← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٩ - حديث: " من جلس إلى قينة صب في أذنيه الآنك " (أي الرصاص) ، وقد قال ابن حزم: " انه بلية لأنه عن مجهولين " وأبو نعيم اسمه عند ابن القيسراني: " عبيد بن محمد " وقال فيه: ضعيف ولم يبلغ عن ابن المبارك؛ والحديث عن مالك منكر جداً، وانما يروى عن ابن المنكدر مرسلاً. فهذا في نقد الإسناد قريب مما قاله ابن حزم. ١٠ - وقد مر القول في ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية (انظر رقم: ٥) . ١١ - والحديث: " يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها.. " لم يقبله ابن حزم لأن فيه معاوية بن صالح وهو ضعيف، وفيه مالك بن أبي مريم ولا يدرى من هو (وأيده في ذلك الذهبي وقال ابن حبان إنه من الثقات) ؛ وأما معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي (١) فدخل الأندلس واستقضاه الامام عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) بقرطبة، وتوفي في آخر أيام الداخل (٢) ؛ وقد ضعف في الحديث، قال ابن معين: ليس بمرضي، ووثقه آخرون. وهذا الحديث يقدم لنا مشكلة واضحة فالشخصان اللذان لم يرضهما ابن حزم وثقهما غيره، فبأي القولين يؤخذ وقد وردت عدة أحاديث تقرن الخسف والمسخ بظهور المعازف والقينات والإقبال على الشراب (انظر ذم الملاهي: ٤١ - ٤٢، ٤٤ - ٤٦) . ١٢ - حديث فيه النهي عن صوتين ملعونين: صوت نائحة وصوت مغنية، والحديث أورده ابن أبي الدنيا (٥٠) وذكره ابن القيسراني بروايتين: " نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة وصوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير شيطان " وقال رواه جابر، وأنكر عليه هذا الحديث وضعف لأجله فقال فيه ابن حبان: كان رديء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ يروي الشيء على التوهم ويحدث على الحسبان

стр. 422

وكثرت المناكير من حديثه فاستحق الترك، وتركه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين (١) ؛ ولعل جابراً هو جابر بن يزيد الجعفي الكوفي (١٢٨/ ٧٤٦) وقد عرف بالكذب والتدليس والغلو في التشيع (٢) ؛ وأما الرواية الثانية ففيها محمد بن يزيد الطحان اليشكري، وهو خبيث وضاع (٣) . وقد رويت في ذم الغناء والتحذير منه أحاديث أخرى لم يوردها ابن حزم، ومنها: ١ - " والذي نفسي بيده لا تنقضي الدنيا حتى يقع بهم الخسف والقذف، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك بأبي وأمي قال: اذا رأيت النساء ركبن السروج وكثرت القينات وشهدت شهادات الزور " رواه سليمان اليمامي في سند ينتهي إلى أبي هريرة يرفعه، واليمامي هذا منكر الحديث في ما قاله البخاري (٤) . ٢ - " ليبيتن أقوام من أمتي على أكل وشراب ولهو، ثم ليصبحن قردة وخنازير، وليصيبن أقواماً من أمتي خسف وقذف باتخاذهم القينات وشربهم الخمور وضربهم بالدفوف ولبسهم الحرير " وفيه رجل غير مسمى، وهو زياد بن زياد الجصاص، وهو متروك الحديث (٥) . ٣ - " امرني ربي بنفي الطنبور والمزمار " رواه إبراهيم ابن اليسع وهو فيما قاله البخاري منكر الحديث (٦) . (وجاء عند ابن الجوزي في تلبيس ابليس: ٢٣٣ من طريق أخرى بعثت بهدم المزمار والطبل؛ وفي طريق ثالثة: بعثت بكسر المزامير) .

стр. 423

٤ - وعن علي أنه قال: " نهاني رسول الله ﷺ عن المغنيات والنواحات وعن شرائهن وبيعهن وتجارة فيهن، وقال: كسبهن حرام " وفي سنده الحارث بن نبهان وهو لا يكتب حديثه (١) . ٥ - " النظر إلى المغنية حرام وغناؤها حرام وثمنها حرام " رواه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو متروك الحديث ويروي مناكير " (٢) . ٦ - وحديث روي عن صفوان بن أمية قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ جاءه عمرو بن قرة فقال: يا نبي الله إن الله كتب علي الشقوة ولا أراني أرزق إلا من دفي بكفي، فتأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال رسول الله ﷺ : لا إذن ولا كرامة ولا نعمة. وفي سنده يحيى بن العلاء وليس بثقة (٣) وهذا الحديث في سنن ابن ماجة، وقد اعتمده ابن الجوزي (تلبيس ابليس: ٢٣٤) . أما الأحاديث التي يستند اليها من يرون إباحة الغناء فهي نفسها التي يناقشها من يرون كراهته أو تحريمه؛ ومنها (حسب ترتيب ابن حزم) : ١ - حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة، ودخل أبو بكر فنهرهما فقال له الرسول: دعهما يا أبا بكر فانهما أيام عيد، وحديث آخر عن عائشة وجاريتين لها تغنيان بغناء بعاث فانتهرهما أبو بكر وقال: مزمار الشيطان، فقال الرسول دعهما. وفي الحديث " انهما ليستا بمغنيتين ". فقد استشهد بهما ابن القيسراني (٤) . ورد ابن الجوزي على ذلك بأن الحديثين لا يشيران إلى غناء، وإنما كان الناس يومئذ ينشدون الشعر ويسمى ذلك غناء للترجيع، وهذا لا يخرج الطباع عن حد

стр. 424

الاعتدال وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس وغزليات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والقد والاعتدال! وقال أبو الطيب الطبري: هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي عليه قوله، وكانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء (١) ؛ وقال ابن تيمية في هذا الصدد: ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي ﵇ أقر الجواري عليه (ولكن) ليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع (٢) . ٢ - حديث ابن عمر حين سمع مزماراً فسد أذنيه وقال: كنت مع رسول الله فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا: وهو حديث يؤيد وجهة نظر الذين لا يرون حل الغناء ولهذا أورده ابن الجوزي وقال: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم! (٣) وقال ابن تيمية: من الناس من يقول إن الرسول لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه فيجاب بأنه كان صغيراً أو يجاب بأنه لم يكن يستمع بل كان يسمع، وهذا لا إثم فيه (٤) . ٤ - حديث الحبش الذين كانوا يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعا الرسول عائشة إلى مشاهدتهم. أورده ابن القيسراني (٥) ، ولم يورده ابن أبي الدنيا وابن الجوزي.

стр. 425

٥ - ٦: وأما الخبر عن أصحاب رسول الله وهم في عريش يستمعون إلى غناء، وعن ابن عمر وأنه سفر في بيع مغنية، وأنه وعبد الله بن جعفر سمعا الغناء بالعود، فمما انفرد به ابن حزم عن المراجع التي اعتمدناها، ولكن هذا ليس من مذهبه، إذ كل ما دون الكتاب وسنة الرسول فليس بحجة عنده، ومن الغريب أنه فعل ذلك هنا في الاحتجاج لإباحة الغناء. ولا يدعنا ابن حزم في حيرة حول أي أنواع الغناء يعني، فهو وان لم يطنب في القول، فقد وصف الغناء بأنه مله، وأنه مصاحب بالعود، وبأنه يسمع من القينة، ومعنى ذلك أنه يرى كل مراحل الغناء حلالاً ابتداء من الحداء والنصب حتى الغناء المتقن الذي يقوم على النشيد والبسيط والهزج، أو ما يسمى " النوبة " ذات الأدوار الثلاثة، ولا يمكن أن نعرف كيف كان يتجه ابن حزم في هذه القضية لو عرف ارتباط السماع بالتصوف، وارتباطهما بالرقص، هل كان موقفه يقترب من موقف ابن القيسراني أو من موقف ابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم.

стр. 426

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم رسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور قال أبو محمد: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين: أما بعد، أيدك الله وإياي بتوفيقه، وأعاننا بلطفه على أداء حقوقه، فإنك رغبت أن أقدم لك في الغناء الملهي، أمباح هو أم من المحظور، فقد وردت أحاديث بالمنع منه وأحاديث بإباحته. وأنا أذكر الأحاديث المانعة وانبه على عللها، وأذكر الأحاديث المبيحة له وأنبه على صحتها إن شاء الله، والله موفق للصواب. فالأحاديث المانعة: ١ - ما روى سعيد بن أبي رزين عن أخيه عن ليث بن أبي سليم (١) عن عبد الرحمن بن سابط (٢) عن النبي ﵇ أنه قال: إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع (٣) إليها (٤) . ٢ - وروى لاحق بن حسين بن عمر أن ابن أبي الورد المقدسي (٥) قال: ثنا أبو المرجى ضرار بن علي بن عمير القاضي

стр. 427

الجيلاني (١) ثنا أحمد بن سعيد عن محمد بن كثير الحمصي (٢) ثنا فرج [بن] فضالة عن يحيى بن سعيد (٣) عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله إذا علمت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء: إذا كان المال دولاً والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، ولبست الحرير واتخذت القينات والمعارف، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليتوقعوا عند ذلك ريحاً حمراء ومسخاً وخسفاً (٤) . ٣ - وروى أبو عبيدة بن فضيل بن عياض (٥) ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم هو عبد الرحمن بن عبد الله انبا عبد الرحمن بن العلاء عن محمد بن المهاجر (٦) عن كيسان مولى معاوية ثنا معاوية أن رسول الله [ ﷺ ] نهى عن تسع وأنا أنهاكم عنهن: ألا إن منهن الغناء والنوح والتصاوير والشعر والذهب وجلود السباع والخز والحرير. ٤ - وروى سلام بن مسكين عن شيخ شهد ابن مسعود يقول: الغناء ينبت النفاق في القلب (٧) . ٥ - وروى عبد الملك بن حبيب (٨) ثنا عبد العزيز الأويسي عن

стр. 428

إسماعيل بن عياش عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: (١) : سمعت رسول الله يقول: لا يحل تعليم المغنيات ولا شراؤههن ولا يبعهن ولا اتخاذهن. وثمنهن حرام، وقد أنزل الله ذلك في كتابه ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم﴾ (٢) (لقمان: ٦) والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما صدره وظهره حتى يسكت. ٦ - وبه إلى عبد الملك بن حبيب عن الأويسي (٣) عن عبد الله ابن عمير بن حفص بن عاصم أن رسول الله قال: إن المغني أذنه بيد شيطان يرعشه حتى يسكت. ٧ - وبه إلى عبد الملك بن حبيب ثنى ابن معين عن موسى بن أعين (٤) عن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله قال: إن الله حرم تعليم المغنيات وشراءهن وبيعهن وأكل أثمانهن (٥) . ٨ - وذكر البخاري قال: قال هشام بن عمار (٦) ثنا صدقة بن خالد (٧) ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٨) ثنا عطية بن قيس الكلابي (٩) ثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري ثني أبو عامر أو أبو مالك

стр. 429

الأشعري [أنه] سمع النبي ﵇ يقول: ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (١) . ٩ - وروى ابن شعبان ثني ابراهيم بن عتمان بن سعيد ثني أحمد بن الغمر بن أبي حماد بحمص ويزيد بن عبد الصمد قالا ثنا عبيد بن هاشم الحلبي هو أبو نعيم، ثنا عبد الله بن المبارك عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس قال، قال رسول الله: من جلس إلى قينة صب في أذنيه الآنك (٢) يوم القيامة. ١٠ - وبه إلى ابن شعبان ثني عمي ثنا أبو عبد الله الدوري ثنا عبيد الله القواريري ثنا عمران بن عبيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ قال: الغناء. ١١ - وروى ابن أبي شيبة أبو بكر ثنا زيد بن الحباب (٣) ثنا معاوية صالح (٤) عن حاتم بن حريث (٥) عن ابن أبي مريم (٦) قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال: أنبأنا أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي ﵇ يقول: يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، تضرب على رؤوسهم المعازف والقينات بخسف الله بهم الأرض (٧) .

стр. 430

١٢ - وحديث فيه: أن الله [تعالى] نهى عن صوتين ملعونين، صوت نائحة، وصوت مغنية. وكل هذا لا يصح منه شيء، وهي موضوعة: ١ - أما حديث عائشة ﵂ ففيه سعيد بن أبي رزين عن أخيه (١) وكلاهما لا ديري أحد من هما. ٢ - وأما حديث علي ﵁ فجميع من فيه إلى يحيى ابن سعيد لا يدير من هم. ويحيى بن سعيد لم يرو عن محمد ابن الحنفية كلمة ولا أدركه. ٣ - وأما حديث ابن مسعود ﵁ ففيه شيخ لم يسم ولا يعرفه أحد. ٤ - وأما حديث معاوية فإن فيه كيسان ولا يدرى من هو، ومحمد بن مهاجر وهو ضعيف؛ وفيه النهي عن الشعر وهم يبيحونه. ٥، - ٦، ٧ - وأما أحاديث عبد الملك بن حبيب فكلها هالكة. ٨ - فأما حديث أبي أمامة ففيه إسماعيل بن عياش (٢) وهو ضعيف، والقاسم وهو مثله. ٩ - وأما حديث البخاري فلم يورده البخاري مسنداً وإنما قال فيه: قال هشام بن عمار ثم إلى أبي عامر أو إلى أبي مالك ولا يدرى أبو عامر هذا. ١٠ - وأما أحاديث ابن شعبان فهالكة.

стр. 431

٩ - وأما حديث أنس فبلية لأنه عن مجهولين، ولم يروه أحد قط عن مالك من ثقات أصحابه، والثاني عن مكحول عن عائشة ولم يلقها قط ولا أدركها، وفيه أيضاً من لا يعرف وهو هاشم بن ناصح وعمر بن موسى، وهو أيضاً منقطع، والثالث عن أبي عبد الله الدوري ولا يدرى من هو. ١١ - وأما حديث ابن أبي شيبة ففيه معاوية بن صالح وهو ضعيف، ومالك ابن أبي مريم ولا يدرى من هو. ١٢ - وأما النهي عن صوتين فلا يدري من رواه. فسقط كل ما في هذا الباب جملة. ١٠ - وأما تفسير قول الله تعالى ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ بأنه (١) الغناء فليس عن رسول الله، ولا ثبت عن أحد من أصحابه، وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا يقوم بقوله حجة، وما كان هكذا فلا يجوز القول به. ثم لو صح لما كان فيه متعلق، لأن الله تعالى يقول ﴿ليضل عن سبيل الله﴾ وكل شيء يقتنى (٢) ليضل به عن سبيل الله فهو إثم وحرام، ولو أنه شراء مصحف أو تعليم قرآن، وبالله التوفيق. فإذ لم يصح في هذا شيء أصلاً، فقد قال تعالى ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ (الأنعام: ١١٩) وقال تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ (البقرة: ٢٩) وقال رسول الله من طريق سعد ابن أبي وقاص، وطريقه ثابتة، " إن من أعظم الناس جرماً في الاسلام [من سأل عن شيء] لم يجرم فحرم من اجل مسألته " (٣) فصح أن كل شيء حرمه تعالى قد فصله لنا، وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال.

стр. 432

١ - وخرج مسلم بن الحجاج (١) قال ثني هارون بن سعيد الأيلي (٢) ثنا عبد الله بن وهب عمرو وهو [ابن] الحارث أن ابن شهاب حدثه عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان في أيام منى وتضربان ورسول الله مسجى بثوبه، فنهرهما أبو بكر فكشف رسول الله عنه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد. ٢ - وبه (٣) إلى عمرو بن الحارث أن محمد بن عبد الرحمن حدثه عن عروة عن عائشة قال: دخل رسول الله وعنده جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله! فاقبل عليه فقال: دعهما. فإن قيل إن أبا أسامة روى هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه فقال فيه: وليستا بمغنيتين، قيل قد قالت عائشة: تغنيان، فأثبتت الغناء لهما فقولها وليستا بمغنيتين: أي ليستا بمحسنتين، وقد سمع رسول الله قول أبي بكر: مزمار الشيطان، فأنكر عليه ولم ينكر على الجاريتين غناءهما. وهذا هو الحجة التي لا يسع أحد خلافها ولا يزال التسليم لها. ٣ - وروى أبو داود السجستاني (٤) ثنا أحمد بن عبيد العداني ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز ثنا سليمان بن موسى عن نافع قال: سمع ابن عمر مزماراً فوضع إصبعيه في (٥) أذنيه ونأى عن

стр. 433

الطريق، وقال يا نافع هل تسمع شيئاً قال: لا؛ فرفع إصبعيه وقال: كنت مع رسول الله فسمع مثل هذا، فصنع (١) مثل هذا. فلو كان حراماً ما أباح رسول الله لابن عمر سماعه، ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه، ولكنه ﵇، كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله، كما كره الأكل متكئاً والتنشف بعد الغسل في ثوب يعد لذلك (٢) ، والستر الموشى على سدة (٣) عائشة وعلى باب فاطمة رضوان الله عليهما، وكما كره أشد الكراهية ﵇ أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بعث ﵇ منكراً للمنكر وآمراً بالمعروف، فلو كان ذلك حراماً لما اقتصر ﵇ أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وبنهى عنه. فلم يفعل ﵇ شيئاً من ذلك، بل أقره وتنزه عنه، فصح انه مباح وأن تركه (٤) أفضل، كسائر فضول الدنيا المباحة، ولا فرق. ٤ - وروى مسلم بن الحجاج (٥) قال ثنا زهير بن حرب ثنا جرير ابن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: جاء حبش يزفنون في المسجد في يوم عيد، فدعاني رسول الله فوضعت رأسي على منكبه (٦) فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر به إليهم (٧) . ٥ - وروى سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي (٨) أن أبا مسعود البدري وقرظة بن

стр. 434

كعب وثابت بن زيد كانوا في العريش وعندهم غناء فقلت: هذا وانتم أصحاب رسول الله! فقالوا: إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت في غير نوح، إلا أن شعبة قال: ثابت بن وديعة مكان ثابت بن زيد ولم يذكر أبا مسعود. ٦ - وروى هشام بن زيد ثنا حسان عن محمد بن سيرين قال: عن رجلاً قدم المدينة بجوار، فنزل على ابن عمر وفيهم جارية تضرب، فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئاً، قال: انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعاً من هذا. فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية فقال: خذي فأخذت حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان، فبايعه ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن إني غنيت بتسعمائة درهم، فأتى ابن عمر مع الرجل إلى المشتري فقال له إنه غبن في تسعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه. فقال: بل نعطيها إياه. فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر ﵄ قد سمعا الغناء بالعود، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجد فلم ينه عنه، وقد سفر في بيع (١) مغنية كما ترى، ولو كان حراماً ما استجاز ذلك أصلاً. فإن (٢) قال قائل: قال الله تعالى ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ (يونس: ٣٢) ففي أي ذلك (٣) يقع الغناء قيل له: حيث يقع التروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب وكل ما هو من اللهو (٤) ؛ قال رسول الله: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " فإذا نوى المرء

стр. 435

بذلك ترويح نفسه وإجمالها (١) لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالاً. وقد قال أبو حنيفة: من سرق مزماراً أو عوداً قطعت يده ومن كسرهما ضمنهما. فلا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله تعالى أو من رسوله ﵇ لأنه إخبار عن الله تعالى، ولا يجوز أن بخبر عنه تعالى إلا بالنص (٢) الذي لا شك فيه، وقد قال رسول الله " ومن كذب علي متعمداً فليبوأ مقعده من النار " (٣) . قال أبو بكر عبد الباقي بن بريال الحجاري (٤) ﵁: ولقد أخبرني بعض كبار أهل زمانه (٥) أنه قال: أخذت النسخة التي فيها الأحاديث الواردة في ذم الغناء والمنع من بيع المغنيات، وما ذكره فيها أبو محمد ﵁ ونهضت بها إلى الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البر (٦) ووقفته عليها أياماً ورغبته في أن يتاملها، فاقامت النسخة عنده أياماً ثم نهضت إليه فقلت ما صنعت في النسخة فقال: وجدتها فلم أجد ما أزيد فيها وما انقص. تمت رسالة الغناء بحمد الله وعونه

стр. 436

فراغ

стр. 437

- ٤ - فصل في معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها

стр. 438

فراغ

стр. 439

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على سيدنا محمد وآله فصل في معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها قال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم ﵁: أطلت الفكر في نفسي، بعد تيقني أنها المدبرة للجسد، الحساسة الحية العاقلة المميزة العالمة، وأن الجسد موات لا حياة له، وجماد لا حركة فيه إلا أن تحركه النفس، وبعد إيقاني أنها صاحبة هذه الفكرة، والمحركة للساني بما تريد إخراجه مما استقر عندها فقالت مخاطبة لنفسها، باحثة عن حقيقة أمرها: يا أيتها النفس المدبرة لهذا الجسد: الست التي قد عرفت صفات جسدك الذي واليت تدبيره، وحققتها وضبطتها قال: بلى. قال: يا أيتها النفس المدبرة لهذا الجسد: الست التي تجاوزت جسدك المضاف تدبيره إليك، فخلص فهمك وبحثك (١) إلى سائر ما يليك من الأرض والماء والهواء وسائر الأجرام، ثم إلى ما لم يلك من الأجرام، فميزت أجناس كل ذلك وأنواعه وأشخاصه، وحققت صفات كل ذلك: الذاتية والغيرية، وفرقت بين كل ذلك بالفروق الصحيحة، ثم تخطيت كل ذلك إلى الأفلاك البعيدة وما فيها من الأجرام النيرة فعرفت كيفية أدوارها، ووقفت على حقيقة مدارها،

стр. 440

وضبطت كل ذلك، وأشرفت عليه، وسرحت (١) هنالك، وأوغلت في تلك الطرق والمسالك، وخضت إليه الأنوار والظلم، واقتحمت نحوه الأبعاد حتى أتيته من أمم، ولم يخف ما بعد وغمض قالت: بلى. قال: يا أيتها النفس المشرفة على ذلك كله: ألست التي لم تقنعي بهذا المقدار من العلم على عظمه وطوله، ولا ملأ خزانتك هذا الحظ من الإشراف، على كبر شأنه وهوله، حتى تعديت إلى ما كان قبل حلولك في هذا الجسد وارتباطك به، من أخبار القرون البائدة والمماليك الدائرة والأمم الغابرة والوقائع الشنيعة والسير الذميمة والحميدة، ووقفت على أخبارهم وعلومهم فشاهدت كل ذلك بمعرفتك إذ لم تشاهديه بحواسك قال: بلى. قال: يا أيتها النفس الغابطة لهذه العظائم المشرفة على هذه الأمور الشنيعة. ألست التي لم يكفك هذا كله حتى تجاوزت العالم بما فيه، وطفرته من جميع نواحيه، فشاهدت الواحد الأول، ووقفت إلى الحق الأول المبدع للعالم بكل ما فيه، فأشرفت (٢) على انه هو، وتوهمت إحداثه لكل ما دونه لتوهمك لكل ما شاهدته بحواسك، فأحطت بكل هذا علماً، واحتويت على جميعه فهما قالت: بلى. قالت: يا أيتها النفس التي بلغت هذه المبالغ النائية، وترقت إلى هذه المراقي العالية، وسربت في تبك السبل الغامضة، واستسهلت الولوج في تلك الشعاب الخافية، وسمت إلى التوقل إلى تلك المنازل

стр. 441

السامية، وتكلفت الارتقاء إلى دار تلك الفلك الشاهقة: تفكري إذ وصلت إلى هذه الرتب، وخرقت تلك الحجب، ورفعت دونك تلك الستور المسبلة، وفتحت لك تلك الأبواب المغلقة المقفلة، وسهل عليك تولج تلك المضايق الهائلة، وتأتى لك تخلل تلك الثنايا البعيدة، هل عرفت مائيتك، وهل دريت كيفيتك، وهل وقفت على أي شيء أنت، وما جوهرك وهل أشرفت على حملك لصفاتك، كيف حملتها قال: لا، ما عرفت شياً من ذلك. قالت: يا أيتها النفس العارفة بغيرها، الجاهلة بذاتها: فهل تعرفين محلك ومن أين أنت، ومن أين تتكلمين، وكيف تحركين هذه الأعضاء المصونة إذا حركتها، الساكنة إذا تركتها قالت: لا. قالت: يا أيتها النفس المعجب شأنها فيما علمت وفيما جهلت: هل تذكرين أين كنت ومن أين أقبلت، وكيف تعلقت بهذا الجسد المظلم الميت الجاهل، وكيف تصريفك له، وكيف بقاؤك فيه بالأسباب الممسكة لك معه، وكيف انفصالك عنه عند الآفات العارضة له قال: لا. قالت: يا أيتها النفس المعترفة بجهل ذاتها، الواقفة على علم ما عداها: ألست أنت المخاطبة والمسؤولة السائلة قالت: بلى. قالت: فما قطع بك عن معرفة ذاتك وصفاتك، ومكانك وبدء شانك، ومحلك وتنقلك، وكيف تعلقت بهذا الجسد وكيف تصريفك له وكيف تنقلك عنه

стр. 442

فتدبرت هذا فأيقنت أنه لو كان علمها ما علمت بقوتها وطبيعتها، دون مادة من غيرها، لكان المعجز لها مما جهلته أسهل عليها من الممكن لها مما علمت. فاعترفت بان لها مدبراً علمها ما علمت من البعيدات فعلمته، وجهلت ما لم يطلعها طلعه من القريبات فجهلته. فيا لك برهاناً على عجز المخلوق ومهانته وضعفه وقلته، نعم وعلى أن النفس لا تفعل ولا تقعد إلا بقوة وإرادة من قبل غيرها لا تتجاوزها ولا تتعداها، ولله الأمر كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. انتهى القول في النفس والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وسلم تسليماً كثيراً

стр. 443

١ - الابيات الجيمية (ص: ١٠٩ من طوق الحمامة) ، قد أوردها المقري في نفح الطيب ٣: ٥٩٩، ورواية البيت الاول هناك: خلوت بها والراح ثالثة لنا ... وجنح ظلام الليل قد مد واعتلج ويبدو أن الابيات استوقفت أبا عامر ابن مسلمة مؤلف كتاب (حديقة الارتياح) فعلق عليها بقوله: لا أذكر مثلها إلا قول بعض المشارقة فأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد إلا أنه لم يعطف خمسة على خمسة كما صنع ابن حزم. ٢ - ونقل المقري أيضاً (نفح الطيب ٢: ٨٣) أن ابن حزم مر يوماً هو وأبو عمر بن عبد البر صاحب الاستيعاب بسكة الحطابين من مدينة إشبيلية فلقيهما شاب حسن الوجه، فقال ابو محمد: هذه صورة حسنة، فقال له ابو عمر: لم نر إلا الوجه فلعل ما سترته الثياب ليس كذلك، فارتجل ابن حزم أبياتاً مطلعها: وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول.. الأبيات (النفح (٢: ٨٢) ويقول المقري في صدر القصة، قال ابن حزم في طوق " الحمامة ". غير أن النسخة التي وصلتنا من هذه الرسالة لا تحتوي هذه القصة، فهل في الرسالة نقص او أن المقري قد وهم. ٣ - فاتن أن أذكر بين المؤلفات التي تدور حول الغناء والسماع (ص ٤١٩ - ٤٢٠ من هذا الكتاب) رسالة في السماع والوجد لأبي سعيد ابن الأعرابي وقد لخصت في كتاب اللمع. والفضل ف هذا التنبيه يعود إلى ذكتور رضوان السيد. ٤ - جاء في بعض المصادر نقلاً عن ابن حزم (انظر مثلاً ديوان الصبابة: ٢٧)

стр. 444

أن رجلاً قال لعمر بن الخطا يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتها، فقال عمر: ذلك مما لا يملك. وقد ذكر ابن القيم هذا القول في الجواب الكافي (١٦٤) ولكنه لم ينسبه لابن حزم، ويبدو أن سبب نسبته له وروده بعد قول لابن حزم مباشرة. وأياً كان لأمر، فليس لهذا القول وجود في طوق الحمامة. ٥ - سهوت عن الإشارة إلى الترجمة الإنجليزية التي قام بها آربري (لندن ١٩٥٣) لطوق الحمامة، وكذلك ترجمة آسين بلاسيوس لرسالته في مداواة النفوس (مدريد ١٩١٦) وترجمة ندى توميش للرسالة نفسها غلى الفرنسية (بيروت ١٩٦١) ، ومن الدراسات ذات الصل برسالته في الغناء بحث للأستاذ تيريس (Teres) بعنوان: La epistola sobre el canto con musica insru،ental de Ibn Hazm de Cordoba؛ Andalus ٣٦ (١٩٧١) ، pp ٢٠٣ - ٢١٤. ٦ - من الكتب المتصلة بموضوع الغناء والسماع: جزء في السماع للسلمي (كوبريلي: ١٦٣٣١) وكشف القناع عن حكم الوجد والسماع لأبي العباس أحمد بن عمر الأندلسي (لاله لي: ١٤٨٢) .

стр. 445

بسم الله الرحمن الرحيم تصدير تضم هذه المجموعة الرسائل التالية: ١ - رسالة نقط العروس في تواريخ الخلفاء. ٢ - رسالة في أمهات الخلفاء. ٣ - رسالة في جمل فتوح الإسلام. ٤ - رسالة في أسماء الخلفاء. ٥ - رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها. وقد ألحقت بها ثلاثة ملاحق وهي: ١ - رسالة في ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس. ٢ - فصل في ذكر أوقات الحكام من بني إسرائيل. ٣ - شذرات من روايات تاريخية. ولا يخفى على القارئ أن الوشيجة التي سلكت كل هذه المادة في هذا الجزء إنما هي اتصالها جميعاً بالتاريخ. ولدارس ابن حزم المؤرخ أن يضيف إلى هذه المجموعة كتبه مثل جوامع السيرة وحجة الوداع والجمهرة وأن يعتمد فصولاً تاريخية كثيرة أوردها في الفصل. ونظرات تاريخية في رسائله مثل طوق الحمامة ورسالة التلخيص لوجوه التخليص. ولو وصلتنا رسالته في غزوات المنصور وكتابه في السياسة لأعطينا - فيما أقدر - تصوراً أدق لدوره في الكتابة التاريخية مادة ومنهجاً. وقد درست ابن حزم المؤرخ في المقدمة معتمداً على ما تيسر لدينا من آثاره في هذا الميدان. ولم أشبع الحديث فيها عن موقف ابن حزم المؤرخ من السيرة النبوية، فذلك أمر قد عرضنا له في مقدمة جوامع السيرة أنا وصديقي الدكتور ناصر الدين الأسد، ولا حاجة إلى إغادة شيء منه في هذا المقام إلا ما كان ضرورياً لاستكمال جوانب الصورة العامة من ابن حزم المؤرخ.

стр. 446

ذلك هو القدر الذي استوعبه هذا الجهد، أقدمه للدارسين والقراء، راجياً أن أوفق إلى نشر بقية الأجزاء من هذه الرسائل، ومن الله أستمد العون. بيروت في ٥ آذار (مارس) ١٩٨١ إحسان عباس

стр. 447

مقدمة ابن حزم والتاريخ يحتل التاريخ حيزاً صغيراً بين مؤلفات ابن حزم على غزارتها ووفرتها، وخاصة إذا قورن بمعاصره ابن حيان، فهو لم يتوفر على الكتابة في التاريخ بمعناه الشمولي، ولا على تفسير التاريخ بحسب منهج منظم، وإنما اقتصر جهده - في حدود ما نعرفه من أسماء مؤلفاته - على ملخصات مركزة موجزة مثل: جوامع السيرة، جمل فتوح الإسلام، أسماء الخلفاء؛ ولعله سار في كتابين آخرين له على مثل هذا المنهج أو شيء شبيه به، أعني كتاب " ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس " (١) وكتاب " غزوات المنصور بن أبي عامر " (٢) ؛ كما شمل جهده أيضاً نوادر الأخبار حسبما تدل عليه رسالته " نقط العروس "؛ فإذا وسعنا من مدلول التاريخ ليشمل علم النسب أضفنا إلى كتبه هذه كتاب " جمهرة أنساب العرب " (وهو على ضخامته النسبية يعد " تلخيصاً " لكتب مشرقية في هذا العلم مع إضافة ما جد من أنساب أندلسية وبربرية) وكتاب " نسب البربر " (٣) وربما كان قطعة مستخرجة من الجمهرة؛ حتى إذا زدنا في توسيع مدلول التاريخ ذكرنا مع هذه المؤلفات السابقة كتابه " الإمامة والسياسة في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب إلى الواجب منها ". وهو عنوان غامض، وربما كان مضطرباً، وأكبر الظن أنه يشير إلى اسمي كتابين اختلطا معاً، يمثل أحدهما " الإمامة والسياسة " ويمثل الثاني مجموعة من الكتب المركزة الموجزة، ويعد جوامع السيرة فيه " المرتبة الرابعة " (٤) .

стр. 448

كذلك لا تنتقض هذه الحقيقة - أعني احتلال الترايخ لحيز صغير في مؤلفات ابن حزم - حتى لو أضفنا إلى الكتب السابقة تلك الشذرات التاريخية المنسوبة إليه في المصادر وتلك النظرات التاريخية في رسائله، فهي تؤكد اهتمامه بالروايات التاريخية أكثر من انشغاله بالتأليف في التاريخ. غير أن للتاريخ مكانة هامة في نظر ابن حزم، فهو يقف مع القائلين بأن التاريخ " علم " ذو خصائص وغايات متميزة، مثل المسعودي (١) وإخوان الصفا (٢) والخوارزمي (٣) وغيرهم (٤) ، وينفرد ابن حزم بتصوره الخاص للعلوم وموقع التاريخ بينها، فهو يرى أن العلوم سبعة عند كل أمة وهي: علم شريعتها، وعلم أخبارها، وعلم لغتها - وفيها تتميز كل أمة - ثم علم النجوم وعلم العدد وعلم الطب وعلم الفلسفة

стр. 449

وفيها تتفق الأمم كلها (١) . وينقسم علم الأخبار على مراتب فهو إما أن يدور على الممالك أو على السنين وإما على البلاد وإما على الطبقات أو منثوراً (٢) . ثم يتحدث ابن حزم عن التاريخ بحسب الأمم، وبينا يقتصر الخوارزمي في مفاتيح العلوم على ذكر الفرس وعرب الجنوب وعرب الشمال والروم واليونانيين نجد ابن حزم يستقصي ذكر الأمم المختلفة، مميزاً بين التواريخ المتصلة بها دون أن يلحظ الفرق بين اليونان والرومان، فيسمي الفريقين باسم الروم، وهذه هي الأمم التي يشمل تواريخها بالتعليق: ١ - الأمة الإسلامية: وتاريخها الذي يشمل مبدأها وفتوحها وأخبار خلفائها وملوكها والمنتزين عليهم وعلماءها.. الخ، هو أصح التواريخ. ٢ - بنو إسرائيل: تاريخهم أكثره صحيح وفي بعضه دخل، وإنما يصح منه أخبارهم منذ أن صاروا بالشام إلى حين خروجهم عن تلك البلاد آخر مرة. ٣ - الروم: يصح تاريخهم ابتداء من عهد الإسكندر. ٤ - أمم الشمال من ترك وخزر وغيرهم: لا تواريخ لهم. ٥ - أمم السودان: لا تواريخ لهم. ٦ - الهنود والصينيون: يقر ابن حزم أن أخبارهم لم تصلنا كما نريد، ولكن لهم تاريخاً لأنهم أصحاب ضبط وتواليف وجمع. ٧ - الأمم الداثرة كالقبط واليمانيين والسريانيين والاشمانين وعمون ومآب: دثرت أخبارهم ولم يبق منها إلا تكاذيب وخرافات. ٨ - الفرس: لا يصح شيء من أخبارهم قبل دارا (انظر رقم ٣) وأصح أخبارهم ما كان من عهد أردشير (٣) . وهذه الأحكام نتيجة جهد بذله ابن حزم في الاطلاع والبحث عن تواريخ الأمم، ولهذا فهو ينصح دارس التاريخ بأن يعتمد هذه النتيجة، فلا يضيع وقته في البحث عما لم يصح من التواريخ، إلا إذا أحب التعب لنفسه، فإنه عندئذ سينتهي إلى ما انتهى إليه ابن حزم.

стр. 450

أما علم النسب فإنه يعده جزءاً من " علم الخبر " (١) وهو يدافع بقوة عن هذا الجزء. ويرد قول من قال: علم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر، ويبين منافعه المتعددة (٢) . ويحدد ابن حزم الغايات التي يمكن أن يحققها الاطلاع على تواريخ الأمم بما يلي: ١ - التزهيد في الدنيا: بمعرفة تقلبها بأهلها، ومصاير الملوك الظالمين الذين لم ينفعهم حشدهم للأموال والجيوش. ٢ - القدوة الحسنة: إذ يقف المرء على حمد المتقين الأخيار للفضائل فيرغب فيها ويسمع ذمهم للرذائل فيكرهها؛ ويقرأ أخبار الصالحين فيجب أن يكون منهم وأخبار المفسدين فيمقت طرائقهم. ٣ - العبرة بالفناء، ودثور الحصون والمدائن وتعاقب الأجيال، وانتقال الأحوال من عمران إلى خراب. ٤ - تمييز الصواب من الخطأ في الأخبار: فحين تتناصر التواريخ على تفاوت الأزمان والديانات في نقل قصة، فهي حق، وحين يحدث الخلاف، يدري دارس التاريخ أن القصة مضطربة. ٥ - المتعة والرياضة والتنشيط: وذلك لأن علم الأخبار سهل، وعلى الإنسان أن يتعمد قراءته وقت سآمته من درس العلوم الأخرى أو وقت فراغه من العمل فيها. وكل هذه الأغراض يدل على أن التاريخ عند ابن حزم هام جداً في بناء شخصية الفرد، من الوجهة الأخلاقية والنفسية، خصوصاً وأن دارسه لا يحتاج فيه إلى شيخ يوجه خطاه، بل يستطيع أن يعتمد على نفسه في طلبه (٣) . وقد توفرت لابن حزم أكثر الوسائل التي تلزم المؤرخ، وفي مقدمتها سعة الاطلاع على المؤلفات التاريخية ومناهجها المختلفة ومنازعها المتعددة، ولقد حاول الدكتور عبد الحليم غويس في كتابه القيم " ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي

стр. 451

والحضاري " أن يجمع أسماء الكتب التي اطلع عليها ابن حزم وأفادته في هذا المجال (١) . ولكن كل ما يمكن أن يعد في هذا المقام يبدو قاصراً عن تصوير الحقيقة. إذ الواقع أن ابن حزم اطلع على أكثر ما دخل الأندلس من كتب تاريخية كتبها المشارقة. وعلى ما كتبه الأندلسيون أنفسهم، وذلك كله يصور مدى ما حصله في التاريخ الإسلامي بخاصة، فأما تواريخ الأمم الأخرى فيبدو أنه وقف فيها عند مصادر معينة، مثل التوراة والإنجيل وتاريخ يوسيفوس، والأرجح أنه قرأ تاريخ هوروشيوس الذي نقل عن اللاتينية في أيام عبد الرحمن الناصر كما كان واقفاً على التاريخ المعاصر راصداً له أو مشاركاً في صنعه؛ وإلى جانب الاطلاع على المؤلفات اعتمد أيضاً على الروايات الشفوية، ولقاء الشيوخ ومحاورة الأقران، وكان لوالده أقوى الأثر في توجيهه نحو التاريخ، بحكم شخصه ومكانته: فهو مصدر هام لكثير مما نقله من روايات لم تكن تقف عند ظاهر الخبر، بل تفعل في نفسه فعلها، وإلى مثل ذلك يشير بقوله: " حدثني وهزني الوزير والدي نضر الله وجهه " (٢) ، ولعل والده هو الذي نبه ذهنه إلى التقاط الغرائب والنوادر، لكثرة ما كان بقص عليه منها، ولمكانته في الدولة كان عارفاً بما يجري حوله من دقائق الأمور، كما أن تلك المكانة جعلت مجلسه حافلاً بشخصيات العصر، وفي ذلك المجلس استمع الابن إلى إلى الأحاديث الدائرة والروايات المختلفة، مثلما استمع إلى الشعراء وهم ينشدون المدائح في أبيه؛ وحين قضت الفتنة البربرية على ابن حزم بمفارقة قرطبة والتجوال في المدن الأندلسية، وسعت لديه مجال المشاهدة، مثلما كثرت من مصداره الشفوية، وأغنت خبرته بتجارب جديدة، ولو قيض لابن حزم أن يرحل إلى المشرق لتمرس بمزيد من الخبرة والاطلاع، ولأضاف إلى ثقافته عن طريق المؤلفات ثقافة عن طريق دراسة المجتمعات والعادات؛ ولا ريب في أنه حاول أن يستعيض عن خهذه الناحية بالإكثار من القراءة في مختلف العلوم فتكونت لديه حصيلة ثقافية متنوعة كان في مقدورها أن تمد مغرفته التاريخية بروافد متعددة (٣) .

стр. 452

وحين وردت هذه الروافد الثقافية على الذكاء الطبيعي والصبر على عناء الطلب. تولد عن اللقاء قوتان هما أهم ما يحتاج إليه المؤرخ من وسائل، وأعني يهما القدرة على التصور الصحيح، والنقد الدقيق. أما في مجال التصور الصحيح فيمكن أن يقال أن ابن حزم لم يدرس الجغرافيا أو الاقتصاد دراسة منظمة، ولكن صحة تصوره هي التي هدته إلى أن يجعل من هذين قاعدة لفهم التاريخ أو مناقشة الروايات التاريخية: فهو حين يناقش ما ذكر عن أعداد بني إسرائيل في زمن داود (نصف مليون مقاتل من سبط يهوذا ومليون من تسعة أسباط أخرى وبقي سبطان لم يحص عددهما. هذا عدا الأطفال والنساء والشيوخ وسائر من لا يقدر على القتال) يقول: " البلد المذكور باق لم ينقص، ولا صغرت أرضه، وحده بإقرارهم في الجنوب: غزة وعسقلان ورفح وطرف من جبال الشراة بلد عيسو ... وحدّ ذلك البلد في الغرب البحر الشامي، وحده في الشمال صور وصيدا وأعمال دمشق التي لا يختلفون في أنهم لم يملكوا منها مضرب وتد ... وحد البلد المذكور في الشرق بلاد موآب وعمون وقطعة من صحراء العرب التي هي الفلوات والرمال.... " (١) هذا التصور للجغرافيا يؤدي إلى القول بأن تلك البلاد المذكورة لا يمكن أن تتسع لتلك الملايين، فإذا أضفت إلى ذلك ما جاء في سفر يوشع من أن المدائن التي سكنها عدد من الأسباط لا كلهم بلغت في الإحصاء الكلي أربعمائة مدينة سوى القرى التي لا يحصيها إلا الله وجدت ابن حزم يقول: " فاعجبوا لهذه الشهرة أن تكون البقعة التي قد ذكرنا مساحتها على قلتها وتفاهتها تكون فيها هذه المدن " (٢) . وتشترك العوامل الجغرافية والاقتصادية اشتراكاً يكاد يكون متلازماً، فإذا قرأ ابن حزم في التوراة أن بني إسرائيل كانوا ساكنين في أرض قوس فقط وأن معاشهم كان من المواشي فقط وأن عددهم هنالك كان ستمائة ألف وثلاثة آلاف (سوى النساء والأطفال) احتكم إلى العاملين الجغرافي والاقتصادي فقال: مالذي يكفي هذا العدد إذا لم يكن لهم من مصدر للقوت والكسوة سوى المواشي " ثم اعلموا يقيناً أن أرض مصر كلها تضيق عن مسرح هذا المقدار من المواشي فكيف أرض قوس وحدها " (٣) . وإذا وقع في بعض الروايات على أن جباية سليمان كانت ٦٣٦٠٠٠ قنطار من ذهب رغم

стр. 453

صغر المساحة التي تقع تحت حكمه قال: " فهذه الجباية التي لو جمع كل الذهب الذي بأيدي الناس لم يبلغها. من أين خرجت " (١) وإذا قرأ أن ملك السودان غزا بيت المقدس بمليون مقاتل: لم يكتف بالتكاء على عاملي الجغرافيا والاقتصاد بل أضاف إليهما عامل العلاقات السياسية فرفض الخبر (أ) لبعد المسافة وكون أكثرها مفاوز لا تتحمل جيشاً بذلك العدد (ب) ولا بد أن يمر هذا الجيش على مصر فكيف يستطيع ذلك " هذا ممتنع في رتبة الجيوش وسيرة الممالك ". (ج) ومن المستبعد أن يكون ملك السودان قد سمع بشيء اسمه بيت المقدس (٢) . وصحة التصور هي المدخل للنقد الدقيق، وقد أفاد ابن حزم في هذه الناحية من رافدين ثقافيين على وجه الخصوص وهما طريقة أهل الحديث والفكر الفلسفي. وتعتمد طريقة أهل الحديث على نقد السند أي على التعديل والتجريح للرواة. ومن نافلة القول أن أؤكد هنا على أهمية الخبر بالنسبة للمذهب الظاهري، وكونه الدعامة الثاني - بعد القرآن - في ذلك المذهب؛ وهذا موقف يستدعي معرفة شاملة دقيقة لعلم الرجال، مثلما يفترض الحذر الشديد في تقبل الخبر، وفي هذه الناحية وضع ابن حزم بين المتعنتين في التوثيق، وانتقده بعضهم لارتكابه عدة أخطاء في حق رواة مشهورين وصفهم بأنهم مجهولون مثل الترمذي والبغوي وإسماعيل بن محمد الصفار وأبي العباس الأصم (٣) ، حتى لقد قال ابن حجر في ترجمة الترمذي: " وأما أبو محمد ابن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع فقال في كتاب الفرائض من الإيصال: محمد بن هيسى بن سورة مجهول، ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه، فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ ... " (٤) كذلك أخذ عليه أنه يجهل من هو كدام بن عبد الرحمن السلمي (٥) ويخلط بين كثير بن زيد الأسلمي وكثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو ويقول في الثاني: ساقط متفق على اطراحه والرواية عنه، فيتعقبه البغدادي في ذلك (٦) ؛ كما يتعقب الحافظ قطب الدين الحلبي

стр. 454

ثم المصري ما ورد من أخطائه في كتاب المحلى خاصة (١) . ولا مراء في أن ابن حزم قد وقع في أخطاء لدى قيامه بالتجريح والتعديل، ولكن لهذه الأخطاء تفسيرات مختلفة، وليس الجهل واحداً منها، بل لقد أقر له من سجلوا عليه المآخذ، بأنه كان واسع الحفظ جداً، إلا أنه لثقة (لسعة) حافظته، كان يهجم على القول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة فيقع له من ذلك أوهام شنيعة (٢) . ولكن هذه الثقة في الحفظ أو السعة فيه لا تفسر كل شيء، بل هناك أسباب أخرى مضافة إلى تلك الثقة حتى في حال وصفه لأحد المشهورين بأنه مجهول: فالخلاف في التعديل والتجريح يتسع إلى يقل معه الاتفاق بين العلماء بوجه إجماعي على توثيق أحد الرواة، وابن حزم في كثير من علمه في الرجال يعتمد على من سبقوه، فإذا اختار تجريح أحدهم فمعنى ذلك أنه - في أغلب الأحيان - اتبع في الحكم عليه أحد السابقين، ولذلك فليس حجة على ابن حزم أن يقال: فلان وثقه ابن معين أو عده ابن حبان في الثقات. فهذا محمد بن سليمان المشمولي المخزومي ذكره ابن حبان في الثقات، كما ذكره العقيلي والساجي والدولابي وابن الجارود في الضعفاء، فليس أحد الموقفين بملزم لابن حزم، وإنما هو يحكم رأيه فيما يراه مناسباً، ولهذا يقول فيه: منكر الحديث (٣) .

стр. 455

ومن أهم أسباب الخلاف في التصحيف في أسماء الرواة (١) ، وقلب النسب، أو الاختصار فيه أو سقوط بعض أجزائه (٢) أو التشابه في الاسم والنسب معاً (٣) ؛ وعن هذه الطرق يدخل الوهم وتتباين الأحكام ويتسع مجال الاختلاف. ومهما يكن سبب ما عد على ابن حزم من أخطاء، فإن ما يهمنا هنا هو المنهج الذي أمده به علم الحديث، وهو منهج يتحرى الدقة ويتشدد في محاكمة السند، وربما لم يحتج ابن حزم إلى كل ذلك في موقفه من الروايات التاريخية، ولكن روح المنهج الحديثي تلبست به ووجهت فكره، وسنى أثرها لديه فيما يلي عند الحديث عن أحكامه التاريخية. ولو انفرد هذا المنهج في أثره لكان ابن حزم - في الأرجح - سلبي الموقف من التاريخ والروايات التاريخية، إذ لا يمكن أن يصل التحري هنا إلى ما يصل إليه في علم الحديث، ولكن ذلك المنهج توازى مع مؤثر آخر، هو تفتح فكره على الدراسات الفلسفية والمنطقية، فهذه الدراسات هي التي مهدت لديه تحكيم العقل في الرواية نفسها لا في رواتها، ورفضها على أساس عقلي، كما وسعت لديه الآفاق التي يستطيع أن يرودها بفكره، بحيث يتجاوز موقفه الظاهري الذي يحرص عليه في باب التشريع؛ وقد لحظ بعض الأقدمين هذه الازدواجية لديه فقال ابن كثير: " والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهرياً حائراً في الفروع لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره،.... وكان مع هذا من أشد الناس تأويلاً في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات لأنه كان أولاً قد تضلع من علم المنطق ... " (٤) ؛ وهذا الذي

стр. 456

يقوله ابن كثير يعد " ملمحاً " جيداً وإن لم يثبت في بعض أجزائه للمناقشة، ولكنه يفتح الباب للقول بأن ابن حزم الذي أنكر العلل - مثلاً - في الشريعة إنما كان في محاكماته للأخبار التاريخية يبحث عن الأسباب والعوامل الكامنة وراء تلك الأحداث والأخبار، وأنه كان يفيء إلى تحكيم العقل في طبيعة الخبر، إلى جانب اعتماد توثيق الرواة، حتى في بعض ما يدرجه غيره ضمن الأحاديث نفسها. ولنأخذ مثلاً واحداً على ذلك وهو حديث " هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر " فقد رواه سليمان بن محمد الخزاعي عن هشام بن خالد عن بقية عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة فرده ابن عبد البر بقوله: " سليمان لا يحتج به " أي أنه لم يقبل الحديث لضعف الراوي (١) . وقال فيه ابن حزم: وقد أقدم قوم فنسبوا هذا القول إلى رسول الله ﷺ وهذا باطل ببرهانين: أحدهما أنه لا يصح من جهة النقل أصلاً ... والثاني أن البرهان قد قام على أن علم النسب علم ينفع، وجهل يضر في الدنيا والآخرة ولا يحل لمسلم أن ينسب الباطل المتيقن إلى رسول الله ﷺ (٢) ، فاتكأ على المنهجين معاً في رفضه أن يكون ذلك القول حديثاً. كل تلك العوامل من سعة الاطلاع وخبرة بالإنسان وأحوال العمران الإنساني وصحة في التصور ودقة في النقد، النقلي والعقلي، كانت متوفرة لدى ابن حزم ليكون في طليعة المؤرخين، ولكنه لم يصبح كذلك، واكتفى بموقف هامشي للتاريخ في مؤلفاته، ولا بد أن يكون لهذه الظاهرة أسبابها. وفي مقدمة تلك الأسباب النظر إلى التاريخ على أنه أداة لا غاية في ذاته، وأنه يفيد في شيئين: التربية النفسية الأخلاقية، وخدمة الشريعة (كالحال في سائر العلوم عدا الشريعة) " فإن اشتغل مغفل عن علم الشريعة بعلم غيره فقد أساء النظر وظلم نفسه، إذ آثر الأدنى والأقل منفعة على الأعلى والأعظم منفعة، فإن قال قائل إن في علم العدد والهيئة والمنطق معرفة الأشياء على ما هي عليه، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته،

стр. 457

ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة والخلاص من العذاب والنكد " (١) ، فكل العلوم ومنها التاريخ أدوات توصل في النهاية إلى الفوز والنجاة، وهي المطلب الأسمى، وذلك عن طريق ما تؤديه تلك العلوم من فهم للخالق وإقرار بالنبوة، وإسعاف على فهم علم الشريعة جملة؛ وقد بلغ ابن حزم هذا الموقف على أثر الإخفاق السياسي الذي منيت به الأندلس بعيد الفتنة البربرية، وإخفاقه هو في الاحتفاظ بالمجد الدنيوي أو في العمل السياسي، وفي ما أصبح يعانيه من وضع اقتصادي، وكان البديل عن كل ذلك زهدية معتدلة توجه خطواته، وتحدد غايته على نحو واضح، وهي التوجه الكلي إلى الآخرة، والإكباب على الشريعة وتسخير جميع القوى والروافد في خدمتها؛ وقد فعلت في نفسه تلك الكلمة التي سمع محمد بن إسحاق الزاهد يقولها لأبيه: " احرص على أن لا تعمل شيئاً إلا بنية فإنك تؤجر في جميع أعمالك، فإنك ترى ذلك في ميزان حسناتك " (٢) ؛ وقد لقنته الفتنة درساً عميقاً وأملت عليه قبول التقلب في ارتفاع وهبوط، دون تذمر أو شكوى، وكانت تعرض له تلك الحكمة التي سمعها من أبيه ذات يوم: إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن ... (٣) على حالة إلا رضيت بدونها وأخذ يبحث في التاريخ عن النموذج الأعلى الذي تمثله هذه الحكمة، فوجده في الرسول، ولهذا لخص طريقته في الحياة بكلمات عميقة الدلالة: يلبس الشعر إذا حضره، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره،.... ومرة يأكل التمر دون خبز، والخبز يابساً، ومرة يأكل العناق المشوية ... يأخذ القوت ويترك الفضل، ويترك ما لا يحتاج إليه، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة إليه (٤) .... بل إن علم الشريعة نفسه الذي يرفده الاطلاع على سائر العلوم لا يطلب من أجل ذاته أو من أجل الدنيا، " واعلم أن من طلب علم الشريعة ليدرك به رياسة أو يكسب به مالاً فقد هلك، لأنه طلبه لغير ما أمره به خالقه أن يطلبه، لأن خالقنا، ، إنما أمرنا أن نطلب ما شرع لنا لننجو به بعد الموت من العذاب والسخط ... (٥) ".

стр. 458

لقد عاش ابن حزم لحظات " انحدار " التاريخ، في نفسه، التاريخ بمفهومه الكلي؛ فعلاً وفكراً؛ وفي لحظة ذلك الانحدار نفسه عاش رجل وقف ملكاته على التاريخ جاعلاً منه وسيلة وغاية، وكان " رد الفعل " لديه على ذلك الانحدار أن توقف عن كتابة التاريخ كأنما تعطلت حركته جملة واحدة - أعني حركة التاريخ - ذلك هو ابن حيان الذي يقول: " وأنسأتني المدة إلى أن لحقت بيدي منبعث هذه الفتنة البربرية، الشنعاء المدلهمة، المفرقة للجماعة، الهادمة للمملكة المؤثلة، المغربة الشأو على جميع ما مضى من الفتن الإسلامية، ففاضت أحوالها تعاظماً أدلهني عن تقييدها، ووهمني ألا مخلص منها، فعطلت التاريخ إلى أن خلا صدر منها ... " (١) . ولقد كان إحساس الرجلين تجاه ذلك الانحدار متشابهاً، وإن اختلفا في السلوك العملي بعده، فقد عبر عنه ابن حيان بقوله في الفتنة: " فتمخضت عن الفاقرة الكبرى ... مما طوى بساط الدنيا وعفى رسمها وأهلك أهلها " (٢) وقال ابن حزم في ذهاب الدولة الأموية: " وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن، وذهب بهاء الدنيا بذهابها " (٣) . وكانت معاصرة ابن حيان لابن حزم تعطيه النموذج الكبير لمعنى التاريخ، فتقنعه بأنه ما دام قد آثر الشريعة لا يستطيع أن ينقطع للتاريخ كما فعل ابن حيان، ولعله أحس أنه لا يستطيع أن يزاحمه في ذلك الميدان؛ ثم إن علاقته التاريخية بالحاضر واهية الجذور، لأنها تتصل بالماضي وتعيش في ذكرياته، فالحاضر - على مستوى التاريخ - لا يمثل له إلا أحداثاً موصولة الأسباب بالفتنة التي قضت على وحدة الجماعة، وهو غير راضٍ عن تلك الأحداث وعن أصحابها في المجال السياسي؛ والحاضر - على مستوى الشريعة - هو العمل الدائب نحو المستقبل، للنجاة الذاتية ولنجاة الآخرين - إن أمكن -، وفي هذا الموقف يصبح التاريخ السياسي وما يتصل به " طغياناً " مستمراً وخروجاً عن الشريعة واغتراراً بالدنيا وتكالباً عليها، مما هو سلبي خالص لا يفيد إلا في استلهام العبرة بهذا العبث الدائب. ولهذا كان ابن حزم غير راضٍ عن ملوك الطوائف قبل أن تحرق كتبه، وإن ألجأته الضرورات إلى العيش في كنف الصالحين منهم كأصحاب البونت أو كأحمد بن رشيق وزير مجاهد في ميورقة، فهو يقول في مفتتح إحدى رسائله: " اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم

стр. 459

اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سبباً إلى انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في هاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم ... " (١) ويقول في موضع آخر: " وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد، والذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية ... وإباحتهم لجندهم قطع الطريق ... ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيمهم.... (٢) ثم يقول: " والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم.... وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه " (٣) . ومن كان يحمل هذه النظرة، فإنه لا يرى في اللجوء إلى التاريخ " منقذاً " لنفسه ولغيره، بل هو يرى فيه تخليداً لأعمالٍ ظالمة لا يقرها، ولا تضيف شيئاً كثيراً إلى العبرة المستمدة من سير الظالمين على مدى العصور. وليس من الغلو في الاستنتاج أن يقال إن اختيار ابن حزم للظاهر، إنما كان ثورة في الأساس على ما لا يرضاه من سلوك العلماء الذين يتقربون من الحكام؛ وليس معنى ذلك أن جميع العلماء - وخاصة المالكية - كانوا يفعلون ذلك، بل كان فيهم الصالحون الذين يشاركون ابن حزم في ثورته على الظلم ومبارحة الشريعة، ولكن اختياره للظاهر، يجعل أولئك الحكام في غير حاجة إليه، فيبعده عنهم ويبعدهم عنه، ويمكنه من الاستقلال العلمي والاقتصار على تخريج الطلبة، وهكذا اتخذ من التمذهب للظاهر حجاباً يحول بينه وبين تقديم الفتاوى لهم أو المشاركة في تسويغ أفعالهم؛ وقد لحظ هو وابن حيان معاً ظاهرة التعاون بين بعض رجال الدين والحكام فسمى هو مثل أولئك العلماء فساقاً ينتسبون إلى الفقه، ويلبسون جلود ضأن على قلوب

стр. 460

سباع، ويزينون لأهل الشر شرهم (١) . وقال ابن حيان يصف وحدة الحال بين الفريقين: " ولم تزل آفة الناس مذ خلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم، الأمراء والفقهاء، قلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلحون، وبفسادهم يردون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين، بما لا كفاية له ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق ... والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكد الله عليهم في التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، خائض في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم آخذ بالتقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها! " (٢) . ومواطن اللقاء بين الرجلين متعددة، ولكن لا تلبث أن تفترق بهما الطريق، فأما ابن حيان فقد وسع من جنبات التاريخ ليصبح شاهداً لا على عصره وحده، بل على تاريخ الأندلس كله، معتمداً التفصيلات التي لا يكاد يضيع منها شيء (٣) ، شاملاً بنظره جميع مظاهر الحياة الإنسانية، واقفاً في الوقت نفسه موقف الإدانة لعصره - كما فعل ابن حزم - إلا أنها إدانة شمولية موثقة بشواهدها. وأما ابن حزم فضاق نطاق التاريخ عنده - على معرفته الدقيقة بدقائقه وتفصيلاته - (وأكبر شاهد على ذلك نقط العروس) ، ولذلك اكتفى بأن يستخدمه في غايات محددة لا يعدوها: منها الغاية التعليمية التي جعلته يتوفر على تلخيص ما لا بد للدارس من معرفته، فلخص السيرة والفتوح الإسلامية وأسماء الخلفاء في المشرق والمغرب ومدد حكم كل منهم، ولخص أنساب العرب والبربر في موجز جامع؛ ومنها الاستدلال بالتاريخ على القضايا المتصلة بالأديان وتواريخها، ولهذا لخص تاريخ اليهود - لا من أجل التاريخ نفسه، بل من أجل أن يثبت عدم التزام اليهود بالتوراة في أكثر العهود؛ ومنها إثارة النظر الإنساني إلى العجائب والنوادر، ولهذا ذهب يجزئ التاريخ في قضايا صغيرة مثيرة، فكتب " نقط العروس "؛ ولعله لم يخرج في تأريخه لغزوات المنصور بن أبي عامر عن روح الإيجاز التي سيطرت عليه في كتاباته التاريخية الأخرى. وقد أثر فيه نهج المحدثين في الجرح والتعديل، فجعل أحكامه التاريخية نموذجاً
следующие страницы →