مات إحدى وخمسون سنة وشهور.
أُمُّه أُمُّ ولد، اسمها: غُصْن.
ولاية المطيع
وولي بعد المستكفي ابن عمه لحاً: أبو القاسم بن جعفر المقتدر. فأقام والياً إلى أن فلج، وتخلى لابنه عن الأمر طائعاً غير مُكْرَه (١) ، يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت لذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وكانت ولايته تسعاً وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاً، وسنُّه إذ مات أربع وستون سنة، وعاش في ولايته مُضْطَهداً ليس له من الأمر شيء إلا الاسم.
وأُمُّه أُمُّ ولدٍ، اسمُها: مَشْغَلَة.
وفي ايامه ضعفت الخلافة ووهت، وغلبت الديالم على بغداد، وغالية الروافض في مصر والشام كلها ومكة والمدينة، وغلب الروم على إقْريطش والثغور الشامية وبعض الجزيرة، وردَّت القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه من الكعبة.
ولاية الطائع
وولي بعد المطيع ابنه: أبو بكر عبد الكريم، فأقام والياً إلى أن خلع سة ثمانين وثلثمائة. وكانت ولايته ستة عشر عاماً وأشهراً، وعاش بعد ذلك مخلوعاً مسمولاً إلى أن مات سنة أربعمائة (٢) ، وتولى خلعه وسَمْلَه خسرو فيروز (٣) بن فناخسرو بن الحسن بن بويه الديلمي (٤) .
ولاية القادر
ثم تولى بعد الطائع ابن عمه لحا: أبو العباس أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدر، فأقام والياً إلى أن مات سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة (٥) ، ولم يبلغ أحدٌ من الخلفاء في الإسلام مدَّتَه في إمرة المؤمنين، ولا طول عمره، لأن ولايته اتصلت ثلاثاً وأربعين
стр. 597
سنة، ومات وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، لأن مولده كان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
ولاية القائم بالله عبد الله بن القادر بالله
تولى بعد القادر بالله: أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، فهو أمير المؤمنين اليوم (١) .
ونسأل الله تعالى بمنه أن يوزع المسلمين أميراً رشيداً يعز به وليه، ويذل به عدوه، ويُعلي به كلمة الإسلام، ويُسفل كلمة من ناوأه من سائر الأديان، ويُظهر معه العدل، وحُكم الكتاب والسنة، آمين، آمين. آمين رَبّ العالمين.
قد أعان الله تعالى على استيفاء الغرض في كتابنا هذا، فله الحمد واصباً عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. وهو المُسْتَغْفَرُ من الزلل، والمرجو للرحمة والقبول. لا إله إلا هو، ربُّ كل شيء ومليكه، الأحد الأول الحق. وصلى الله على سيدنا محمد خيرة الله تعالى من خلقه، وعلى آله وصحبه وعترته، ورضي الله عن صحابته، وسلَّم تسليماً.
وكان الفراغ منه في العشر الأخير من شهر صفر سنة ٧٧٦ ست وسبعين وسبعمائة.
стр. 598
فراغ
стр. 599
فراغ
стр. 600
فراغ
стр. 601
- ٤ب -
الخلفاء بعده ﵇
(صورة أخرى من الرسالة السابقة)
الخلفاء بعده ﵇ (١)
١ - لما مات رسول الله ﷺ صلى الناس عليه أفذاذاً دون إمام، وتولى أمور المسلمين خليفته أبو بكر الصديق، ﵁، واسمه: عبد الله، فولي الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام. وتوفي، ﵁، وله ثلاث وستون سنة. وكان أبوه وأمه مسلمين، وأمه هي أم الخير [سلمى] بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
وهو الذي حارب أهل الردة، وقتل مسيلمة وأغزى الجيوش إلى الشام لقتال الروم وإلى العراق لقتال الفرس.
وقبره مع قبر رسول الله، ﷺ ، في بيت عائشة أم المؤمنين، ﵂، وهو الآن داخل المسجد.
٢ - ثم استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب أبا حفص فولي عشر سنين وستة أشهر وخمسة عشر يوماً. ثم قتل، ﵁، غيلة وهو في صلاة الصبح، طعنه أبو لؤلؤة، مجوسي فارسي، غلام المغيرة بن شعبة. عاش ثلاثة أيام ومات، ﵁، وقبره مع قبر رسول الله، ﷺ ، وقبر أبي بكر.
وفي أيام عمر فتحت الشام كلها، وجميع أعمال مصر، وأعمال السواد، وبعض فارس وأصبهان والري والأهواز والجزيرة وأذربيجان وديار مضر وديار ربيعة.
وبنيت البصرة والكوفة والفسطاط قاعدة أرض مصر.
стр. 602
٣ - ثم ولي الخلافة عثمان أبو عمرو بن عفان، اثنتي عشرة سنة ثم قتل صبراً، ﵁. وفي أيامه فتحت اصطخر من فارس وكرمان وسجستان وخراسان - ما دون النهر منها - وأرمينية وغرب أفريقية، وقبره، ﵁، في طرف البقيع.
٤ - ثم ولي الخلافة أبو الحسن علي بن أبي طالب، ﵁، فاضطربت عليه الأمور، ولم يبايعه جمهور الصحابة، ﵃، وخالف عليه معاوية بالشام وكانت وقعة الجمل بالبصرة، قتل فيها طلحة والزبير، رضي الله عن جميعهم، وكانا مع عائشة ﵂.
وكانت وقعة صفين بالشام، وقتل الخوارج بالنهروان، وافترقت كلمة الإسلام، وافترقت الطائفة القائمة على عثمان، ﵁، فرقتين: خوارج وشيعة غالية وغير غالية، وكل لا خير فيه.
وكانت ولاية علي بالكوفة خمس سنين غير ثلاثة أشهر. وقتل، ﵁، غيلة وهو داخل المسجد لصلاة الصبح، ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي - من الخوارج - ضربة مات منها بعد ثلاثة أيام. وقبره بالغري عند الكوفة.
٥ - ثم ولي الخلافة ابنه أبو محمد الحسن بن علي، أمه فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، فولي ستة أشهر ثم انحل عن الخلافة طوعاً وسلم الأمر إلى معاوية.
وقبر الحسن، ﵁، بالبقيع بالمدينة، وله تسع وأربعون سنة.
٦ - فولي الخلافة أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، وأجمع عليه جميع المسلمين. وكان كاتباً لرسول الله ﷺ في الوحي وغير ذلك. فأقام خليفة عشرين سنة غير أربعة أشهر. ومات، رضي الله، وله خمس وسبعون سنة.
وفي أيامه فتحت افريقية كلها، وسكنها المسلمون، وبنيت القيروان، ونزل ابنه يزيد بالجيش على القسطنطينية، فحاصرها مدة، ومات هنالك أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، ﵁ صاحب رَحل رسول الله، ﷺ ، ودفن هناك.
وقبر معاوية بدمشق.
٧ - ثم ولي ابنه أبو خالد يزيد بن معاوية ثلاث سنين وثلاثة أشهر. واضطربت الأمور، ونهض الحسين بن علي، ﵄، إلى الكوفة، وقتل هنالك.
стр. 603
وخالفه أهل المدينة، وكانت وقعة الحرة التي قتل فيها خيار الناس.
وحاصر عبد الله بن الزبير، ﵁، بمكة، ثم مات (١) .
٨ - وولي الخلافة أبو بكر عبد الله بن الزبير بمكة تسعة أعوام وثلاثة أشهر. وقام عليه بالأردن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس فغلب على الشام ومصر.
ثم مات مروان وقام مقامه ابنه عبد الملك، ووجه الحجاج لحصار ابن الزبير بمكة. فحاصره مدة. ثم قتل ابن الزبير، ﵁، داخل المسجد الحرام مقبلاً غير مدبر، وله ثلاث وسبعون سنة.
٩ - فولي أبو الوليد عبد الملك بن مروان، فاجتمع عليه المسلمون، فولي ثلاث عشرة سنة. ثم مات، وله ثنتان وخمسون سنة، وقبره بدمشق.
وفي أيامه زاد التفرق، وظهر الإرجاء، وإنكار القدر.
١٠ - فولي مكانه أبو العباس الوليد بن عبد الملك. ففي أيامه فتحت السند والأندلس وما وراء النهر من خراسان وكانت ولايته تسع سنين وسبعة أشهر. وكان سكناه دمشق.
١١ - ثم ولي الخلافة أخوه أبو أيوب سليمان بن عبد الملك، فأغزى أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية، فحاصرها حتى أشرف على أخذها. ومات سليمان، ﵀، وكانت ولايته عامين وتسعة أشهر وخمسة أيام. وكان سكناه بالرملة قرب بيت المقدس.
١٢ - فولي بعده ابن عمه أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان، ﵁، وكان غاية في العدل والخير. وكانت ولايته عامين وخمسة أيام. وكان سكناه بخناصرة من أرض حمص. وهنالك قبره معروف.
١٣ - ثم ولي بعده أبو خالد يزيد بن عبد الملك أربعة أعوام وشهراً، وكان مائلاً إلى اللذات. وكان سكناه بالبخراء من أرض حمص.
١٤ - ثم ولي بعده أخوه أبو الوليد هشام بن عبد الملك تسعة عشر عاماً وعشرة أشهر غير أيام. وكان سكناه بالرصافة بقرب الرقة.
стр. 604
١٥ - ثم ولي بعده ابن أخيه أبو العباس الوليد بن يزيد وكان خليعاً ماجناً. ثم قتل بعد سنة وشهرين. وكان سكناه حيث سكن أبوه.
١٦ - ثم ولي بعده ابن عمه أبو خالد يزيد بن الوليد، وهو القائم على الوليد المذكور. وكان يزيد غاية في الزهد والعدل. فولي ستة أشهر ومات بدمشق.
١٧ - فولي بعده أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد الخليع.
١٨ - وولي أبو عبد الملك مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، فكانت ولايته خمس سنين وشهراً واحداً. واضطربت عليه الأمور من أول ولايته حتى قام عليه أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس فقتل مروان ببوصير من أرض مصر، مقبلاً غير مدبر وسيفه بيده يضارب به حتى سقط.
١٩ - وولي أبو العباس وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب فكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر واياماً، وكان سكناه بالأنبار. وفي أيامه تفرقت الجماعة. فخرج عن طاعته من ما بين تاهرت وطبنة إلى بلاد السودان وجميع الأندلس. وتغلبت على هذه البلاد طوائف من خوارج وجماعية، وضعفت دولة العرب وأجنادها.
٢٠ - فولي بعده أخوه أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد عشرين سنة كاملة (١) . وهو بنى بغداد، ومات محرماً بالحج بمكة ودفن ببئر ميمون.
٢١ - فولي بعده ابنه: أبو عبد الله المهدي محمد بن أبي جعفر عشر سنين وأشهراً، وكان مقامه بعيساباذ من عمل السواد.
٢٢ - فولي بعده ابنه أبو محمد موسى الهادي سنة واحدة وشهرين، وكان مقامه بموساباذ من عمل السواد.
٢٣ - فولي بعده أخوه أبو جعفر هارون الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً، وهو آخر خليفة حجَّ بالناس في خلافته. وكان مقامه بالحيرة وبغداد (٢) . وقبره بطوس من خراسان.
٢٤ - وولي بعده ابنه أبو عبد الله الأمين أربع سنين وأشهراً إلى أن قتل ببغداد.
٢٥ - وولي بعده أخوه أبو العباس عبد الله المأمون، وهو بخراسان، ثم رحل إلى
стр. 605
بغداد. وكانت ولايته عشرين سنة وأشهراً. ومات بأرض الروم، وقبره بطرسوس.
٢٦ - ثم ولي بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بالله ثمانية أعوام وثمانية أشهر وثمانية أيام. وهو قتل بابك الخرمي القائم بملة المجوس بطبرستان، وهو آخر خليفة غزا دار الحرب بنفسه. وكان سكناه " سر من رأى ".
وهو أول من تجند بالعبيد، وضعف أجناد الأحرار.
٢٧ - ثم ولي ابنه أبو جعفر هارون الواثق بالله خمس سنين وثمانية أشهر.
٢٨ - ثم ولي بعده أخوه أبو الفضل جعفر المتوكل على الله خمسة عشر عاماً غير شهرين، إلى أن قتله عبيد أبيه الأتراك بأمر ابنه المنتصر.
٢٩ - ثم ولي ابنه أبو عبد الله محمد المنتصر قاتل أبيه، فكانت ولايته ستة أشهر.
٣٠ - ثم ولي بعده ابن عمه لحا أبو العباس المستعين بالله أحمد بن محمد المعتصم أربع سنين غير ثلاثة أشهر. ثم خلع ثم قتل.
وهؤلاء كلهم حجوا قبل الخلافة.
٣١ - ثم ولي ابن عمه أبو عبد الله المعتز بالله محمد بن المتوكل أربع سنين غير خمسة أشهر ثم خلع وقتل، ولم يحج قط.
٣٢ - ثم ولي ابن عمه أبو عبد الله المهتدي بالله بن الواثق. وكان ناسكاً فاضلاً، فكانت مدته، رحمة الله عليه، إلى أن خلع وقتل: أحد عشر شهراً. وحج قبل الخلافة.
٣٣ - ثم ولي ابن عمه أبو العباس المعتمد على الله أحمد بن المتوكل ثلاثاً وعشرين سنة. وكان ناقصاً متخلفاً متغلباً عليه. وكان مع ذلك فصيحاً خطيباً. ثم مات ولم يكن له مستقر، كان أخوه أبو أحمد الموفق ينقله من موضع إلى موضع. وحج قبل الخلافة.
٣٤ - ثم ولي ابن أخيه أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق طلحة بن المتوكل عشر سنين غير شهرين.
وفي أيامه ظهرت القرامطة ودعوة الباطنية في بلاد الإسلام واستولوا على البحرين وبعض اليمن. ولم يحج قط، ولا غزا دار الحرب، لا هو ولا من كان بعده، ورجع إلى بغداد وعطَّل سر من رأى.
стр. 606
٣٥ - وولي بعده ابنه أبو محمد علي المكتفي بالله خمس سنين وسبعة أشهر.
٣٦ - ثم ولي أخوه أبو الفضل جعفر المقتدر بالله. وفي أيامه غلب الباطنية، لعنهم الله، على افريقية، وأخذ القرامطة، لعنهم الله، مكة، وقلعوا الحجر الأسود وحملوه إلى الإحساء، وأقام عندهم اثنين وعشرين عاماً كاملة، ثم ردوه بقوة الله ، فابتدأت دولة الخلافة والإسلام تضعف، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكل من كان قبله من الخلفاء: صلوا بالناس، إلا هو فلم يصل بالناس قط. وكان ملازماً للنساء واللذات، مهملاً للأمور إلى أن قتل. وكانت مدة ولايته خمساً وعشرين سنة غير عشرين يوماً.
٣٧ - ثم ولي أخوه أبو منصور محمد القاهر بن المعتضد سنة واحدة وستة أشهر. ثم خلع وسملت عيناه، وبقي كذلك نحو ستة عشر عاماً إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. ولم يصل بالناس قط.
٣٨ - وولي - حين خلعه - ابن أخته أبو العباس الراضي بالله محمد بن المقتدر سبع سنين غير أيام. وصلى بالناس مرتين فقط، ولم يصل بالناس خليفة بعده.
وفي أيامه بطل حد الخلافة كله، وتغلب عليه وعلى كل من ولي بعده - وإنا لله وإنا إليه راجعون - ومات على فراشه.
٣٩ - وولي بعد أخوه أبو إسحق إبراهيم المتقي لله بن المقتدر أربع سنين غير شهر. وكان متكرماً متصاوناً عما لا يحل. ثم خلع وسملت عيناه وعاش كذلك نحواً من أربع عشرة سنة إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
٤٠ - وولي مكانه إذ خلع ابن عمه أبو القاسم عبد الله المستكفي بن المكتفي سنة واحدة وخمسة أشهر. ثم خلع وسملت عيناه، وبقي كذلك نحو خمسة أعوام إلى أن مات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
٤١ - وولي مكانه إذ خلع ابن عمه أبو القاسم الفضل المطيع بن المقتدر، فاتصلت ولايته ثلاثين سنة متغلباً عليه، ولا ينفذ له أمر إلى أن خلع نفسه طائعاً مختاراً لذلك وهو عليل مثبت العلة، لابنه أبي بكر عبد الكريم الطائع لله. ومات على فراشه بعد أربعين يوماً من ولاية ابنه.
وفي أيام المطيع غلبت الباطنية على مصر والشام ومكة والمدينة، وإنا لله وإنا إليه
стр. 607
راجعون. وظهر الرفض ودين الغالية في أعمال فارس والري وما والاها.
٤٢ - وولي إذ خلع نفسه ابنه أبو بكر عبد الكريم الطائع لله، فدامت ولايته ست عشرة سنة. ثم خلع وسملت عيناه وعاش كذلك عشرين سنة إلى أن مات سنة أربعمائة.
٤٣ - وولي إذ خلع ابن عمه أبو العباس أحمد القادر بالله بن إسحاق بن المقتدر، فاتصلت ولايته ثلاثاً وأربعين سنة، لم يعش هذه المدة خليفة في الإسلام غيره. وكانت سنوه إذ مات ثلاثاً وتسعين سنة، مائة غير سبع سنين.
٤٤ - ثم ولي بعده ابنه أبو جعفر القائم بالله، وهو الخليفة الآن (١) ، وهو مغلوب عليه لا يظهر ولا ينفذ له أمر إلا في بعض الأحوال في ولاية القضاة واصحاب الصلاة فقط، وإنا لله وإنا إليه راجعون (٢) .
ونسأل الله أن يعطف على المسلمين بجمع الكلمة، وخلافة حق يظهر تعالى بها ما دثر من حكم الكتاب والسنة، ويعلي بها النصر على الكفار، آمين يا رب العالمين.
تم الكتاب المحلى [كذا] والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 608
فراغ
стр. 609
فراغ
стр. 610
فراغ
стр. 611
- ٥ -
رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها (١)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى أصحابه الأكرمين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته الفاضلين الطيبين.
١ - أما بعد يا أخي يا أبا بكر (٢) سلام عليك، سلام أخ مشوق طالت بينه وبينك الأميال والفراسخ، وكثرت الأيام والليالي، ثم لقيك في حال سفرٍ ونقلة، ووادَّكَ في خلال جولةٍ ورحلة، فلم يقضِ من مجاورتك أرباً، ولا بلغ في محاورتك مطلباً. وإني لما احتللت بك، وجالت يدي في مكنون كتبك، ومضمون دواوينك، لمحت عيني في تضاعيفها درجاً فتأملته، فإذا فيه خطاب لبعض الكتّاب من مصاقبينا في الدار، أهل إفريقية، ثم ممن ضمته حضرة قيروانهم، إلى رجل أندلسي لم يعينه باسمه، ولا ذكر بنسبه (٣) ، يذكر له فيها أن علماءَ بلدنا بالأندلس، وإن كانوا على الذروة العليا من التمكن بأفانين العلوم، وفي الغاية القصوى من التحكم على وجوه المعارف، فإن هِمَمَهم قد قَصَّرتْ عن تخليد مآثر بلدهم، ومكارم ملوكهم، ومحاسن فقهائهم، ومناقب قضاتهم، ومفاخر كتابهم، وفضائل علمائهم، ثم تعدَّى ذلك إلى أن أخلى أرباب العلوم منا من أن يكون لهم تأليف يحيي ذكرهم، ويبقي علمهم، بل قطع على أن كل واحد منهم قد مات فدفن علمه معه، وحقق ظنه في ذلك، واستدل على صحته عند نفسه، بأن شيئاً من هذه التآليف لو كان منّا موجوداً لكان إليهم منقولاً،
стр. 612
وعندهم ظاهراً، لقرب المزار وكثرة السُّفار، وترددهم إليهم، وتكررهم علينا.
٢ - ثم لما ضمنا المجلس الحافل بأصناف الآداب، والمشهد الآهل بأنواع العلوم، والقصر المعمور بأنواع الفضائل، والمنزل المحفوف بكل لطيفة وسيعة من دقيق المعاني وجليل المعالي، قرارة المجد ومحل السؤدد، ومحط رحال الخائفين، وَمُلْقَى عصا التسيار، عند الرئيس الأجل الشريف قديمه وحسبه، الرفيع حديثُه ومكتسبه، الذي أُجله عن كل خطة يشركه فيها من لا توازي قومته نومته، ولا ينال حُضْرُهُ (١) هويناه، وأربأ به عن كل مرتبةٍ يلحقه فيها من لا يسمو إلى المكارم سموه، ولا يدنو من المعالي دنوه، ولا يعلو في حميد الخلال علوه، بل أكتفي من مدحه باسمه المشهور، وأجتزي من الإطالة في تقريظه بمنتماه المذكور، فحسبي بذينك العلمين دليلاً على سعيه المشكور وفضله المشهور، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم صاحب البونت (٢) ، أطال الله بقاءه، وأدام اعتلاءه، ولا عطل الحامدين من تحليهم بحلاه، ولا أخلى الأيام من تزينها بعلاه، فرأيته أعزه الله تعالى حريصاً على أن يجاوب هذا المخاطب، وراغباً في أن يبين له ما لعله قد رآه فنسي، أو بعد عنه فخفي، فتناولت الجواب المذكور، بعد أن بلغني أن ذلك المخاطب قد مات، رحمنا الله تعالى وإياه، فلم يكن لقصده بالجواب معنى، وقد صارت المقابر له مغنى، فلسنا بمسمعين من في القبور، فصرفت عنان الخطاب إليك، إذ من قبلك صرت إلى الكتاب المجاوب عنه، ومن لدنك وصلت إلي الرسالة المعارضة، وفي صول كتابي على هذه الهيئة حيثما وصل كنايةٌ لمن غاب عنه من أخبار تآليف أهل بلدنا، مثلما غاب عن هذا الباحث الأول، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإن كنت في إخباري إياك بما أرسمه في كتابي هذا " كمهد إلى البركان نار الحباحب "، وباني صوىً في مهيع القصد اللاحب، فإنك وإن كنت المقصود والمواجه فإنما المراد من أهل تلك الناحية من نأي عنهم علم ما استجلبه السائل الماضي، وما توفيقي إلا بالله سبحانه.
٣ - فأما مآثر بلدنا فقد ألف في ذلك أحمد بن محمد الرازي (٣) التاريخي كتباً
стр. 613
جمة منها كتاب ضخم ذكر فيه مسالك الأندلس ومراسيها وأمهات مدنها وأجنادها الستة (١) ، وخواص كل بلد منها، وما فيه مما ليس في غيره، وهو كتاب مريح مليح.
وأنا أقول لو لم يكن لأندلسنا إلا ما رسول الله ﷺ بشَّر به، ووصف أسلافنا المجاهدين فيه، بصفات الملوك على الأسرة، في الحديث الذي رويناه من طريق أبي حمزة أنس بن مالك أن خالته أم حرام بنت ملحان، زوج أبي الوليد عبادة ابن الصامت، رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، حدثته به عن النبي ﷺ أنه أخبرها بذلك لكفى شرفاً بذلك (٢) ، يَسُرُّ عاجله ويغبط آجله. فإن قال قائل: لعله صلوات الله تعالى عليه إنما عنى بذلك الحديث أهل صقلية وإقريطش، وما الدليل على ما ادعيته من أنه ﷺ عنى الأندلس حتماً، ومثل هذا من التأويل لا يتساهل فيه ذو ورع دون برهان واضح وبيان لائح، لا يحتمل التوجيه، ولا يقبل التجريح. فالجواب، وبالله التوفيق، أنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب، وأمر بالبيان لما أوحي إليه، وقد أخبر في ذلك الحديث المتصل سنده بالعدول عن العدول بطائفتين من أمته يركبون ثبج البحر غزاةً واحدة بعد واحدة، فسألته أم حرام أن يدعو ربه تعالى أن يجعلها منهم، فأخبرها ﷺ ، وخبرة الحق، بأنها من الأولين، وهذا من أعلام نبوته ﷺ ، وهو إخباره بالشيء قبل كونه، وصح البرهان على رسالته بذلك، وكانت من الغزاة إلى قبرس، وخرَّتْ عن بغلتها هناك، فتوفيت رحمها الله تعالى، وهي أول غزاةٍ ركب فيها المسلمون البحر، فثبت يقيناً أن الغزاة إلى قبرس هم الأولون الذين بشر بهم النبي ﷺ ، وكانت أم حرام منهم، كما أخبرت صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ولا سبيل أن يظن به، وقد أوتي ما أوتي من البلاغة والبيان، أنّه يذكر طائفتين قد سمى إحداهما أولى، إلا والتالية لها ثانية، فهذا من باب الإضافة وتركيب العدد، وهذا مقتضى طبيعة صناعة المنطق، إذ لا تكون الأولى أولى إلا لثانية، ولا الثانية ثانية
стр. 614
إلا لأولى، فلا سبيل إلى ذكر ثالث بعد ثان ضرورة، وهو ﷺ إنما ذكر طائفتين، وبشر بفئتين، وسمّى إحداهما الأولين، فاقتضى ذلك بالقضاء الصدق آخرين، والآخر من الأول هو الثاني الذي أخبر ﷺ أنه خير القرون بعد قرنه، وأول القرون بكل فضل بشهادة رسول الله ﷺ بأنه خير من كل قرن بعده. ثم ركب البحر بعد ذلك أيام سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية، وكان الأمير بها في تلك السفن هبيرة الفزاري، وأما صقلية فإنها فتحت صدر أيام الأغالبة سنة ٢١٢، أيام قاد إليها السفن غازياً أسد بن الفرات القاضي صاحب أبي يوسف رحمه الله تعالى، وبها مات، وأما إقريطش فإنها فُتحت بعد الثلاث والمائتين (١) ، افتتحها أبو حفص عمر بن شعيب (٢) ، المعروف بابن الغليظ (٣) ، من أهل قرية بطروج (٤) ، من عمل فحص البلوط، المجاور لقرطبة من بلاد الأندلس، وكان من فلّ الربضيين (٥) ، وتداولها بنوه بعده إلى أن كان آخرهم عبد العزيز بن شعيب الذي غنمها في ايامه أرمانوس بن قسطنطين ملك الروم سنة ٣٥٠ (٦) ، وكان أكثر المفتتحين لها أهل الأندلس.
٤ - وأما في قسم الأقاليم فإن قرطبة، مسقط رؤوسنا ومَعَقُّ تمائمنا، مع سُرَّ من رأى في إقليم واحد، فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور. وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها، فلها من ذلك، على كل حال، حظّ يفوق حظّ أكثر البلاد، بارتفاع أحد النيرين بها تسعين درجة، وذلك من أدلة التمكن في العلوم، والنفاذ فيها عند من ذكرنا، وقد صدق ذلك الخبر، وأبانته التجربة، فكان أهلها من التمكن في علوم القراءات والروايات، وحفظ كثير من الفقه، والبصر بالنحو والشعر واللغة والخبر والطب والحساب والنجوم، بمكان رحب الفناء، واسع
стр. 615
العطن، متنائي الأقطار، فسيح المجال.
٥ - والذي نعاه علينا الكاتب المذكور، لو كان كما ذكر، لكنا فيه شركاء لأكثر أمهات الحواضر، وجلائل البلاد، ومتسعات الأعمال، فهذه القيروان بلد المخاطب لنا، ما أذكر أني رأيت في أخبارها تأليفاً غير " المعرب عن أخبار المغرب " وحاشا تآليف محمد بن يوسف الوراق (١) ، فإنه ألف للمستنصر رحمه الله تعالى في مسالك إفريقية وممالكها ديواناً ضخماً، وفي أخبار ملوكها وحروبهم والقائمين عليهم (٢) كتباً جمة، وكذلك ألف أيضاً في أخبار تيهرت ووهران وتونس (٣) وسجلماسة ونكور والبصرة (٤) وغيرها تآليف حساناً. ومحمد هذا أندلسي الأصل والفرع، آباؤه من وادي الحجارة (٥) ومدفنه بقرطبة وهجرته إليها، وإن كانت نشأته بالقيروان.
٦ - ولا بد من إقامة الدليل على ما أشرت إليه هاهنا، إذ مرادنا أن نأتي منه بالمطلب، فيما يستأنف، إن شاء الله تعالى، وذلك أن جميع المؤرخين من أئمتنا السالفين والباقين، دون محاشاة أحد، بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك، متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرته التي استقر بها، ولم يرحل عنها رحيل ترك لسكناها إلى أن مات، فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة رضي الله تعالى عنهم، وإنما سكن علي الكوفة خمسة أعوام وأشهراً (٦) ، وقد بقي ٥٨ عاماً وأشهراً بمكة والمدينة شرفهما الله تعالى، وكذلك أيضاً أكثر أعمار من ذكرنا. وإن ذكروا البصريين بدأوا بعمران بن حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر، وأبي بكرة، وهؤلاء: مواليدهم وعامة زمن أكثرهم وأكثر مقامهم بالحجاز وتهامة والطائف، وجمهرة أعمارهم خلت هنالك. وإن ذكروا الشاميين نوهوا بعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ ومعاوية، والأمر في هؤلاء كالأمر فيمن قبلهم. وكذلك في المصريين: عمرو بن العاص وخارجة بن حذافة العدوي، وفي المكيين: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير (٧) ، والحكم في هؤلاء كالحكم
стр. 616
في من قصصنا. فمن هاجر إلينا من سائر البلاد، فنحن أحقُّ به، وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا، الذين إجماعهم فرض اتباعه، وخلافه محرم اقترافه، ومن هاجر منا إلى غيرنا فلا حظٌ لنا فيه، والمكان الذي اختاره أسعد به، فكما لا ندع إسماعيل بن القاسم (١) ، فكذلك لا ننازع في محمد بن هانئ سوانا، والعدل أولى ما حُرص عليه، والنصف أفضل ما دُعي إليه، بعد التفصيل الذي ليس هذا موضعه، وعلى ما ذكرنا من الإنصاف تراضى الكل.
٧ - وهذه بغداد حاضرة الدنيا، ومعدن كل فضيلة، والمحلة التي سبق أهلها إلى حمل ألوية المعارف، والتدقيق في تصريف العلوم، ورقة الأخلاق والنباهة والذكاء وحدة الأفكار ونفاذ الخواطر، وهذه البصرة وهي عين المعمور في كل ما ذكرنا: وما أعلم في أخبار بغداد تأليفاً غير كتاب أحمد بن أبي طاهر (٢) . وأما سائر التواريخ التي ألفها أهلها، فلم يخصوا بلدتهم بها دون سائر البلاد، ولا أعلم في أخبار البصرة غير كتاب عمر بن شبة (٣) ، وكتاب لرجل من ولد الربيع بن زياد المنسوب إلى أبي سفيان، في خطط البصرة وقطائعها، وكتابين لرجلين من أهلها يسمى أحدهما عبد القاهر، كريزي النسب، [في] صفاتها وذكر أسواقها ومحالها وشوارعها. ولا أعلم في أخبار الكوفة غير كتاب عمر بن شبة (٤) . وأما الجبال وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والسند والري وأرمينية وأذربيجان وتلك الممالك الكثيرة الضخمة فلا أعلم في شيء منها تأليفاً قصد به أخبار ملوك تلك النواحي وعلمائها وشعرائها وأطبائها (٥) ، ولقد تاقت النفوس إلى أن يتصل بها تأليف في أخبار فقهاء بغداد، وما علمناه علم، على أنهم العلية الرؤساء والأكابر العظماء. ولو كان في شيء من ذلك تأليف لكان الحكم في الأغلب أن يبلغنا كما بلغ سائر تآليفهم، وكما بلغنا كتاب
стр. 617
حمزة بن الحسن الأصبهاني في أخبار أصبهان (١) ، وكتاب الموصلي وغيره في أخبار مصر، وكما بلغنا سائر تآليفهم في أنحاء العلوم. وقد بلغنا تأليف القاضي أبي العباس محمد بن عبدون القيرواني في الشروط واعتراضه على الشافعي رحمه الله تعالى (٢) ، وكذلك بلغنا رد القاضي [عبد الله بن] أحمد بن طالب التميمي على أبي حنيفة وتشنيعه على الشافعي (٣) ، وكتب ابن عبدوس ومحمد بن سحنون (٤) وغير ذلك من خوامل تآليفهم دون مشهورها.
٨ - وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر " أزهد الناس في عالمٍ أهله ". وقرأت في الإنجيل أن عيسى ﵇ قال: " لا يفقد النبي حرمته إلأ في بلده ". وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي ﷺ مع قريش، وهم أوفر الناس أحلاماً، وأصحهم عقولاً، وأشدهم تثبتاً، مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع، وتغذيتهم بأكرم المياه، حتى خص الله الأوس والخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها عن جميع الناس، والله يؤتي فضله من يشاء. ولا سيما أندلسنا، فإنها خُصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم، الماهر منهم، واستقلالهم، كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وأكثر ذلك مدة حياته، بأضعاف ما في سائر البلاد. إن أجاد قالوا: سارقٌ مغير، ومنتحل مدع، وإن توسط قالوا: غثٌ بارد وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا ومتى تعلم وفي أي زمان قرأ ولأمه الهَبَل. وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين إما شفوفاً بائناً يعليه على نظرائه، أو سلوكاً في غير السبيل التي عهدوها، فهنالك حمي الوطيس على البائس، وصار غرضاً للأقوال، وهدفاً للمطالب، ونصباً للتسبب إليه، ونهباً للألسنة، وعرضةً للتطرق إلى عرضه، وربما نحل ما لم يقل، وطوق ما لم يتقلد، وألحق به ما لم يفه به ولا اعتقده قلبه، وبالحرى، وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من
стр. 618
السلطان بحظ، أن يسلم من المتالف، وينجو من المخالف. فإن تعرض لتأليف غمز ولمز، وتعرض وهمز، واشتط عليه، وعظم يسير خطبه، واستشنع هين سقطه، وذهبت محاسنه، وسترت فضائله، وهتف ونودي بما أغفل، فتنكس لذلك همته، وتكل نفسه وتبرد حميته، وهكذا عندنا نصيب من ابتدأ يحوك شعراً، أو يعمل رسالة، فإنه لا يفلت من هذه الحبائل، ولا يتخلص من هذا النصب، إلا الناهض الفائت، والمطفف المستولي على الأمد.
٩ - وعلى ذلك، فقد جُمع ما ظنه الظان غير مجموع، وألفت عندنا تآليف في غاية الحسن، لنا خطر السبق في بعضها، فمنها: كتاب الهداية لعيسى بن دينار (١) ، وهي أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم، وأجمعها للمعاني الفقهية على المذهب، فمنها كتاب الصلاة وكتاب البيوع وكتاب الجدار في الأقضية وكتاب النكاح والطلاق. ومن الكتب المالكية التي ألفت بالأندلس: كتاب القطني مالك بن علي (٢) ، وهو رجل قرشي من بني فهر، لقي أصحاب مالك، وأصحاب أصحابه، وهو كتاب حسن فيه غرائب ومستحسنات من الرسائل والمولدات. ومنها كتاب أبي إسحاق [يحيى بن] إبراهيم بن مزين (٣) في تفسير الموطإ، والكتب المستقصية لمعاني الموطإ وتوصيل مقطوعاته من تآليف ابن مزين أيضاً. وكتابه في رجال الموطإ وما لمالك عن كل واحد منهم من الآثار في موطإه.
وفي تفسير القرآن: كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد (٤) ؛ فهو الكتاب الذي أقطع قطعاً لا أستثني فيه انه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله، ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره. ومنها في الحديث مصنفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف. ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مصنف ومسند، وما أعلم هذه الرتبة لأحدٍ قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام
стр. 619
مشاهير، زمنها مصنفه في فضل (١) الصحابة والتابعين ومن دونهم، الذي أربى فيه على مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة وصمنف عبد الرزاق بن همام ومصنف سعيد بن منصور وغيرها، وانتظم علماً عظيماً لم يقع في شيء من هذه، فصارت تآليف هذا الإمام الفاضل قواعد للإسلام لا نظير لها. وكان متخيراً لا يقلد أحداً، وكان ذا خاصة من أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه [وجارياً في مضمار أبي عبد الله البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري وأبي عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليهم] (٢) .
ومنها في أحكام القرآن: كتب ابن آمة الحجاري (٣) ، وكان شافعي المذهب بصيراً بالكلام على اختياره، وكتاب القاضي أبي الحكم منذر بن سعيد (٤) وكان داودي المذهب، قوياً على الانتصار له، وكلاهما في أحكام القرآن غاية، ولمنذر مصنفات: منها كتاب الإبانة عن حقائق أصول الديانة. ومنها في الحديث: مصنف أبي محمد قاسم بن أصبغ بن يوسف بن ناصح (٥) ، ومصنف محمد بن عبد الملك بن أيمن (٦) ، وهما مصنفان رفيعان احتويا من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، ولقاسم بن أصبغ هذا تآليف حسان جداً، منها أحكام القرآن على أبواب كتاب إسماعيل (٧) وكلامه، ومنها كتاب المجتبى على أبواب كتاب ابن الجارود المنتقى وهو خير منه [انتقاء] (٨) وأنقى حديثاً وأعلى سنداً وأكثر فائدة. ومنها كتاب في فضائل قريش وكنانة، وكتاب في الناسخ والمنسوخ، وكتاب [في] غرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطإ، ومنها كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر (٩) ، وهو الآن في الحياة، لم يبلغ سن الشيخوخة، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً، فكيف أحسن منه. ومنها كتاب
стр. 620
الاستذكار وهو اختصار التمهيد المذكور. ولصاحبنا أبي عمر ابن عبد البر المذكور كتب لا مثل لها. منها كتابه المسمى بالكافي في الفقه على مذهب مالك وأصحابه خمسة عشر كتاباً (١) اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوه وقربه فصار مغنياً عن التصنيفات الطوال في معناه. ومنها كتابه في الصحابة [سماه كتاب الاستيعاب في أسماء المذكورين في الروايات والسير والمصنفات من الصحابة ﵃ والتعريف بهم وتلخيص أحوالهم ومنازلهم وعيون أخبارهم على حروف المعجم، اثنا عشر جزءاً] (٢) ليس لأحد من المتقدمين مثله، على كثرة ما صنفوا في ذلك، ومنها كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس مما يجري في المذاكرات من غرر الأبيات ونوادر الحكايات. ومنها كتاب جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته (٣) . ومنها كتاب شيخنا القاضي أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضي (٤) في المختلف والمؤتلف في أسماء الرجال، - ولم يبلغ عبد الغني الحافظ البصري في ذلك إلا كتابين، وبلغ أبو الوليد رحمه الله تعالى نحو الثلاثين - لا أعلم مثله في فنه البتة. ومنها تاريخ أحمد بن سعيد (٥) ، ما وضع في الرجال أحد مثله، إلا ما بلغنا من تاريخ محمد بن موسى العقيلي البغدادي، لم أره. وأحمد بن سعيد هو المتقدم في التأليف القائم في ذلك. ومنها كتب محمد بن [أحمد بن] يحيى بن مفرج القاضي (٦) وهي كثيرة، منها أسفار سبعة جمع فيها فقه الحسن البصري، وكتبٌ كثيرة جمع فيها فقه الزهري. ومما يتعلق بذلك شرح الحديث لقاسم بن ثابت السرقسطي (٧) فما شآه أبو عبيد إلا
стр. 621
بتقدم العصر فقط. ومنها في الفقه الواضحة، والمالكيون لا تمانع بينهم في فضلها واستحسانهم إياها. ومنها المستخرجة من الأسمعة وهي المعروفة ب " العتبية " (١) ولها عند أهل أفريقية القدر العالي والطيران الحثيث. والكتاب الذي جمعه أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام (٢) الإشبيلي المعروف بابن المكوي (٣) ، والقرشي أبو مروان المعيطي (٤) ، في جمع أقاويل مالك، كلها على نحو الكتاب الباهر الذي جمع فيه القاضي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد المصري أقاويل الشافعي كلها. ومنها كتاب المنتخب الذي ألفه القاضي محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة (٥) ، وما رأيت لمالكي قط كتاباً أنبل منه في جمع روايات المذهب [وتأليفها] وشرح مستغلقها، وتفريع وجوهها. وتآليف قاسم بن محمد (٦) المعروف بصاحب الوثائق، وكلها حسن في معناه، وكان شافعي المذهب نظاراً، جارياً في ميدان البغداديين.
١١ - ومنها في اللغة الكتاب البارع (٧) الذي ألفه إسماعيل بن القاسم يحتوي على لغة العرب، وكتابه في المقصور والممدود والمهموز لم يؤلف مثله في بابه، وكتاب الأفعال لمحمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن القوطية (٨) ، بزيادات ابن طريف (٩) ، مولى العبديين، فلم يوضع في فنه مثله، وكتاب جمعه أبو غالب تمام بن
стр. 622
غالب المعروف بابن التياني في اللغة (١) ، لم يؤلف مثله اختصاراً وإكثاراً وثقة نقل، وهو أظن في الحياة بعد. وهاهنا قصة لا ينبغي أن تخلو رسالتنا منها، وهي: أن أبا الوليد عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الفرضي حدثني أن أبا الجيش مجاهداً صاحب الجزائر ودانية وجَّه إلى أبي غالب أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار أندلسية، على أن يزيد في ترجمة الكتاب المذكور " مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد " فرد الدنانير وأبى من ذلك ولم يفتح في هذا باباً البتة وقال: والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت، ولا استجزت الكذب، لأني لم أجمعه له خاصة، بل لكل طالب [عامة] (٢) فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد (٣) في اللغة المعروف بكتاب " العالم " نحو مائة سفر على الأجناس، في غاية الايعاب، بدأ بالفلك، وختم بالذرة، وكتاب النوادر (٤) لأبي علي إسماعيل بن القاسم وهو مُبار لكتاب الكامل لأبي العباس المبرد، ولعمري لئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحواً وخبراً، فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعراً. وكتاب الفصوص لصاعد بن الحسن الربعي (٥) وهو جار في مضمار الكتابين المذكورين. ومن الانحاء تفسير الجرفي (٦) لكتاب الكسائي حسن في معناه، وكتاب ابن سيده في ذلك المنبوز ب " العالم والمتعلم " وشرح له لكتاب الأخفش (٧) .
١٢ - ومما ألف في الشعر (٨) : كتاب عبادة بن ماء السماء في أخبار شعراء
стр. 623
الأندلس (١) ، كتاب حسن، وكتاب الحدائق لأبي عمر أحمد بن فرج (٢) ، عارض به كتاب الزهرة لأبي [بكر] محمد [بن] داود رحمه الله تعالى، إلا أن أبا بكر إنما أدخل مائة باب، في كل باب مائة بيت، وأبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائة بيت، ليس منها باب تكرر اسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئاً، وأحسن الاختيار ما شاء وأجاد، فبلغ الغاية، وأتى الكتاب فرداً في معناه. ومنها كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس جمعه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسين الكاتب (٣) وهو حي بعد. ومما يتعلق بذلك: شرح أبي القاسم إبراهيم بن محمد الافليلي لشعر المتنبي، وهو حسن جدّاً (٤) .
١٣ - ومن الأخبار: تواريخ أحمد بن محمد بن موسى الرازي (٥) في أخبار ملوك الأندلس وخدمتهم وغزواتهم ونكباتهم وذلك كثيراً جداً، وكتاب له في صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعيان بها، على نحو ما بدأ به ابن أبي طاهر في أخبار بغداد، وذكر منازل صحابة أبي جعفر المنصور بها. وتواريخ متفرقة رأيت منها: أخبار عمر بن حفصون القائم برية ووقائعه وسيره وحروبه. وتاريخ آخر في أخبار عبد الرحمن بن مروان الجليقي القائم بالجوف (٦) . وفي أخبار بني قسي والتجيبيين وبني الطويل بالثغر (٧) فقد رأيت من ذلك كتباً مصنفة في غاية الحسن، وكتاب مجزأ في أجزاء كثيرة في أخبار رية وحصونها [وولاتها] وحروبها وفقهائها وشعرائها تأليف إسحاق بن سلمة بن إسحاق القيني (٨) . وكتاب محمد بن الحارث الخشني في أخبار القضاة بقرطبة وسائر
стр. 624
بلاد الأندلس، وكتاب في أخبار الفقهاء بها (١) . وكتاب لأحمد بن محمد بن موسى في أنساب مشاهير أهل الأندلس (٢) ، في خمسة أسفار ضخمة من أحسن كتابٍ في الأنساب وأوسعها، وكتاب قاسم بن أصبغ في الأنساب في غاية الحسن والإيعاب والإيجاز (٣) . وكتابه في فضائل بني أمية (٤) . وكان من الثقة والجلالة بحيث اشتهر أمره وانتشر ذكره (٥) ، ومنها كتب مؤلفة في أصحاب المعاقل والأجناد الستة بالأندلس. ومنها كتب كثيرة جمعت فيها أخبار شعراء الندلس للمستنصر رحمه الله تعالى، رأيت منها أخبار شعراء البيرة في نحو عشرة أجزاء، ومنها كتاب الطوالع في أنساب أهل الأندلس، ومنها كتاب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس [وملوكها] تأليف أبي مروان ابن حيان نحو عشرة أسفار، من أجل كتابٍ أُلف في هذا المعنى، وهو في الحياة بعد، لم يتجاوز الاكتهال (٦) ، وكتاب المآثر العامرية لحسين بن عاصم (٧) في سير ابن أبي عامر وأخباره، وكتاب الأقشتين محمد بن هاشم النحوي في طبقات الكتاب بالأندلس (٨) . وكتاب سكن بن سعيد في ذلك (٩) . وكتاب أحمد بن [محمد بن] فرج في المنتزين والقائمين بالأندلس وأخبارهم (١٠) . وكتاب أخبار أطباء الأندلس لسليمان بن جلجل (١١) .
стр. 625
١٤ - وأمّا الطب: فكتب الوزير يحيى بن إسحاق وهي كتب رفيعة حسان (١) . وكتب محمد بن الحسن المذحجي أستاذنا رحمه الله تعالى، وهو المعروف بابن الكتاني، وهي كتب رفيعة حسان (٢) . وكتاب التصريف [لمن عجز عن التأليف] لأبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي (٣) ، وقد أدركناه وشاهدناه، ولئن قلنا إنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع، لنصدقن. وكتب ابن الهيثم (٤) في الخواص والسموم والعقاقير من أجل الكتب وأنفعها.
١٥ - وأما الفلسفة: فإني رأيت فيها رسائل مجموعة وعيوناً مؤلفة لسعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار، دالة على تمكنه من هذه الصناعة (٥) ، وأما رسائل أستاذنا أبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي في ذلك فمشهورة متداولة وتامة الحسن فائقة الجودة عظيمة المنفعة.
١٦ - وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ، ولا تحققنا به، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من المقصر في المؤلفين فيه من أهل بلدنا، إلا أني سمعت من أثق بعقله ودينه من أهل العلم ممن اتفق على رسوخه فيه يقول: إنه لم يؤلف في الأزياج مثل زيج مسلمة (٦) وزيج ابن السمح (٧) ، وهما من أهل بلدنا. وكذلك
стр. 626
كتاب لأحمد بن نصر [في المساحة المجهولة] فما تقدم إلى مثله في معناه (١) .
١٧ - وإنما ذكرنا التآليف المستحقة للذكر، والتي تدخل تحت الأقسام السبعة التي لا يؤلف عاقل إلا في أحدها (٢) ، وهي إما شيء لم يسبق إليه يخترعه أو شيء ناقص يتمه أو شيء مستغلق يشرحه أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مؤلفه يصلحه. وأما التآليف المقصرة عن مراتب غيرها فلم نلتفت إلى ذكرها، وهي عندنا من تأليف أهل بلدنا أكثر من أن نحيط بعلمها.
١٨ - وأما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم، ولا اختلفت فيها النحل، فقلَّ لذلك تصرفهم في هذا الباب، فهي على كل حال غير عرية عنه، وقد كان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال، نظار على أصوله، ولهم فيه تآليف منهم: خليل بن إسحاق (٣) ويحيى بن السمينة (٤) والحاجب موسى بن حدير (٥) وأخوه الوزير صاحب المظالم أحمد، وكان داعية إلى الاعتزال لا يستتر بذلك.
١٩ - ولنا على مذهبنا الذي تخيرناه من مذاهب أصحاب الحديث كتاب في هذا المعنى (٦) ، وهو وإن كان صغير الجرم، قليل عدد الورق، يزيد على المائتين زيادة يسيرة، فعظيم الفائدة، لأنا أسقطنا فيه المشاغب كلها، وأضربنا على التطويل جملة، واقتصرنا على البراهين المنتخبة من المقدمات الصحاح الراجعة إلى شهادة الحس وبديهة العقل لها بالصحة، ولنا فيما تحققنا به تآليف جمة، منها ما قد تم، ومنها ما شارف التمام، ومنها ما قد مضى منه مصدر، ويعين الله تعالى على باقيه، لم نقصد به قَصْدَ
стр. 627
مباهاةٍ فنذكرها، ولا أردنا السمعة فنسميها، والمراد بها ربنا جل وجهه، وهو ولي العون فيها، والمليّ بالمجازاة عليها، وما كان الله تعالى فسيبدو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
٢٠ - وبلدنا هذا على بعده من ينبوع العلم، ونأيه من محلة العلماء، فقد ذكرنا من تآليف أهله ما إن طُلب مثلها بفارس والأهواز وديار مضر وديار ربيعة واليمن والشام، أعوز وجود ذلك، على قرب المسافة في هذه البلاد من العراق التي هي دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها.
٢١ - ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي (١) في الشعر، لم نباهِ إلا جريراً والفرزدق لكونه في عصرهما، ولو أنصف لاستشهد بشعره، فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين. وإذا سمينا بقي بن مخلد لم نسابق به إلا محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وسليمان بن الأشعث السجستاني وأحمد بن شعيب النسائي، وإذا ذكرنا قاسم بن محمد (٢) لم نباهِ به إلا القفال () ومحمد بن عقيل الفريابي، وهو شريكهما في صحبة المزني أبي (٣) إبراهيم والتلمذة له، وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم بن هلال ومنذر بن سعيد لم نجار بهما إلا أبا الحسن ابن المغلس والخلال والديباجي ورويم بن أحمد وقد شركهم عبد الله في أبي سليمان (٤) وصحبته. وإذا أشرنا إلى محمد بن يحيى بن لبابة (٥) وعمه محمد بن عمر وفضل بن سلمة لم (٦) نناطح بهم إلا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن سحنون ومحمد بن عبدوس. وإذا صرحنا بذكر محمد بن يحيى الرباحي (٧) وأبي عبد الله محمد بن عاصم لم يقصرا عن أكابر أصحاب محمد بن يزيد المبرد.
ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد وحبيب والمتنبي (٨) فكيف ولنا معه جعفر بن عثمان الحاجب وأحمد بن
стр. 628
عبد الملك بن مروان (١) وأغلب بن شعيب (٢) ومحمد بن [مطرف بن] شخيص (٣) وأحمد بن فرج وعبد الملك بن سعيد المرادي (٤) ، وكل هؤلاء فحل يهاب جانبه، وحصان ممسوح الغرة.
ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد (٥) صديقنا وصاحبنا وهو حي بعد، لم يبلغ سن الاكتهال، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو وسهل (٦) . ومحمد بن عبد الله بن مسرة (٧) في طريقه التي سلك فيها وإن كنا لا نرضى مذهبه، في جماعة يكثر تعدادهم.
وقد انتهى ما اقتضاه خطاب الكاتب رحمه الله تعالى من البيان، ولم نتزيد فيما رغب فيه إلا ما دعت الضرورة إلى ذكره لتعلقه بجوابه، والحمد لله الموفق لعلمه، والهادي إلى الشريعة المزلفة منه والموصلة، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم وشرف وكرم.
انتهت الرسالة
стр. 629
ملحقات
стр. 630
فراغ
стр. 631
الملحق (١)
ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس (١)
[ولاية الأمير عبد الرحمن بن معاوية]
أول أمراء بني أمية بالأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، يُكنى أبا المُطَرِّف، مولده بالشام سنة ثلاث عشرة ومائة، وأُمُّه أم ولد اسمها راح؛ هرب لما ظهرت دولة بني العباس، ولم يزل مستتراً إلى أن دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة في زمن أبي جعفر المنصور، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف ابن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الأندلس (٢) فهزمه، واستولى عبد الرحمن على قُرطبة يوم الأضحى من العام المذكور، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين ومائة.
كذا قال لنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الفقيه: يوسف بن عبد الرحمن ابن أبي عبيدة. ورأيت في غير موضع يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبدة، فالله أعلم.
وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قُضاته: معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي (٣) .
وله أدبٌ وشعر، ومما أنشدونا له يتشوق إلى معاهده بالشام قوله (٤) : [من الخفيف]
أيها الرَّاكب المُيَمِّمُ أرضي ... أقْر من بعضيَ السلام لبعضي
стр. 632
إن جسمي، كما علمتَ، بأرضٍ ... وفُؤادي ومالكيه بأَرض
قُدِّر البينُ بينَنا فافترقنا ... وطوى البينُ عن جفوني غَمضي
قد قضى اللهُ بالفراق علينا ... (١) فَعسَى باجتماعِنا سوفَ يَقْضي
ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن
ثم ولي بعد عبد الرحمن ابنه هشام، يُكنى أبا الوليد، وسنُّه حينئذٍ ثلاثون سنة، فاتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة ثمانين ومائة، وكان حسن السيرة متحرياً (٢) للعدل، يعود المرضى ويشهد الجنائز، أُمُّه حَوراء.
ولاية الحكم بن هشام
ثم ولي بعده ابنه الحكم، وله اثنتان وعشرون سنة، يُكنى أبا العاص، أُمُّه أُمُّ ولد اسمها زُخْرُف؛ وكان طاغياً مُسرفاً (٣) ، وله آثار سوءٍ قبيحة، وهو الذي أوقع بأهل الربض الوقعة المشهورة فقتلهم وهدم ديارهم ومساجدهم؛ وكان الرَّبَضُ مَحلة متصلة بقصره، فاتهمهم في بعض أمره، ففعل بهم ذلك، فسُمِّي الحكم الرَّبَضيّ لذلك؛ واتصلت ولايته إلى أن مات في آخر ذي الحجة سنة ست ومائتين.
ولاية عبد الرحمن بن الحكم
ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن، يُكنى أبا المطرف، وله ثلاثون سنة، وأُمُّه أُمُّ ولد اسمها حَلاوة، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين؛ وكان وادعاً محمود السيرة.
ولاية الأمير محمد بن عبد الرحمن
ثم ولي بعده ابنه محمد يُكنى أبا عبد الله، وأُمُّه أُمُّ ولد اسمها تهتز؛ فاتصلت ولايته إلى أن مات في آخر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وكان مُحباً للعلوم مؤثراً لأهل الحديث، عارفاً، حسن السيرة؛ ولما دخل الأندلس أبو عبد الرحمن بقي بن مَخْلَدٍ (٤) بكتاب " مُصنف "
стр. 633
أبي بكر بن أبي شيبة وقُرئ عليه، أنكر جماعةٌ من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستشنعوه، وبسطوا العامة عليه، ومنعوه من قراءته، إلى أن اتصل ذلك بالأمير محمد، فاستحضره وإياهم، واستحضر الكتاب كله، وجعل يتصفحه جزءا جزءاً إلى أن أتى على آخره، وقد ظنوا أنه يوافقهم في الإنكار عليه، ثم قال لخازن الكتب: هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا؛ ثم قال لبقي بن مخلد: انشر علمك، وارو ما عندك من الحديث، واجلس للناس حتى ينتفعوا بك. أو كما قال، ونهاهم أن يتعرضوا له (١) .
ولاية المنذر بن محمد
ثم ولي بعده ابنه المنذر بن محمد، ويُكنى أبا الحكم. وأُمه أم ولد اسمها أثْل، وكان مولده في سنة تسع وعشرين ومائتين، فاتصلت ولايته سنتين غير خمسة عشر يوماً، ومات وهو على قلعة يقال لها بباشتر محاصراً لعمر بن حفصون: خارجي قام هناك وتحصن. وكان موته في سنة خمس وسبعين ومائتين؛ وقد انقرض عقِبُ المنذر.
ولاية عبد الله بن محمد
فَوليَ بعده أخوه عبد الله بن محمد، وكان مولده سنة ثلاثين ومائتين؛ يُكنى أبا محمد. أُمُّه أُم ولد اسمها عشار، طال عمرها إلى أن ماتت قبل موته بسنةٍ وشهر؛ وكان وادعاً لا يشرب الخمر، وفي أيامه امتلأت الأندلس بالفتن، وصار في كل جهةٍ متغلب، فلم يزل كذلك طول ولايته إلى أن مات مُستهل ربيع الأول سنة ثلاثمائة.
ولاية عبد الرحمن الناصر
ثم ولي بعده ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، وكان والده محمد قد قتله أخوه المُطرف بن عبد الله في صدر دولة أبيهما عبد الله، وترك ابنه عبد الرحمن
стр. 634
هذا وهو ابن عشرين يوماً، فولي الأمر وله اثنتان وعشرون سنة.
قال لي أبو محمد عليُّ بن أحمد: وكانت ولايته من المستطرف، لأنه كان في هذا الوقت شاباً، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه، وذوي القعْدُدِ في النسب من أهل بيته، فلم يعترض معترض واستمر له الأمر، وكان شهماً صارماً.
وكلُّ من ذكرنا من الأمراء أجداده إلى عبد الرحمن بن محمد هذا، فليس منهم أحد تسمى بإمرة المؤمنين، وإنما كان يسلم عليهم، ويخطب لهم بالإمارة فقط؛ وجرى على ذلك عبد الرحمن بن محمد إلى آخر السَّنة السابعة عشرة من ولايته، فلما بلغه ضعف الخلافة بالعراق في أيام المقتدر، وظهور الشيعة بالقيروان، تسمى عبد الرحمن بأمير المؤمنين، وتلقب بالناصر لدين الله. وكان يُكنى أبا المُطَرِّف، وأُمه أُم ولد اسمها مُزْنة، ولم يزل منذ ولي يستنزل المتغلبين حتى استكمل إنزال جميعهم في خمس وعشرين سنةً من ولايته، وصار جميع أقطار الأندلس في طاعته، ثم اتصلت ولايته إلى أن مات في صدر رمضان سنة خمسين وثلاثمائة، ولم يبلغ أحد من بني أُمية في الولاية مُدّتَه فيها.
ولاية الحكم المستنصر
ثم ولي بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ويلقب بالمستنصر بالله، وله إذ ولي سبعٌ واربعون سنة، يُكنى أبا العاص؛ أُمه أُمُّ ولد اسمها مَرجان، وكان حسن السيرة، جامعاً للعلوم محباً لها مكرماً لأهلها، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحدٌ من الملوك قبله هنالك (١) ، وذلك بإرساله عنها إلى الأقطار، واشترائه لها بأغلى الأثمان، ونفق ذلك عليه فحُمِل إليه.
وكان قد رام قطع الخمر من الأندلس وأمر بإراقتها وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله، فقيل له إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك. وفي أمره بإراقة الخمور في سائر الجهات يقول أبو عمر يوسف بن هارون الكندي (٢) قصيدته المشهورة فيها، متوجعاً لشاربها، وإنما أوردناها تحقيقاً لما ذكرنا عنه من ذلك، وهي قوله: [من الوافر]
стр. 635
بخطب الشاربين يضيق صدري ... وترمضني بليتهم لعمري
وهل هم غير عشاق أصيبوا ... بفقد حبائبٍ ومنوا بهجر
أعُشاق المُدامة إن جزعتم ... لفرقتهم فليس مكان صبر
سعى طلابكم حتى أُريقت ... دماءً فوق وجه الأرض تجري
تضوع عرفها شرقاً وغرباً ... وطبق أفق قُرطبة بعطر
فقل للمسفحين لها بسفحٍ ... وما سكنته من ظرف بكسر
وللأبواب إحراقاً إلى أن ... تركتم أهلها سكان قفر
تحريتم بذاك العدل فيها ... بزعمكم فإن يكُ عن تَحري
فإن أبا حنيفة وهو عدلٌ ... وفر عن القضاء مسير شهر
فقيه لا يدانيه فقيهٌ ... إذا جاء القياس أتى بدر
وكان من الصلاة طويل ليل ... يقطعه بلا تغميض شفر
وكان له من الشراب جارٌ ... يواصل مغرباً فيها بفجر
وكان إذا انتشى غنى بصوت ال ... مضاع بسجنه من آل عمرو
" أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... (١) ليومِ كريهة وسداد ثغر "
فغيب صوت ذاك الجار سجنٌ ... ولم يكن الفقيه بذاك يدري
فقال، وقد مضى ليلٌ وثانٍ ... ولم يسمعه غنى: " ليت شعري
أجاري المؤنسي ليلاً غناء ... لخير قطع ذلك أم لشر "
فقالوا إنه في سجن عيسى ... أتاه به المحارس وهو يسري
فنادى (٢) بالطويلة وهي مما ... يكون برأسه لجليل أمر
ويمَّم جاره عيسى بن موسى ... فلاقاه بإكرام وبر
وقال: أحاجةٌ عَرضت فإني ... لقاضيها ومتبعها بشكر
فقال: سجنت لي جاراً يسمى ... بعمرو قال: يطلق كل عمرو
بسجني حين وافقه اسم جار ال ... فقيه ولو سجنتهم بوتر
فأطلقهم له عيسى جميعاً ... لجارٍ لا يبيت بغير سكر
فإن أحببت قل لجوار جارٍ ... وإن أحببت قل لطلاب أجر
فإن أبا حنيفة لم يَؤُبْ من ... تطلبه تخلصه بوزر