأكثر من أن يحصوا، واحدث ذلك ما شاهدناه بالأمس من كلف المظفر عبد الملك بن أبي عامر (١) بواجد، بنت رجل من الجنانين (٢) حتى حمله حبها أن يتزوجها، وهي التي خلف عليها بعد فناء العامريين الوزير عبد الله بن مسلمة (٣) ، ثم تزوجها بعد قتله رجل من رؤساء البربر.
ومما يشبه هذا أن أبا العيش بن ميمون القرشي الحسني (٤) أخبرني أن نزار بن معد صاحب مصر لم ير ابنه منصور بن نزار (٥) الذي ولي الملك بعد وادعى الإلهية إلا بعد مدة من مولده، مساعدة
стр. 89
لجارية كان يحبها حباً شديداً، هذا ولم يكن له ذكر ولا يرث ملكه ويحيي ذكره سواه.
ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد استغني بأشعارهم عن ذكرهم؛ وقد ورد من خبر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (١) وشعره ما فيه الكفاية، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة (٢) ، وقد جاء من فتيا ابن عباس ﵁ ما لا يحتاج إلى غيره حين يقول (٣) : هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود.
وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا والذي أذهب إليه (٤) أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع (٥) ، لا على ما حكاه محمد بن داود (٦) رحمه
стр. 90
الله عن بعض أهل الفلسفة: الأرواح أكر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها (١) .
وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال، والشكل دأب (٢) يستدعي شكله، والمثل إلى مثله ساكن، وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد، والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف، وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار - كل ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرف الإنسان فيسكن إليها (٣) ، والله يقول ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾ (الأعراف:١٨٩) فجعل علة السكون أنها منه. ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص في الصورة (٤) ،
стр. 91
ونحن نجد كثيراً ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره ولا يجد محيداً لقلبه عنه (١) . ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه، فعلمنا انه شيء في ذات النفس.
وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها، فمن ودك لأمر ولي مع انقضائه، وفي ذلك أقول: [من الطويل]
ودادي لك الباقي على حسب كونه ... تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد
وليست له غير الإرادة (٢) علة ... ولا سبب حاشاه يعلمه أحد
إذا ما وجدنا الشيء علة نفسه ... فذاك وجود ليس يفنى على الأبد
وإما وجدناه لشيء خلافه ... شطر ثانيفإعدامه في عدمنا ما له وجد ومما يؤكد هذا القول أننا علمنا أن المحبة ضروب (٣) ، فأفضلها: محبة المتحابين في الله ، إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب (٤) ، وإما لفضل علم بمنحه الإنسان؛ ومحبة القرابة، ومحبة الألفة في الاشتراك في المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة، ومحبة البر (٥) يضعه المرء عند أخيه، ومحبة الطمع (٦) في جاه المحبوب، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان
стр. 92
عليه يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ (١) اللذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس.
فكل هذه الأجناس منقضية (٢) مع انقضاء عللها، وزائدة بزيادتها، وناقصة بنقصانها، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها، حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت. وإنك لتجد الإنسان السالي بزعمه، وذا السن المتناهية، إذا ذكرته تذكر وارتاح وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين.
ولا يعرض في شيء من هذه الأجناس المذكورة، من شغل البال والخبل والوسواس وتبدل الغرائزالمركبة، واستحالة السجايا المطبوعة، والنحول والزفير وسائر دلائل الشجا، ما يعرض في العشق، فصح بذلك أنه استحسان روحاني وامتزاج نفساني.
فإن قال قائل: لو كان هذا كذلك لكانت المحبة بينهما مستوية، إذ الجزءان مشتركان في الاتصال وحظهما واحد، فالجواب عن ذلك أن نقول: هذه لعمري معارضة صحيحة، ولكن نفس (٣) الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلاً بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة. ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة، طالبة له، قاصدة إليه، باحثة عنه، مشتهية لملاقاته، جاذبة له لو أمكنها كالمغنيطس والحديد.
فقوة جوهر المغنيطس المتصلة بقوة جوهر الحديد لم تبلغ من
стр. 93
تحكمها ولا من تصفيتها أن تقصد إلى الحديد على انه من شكلها وعنصرها، كما أن قوة الحديد لشدتها قصدت إلى شكلها وانجذبت نحوه، إذ الحركة أبداً إنما تكون من الأقوى، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس، تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وليس بالاختيار والتعمد. وأنت متى أمسكت الحديد بيدك لم ينجذب، إذ لم يبلغ من قوته أيضاً مغالبة الممسك له مما هو أقوى منه. ومتى كثرت أجزاء الحديد اشتغل بعضها ببعض واكتفت بأشكالها عن طلب اليسير من قواها النازحة عنها، فمتى عظم جرم المغنيطس ووازت قواه جميع قوى جرم الحديد عادت إلى طبعها المعهود.
وكالنار في الحجر (١) لا تبرز على قوة النار في الاتصال والاستدعاء لأجزائها حيث كانت إلا بعد القدح ومجاورة الجرمين بضغطهما واصطكاكهما، وإلا فهي كامنة في حجرها لا تبدو ولا تظهر.
ومن الدليل على هذا أيضاً أنك لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق [في] الصفات الطبيعية، لابد في هذا وإن قل، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة وتأكدت المودة، فانظر هذا تره عياناً، وقول رسول الله ﷺ يؤكده: " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " (٢) ، وقول مروي عن أحد الصالحين:
стр. 94
" أرواح المؤمنين تتعارف ". ولذلك ما اغتم بقراط حين وصف له رجل من أهل النقصان يحبه، فقيل له في ذلك فقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه (١) .
وذكر أفلاطون أن بعض الملوك سجنه ظلماً، فلم يزل يحتج عن نفسه حتى أظهر براءته، وعلم الملك أنه له ظالم، فقال له وزيره الذي كان يتولى إيصال كلامه إليه: أيها الملك، قد استبان لك أنه بريء فما لك وله فقال الملك: لعمري ما لي إليه سبيل غير أني أجد لنفسي استثقالاً لا أدري ما هو. فأدي ذلك إلى افلاطون. قال: فاحتجت أن أفتش في نفسي وأخلاقي شيئاً أقابل به نفسه وأخلاقه مما يشبهها، فنظرت في أخلاقه فإذا هو محب للعدل كاره للظلم، فميزت هذا الطبع في، فما هو إلا أن حركت هذه الموافقة وقابلت نفسه بهذا الطبع الذي بنفسي فأمر بإطلاقي وقال لوزيره: قد انحل كل ما أجد في نفسي له.
وأما العلة التي توقع الحب أبداً في أكثر الأمر على الصورة الحسنة، فالظاهر أن النفس تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة، فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه (٢) ، فإن ميزت وراءها شيئاً من
стр. 95
أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئاً من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة، وذلك هو الشهوة؛ وإن للصور لتوصيلاً عجيباً بين أجزاء النفوس النائية.
وقرأت في السفر الأول من التوراة (١) أن النبي يعقوب ﵇ أيام رعيه غنماً للابان خاله مهراً لابنته شارطه على المشاركة في إنسالها، فكل بهيم ليعقوب وكل أغر للابان، فكان يعقوب ﵇ يعمد إلى قضبان الشجر يسلخ نصفاً ويترك نصفاً بحاله، ثم يلقي الجميع في الماء الذي ترده الغنم، ويتعمد إرسال الطروقة في ذلك الوقت فلا تلد إلا نصفين، نصفا بهما ونصفاً غراً.
وذكر عن بعض القافة أنه أتي بابن أسود لأبيضين، فنظر إلى أعلامه فرآه لهما عير شك، فرغب ان يوقف على الموضع الذي اجتمعا عليه، فأدخل البيت الذي كان فيه مضجعهما، فرأى فيما يوازي نظر المرأة صورة أسود في الحائط، فقال لأبيه: من قبل هذه الصورة أتيت في ابنك.
وكثيراً ما يصرف شعراء أهل الكلام هذا المعنى في اشعارهم، فيخاطبون المرئي في الظاهر خطاب المعقول الباطن، وهو المستفيض في شعر النظام إبراهيم بن سيار (٢) وغيره من المتكلمين، وفي ذلك أقول شعراً منه: [من البسيط] :
стр. 96
ما علة النصر في الأعداء نعرفها ... وعلة الفر منهم إذ يفرونا
إلا نزاع نفوس الناس قاطبة ... إليك يا لؤلؤاً في الناس مكنونا
ومن كنت قدامه لا ينثني أبداً ... فهم إلى نورك الصعاد يعشونا
ومن تكن خلفه فالنفس تصرفه ... إليك طوعاً فهم دأباً يكرونا ومن ذلك أقول: [من الطويل]
أمن عالم الأملاك (١) أنت أم آنسي ... أبن لي فقد أزرى بتمييزي العي
أرى هيئة إنسية غير أنه ... إذا أعمل التفكير فالجرم علوي
تبارك من سوى مذاهب خلقه ... على انك النور الأنيق الطبيعي
ولا شك عندي أنك الروح ساقه ... إلينا مثال في النفوس اتصالي
عدمنا دليلاً في حدوثك شاهداً ... نقيس عليه أنك مرئي
ولولا وقوع العين في الكون لم نقل ... سوى أنك العقل الرفيع الحقيقي وكان بعض أصحابنا يسمي قصيدة لي " الإدراك المتوهم " منها: [من المتقارب] .
ترى كل ضد به قائماً ... فكيف تحد اختلاف المعاني
فيا أيها الجسم لا ذا جهات ... ويا عرضاً ثابتاً غير فان
نقضت علينا وجوه الكلام ... فما هو مذ لحت بالمستبان وهذا بعينه موجود في البغضة، ترى الشخصين يتباغضان لا لمعنى ولا علة، ويستثقل بعضهما بعضاً بلا سبب.
والحب - أعزك الله - داء عياء وفيه الدواء منه على قدر
стр. 97
المعاناة (١) ، وسقام مستلذ وعلة مشتهاة لا يود سليهما البرء ولا يتمنى عليلها الإفاقة؛ يزين للمرء ما كان يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده حتى يحيل الطبائع المركبة والجبلة المخلوقة، وسيأتي كل ذلك مخلصاً في بابه إن شاء الله.
خبر:
ولقد علمت فتى من بعض معارفي قد وحل في الحب وتورط في حبائله، وأضر به الوجد، وأنصبه (٢) الدنف، وما كانت نفسه تطيب دعاؤه إلا بالوصل والتمكن ممن يحب، على عظيم بلائه وطويل همه، فما الظن بسقيم لا يريد فقد سقمه! ولقد جالسته يوماً فرأيت من إكبابه وسوء حاله وإطراقه ما ساءني، فقلت له في بعض قولي: " فرج الله عنك " فلقد رأيت أثر الكراهية في وجهه؛ وفي مثله أقول من كلمة طويلة: [من البسيط]
وأستلذ بلائي فيك يا أملي ... ولست عنك مدى الأيام انصرف
إن قيل لي تتسلى عن مودته ... فما جوابي إلا اللام والألف خبر:
وهذه الصفات مخالفة لما أخبرني به عن نفسه أبو بكر محمد بن قاسم بن محمد القرشي المعروف بالشبانسي (٣) ، من ولد الإمام هشام
стр. 98
ابن عبد الرحمن بن معاوية أنه لم يحب أحداً قط، ولا أسف على إلف بان منه، ولا تجاوز حد الصحبة والألفة إلى حد الحب والعشق منذ خلق.
стр. 99
- ٢ -
باب علامات الحب
وللحب علامات يقفوها الفطن (١) ، ويهتدي إليها الذكي. فأولها إدمان النظر؛ والعين باب النفس الشارع، وهي المنقبة عن سرائرها، والمعبرة لضمائرها، والمعربة عن بواطنها. فترى الناظر لا يطرف، ينتقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه، ويميل حيث مال، كالحرباء مع الشمس، وفي ذلك أقول شعراً منه: [من الطويل]
فليس لعيني عند غيرك موقف ... كأنك ما يحكون من حجر البهت (٢)
стр. 100
أصرفها حيث انصرفت وكيفما ... تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت ومنها الإقبال بالحديث، فما يكاد (١) يقبل على سوى محبوبه ولو تعمد ذلك، وإن التكلف ليستبين لمن يرمقه فيه؛ والإنصات لحديثه إذا حدث، واستغراب كل ما يأتي به ولو انه عين المحال وخرق العادات؛ وتصديقه وإن كذب؛ وموافقته وإن ظلم؛ والشهادة له وإن جار، واتباعه كيف سلك وأي وجه من وجوه القول تناول؛ ومنها الإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه؛ والتعمد للقعود بقربه والدنو منه؛ واطراح الأشغال الموجبة للزوال عنه، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته؛ والتباطؤ في المشي (٢) عند القيام عنه؛ وفي ذلك أقول شعراً: [من الخفيف]
وإذا قمت عنك لم أمش إلا ... مشي عان يقاد نحو الفناء
في مجيئي إليك أحتث كالبد ... ر إذا كان قاطعاً للسماء
وقيامي إن قمت كالأنجم العا ... لية الثابتات في الإبطاء ومنها بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة؛ ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه فجأة. وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل]
стр. 101
إذا ما رأت عيناي لابس حمرة ... تقطع قلبي حسرة وتفطرا
غدا لدماء الناس باللحظ سافكاً ... وضرج منها ثوبه فتعصفرا ومنها أن يجود المرء يبذل كل ما كان يقدر عليه مما كان يمتنع (١) به قبل ذلك، كأنه هو الموهوب له والمسعي في حظه، كل ذلك ليبدي محاسنه ويرغب في نفسه؛ فكم بخيل جاد، وقطوب تطلق، وجبان تشجع، وغليظ الطبع تظرف، وجاهل تأدب، وتفل (٢) تزين، وفقير تجمل، وذي سن تفتى، وناسك تفتك، ومصون تهتك.
وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه، وتوقد شعله واستطارة لهبه. فأما إذا تمكن وأخذ مأخذ فحينئذ ترى الحديث سراراً، والإعراض عن كل من حضر إلا عن المحبوب جهاراً. ولي أبيات جمعت فيها كثيراً من هذه العلامات، منها: [من البسيط]
أهوى الحديث إذا ما كان يذكر لي ... فيه ويعبق لي عن عنبر أرج
عن قال لم أستمع ممن يجالسني ... إلى سوى لفظه المستظرف الغنج
ولو يكون أمير المؤمنين معي ... ما كنت من أجله عنه بمنعرج
فإن أقم عنه مضطراً فإني لا ... (٣) أزال ملتفتاً والمشي مشي وجي
عيناي فيه وجسمي عنه مرتحل ... مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج
أغض بالماء إن أذكر تباعده ... (٤) كمن تثاءب وسط النقع والرهج
وأن تقل ممكن قصد السماء أقل ... نعم وإني لأدري موضع الدرج
стр. 102
ومن علاماته وشواهده الظاهرة لكل بصر: الانبساط الكثير الزائد [في المكان الضيق] (١) والتضايق في المكان الواسع، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما، وكثرة الغمز الخفي، والميل بالأتكاء، والتعمد لمس اليد عند المحادثة، ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة، وشرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء، وتحري المكان الذي يقابله فيه.
ومنها علامات متضادة، وهي على قدر الدواعي والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة. والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها، ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت، قدرة من الله تضل فيها الأوهام. فهذا الثلج إذا أدمن حبسه في اليد فعل فعل النار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغم إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين. وهذا في العالم كثير، فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما تأكداً شديداً كثر تهاجرهما (٢) بغير معنى، وتضادهما في القول تعمدا، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولها على غير معناها، كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه.
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء ومحاربة (٣) التشاجر سرعة الرضى، فإنك بينما ترى المحبين
стр. 103
قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره يصلح عند الساكن النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل، ولا ينجبر عند الحقود أبداً، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت الواحد مراراً. وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ولا يدخلنك ريب ألبتة ولا تتمار في أن بينهما سراً من الحب دفيناً، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف. ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة. هذا لا يكون إلا عن تكاف (١) في المودة وائتلاف صحيح، وقد رأيته كثيراً.
ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي (٢) سماع اسم من يحب، ويستلذ الكلام في أخباره ويجعلها هجيراه، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف ان يفطن السامع ويفهم الحاضر، وحبك الشيء يعمي ويصم (٣) . فلو أمكن المحب ألا يكون حديث في مكان فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه.
ويعرض للصادق المودة ان يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إلا وقت ما يهتاج له ذكر من يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المرئ، وهكذا في الماء، وفي الحديث، فإنه يفاتحكه مبتهجا، فتعرض له خطرة من خطرات الفكر فيمن يحب، فتستبين
стр. 104
الحوالة (١) في منطقه، والتقصير في حديثه، وآية ذلك الوجوم والإطراق وشدة الانغلاق، فبينما هو طلق الوجه خفيف الحركات صار منطبقاً متثاقلاً حائر النفس جامد الحركة يبرم من الكلمة ويضجر من السؤال.
ومن علاماته حب الوحدة، والأنس بالانفراد، ونحول الجسم دون حر (٢) يكون فيه، ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشي؛ دليل لا يكذب، ومخبر لا يخون عن علة (٣) في النفس كامنة.
والسهر من أعراض المحبين، وقد أكثر الشعراء في وصفه وحكوا انهم رعاة الكواكب وواصفو طول الليل؛ وفي ذلك أقول وأذكر كتمان السر وأنه يتوسم بالعلامات: [من الوافر]
تعلمت السحائب من شؤوني ... فعمت بالحيا السكب الهتون
وهذا الليل فيك غدا رفيقي ... بذلك على سهري معيني
فإن لم ينقض الإظلام إلا ... [إذا] ما أطبقت نوماً جفوني
فليس إلى النهار لنا سبيل ... وسهد زائد في كل حين
كأن نجومه والغيم يخفي ... سناها عن ملاحظة العيون
ضمير في ودادك يا منايا ... فليس يبين إلا بالظنون
стр. 105
وفي مثل ذلك قطعة منها: [من الكامل]
أرعى النجوم كأنني كلفت أن ... أرعى جميع ثبوتها والخنس
فكأنها والليل نيران الجوى ... قد أضرمت في فكري من حندس
وكأنني أمسيت حارس روضة ... خضراء وشح نبتها بالنرجس
لو عاش بطليموس أيقن أنني ... أقوى الورى في رصد جري الكنس والشيء قد يذكر لما يوجبه: وقع لي في هذه الأبيات تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو البيت الذي أوله " فكأنها والليل " في بيت واحد، وتشبيه أربعة أشياء في بيت واحد، وكلاهما في هذه القطعة أوردها وهي: [من الطويل]
مشوق معنى ما ينام مسهد ... بخمر التجني ما يزال يعربد
ففي ساعة يبدي إليك عجائباً ... يمر ويستحلي ويدني ويبعد
كأنه النوى والعتب والهجر والرضى ... (١) قران وأنداد ونحس وأسعد
رثى لغرامي بعد طول تمنع ... وأصبحت محسوداً وقد كنت أحسد
نعمنا على نور من الروض زاهر ... سقته الغوادي فهو يثني ويحمد
كأن الحيا والمزن والروض عاطراً ... دموع وأجفان وخد مورد ولا ينكر علي منكر قولي " قران " فأهل المعرفة بالكواكب يسمون التقاء كوكبين في درجة واحدة قراناً.
ولي أيضاً ما هو أتم من هذا، وهو تشبيه خمسة أشياء في بيت واحد في هذه القطعة وهي: [من الطويل]
خلوت بها والراح ثالثة لنا ... وجنح ظلام الليل مذ مد ما انبلج (٢)
стр. 106
فتاة عدمت العيش إلا بقربها ... فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج
كأني وهي والكاس والخمر والدجى ... ثرى وحيا والدر والتبر والسبح فهذا أمر لا مزيد فيه ولا يقدر أحد على اكثر منه، إذ لا يحتمل العروض ولا بنية الأسماء أكثر من ذلك.
ويعرض للمحب القلق عند أحد أمرين: أحدهما عند رجائه لقاء من يحب فيعرض عند ذلك حائل.
خبر:
وإني لأعلم بعض من كان محبوبه يعده الزيارة، فما كنت أراه إلا جائياً وذاهباً لا يقر به القرار ولا يثبت في مكان واحد، مقبلا مدبراً قد استخفه السرور بعد ركانة، وأشاطه بعد رزانة؛ ولي في معنى انتظار الزيارة: [من الطويل]
أقمت إلى أن جاءني الليل راجياً ... لقاءك يا سؤلي ويا غاية الأمل
فأيأسني الإظلام عنك ولم أكن ... لأيأس يوماً إن بدا الليل يتصل
وعندي دليل ليس يكذب خبره ... بأمثاله في مشكل الأمر يستدل
لأنك لو رمت الزيارة لم يكن ... (١) ظلام ودام النور فينا ولم يزل والثاني عند حادث يحدث بينهما من عتاب لا تدرى حقيقته إلا بالوصف. فعند ذلك يشتد القلق حتى يوقف على الجلية (٢) ، فإما أن
стр. 107
يذهب تحامله إن رجا العفو، وإما أن يصير القلق حزناً وأسفاً إن تخوف الهجر.
ويعرض للمحب الاستكانة لجفاء المحبوب عليه، وسيأتي مفسراً في بابه إن شاء الله تعالى.
ومن أعراضه الجزع الشديد والحيرة (١) المفظعة تغلب عندما يرى من إعراض محبوبه عنه ونفاره منه، وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه وتنفس الصعداء. وفي ذلك أقول شعراً منه:
جميل الصبر مسجون و: ... (٢) دموع العين سارحة ومن علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته.
والبكاء من علامات المحب ولكن يتفاضلون فيه، فمنهم غزير الدمع هامل الشؤون تجيبه عينه وتحضره عبرته إذا شاء، ومنهم جمود العين عديم الدمع، وأنا منهم. وكان الأصل في ذلك إدماني أكل الكندر (٣) لخفقان القلب، وكان عرض لي في الصبا، فإني لأصاب بالمصيبة الفادحة فأجد قلبي يتفطر ويتقطع، وأحس في قلبي غصة أمر من العلقم تحول بيني وبين توفية الكلام حق مخارجه، وتكاد تشرقني
стр. 108
بالنفس (١) أحياناً ولا تجيب عيني البتة إلا في الندرة بالشيء اليسير من الدمع.
خبر:
ولقد أذكرني هذا الفصل يوماً ودعت أنا وأبو بكر محمد بن إسحاق (٢) صاحبي أبا عامر محمد بن [أبي] عامر (٣) صديقنا ﵀ في سفرته إلى المشرق (٤) التي لم نره بعدها، فجعل أبو بكر يبكي عند وداعه وينشد متمثلاً بهذا البيت: [من الطويل]
ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... (٥) عليك بباقي دمعها لجمود وهو في رثاء يزيد بن عمر بن هبيرة ﵀، ونحن وقوف على ساحل البحر بمالقة (٦) ، وجعلت أنا أكثر التفجع والأسف
стр. 109
ولا تساعدني عيني، فقلت مجيباً لأبي بكر: [من الطويل]
وإن امرءاً لم يفن حسن اصطباره ... عليك وقد فارقته لجليد وفي المذهب الذي عليه الناس أٌول من قصيدة قلتها قبل بلوغ الحلم، أولها: [من الطويل]
دليل الأسى نار على القلب تلفح ... ودمع على الخدين يهمي ويسفح
إذا كتم المشغوف سر ضلوعه ... فإن دموع العين تبدي وتفضح
إذا ما جفون العين سالت شؤونها ... ففي القلب داء للغرام مبرح ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير وجهها، وهذا أصل العتاب بين المحبين. وإني لأعلم من كان أحسن الناس ظناً، وأوسعهم نفساً، وأكثرهم صبراً، وأشدهم احتمالاً، وأرحبهم صدراً، ثم لا يحتمل ممن يحب شيئاً، ولا يقع له معه أيسر مخالفة حتى يبدي من التعديد فنوناً، ومن سوء الظن وجوهاً. وفي ذلك أقول شعراً منه: [من المنسرح]
أسيء ظني بكل محتقر ... (١) تأتي به، والحقير من حقره
كي لا يرى أصل هجرة وقلى ... فالنار في بدء أمرها شرره
وأصل عظم الأمور أهونها ... ومن صغير النوى ترى شجره وترى المحب إذا لم يثق بنقاء طوية محبوبه له، كثير التحفظ مما لم يكن يتحفظ منه قبل ذلك، مثقفاً لكلامه، مزيناً لحركاته، ومرامي طرفه، ولا سيما إن دهي بمتجن وبلي بمعربد.
ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه، وحفظه لكل ما يقع منه، وبحثه عن أخباره حتى لا يسقط عنه دقيقه ولا جليله، وتبعه لحركاته. ولعمري لقد ترى البليد يصير في هذه الحالة ذكياً، والغافل فطناً.
стр. 110
خبر:
ولقد كنت يوماً بالمرية قاعداً في دكان إسماعيل بن يونس الطبيب الإسرائيلي (١) ، وكان بصيراً بالفراسة محسناً لها، وكنا في لمة، فقال له مجاهد بن الحصين القيسي: ما تقول في هذا وأشار إلى رجل منتبذ عنا ناحية اسمه حاتم ويكنى أبا البقاء، فنظر إليه ساعة يسيرة ثن قال: هو رجل عاشق، فقال له: صدقت: فمن أين قلت هذا قال: لبهت مفرط ظاهر على وجهه فقط دون سائر حركاته، فعلمت أنه عاشق وليس بمريب (٢) .