← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1039

الأحكام الفقهية المتعلقة بالأجزاء الزائدة والمنفصلة والمبتورة من جسم الإنسان

عبد الكريم العميريني

Полный текст (51 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (١). لما كان جسم الإنسان معرضا لسقوط شيء من بشرته، أو أعضائه بقصد، أو غير قصد، وقد يولد الانسان وفيه زيادة كأصبع زائدة في الرجل، أو اليد، فيشكل على المسلم حكم هذه الأشياء المنفصلة، أو الزائدة من حيث القطع، والتغسيل، والصلاة عليها، والدفن، وغيرها من الأحكام فرغبت أن أبحث في الأحكام الفقهية بالأجزاء المنفصلة، بشيء من التفصيل وذلك نظرا لعدم اطلاعي على بحث مستقل يجمع الأحكام الخاصة بها، ووسمته ب (الأحكام الفقهية المتعلقة بالأجزاء الزائدة، والمنفصلة، والمبتورة من جسم الإنسان). أهمية الموضوع: تبدو أهمية الموضوع من خلال النقاط الاتية: أولا: حاجة الناس لبيان هذه الأحكام المتعلقة بأعضاء الإنسان المبتورة.

стр. 2

ثانيا: ارتباط الموضوع بالحياة العملية، كالحلق للنسك، أو تطبيقا لخصال الفطرة، أو حوادث السيارات، والآلات الناتج عنها البتر، والقطع وغيرها. ثالثا: ربط العلم الشرعي بالنوازل المعاصرة المرتبطة بالموضوع. رابعا: أن مسائل هذا الموضوع متفرقة في بطون كتب الفقه، فجمعها في بحث مستقل مما يساعد على تقريب العلم، وجمع ما تفرق منه. الدراسات السابقة: من خلال بحثي واستقرائي لا يوجد بحث مستقل جامع للمسائل التي تطرقت إليها في هذا البحث، وما وجدت في بعض البحوث والرسائل قد يكون تطرق لمسألة، أو أكثر، ولكن لم يحط بمسائل هذا الموضوع، ومن الكتب التي اطلعت عليها ما يلي: ١ - رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بعنوان (أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها) للباحث: محمد بن محمد المختار الشنقيطي. ٢ - رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بعنوان (الانتفاع بأجزاء الآدمي في الفقه الإسلامي) للباحث: عصمت الله عناية الله محمد، جامعة أم القرى عام ١٤٠٧ هـ. ٣ - بحث (جراحة التجميل المعاصرة في ضوء الشريعة والقوانين الوضعية) للباحث: أحمد بن سليمان الريش الاستاذ المشارك بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض ١٤٢٤ هـ. وهذه البحوث مليئة بالمادة العلمية المتعلقة بالموضوع، ولكنها لم تستوعب جميع المباحث التي تطرقت إليها فأضفت إليها مالم يوجد بها، أو زدت فيها دليلا، أو تعليلا، أو نقولات لأهل العلم، فرغبت جمع مسائل الموضوع من أكثر من جانب والكمال لله، والنقص والزلل من طبيعة البشر. حدود البحث: سيكون البحث في الأشياء المنفصلة غير السائلة، كالشعر، والظفر، والأصابع الزائدة، والأعضاء المبتورة ونحوها، فلا يشمل ما يخرج من

стр. 3

الإنسان مما يسيل من السبيلين كالبول، والغائط، والمني، والمذي، أو من غير السبيلين، كالدم، والقيء، واللبن، والمخاط وغيرها، ولم أتعرض في هذا البحث لمسألة التبرع بالأعضاء سواء كان ذلك في حال الحياة، أم بعد الموت لكثرة الرسائل العلمية، والقرارات الصادرة من المجامع الفقهية حول هذا الموضوع، فاكتفيت بالإحالة إليها (١)، وخوفا من الإطالة في صفحات البحث. منهج البحث: ولقد سرت في بحثي على المنهج النظري الاستقرائي التحليلي، عبر المصادر المتنوعة، مراعيا التدرج، والترابط، والشمولية في طرح المعلومات. إجراءات البحث: ١ - قمت بالتعريف اللغوي، والاصطلاحي لمفردات البحث. ٢ - جمعت المسائل المتعلقة بفقه الأجزاء المنفصلة، موردا الخلاف مع الأدلة، والترجيح. ٣ - إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق بين الفقهاء، فإني أذكر حكمها بدليله، مع توثيق ذلك. ٤ - إذا كانت المسألة من مواضع الاختلاف فأتبع ما يأتي: أ- أذكر الأقوال في المسألة مع نسبة كل قول إلى قائله. ب- أوثق القول من المصادر الأصيلة لكل مذهب. ت- أراعي عند عرض الأقوال في المسألة الترتيب الزمني للمذاهب، وأتُبع

стр. 4

كلّ قول بأدلته، مع بيان وجه الاستدلال من الدليل، وما ورد على الدليل من مناقشة إن وجد، ومارُدّ به على تلك المناقشة، متى كانت الحاجة داعية إلى شيء من ذلك. ث - بعد الانتهاء مما سبق يصار إلى الترجيح بين الأقوال في المسألة. ٥ - كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع بيان اسم السورة، ورقم الآية في الحاشية. ٦ - خرجت الأحاديث النبوية، وما كان في الصحيحين، أو أحدهما اكتفيت به، وما كان في غيرهما فأخرجه، وأبين حكم العلماء عليه من حيث الصحة، والضعف. ٧ - خرجت الآثار الواردة مع بيان الحكم عليها. ٧ - شرحت الألفاظ الغريبة، التي تحتاج إلى بيان. ٨ - وضعت فهرسا للمصادر والمراجع، وفهرسا للموضوعات. ٧ - لم أترجم للأعلام الوارد ذكرهم حتى لا أثقل الحواشي. خطة البحث: وتشتمل على مقدمة، وتمهيد، وثمانية مطالب على النحو التالي: المقدمة وفيها منهج البحث وخطته. التمهيد وفيه بيان تكريم الإنسان في الشريعة الإسلامية. المطلب الأول: تعريف الأجزاء، والانفصال، والبتر. المطلب الثاني: وضوء الأقطع. المطلب الثالث: حكم الأجزاء المنفصلة، من حيث الطهارة والنجاسة. المطلب الرابع: حكم الأجزاء المنفصلة، من حيث الدفن، أو الرمي. المطلب الخامس: مألات الأجزاء المنفصلة من الجسم، من حيث الصلاة عليها، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يكون صاحب العضو المقطوع حيا.

стр. 5

المسألة الثانية: أن يكون صاحب العضو المقطوع ميتا. المطلب السادس: حكم زراعة الأعضاء بعد قطعها في جسم صاحبها وفيه مسألتان. المسألة الأولى: زرع العضو بعد قطعه في حد أو قصاص. المسألة الثانية: زرع العضو بعد قطعه في غير الحد أو القصاص. المطلب السابع: قطع الزوائد من جسم الإنسان، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة. المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل. المطلب الثامن: حكم بيع أجزاء الإنسان. الخاتمة: وفيها ذكر أهم النتائج، والتوصيات. الفهارس: وتشمل: ١/ فهرس المصادر والمراجع. ٢/ فهرس الموضوعات.

стр. 6

ملخص البحث ١/ أن أجزاء وأعضاء الإنسان المنفصلة عموما طاهرة على القول الراجح. ٢/ يجب دفن الأجزاء المنفصلة التي فيها حياة كاليد والاصبع. ٣/ الأفضل دفن الأجزاء المنفصلة التي لاحياة فيها كالشعر وذلك من باب التكريم ٤/ يجوز على القول الراجح زراعة العضو المقطوع في غير حد، أو قصاص. ٥/ يجوز بتر، وقطع الأعضاء الزائدة من باب الضرورة، والحاجة. ٦/ لا يجوز بتر وقطع الأعضاء الزائدة من باب التحسين، والتجميل. ٧/ لا يجوز بيع أعضاء الانسان على القول الراجح وذلك حفاظا على كرامة الانسان.

стр. 7

التمهيد: تكريم الإنسان في الشريعة الاسلامية. جاءت النصوص الكثيرة في تشريف الله لبني آدم وتفضيله على كثير من خلقه، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١)، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (٢)، فهذا الحديث يدل على آداب وشمائل لحسن التعامل بين المسلمين، وبيان حرمة دم المسلم وماله وعرضه، ولذا كان من مقاصد الشريعة الإسلامية أن جاءت لحماية الضرورات الخمس (الدين، والنفس، والعِرض، والمال، والعقل) (٣)، كما راعى الإسلام حرمة المسلم حياً، وميتاً فجاءت النصوص بتحريم كسر عظم الميت، والنهي عن إيذائه، والنهي عن وطء قبره، وغيرها من النصوص الدالة على تكريمه. فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ، كَكَسْرِهِ حَيًّا» (٤).

стр. 8

وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» (١)، وإن مما يزيد تشريف بني آدم عموما تسخير الله له ما في السموات، وما في الأرض، وإسباغ النعم عليه كما في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (٢). المطلب الأول: تعريف الأجزاء، والانفصال، والبتر. الأجزاء لغة: جمع جُزْءٍ، والجزء بعض الشيء، وهو مذكر، ويقال: أجْزأتُ منه جزءًا، أي: أخذتُ منه جزْءًا وعزلته (٣). الانفصال لغة: الانقطاع، يقال: فصل الشيء فانفصل، أي قطعه فانقطع، وهو ضد الاتصال (٤). والبتر لغة: بتر الشّيء يبتره بترا، إذا قطعه وكل قطع بتر، ومنه سيف باتر، أي قاطع، يقال: بتر الذنب، أو العضو إذا قطعه واستأصله، كما يطلق على قطع الشيء دون تمام (٥). وقد استعمل اصطلاحا بهذين المعنيين عند الفقهاء، وقد يطلق على كلٍ قطع. أنواع البتر: قد يكون بتر جزء من الإنسان، أو إزالة شيء من بشرته عن طريق العمد، وله صور متعددة هي (٦):

стр. 9

الأولى: أن يكون بجناية. الثانية: أن يكون بحق، كقطع اليد قصاصا، أو حدًا. الثالثة: أن يكون وسيلة من وسائل العلاج كقطع اليد المصابة بالآكلة، أو التسمم، أو التعفن. الرابعة: أن يكون سببا للطهارة، والنظافة، كالختان (١)، وخصال الفطرة (٢). وقد يكون الانفصال، والبتر بلا تعمد، وله أسباب كثيرة منها: الأول: ما يكون بسبب إصابات كحوادث السيارات، وآثار الحرائق، وأخطار الآلات، وهجوم الحيوانات المفترسة، وغيرها. الثاني: ما يكون بسبب الحمل والولادة كمن تلد سقطا (٣)، وما يتبع الولادة كالْمَشِيمَة (٤). الثالث: ما يسقط عادة كالسن، والظفر، والشعر (٥).

стр. 10

المطلب الثاني: وضوء الأقطع. اتفق فقهاء المذاهب الأربعة (١) على أن صاحب العضو المقطوع يجب عليه غسل ما بقي من عضوه، فمثلا وضوء من قُطِعَت يده من مفصل الكف (الرسغ) (٢) فيجب عليه غسل باقي الفرض من يده، ومن قطعت أصابع رجله فيجب عليه غسل الباقي. قال في الدر المختار (٣): [قال في البحر: ولو قُطِعَت يده، أو رجله فلم يبق من المرفق، والكعب شيء سقط الغَسل، ولو بقي وجب]. وقال في مواهب الجليل (٤): [إذا قُطِعَ بعض محل الفرض، وجب غسل ما بقي منه بلا خلاف]. وقال في السراج الوهاج (٥): [وكذا غسل الصحيح من باقي العضو العليل، يجب على المذهب]. وقال في الإنصاف (٦): [إن بقي من محل الفرض شيء، فيجب غسله بلا نزاع]. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨).

стр. 11

وجه الدلالة: أنه يجب غسل الباقي من العضو؛ لأن ذلك مما يستطيعه الإنسان وبدون كلفة، ولا مشقة. الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قول النبي ﷺ « … وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). وجه الدلالة: أن المأمورات مبناها على القدرة والاستطاعة، فمن قدر على فعل بعض المأمور به، وعجز عن باقيه، وجب عليه فعله، ولا يجوز ترك الكلّ بدعوى عدم القدرة على البعض، بل يجب على المكلّف فعل ما يقدر عليه؛ لأنّ القدرة على الفعل شرط من شروط التّكليف، فالأمر الّذي يستطيع المكلّف فعله وهو قادر عليه، لا يسقط بما عجز عنه، أو شقّ عليه فعله (٢). الدليل الثالث: الإجماع وهو من أقوى الأدلة (٣)، وقد نقل عدم الخلاف الحطاب، والمرداوي (٤) كما سبق كلامهم في أول المطلب. الدليل الرابع: القاعدة الفقهية [الميسور لا يسقط بالمعسور] (٥). ومعنى هذه القاعدة: [أن الأمر الذي يستطيع المكلف فعله، وهو يسير عليه، لا يسقط بما شق فعله عليه، أو عَسُر] (٦). كما أن الشافعية، والحنابلة (٧) يرون استحباب غسل باقي العضو، ولو كان مقطوعا من فوق المفروض، فمن قُطِعَت يده مع المرفق فيستحب له غسل

стр. 12

العضد، ومن قُطِعَت رجله مع الكعب فيستحب له غسل الساق، ولهم تعليلات منها: أولا: حتى لا يترك العضو بلا طهارة. قال في شرح منتهى الإرادات (١): [وعلم منه أن الأقطع من فوق مفصل مرفق، وكعب لا غسل عليه، لكن يستحب له مسح محل القطع بالماء، لئلا يخلو العضو عن طهارة]. وقال في مغني المحتاج (٢): [ … أو قطع من فوقه - أي المرفق - ندب غسل باقي عضده؛ لئلا يخلو العضو عن طهارة]. ثانيا: من أجل تطويل التحجيل (٣). ثالثا: قياسا على إمرار الموسى على الرأس في الإحرام فيمن عدم الشعر، كمن كان أصلع. قال في الإنصاف (٤): [لو عدم الشعر استحب له إمرار الموسى قاله الأصحاب]. وقال في الوسيط (٥): [فإن لم يكن على رأسه شعر، فيستحب إمرار الموسى على الرأس، ولا يجب]. كما اتفقوا على أن من خُلِق له في محل الفرض عضو زائد، كالأصبع الزائدة في القدم، أو اليد فإنه يجب غسلها مع الأصلية، لأنها تابعة لها فتأخذ أحكامها (٦). والقاعدة الفقهية تقول: [التابع تابع].

стр. 13

ومعناها: [إن ما كان تابعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه]. والمراد بالتابع هنا: ما لا يوجد مستقلا بنفسه، بل وجوده تابع لوجود غيره، فهذا لا ينفك حكمه عن حكم متبوعه (١). وفي هذا المطلب يتبين يسر الشريعة، وسماحة الدين، وأن أحكامه مبنية على رفع الحرج عن المكلف، وأن المسلم يعمل ما يقدر عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وأن مع العسر يسرا. المطلب الثالث: حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة، والنجاسة. هذه المسألة مبنية على الخلاف في ميتة الآدمي من حيث الطهارة والنجاسة، لذا اختلف الفقهاء في الأجزاء المنفصلة من حيث ذاتها (طهارة، ونجاسة) على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الأجزاء المنفصلة من جسم الإنسان طاهرة مطلقا، وبه قال عامة الفقهاء، وهو المعتمد عند المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وقول عطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، والبخاري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن رجب، وابن حجر، والشوكاني (٢) وغيرهم. قال في منح الجليل (٣): [فالمنفصل من آدمي حي، أو ميت طاهر على المعتمد]. وقال في مغني المحتاج (٤): [فالمنفصل من الآدمي، أو السمك، أو الجراد طاهر].

стр. 14

وقال المرداوي (١): [وإن سقطت سنه، فأعادها بحرارتها، فثبتت، فهي طاهرة، هذا المذهب، وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم … ]. وقال في الروض المربع (٢): [وما سقط منه - أي من آدمي - من عضو، أو سن فهو طاهر]. واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الدليل الأول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٣). وجه الدلالة: أن القول بالطهارة هو الموافق للآية وللنصوص الواردة بتكريمه (٤). الدليل الثاني: حديث أنس ﵁ قال: «لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ»، فَقَالَ: «احْلِقْ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ»، فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» (٥). وجه الدلالة: أنه لو لم يكن طاهرا لما قسمه النبي ﷺ بين الصحابة ﵃. ونوقش: بأنه من خصوصيات النبي ﷺ . وأجيب: بأن الأصل مشاركة الرسول ﷺ لأمته في الأحكام، إلا ما دل الدليل على اختصاصه، ولا دليل هنا فيبقى الحكم على العموم. الدليل الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : « … إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٦).

стр. 15

الدليل الرابع: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا» (١). وجه الدلالة: أن المؤمن طاهر حيا، وميتا سواء المتصل به، أو المنفصل عنه، وذلك لعموم الأحاديث. الدليل الخامس: ما فعله النبي ﷺ حيث إنه رد حدقة عين قتادة بن النعمان ﵁ لما أصيب في يوم أحد، وأعادها إلى موضعها (٢). وجه الدلالة: أن المنفصل من الجسم طاهر، فلو كان نجسا لما ردّ النبي ﷺ حدقة عين قتادة بن النعمان ﵁. الدليل السادس: حديث ابن عباس ﵄ قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ (٣) - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ (٤)، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٥). وجه الدلالة: أنه لو كان نجسا لما نفع به التغسيل، وأيضا التغسيل هو من باب التكريم والنظافة. الدليل السابع: أن القول بنجاسة ما انفصل من جسم الإنسان فيه حرج، ومشقة، ويصعب على الناس التحرز منه؛ لكثرة ما يسقط منه، وعموم البلوى به،

стр. 16

والشريعة الإسلامية جاءت برفع الحرج، والمشقة، والعنت، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) القول الثاني: أن المنفصل من جسم الإنسان نجس مطلقا، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (٣)، وقول في المذهب المالكي (٤)، والمعتمد عند الشافعية (٥)، ورواية عن أحمد (٦). قال الشافعي في الأم (٧): [وإذا كسر للمرأة عظم فطار فلا يجوز أن ترقعه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا، وكذلك إن سقطت سِنَّة صارت ميتة فلا يجوز له أن يعيدها بعد ما بانت]. وقال النووي في المجموع (٨): [وأما إذا انفصل جزء من جسده كيده، وظفره فقطع العراقيون، أو جمهورهم بنجاسته … ]. وقال في الإنصاف (٩): (وأما شعر الآدمي المنفصل، فالصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، طهارته، قطع به كثير منهم، وعنه نجاسته، غير شعر النبي ﷺ . ويستدلون بما يلي: الدليل الأول: الآية الكريمة ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١٠).

стр. 17

وجه الاستدلال: أن الآية عامة تشمل ميتة الآدمي، وغيره، فيكون نجسا بانفصاله. ويناقش: بأن المراد به ما خرج من الحيوانات، وهن أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح (١). وأيضا المراد بها الحيوان، ولا يقاس الإنسان على الحيوان في الأحكام. الدليل الثاني: حديث أبي واقد ﵁، وفيه قوله ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ» (٢). وجه الدلالة: أن ما قطع من الإنسان وهو حي فإنه نجس؛ لأن ميتة الإنسان نجسة بدليل تغسيله بعد موته، وإن ورد على سبب خاص، فالصحيح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما في آيات اللعان، والظهار، فقد نزلت لسبب خاص وبقي عمومها لسائر الأمة (٣). ويجاب عنه بما يلي: بأن الإنسان لا يطلق عليه بهيمة، وهذا الحديث مقيد بلفظه، وسببه بالبهيمة، فلا يتجاوزها إلى غيرها، كما أن المراد بذلك هي ميتة الحيوان، بدليل إيراد الفقهاء هذا الحديث في باب الصيد، والذكاة، والطهارة (٤)، ويؤيده المناسبة التي ورد بها هذا الحديث حيث قال أبو واقد ﵁: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ، وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتَ الْغَنَمِ فَيَأْكُلُونَهَا، وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ

стр. 18

فَهُوَ مَيِّتٌ» (١)، وأما تغسيله بعد موته فيراد به النظافة، والكمال، وليس التطهير من النجاسة. وقد رد ابن العربي على من قال بأنها ميتة، وأنها نجسة فقال: [وهذا غلط بين، وقد جهل من خفي عليه أن ردّها وعودها لصورتها موجب عَودَها لحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها، وإخباره عنها] (٢). وقد أثبت الطب الحديث أيضا أن بعض الأعضاء تبقى الحياة فيها لمدة معلومة حتى بعد موت صاحبها (٣)، فبهذا يحكم على هذه الأعضاء بعدم النجاسة لأن الحياة باقية فيها. القول الثالث: بالتفريق بين ما انفصل عن جسم الإنسان (٤)، إن كان فيه حياة، ودم، مثل اليد، والأنف، والأذن، فيقولون بنجاسته، ومالم يكن فيه حياة، ولادم، مثل الشعر، والظفر فيحكمون بطهارته، وهو القول المعتمد عند الحنفية، وقول عند الشافعية، ورواية في مذهب أحمد (٥).

стр. 19

قال في بدائع الصنائع (١): [وأما الذي له دم سائل فلا خلاف في الأجزاء التي فيها دم من اللحم، والشحم، والجلد ونحوها أنها نجسة؛ لاحتباس الدم النجس فيها، وهو الدم المسفوح]. قال في الدر المختار (٢): [ما أبين من الحي إن كان جزءا فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها فهو نجس بالإجماع (٣)، وإلا كالشعر والظفر فطاهر عندنا]. وقال في المغني: [لأنه شعر، متصله طاهر، فمنفصله طاهر، كشعر الحيوانات كلها، وكذلك نقول في أعضاء الآدمي، ولئن سلمنا نجاستها، فإنها تنجس من سائر الحيوانات بفصلها في حياته، بخلاف الشعر] (٤). سر الفرق في الحكم: أن الحياة في الصوف، والشعر حياة نمو، مثل حياة الأشجار والنخيل، وليست حياة روح، حيث إنها لا تتألم من قصها، وقطعها، بخلاف العظم واللحم، فإنها حياة روح، بدليل التألم عند كسرها، أو قطعها. والدليل على أن الصوف، والشعر طاهر عند الانفصال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٥) حيث جاءت على سبيل الامتنان، والامتنان لا يكون بشيء نجس، والآية شاملة لحالة الحياة، والموت. (٦) كما دل الدليل على أن العظم، واللحم نجس عند القطع والانفصال قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٧) دل على أن

стр. 20

فيها روحا، وحياة في حال الحياة فنجست بالموت. واستدلوا بأدلة القول الأول على الطهارة، وقيدوه بما لا روح فيه، ولا حياة، ولا إحساس. واستدلوا بأدلة القول الثاني على النجاسة، وقيدوه بما فيه حياة، وروح. الترجيح: الراجح هو القول الأول قول الجمهور، وهو الطهارة العامة لما انفصل من جسم الإنسان، سواء كان المنفصل فيه حياة، أم لا؛ وذلك لما يلي: قوة الأدلة التي استدلوا بها. موافقته للنصوص العامة في تكريم الإنسان. موافقته للسماحة واليسر، ورفع الحرج عن المكلف. ولما ورد على أدلة الأقوال الأخرى من مناقشة (١). المطلب الرابع: حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الدفن، أو الرمي. أجزاء بدن الإنسان تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ماله حُرمة، وفيه حياة ودم، والأصل عدم إزالته كاليد، والرِجل، فهذا يجب دفنه إكراما لبدن الإنسان، قال البهوتي (٢): [وإن وجد بعض ميت تحقيقًا غير شعر، وظفر، وسن، غُسِّل وكُفِّن، وصُليَّ عليه، ودُفِن وجوبا، ثم إن وجد الباقي صُلي عليه ودُفن بجنبه]. وسيأتي في المطلب الخامس نقولات الفقهاء على حرمة هذه الأجزاء، وكرامتها، وهل يصلى عليها أم لا؟ القسم الثاني: ما لا توجد فيه حياة، ولا دم كالشعر، والظفر، وقد نُقِل عن فقهاء المذاهب الأربعة استحباب دفن ما انفصل من الجسم وأنه هو الأفضل، مع بقاء حكم الجواز لرميه بدون دفن (٣).

стр. 21

قال ابن نجيم (١): [ويستحبّ دفن شعره … وإن رُمِىَ الشعر فلا بأس به، وكره إلقاؤه في الكنيف (٢) والمغتسل؛ لأن ذلك يورث داء]. وقال القرطبي (٣): [فإن جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط، وزال عنه، فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق ولا يقع في النار، أو في مزابل قذرة، وقد أمر رسول الله ﷺ بدفن دمه حيث احتجم، كي لا تبحث عنه الكلاب]. وقال النووي (٤): [والدفن لا يختص بعضو من عُلِم موته، بل كل ما ينفصل من الحي من عضو، وشعر، وظفر وغيرهما من الأجزاء يستحب دفنه، وكذلك توارى العلقة، والمضغة تلقيهما المرأة، وكذا يوارى دم الفصد، والحجامة]. قال ابن قدامة (٥): [ويستحب دفن ما قلم من أظفاره، أو أزال من شعره]. وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره، وأظفاره أيدفنه أو يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يدفنه (٦)، واستدلوا بالأدلة الآتية: الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٧) كفاتا: أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها، والأموات في بطنها (٨).

стр. 22

وجه الدلالة: أن الآية تدل على مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره، وسائر ما يزيله عنه (١)، وقال الخلال: أنبأنا المروزي قال: قرئ على أبي عبد الله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٢) قال: يكفتون فيها الأحياء، الدم، والشعر، والأظفار (٣). الدليل الثاني: الأحاديث والآثار الواردة ومنها: الأول: عن عبد الجبار بن عباس، عن رجل، من بني هاشم أن رسول الله ﷺ : «أَمَرَ بِدَفْنِ الشَّعْرِ، وَالظُّفُرِ، وَالدَّمِ» (٤). الثاني: عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه عن النبي ﷺ : «كَانَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ، وَالْأَظْفَارِ» (٥). الثالث: عن ميل بنت مشرح الأشعري قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي «قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، ثُمَّ دَفَنَهَا» وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ» (٦). الرابع: عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «ادْفِنُوا الْأَظْفَارَ وَالشَّعْرَ وَالدَّمَ فَإِنْهَا مَيْتَةٌ» (٧). وهذه الأحاديث، والآثار ضعيفة، وتم توضيح ذلك في الحاشية، وبيان كلام أهل العلم حولها _ وهي ولو كانت ضعيفة_ فقد ترتقي بمجموع طرقها إلى درجة الحسن، كما أن مضمونها موافق لما دلت عليه نصوص كثيرة من حرمة الآدمي، وكرامته، ولأن الأصل هو الدفن لتكريم الإِنسان بتكريم أجزائه.

стр. 23

الدليل الثالث: أنه بدفنها يمتنع استخدامها فيما يضر كما يفعل المشتغلون بالسحر، كما سحر النبي ﷺ في مُشْطٍ، وَمُشَاطَةٍ (١). الدليل الرابع: أن الإسلام دين النظافة والنزاهة، وقد أمر بإماطة الأذى، ولاريب أن في دفن الشعر، والظفر كمال النظافة، كما أن فيه مراعاة لمشاعر الآخرين، وهذا ما يدعو إليه الإسلام. المطلب الخامس: مآلات الأجزاء المنفصلة من الجسم من حيث الصلاة عليها، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يكون صاحب العضو المقطوع حيا: العضو المبتور، والمنفصل، وصاحبه على قيد الحياة لا يغسل، ولا يصلى عليه، وهذا موضع اتفاق بين فقهاء المذاهب، خاصة إذا كان أقل من النصف، أو عضوا واحدا كرِجْل، أو يد (٢)، وبهذا صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية (٣). قال في مراقي الفلاح (٤): [وإذا وجد أكثر البدن، أو نصفه مع الرأس غُسِّل وصُلِيَّ عليه وإلا لا]. وقال الحطاب (٥): [وأما الجسد المقطّع فإنه إذا اجتمع كله، أو جُله غُسِّل وصُلِيَّ عليه]. فيفهم من قول صاحب المراقي، ومن كلام الحطاب أيضا أنه لا يغسل، ولا يصلى على ما كان عضوا منفصلا.

стр. 24

وقال النووي (١): [ … لا خلاف أن اليد المقطوعة في السرقة، والقصاص لا تُغسَّل، ولا يُصَلى عليها، ولكن تلف في خرقة وتُدفن، وكذا الأظفار المقلومة، والشعر المأخوذ من الأحياء لا يصلى على شئ منها، لكن يستحب دفنها]. قال المرداوي (٢): [ما بان من حي كيدٍ، وساقٍ انفصل في وقت، لو وجدت فيه الجملة لم يغسل، ولم يُصل عليها، على الصحيح من المذهب]. المسألة الثانية: أن يكون صاحب الجزء المقطوع ميتا. ولهذه المسألة حالتان: الحالة الأولى: أن يوجد أعضاء، وأجزاء من ميت منفصلة عنه كيدٍ، أو رجلٍ، أو غيرهما، فإن وجدت منفصلة، ووجد باقي الجسد، فإنها تغسل وتوضع في كفنه، ويصلى على الجسد، وما انفصل منه مرة واحدة، ونقل ابن قدامة الاتفاق على ذلك فقال: [وإن سقط من الميت شيء غُسِّل، وجعل معه في أكفانه، وجملته أنه إذا بان من الميت شيء، وهو موجود، غُسِّل، وجعل معه في أكفانه، قاله ابن سيرين، ولا نعلم فيه خلافا] (٣). الحالة الثانية: أن يوجد العضو المقطوع دون باقي الجسد. إذا وجد الجزء منفصلا فقد اختلف أهل العلم ﵏ في الصلاة على هذا العضو على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الصلاة عليه غير مشروعة، وإنما يصلى على الجزء الأكبر من الميت، حتى لو وجد نصفه تامًا لا يصلى عليه، بل لا بد من كونه أكثر الميت وهو قول الحنفية (٤).

стр. 25

قال الكاساني (١): [ولا يصلى على بعض الإنسان حتى يوجد الأكثر منه عندنا; لأنا لو صلينا على هذا البعض يلزمنا الصلاة على الباقي إذا وجدناه فيؤدي إلى التكرار]. وقال ابن الهمام (٢): [وإذا وجد أطراف ميت، أو بعض بدنه لم يغسل، ولم يصل عليه بل يدفن؛ إلا إن وجد أكثر من النصف من بدنه فيغسل، ويصلى عليه، أو وجد النصف ومعه الرأس فحينئذ يصلى عليه، ولو كان مشقوقا نصفين طولا فوجد أحد الشقين لم يغسل، ولم يصل عليه]، واستدلوا، وعللوا بما يلي: الدليل الأول: أن الثابت من سنة الرسول ﷺ الصلاة على الأموات بأجسادهم كاملة، ولم يرد أن الرسول ﷺ صلى على بعض البدن، فالأصل الوقوف على النص (٣). الدليل الثاني: أن ما كان أقل من النصف فإنه يلحق بالشعر، والظفر. ويناقش: أن الظفر، والشعر لا حياة فيهما، فلا يقاس عليهما غيرهما ما فيه حياة. القول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه لا يصلى عليه إلا إذا وجد ثلثاه فأكثر، أو نصفه فأكثر، ودون الثلثين لكن مع الرأس فإنه يصلى عليه (٤). قال الدردير (٥): [ولا يغسل دون الجُل يعني دون ثلثي الجسد، والمراد بالجسد ما عدا الرأس، فإذا وجد نصف الجسد، أو أكثر منه، ودون الثلثين مع الرأس لم يغسل على المعتمد، أي يكره، لأن شرط الغسل وجود الميت، فإن وجد بعضه فالحكم للغالب ولا حكم لليسير].

стр. 26

ولهم في ذلك تعليلات منها: التعليل الأول: أن ما كان أقل من النصف فإنه يلحق بالشعر، والظفر. ويناقش: أن الظفر، والشعر لا حياة فيهما فهما في حكم المنفصل حال الحياة، فلا يقاس عليهما غيرهما مما فيه الحياة والروح. التعليل الثاني: أنه إذا صُلي على جزء منه كاليد مثلا، سيؤدي إلى الصلاة على الغائب وهي لا تجوز في المذهب (عند المالكية). ويناقش: بأن الراجح ليس هو القول بعدم الصلاة على الغائب مطلقا (١)، كما أنه يستلزم على قولكم ألا يُصلى على الميت مطلقا، حتى لو وجد مقطوعا نصفين. القول الثالث: أن الصلاة على العضو المبتور قليلا، أو كثيرا، مشروعة، وهو قول الشافعية، والحنابلة، وعليه الفتوى في اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية، وهو اختيار ابن عثيمين (٢). قال النووي (٣): [واتفقت نصوص الشافعي ﵀، والأصحاب على أنه إذا وجد بعض من تيقنا موته غُسِّل، وصُلِّي عليه].

стр. 27

وقال ابن قدامة (١): [فإن لم يوجد إلا بعض الميت، فالمذهب أنه يُغسّل، ويُصَلى عليه]. وقال البهوتي (٢): (وإن وجد بعض ميت تحقيقًا غير شعر، وظفر، وسن، غُسِّل وكُفِّن، وصُلّي عليه، ودُفِن وجوبا، ثم إن وجد الباقي صُلي عليه، ودُفن بجنبه]. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: إجماع الصحابة ﵃ على الصلاة على ما انفصل من الجسم سواء كان قليلا، أو كثيرا، وقد نقل الإجماع الماوردي من الشافعية فقال (٣): [وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى على عِظام بالشام، وليس لمن ذكرنا مخالف، فثبت أنه إجماع]. كما نقل الإجماع ابن قدامة من الحنابلة فقال: [ولنا إجماع الصحابة ﵃، .... ثم ذكر قصة يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، أنه صلى عليها أهل مكة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم نعرف من الصحابة مخالفا في ذلك]. (٤) الدليل الثاني: الآثار عن الصحابة فقد صلى أبو أيوب ﵁ على رِجْلٍ (٥)، وصلى عمر ﵁ على عظام بالشام (٦)، وصلى أبو عبيدة ﵁ على رؤوس بالشام (٧). ويناقش: بأن الآثار الواردة ضعيفة، فقد ضعفها ابن المنذر، والألباني (٨).

стр. 28

الدليل الثالث: بأن حرمة البعض كحرمة الكل، لا سيما إن كان ذلك البعض محل الحياة، فإذا ذهب بعضه لم تذهب حرمة ما بقي، ويجب أن يفعل فيما بقي من بدنه من الغسل، والصلاة، والدفن سنة الموتى (١). قال القرطبي (٢): [جسد المؤمن ذو حرمة، فما سقط منه، وزال عنه، فحفظه من الحرمة قائم، فيحق عليه أن يدفنه، كما أنه لو مات دفن، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه، كي لا يتفرق، ولا يقع في النار، أو في مزابل قذرة]. والراجح - والله أعلم - يكون على التفصيل التالي: ١ - إن كان العضو المبتور لميت قد صلي عليه، فإنه يغسّل، ويكفّن، ويدفن، ولا يصلى عليه مرة أخرى، إذ الصلاة عليه كله تجزئ عن الصلاة على بعضه. ٢ - إن كان العضو المقطوع لميت لم يصل عليه لفقده، أو تمزقه تمزقا لا يمكن جمعه، فإن العضو يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن (٣). ٣ - إن كان العضو المنفصل لميت لم يصل عليه، وكان بقية جسده موجودا، وضع مع بقية جسده، ليصلى على أجزائه جميعا صلاة واحدة. ٤ - إن كان العضو لحي، فإنه يكفن ثم يدفن، ولا يصلى عليه، لأنه يترتب على الصلاة على العضو المنفصل، الصلاة عليه مرتين. وفي هذا المبحث يتضح حرمة المؤمن، وكرامته عند الله، وبيان شمولية أحكام الدين، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، كما أنه يجب على الإنسان المحافظة العامة على نفسه عموما، وأعضائه على وجه الخصوص، وهو من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها وصيانتها.

стр. 29

المطلب السادس: حكم زراعة الأعضاء بعد قطعها في جسم صاحبها، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: زرع العضو المقطوع في غير الحدّ، أو القصاص. المسألة الثانية: زرع العضو المقطوع في حدٍّ، أو قصاصٍ. قد يتعرض الإنسان لقطع في أحد أعضائه مثل اليد، أو الأصبع، أو الرجل، أو الأذن، أو غيرها، بسبب حادث من حوادث السير، أو سقوط من مكان عال، أو بسبب الآلات الحديثة في المصانع، أو قد يكون القطع بسبب حد من الحدود كالسرقة، أو الحرابة، أو لأي سبب جرم كان، وقد توصل الطب الحديث- بفضل الله- إلى القدرة على إعادة العضو بعد استئصاله وبتره، وذلك بخياطة الأعصاب، والأوتار، وتوصيل الأوعية الدموية، بشرط عدم وجود الفاصل الزمني الطويل، وعدم التلوث، وعدم التمزق بصورة تمنع من إعادته (١)، لذا فرق العلماء بين ما قطع في حد، أو قصاص فتعلق به حق خاص، وبين ما انفصل بسبب حادث من حوادث الزمان، ولا يتعلق به حق لأحد، وهذا ما سنتطرق إليه في هذه المطلب على النحو التالي: المسألة الأولى: زرع العضو المقطوع في غير الحدّ، أو القصاص. اختلف الفقهاء في هذا العضو المبتور من حيث زراعته وإعادته لمكانه، وسبب الاختلاف هو طهارة العضو، أو نجاسته بعد انفصاله، فمن قال بطهارته أجاز إعادته وزرعه في جسم صاحبه، ومن قال بنجاسته منع من ذلك، ومنهم من فرق بين أجزاء الإنسان فبعضها تتعلق به حياة وإحساس، وبه دم، كاليد، والرجل، والبعض الآخر من أجزاء الإنسان لا تتعلق به الحياة كالسن، فكان الخلاف على أقوال ثلاثة وهي كما يلي:

стр. 30

القول الأول: بالجواز مطلقا وهو قول المالكية، وقول في مذهب الشافعية، والحنابلة، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (١)، وسبق في المطلب الثالث (٢) في بيان القول الأول في مسألة حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة، والنجاسة ذكر نقولات فقهاء المذاهب، مع بيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، كما استدلوا أيضا _ زيادة على ما سبق ذكره_ على جواز إعادة العضو بما يلي: الدليل الأول: ما فعله النبي ﷺ حيث إنه رد حدقة عين قتادة بن النعمان ﵁ لما أصيب في يوم بدر، وأعادها إلى موضعها (٣). وجه الدلالة: أن أعضاء الإنسان باقية على طهارتها حتى بعد انفصالها، وإلا لو كانت نجسة لما ردها النبي ﷺ . ويناقش: بأن هذا من خصوصيات النبي ﷺ فلا يشاركه فيها غيره. ويجاب عنه: بأن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، ولا دليل هنا، فيبقى الحكم على عمومه. الدليل الثاني: حديث عائشة «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ وَهُوَ يَبْكِي» (٤). الدليل الثالث: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، وعائشة ﵃ أن أبا بكر ﵁ «قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ» (٥).

стр. 31

وجه الدلالة من الحديثين: أن تقبيل النبي ﷺ لعثمان بن مظعون ﵁ بعد موته، وتقبيل أبي بكر ﵁ النبي ﷺ دليل على طهارة الميت. الدليل الرابع: أننا تُعبدنا بغسل الميت، والنجس لا يُتعبد بغسله لأن غَسله يزيده نجاسة (١). القول الثاني: بعدم جواز زراعة العضو المقطوع مطلقا، لأنه صار نجسا، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وقول في المذهب المالكي (٣)، والمعتمد عند الشافعية (٤)، ورواية عن أحمد (٥) لأن الذين يقولون بنجاسة الشعر عند انفصاله، من باب أولى القول بنجاسة غيره من الأعضاء (٦)، وسبق في المطلب الثالث في بيان القول الثاني من مسألة حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة والنجاسة ذكر نقولات فقهاء المذاهب، مع بيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، فلتراجع (٧) القول الثالث: بالتفريق بين ما فيه حياة ودم كاليد، والرجل وغيرهما، فلا يجوز إعادته، وبين ما ليس فيه حياة، كالسن فيجوز، وهو المعتمد عند الحنفية (٨)، وقول عند الشافعية، ورواية في مذهب أحمد (٩)، وسبق في المطلب الثالث (١٠) في بيان القول الثالث من مسألة حكم الأجزاء المنفصلة من حيث الطهارة، والنجاسة ذكر نقولات فقهاء المذاهب، مع بيان أدلتهم، ووجه الدلالة منها، ومناقشتها.

стр. 32

الترجيح: الراجح _ والله تعالى أعلى وأعلم _ هو القول الأول، وهو القول بطهارة العضو المبتور، والمنفصل، فعليه يجوز إعادته وزراعته مرة أخرى، وذلك للأمور التالية: ١ - لقوة أدلتهم. ٢ - موافقتها لمقاصد الشريعة من رفع الحرج، والتيسير على المكلفين. ٣ - أن فيه إعمالا لقواعد الفقه بارتكاب أخف الضررين. ٤ - لما ورد على أدلة الأقوال الأخرى من مناقشة (١). المسألة الثانية: زرع العضو المقطوع في حدٍّ، أو قصاصٍ. لعل من المناسب قبل ذكر الخلاف في هذه المسألة ذكر المقاصد الشرعية التي ينبني عليها الحكم الشرعي، فقد ذكر الفقهاء قواعد فقهية، ومقاصد شرعية تتعلق بالحدود والقصاص لعل من أبرزها ما يلي: أولا: المقصد الأساسي من الحدود والقصاص هو حفظ الضرورات الخمس (الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والمال). ثانيا: الردع، والزجر لنفس الجاني، ولمن تسول له نفسه بارتكاب الجريمة. ثالثا: تطهير الجاني من الذنب. رابعا: إرضاء المجني عليه، أو ورثته وإذهاب لغيظ قلوبهم. خامسا: استتباب الأمن، والاستقرار في البلاد، وعيش المجتمع في راحة، وطمأنينة (٢).

стр. 33

وبالنظر إلى الأدلة الشرعية، والمقاصد المرعية فقد اختلف أهل العلم في زرع العضو المقطوع، والذي كان سبب القطع فيه الحدٍّ، أو القصاصٍ على قولين: القول الأوّل: الجواز وبه قال الشافعي، وابن رشد من المالكية، وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه ابن قدامة، واختاره وهبه الزحيلي (١). قال ابن رشد: [فإن اقتص بعد أن عادا لهيئتهما، فعادت أذن المقتص منه، أو عينه فذلك، وإن لم يعودا، وقد كانت عادت سن الأول، أو أذنه فلا شيء له، وإن عادت سن المستقاد منه، أو أذنه، ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه غرم العقل] (٢). وقال في الأم في مسألة إعادة المجني عليه عضوه إلى محله: [وإن لم يثبته المجني عليه، أو أراد إثباته فلم يثبت، وأقص من الجاني عليه، فأثبته، فثبت، لم يكن على الجاني أكثر من أن يبان منه مرة، وإن سأل المجني عليه الوالي أن يقطعه من الجاني ثانية لم يقطعه الوالي للقود، لأنه قد أتى بالقود مرة … ] (٣). وقال ابن قدامة: [وإن قطع أذن إنسان، فاستوفي منه، فألصق الجاني أذنه، فالتصقت، وطلب المجني عليه إبانتها، لم يكن له ذلك،، والقصاص قد استوفي، فلم يبق له قبله حق … والحكم في السن، كالحكم في الأذن] (٤)، واستدلوا لذلك بأدلة منها: الدليل الأول: أن ذلك متفق مع رفع الحرج الذي جاءت به الشريعة. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦).

стр. 34

الدليل الثاني: أنه إذا جاز بتر العضو وإبانته من الجسم عند الحاجة، فلأن يجوز رده عند وجودها أولى. الدليل الثالث: أنه بعد تنفيذ الحد، لا سلطان للحاكم على المحكوم، كما لا يحق له منعه من تركيب يدٍ صناعية، وهو من الأشياء التي سخر الله للإنسان الانتفاع بها وأذن له بذلك. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، لأن العضو المعاد ثبت بالشرع إبعاده عن الجسم، وإعادته كأن فيه استدراكا على الشرع. الدليل الرابع: أن النص الشرعي جاء بالقطع فقط، فيبقى ما عداه (وهو زراعته) على أصل الإباحة. ونوقش: أن النص جاء بالقطع، والحسم كما في حديث أبي هريرة، وسيأتي في أدلة القول الثاني، وبالقطع والتعليق كما في حديث فضالة، وسيأتي في أدلة القول الثاني، وكلاهما يعتبر مانعا من إعادة العضو. الدليل الخامس: أن الشريعة جاءت بجلب المصالح، ودرء المفاسد، وفي القطع مفسدة للجسم، وفي الإعادة مصلحة ظاهرة. ويناقش: أن المصلحة العامة وهي قمع الناس وزجرهم، مقدمة على المصلحة الخاصة (١). القول الثاني: بعدم الجواز، وهو قول في مذهب الشافعي (٢)، وهو رأي بكر أبو زيد، ومحمد تقي العثماني، ومحمد بن عبد الرحمن آل الشيخ، وعبد الله سليمان بن منيع، وفضيلة الشيخ مولاي مصطفى العلوي رئيس رابطة علماء المغرب والسنغال (٣)، وبه قال مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في

стр. 35

دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ - ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ (١)، وبهذا القول صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية برقم (١٣٦) وتاريخ ١٧/ ٦/ ١٤٠٦ هـ. واستدلوا لذلك بأدلة منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وجه الدلالة: أن في إعادة العضو المقطوع بعد إقامة حد الله عليه، فيه رأفة ورحمة، وهي مخالفة لنص الآية، كما أن الجزاء لا يتم إلا بالقطع، والنكال لا يتم إلا برؤية اليد مقطوعة. الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال في السارق: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ (٤)، ثُمَّ ايْتُونِي بِهِ» (٥). وجه الدلالة: أن في الأمر بالحسم دليل على المنع من إعادتها. ويناقش: بأن الحسم شُرع رحمةً به، لئلا يسري الجرح بالدم فيموت. الدليل الثالث: حديث فضالة ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» (٦).

стр. 36

وجه الدلالة: أن تعليق يد السارق في عنقه حكم شرعي، يعتبر من تمام العقوبة والحد، والحدود شرعت من أجل الزجر، والردع، والنكال للجاني ولغيره، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة، وقطع دابر الجريمة، وبهذا تتم مراعاة مقاصد الشريعة، وإعادتها توجب تفويت ذلك فلا يجوز فعلها. ويناقش: أن من مقاصد العقوبة العبرة للغير، وكفى في قطع الطرف من الجاني نكالا ومثلية لما عمله، وقصاصاً لذلك، ولا دليل على العبرة المؤبدة، وما أكثر العبر التي مرت لحظة، ثم بقي خبرها عبر التأريخ (١). الدليل الرابع: أن العضو المقطوع صار نجساً بالانفصال، فلم تجز إعادته لئلا يؤدي إلى بطلان العبادة. ويناقش: أن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة، فوجب أن يكون ذلك العضو الذي أبين طاهراً، وقد سبق معنا في المطلب الثالث أن القول الراجح هو طهارة الأعضاء المنفصلة من جسم الإنسان (٢). قال ابن العربي رداً على قول من احتج بالنجاسة: [وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها، لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفةً للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها] (٣). الترجيح: الذي يترجح - والله أعلم - هو القول الثاني، وهو عدم جواز إعادة العضو الذي أبين في حد، أو قصاص (٤) وذلك لما يأتي:

стр. 37

أولاً: لصحة وقوة الأدلة النقلية والعقلية للقائلين بعدم الجواز. ثانيا: ما ورد على أكثر أدلة القائلين بالجواز من مناقشة. ثالثا: أن في إعادتها عدم العدل والإنصاف للمجني عليه، وهي من المعاني المقصودة للشارع. رابعا: أن المقصود من مشروعية القصاص الزجر، والردع، لا الإيلام فقط، وإبقاء المراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة، والعظة، وقطع دابر الجريمة، وفي إعلان هذه العقوبات ببقائها يتحقق أثرها في الجاني وغيره ممّن شاهد الحد، أو عَلِم به (١). المطلب السابع: قطع الزوائد من جسم الإنسان وفيه مسألتان (٢). المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة، والحاجة. المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل. جاءت الشريعة بالأمر بالمحافظة على الإنسان وأعضائه، وبينت أن المراد بالتغيير المحرَّم ما كان باقياً على الجسم كالوشم (٣) والتفليج (٤) ونحوهما، أما ما لا يبقى كالكحل والحناء، والأشياء التي أمر المسلم بإزالتها، أو حلقها كخصال الفطرة، فإن النهي لا يتناولها، ولكن قد يولد الإنسان وفيه شيء من الزوائد سواء في اليد، أو القدم، أو الأسنان، ونحوها والمتأمل في هذه المسألة يجد أنه لابد من التفصيل فيها،

стр. 38

فقد تكون إزالة هذه الزوائد من باب الضرورة، وقد تكون إزالتها من باب التحسين، والتجميل، والتفصيل في هذه المسألة على ما يلي: المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة، والحاجة، ويحسن التفريق بين الضرورة والحاجة. فالضرورة: هي الشدة، والعنت في أقصى غاياتها، بحيث يبلغ حدًا يخشى فيه على نفسه الهلاك، أو مقاربة الهلاك، بضياع مصالحه الضروريّة، والضرورة تُسْقِط الإثم، وتفرض الضمان إذ الاضطرار لا يُبطلُ حقّ الغير (١). أما الحاجة: مرتبة أقل من الضرورة، فلا يستباح بها ما يستباح بالضرورة، إلا أنها تنزّل منزلة الضرورة في حق الشخص الواحد إذا كانت عامّة، والحاجة لا تبرّر أخذ مال الغير، فلو أخذه أحد لكان آثماً، وضامناً (٢). وعلى ذلك فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣)، أنه لا حرج في إزالة مثل هذه الزوائد التي قد تؤذي الإنسان، وقد تسبب في إعاقته عن أداء وظيفته، أو كمال قيامه بها، أو تسبب له الحرج في المجتمع، ولم أقف على رأي مخالف، وهو اختيار ابن جرير الطبري (٤)، ومحمد بن إبراهيم، وابن باز، وابن عثيمين، ومحمد عثمان شبير، والشنقيطي (٥)، وعليه الفتوى في اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية (٦).

стр. 39

قال في منح الجليل (١) [إلا أن يكون هذا الزائد يؤذيه ويؤلمه من إصبع، أو ضرس، فلا بأس بنزعه على كل حال]. وقال في المغني: (لأن هذه الزوائد لا جمال فيها، إنما هي شين في الخلقة، وعيب يُرَدُّ به المبيع وتنقص به القيمة] (٢)، واستدلوا على الجواز بما يلي: الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ (٣)، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» (٤). قال النووي ﵀ (٥): [وأما قوله: (الْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ) فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج، أو عيب في السن ونحوه فلا بأس]. وقال الشوكاني: [ظاهره أن التحريم المذكور، إنما هو إذا كان القصد التحسين، لا لداء، ولا علة فإنه ليس بمحرم] (٦). الدليل الثاني: حديث عبد الرحمن بن طرفة ﵁ أن جده عرفجة بن أسعد «أُصِيبَ أَنْفَهُ يَوْمَ الْكلَابِ (٧) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» (٨).

стр. 40

وجه الدلالة: أمر ﷺ لعرفجة بن أسعد بإزالة العيب، وتركيب الأنف تجميلا، فدلَّ بمفهومه على جواز إزالة ما فيه تشويه، أو ضرر، جسديا، أو اجتماعيا. الدليل الثالث: عموم الأحاديث التي تدل على التداوي والأمر بذلك ومنها: الحديث الأول: حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ » (١). الحديث الثاني: حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (٢). الدليل الرابع: إعمال القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية مثل قاعدة: (الضرر يزال) (٣)، والقواعد المندرجة تحتها مثل (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة، أو خاصة)، والشريعة جاءت بجلب المصالح، ودرء المفاسد. واشترطوا للجواز شروطا منها (٤): أولا: أن يغلب على الظن نجاح العملية، وأن يؤمن الخطر على الشخص المستأصل منه. ثانيا: أن يكون ذلك بأدوية مباحة مشروعة. ثالثا: أن يقصد بالجراحة التجميلية إزالة العيب؛ والتجميل جاء تبعًا. رابعا: أن يكون في بقائها ضرر أكبر من إزالتها، كالمرض النفسي على صاحبها.
следующие страницы →