← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 104

المدخل إلى صحيح البخاري

محمد أبو الهدى اليعقوبي

Полный текст (291 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ لِلإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ الطَّبْعَةُ السُّلْطَانِيَّةُ فِي تِسْعِ مُجَلَّدَاتٍ مَعَ مُجَلَّدٍ لِلمُقَدِّمَةِ طُبِعَ الأَصْلُ فِي المَطْبَعَةِ الأَمِيرِيَّةِ بِمِصْرَ سَنَةَ ١٣١٣/ ١٨٩٥ بِأَمْرٍ مِنَ السُّلْطَانِ العُثْمَانِيِّ عَبْدِ الحَمِيدِ الثَّانِي وَأَعَادَتْ دَارُ تَوْقِيعَاتٍ طِبَاعَتَهُ طِبْقَ الأَصْلِ بِطَرِيقَةِ الفَاكْسِيمِيل سَنَةَ ١٤٤٠/ ٢٠١٩ مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ السُّلْطَانِيَّةِ المَدْخَلُ إِلَى صَحِيحِ البُخَارِيِّ مُحَمَّدٌ أَبُو الهُدَى اليَعْقُوبِيُّ الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٤٠/ ٢٠١٩ جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَةٌ لِدَارِ تَوْقِيعَاتٍ - المَمْلَكَةُ المُتَّحِدَةُ

стр. 2

مقدمة الناشر بعدَ حمدِ الله تعالى، والصلاةِ والسلامِ على خيرِ خلقِه سيدِنا محمدٍ وآلِه وصحبِه، تشرُف دارُ توقيعات للنشر، بأن تقدم للعالم الإسلامي الطبعة السلطانية لصحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهي التي أمر بطباعتها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وانتهت المطبعة الأميرية ببولاق في مصر من طباعتها سنة ١٣١٣، وخرجت في تسعة أجزاء بحرف جميل، وتنضيد أنيق، وحلة قشيبة. وبما أن صحيح البخاري هو أصحُّ كتابٍ للمسلمين بعد القرآن الكريم، فقد وجَّه السلطانُ عبد الحميد الثاني ﵀ كلَّ اهتمامه لإخراج طبعةٍ صحيحةٍ مُتقَنةٍ منه.، تكون مرجعًا للأمة الإسلامية، وأصدر الأمر بالبدء بطباعته على نفقته الخاصة. وأرسل إلى مصر من خزانته المُلوكية النسخةَ اليونينية الخطية الأصلية النادرة، لمقابلة الطبعة وتصحيحها. وبعد انتهاء الطبع قام شيخ الأزهر الشيخ حسونةُ النواوي، وستةَ عشرَ من العلماء الأعلام بتصحيحها ومقابلتها كلمةً كلمةً. على النسخة اليونينية التي أرسلها السلطان.، وأعدُّوا جداول بالخطأ والصواب، أُرفقت مع كل جزء من أجزائها التسعة. ثم قام شيخ الإسلام محمد جمال الدين أفندي، ولجنةٌ أخرى من كبار علماء الدولة العثمانية في إستنبول، بمراجعة الطبعة ثانيةً وإجازتها. إنها مأثَرةٌ من مآثر السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، زادها حُسنًا بأنه جعل تلك الطبعة وقفًا عامًّا للمسلمين.

стр. 3

لقد مرت مائةٌ وسبع وعشرون سنةً منذ صدور تلك الطبعة، ولا تزال هي أفضل طبعة لصحيح البخاري على الإطلاق، تتحدى بدقتها، وحسن إخراجها أحدثَ أساليب الطباعة والتحقيق. ولم تستطع آلات الطبع الحديثة، ولا الحروف الجديدة المخترعة، ولا المجامعُ العلمية التي تأسست خلال هذه المدة أن تُخرج طبعةً أفضل منها، لا في صحة النص ودقة الضبط، ولا في جمال الإخراج وأناقة التنضيد. لقد أبدع الإمامُ شرفُ الدِّينِ عليُّ بنُ مُحمَّدٍ اليُونِينيُّ (-٧٠١) في تصحيح نسخته ومقابلتها على أصحِّ الأصول الخطية، وتَتَبَّعَ كل اختلاف بين هذه الأصول فأثبته، من خلال نظام دقيق لتحقيق النص وإثبات الفروق، جعل فيه لكل نسخة من النسخ التي اعتمد عليها رمزًا، فكان بذلك مبدعًا في ميدان التوثيق، ورائدًا في مجال التحقيق. وصرف الإمام اليونيني عمره في دراسة صحيح البخاري وتدريسه ومقابلته، حتى قابله في سنة واحدة إحدى عشرةَ مرةً. وجمع سنة ٦٦٧ هـ أبرز علماء دمشق، وعقد لهم مجالس لقراءة صحيح البخاري وتصحيحه.، حضرها إمام النحاة الشهير محمد ابن مالك (-٦٧٢) صاحب الألفية، وتمت القراءة والمقابلة والتصحيح في واحدٍ وسبعين مجلسًا، نتج عنها أصح نسخة من صحيح البخاري تُسَمَّى: النسخة اليونينة. لقد أخرجت الطبعة السلطانية كنوز تلك النسخة اليونينية بإتقان، ونقلت رموزها بدقة بالغة، وهو أمرٌ لم تتمكن من القيام به أي طبعة أخرى حتى الآن. وقد زادت الطبعة السلطانية دقةً وتحريرًا بمقابلتها على نسخة أخرى فائقة الأهمية، هي النسخة البصرية، وهي فرعٌ عن النسخة اليونينية، نسخها بخط يده العلامة الشيخ عبد الله بن سالمٍ البصري (-١١٣٤)، وهو عالم شهير، أقرأ صحيح البخاري في جوف الكعبة عدة مراتٍ، وألَّف شرحًا له. واعتنى بنسخته من صحيح البخاري،

стр. 4

وأمضى نحو عشرين سنةً في مقابلتها وتصحيحها. وقام المصححون في مطبعة بولاق بالاستفادة من جواهر نسخته، ومراجعة الطبعة السلطانية عليها. وبعد انتهاء التصحيح والمقابلة أعيدت النسخة اليونينية من مصر إلى إستنبول، ولكنها فُقدت بعد ذلك، ولم يُعثَر لها إلى هذا اليوم على أي أثر، كما أن مصير النسخة البصرية التي كانت مِلكًا للشيخ طاهر سنبل في المدينة المنورة لا يزال سرًّا غامضًا. هذه الأحداث جعلت من الطبعة السلطانية طبعةً فريدةً في دقتها العلمية، نادرةً في قيمتها التاريخية، لأنها تمثل خلاصة الجهود التي بذلها العلماء لتصحيح صحيح البخاري خلال سبعمائة سنة. وزاد في ندرتها أنه لم يطبع منها غيرُ ألف نسخة، فأصبحت بذلك تحفةً أثريةً لا تقدر بثمن. وقد أحببنا في دار توقيعات أن نعيد إصدارها لسببين: الأول: أنها أصحُّ الطبعات على الإطلاق، فينبغي أن تكون في متناوَل العلماء، وبين أيدي القراء. الثاني: لإحياء ذكرى السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى، والتذكير بمآثره في خدمة الإسلام.، ومنها طبع صحيح البخاري. واعتمدنا في إعادة الطباعة على نسخة أصلية من الطبعة السلطانية في مكتبة الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي حفظه الله تعالى، ذات جلد أصلي مذهَّبٍ تُحَلِّيه طُغَراءُ السلطان، وشعار الدولة العثمانية، تعرف باسم (بخاري سَراي) أي نسخة القصر. لقد جرت عدةُ محاولات في العقود السابقة لإعادة إصدار الطبعة السلطانية مع إضافات عديدة، وتحسينات مفيدة، اجتهد الناشرون في اختيارها لتحسين الطبعة وتيسير المراجعة فيها.

стр. 5

ولكن ما يميز طبعتنا هذه هو أنها نسخةٌ طبقُ الأصل عن الطبعة السلطانية، طُبعت بطريقة الفاكسيميل محاكاةً للأصل. واختير لذلك ورقٌ فاخرٌ مُقَهَّرٌ.، وتمَّ الاعتناء بالتسفير والتذهيب، كما جرت العادة في النسخ التي تُقدَّم إلى خزائن الملوك. واستُعمل لونُ الذهب بدل اللون الأسود في الخطوط العريضة للعناوين وبدايات الأحاديث، وحُذفت عبارة: (وقف لله تعالى لا يباع ولا يشرى) من أعلى الصفحات، ووُضعت طُغَراءُ السلطان عبد الحميد، وشعارُ الدولة العثمانية في عهده على طرفي الجلد.، كما كان في النسخ الفاخرة من الطبعة الأصلية. وأرفقنا مع هذه الطبعة السلطانية كتاب المَدْخَل إِلى صَحِيحِ البُخَارِيِّ تأليف الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي، وهو كتاب يُعَدُّ سَفَطَ جوهرٍ يشتمل على لآلئَ ودررٍ من الأبحاث التي لا يستغني عنها قارئُ صحيح البخاري. وإننا في دار توقيعات للنشر إذ نضع هذه الطبعة السلطانية، والتحفة النفسية الخزائنية من صحيح البخاري بين أيدي المحبين للنبي ﵊ من كافة طبقات المجتمع، وهي أول كتاب نصدره، لنشكر كل من أعاننا على إخراج هذه التحفة الثمينة في هذه الحلة القَشيبة، سائلين الله تعالى أن يتقبل منا جميعًا صالح الأعمال، إنه سميع قريب مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين غرة شهر شوال سنة ١٤٤٠ دار توقيعات للنشر - لندن

стр. 6

مقدمة المؤلف صحيحُ الحمدِ مرفوعٌ إلى الله تعالى سالمًا من كلِّ عِلَّة، على أن جعلنا من خيرِ أمةٍ أُخْرِجَتْ للناس وأفضلِ مِلَّة. نحمدُه على ما اتصل إلينا من آلائه، حمدًا يزيدُنا قربًا لديه.، ونشكرُه على ما تواتر من نعمائه، شكرًا جامعًا مُسْنَدًا إليه. أنعمَ علينا بنعمة الإيمان والإسلام، وأكرمَنا ببعثة سيدنا محمد ﵊، وامتنَّ علينا بذلك في الكتاب العزيز فقال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيِّكَ ورسولك سيدِنا مُحَمَّدٍ الذي رَفَعْتَ ذِكْرَهُ عَلِيًّا، وأبقيتَ حديثَهُ مَروِيًّا، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .. أما بعد، أيدك الله تعالى بالعلم، وزانك بالعمل، وحلاك بالسنة، وأيدك بالتوفيق، فهذا كتاب المدخل إلى صحيح البخاري، أضعه بين يديك، وهو مقدمات هامَّةٌ يحتاج إليها قارئ كتابِ الجامع المُسْنَدِ الصحيح المختصرِ من أمور رسولِ الله ﷺ وسننِه وأيامِه، للإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي رحمه الله تعالى، المعروفِ اختصارًا باسم الجامع الصحيح أو صحيح البخاري، نقدمه لجمهور القراء والطلبة والباحثين مقترنًا بمناسبتين اثنتين: الأولى: عقدُ مجالسِ السماع للحديث النبوي الشريف، لقراءة صحيح البخاري روايةً في مسجد آشتون المركزي في منطقة مانشستر بإنجلترة.

стр. 7

والثانية: إعادة إصدار الطبعة السلطانية النفيسة لصحيح البخاري، وهي أصح الطبعات، ليكون هذا الكتاب مفتاحًا للصحيح، ودليلًا لمن يريد قراءته. وقد رأينا الحاجة الماسة لكتاب مختصر سهل قريب المأخذ يكون عمدةً لقارئ الجامع الصحيح في ترجمة مؤلفه ومعرفة أحواله وتسهيل قراءة صحيحه، فوفقنا الله تعالى لتأليف هذا الكتاب الذي يجمع ستة كتبٍ في مجلَّد واحد هي: ١. حياة الإمام البخاري. ٢. التعريف بالجامع الصحيح. ٣. التعريف بالنسخة اليونينة والطبعة السلطانية. ٤. آداب رواية الحديث. ٥. ثبت الأسانيد التي نروي بها الجامع الصحيح. ٦. دعاء ختم الجامع الصحيح. وقد رتبناه في اثني عشر فصلًا وتمهيد وملحقين، وابتدأنا بترجمة البخاري، وذكر ثناء العلماء عليه. ودراسة عن الصحيح وأقوال الأئمة عليه، واعتناء المسلمين به، ورواياته وطبعاته وأشهر الأسانيد إليه. وخصصنا النسخة اليونينية بالاعتناء، فتكلمنا عنها وعن أشهر فروعها. ووجهنا إلى الطبعة السلطانية النظر، لأنا نرى لكل من اشتغل بإخراجها حقًّا علينا، فعقدنا تراجم للعلماء والمصححين والمشرفين الذين خدموها، خصوصًا من أمر بطبعها وهو السلطان عبد الحميد الثاني ﵀، ومن أشرف عليه وهو الغازي أحمد مختار باشا.، ومن أجاز بعد المراجعة والتدقيق النشرَ، وهما شيخ الجامع الأزهر العلامة الشيخ حسونة النواوي، وشيخ الإسلام في الدولة العثمانية العلامة محمد جمال الدين

стр. 8

أفندي. واستخرجنا من الأرشيف العثماني مراسلات بين حاجب السلطان وبين مندوبه العالي في مصر تكشف عن كثير من أسرار الطبعة السلطانية. وعقدنا فصلًا بسطنا فيه فوائد الاشتغال برواية الحديث وحضور مجالس السماع، وفصلًا في آداب رواية الحديث الشريف، وحكم اللَّحْنِ - أي الخطأ - في رواية الحديث الشريف، وأصولَ كتابة البلاغات والسماعات والطِّباق. وختمنا الكتاب بدعاء ختم الجامع الصحيح، وهو دعاءٌ جمعناه سنة ١٤٢٢، طبع مرتين.، وقرئ في عدة مجالس للختم، أدرجنا فيه ما ورد في صحيح البخاري من أدعية السنة.، ومنتخبات مما ذكره العلماء قبلنا في أدعية ختم البخاري. ومن الأمور المشهورة المجربة عند العلماء أن الدعاء عند ختم قراءة صحيح البخاري مستجاب. ورغم أن مصادر ترجمة الإمام البخاري محدودة معروفة، إلا أن الباري ﷻ فتح علينا من خلال التأمل في النصوص، والنظر في الروايات، بدرر من الفوائد كالخرائد، وبدائع من التحقيقات فرائد، نرجو أن يكون في شيء منها إرشاد للساري في دروب ترجمة الإمام البخاري، وضياء للساري في مسالك أبواب الجامع الصحيح. واعتنينا في ثنايا الكتاب بدفع الشكوك المتناثرة، وردِّ الشبه المتفرقة، مما يُوجَّهُ إلى الإمام البخاريِّ وصحيحه، فرددنا عليها، وبيَّنَّا وجوه المغالطة فيها. وقدَّمنا لأجل ذلك بين يدي الكتاب بتمهيدٍ، شرحنا فيه مسألة وجوب العمل بخبر الآحاد، أي وجوب العمل بالحديث الصحيح وإن رواه واحد أو اثنان من الرواة الثقات الحفاظ المتقنين، راجين أن يكون عونًا للقارئ في الدفاع عن صحيح البخاري أمام المغرضين الذين يطعنون في الإسلام، أو يشككون في السنة النبوية المطهرة التي هي المصدر الثاني للدين. وما الذي يبقى من ديننا إذا هدمنا أصح كتاب في السنة، وهو

стр. 9

صحيح البخاري؟ وهل عرفنا معظم أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق والفضائل والآداب إلا من أحاديث النبي ﵊؟ ومع كل ذلك فإننا نرى أن أفضل وسيلة للرد على الطاعنين في صحيح البخاري هي تعريف الناس بهذا الكتاب الجليل.، وبيان مزاياه، وعقد المجالس لقراءته ودراسته، ليتخرج جيل من الطلبة والعلماء يشتغلون بروايته وتدريسه والدفاع عنه. ونشير إلى أننا لم نقصد في كتابنا هذا استقصاء جميع أخبار الإمام البخاري، ولا الإحاطة بالمباحث المتعلقة بالجامع الصحيح ورواياته ومخطوطاته وطبعاته، فتلك بحور متلاطمة.، وفيافٍ واسعةٌ، قد يستغرق الكلام فيها بضع مجلدات. وما لا يُدرَك كُلُّه لا يُترَكُ قُلُّه. وقد أردنا للكتاب أن يكون قريبَ المأخذ، سهلَ المطالعة، يتجول القارئ في رياضه، ويقطف من ثماره وأزهاره، يكشف من خلاله عن بعض أسرار الجامع الصحيح، ويتمثل بين عينيه حياة مؤلفه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ولذلك اخترنا أن لا نثقل الكتاب بالحواشي والإحالات، فإن مصادر النصوص والروايات لا تخفى على أهل العلم، وقد أفردنا لها فِهرِسًا في آخر الكتاب. وفي الختام، فإننا نهدي ثواب هذا الكتاب إلى جميع من خدم الجامع المسند الصحيح من العلماء والرواة، بدءًا من الإمامِ الفِربريِّ الذي سمع الصحيح من مؤلفه مرتين، وإليه تنتهي روايتنا، وانتهاءً بالإمام شرف الدين اليونينيِّ والإمام عبد الله بن سالمٍ البصري اللذَين أمضيا عمرَهما في تصحيح الجامع الصحيح وخدمته. ونهدي الثواب بوجهٍ خاصٍّ إلى السلطان عبد الحميد الثاني، الذي أمر بالطبعة السلطانية وأنفق عليها من ماله الخاص، وإلى شيخ الأزهر حسونةَ النواوي، وشيخ الإسلام محمد جمال الدين أفندي اللذَين قاما بالإشراف على تصحيحها، وإلى الغازي

стр. 10

أحمد مختار باشا مندوب السلطان في مصر، الذي كان لهمته العالية، ومتابعته الدؤوبة أعظم الأثر في إنجازها، وإلى العلماء الأفذاذ الستة عشر ذوي العلم المنيف، الذين قاموا بمقابلتها وتصحيحها في الأزهر الشريف، وإلى المصححين في المطبعة الأميرية العامرة، ببولاقِ مصر القاهرة، الذين أظهروا منتهى البراعة في تدقيقها، وإلى العمال الذي سهروا على تنضيد حروفها وتنسيقها. إلى جميع هؤلاء وغيرِهم ممن ساعدوا على إخراج الطبعة السلطانية، وأظهروا لنا مخبآت النسخة اليونينية، إلى أن بدت من وراء الستار، وكشفت عن حسن وجهها الخِمار، تزهو في حُلاها بأجمل وصف، وتَمِيسُ في حَلْيِها بأحسن رَصف.، تحاكي أبهى عقود الدُّرِّ المُحَلَّاة، وتَبُزُّ أنفَسَ طُرُزِ الخزِّ المُوَشَّاة، نهدي ثواب هذا العمل، فلقد أسدَوا للمسلمين خدماتٍ جُلَّى، وطوَّقُوا أعناقنا يَدَ الدهر بمِنَنٍ عُظْمَى، فجزاهم الله تعالى عن رسوله ﷺ وسنته، وعن صحبه وعترته، وعنا وعن المسلمين أجمعين، إلى يوم الدين، خير الجزاء وأوفاه. ولكل من أعاننا من أصحابنا، على نَشْرِ عَرْفِ هذا المَدخل، شكرٌ وعرفان، ودعاءٌ وامتنان، ما توالى الجديدان، وتعاقبَ المَلَوان. وصلى الله عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وآله وصحبه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين. مدينة الرباط في المملكة المغربية، لعَشْرٍ مَضَيْنَ من شهر شوال سنة ١٤٤٠ خادم السنة المشرفة محمد أبو الهدى اليعقوبيُّ الحسنيُّ

стр. 11

تمهيد في وجوب العمل بخبر الواحد لقد أوجب الله تعالى علينا طاعة رسوله الكريم ﷺ فقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٢]. وجعل طاعة رسوله ﷺ طاعة له فقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [سورة النساء.: ٨٠]. وأمر باتباع رسوله الكريم ﷺ .، وجعل ذلك شرطًا لنيل محبته ومغفرته فقال : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ٣١] .. وألزم الناس بقبول حكمه، والانقياد له، واتباع ما أمر به، وحذرهم من معصيته ومخالفته فقال عزَّ من قائل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٦]. وأخبر بعصمته فيما يبلغ عن ربه فقال ﷻ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: ١ - ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [سورة الحشر: ٧]. فلا شك ولا ريب أن السنة حجة مع القرآن الكريم، وأن الكتاب والسنة لا يفترقان، فالسنة هي المبيِّنة للكتاب قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: ٤٤]. وأحاديث النبي ﷺ درجاتٌ في قوة الثبوت فأقواها: ما رواه جمع من الصحابة كبير ثم رواه عنهم جمعٌ آخر وهكذا إلى عصر تدوين الحديث، وهي التي تُسمَّى الأحاديث المتواترة. يليها ما رواه واحد أو اثنان من الصحابة ثم أخذه عنهما جمعٌ كبير بعد

стр. 12

ذلك.، وهي الأحاديث المشهورة، وقد اعتدَّ بها الحنفية. والدرجة الثالثة: ما رواه واحدٌ من الصحابة ثم أخذه عنه واحدٌ من التابعين وهكذا إلى عصر تدوين الحديث .. وهذه الأحاديث هي التي تسمَّى أخبار الآحاد، وهي معظم ما في كتب السنة المطهرة. ولا بد من التنبيه هنا إلى أنه رغم اختلاف هذه المراتب الثلاث في درجة الثبوت، فإن الثلاثة لا اختلاف بين العلماء في وجوب العمل بها. ومسألة وجوب العمل بخبر الواحد في ثبوت الأحكام هي مما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم في كل عصر. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر النمري القرطبي (٣٦٨ - ٤٦٣): "أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل.، وإيجابِ العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع". وقال الإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (-٦٧١): "وهو - أي وجوب العمل بخبر الواحد العدل - مُجْمَعٌ عليه من السلف، معلومٌ بالتواتر من عادة النبي ﷺ في توجيهه ولاتَه ورسلَه آحادًا للآفاق ليعلِّموا الناس دينَهم، فيبلغوهم سنةَ رسولهم ﷺ من الأوامر والنواهي". ولا شك أن هذا الواحد الذي يجب العمل بما يرويه ويخبر به له شروط وأوصاف يجب أن تتحقق فيه لكي تقبل روايته، ويُعمل بخبره، هذا أمرٌ بدهي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سورة الحجرات: ٦]، وفي قراءة حمزةَ بن حبيبٍ (٨٠ - ١٥٦) وعلي بن حمزةَ الكسائي (١١٩ - ١٨٩): ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ فمفهوم الآية أنه إذا جاء النبأُ عن صالحٍ ثقةٍ يُقبل ولا حاجة إلى التثبت معه، وإنما يجب التثبت مع الفاسق.

стр. 13

ولذلك قال الإمام الشافعي في الرسالة: "فقال لي قائلٌ: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجةُ على أهل العلم حتى يثبتَ عليهم خبرُ الخاصة، فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى يُنتهَى به إلى النبي ﷺ أو من انتُهِيَ بِه إليه دونه. ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدث به ثقةً في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث، عالمًا بما يُحيل معانيَ الحديث من اللفظ. وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يُحيل معناه لم يدر لعله يُحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يَبق وجهٌ يُخاف فيه إحالتُه الحديثَ. حافظًا إن حدث به من حفظه.، حافظًا لكتابه إن حدث به من كتابه ... إلخ". ومن أمثلة ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄ في مسألة تحويل القبلة أنه قال: "بينما الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسولَ الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة". فقد عمل أهل قباء بخبر الواحد الثقة العدل الذي جاءهم، فاستداروا وهم في الصلاة، ولم يشكُّوا في خبره، ولم يطلبوا التثبُّتَ منه.، بل عملوا به فور سماعهم إياه وهم في الصلاة، وهي أعظم العبادات وأهم أركان الإسلام. ومثل ذلك ما أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أنس بن مالكٍ ﵁ أنه قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة وأبيَّ بن كعب شرابًا من فَضيخٍ، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حُرِّمَتْ، فقال أبو طلحة: قم يا أنسُ إلى هذه الجِرار فاكسرها". وهنا نرى مسارعةَ الصحابة إلى تصديق خبر الواحد الذي كان عندهم ثقةً.، والعمل به، ووصلوا إلى حدِّ إتلاف الأموال طاعةً لله ولرسوله ﷺ .

стр. 14

من أجل هذا كان الطعن في صحيح البخاري ورواته ممتنعًا، لأن الكتاب قد بلغ أعلى درجات الثقة والقبول عند علماء الحديث، لأن الإمام البخاريَّ كان أكثر المحدثين تشدُّدًا في قبول رواية الراوي من حيث العدالة والثقة والحفظ والإتقان لما يرويه. فاحتمال الخطأ في جميعه غير ممكن عادةً، وغيرُ حاصلٍ في حقيقة الأمر، وإذا حصل الخطأ فإنه قد يحصل لحديث أو اثنين مما حصره العلماء وعرفوه ودرسوه وأجابوا عنه وبينوا أنه ليس بخطأ إلا لمن توهَّمه. وهنا يظهر أحد الفروق بين القرآن الكريم وغيره من كتب أهل العلم، فإن كثيرًا من كتب أهل العلم قد سلمت من الخطأ وليس فيها ما يُنتقد، رغم أن أصحابها ليسوا بمعصومين، ولم يقل أحدٌ إنها تساوي كتاب الله تعالى في العصمة من الخطأ، وذلك للفرق بين الإمكان العقلي والإمكان العادي. فإن الخبير المتقن لأمر إذا حفظه ومارسه سنين طوالًا يقطع حكمُ العادةِ بعدم إمكان وقوعه في الخطأ، وإن كان العقل يجيز ذلك.، وبين الإمكان العقلي والإمكان العادي فرقٌ كبير تُعلم به درجة كتاب الله تعالى في العصمة والحفظ، فإن الخطأ في كتاب الله تعالى مستحيل عقلًا وشرعًا وعادة لم يقع في الماضي، ولا يمكن أن يقع في المستقبل. وبهذا الفرق بين الإمكان العقلي والعادي يُعرف فضل المصنفات التي بذل أصحابها أوسع الجهد في تحريرها وتهذيبها لتَسلمَ من الخطأ. وعلى رأس هذه المصنفات صحيح البخاري الذي قيل فيه.: صحيح البخاري أصح الكتب بعد القرآن الكريم. ومن معجزات النبيِّ ﷺ أنه أخبر عن جماعة من الناس يقبلون القرآن ويردُّون الحديث، وهو ما حدث في عصور متفرقة منذ زمان الإمام الشافعي ﵀، وتجدَّد في عصرنا هذا، فهو من باب إخبار النبي ﷺ بالمغيَّبات.

стр. 15

أخرج أبو داود في باب لزوم السنة عن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه. ألا يوشكُ رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه. ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهليُّ إلخ الحديث». ومعناه فيما ذكره الإمام أبو سليمانَ الخَطَّابي (٣١٩ - ٣٨٨) يحتمل وجهين من التأويل: "أحدهما: أن يكون معناه أنه أُوتي من الوحي الباطن غيرِ المَتْلُوِّ مثلَ ما أُعطي من الظاهر المتلوِّ. ويحتمل أن يكون معناه أنه أُوتي الكتاب وحيًا يُتلى، وأُوتي من البيان.، أي أُذن له أن يُبَيِّنَ ما في الكتاب، ويَعُمَّ ويَخُصَّ، وأن يزيد عليه فيُشرِّعَ ما ليس له في الكتاب ذِكر، فيكونُ ذلك في وجوب الحكم، ولزومِ العمل به كالظاهر المتلوِّ من القرآن". ثم قال: "وفي الحديث دليلٌ على أنه لا حاجة بالحديث أن يُعرَضَ على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجةً بنفسه. فأما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكمُ الحديثُ فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه وإن خالفه فدعوه"، فإنه حديثٌ باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا بن يحيى الساجيُّ (-٣٠٧) عن يحيى بن مَعينٍ (-٢٣٣) أنه قال: "هذا حديثٌ وضعته الزنادقة". وزُبدة الكلام أننا على مذهب أهل السنة والجماعة، من الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، ومن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، نعتقد جازمين بصحة ما أخرجه البخاري في هذا الكتاب من أحاديث النبي ﵊. ونعتقد أن ما في صحيح البخاري من حديث رسول الله ﷺ حجة يجب قبوله والعمل به عند المجتهد بالشروط المعروفة، كأن لا يكون منسوخًا، وإن كان عدد من رواه لا يزيد

стр. 16

على واحدٍ أو اثنين.، لأن رواة صحيح البخاريِّ الذي خرَّجَ لهم في الأصول ثقاتٌ عدولٌ في أعلى درجات الضبط والإتقان. فالطعن والتشكيك في صحيح البخاري إجمالًا ممتنعٌ، وردُّ الصحيح بالكلية ردٌّ للسُّنَّة، وهَدْمُ السنة هَدْمٌ للدين، وردُّها ردٌّ للقرآن، والاستخفاف بالأحاديث التي في صحيح البخاري حرامٌ، والتشكيك في صحيح البخاري يقود إلى التشكيك في البدهيات من أركان الإسلام. من أجل ذلك فإن العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحِجوي (-١٣٧٦) - وهو شيخ عدد من شيوخنا - سمَّى رسالته التي ألفها في الرد على من شكك في بعض أحاديث الصحيحين: (الدفاعُ عن الصحيحين دفاعٌ عن الإسلام)، وقال فيها: "إذا ساء ظنُّ المسلمين بالصحابة ورجال البخاري ومسلم وأئمة الدين نَقَلَةِ الشرع المطهر، واتهموهم، وكذَّبوا الكتبَ الصحيحة التي وقع الإجماع على قبولها، وهي الحجة التي بين أيدينا وأيدي المسلمين في عموم الأرض، أو دخلهم التشكيكُ فيها، صارت ديانتنا إلى ما صارت إليه ديانة اليهود والنصارى المطعونِ في كتبهم، وصرنا نطعن ديننا بيدنا".

стр. 17

الفصل الأول: التعريف بالإمام البخاري اسمُ البخاري ونِسبتُه: هو الإمامُ، الحافظُ، الحُجَّةُ، أميرُ المؤمنين في الحديث، إمام الأَئِمَّةِ، حافظُ الإسلام أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ المغيرةِ بنِ بَرْدِزْبَهْ البخاريُّ الجُعْفِيُّ. وقد وضع بعض من ساق نسب البخاري في الأسانيد اسم الأحنف مكان اسم بَرْدِزْبَهْ، منهم مؤرخ بخارى الحافظ محمد بن أحمد الملقب غُنْجَار (-٤١٢). واشتهر بالبخاريِّ: نسبةً إلى مدينة بخارى، وكانت من أعظم مدن الإسلام، فُتحت سنةَ تسعين للهجرة على يد القائد الشهير قتيبة بن مسلمٍ الباهلي، وكان واليًا على خراسان بين سنتي (٨٦ - ٩٦). واشتهر بالجُعْفيِّ: نسبةً إلى والي بخارى اليمانِ الجُعفي، وهو أحد أجداد شيخ البخاري المحدث الشهير: عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجُعفي المُسْنَديِّ (-٢٢٩). وجُعفٌ هو ابن سعدِ العَشيرة من قبيلة مَذْحِج، واسمُ مَذْحِجٍ: مالكٌ، وهو من سَبَأٍ، وينتهي نسبه إلى قحطان. ولحقت هذه النسبةُ الإمامَ البخاري لأن أبا جده المغيرةَ أسلم على يد اليمان الجعفي، فصار ولاؤُه له. وعقدُ الولاءِ قرابةٌ حُكمية تنشأ من عهدٍ بين شخصٍ وآخر، على أنه إن جنى فعليه أَرْشُهُ، وإن مات فله ميراثه. والوَلاء نوعان: وَلاءُ عتقٍ، أجمع عليه الفقهاء، وولاء مُوالاة، رُوي جوازه عن عمر وعليٍّ وابن مسعود ﵃، وهو قول إبراهيم النَّخَعي وحمَّادٍ، ومذهبُ أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.

стр. 18

تاريخ ولادة البخاري: ولد البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة، في اليوم الثاني عشر من شهر شوالٍ، سنة مائة وأربع وتسعين .. ويبدو أن أباه إسماعيل كان حريصًا على حفظ تاريخ ولادة ابنه، فاعتنى بذلك وقيَّد شهادة ولادته بخطه، ورأى البخاريُّ تلك الشهادة وأخبر عنها. قال أبو عمرٍو المستنيرُ بن عتيقٍ: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل: متى ولدتَ؟ فأخرج لي خطَّ أبيه: "وُلد محمد بن إسماعيل يوم الجمعة بعد الجمعة لثلاثَ عشرة ليلةً مضت من شوالٍ سنة أربع وتسعين ومائة". أصلُ البخاري: الإمام البخاري فارسيُّ الأصل، يبدو أن جده الأعلى بَرْدِزْبَه كان فلاحًا، إذ هذا هو معنى الكلمة في لغة أهل بخارى. وكلمة بَرْدِيز تعني بالفارسية القديمة البستان. ومع دخول الفتح الإسلامي دخل أهل تلك البلاد في الإسلام، فأسلم المغيرة، وهو والد جده على يد والي بخارى: اليمان الجُعفي، فانتسب إليه. وقد نشأ البخاري وأبوه وجده نشأةً عربية، وكانت اللغة العربية لغتَه ولغةَ والديه في الحياة والعلم، في الصبا والشباب والشيخوخة. ولم نجد في الروايات التي بين أيدينا ما يُشير إلى أن البخاري كان يتحدث لغةً أخرى على الإطلاق. والدُ البخاري: هو أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، محدث، عالم، ورعٌ، ثقةٌ، رحل في طلب الحديث، وأخذه عن عدد من الأعلام، وروي عنه الحديث. كان مرجعًا لأهل بلده في عدد من أبواب العلم. وكان على الغاية من الورع وطلب الحلال في الكسب.

стр. 19

رحل في طلب الحديث وحج، وروى عن الإمام مالك بن أنسٍ (٩٣ - ١٧٩)، والإمام عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١)، وحمَّاد ابن زيدٍ (-١٧٩)، وأبي معاوية الضرير محمد بن خازمٍ (١١٣ - ١٩٥). ويبدو أن له رواية عن سفيان الثوري، فقد كان عنده كتاب الجامع لسفيان الثوري، كما أخبر بذلك ابنه، وقد قرأه البخاري على صديق أبيه الإمام أبي حفصٍ الكبير، وصحح للإمام موضعًا فيه، مما يدل على أنها كانت نسخةً صحيحة. وكان أبو الحسن إسماعيل وثيق الصلة بكبار علماء مدينة بخارى، وله منهم أصحاب لا يترددون في الرجوع إليه في خواص أمورهم، يُستفاد ذلك من قصة أوردها الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام أبي حفص الكبير أحمد بن حفصٍ البخاري الحنفي (١٥٠ - ٢١٧)، وهو من كبار أئمة الحنفية، وكان من تلاميذ الإمام محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ - ١٨٩). فقد رأى أبو حفصٍ النبيَّ ﵊ في منامه، عليه قميصٌ، وامرأةٌ إلى جنبه تبكي، فقال لها: لا تبكي، فإذا متُّ فابكي. وبحثَ الإمام أبو حفصٍ عن عالمٍ يعبِّر له هذه الرؤيا فلم يجد عند أحدٍ عِلمًا، حتَّى اجتمع بإسماعيل والد الإمام البخاري فقصها عليه، فأخبره إسماعيلُ بتأويلها قائلًا له.: "إن السنةَ قائمةٌ بعدُ"، فاستغنى أبو حفصٍ بهذا الجواب. ويُستفاد من هذه القصة أن والد البخاري كان ذا مكانة عالية بين علماء بخارى. واستمرت الصلة بين أبي حفص وأبي الحسن إلى وفاة الثاني، وقد عاده أبو حفص في مرض موته، وسمعه يقول: "لا أعلم من مالي درهمًا من حرامٍ ولا درهمًا من شبهة". وروى أبو حفص هذا الكلام وقال عقبه: "فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك". ويبدو لي أن سبب إيراد إسماعيل لهذا الكلام وهو على فراش الموت مقبل على الله تعالى، لا غرض له في شيء من الدنيا هو أن يطمئن أصحابه إلى أن المال الذي سيخلفه لابنيه أحمد ومحمد هو مال حلال خالص عن الشبهة.

стр. 20

وتصدر والد الإم ام البخاري للتحديث فقصده الطلبة، وروى عنه أهلُ العراق. ومن جملة تلاميذه: يحيى بن جعفرٍ البِيكَنْدِيُّ، وهو الذي حدث البخاريَّ عن أبيه.، وأحمد ابن جعفر، ونصر بن الحسين. وقد ذكر البخاري أباه في التاريخ الكبير في غير موضع، وترجم له باقتضابٍ، ومما ذكره عنه قوله: "حدثني أصحابنا يحيى وغيره عن أبي قال: رأيت حماد بن زيدٍ وجاءه ابن المبارك بمكة فصافحه بكلتا يديه". وذكره الإمام أبو حاتم محمد بن حِبَّان (٢٧٠ - ٣٥٤) في الطبقة الرابعة من الثقات. أُمُّ البخاري: هي أم الحسن وأم أحمد، ولم يصل إلينا كثير من أخبارها، ولكن الروايات التي وصلت تفيد أنها كانت امرأة صالحة، تقية، عابدة، مجابة الدعوة، تعرف قدر العلم.، ولذلك دفعت بابنها إلى المكتب ليطلب العلم، ثم رحلت به إلى الحجاز ليؤدي فريضة الحج، ويتابع طلب العلم ولقاء الشيوخ وسماع الحديث، وأذنت له بالتخلُّف في الحجاز وقفلت راجعة مع ابنها البكر أحمد. وقد رُويت عنها قصةٌ تظهر مدى قربها من الله تعالى: هي أن البخاري فقد بصره في صغره، فاغتمَّت أمه لذلك، وكانت تبتهل إلى الله تعالى أن يرد عليه بصره .. فرأت ذات ليلة في المنام نبي الله إبراهيم الخليل ﵊، فقال لها: قد رد الله على ابنك بصره، بكثرة دعائك له، فقام في الصباح وقد شفاه الله تعالى ورد عليه بصره. وهذه القصة من أعظم الكرامات التي تظهر مكانة هذه الأم عند الله تعالى، ومكانة هذا الطفل الذي تولاه الله تعالى منذ صغره، ليكون بعد ذلك علمًا من أعلام الأمة

стр. 21

الإسلامية، ويكون كتابه الجامع الصحيح أهم كتاب للمسلمين بعد القرآن الكريم. أسرة البخاري: كان للإمام البخاري أخٌ واحدٌ أكبر منه اسمه أحمد، رحلت بهما أمهما إلى الحج، ورجع أحمد مع أمه إلى بخارى، وتوفي فيها. وبقي البخاري في الحجاز لطلب العلم. ولا نعرف من أخبار أخيه سوى أنه كانت له زوجة، كانت تتردد على البخاري. روى وراقه محمد بن أبي حاتمٍ في كتابه شمائل البخاري قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يُستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبيَّنت ذلك أيها الشيخ من نفسك، أو جرَّبت؟ قال: نعم، دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلن أحب أن أدعوَ بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يُعجل لي في الدنيا. ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل". ويبدو من تتبع أخبار الإمام البخاريِّ التي كتبها ورَّاقه في كتابه: شمائل البخاري أنه كانت للبخاري زوجة. فقد أراد البخاري أن يقاسم وراقه أمواله في قصة طويلة ساقها الذهبي قال فيها البخاري لوراقه: "لي جوَارٍ وامرأةٌ، وأنتَ عَزَبٌ، فالذي يجب عليَّ أن أناصفك لنستويَ في المال وغيره، وأربحُ عليك في ذلك". وتفيد بعض الروايات أنه كان للبخاري ولدٌ اسمه أحمد يكنَّى أبا حفصٍ، نقل الذهبي عن غُنجارٍ بسنده إلى بكر بن منيرٍ قال: "كان حُمِلَ إلى البخاري بضاعةٌ أنفذها إليه ابنه أحمد، فاجتمع بعض التجار إليه فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم، فقال: انصرِفوا الليلةَ. فجاءه من الغد تجارٌ آخرون.، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف. فقال: إني نويت بيعها للذين أتوا البارحة". وفي رواية أخرى زيادة: ولا أحب أن أنقض نيتي. وساق ابن عساكر الرواية بإسناده عن غُنْجارٍ وزاد فيها "أنفذها إليه ابنه

стр. 22

أحمد أبو حفصٍ". فهل سمى ابنه على اسمه أخيه أحمد وكناه بكنية شيخه ورفيق أبيه، أم أن المعنيَّ في هذه الرواية تاجرٌ اسمه أبو حفص أنفذ إلى البخاري بضاعة مع ابنه أحمد. كل ذلك محتمل، لكن يبقى نص ابن عساكر دليلًا على أن للبخاري ابنًا اسمه أحمد كنيته أبو حفص حتى يظهر دليل معارض. وكانت للبخاري جارية تخدمه، فأعتقها لما أخطأت. ويفيد خبر آخر أنه اشترى جارية وانتقاها دميمةً. وكانت له قرابات بعيدة من النساء في مدينة بخارى، وكانت تأتيه الرسائل منهن وهو في رحلاته ويجيب عليها. وكان له أقرباء في بلدة خرتنكَ، قيل إنه نزل عليهم قبيل وفاته.، وسيأتي اسم من نزل عليه عند الحديث عن وفاته رحمه الله تعالى. طلبُ البخاريِّ للعلم: بدأت نشأة البخاري في حضن أبيه الذي كان وثيق الصلة بعدد من كبار أهل العلم، يتردد عليهم ويرجعون إليه. ولا شك أن الأب غرس في ابنه حب القرآن الكريم والحديث الشريف وطلب العلم، حتى نشأ البخاري وذلك فيه سجيةٌ وهوًى. وسرعان ما توفي والده وتركه يتيمًا، فاعتنت به أمه وربته أحسن تربية، وأرادت له أن يكون عالمًا كأبيه، فأرسلته إلى المكتب يطلب العلم. ويخبرنا البخاري هنا كيف أن الله تعالى ألهمه حفظ الحديث في المكتب وهو دون العاشرة من العمر. وكان يتردد على بعض الفقهاء بمَروَ وهو صبيٌّ، وكان ما زال يكتب الحديث في المكتب.، فسأله أحد المؤدبين: كم كتبت اليوم؟ فقال: اثنين، وأراد بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يومًا، فكان كما قال ذلك الشيخ.

стр. 23

وعَرَف البخاري بما تأدب عليه في المكتب أن طلب العلم لا بد فيه من الحفظ فانصرف إليه، فأخذ كتب مشاهير المحدثين واشتغل بحفظها، ومما حفظه في تلك المرحلة المبكرة التي بلغ فيها بلغ السادسة عشرة من عمره: ١. كتب الإمام عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١): قال يحيى بن معين في وصفها: "كانت كتبه التي يحدِّث بها عشرين ألفًا أو واحدًا وعشرين ألفًا". ولم يُمَيِّزِ الراوي العدد، ولم يبيِّن ما هو المعدود، وبين الشيخ زاهد الكوثري أن المعدود الأحاديث. وأرى أنه لا يَبعد أن تكون الأوراق، فإن ابن المبارك حمل عن ألفي شيخ، ولو كان المقصود عدد الأحاديث، لكان الكلام: "كانت أحاديثه التي يحدث بها عشرين ألفًا إلخ". ويؤيد ما ذهبنا إليه ما سيأتي أن البخاري حفظ في البصرة خمسة عشر ألف حديث في ستة عشر يومًا، وكان رفقاؤه يكتبون وهو لا يكتب. ٢. كتب الإمام وكيع بن الجراح (١٢٩ - ١٩٧): وهي: التفسير، وكتاب الزهد، والسنن، وفضائل الصحابة، والمُسند، والمصنف، والمعرفة والتاريخ، ونسخة [مرويات] وكيع عن الأعمش. وتدخل هذه المصنفات كلها في فنون الحديث لأن أبواب العلم كانت تعتمد على رواية بالأسانيد. فانظر مقدار ما كان يشتغل البخاري بحفظه في مدة وجيزة. لتعرف مقدار ما حفظه، بعد ذلك، ولا تستغرب قوله: إنه انتخب الصحيح من ستمائة ألف حديث. ولا يُستغرب انتشار كتب ابن المبارك ووكيعٍ في بخارى.، فكلاهما كان يميل إلى مذهب أبي حنيفة، وكانت خراسان وبخارى من أهم معاقل مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

стр. 24

ثم اشتغل البخاري بطلب الفقه على مذهب أهل الرأي، أي مذهب أبي حنيفة، فكان يتردد على الإمام أبي حفص الكبير، وهو أحمد بن حفصٍ البخاري (١٥٠ - ٢١٧).، من كبار أئمة الحنفية وتلميذُ محمد بن الحسن الشيباني (١٣١ - ١٨٩). ومما قرأه عليه البخاري كتاب الجامع لسفيان الثوري. يقول البخاري: كنت عند أبي حفصٍ أحمد بن حفصٍ أسمع كتاب الجامع جامع سفيان من كتاب والدي، فمرَّ أبو حفصٍ على حرفٍ ولم يكن عندي ماذكر، فراجعته، فقال الثانية كذلك، فراجعته الثانيةَ فقال كذلك، فراجعته الثالثةَ فسكت سويعة ثم قال: من هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بَرْدِزْبَهْ، فقال أبو حفصٍ: هو كما قال: واحفظوا فإن هذا يصير يومًا رجلًا. وكان للإمام البخاري أيام طلبه للعلم ببخارى بلدِه رفقاءُ، منهم: الإمامُ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حفصٍ (-٢٦٤) الذي صار من بعد مفتي بخارى وأحد كبار الأئمة، وهو ابن أبي حفصٍ الكبيرِ، نقل الذهبي أنه رافق البخاريَّ في الطلب مدةً. وقد وضع البخاري لنفسه منهجًا دقيقًا في طلب العلم، فمع أنه كان يروي عمن هو فوقه ومثله ودونه من الشيوخ، إلا أنه كان يدقق مع الشيوخ الذين يروي عنهم من غير المشاهير من الأئمة، فكان يسأل الرجل عن اسمه وكنيته ونسبه، وكيف تحمَّل الحديث الذي يرويه، فإن لم يكن من أهل الحفظ والدراية، طلب منه أن يُخرج له أصل كتابه، فيستعيره منه وينسخه. وهذا الحرص من الإمام البخاري هو الذي أوصله إلى أعلى المراتب بين أهل عصره ومن بعدهم. ومن أمثلة حرصه قوله في بعض كلامه: تركت أنا عشرة آلافِ حديثٍ لرجل لي فيه نظر، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر".

стр. 25

رحلات البخاري: ابتدأ الإمام البخاري الرحلة سنة عشر ومائتين وهو ابن ستَّ عشرةَ سنةً، وكانت أول رحلة له إلى الحج صحبةَ أمِّه وأخيه أحمد، وهو أكبرُ منه، وبقي هو في الحجاز لطلب العلم، وقفلَ أخوه أحمدُ بأمه إلى بخارى. ورحل البخاري بعد ذلك إلى الشام ومصر وبغداد والكوفة والبصرة. وأقام بالبصرة خمس سنين، وبالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين. وكان أول دخوله إلى بغداد آخر سنة عشر ومائتين قبل فتنة خلق القرآن.، وتردد إليها مرارًا، منها ثماني مراتٍ لقي فيها الإمام أحمد بن حنبلٍ. ودخل مدن بلخ ومروَ والرَّي وواسط ودمشق وحمص وعسقلان. وورد نيسابور أول مرة سنة ٢٠٩، ودخل عسقلان سنة ٢١٧ ودخل مصر مرتين إحداهما سنة ٢١٧. ثم رحل بعد ذلك في التحديث، فدخل إلى عدد من البلاد التي كان طلب العلم بها.، بعد أن طبَّقت شهرته الآفاق، وحدَّث بالحجاز والعراق وما وراء النهر، وقدم الرَّيَّ سنة ٢٥٠، وأقام بنيسابور خمس سنين ابتداءً من سنة ٢٥٠. وورد أنه أسمع الجامع الصحيح بمدينة فربر سنة ٢٤٨، وأسمعه بمدينة بخارى سنة ٢٥٢. وقد طاف الإمام البخاري البلاد، ودخل حواضر الإسلام الكبرى، منها مكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد عاصمة الخلافة، وقضى معظم عمره متنقلًا بين البلاد راحلًا إما في طلب الحديث أو في إملائه. ولكنه رغم ذلك آثر العودة إلى خراسان وبلده بخارى. ويبدو أنه ندم على ذلك في آخر عمره، بعدما جرى له من المحن وما قاساه من الشدائد في نيسابور وبخارى وغيرهما جَرَّاءَ حسدِ الأقران. يشير إلى ذلك ما رواه وراقه أبو جعفرٍ محمدُ بن أبي حاتم حيث

стр. 26

قال: "سمعت البخاري يقول.: "دخلت بغداد آخر ثمانِ مراتٍ، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبلٍ.، فقال لي في آخر ما ودعتُه: يا أبا عبد الله، تدعُ العلم والناسَ وتصير إلى خراسان! " قال: "فأنا الآن أذْكُر قوله". شيوخ البخاري: روى البخاري عن ألف وثمانين شيخًا، روي عنه أنه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث. وقال: دخلت بلخَ، فسألوني أن أُمْلِيَ عليهم لكل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ. وأعلى شيوخه طبقةً بعض أتباع التابعين، منهم محمد بن عبد الله الأنصاري، وعصام ابن خالد وأبو عاصم النبيل ومكي بن إبراهيم. وأكثر شيوخه تأثيرًا فيه هو الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث عليُّ بن المَديني (١٦١ - ٢٣٤)، رُوي عن البخاري أنه قال: "ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المَديني، وربما كنت أُغْرِبُ عليه" ويقول: "ما سمعت الحديث من في إنسانٍ أشهى عندي من أن أسمعه من في علي". وروى عنه في الصحيح أكثر من مائتي حديث. ومع ذلك فإن ابن المديني كان إذا بلغه قول البخاري فيه قال: "دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه". وعن فتح بن محمد النيسابوري قال: أتيت علي بن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالسًا عن يمينه، وكان إذا حدَّث التفت إليه كأنه يهابه. ومما يُظهر تأثير ابن المديني في البخاري واختصاص البخاري به أن ابن كثير لما ذكر في البداية والنهاية وفيات سنة ٢٣٤ قال: "وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني شيخ

стр. 27

البخاري في صناعة الحديث". وأكثر من روى عنه من الشيوخ هو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الدمشقي التنيسي (-٢١٨)، وهو من رواة الموطأ عن الإمام مالك، روى عنه البخاري في الصحيح ثلاثمائة وخمسةً وأربعين حديثًا، وكان لقيه بمصر سنة مائتين وسبعَ عشرةَ .. ومن أبرز شيوخه: عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي (-٢١٩) خَلَّاد بن يحيى المُقرئ (-٢١٣) عبيد الله بن موسى العَبْسي (-٢١٣) عصام بن خالد أبو إسحاق الحمصي (-٢١١) طَلْق بن غنام الكوفي (-٢١١) أبو عاصم النبيل الضَّحَّاكُ بن مَخْلَدٍ (-٢١٢) مكيُّ بن إبراهيمَ (١٢٦ - ٢١٤) عصام بن خالد الحضرمي أبو إسحاق الحمصي (-٢١٤) أبو نُعيم الفضل بن دُكَين (١٣٠ - ٢١٩) علي بن عَيَّاشٍ الحمصي (١٤٣ - ٢١٩) آدم بن أبي إياس (١٣٢ - ٢٢٠) أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي (١٣٨ - ٢٢٢)

стр. 28

سليمان بن حرب (١٤٠ - ٢٢٤) محمد بن سَلَامٍ الِبيكَنْدِي (-٢٢٥) يحيى بن يحيى التميمي الخراسانيُّ (١٤٢ - ٢٢٦) عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمانٍ الجُعفي المُسْنَديُّ (-٢٢٩) يحيى بن مَعينٍ (١٥٨ - ٢٣٣) إسحاق بن راهَوَيْهِ (١٦١ - ٢٣٨) قتيبة بن سعيدٍ البلخي (١٤٩ - ٢٤٠) الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١) علي بن حُجر المروزي (١٥٤ - ٢٤٤ نبوغ البخاري: كان البخاري نابغةً، شديد الذكاء، دقيق الفهم، واسع العلم، له في في الأسانيد بصيرة نافذة، ونظر ثاقب، وأوتي مع ذلك حدَّةَ الذهن، وسرعةَ الاستحضار. ولذلك صار مرجعًا لشيوخه وهو ما زال بعد في ريعان الشباب. ومن الأمثلة على نبوغ البخاري في سنٍّ مبكرةٍ أنه حضر مرة في مجلس شيخه محمد بن يوسف الفِريابي (-٢١٢) وهو ما زال فَتًى دون الثامنة عشرة من عمره، ، فقال الفريابيُّ.: حدثنا سفيان عن أبي عَروبةَ عن أبي الخطاب عن أنسٍ «أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غُسلٍ واحد»، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عَروبةَ ولا أبا الخطاب، فقال البخاري: "أما أبو عَروبة فمَعْمَرٌ، وأما أبو الخطاب فقَتادةُ، وكان

стр. 29

الثوري فَعولًا لهذا، يَكْني المشهورين". وقال له شيخه عبد الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ (-٢١٨) مرة: يا أبا عبد الله! انظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السَّقْط، فقال البخاري: نعم. وقال له شيخه محمد بن سَلَام البيكنَدي (-٢٢٥): انظر في كُتُبي، فما وجدتَ فيها مِن خطأ فاضربْ عليه. وقال له شيخه إسماعيل بن أبي أويس (-٢٢٦): انظر في كتبي وجميع ما أملك لك، وأنا شاكرٌ لك أبدًا ما دمتُ حيًّا. وروي عن الحافظ أبي حامدٍ أحمد بن حمدون (-٣٢١): أنه رأى البخاري في جنازة سعيد بن مروان البغدادي، وكان ذلك في نيسابور منتصف شهر شعبان من سنة ٢٥٢.، وشيخه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ (١٧٢ - ٢٥٨) يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاري يمرُّ فيه كالسهم - أي في سرعة الإجابة - كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. وسعيد بن مروان هو أحد شيوخ البخاري. وذكر الحافظ أحمد بن الأزهر العَبدي النيسابوري (-٢٦١) أنه كان بسمرقند أربعمائة من طلاب الحديث، فاستعدوا سبعة أيامٍ لمغالطة البخاري، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن.، فأتى بكل إسناد على وجه الصواب، وما وجدوا في أجوبته خطأً واحدًا، لا في الإسناد ولا في المتن. حفظ البخاري: كان البخاري سريع الحفظ، وكانت له ذاكرة قوية واسعة، وكان سريع الاستحضار لما حفظه. وقد وصل في الحفظ إلى درجة أدهشت شيوخه ومعاصريه، ولم يأت بعده في

стр. 30

الحفظ والفهم مثله. روي عنه أنه قال: أحفظ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومائتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيح. وقال أبو بكر محمد بن رزق الله الكَلَوْذَاني (-٢٤٩): "ما رأيتُ مثلَ محمد بن إسماعيل.، كان يأخذ الكتابَ من العِلم فيطَّلع عليه اطِّلاعةً.، فيحفظ عامَّةَ أطراف الحديث من مرَّة واحدة". وذكر البخاري عن نفسه أنه يستطيع أن يملي من حفظه عشرة آلاف حديث في الصلاة. فإذا كان هذا مقدار ما يحفظه من الحديث في باب واحدٍ هو الصلاة، فما مقدار ما يحفظه في سائر أبواب العبادات والمعاملات والفضائل والآداب والفتن والتوحيد والتفسير والمغازي. روي عن حاشد بن إسماعيل بن عيسى البخاريِّ الغزَّال (-٢٦١) - وهو أحد كبار الحفاظ من أقران البخاري - أن الإمام البخاري كان وهو غلامٌ يحضر مجالس الحديث معهم عند مشايخ البصرة، ويستمع إلى ما يُملونه من الأحاديث ولا يكتب كما يفعل الطلبة، ومضت ستة عشر يومًا وهو على هذا الحال، فلاموه عند ذلك، فضجِرَ من لومهم وقال لهم: - قد أكثرتم عليَّ، فاعرضوا عليَّ ما كتبتم. قال حاشد بن إسماعيل: "فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألفَ حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحْكم كتبنا من حفظه". وقال لهم: - أتُرون أني أختلفُ هدرًا وأضيع أيامي! قال: فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد".

стр. 31

امتحان علماء بغداد للبخاري: وهذه قصة عجيبة تدل على حفظ البخاري للنصوص على الفور، بدون حاجة إلى تكرار. فقد سمع به أهلُ الحديث لما قدم بغداد، فاجتمعوا لامتحانه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلَبُوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوهَا لعشرة أنفسٍ، لكلِّ رجلٍ عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضَروا المجلسَ أن يُلقوا ذلك على البُخاري.، وأخذوا عليه الموعدَ للمجلس، فحضرَ وحضرَ جماعةٌ كثيرون من الغُرباء من أهل خُراسان وغيرهم ومن البغداديين. فلمَّا اطمأنَّ المجلسُ بأهله، انتدبَ رجلٌ من العشرة، فسألَه عن حديث من تلك الأحاديث، فقال له البُخاري: لا أعرفه. فما زالَ يُلقي عليه واحدًا بعد واحدٍ حتى فرغَ، والبُخاري يقول: لا أعرفه، فكان العُلماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضُهم إلى بعض، ويقولون: فَهِمَ الرجل، ومن كان لم يَدْرِ القضيَّة، يقضِي على البُخاري بالعجزِ والتَّقصير وقلَّة الحفظ. ثم انتدبَ الثاني من العشرة، وفعل كالأول، وقال له البُخاري كالأول، ثم انتدبَ الثالث والرابع.، وهكذا إلى تمام العشرة، حتى فَرَغُوا كلهم من إلقاءِ تلك الأحاديث المقلوبةِ، والبُخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلمَّا علم أنهم فَرَغُوا التفتَ إلى الأول فقال: أمَّا حديثك الأوَّل فقلت: كذا وصوابُه كذا، وحديثُك الثاني كذا وصوابُه كذا، وهكذا الثَّالث والرَّابع إلى تمام العشَرة على الوِلاء. فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ، وكلَّ إسنادٍ إلى متنهِ في الجميع على الوِلاء في السؤالِ، فأقرَّ الناسُ له بالحفظِ، وأذعَنُوا له بالفضل. قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن عليٍّ الشهير بابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢): "فما

стр. 32

العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقَوه عليه من مرة واحدة. علم البخاري بالعربية: لم يقتصر البخاري في طلبه للعلم على الحديث، بل توسع في علوم العربية، حتى ملك أدوات الاجتهاد، وصار ينظم الشعر. ومن الإشارات التي تدل على تمكنه في علوم العربية أنه هو نفسه جعله شرطًا للمحدث قبل طلب الحديث في نصيحته الشهيرة فقال: "ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع من كسب العبد أعني: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو". ومن تتبع كلام الإمام البخاري الذي رُوي عنه، ومفرداته التي كان ينتقيها، علمَ مقدار علمه بالعربية، فإن كلام الرجل ينبئ عن فصاحته، والمرء مخبوءتحت طَيِّ لسانه، لا تحت طَيْلَسانه. ومما يدل على تمكنه من العربية ما ساقه من اللغة في تراجم أبواب الصحيح، ومنه ما رواه من كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدةَ مَعمرِ بن المُثَنَّى (١١٢ - ٢٠٨)، مع أن الكتاب يعتمد على اللغة في تفسير القرآن، بدل الاعتماد على السنة. قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: "وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارةً يصرح بعَزْوِهِ.، وتارةً يُبْهِمُه". كما أن البخاري ساق في الصحيح خبرًا فيه ثلاثة أبياتٍ لامرئ القيس بن حِجرٍ الكندي مع أنه من شعراء الجاهلية، ويعرف بالملك الضِّلِّيل، وسنتكلم فيما بعد عن الشعر في صحيح البخاري.

стр. 33

وصل البخاري في التمكن بالعربية إلى درجة نظم الشعر، وهي مرتبة تحتاج إلى مُكنة وسليقة وقريحة، مما يدل على أن عربيته صارت ملكة، وأن كونه غير عربي الأصل لم يؤثر فيه على الإطلاق. ومن هنا يتبين لنا تهافت المطاعن التي وجهت إليه من حيث أنه غير عربي. ومن شعر الإمام البخاري قوله: اغْتَنِمْ في الفَراغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسى أنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ تصدر البخاري للتحديث: بدأ الإمام البخاري بإملاء الحديث وهو دون الثامنة عشرة. قال أبو بكر بن أبي عتاب الأعين.: "كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفِريابي". وكانت وفاة شيخه الفِريابي سنة ٢١٢. فدل ذلك على أن البخاري كان قد عُرف بالحفظ والرواية قبل ذلك، حتى بدأ الناس يأخذون عنه. ولم يتصدر البخاري للتحديث إلا بعد تحقق أهليته، رُوي عنه أنه قال: "ما جلستُ للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرتُ في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثًا إلا كتبته" .. شهرة البخاري: لم تكن شهرة البخاري مؤسسة على قربه من الخلفاء، بل على نبوغه في العلم والحفظ.، وجهوده في خدمة السنة المشرفة. عن أبي جعفرٍ محمد بن أبي حاتم ورَّاقِ البخاري: أن طلبة العلم كانوا يَعْدُون خلف الإمام البخاري فى طلب الحديث وهو

стр. 34

شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه فى بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوفٌ.، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابًّا لم يخرج وجهه، أي لم ينبت شعر وجهه بعدُ. ولما وصل البخاري إلى مدينة نيسابور خرج أهل البلد لاستقباله، فكان عدد من استقبله على الخيل أربعةَ آلافِ رجلٍ، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرَّجَّالة. قال الإمام مسلمُ بن الحجاج: لمَّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فَعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثةً تلاميذ البخاري: وصل عدد تلاميذ الإمام البخاري الذين حضروا مجالسه وسمعوا منه إلى عشرات الآلاف.، وذلك لشهرته بالحفظ والضبط والإتقان، وكان يجتمع في مجلسه ببغداد أكثر من عشرين ألفًا. وبلغ عدد الذين سمعوا الصحيح منه تسعين ألفًا. ومن جملة من روى عن الإمام البخاريِّ عددٌ من شيوخه رووا عنه وهو في شبابه، وعدد من أقرانه، وذلك لِما رأوه من حفظه وعلمه. وأشهر تلاميذه هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطرٍ الفربريُّ المتوفى سنة ٣٢٠ وقد نيَّف على التسعين. والفربري بكسر الفاء وفتحها، وسماعُنا هو بالكسر. وآخر من بقي من تلاميذه الذين روَوا عنه الصحيح هو المُسنِدُ أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينةَ البَزْدَوِيُّ النسفي (-٣٢٩). وآخر من مات من تلاميذه هو الإمام العلامة المحدث الثقة القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبِّيُّ البغدادي المَحاملي (٢٣٥ - ٣٣٠). ولم يكن يروي صحيح البخاري، لكنه سمع الحديث من الإمام البخاري في بغداد خلال آخر

стр. 35

زيارة للبخاري، لما عقد مجالس أملاها ببغداد. ومن أشهر تلاميذه: الإمام مسلمُ بن الحجاج (٢٠٤ - ٢٦١) صاحب الصحيح، روى عنه في غير الصحيح أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (-٢٦٤) الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (١٩٥ - ٢٧٧) الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩) الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا (٢٠٨ - ٢٨١) الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (١٩٨ - ٢٨٥) الإمام أبو بكر ابن أبي عاصم (٢٠٦ - ٢٨٧) الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرٍو البزار (-٢٩٢) الحافظ أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة (٢٠٥ - ٢٩٣) الإمام محمد بن نصر المروزي (٢٠٢ - ٢٩٤) الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (٢٢٣ - ٣١١) الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي (٢١٤ - ٣١٧) الإمام يحيى بن محمد بن صاعد (٢٢٨ - ٣١٨) الإمام محمد بن يوسف الفَربري (-٣٢٠) راوي الصحيح عنه.

стр. 36

وَرَّاقُ البخاري: الوراق: هو الناسخ الذي يكتب للعالم ويعتني بكتبه، ويحفظها، وينسخ كتبه، للناس. وكان للبخاري وراق لازمه وخدمه في أخريا عمره اسمه أبو جعفرٍ محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق. كان أبو حاتم شابًّا، لازم البخاري مدة طويلة في الحضر والسفر، وكان يخدمه، وروى عنه الحديث، وألف كتابًا في سيرته سماه: شمائل البخاري، وهو جزء ضخم رواه الذهبي بإسناده ونقل منه. وكان البخاري رحمه الله تعالى يبالغ في إكرامه، ويرفُق به. روى أن البخاري كان يقوم في الليل يصلي ويكت الحديث ولا يوقظه، فسأله، فقال البخاري له: "أنت شابٌّ، فلا أحب أن أفسد عليك نومك". مُسْتَمْلي البخاري: المستملي: هو الذي يطلب من المحدث الإملاء ويستزيده، ويُملي على الناس حديثه، ويُبلِّغ الناسَ صوته. ويبدو أنه كان للإمام البخاري جماعة يستملون منه الحديث في كل بلد يحدث فيه إذا كثر الجمع. وكان مستملي الإمام البخاري في بغداد في بعض رحلاته الإمام الحافظ الحجة أبو علي صالح بن محمد الأسدي البغدادي الملقبُ جَزَرَة (٢٠٥ - ٢٩٣)، استملى منه الحديث في جمع بلغ عشرين ألفًا. وهو أحد كبار المحدثين، استوطن بخارى بعد وفاة الإمام البخاري سنة ٢٦٦. وقال محمد بن يوسف بن عاصم: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد. وأحد هؤلاء المستملين أبو معشر الضرير واسمه حمدويه بن الخطاب بن إبراهيم البخاري وهو حافظ ثقة من أهل بخارى. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: بقي إلى حدود الثمانين، أي ومائتين.

стр. 37

مذهب البخاري في الفقه: تفقه الإمام البخاري في نشأته على مذهب أبي حنيفة، وهو مذهب أهل بلده بخارى.، ومذهب أصحاب أبيه وبعض رفقائه. وقد تجاذبه أهل كل مذهب لإثبات أنه كان على مذهبهم، ولكن الصواب أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وكان مجتهدًا مطلقًا في الفقه، فقد ملك أدواته، فصار يستنبط الأحكام بنفسه من الكتاب والسنة، وله اختيارات خاصة في الفقه. ولا شك أنه فقيه كبير، ويظهر جانب من فقهه في ترجمات أبواب الصحيح. مذهب البخاري في الاعتقاد: كان الإمام البخاري في الاعتقاد على مذهب المحدثين الذين اتبعوا خيار السلف الصالحين، يُثبت ما أثبته الله تعالى لذاته من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تصرف في اللفظ بالاشتقاق، ولا توسع في الاستعمال. وكان يفوض علم المتشابه لله تعالى، ولا يرى حرجًا في تأويل ما يجب تأويله، كما يُعلم مِن تتبُّع ما خرَّجه في كتابه. وفي الصحيح من الكتب المتعلقة بالاعتقاد كتاب الإيمان في أوله، وكتاب التوحيد في آخره.، وقد ذكر في كتاب التفسير وغيره كثيرًا مما يتعلق بالاعتقاد. ومن الشواهد على ذهابه إلى التأويل قوله في أول تفسير سورة القصص: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] إلا مُلْكَهُ، ويقال: إلا ما أُريدَ به وجه الله" (٦/ ١١٢). وتعرض البخاري إلى محنة شديدة، بسبب خلافه مع شيخ خراسان الإمام محمد بن

стр. 38

يحيى الذُّهلي في مسألة (لفظي بالقرآن مخلوق)، فإن الذهلي كان متشدِّدًا يرمي بالبدعة كل من يقول بذلك. ومع أن الإمام البخاري صرح مرارًا بأنه لم يقل ذلك، إلا أن خصومه اتهموه بالقول باللفظ، وحشدوا العامة ضده، وحذروا الناس منه، حتى خرج من نيسابور وحيدًا. وبقي البخاري صامدًا يحاول أن يوقف هذا المدَّ الذي سلك مسلكًا خطأً، وأبى أن يتراجع لأجل تسكين العامة وإرضاء خصومه، وفضل أن يرحل من بلد إلى بلد، إلى أن ضاقت به الأرض، ولم ينحرف عن الحق قِيد شعرة. وكان جوابه أن أفعالنا مخلوقة وأن ألفاظنا من أفعالنا، وهو مذهب أهل السنة الذي تمسك به بعد ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من أهل السنة. وكان البخاريُّ يرى أن أفعال العباد مخلوقة، وتصدى في هذه المسألة للمعتزلة، فألف كتابًا في الرد عليهم. وكان يرى أن الإيمان قولٌ وعمل، وأنه يزيد وينقص. صفة البخاري: وردت صفة البخاري عن الحسن بن الحسين البزاز قال: " رأيت محمد بن إسماعيل بن إبراهيم شيخًا، نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير ".وربما سبب نحوله ما روي أنه كان قليل الأكل جدًّا، فقد مكث أربعين عامًا يأكل الخبز وحده لا يأكل معه الإدام. فلما مرض ذكر الأطباء أن دواءه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه العلماء والطلبة، فقبل أن يأكل مع الخبز سُكَّرًا. وكان يحب القثاء ويؤثره على البطيخ أحيانًا. أخلاق البخاري: كان الإمام البخاري واسع الكرم، كثير الإنفاق على الطلبة، شديد الورع في المال والكسب، يصون لسانه عن الغيبة، لا يتكلف التواضع، بل هو فيه سجية. ولم يكن يغضب لذم ولا يفرح بمدح، فقد كان يحلف أن المادح له والذام من الناس هما عنده

стр. 39

سواء. ومع تواضعه الشديد فقد كان مترفعًا بالعلم، متعززًا به، يعرف قدر العلم الذي شرفه الله تعالى به، يعز العلم، ويبذله لأهله، ويصونه عن غير أهله. ولم يكن البخاري يتكسَّب بالحديث، أو يتقاضى أجرًا عليه من الناس، ولا يقبل عليه عطاءً، بل كان يحسن إلى طلبة الحديث، ويتعاهدهم بالنفقة، ويوصيهم بكتمان ذلك. ولم يؤلف كتبه للملوك، ولم يحدِّث بين أيديهم. ومن أمثلة تواضعه أنه كان مرةً يبني رباطًا خارج بخارى، فكان ينقل اللَّبِنَ بنفسه، رغم أنه اجتمع كثيرٌ من الناس لإعانته على ذلك. فقال له ورَّاقه: يا أبا عبد الله إنك تُكفى ذلك، فقال: هذا الذي ينفعني. وكانت للبخاري جاريةٌ فأرادت مرةً الدخول عليه، فعثرت بمِحبرة بَين يديه، فقال لها.: كيف تمشين.؟ فقالت: إِذا لم يكن طريقٌ كيف أمشي؟ فبسط يديه وقال: اذهبي فقد أعتقتُكِ. فقيل له: أغضبتك وأعتقتها! فقال: أرْضيتُ نفسي بما فعلت. وكأن البخاري أراد أن يعمل هنا بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٤]، ولكنه ستر أمره بقوله: "أرضيتُ نفسي بما فعلت". وتميَّز البخاري من بين كثير من الفضائل بثلاث خصال: ١. كان قليل الكلام. ٢. كان لا يطمع فيما عند الناس. ٣. كان لا يشتغل بأمور الناس، بل كان كل شغله في العلم. وكان شديد الثبات على الحق، لا يعدل عنه مهما لقي في سبيل ذلك من الصعاب

стр. 40

والشدائد. ومن أمثلة ذلك موقفه من قضية خلق أفعال العباد وأن ألفاظنا من جملة أفعالنا. فقد روي أنه لما دخل البخاريُّ مدينة مروَ استقبله عالمُ مروَ الإمام الحافظ أحمد بن سيار المروزي (-٢٦٨) فيمن استقبله، فقال له: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحمِل ذا منك. فقال البخاري: إني أخشى النار: أُسألُ عن شيءٍ أعلمه حقًّا أن أقول غيره. وكان البخاري شديد الزهد مقبلًا على الآخرة معرضًا عن زخارف الدنيا. دعاه أحد أصحابه إلى بستانٍ جميل قد أجرى الماءَ في أنهاره، وكان صاحب البستان مُعجَبًا به.، فسأل الإمامَ البخاريَّ: كيف ترى؟ فأجابه: هذه الحياة الدنيا. وكان البخاري متعبدًا، يختم القرآن في رمضان في كل يوم ختمة. ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وكان يجتمع إليه أصحابه في رمضان فيصلي بهم إمامًا.، ويقرأ في كل ركعة قدر عشرين آية، يلازم ذلك إلى أن يختم. وكان يحرص على تحرير نيته في كل عملٍ، يقول وراقه: رأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيت شيئًا بغير علمٍ قطُّ منذ عقلت، فأي علم في هذا الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغرٌ من الثغور، خشيت أن يَحدثَ حدثٌ من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أُهبةَ ذلك، فإن غافصنا العدوُّ كان بنا حَراك. قوله: غافصنا.: أي أخذنا على حين غِرَّةٍ.
следующие страницы →