← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يقوله ابن كثير يعد " ملمحاً " جيداً وإن لم يثبت في بعض أجزائه للمناقشة، ولكنه يفتح الباب للقول بأن ابن حزم الذي أنكر العلل - مثلاً - في الشريعة إنما كان في محاكماته للأخبار التاريخية يبحث عن الأسباب والعوامل الكامنة وراء تلك الأحداث والأخبار، وأنه كان يفيء إلى تحكيم العقل في طبيعة الخبر، إلى جانب اعتماد توثيق الرواة، حتى في بعض ما يدرجه غيره ضمن الأحاديث نفسها. ولنأخذ مثلاً واحداً على ذلك وهو حديث " هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر " فقد رواه سليمان بن محمد الخزاعي عن هشام بن خالد عن بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة فرده ابن عبد البر بقوله: " سليمان لا يحتج به " أي أنه لم يقبل الحديث لضعف الراوي (١) . وقال فيه ابن حزم: وقد أقدم قوم فنسبوا هذا القول إلى رسول الله ﷺ وهذا باطل ببرهانين: أحدهما أنه لا يصح من جهة النقل أصلاً ... والثاني أن البرهان قد قام على أن علم النسب علم ينفع، وجهل يضر في الدنيا والآخرة ولا يحل لمسلم أن ينسب الباطل المتيقن إلى رسول الله ﷺ (٢) ، فاتكأ على المنهجين معاً في رفضه أن يكون ذلك القول حديثاً. كل تلك العوامل من سعة الاطلاع وخبرة بالإنسان وأحوال العمران الإنساني وصحة في التصور ودقة في النقد، النقلي والعقلي، كانت متوفرة لدى ابن حزم ليكون في طليعة المؤرخين، ولكنه لم يصبح كذلك، واكتفى بموقف هامشي للتاريخ في مؤلفاته، ولا بد أن يكون لهذه الظاهرة أسبابها. وفي مقدمة تلك الأسباب النظر إلى التاريخ على أنه أداة لا غاية في ذاته، وأنه يفيد في شيئين: التربية النفسية الأخلاقية، وخدمة الشريعة (كالحال في سائر العلوم عدا الشريعة) " فإن اشتغل مغفل عن علم الشريعة بعلم غيره فقد أساء النظر وظلم نفسه، إذ آثر الأدنى والأقل منفعة على الأعلى والأعظم منفعة، فإن قال قائل إن في علم العدد والهيئة والمنطق معرفة الأشياء على ما هي عليه، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته،

стр. 457

ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة والخلاص من العذاب والنكد " (١) ، فكل العلوم ومنها التاريخ أدوات توصل في النهاية إلى الفوز والنجاة، وهي المطلب الأسمى، وذلك عن طريق ما تؤديه تلك العلوم من فهم للخالق وإقرار بالنبوة، وإسعاف على فهم علم الشريعة جملة؛ وقد بلغ ابن حزم هذا الموقف على أثر الإخفاق السياسي الذي منيت به الأندلس بعيد الفتنة البربرية، وإخفاقه هو في الاحتفاظ بالمجد الدنيوي أو في العمل السياسي، وفي ما أصبح يعانيه من وضع اقتصادي، وكان البديل عن كل ذلك زهدية معتدلة توجه خطواته، وتحدد غايته على نحو واضح، وهي التوجه الكلي إلى الآخرة، والإكباب على الشريعة وتسخير جميع القوى والروافد في خدمتها؛ وقد فعلت في نفسه تلك الكلمة التي سمع محمد بن إسحاق الزاهد يقولها لأبيه: " احرص على أن لا تعمل شيئاً إلا بنية فإنك تؤجر في جميع أعمالك، فإنك ترى ذلك في ميزان حسناتك " (٢) ؛ وقد لقنته الفتنة درساً عميقاً وأملت عليه قبول التقلب في ارتفاع وهبوط، دون تذمر أو شكوى، وكانت تعرض له تلك الحكمة التي سمعها من أبيه ذات يوم: إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن ... (٣) على حالة إلا رضيت بدونها وأخذ يبحث في التاريخ عن النموذج الأعلى الذي تمثله هذه الحكمة، فوجده في الرسول، ولهذا لخص طريقته في الحياة بكلمات عميقة الدلالة: يلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره،.... ومرة يأكل التمر دون خبز، والخبز يابساً، ومرة يأكل العناق المشوية ... يأخذ القوت ويترك الفضل، ويترك ما لا يحتاج إليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة إليه (٤) .... بل إن علم الشريعة نفسه الذي يرفده الاطلاع على سائر العلوم لا يطلب من أجل ذاته أو من أجل الدنيا، " واعلم أن من طلب علم الشريعة ليدرك به رياسة أو يكسب به مالاً فقد هلك، لأنه طلبه لغير ما أمره به خالقه أن يطلبه، لأن خالقنا، ، إنما أمرنا أن نطلب ما شرع لنا لننجو به بعد الموت من العذاب والسخط ... (٥) ".

стр. 458

لقد عاش ابن حزم لحظات " انحدار " التاريخ، في نفسه، التاريخ بمفهومه الكلي؛ فعلاً وفكراً؛ وفي لحظة ذلك الانحدار نفسه عاش رجل وقف ملكاته على التاريخ جاعلاً منه وسيلة وغاية، وكان " رد الفعل " لديه على ذلك الانحدار أن توقف عن كتابة التاريخ كأنما تعطلت حركته جملة واحدة - أعني حركة التاريخ - ذلك هو ابن حيان الذي يقول: " وأنسأتني المدة إلى أن لحقت بيدي منبعث هذه الفتنة البربرية، الشنعاء المدلهمة، المفرقة للجماعة، الهادمة للمملكة المؤثلة، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية، ففاضت أحوالها تعاظماً أدلهني عن تقييدها، ووهمني ألا مخلص منها، فعطلت التاريخ إلى أن خلا صدر منها ... " (١) . ولقد كان إحساس الرجلين تجاه ذلك الانحدار متشابهاً، وإن اختلفا في السلوك العملي بعده، فقد عبر عنه ابن حيان بقوله في الفتنة: " فتمخضت عن الفاقرة الكبرى ... مما طوى بساط الدنيا وعفى رسمها وأهلك أهلها " (٢) وقال ابن حزم في ذهاب الدولة الأموية: " وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها " (٣) . وكانت معاصرة ابن حيان لابن حزم تعطيه النموذج الكبير لمعنى التاريخ، فتقنعه بأنه ما دام قد آثر الشريعة لا يستطيع أن ينقطع للتاريخ كما فعل ابن حيان، ولعله أحس أنه لا يستطيع أن يزاحمه في ذلك الميدان؛ ثم إن علاقته التاريخية بالحاضر واهية الجذور، لأنها تتصل بالماضي وتعيش في ذكرياته، فالحاضر - على مستوى التاريخ - لا يمثل له إلا أحداثاً موصولة الأسباب بالفتنة التي قضت على وحدة الجماعة، وهو غير راضٍ عن تلك الأحداث وعن أصحابها في المجال السياسي؛ والحاضر - على مستوى الشريعة - هو العمل الدائب نحو المستقبل، للنجاة الذاتية ولنجاة الآخرين - إن أمكن -، وفي هذا الموقف يصبح التاريخ السياسي وما يتصل به " طغياناً " مستمراً وخروجاً عن الشريعة واغتراراً بالدنيا وتكالباً عليها، مما هو سلبي خالص لا يفيد إلا في استلهام العبرة بهذا العبث الدائب. ولهذا كان ابن حزم غير راضٍ عن ملوك الطوائف قبل أن تحرق كتبه، وإن ألجأته الضرورات إلى العيش في كنف الصالحين منهم كأصحاب البونت أو كأحمد بن رشيق وزير مجاهد في ميورقة، فهو يقول في مفتتح إحدى رسائله: " اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم

стр. 459

اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سبباً إلى انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في هاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم ... " (١) ويقول في موضع آخر: " وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد، والذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية ... وإباحتهم لجندهم قطع الطريق ... ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيمهم.... (٢) ثم يقول: " والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم.... وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه " (٣) . ومن كان يحمل هذه النظرة، فإنه لا يرى في اللجوء إلى التاريخ " منقذاً " لنفسه ولغيره، بل هو يرى فيه تخليداً لأعمالٍ ظالمة لا يقرها، ولا تضيف شيئاً كثيراً إلى العبرة المستمدة من سير الظالمين على مدى العصور. وليس من الغلو في الاستنتاج أن يقال إن اختيار ابن حزم للظاهر، إنما كان ثورة في الأساس على ما لا يرضاه من سلوك العلماء الذين يتقربون من الحكام؛ وليس معنى ذلك أن جميع العلماء - وخاصة المالكية - كانوا يفعلون ذلك، بل كان فيهم الصالحون الذين يشاركون ابن حزم في ثورته على الظلم ومبارحة الشريعة، ولكن اختياره للظاهر، يجعل أولئك الحكام في غير حاجة إليه، فيبعده عنهم ويبعدهم عنه، ويمكنه من الاستقلال العلمي والاقتصار على تخريج الطلبة، وهكذا اتخذ من التمذهب للظاهر حجاباً يحول بينه وبين تقديم الفتاوى لهم أو المشاركة في تسويغ أفعالهم؛ وقد لحظ هو وابن حيان معاً ظاهرة التعاون بين بعض رجال الدين والحكام فسمى هو مثل أولئك العلماء فساقاً ينتسبون إلى الفقه، ويلبسون جلود ضأن على قلوب

стр. 460

سباع، ويزينون لأهل الشر شرهم (١) . وقال ابن حيان يصف وحدة الحال بين الفريقين: " ولم تزل آفة الناس مذ خلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم، الأمراء والفقهاء، قلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلحون، وبفسادهم يردون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين، بما لا كفاية له ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ... والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكد الله عليهم في التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، خائض في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم آخذ بالتقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها! " (٢) . ومواطن اللقاء بين الرجلين متعددة، ولكن لا تلبث أن تفترق بهما الطريق، فأما ابن حيان فقد وسع من جنبات التاريخ ليصبح شاهداً لا على عصره وحده، بل على تاريخ الأندلس كله، معتمداً التفصيلات التي لا يكاد يضيع منها شيء (٣) ، شاملاً بنظره جميع مظاهر الحياة الإنسانية، واقفاً في الوقت نفسه موقف الإدانة لعصره - كما فعل ابن حزم - إلا أنها إدانة شمولية موثقة بشواهدها. وأما ابن حزم فضاق نطاق التاريخ عنده - على معرفته الدقيقة بدقائقه وتفصيلاته - (وأكبر شاهد على ذلك نقط العروس) ، ولذلك اكتفى بأن يستخدمه في غايات محددة لا يعدوها: منها الغاية التعليمية التي جعلته يتوفر على تلخيص ما لا بد للدارس من معرفته، فلخص السيرة والفتوح الإسلامية وأسماء الخلفاء في المشرق والمغرب ومدد حكم كل منهم، ولخص أنساب العرب والبربر في موجز جامع؛ ومنها الاستدلال بالتاريخ على القضايا المتصلة بالأديان وتواريخها، ولهذا لخص تاريخ اليهود - لا من أجل التاريخ نفسه، بل من أجل أن يثبت عدم التزام اليهود بالتوراة في أكثر العهود؛ ومنها إثارة النظر الإنساني إلى العجائب والنوادر، ولهذا ذهب يجزئ التاريخ في قضايا صغيرة مثيرة، فكتب " نقط العروس "؛ ولعله لم يخرج في تأريخه لغزوات المنصور بن أبي عامر عن روح الإيجاز التي سيطرت عليه في كتاباته التاريخية الأخرى. وقد أثر فيه نهج المحدثين في الجرح والتعديل، فجعل أحكامه التاريخية نموذجاً

стр. 461

آخر من هذا المنهج، إذ جنح إلى التركيب لا إلى التحليل، في الحكم على الأشخاص والعهود، وهو في هذا يتفق وابن حيان في الإدانة أو ما يسميه ابن بسام تسجيل المثالب (١) ، ولكنهما يختلفان في الطريقة، إذ ما يزال ابن حيان مولعاً بالتحليل مستقصياً فيما يقول، بينما يذهب ابن حزم إلى الإجمال. وقد نجد نماذج من ذلك في جميع الرسائل التي جمعت معاً في هذا الجزء، ولهذا يكفي في مقام الاستشهاد أن أورد أمثلة قليلة. فمن أحكامه على الأشخاص قوله في الحكم الربضي: " وهو الذي أوقع بأهل الربض، وقتل الفقهاء والخيار وخصى عدداً من ذوي الجمال من أهل قرطبة ... وهدم الديار والمساجد وولى ذلك رجلاً نصرانياً كان أثيراً عنده اسمه ربيع " (٢) . وذكر الأمير عبد الله بن محمد فقال: " كان قتّالاً تهون عليه الدماء، مع ما كان يظهره من عفته، فإنه احتال على أخيه المنذر لما قصده بالعسكر، وواطأ عليه حجاماً سم المبضع الذي فصده به، ثم قتل ولديه معاً بالسيف واحداً بعد واحد وقتل أخاه القاسم ثالثهم، إلى من قتل من غيرهم ". (٣) ويقول في سليمان بن الحكم المتلقب بالمستعين: " وهو الذي كان شؤم الأندلس وشؤم قومه، وهو الذي سلط جنده من البرابرة فأخلوا مدينة الزهراء وجمهور قرطبة حاشا المدينة وطرفاً من الجانب الشرقي، وأخلوا ما حوالي قرطبة من القرى والمنازل والمدن وأفنوا أهلها بالقتل والسبي وهو لا ينكر ولا يغير عليهم شيئاً " (٤) إلى أمثلة أخرى كثيرة لا مجال لاستقصائها. ومن أحكامه على العهود والدول قوله الجامع في وصف الدولتين الأموية والعباسية: " وانقطعت دولة بني أمية، وكانت دولة عربية لم يتخذوا قاعدة، إنما كان سكنى كل امرئ منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل الخلافة، ولا أكثروا احتجان الأموال ولا بناء القصور، ولا استعملوا مع المسلمين أن يخاطبوهم بالتمويل ولا التسويد ويكاتبوهم بالعبودية والملك، ولا تقبيل الأرض ولا رجل ولا يد، وإنما كان غرضهم الطاعة الصحيحة من التولية.... فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض،

стр. 462

إلى أن تغلب عليهم بنو العباس بالمشرق، وانقطع بهم ملكهم، فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس، وملكها هو وبنوه، وقامت به دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة، فلم يك في دول الإسلام أنبل منها، ولا أكثر نصراً على أهل الشرك، ولا أجمع لخلال الخير، وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها. وانتقل الأمر بالمشرق إلى بني العباس ... وكانت دولتهم أعجمية، سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر ملكاً عضوضاً محققاً كسروياً.... " (١) . وفي مثل هذا الحكم على الدول يتضح " الجانب التركيبي " في نظرات ابن حزم، بحيث يستطيع المرء أن يحل هذه المركبات في بحوث مفردة، وتبدو في ذلك مهارة ابن حزم في انتقاء السمات المميزة، مثلما يبدو جانب هام آخر من حس المؤرخ لديه، وذلك أنه لا ينظر إلى منجزات الدولة الواحدةنظرته إلى بعض الأفراد من ذوي المسؤولية فيها، وإنما يرى هذه المنجزات من منظار المميزات الكبرى، وتلك تتجلى في ما أصاب الجماعة من خير، فقد يعيب هو الوليد بن عبد الملك ويصفه بالطغيان (٢) أو يعيب مروان بن الحكم ويتهمه بأنه شق عصا الجماعة ويقول فيه: " مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵄ " (٣) ولكنه يبرز الخصائص الإيجابية التي تتميز بها الدولة الأموية بكلمات دقيقة دالة، ولا يضع سيئات الأفراد على كاهل الدولة كلها. ومع ذلك نجد ابن حيان يقول فيه: " وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم، وانحرافه عمن سواهم من قريش حتى نسب إلى النصب لغيرهم " (٤) . وهذه المقولة تستحق نقاشاً متأنياً، وأول ما يجب أن نقف عنده لفظة " تشيعه "، فهذه اللفظة تدلُّ على الموالاة والمحبة والتقدير، دون أن يدخل فيها معنى العصبية التي قد تؤسس أحياناً على غير حق وتصبح تعصباً؛ وهذا " التشيع " يتفق وما قلناه عن تقديره لدور الدولة جملة، ولكنه لا يعني إغماض الطرف عن سيئاتها وعن سيئات القائمين على أمورها؛ ويكفي

стр. 463

المرء أن يجمع أحكام ابن حزم في أفراد بأعيانهم من أمويي المشرق والمغرب ليدرك أنه كان أبعد من أن يوصف بالتعصب، ولكنه كان يرى للدولة الأموية في الأندلس دورها الكبير ويقارن بين ما كانت عليه الأمور في عهدها وما صارت إليه في عهد ملوك الطوائف، فلا يستطيع منطق وحدة الجماعة عنده أن يقبل ذلك التفكك والتناحر، ولا يستطيع منطق السيادة كما كانت تمثله الدولة الأموية أن يتقبل منطق العبودية الذي كانت تمارسه دول الطوائف. وليس بمستغرب بعد هذا أن يعترف بصحة إمامة الأمويين في المشرق والمغرب. وأما انحرافه عمن سواهم من قريش فإنه كلام غير دقيق، وحسبك أنه يؤمن بخلافة ابن الزبير ولا يؤمن بخلافة مروان، وأنه لا ينكر دور بني العباس في الخلافة وما كان لهم من مآثر. ولم يكن في الأندلس من القرشيين - عدا الأمويين - إلا بنو حمود، وهؤلاء لديه كسائر ملوك الطوائف من غير قريش. وتظل مقولة ابن حيان حول تشيعه في بني أمية صحيحة - على أن تكون بارئة من العصبية - ومثل هذا الموقف زاد في بغض الحكام المعاصرين له من ملوك الطوائف، وهذا أيضاً صحيح، لأنهم كانوا يبغضونه لصراحته في الحق وإنحائه على تصرفاتهم بالملامة، فإذا عرفوا فيه حبه لبني أمية زاد ذلك في شنآنهم له. وهذا الحب للأمويين لم يكن سراً خافياً بل لعله اتصل بالواقع العملي، ولكن المتصدين وجدوا طريقهم للإيقاع بابن حزم عن طريق ذلك الحب، يقول هو في هذا الصدد: " وفي أثر ذلك (أي بيعة علي بن حمود) نكبني خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله من الباغين - وقد انتقم الله منهم - عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهراً ثم أخرجنا على جهة التغريب فصرنا إلى حصن القصر " (١) . والشيء الذي أود أن أتوقف عنده في هذا المقام هو أن ابن حزم صادق حين ينفي عن نفسه السعي في القيام بدعوة الأموية، ولكن الباغين كانوا يعرفون فيه حبه للدولة الأموية ويكيدون له من ذلك المدخل، ويلصقون به تهمة يسهل تصديقها. وقد كان هو - وإن لم يسع بنفسه لعودة الأموية - يحب عودتها، ويمني النفس بذلك عند ظهور المرتضى (٤٠٧ هـ) ، فقد غادر المرية إلى بلنسية عند ظهور المرتضى بها (٢) ، وأكبر الظن أنه فعل ذلك لأنه كان يؤمل عودة الخلافة، فلما عادت على وجه اليقين بمبايعة المعتد (٤١٧) أصبح

стр. 464

ابن حزم أحد وزرائه. ولا يمثل ابن حزم خروجاً على جمهرة المشاعر الأندلسية في نزعته الأموية، ولكنه كان أحد ألسنتها المعبرة عن " الأكثرية الصامتة "، وموقف ابن حزم ونظرائه ممن شهدوا فترة التحول في مقدرات الأمور وذهبت أفكارهم وأخيلتهم تقيم المقارنات بين ما كان وما صار موقف طبيعي، يحسه من لا تسمح لهم ظروف التحولات الحاسمة بسوى الموازنة والمقارنة، حتى ليبدوا هذا الجنوح إلى الموازنة والمقارنة عاملاً معطلاً في الانتفاع والاستمتاع بمرافق الحاضر الراهن، وقد صور ابن حزم ذلك في صرخة ذاتية أطلقها حين قال: " وإن حنيني إلى كل عهد تقدم ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء.... وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء ودفين الأسى بين أهل الدنيا " (١) . وحين احتجبت الأموية ولم يبق منها إلا الحنين الواله إلى عهودها شحذت إلى درجة الإرهاف مشاعر الحبِّ للأندلس؛ وهو حب يتجلى لدى ابن حزم في إبرازه للفكر الأندلسي ودفاعه عن مآثر بلده، ويتجلى بقوة في رسالته في فضل الأندلس. لا أقول إن تلك عصبية، بل أقول إنها شعبة عميقة من حب الوطن، حين تلوح في الأفق علامات إشرافه على الضياع، وقد كانت العلامة المنبئة بضياعه هي احتجاب الأموية وانفراط عقد الجماعة. وقد نقع في تلك الرسالة - إلى جانب الإحصاءات السريعة للمنجزات الفكرية الأندلسية - على عبارات مثل: " ونحن إذا ذكرنا ابا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي في الشعر لم نباه به إلا جريراً والفرزدق لكونه في عصرهما، ولو أنصف لاستشهد بشعره، فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين " (٢) ومثل قوله: " ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد وحبيب والمتنبي..... " (٣) فهذه الأحكام وأمثالها يجب ألا تحملنا على نسبة العصبية لابن حزم، فإنما هي أحكام نقدية تقود على التذوق ويتفاوت فيها الناس؛ وإذا تجاوزنا الأحكام النقدية وجدنا ابن حزم يتحدث عن مآثر بلده دون تزيد، ودون لجوء إلى التعميم. استمع إليه وهو يقول: " وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من

стр. 465

المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا " (١) أو حين يقول: " وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم ولا اختلفت فيها النحل، فقل لذلك تصرفهم في هذا الباب، فهي على كل حال غير عرية عنه ... " (٢) تجد تواضعاً في الحكم وروحاً علمية أمينة. وكل ذلك ينفي نزعة التعصب، لأن التعصب معناه أن نبرز الحسنات ونخفي السيئات، وليس كذلك ابن حزم، فهو من ذلك الجيل من المفكرين الأندلسيين الذين قال فيهم الدكتور محمود مكي محقاً: " والمفارقة الصارخة التي تبدو عجيبة لأول وهلة هي أن هذا الجيل الذي أشرنا إلى مدى اعتداده بقوميته وبوطنه ... كان أكثر كتّاب الأندلس ومفكريها إلحاحاً على نقد شعبهم وحدةً في إظهار عيوبه ... " (٣) . وكان هذا التمجيد لتراث الأندلس في الماضي والحاضر لم يستطع أن يطمس أمام عيني ابن حزم انهيار الحاضر، لأن الوعاء السياسي - وهو الذي يستوعب جميع النشاطات الإنسانية الأخرى ويؤثر فيها - كان في نظره منهاراً، ولهذا لم يجوز أن يفهم الماضي على ضوء الحاضر، والشاهد على ذلك أن قوماً يقولون - مثلاً - إن يوسف الصديق كان في مقدوره أن يعرف أباه خبره لقرب المسافة، وهذا في رأي ابن حزم جهل ممن يقوله: لأن أباه يعقوب كان في أرض كنعان من عمل فلسطين في قوم رحالين وفي طاعة أخرى ودين آخر " كالذي بيننا اليوم وبين من يصاقبنا من النصارى كغاليس وغيرها أو كصحراء البربر ". وإنما كان هذا التعريف ممكناً لمن يرى " أرض الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة ولساناً واحداً وأمة واحدة والطريق سابل، والتجار ذاهبون وراجعون، والرفاق سائرة ومقبلة، والبرد ناهضة وراجعة " (٤) . ومعنى ذلك كله أن التغيرات التي جدت بمرور الزمن لا تسمح بمثل هذا القياس، فالتباعد بين الماضي والحاضر في السيادة والوحدة الدينية واللغوية والوحدة الإقليمية وسهولة المواصلات واستتباب الأمن ونشاط العلاقات التجارية وتنظيم البريد يمنع من مثل ذلك. وكل هذه العوامل التي جدت تجعل الماضي مختلفاً عن الحاضر؛ لكن على ضوء الحاضر نفسه يمكن أن تفهم مسافة الخلف بينه وبين الماضي، فأما قياس التطابق

стр. 466

- من دون أخذ بمعالم التغير - فأمر يوقع صاحبه في الخطأ. ولعلنا لو توقفنا غند المعالم التي عدها ابن حزم لوجدناه يجمع فيها أهم مقومات الدولة. غير أن الاستشهاد بالتاريخ على التاريخ قد يكون ممكناً بل ضرورياً إذا كان الواقع المدروس قد بلغ منزلة القانون الطبيعي أو أصبح علامة على طبيعة إنسانية راسخة لا يلحقها التفاوت ويندر فيها الشذوذ، أي أصبح شيئاً يشبه القاعدة العامة. فمن المشاهد في الحاضر والذي دلَّ عليه البحث التاريخي معاً أن الكثرة البالغة في الأطفال ظاهرة غير متوفرة إلا في النادر، وذلك للأسباب الآتية (١) : ١) - لصعوبة تنشئة الأطفال وتربيتهم. ٢) - لوقوع حوادث الإسقاط بكثرة. ٣) - لإبطاء الحمل وتطاول المدة بين بطن وآخر. ٤) - لكثرة الموت في الأطفال. وهذا بعينه يدلّ على أن الكثرة في الذكور لا يمكن أن تكون كثرة بالغة خارجة عن المعتاد لأن كثيراً من الولادات إناث، ومثل هذا الأمر يجعلنا نشك في الأخبار التي تنبئ بخلاف ذلك - كما هي الحال في الأعداد المذكورة في التوراة - أو نعدها شذوذاً خارجاً على القاعدة. والسبيل إلى إثبات غلبة هذه القاعدة أن نرصد ما حولنا، وأن نستقرئ الأخبار عن القضية التي نعالجها، فماذا نجد نجد أننا لو أردنا أن نعد من عاش له عشرون ولداً فصاعداً من الذكور وبلغوا الحلم لم نجدهم إلا في الندرة وفي القليل من الملوك وذوي اليسار المفرط الذين يستطيعون تزوج عدد من النساء والإماء والاعتماد على جهود الخدم والمربيات، فأما من لا يجد إلا الكفاف ولا يستطيع أن يتزوج إلا امرأة أو امرأتين فلا يكون له ذلك العدد من الأولاد. هذا ما تدل عليه المشاهدة ومخالطة الناس. فأما البحث في تواريخ العرب والعجم وممالك النصارى والصقالبة والترك والهند والسودان فإنه يشير إلى ثلاث درجات: (١) الحد الأعلى المعقول للكثرة: ١٤ ولداً، (٢) الحد النادر جداً: عشرون فما فوق، (٣) الحد الذي لا يقاس عليه جماعياً: ٣٠ فما فوق؛ وهذا الأخير ينطبق على أفراد بأعيانهم منهم (٢) :

стр. 467

١ - أنس بن مالك الأنصاري ١٠٠ ولد (١) ٢ - خليفة بن أبي السعدي ١٠٠ (٢) ٣ - أبو بكرة ١٠٠ (٣) ٤ - عمر بن عبد الملك ٦٠ ولداً ٥ - جعفر بن سليمان بن علي ٤٠ ٦ - عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ٣٠ ٧ - موسى بن إبراهيم بن موسى ٣١ ٨ - وصيف مولى المعتصم ٥٥ ٩ - تامزوت مولى بني مناد ٨٠ (٤) ١٠ - رجل بربري من بني دمر (٥) ١١ - تميم بن زيد بن يزيد اليفرني ٥٠ ١٢ - أبو البهار بن زيري ٣٠ ١٣ - مرزوق بن أشكر الثغري ٣٠ ١٤ - أحد ملوك الهند ٨٠ ١٥ - جدعون بن يوآش اليهودي ٧٠ ١٦ - يائير بن جلعاد اليهودي ٣٢ ١٧ - عبدون بن هلال (هليل) اليهودي ٤٠ ١٨ - أفصان (أبصان) اليهودي (٦) ٣٠ ١٩ - جودرز ملك كرمان ٩٠ هذه الجريدة تضم أقل من عشرين مفرقين في أمم مختلفة وفي أزمنة مختلفة، ومثل ذلك لا يقاس عليه، ولهذا يحق لنا هنا أن نقيس الحاضر على الماضي أو العكس، ولا خطر من الوقوع في الخطأ لأننا بإزاء قاعدة تبلغ في شمولها حد الإجماع. ومما يلفت النظر هنا اعتماد ابن حزم على الإحصاء، ويكاد هذا القانون الإحصائي أن ينتظم العدد الجم من رسائله التاريخية، حتى أكثر فصول السيرة بنيت على أساس

стр. 468

من هذا المنهج، وكذلك رسائل أخرى من مثل رسالته في القراءات وأسماء الصحابة الرواة وأصحاب الفتيا من الصحابة (١) . وإذا كانت هذه الرسائل تخدم الناحية التعليمية في الغاية إذ تقرب المادة وتوجزها، فهي من حيث المنهج تخضع للاتجاه العقلاني لدى ابن حزم الذي يستطيع أن يستخدم هذه الإحصاءات استخداماً رياضياً برهانياً في ما يعالجه من قضايا عند الحاجة إليها. من ذلك مثلاً موقفه ممن قال إن المسلمين لم يبايعوا علياً بعد وفاة الرسول لأنه كان قد قتل عدداً من رجالات قريش، فانحرف الناس عنه، ويرد ابن حزم بأن هذا تمويه ضعيف لأن الإحصاء يفنده، فالذين قتلهم عليّ: ١ - رجل واحد من بني عامر بن لؤي هو عمرو بن ود. ٢ - رجال من بني مخزوم وبني عبد الدار (لم يذكر ابن حزم عددهم) . ٣ - اثنان من بني عبد شمس هما الوليد بن عتبة والعاص بن سهل بن العاص (وقد شارك في قتل ثالث) . هذا كل ما هنالك، ولم يقتل من بني تميم (قبيلة أبي بكر) ولا من بني عدي (قبيلة عمر) أحداً، وهما قد استبعداه من الخلافة، ولم يقتل من الأنصار أحداً (فلم يسرعوا إلى بيعته إن كان النص قد جاء بها) ولم يقتل أحداً من ربيعة ومضر واليمن وقضاعة (فلم لم تبايعه هذه القبائل وبايعت أبا بكر) (٢) ، وهكذا يحاول ابن حزم - على قاعدة إحصائية - أن يدفع قول من قال: إن القرشيين كانوا منحرفين عن عليّ لأنه قتل عدداً من رجالهم في حروبه مع النبي؛ ولست أقول أن هذا الجدال القائم على الإحصاءات دامغ لا ينقض، بل إن ابن حزم يعرف ذلك، فيورد حججاً أخرى تؤيد البرهان الإحصائي وتعضده، ولكنه قلما يستغني عن " لغة الأرقام " لأنها رصيد ضروري مسعف عند الحاجة إليه، وإذا كان ذلك الرصيد قد يبرز بعض العجائب والنوادر في مجرى التاريخ الإنساني، فذلك في ذاته لا يمثل إلا جانباً واحداً من فوائد الإحصاء بين جوانب أخرى متعددة. وفي أسلوب ابن حزم خاصيتان تلقيان ظلالاً من الشكّ على دور المؤرخ لديه: إحداهما هي القطع والحسم البات بمثل " لا بد " و " لا شك " فهذه إذا لم يكن لها ما يسوغها تمس جانب الدقة في المؤرخ، والثانية هي الحدة في الخطاب وهي تمس جانب

стр. 469

الإنصاف في المؤرخ، وخاصة حين تتطابق لديه شخصية المؤرخ مع شخصية المتكلم الجدل. وكلتا الصفتين لا يمكن نفيها عنه أو الإقلال من تأثيرها في نفس من يدرس دور المؤرخ لديه، ولكن مزيداً من التعرف إلى شخصيته في إخلاصه وصدقه وصراحته واعتداده بذكائه واطلاعه يجعل قبول هاتين الخاصيتين أمراً ممكناً؛ فالحسم البات لا يكون إلا من ثقة لا يشوبها غرور كي يجد قبولاً، والحدة قد تكون ذات علاقة بوضع نفسي أو تعويضاً عن فقدان شيء ما (١) ، وحين تخرج إلى السب والتندر والدعاء على الخصم بالويل والثبور تتجاوز مرحلة القبول الموضعي، وإن تكن متصلة بطرائق المناظرة والجدال يومئذ. ترى لو لم يتطابق المؤرخ والمناظر في ابن حزم هل كانت هذه الحدة تجيء أقل سطوعاً أعتقد أن الجواب بالنفي، فهي حدة لم يستطع التخلي عنها من ساهم الدكتور محمود مكي " جيل الفتنة البربرية " من أمثال ابن حزم وابن حيان وابن شهيد، كما لم يستطيعوا أن يتخلوا عن السخرية؛ كانوا نتاج فترة " إحباط " نفسي، عبر عنه كل واحد مهم بطريقته، وإذا كان ابن حزم يصك معارضه برأيه صك الجندل (٢) - فيما يقول ابن حيان - فليس ابن حيان فيما يصوره من شخصيات وأوضاع بأقل عنفاً - إن اختلف نوع العنف - وليس ابن شهيد صاحب التوابع والزوابع ورسائل أخرى بأقل سخرية منهما. نظرة في الرسائل المدرجة في هذا الجزء - ١ - نقط العروس في تواريخ الخلفاء (٣) سمَّاها ابن حيان " نقط العروس في نوادر الأخبار " (٤) وذلك عنوان أدلُّ على

стр. 470

محتواها من العنوان الذي ورد على مخطوطة ميونخ. وفي نفح الطيب (نقط العروس في تواريخ الخلفاء) وقد فاد منها ابن حيان في المقتبس، ورواها الحميدي تلميذ ابن حزم، كا رواها أبو أسامة يعقوب ابن الفقيه أبي محمد وعنه أخذها البطروجي الحافظ (١) ، وعرفها ابن بسام صاحب الذخيرة (٢) وذكره ابن سعيد في ارسالة التي ذيل بها على رسالة في فضل أهل الندلس لابن حزم (٣) ، وكانت أحد مصادره في كتاب المغرب (٤) كا ذكرها ابن خلكان بقوله: " وله كتاب صغير سماه نقط العروس مع كل غريبة نادرة وهو مفيد جداً "، وقد اعتمه ابن خلكان (٥) ونقل عنه التجاني في تحفة العروس (٦) ، وأدرج بعض نصوصها لسان الدين ابن اخطيب في كتابه أعمال الأعلام (٧) ، والنويري في نهاية الأرب (٨) ولا ندري إن كان احب مفاخر البربر (٩) ينقل ها مباشرة. وقد قام بشرها المستشرق زيبولد (Seybold) في مجلة مركز الدراسات التاريخية بغرناطة سنة ١٩١١ وأعاد نشرها أستاذنا الدكتور شوقي ضيف بمجلة كلية الآداب - جامعة القاهرة (العدد ١٣ سنة ١٩٥١) عن نسخة بايزيد عمومية وهي براوية الحميدي تلميذ ابن حزم وصاحبه، ولهذه المكانة التي يحتلها الحميدي فإن الثقة بروايته عالية، ولكن عند لمقارة الدقيقة بين النسختين يتبين لنا شدة التفاوت بينهما، فرواية نسخة ميونخ تحتفظ بزيادات لا وجود لها في نسخة الحميدي، وهذه الثانية كذلك، ولهذا كان لا بد ن المزاوجة بينهما لإخراج رواية كاملة، وقد اتخذت نسخة ميونخ (ورمزها: م) أصلاً لأنها تحفل بزيادات كثيرة، ووضعت زيادات نسخة بايزيد (ورمزها: ب) بين معقفين، وقد تسرب الاختلاف بين النسختين لا إلى زيادة هنا ونقص هناك وحسب بل إلى طبيعة العبارة نفسها، وهذا الاختلاف يتمثل أيضاً في النقول التي وردت من نقط العروس في المصادر التي تم ذكرها فآنفاً، وقد يعزى ذلك

стр. 471

في بعض الأحيان إلى تصرف النقلة، ولكنه قد يشير من ناحية أخرى إلى أن المؤلف كتب غير نسخة واحدة معدلة على الأصل الأول، وهذا التعليل قد يفسر التفاوت الكثير بين النسختين المذكورتين أيضاً. وقد ترجمت هذه الرسالة إلى الإسبانية عن نشرة زيبولد وقام بذلك الأستاذ لويس سيكو دي لوثينا (Luis Seco de Lucena) سنة ١٩٤١ في مجلة جامعة غرناطة (ثم جمعت في كتاب ونشرت مع النص العربي الذي حققه زيبولد في بلنسية ١٩٧٤) . ولما اطلع دي لوثينا على نشرة الدكتور شوقي ضيف، كتب مقالاً بملة الأندلس (العدد ١٩ سنة ١٩٦٤ ص ٢٣ - ٣٨) درس فيه نصاً عن غالب القائد (هو الفقرة: ٧٦ من هذه الطبعة) وقارنه بنص عن غالب نفسه ورد في أعمال الأعلام، وهذا النص لم يرد في نسخة ميونخ. ويبدو أن سعد الدين بن شنب لم يطلع على ما كتبه دي لوثينا إذ عاد إلى الموضوع نفسه في مقال له بعنوان: Ibk el - Khatib a - t - il emprunte au Naqt al - " Arus d " ibn. Hazm la relation de la mort de Ghalib al - Nassiri (RHCM٤ (١٩٦٨) pp.١٧ - ١٩) وقد كتب أبو عب الرحمن بن عقيل الظاهري مقالاً عن هذه الرسالة بعنوان " التعريف بنقط العروس " نشر بمجلة الدعوة السعودية، العدد: ٤٩١. وهي رسالة في النوادر والغرائب، والعنواين فيها تدل على المنحى العام فيها مثل: أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها، فضيحة لم يقع في العالم إلى يومنا مثلها، من غرائب المناكح، من غرائب الدهر، من غرائب الأخبار ... الخ؛ ويبدو فيها اهتمام ابن حزم بالألقاب، فقد افتتح الرسالة بهذا الموضوع ثم عاد إليه في الفقرة ٨٤، ٨٥، ٨٦، حتى أنه اقترح ألقاباً صالحة للاستعمال، ومثل هذا الاهتمام لا يتطابق وعدم إيمانه بجدوى الألقاب، فهو يقول في التعليق على كثرة الألقاب وقلة غناء الملقبين، وتدني الحال إلى أن انتحل السماسرة واللصوص والأنذال ورذالات الناس الألقاب لأنفسهم " ولقد كانت دولة عبد الملك وبنيه الوليد ويزيد وهشام وعمر بن عبد العزيز لا عضد لها ولا عماد، ولا قب إلا أسماؤهم وأسماء آبائهم فقط، وقد طبقت الدنيا خساسة وضعفاً ومهانة " (١) . ولا يخفي ابن حزم أنه كان معجباً بالأمير محمود بن سبكتكين إلى أن تلقب

стр. 472

بلقب " يمين الدولة " فسقط عنده إلى غير ما كان يقدره فيه (١) ؛ ولا تفسير لاهتمامه بموضوع الألقاب إلا أنه داخل في جملة النوادر، وإنه لا يستطيع جحد التاريخ بإغفال هذا الجانب فيه، وإن كان لا يقر الألقاب، ولا يحترمها. وبسبب التفاوت القائم بين نسختي " نقط العروس " لا نستطيع أن نحكم على الترتيب النهائي الذي اختاره ابن حزم لرسالته، ولكنها في حالها الراهنة تعد من أكثر رسائله بعداً عن منهج مرسوم، وذلك أمر يستغرب منه، إلا أن يكون العذر هو أنها خطرات مرت بذاكرته فدونها كما خطرت، ومع ذلك فنحن نلمح فيها موضوعات محددة، فبعد ذكر الألقاب يتعرض ابن حزم لخلافة وشؤونها وما يتصل بها من ولاية عهد (ف ٢ - ١٩) ثم يتحدث عن الخلفاء وأحوالهم فيعد من كان منهم طاغية أو أحمق أو حزماً أو كثير الفتوح أو مهراً بشرب الخمر أو عالماً أو عدلاً أو مسرفاً أو أديباً ... الخ والعلاقة بين الخليفة وأقربائه من أبناء وأخوة وأعمام. ويستغرق هذا الموضوع عدة فقرات في رسالته، ولكنه لا يرى بأساً في أن يدرج هنا وهناك فقراً لا علاقة لها بالموضوع الرئيسي. ثم يعود إلى الخلفاء وأوالهم في الفقرات ٨٩ - ٩١، ١٠٥. وخارج نطاق الخلفاء والخلافة تدث ابن زم عن شؤون مثل: غرائب المناكح، من تزوج من الكبراء والعلية منكحاً ساقطاً، من تزوج من غمار الناس في الخلفاء؛ وغير ذلك من موضوعات، وقد خصص الفقرة (١٠٤) للحديث عن أمور تتعلق بالرسول (ص) ، وبكل ذلك تجاوز الحديث ع الخلفاء إلى موضوعات أخرى، ولهذا أشرت إلى أن تسميتها " نقط العروس في تواريخ الخلفاء " غير دقيقة وأدق منها أنها في النوادر، كما قال ابن حيان. ولا ريب في أنها رسالة متعددة الفوائد، تنبه إلى بعض المفارقات في أخبار الناس وأحوالهم، مثيرة بجمع الأشباه والنظائر، وتقديم المعلومات لمفاجئة، وكثير من أجزائها إنما يقوم على الإحصاء، وهي تدلُّ على " ذهنية " نفاذة إلى أمور قد يمر به الآخرون دون توقف عندها. وقد كتبت الرسالة في سنة ٤٣٢ - فيما أقدر - إذ يذكر فيها (ف: ٦٨) محمد بن عيسى بن مزين صاحب شلب [الآن] وهذا توفي في العام المذكور، كما يذكر مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وقتله لعمه محمد (ف: ٧٢) وكان ذلك في شعبان من ذلك العام (٢) ؛ ولم يكر في الألقاب المضافة إلى الدولة لقب يمن الدولة أحمد بن

стр. 473

محمد صاحب البونت، مع أنه نزل عنده وحظي برعايته وقد ظل يمن الدولة حاكماً حتى ٤٣٤ ولكن ابن حزم في الرسالة التي كتبها له في فضل الأندلس لا يورد له لقباً؛ غير أني لا أقطع بأن تكون الرسالة قد وضعت في صورتها النهائية في ذلك التاريخ نفسه، إذ لو كان الأمر كذلك لما وجدنا في النسختين كل ذلك الاختلاف (١) . - ٢ - رسالة في أمهات الخلفاء تقع هه الرسالة في نسخة بايزيد عمومية تالية للرسالة السابقة " نقط العروس " وقد قام بنشرها الدكتور صلاح الدين المنجد بمجلة المجمع العلمي العربي (١٩٥٩) المجلد: ٣٤، الجزء الثاني، ونصّ الرسالة يشغل الصفحات: ٢٩٤ - ٢٩٩. وهذه الرسالة تصلح أن تكون فقرة في " نقط العروس "، ولم يضف استقلالها على شكل رسالة شيئاً إذ إن ابن حزم ذكر أسماء أمهات الخلفاء في المشرق في رسالته " أسماء الخلفاء " (رقم: ٤ بين هذه المجموعة) كما ذكر أسماء أمهات الأمراء والخلفاء الأموييين بالأندلس في رسالته " ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس " التي جعلتها ملحقة برسائله. - ٣ - جمل فتوح الإسلام هي موجز في الموضوع الذي تناولته مؤلفات مثل فتوح البلدان لبلاذري، وفتوح الشام لكل من الواقدي والأزدي وغيرها، ولابن حزم فيها بعض تعليقات هامة، ولم أجد أحداً اعتمد عليها أو اقتبس منها، وكانت نشرت مع " جوامع السيرة ". - ٤ - أسماء الخلفاء والولاة وذكر مددهم (٢) هه الرسالة تقتصر على ذكر الخلفاء من بني أمية بالمشرق وبني العباس، وذكر " الولاة " في العنوان لا يدل على أن ابن حزم يذكر فيها العمال وإنما هم الخلفاء أنفسهم. ويحرص ابن حزم أن يذكر عند كل خليفة تاريخ استخلافه وتاريخ وفاته وتحديد مدته بالسنوات والأشهر والأيام وعمره واسم أمه، وأهم الأحداث في زمنه، وقد

стр. 474

كتب هذه الرسالة بعد سنة ٤٢٢ (أي بعد أن تولى القائم باله العباسي) ؛ وفي صورة ثانية من هذه الرسالة (رقم ٤ب) ما يدل على أن كتابتها قد تمت بعد سنوات من ولاية القائم إذ قد زاد في الصورة الثانية قوله: " وهو مغلوب عليه لا يظهر ولا ينفذ له أمر " ولعلَّ في ذلك إشارة إلى ما حدث سنة ٤٢٦ وما بعدها، فقد ذر ابن الأثير في أحداث تلك السنة أن أمر الخلافة انحل ببغداد، وكثر ظهور العيارين وانتشار الأعراب في النواحي وقطع الطرق (١) أو لعل الإشارة إلى فتنة البساسيري (٤٤٦) . وعد هه الرسالة واحدة في سلسلة من الكتب التي ألفت في أخبار الخلفاء مع ترسم متعمد في الإيجاز مثل: ١ - تاريخ الخلفاء لأبي عبد الله محمد بن يزيد (وفيه زيادات لأبي بكر السدوسي وأبي بكر الشافعي وابن شاذان) . ٢ - بلغة الظرفاء في ذكرى تواريخ الخلفاء لروحي. ٣ - الأنباء في تاريخ الخلفاء لمحمد بن علي المعروف بابن العمراني. ٤ - مختصر التاريخ لابن الكازروني. ٥ - خلاصة الذهب المسبوك للاربلي. وتتفاوت هذه الكتب في مدى الإيجاز وفي ما تحرص على إثباته من وقائع وأخبار، وأقربها إلى رسالة ابن حزم تاريخ محمد بن يزيد (ابن ماجه) ولا يستبعد أن يكون ابن حزم قد اطلع على هذه الرسالة، فإن ابن ماجه يحرص فيها على أن يذكر تاريخ تولي الخليفة وتاريخ مقتله ومدة حكمه بالسنة والشهر واليوم وعمره واسم أمه وكنيته ويضيف أحياناً اسم من صلى عليه؛ فالأمور التي يدونها تشبه إلى حد كبير ما دونه ابن حزم في رسالته. وتدل المقارنة بين هذه الكتب على وجود خلاف بينها في مدة الحكم وفي شؤون أخرى. وقد اطلع ابن الوزير صاحب الروض الباسم على رسالة ابن حزم هذه وسماها " أسماء الخلفاء " ونقل عنها بعض مساوئ مروان ابن الحكم (٢) كما اطلع على السيرة لابن حزم (٣) . أما الصورة الثانية من هذه الرسالة فقد قام بتحقيقها ونشرها الأستاذان أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وعبد الحليم عويس (٤) وقارناها بالصورة التي ألحقت

стр. 475

بجوامع السيرة ووضعا ما لم يرد في الرسالة الاولى بين قوسين. ولكن الاختلاف في العبارات التي تتصل أحياناً بموضوع واحد حداني إلى نشر هذه الرسالة كما هي، بدلاً من مقارنة الرسالة السابقة بها، فهي تبدو وكأنها تأليف مستأنف، وهي جزء من رسالة تامة عنوانها " جمل من التاريخ " وقد حذفت منها ما كان متعلقاً بسيرة الرسول (ص) إذ يمكن مقارنة ما فيه بجوامع السيرة عند نشر هذا الكتاب محققاً على نسخ جديدة. وإليك نموذجاً يبين الفرق بين الرسالتين: الرسالة الأولى الرسالة الثانية ١ - استخلف أبو بكر رضوان الله عليه وبركاته ... ١ - وتولى أمور المسلمين خليفته أبو بكر الصديق ٢ - وسمي خليفة رسول الله ٢ -......... ٣ - وكانت مدته.............. ٣ - فولي الخلافة سنتين..... ٤ - وتوفي في ثمان خلون من جمادى لآخرة ٤ -....... ٥ - وله ثلاث وستون سنة ٥ - وله ثلاث وستون سنة ٦ - وأمه سلمى تكنى بأم الخير...... ٦ - وأمه سلمى هي أم الخير........ ٧ - وهي مسلمة ٧ - وكان أبوه وأمه مسلمين ٨ - وفي أيامه كانت وقعة اليمامة ووقعة بصرى ووقعة أجنادين ووقعة مرج الصفر ٨ - وهو الذي حارب أهل الردة وقتل مسيلمة وأعد الجيوش إلى الشام لقتال الروم وإلى العراق لقتال الفرس ٩ -......... ٩ - وقبره مع قبر رسول الله..... الخ ومن هذه المقارنة يبدو مدى التفاوت بين الصورتين في الأسلوب وفي الأخبار. - ٥ - رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها هكذا أسماها ابن خير في فهرسته (١) ، كما سميت أحياناً " بيان فضل الأندلس وذكر علمائه "، ولم أعثر على أصل مخطوط لها، وإنما أوردها المقري في نفح الطيب (٢) ، وذكر أن الحسن بن محمد التميمي القيرواني المعروف بابن الربيب (٣)

стр. 476

كتب إلى أبي المغيرة ابن حزمن حزم (ابن عم الفقيه) رسالة (١) يذكر فيها تقصير أهل الأندلس في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضلائهم وسير ملوكهم ويقول فيها: " فإن قلت إنه كان ذلك من علمائكم وألفوا كتباً لكنها لم تصل إلينا فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب أو دلجة قارب، لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا في القبور، فضلاً عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه ب " العقد "، على أنه يلحقه فيه بعض اللوم إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه.... ". وقد أورد ابن بسام فصولاً من ردّ أبي المغيرة على القروي (٢) قال في بعضها: " وأنا أعلم أن عندكم لنا تواليف تطيرون بها " ويقول ابن بسام إن أبا المغيرة خرج إلى التطويل، وختم رسالته بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس " (٣) . واطلع ابن حزم أبو محمد على رسالة ابن الربيب بعد وفاة صاحبها فكتب رسالته هذه في الرد عليها، والأرجح أن رسالة ابن الربيب حفزته إلى أن يضع رسالة مطولة في تاريخ الفكر الأندلسي فجاءت هذه الرسالة. ويذكر ابن الأبار (٤) أن ابن حزم صنع هذه الرسالة لمحمد بن عبد الله بن أحمد الفهري، يمن الدولة، صاحب البونت (من أعمال بلنسية) وأطال الثناء عليه وعلى سلفه في الرسالة، وهذا واضح في الفقرة الثانية منها. ولا تعارض بين ما قاله ابن الأبار وقول الحميدي (٥) إنه خاطب بها صديقه أبا بكر ابن إسحاق، فالسالة قد أدت الأمرين معاً، وفي مطلعها: " أما بعد يا أخي يا أبا بكر ... "، وإنما وجهها إلى أبي بكر لأنه وجد في أحد أدراج مكتبته رسالة القروي موجهة إلى رجل أندلسي لم يعين باسمه، والخلاف بين ما يقوله ابن بسام (ثم المقري) وما يقوله ابن حزم أبو محمد واضح. ترى هل كان أبو محمد يجهل حقاً الشخص الذي أرسلت إليه الرسالة ذلك ما لا ريب فيه، فلو عرفه لم يكن له غرض في إخفاء اسمه، ولا حاجة به إلى مجانبة الصد أو إلى استعمال التقية، وتفسير هذا الخلاف أن أبا بكر محمد بن إسحاق كان يملك نسخة من رسالة القروي لم يذكر فيها عنوان الشخص الذي إليه أرسلت.

стр. 477

ولما كانت الرسالة قد ألفت باسم يم الدولة صاحب البونت فلا بد من أن تكون قد كتبت في الفترة الواقعة بين ٤٢١ ٤٣٤ وهي الفترة التي تولى فيها يمن الدولة الحكم (١) ، وابن حزم لا يذكر له لقباً في رسالته، ولو كنا نعلم في أي عام انتحل ابن قاسم ذلك اللقب لكان تحديد تاريخ تلك الرسالة أدق. وقد نثر الحميدي معظم فقرات هذه الرسالة في جذوة المقتبس موزعة على التراجم، ولذا يعد نصّ الجذوة هاماً لمقارنته بالصورة التي أوردها المقري؛ وكنت استخرجت هذه الرسالة من نفح الطيب ونشرتها في كتابي " تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة " (الطبعة الأولى ١٩٦٠) ص ٢٩٢ ٣١٣، ثم نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد مع رسالة الشقندي (وهي أيضاً في نفح الطيب) تحت عنوان: فضائل أهل الأندلس وأهلها (بيروت ١٩٦٨) وللأستاذ جعفر ماجد بحث حولها نشره في حوليات الجامعة التونسية عدد ١٣ (١٩٧٦) بعنوان " رسالة ابن الربيب ورد ابن حزم ". وبعد أن يذكر ابن حزم السبب الذي حداه إلى كتابة الرسالة والثناء على من كتبت باسمه يتحدث عن فضائل الأندلس ويربطها بحديث أم حرام بنت ملحان (وفيه بشر الرسول بأن المجاهدين في البحر كالملوك على الأسرة) ويبين أن قرطبة تقع بحسب قسمة الأقاليم مع سُرَّ من رأى ولذلك فإن حظ أهلها من الذكاء غير قليل بحسب التقديرات الفلكية. وإذا عاب عائب الأندلس أو قرطبة بقلة التآليف فإن ذلك لو صح لكان منطبقاً على القيروان نفسها لأنه لم يؤلف فيها وفي بعض المدن الأفريقية الأخرى إلا محمد بن يوسف الوراق وو أندلسي لأنه هاجر إل الأندلس وإن نشأ بالقيروان. وهنا يستطرد ابن حزم ليحدد مدلول لفظة " أندلسي " وعلى من تطلق؛ فيرى أن الأندلسي، سوى المقيم الذي يموت في بلده، هو كل شخص هاجر إلى الأندلس وأقام فيها ومات هنالك، مل أبي علي القالي، فأما الأندلسي الذي غادر بلده ول يعد إليه وتوفي في بلاد غريبة فإنه لا يعد أندلسياً مثل محمد بن هانئ. ثم يعود ليعرض للكتب التي خلدت مآثر البلدان العريقة كبغداد والبصرة والكوفة فلا يجد منها إلا القليل. فأما البلدان الأخرى مثل الجبال وخراسان وكرمان والسند والري ... الخ فيصرح ابن حزم بأنه لم ير فيها تآليف تخلد ذكر ملوكها وعلمائها وشعرائها، ولو وجد شيء من ذلك لوصل إلى الأندلس كما وصلت كتب من

стр. 478

مؤلفات المشارقة وأهل المغرب. ويقف ابن حزم وقفة غير قصيرة نسبياً من تنكر الأندلسيين للعالم المرموق فيهم، وكأنه يقدم لنا هنا حديثاً ذاتياً عن المرء إذا تميز على نظرائه أو خالفهم في طريقتهم المعهودة، وكلا الأمرين يمثله ابن حزم. وبعد ذلك يتولى الردّ العملي القائم على الإحصاء والتقييم فيتناول مؤلفات الأندلسيين التي تستحق أن تذكر وتكون موضع اعتزاز في العلوم المختلفة بحسب الترتيب التالي: علوم الشريعة (الفقه والتفسير والدراسات القرآنية جملة والحديث) - اللغة - الشعر - الأخبار (التاريخ) - الطب - الفلسفة - العدد والهندسة - سبعة علوم، لا يؤلف عالم عاقل إلا في أحدها (١) . ويختم رسالته بتوضيح السبب الذي جعل الاتجاه إلى علم الكلام بالأندلس ضعيفاً ويشير إلى بعض جهوده في نطاق المذهب الظاهري، ثم يميز ذكر بعض الشعراء والبلغاء الأندلسيين مقارناً بينهم وبين نظرائهم من المشارقة. هذه صورة موجزة لبنية الرسالة، وقد كتب ابن سعيد تذييلاً عليها (٢) ، واستدرك بعض الكتب التي لم يذكرها ابن حزم لمعاصريه، مثل كتب مكي بن أبي طالب، وهو ممن له مناظرات مع ابن حزم، ولعل ذلك يعود إلى أن تلك الكتب لم تكن في نظر ابن حزم قيمة أو أنها كتبت بعد تاريخ الرسالة، وكذلك ذكر كتاب المتين لابن حيان وكتباً أخرى لابن عبد البر وكتاباً لابن الفرضي في أخبار الشعراء وتاريخ الغزال نظماً، وهذا يدل على أن رسالة ابن حزم أغفلت كتباً كثيرة، ولم يكتب لها الاستيفاء المرجو، وربما كان السبب في ذلك تمييز مؤلفها عمداً بين كتب جديرة بالذكر وأخرى غير جديرة بذلك، وأنها كتبت في تاريخ مبكر من حياة ابن حزم ولم يعد النظر فيها ليضيف إليها ما جدَّ بعد تأليفها. الرموز في نقط العروس ب نسخة بايزيد عمومية من نقط العروس. م نسخة ميونخ من نقطة العروس. ع: العهد القديم.

стр. 479

[] : زيادة من النسخة ب. () : زيادات توضيحية من المؤلف ابن حزم. : زيادات من وضع المحقق (في العنوانات خاصة) .

стр. 480

فراغ

стр. 481

فراغ

стр. 482

فراغ

стр. 483

بسم الله الرحمن الرحيم وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي: - ١ - أول الأسماء التي وقعت على الخلفاء ﵃: ١ - الصديق: سمّي به أبو بكر ﵁. الفاروق: عمر بن الخطاب. ذو النورين: عثمان بن عفان. ٢ - ثم لم يتسمَّ ولا سمي أحد من الخلفاء بشيء لازم له، حتى ولي بنو العباس ﵁، ونن الآن ذاكرون أسماءهم على نسق، ونذكر الأسماء التي اشترك فيها اثنان [....] أسماء الخلفاء، وإن كان الأمر قد رذل الآن غاية الرذالة في المشرق والمغرب، والله المستعان، فيتسمى بأسماء الخلفاء من ليس منهم. السفاح: أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أول خلفاء بني العباس (١) . المنصور: أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، أخو السفاح، وهو أول من تسمى بهذا الاسم. وتسمى به بعده أبو طاهر إسماعيل بن أبي القاسم صاحب افريقية (٢) .

стр. 484

ثم محمد بن أبي عامر المعافري بالأندلس. زاوي بن زيري بن مناد الصنهاجي صاحب غرناطة بالأندلس. وسابور وعبد الله بن مسلمة المعروف بالأفطس صاحبا بطليوس بالأندلس. وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر صاحب بلنسية بالأندلس. ومنذ بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة بالأندلس. وابن ابنه منذر بن يحيى بن منذر بن يحيى. أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور. وكا تسمى به قبله محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ إذ قام على أبي جعفر المنصور [بالمدينة] فل يتم له أمر. وكات الشيعة تسمي بهذا الاسم قبل هذا كله محمد بن علي بن أبي طالب ﵁ المعروف بابن الحنفية. ثم رجل من بني علي قام باليمن. ثم عبيد الله [الشيعي بالقيروان] بأفريقية، [أول قائم بالقيروان منهم] . ث محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر بالأندلس. ثم عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن الأصبغ بن الحكم الربضي

стр. 485

[المعروف بابن المسن أخو الفقيه] (١) بمليلة من بلاد البربر. ثم محمد بن إدريس بن علي ب حمود الحسني صاحب مالقة بالأندلس (٢) . الهادي: أبو محمد وسى بن المهدي بن أبي جعفر المنصور. ثم تسمى به رجل حسنيٌّ قام بصعدة من بلاد اليمن (٣) . الرشيد: أبو جعفر هارون بن المهدي بن أبي جعفر المنصور. ثم تسمى به هشام بن سليمان بن الناصر حين قيامه (٤) ، يأتي قيامه. الأمين: أبو عبد الله محمد بن الرشيد. ثم سمي به صالح (٥) صاحب (٦) أمير المؤمنين المعتضد [ومولى والده] . المأمون: أبو العباس عبد الله بن الرشيد بن المهدي. ثم تسمى به عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر (٧) . ثم القاسم بن حمود الحسني (٨) . ثم يحيى بن إسماعيل بن ذي النون (٩) . المعتصم (١٠) : أبو إسحاق محمد بن الرشيد.

стр. 486

ثم تسمى به محمد بن عبد الملك بن محمد بن أبي عامر (١) . ثم محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر (٢) . الواثق (٣) : أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد. المتوكل: أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد. المنتصر: أبو جعفر محمد بن المتوكل بن المعتصم. المستعين: أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد. ثم سليمان بن الحكم. ثم سليمان بن الناصر. ثم تسمى به سليمان بن هود الجذامي صاحب سرقسطة (٤) . المعتز: أبو عبد الله محمد بن المتوكل. ثم تسمى به [من غير الخلفاء] عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر صاحب شاطبة. المهتدي: أبو عبد الله محمد بن الواثق رحمة الله عليه. المعتمد: أبو العباس أحمد بن المتوكل. المعتضد: أبو العباس بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل. ثم تسمى به بمن غير الخلفاء] عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي صاحب إشبيلية وغرب الأندلس. المكتفي: أبو محمد علي بن المعتضد بن أبي أحمد بن المتوكل. المقتدر (٥) : أبو الفضل جعفر بن المعتضد.

стр. 487

القاهر: أبو منصور محمد بن المعتضد. الراضي: أبو العباس محمد بن المقتدر. المتقي: أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر. المستكفي: أبو القاسم عبد الله بن المكتفي. ثم أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر المرواني - وكانا رذلي قومهما، ومن العجب (١) اتفاقهما في الأخلاق الرذلة، وفي غلبة من لا خير فيه من النساء عليهما، وفي كمية العمر: كلاهما عاش اثنتين وخمسين سنة، وفي مدة ولايتهما: فإن كل واحد منهما ملك سنة واحدة وخمسة أشهر، وفي أن كل واحد منهما متغلب عليه، وفي أن كل واحد منهما خلع، وفي أن كل واحد منهما تركه أبوه صغيراً. المطيع: أبو القاسم الفضل بن المقتدر. الطائع: أبو بكر عبد الكريم بن المطيع. القادر: أبو [العباس] أحمد بن إسحاق بن المقتدر. القائم بأمر الله: أبو جعفر عبد الله بن القادر، وهو الخليفة اليوم (٤٢٢ - ٤٦٧) وقد تسمى بهذا الاسم قبله جعفر بن أبي جعفر المنصور فلم يتمَّ له أمر ثم أبو القاسم صاحب افريقية (٢) . ومنهم وإن كان لا يذكر مع الخلفاء المبارك أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور. ٣ - وأما الخلفاء بعد عثمان ﵁ إلى أبي العباس السفاح فالصحيح الذي لا شك

стр. 488

فيه أنه لم يقع على أحد منهم لقب معروف، إلا أن بعض الرواة ذكر أنهم كانت لهم ألقاب، ونحن نذكرها، وإن لم تصح عندنا، فيُطَّلعَ على الألقاب لا غير وبالله نستعين: معاوية بن أبي سفيان: الناصر لحق الله. يزيد بن معاوية: المستنصر (١) على أهل الزيغ. معاوية بن يزيد: الراجع إلى الله. مروان بن الحكم: المؤتمر بالله. عبد الملك بن مروان: الموثق لأمر الله. الوليد بن عبد الملك: النتقم لله. سليمان بن عبد الملك: المهدي بالله والداعي لأمر الله. عمر بن عبد العزيز بن مروان: المعصوم بالله. يزيد بن عبد الملك: القادر بصنع الله. هشام بن عبد الملك: المنصور. الوليد بن يزيد بن عبد الملك: المكتفي بالله. يزيد بن الوليد بن عبد الملك: الشاكر لأنعم الله: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك: المتعزز بالله. مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية بالمشرق: القائم بحق الله. ٤ -: وأما بنو أمية بالأندلس فإنهم لم يتلقبوا، إلا هشام بن عبد الرحمن الداخل، فإنه كان يقال له هشام الرضى، ولم يتسموا بإمرة المؤمنين إلى أن كان عبد الرحمن بن محمد، إلا أنني رأيت شعراً لأبي المخشي عاصم بن زيد التميمي (٢) يخاطب فيه

стр. 489

عبد الرحمن بن معاوية بإمرة المؤمنين: فأولهم أبو المطرف عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم. ثم ابنه أبو الوليد هشام الرضى. ثم أبو العاصي الحكم الربضي بن هشام، عرف بالربضي لقتله أهل الربض. ثم ابنه عبد الرحمن بن الحكم أبو المطرف. ثم ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن. ثم ابنه أبو محمد المنذر بن محمد. ثم أخوه أبو محمد عبد الله بن محمد. ثم ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، وتسمى بالناصر لدين الله، وبأمي رالمؤمنين، ويسمى القائم لله أيضاً، إلا أنه لم يستمر على هذه التسمية، وهكذا أنفذ كتابه إلى قسطنطين ملك الروم باللقبين جميعاً [قال أبو محمد: وأنا رأيت بعيني نيفاً وخمسين كتاباً كتبها بالزهراء وكلها معنونة من عبد الله عبد الرحمن الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان] (١) . وكان تسمى بالناصر بله أبو أحمد ابن المتوكل ولم يلِ الخلافة. ثم رجل من بني علي بطبرستان حسني (٢) . ثم علي بن حمود الحسني بالأندلس. ثم عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر. ثم المستنصر أبو العاصي الحكم بن عبد الرحمن الناصر. ثم تسمى بهذا الاسم [بعده] معد بن علي بن منصور بن نزار [الشيعي] صاحب مصر.

стр. 490

ثم حسن بن يحيى بن علي بن حمود الحسني صاحب مالقة. [ثم] المؤيد بالله أبو الوليد هشام بن الحكم المستنصر. وتسمى به قبله أبو إسحاق إبراهيم بن المتوكل ولم يلِ الخلافة. ثم المهدي أبو الوليد محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر. ثم المستعين أبو أيوب سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر، وتسمى أيضاً بالظافر. ثم المستظهر بالله أبو المطرف عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر [أخو المهدي [. [ثم المستكفي، وقد ذكرنا المستكفي] . ثم المعتمد بالله أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن الناصر، وهو آخر ملوكهم بقرطبة، وكان قام قبل ذلك أخوه عبد الرحمن بن محمد وتسمى بالمرتضى فلم يتم أمره. ٥ - ومن بني علي ﵁: المعتلي يحيى بن علي بن حمود. المتأيد بالله إدريس بن علي بن حمود. المستنصر بالله الحسن بن يحيى بن علي وقد تقدم اسمه. العالي [بالله] إدريس بن يحيى بن علي بن حمود، ويسمى السامي، ولم يلِ [وكان قد تسمى بهذا الاسم قبل إدريس ابن ليحيى آخر كان اسمه علياً وكان يحيى قد ولاه عهده ثم مات في حياته] . ٦ -[ومن الأدعياء إليهم: المهدي: وقد تقدم ذكره. القائم: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله قتله ابنه المنصور ولم يل الخلافة وتسمى بهذا الاسم عبد الرحمن الناصر بالأندلس. ثم أبو جعفر عبد الله بن القادر، وقد ذكرناه] .

стр. 491

وكان بمصر: أبو تميم معد بن إسماعيل يتسمى بالمعز. وابنه [أبو المنصور] نزار بن معد يسمى العزيز. وابنه منصور بن نزار يسمى الحاكم. وابنه علي بن منصور ويسمى الظاهر. [ثم أبو تميم معد بن علي الملقب بالمستنصر وهو واليهم الآن] (١) . - ٢ - من ولي العهد وتسمى أو لم يتسمَّ ولم يتم له أمر، ومن قام بطلب الخلافة وتسمى بها ولم يتم أمره وقد سمّي أو لم يسمَّ: ١ -: عبد العزيز بن مروان: كان ولي عهد أخيه عبد الملك، ولم يتم له أمر، مات في حياة أخيه عبد الملك. أيوب بن سليمان بن عبد الملك: مات في حياة أبيه سليمان بن عبد الملك، وكان ولي عهده، وقيل إن أباه قتله سراً لأنه ارتد إلى النصرانية. الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد: قتلا في السجن وكانا وليي عهد أبيهما. عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان (٢) : كان ولي عهد ابن عمه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، قتل يوم خلع إبراهيم، وقيل إن عبد العزيز هذا هو أخو أبي العباس السفاح لأمه، أمهما جميعاً ريطة الحارثية تزوجها محمد بن علي بعد الحجاج بن عبد الملك. عبد الله وعبيد الله ابنا مروان بن محمد بن مروان: كانا وليي عهد أبيهما، قتل عبيد الله بأرض الروم (٣) ، ولا عقب له (٤) ، وعاش عبد الله دهراً بمكة، وله

стр. 492

عقب، ومن ولده كان أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني (١) . ٢ - ومن بني العباس: عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس: كان ولي عهد المنصور عمه ثم صيره [على العهد] بعد ابنه المهدي، ثم خلعه المهدي جملة. جعفر بن موسى الهادي: ولاه أبوه العهد ولم يتم أمره. القاسم المؤتمن بن هارون الرشيد: ولاه أبوه العهد بعد أخيه المأمون، وخلعه المأمون. ثم سمي بالمؤتمن بعده محمد بن ياقوت (٢) . ثم سمي بعده سلامة أخو نجح الطولوني (٣) . ثم تسمى به عبد العزيز بن عبد الرحمن (٤) أخو محمد بن أبي عامر برهة من دهره (٥) . منصور بن المهدي: ولاه أخوه إبراهيم عهده وسمي بالمرتضى بالله، ثم اضمحل أمره. ثم تسمى بهذا الاسم علوي باليمن (٦) . علي بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب: ولاه المأمون عهده، ومات إلى مديدة في حياة المأمون، وقيل أنه سمه، وكان سماه الرضا. وتسمى به أيضاً الحسن بن زيد بطبرستان. موسى الناطق بالحق بن الأمين بن الرشيد: ولاه أبوه عهده، ولم يتم له أمر، ومات وله أربع عشرة سنة، ولا عقب له. إبراهيم المؤيد بن المتوكل: ولاه أبوه العهد بعد المعتز أخيه، ولم يتم له أمر؛

стр. 493

خلعه المعتز ثم قتله. الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل: وهو الناصر أيضاً، ولي عهد أخيه المعتمد، مات في حياة أخيه. المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد: ولي عهده أبيه مقدماً على الموفق ثم خلعه أبوه، فلما مات أبوه قتله المعتضد. الغالب عبد الكريم بن القادر: ولي عهد أبيه ومات في حياة أبيه. ٣ - ومن بني أمية بالأندلس: المغيرة بن الحكم الربضي (١) : ولي عهد أبيه بعد أخيه عبد الرحمن، خلعه أخوه عبد الرحمن. محمد بن سليمان بن الحكم (٢) : ولي عهد أبيه، قُتِل بعد قَتْلِ أبيه [بدهر] ولم يتم أمره، [وذلك أنه فزع إلى منذر بن يحيى مستنصراً به، فأحياه مدة، ثم أمر بقتله رجلاً يعرف بالطرسوسي، فقتله سراً] . - ٣ - وممن تسمى [منهم] بالعهد دون أن يسميه خليفة به لأولم يتمَّ له شيء] : ١ -: سليمان بن هشام بن سليمان بن الناصر: تسمى بالعهد في أيام محمد بن هشام المهدي ثم قتل حين قيام أبيه على المهدي [وقتل معه أبوه] وقتل معهما عدد [من بني عمه] . سليمان بن هشام بن عبيد الله بن الناصر: تسمى بالعهد أيام ولاية ابن عمه المستكفي (٣) . محمد بن الحكم بن محمد بن عبد الملك بن الناصر (٤) : تسمى بالعهد إذ ولي عمه هشام المعتد، دون أن يسميه به عمه، وكان عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر

стр. 494

[وهو من معافر] قد تسمى بولاية العهد لهشام [بن الحكم] المؤيد [ولقب بالناصر؛ وكانت فعلة خارجية] فقتل إلى شهر (١) ولم يتم أمره. ٢ -[ومن بني علي] : علي العالي بن يحيى [المعتلي] بن علي بن حمود: ولي عهد أبيه، مات في حياة أبيه، وقد رأيت بعض من يعاني علم التواريخ ينكر هذا، وهو خطأ منه، ولم أكتبه إلا موقناً بالقصة، وليس من لم يعلم حجة على من يعلم. محمد بن القاسم بن حمود: اضمحل أمره بخلع أبيه، ثم تسمى بالخلافة، ثم مات من كثب، وملك الجزيرة إدريس بن علي بن حمود، ادعى العهد، وخطب له بسبتة، وأخوه كاثبه لم ينكر من ذلك شيئاً. الحسن بن إدريس بن علي بن حمود الملقب بالسامي، ولاه أخوه عهده، ثم نفاه إلى العدوة. [وممن تسمى بالعهد دون أن يسمى به إدريس بن علي ادعى العهد بسبتة] . ٣ - ومن الأدعياء إليهم من ولاة أفريقية: قاسم بن أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي: مات في حياة أبيه، وكان وليَّ عهده. تميم بن أبي تميم: كان ولي عهد أبيه فخلعه في حياته. عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن عبيد الله الشيعي: ولاه العهد ابن عمه منصور بن نزار بن معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد الله، فلما قتل الحاكم منصور بن نزار قتل هو (٢) . - ٤ - من ولي الخلافة بعهد: ١ -: اختلف الناس في أبي بكر الصديق ﵁، والذي أدين الله به (٣) أنه ولي

стр. 495

الخلافة بعهد من رسول الله ﷺ إليه، ونص عليه، لإجماع أهل الإسلام على تسميته خليفة رسول الله، ولم يتسم بهذا الاسم أحد غيره لا ممن استخلفه ﵇ على المدينة في أسفاره، ولا ممن استخلفه على الصلوات في غزواته وحجته ﵇ وللخبر (١) الثابت الذي رويناه من طرق ثابتة في قصة المرأة التي قالت: يا رسول الله فإن رجعت لو أجدك، تريد الموت - هكذا في نص الحديث - فقال ﵇: فأتى أبا بكر. [وكذلك الحديث من قوله ﵇ في مرضه الذي مات فيه: لقد هممت أن أكتب كتاباً أو أعهد عهداً لئلا يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر أو كلاماً هذا معناه، وهو لا يهم ﵇ إلا بالحق] ولغير هذا مما ذكرنا في كتاب الفصل (٢) ، ولله الحمد. عمر. يزيد بن معاوية. معاوية بن يزيد. عبد الملك. [ابنه] الوليد. سليمان. عمر بن عبد العزيز. يزيد بن عبد الملك. هشام بن عبد الملك. الوليد بن يزيد. إبراهيم بن الوليد. المنصور. المهدي. الهادي. الرشيد. الأمين. المأمون [بعهد أبيه] . الواثق. المنتصر. المعتضد. المكتفي. المقتدر. الطائع. القائم بأمر الله أبو جعفر [أمير المؤمنين الآن ببغداد ولي عهد أبيه] . ٢ - ومن بني أمية بالأندلس: هشام الرضى، الحكم [الربضي] . ابنه عبد الرحمن بن الحكم. [ابنه] محمد. المنذر. عبد الله. المستنصر. المؤيد. - ٥ - من ولي الخلافة بتشاور: ١ -: عثمان. الحسن بن علي. مروان بن الحكم. المتوكل. المستعين. المعتز. المهتدي. المعتمد. القاهر. الراضي. المتقي. المطيع. القادر. ٢ - ومن بني أمية بالأندلس: الناصر. المعتد.
следующие страницы →