ملخص الرسالة
تشتمل هذه الرسالة على الآتي:
المقدمة - التمهيد - موضوع الرسالة، ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: الصدقة الجارية: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة الواردة في الصدقة الجارية عموما
المطلب الثاني: أنواع من الصدقة الجارية التي جاء ذكرها في الأحاديث
المطلب الثالث: صور ونماذج من فعل الصحابة ﵃ للصدقة الجارية
المطلب الرابع: بعض أحكام الوقف (الصدقة الجارية)
المبحث الثاني: العلم المُنتفع به: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الأدلة على تعليم العلم المنتفع به ونشره
المطلب الثاني: الأحاديث المتضمنة العلم المنتفع به
المبحث الثالث: الدعاء: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الأدلة على انتفاع الإنسان بعد الممات بالدعاء من الولد خاصة
المطلب الثاني: الأدلة على انتفاع الإنسان بعد الممات بالدعاء عموما، من جميع المسلمين
стр. 2
المبحث الرابع: موت المرابط في سبيل الله
المبحث الخامس: الأعمال الصالحة المتعلقة بذمة الإنسان عند موته
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ما يتعلق بحق من حقوق الله تعالى
المطلب الثاني: ما يتعلق بحق من حقوق المخلوقين
стр. 3
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
أما بعد:
فإن الله أمر الناس جميعا بالإيمان به، والإيمان برسوله ﷺ ، ووعد من استجاب لذلك بجنة عالية، ومن خالف وعصى بنار حامية، وجعل سبحانه دليل الاستجابة لأوامره، المبادرة بالعمل الصالح؛ ولذلك قرن الله تعالى الإيمان به في القرآن الكريم بالعمل الصالح الذي يحبه ويرضاه؛ وجعله سبباً من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]، وغير ذلك من الآيات الدالات على العمل الصالح، وقد أخبر ربنا ، وأكد في كتابه أنه لا يضيع ولا ينقص أجر عَمل عامل من عباده المؤمنين شيئا، سواء كان ذكرا أو انثى بل يضاعف له الأجر والثواب أضعافا كثيرة جدا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ
стр. 4
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ولهذا كان العمل الصالح هو دأب عباد الله الصالحين وصفة المؤمنين، وقد وعد سبحانه من عمل الصالحات في هذه الحياة الدنيا بالحياة الطيبة والسعادة الدائمة والعيشة الهنيئة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، هذا هو الجزاء العاجل في الدنيا، وأما في الأخرة فالجزاء هو الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويرتفع الدرجات العُلى فيها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى* جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٥، ٧٦]. وكل أجور وثواب الأعمال الصالحة مهما عظمت وفضلت عند الله جل وعلا منقطع، نعم تنقطع أجور تلك الأعمال الصالحة بموت صاحبها كما بين ذلك النبي ﷺ بقوله: «إذا مات الإنسان انقطع عمله» (١)، و لكن من رحمة الله وفضله وإحسانه وكرمه على عباده، أن جعل لهم عددا من الأعمال الصالحة التي يجري للعبد أجرها ويستمر ثوابها له بعد موته، وهو في قبره بعد مئات السنين ولايزال الأجر يتجدد له والثواب يصله.
стр. 5
وقد رغب رسول الله ﷺ فيها، وحثنا على العمل بها؛ ولأهمية تلك الأعمال وفضلها وما يترتب عليها من الأجور الكبيرة والفضائل الكثيرة؛ ولما غفل بعض الناس عن فضلها وما فيها من الثواب، وتذكيرا لي ولإخواني المسلمين، قمت بجمع ما يسر الله لي بجمعه من الأدلة التي تدل على الأعمال والأقوال الصالحة التي ينتفع بها العبد المسلم في حياته وبعد موته، في هذه الرسالة المتواضعة وسميتها: (الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات)، فذكرت الأدلة الدالة على انتفاع الإنسان بهذه الأعمال، مع شيء من الشرح والتوضيح؛ لكي تتم الفائدة للقارئ الكريم ويحصل على المنفعة المرجوة، فإن أصبت فمن الله وحده لا شريك له، وإن أخطأت فمن نفسي المقصرة والشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك، فالله أسأل العفو والمغفرة عن كل خطأ وزلل، وتقصير في القول والعمل، كما أسأله بأسمائه وصفاته أن يجعل هذا العمل صالحا خالصا لوجهه الكريم متقبلا، وأن يجعله من العلم المنتفع به بعد موتي الى يوم الدين، و يجعل فيه الخير الكثير والنفع الكبير، لي ولجميع عباد الله المسلمين، أنه ولي ذلك والقادر عليه وهو على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين،،،
كتبه/
أبو الحمزة أحمد بن محمد بن حسين بن علي الحجاجي
٧ جماد الآخرة ١٤٤٢ هـ
стр. 6
تمهيد
جاء في القرآن الكريم عدد من الأدلة التي تدل على الأعمال الصالحة التي يجري ويستمر للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، نذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، قال العلامة السعدي: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر" (١) انتهى.
قال ابن عاشور: في تفسير قوله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾: "فالمراد ب ﴿ما قدموا﴾ ما عملوا من الأعمال قبل الموت شبهت أعمالهم في الحياة الدنيا بأشياء يقدمونها إلى الدار الآخرة، كما يُقدم المسافر ثقله وأحماله، وأما الآثار فهي
стр. 7
آثار الأعمال، وليست عين الأعمال بقرينة مقابلته ب ما قدموا مثل ما يتركون من خير أو شر بين الناس وفي النفوس، والمقصود بذلك ما عملوه موافقا للتكاليف الشرعية أو مخالفا لها وآثارهم كذلك … فالآثار مسببات أسباب عملوا بها" (١).
قال القرطبي: " فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازى عليها … ، كل سنة حسنة، أو سيئة يستن بها " (٢).
قال ابن كثير: "وقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أي: من الأعمال نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وفي قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قولان:
أحدهما: آثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر … ، والثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بالطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق أولى (٣) اهـ.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥]، قال صاحب اللباب: "المعنى: ما قدمت من عمل صالح، أو شيء، أو أخرت من سيئة أو حسنة، وقيل: ما قدمت من الصدقات وأخرت من التركات" (٤).
стр. 8
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، قال البغوي: "قال ابن مسعود، وابن عباس: بما قدم قبل الموت من عمل صالح وسيئ، وما أخر بعد موته من سنة حسنة، أو سيئة يعمل بها … ، وقال زيد بن أسلم: بما قدم من أمواله لنفسه، وما أخر خلفه للورثة" (١)، وقال السيوطي: "عن ابن مسعود: بما قدم من عمله، وما أخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر (٢)، وعن ابن عباس قال: بما عمل قبل موته، وما يسن فعمل به بعد موته" (٣)، وعن أبي صالح قال: " قدم من حسنة أو أخر من سنة حسنة عمل بها بعده، علما علمه أو صدقة أمر بها" (٤).
стр. 9
المبحث الأول الصدقة الجارية
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة الواردة في الصدقة الجارية عموما
المطلب الثاني: أنواع من الصدقة الجارية التي جاء ذكرها في الأحاديث
المطلب الثالث: صور ونماذج من فعل الصحابة ﵃ للصدقة الجارية
المطلب الرابع: بعض أحكام الوقف (الصدقة الجارية)
стр. 10
المبحث الأول الصدقة الجارية
نذكر في هذا المبحث بعضاً من الأدلة التي تدل على أن الصدقة الجارية من الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات
المطلب الأول
الأدلة الواردة في الصدقة الجارية عموما، مع ذكر بعض التوضيح عليها
الدليل الأول:
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم، قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١).
стр. 11
التوضيح:
قوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: … ،»
قال النووي رحمه الله تعالى: "قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف، … وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، وبيان فضيلة العلم، والحث على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمع عليهما" (١). اهـ
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: "هذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من
стр. 12
كسبه» (١)، والصدقة الجارية، كالوقف ونحوه، هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ [يس: ١٢]، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله" (٢).
وعلى هذا فعلى الأنسان أن ينظر ما يقدم لنفسه في حياته وقبل موته مما ينتفع به بعد موته ويستمر له الأجر والثواب من تلك الأعمال الصالحة، فإن كان صاحب مال عمل لنفسه صدقات جاريات من ماله، قبل الفوات، وحلول السكرات، وذهاب المال في الترف والإسراف ومما لا فائدة منه، وإن كان صاحب علم استمر عليه وتزود منه، وعلمه للناس ونشره، وإن كان صاحب أولاد عمل على صلاحهم وهدايتهم، وعلمهم العلم الشرعي الذي ينفعهم الله به في الدنيا والأخرة ويكون سببا في صلاحهم، وقلما يخلو أحد من أن يكون له واحدة من إحدى الثلاث، وقد يجتمعن في شخص ما، وهذا من فضل الله تعالى، ولهذا فمن لم يكن عنده علم يعلمه الناس مما ينتفعون به، فقد يكون عنده مال يستطيع أن يجعل منه الصدقات الجاريات، فإن لم يكن له مال ولا علم، فقد يكون له أولاد
стр. 13
سواء ذكور أو إناث، فليعمل على ما يكون سببا في صلاحهم واستقامتهم لعل الله ينفعه بصلاحهم ودعائهم له في دنياه وأخراه، فهذه ثلاثة أمور جاءت في هذا الحديث مما ينتفع به الإنسان بعد موته.
فقوله ﷺ : «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ»: فقوله: «الإنسان» يشمل الذكر والأنثى، وليس مقصور على الذكور فقط بل يشمل الجميع.
أما الثلاثة الأمور المذكورة في هذا الحديث فقد شملت على أهم ما ينتفع به الإنسان من الأعمال الصالحات التي يبقى ويجري له أجرها وثوابها بعد الممات؛ وسوف نتناول في هذا المبحث الصدقة الجارية، أما العلم المنتفع به، والدعاء فسوف نتناول ذلك في المباحث التي بعد هذا.
فقوله ﷺ : «إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ»:
قال أكثر أهل العلم إن الصدقة الجارية: "هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه" كما مر معنا؛ ولذلك قال المناوي: "معنى «جارية» دائمة متصلة كالوقوف المرصدة فيدوم ثوابها مدة دوامها" (١)، وعلى هذا فكل ما جعل الأنسان مما ينتفع به الناس بعد موته في الخير مما يستمر بقاؤه ويدوم نفعه لهم، فإن الأجر جار ومستمر لصاحبه بعد موته ما بقى ذلك الشيء وانتفع الناس ولو بشيء منه، سواء كان الانتفاع بالشيء ذاته وبعينه كمن بنى دارا لنشر العلم الشرعي أو للفقراء وعابري السبيل أو أوقف سيارة للدعوة أو جعل كتب نافعة في العلم الشرعي،
стр. 14
وغير ذلك مما يكون النفع بذات الشيء نفسه، أو يكون الانتفاع مما ينتج ويحصل منه كالمزرعة التي يحصل النفع من ثمرها، أو العقار الذي يحصل منه أموال من إيجارات وعوائد مالية فتصرف وتوزع في وجوه الخير والبر و هكذا.
واعلم أن الصدقة الجارية أو الوقف يكون في أبواب كثير جدا، ولذلك قال عبد الرحمن آل سعدي: " كوقف العقارات التي ينتفع بمغلها، أو الأواني التي ينتفع باستعمالها، أو الحيوانات التي ينتفع بركوبها ومنافعها، أو الكتب والمصاحف التي ينتفع باستعمالها والانتفاع بها، أو المساجد والمدارس والبيوت وغيرها التي ينتفع بها، فكلها أجرها جار على العبد ما دام ينتفع بشيء منها. وهذا من أعظم فضائل الوقف، وخصوصا الأوقاف التي فيها الإعانة على الأمور الدينية، كالعلم والجهاد، والتفرغ للعبادة، ونحو ذلك، ولهذا اشترط العلماء في الوقف: أن يكون مصرفه على وجهة بر وقربة" (١).
قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله: "والمراد بالصدقة الجارية كل ما ينفع المحتاجين بعد موته نفعاً مستمراً، فيدخل فيه الصدقات التي توزع على الفقراء، والمياه التي يشرب منها، وكتب العلم النافع التي تطبع، أو تشترى وتوزع على المحتاجين إليها، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وينفع العباد " (٢)، وقال أيضا:
стр. 15
"ومن الصدقات الجارية أن يطبع الإنسان كتبا نافعة للمسلمين يقرءون فيها وينتفعون بها سواء كانت من مؤلفين في عصره أو من مؤلفين سابقين المهم أن تكون كتبا نافعة ينتفع بها المسلمون من بعده، ومن الصدقات الجارية إصلاح الطرق فإن الإنسان إذا أصلح الطرق وأزال عنها الأذى واستمر الناس ينتفعون بهذا فإن ذلك من الصدقات الجارية، والقاعدة في الصدقة الجارية كل عمل صالح يستمر للإنسان بعد موته" (١).
قد يقول قائل لا تكون الصدقة الجارية إلا ببناء دار أو مسجد أو مزرعة أو شراء سيارة أو غير ذلك مما تكون كلفته كبيرة؛ نقول ليس كذلك؛ وإنما من كان لديه القدرة من المال على أن يقوم بهذا الفعل أو أكثر منه، كمن يبني عددا من المساجد أو دور العلم أو حفر آبار، فيُنوّع صدقاته الجارية في مجالات مختلفة وينفرد بتكاليف تلك الأعمال بنفسه فله أن يفعل، ومن لم يستطع وليس لديه مال كاف لفعل مثل تلك الأعمال فليكن مشارك مع غيره بحسب حاله وقدرته في فعل صدقة من الصدقات الجارية التي يستمر نفعها بعد موته، ولا يعدم لمن بحث عن ذلك وما أكثر ما يحصل من هذا فيكون العمل الخيري الواحد على حساب عدد من فاعلين الخير اشتركوا فيه، فإن لم يتيسر له المشاركة فلينظر ما يناسب حالته وقدرته مما يقل تكلفته ويعظم نفعه للناس وسيجد عند ذلك أمورا كثيرة يستطيع أن يجعل لنفسه صدقة جارية تنفعه ولو لم يكن إلا مصحفا أو كتابا نافعا أو غير
стр. 16
ذلك مما يدوم ويستمر نفعه، ولما للصدقة الجارية من عظيم الأجر والثواب فقد بادر الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من المسلمين على مر العصور بفعل الصدقات الجاريات من أنفس أموالهم وأفضل ما لديهم من الممتلكات، راجين ثواب ذلك عند الله تعالى، والمال النافع الحقيقي للإنسان هو ما قدمه في حياته وانفقه في وجوه الخير والبر والإحسان سواء كان صدقة جارية أو غيرها؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: «فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر» (١)، فقوله: «ما قدم» أي ما صرفه في حياته في مصارف الخير والطاعة، هذا هو ماله الحقيقي الذي ينتفع به، وقوله: «ما أخر» ما ادخره وأخر إنفاقه حتى ادركه الموت وتركه لوارثه، ولا يدري الإنسان كيف سيكون حال ورثته من بعده أصالحين أم طالحين، و بيّن النبي ﷺ كذلك ما يكون للإنسان من ماله الذي جمعه وحافظ عليه طوال عمره، وربما أصابه ما أصابه من العناء والشقاء والكد والكَبَد حتى حصل عليه وجمعه، ثم بعد ذلك نمَّاه وكثَّره، ومع هذا كله تأمل في قول الرسول ﷺ حيث قال: «يقول العبد: مالي، مالي، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى (٢)، وما سواه فهو ذاهب وتاركه للناس» (٣)،
стр. 17
فانظر الى ما معك أيه العبد المسلم من مالك الذي جمعته إلا هؤلاء الثلاث، ولم ينفعك عند الله تعالى في أخرتك إلا واحدة من الثلاث وهي الصدقة، فهي التي تبقى من مالك كله الذي جمعته طول حياتك بأصعب المشاق، وطول السباق، فلذلك لا يبخل الإنسان على نفسه من الإنفاق في وجوه الخير بفعل الصدقات الجاريات، فهذا هو ماله الحقيقي الذي ينتفع به في حياته وبعد موته.
فضل الصدقة:
ولما كان للصدقة عموما من فضل كبير ومرتبة عالية في الإسلام، فقد جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من الآيات والأحاديث التي يطول ذكرها التي تدل على فضلها، وعلى ما وعد الله به من العوض والبركة والخير الكثير المتنوع في الدنيا، مع ما يدخره الله تعالى للمتصدق والمنفق من الأجر الكبير والثواب الجزيل في الأخرة، نذكر شيئا من ذلك:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
قال ابن كثير: "أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب" (١)، وقال السعدي في تفسيره لهذه الآية: "نفقة واجبة، أو مستحبة، على قريب، أو جار، أو مسكين، أو
стр. 18
يتيم، أو غير ذلك، ﴿فَهُوَ﴾ تعالى ﴿يُخْلِفُهُ﴾ فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخَلَف للمنفق، الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فاطلبوا الرزق منه، واسعوا في الأسباب التي أمركم بها" (١)، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦١، ٢٦٢]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
قال ابن عباس: "أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه - وهو خبيثه - فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولهذا قال: ﴿ولا تيمموا﴾ أي: تقصدوا ﴿الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما
стр. 19
تكرهون". وقيل: معناه: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه" (١)، أكتفي بذكر هذه الآيات.
أما الأحاديث: فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، (٢) حتى تكون مثل الجبل» (٣)، وعنه أيضا، قال: قال رسول ﷺ : «ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا، ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه وفصيله، حتى إن اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم» (٤)، وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبع
стр. 20
مائة ناقة كلها مخطومة» (١)، وقال ﷺ : «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: .... ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢)، وقال ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٣)، وقال ﷺ : «قال الله ﵎: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك» (٤)، وقال ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا (٥)» (٦)، ودخل النبي ﷺ ، على بلال وعنده صبر من المال، فقال: «أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا (٧)» (٨)، وعن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ
стр. 21
قال: «والصدقة تطفأ الخطيئة كما يطفأ الماء النّار … » (١)، فكل هذه الآيات والأحاديث تبين فضل الصدقة عموما، فكيف لو كانت صدقة جارية مما يستمر أجرها و ثوابها في الحياة وبعد الممات.
الدليل الثاني:
عن أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أُجْرِيَ لَهُ أَجْرُهُ مَا عَمِلَ بِهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَجْرُهَا يَجْرِي لَهُ مَا جَرَتْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا، فَهُوَ يَدْعُو لَهُ» (٢).
التوضيح:
دل هذا الحديث على أربعة أعمال من الأعمال صالحات، التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، فشمل ما جاء في الدليل الأول الذي هو قوله ﷺ : «إذا
стр. 22
مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: … ،» وزيادة، وهي قوله ﷺ : «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ»، ولشموله على أغلب الأعمال التي يجري للعبد أجرها بعد الموت، جعلت لكل عمل منها مبحث خاص به في هذه الرسالة.
••••
стр. 23
المطلب الثاني
أنواع من الصدقة الجارية التي جاء ذكرها في الأحاديث
جاء ذكر عدد من أنواع من الصدقة الجارية في حديثين سوف نتناولهما في هذا المطلب
الحديث الأول:
عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وهُو فِي قَبْرِهِ:
مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلاً، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا،
أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» (١).
التوضيح:
قال المناوي: في شرحه لهذا الحديث: قوله ﷺ : «سبع» "أي: من الأعمال، «يجري للعبد» أي: المسلم، «أجرهن وهو في قبره بعد موته مَنْ علم علما أو أجرى نهراً أو حفر بئرا» للسبيل، «أو غرس نخلا» أي: لنحو تصدق بثمره، بوقف أو غيره، «أو بنى مسجدا» أي: محلا للصلاة، «أو ورث مصحفا» أي: خلف لوارثه من
стр. 24
بعده يعني ليُقرأ فيه، «أو كرى نهرا» من كريت النهر أكريه كريا إذا استحدثت حفره فهو مكرى، «أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» أي: يطلب له من الله مغفرة ذنوبه، ثم قال المناوي: قال البيهقي: "هذا الحديث لا يخالف الحديث الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» فقد قال فيه ﷺ : «إلا من صدقة جارية» وهي تجمع ما ذكر من الزيادة" (١) انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وسيأتي مزيدا من التوضيح عن الأعمال المذكورة في هذا الحديث بعد ذكر الحديث التالي.
الحديث الثاني:
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ:
عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ،
أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» (٢).
стр. 25
التوضيح:
قوله ﷺ : «علما علمه ونشره»، قال الهروي في شرحه لهذا الحديث: "هو أعم من التعليم، فإنه يشمل التأليف ووقف الكتب، وقوله ﷺ : «وولدا صالحا»، قال أي: مؤمنا، وقوله «تركه»: أي: خلفه أي بعد موته، وقوله ﷺ : «أو مصحفا ورثه»: أي: تركه للورثة ولو ملكا، وفي معناه: كتب العلوم الشرعية، فيكون له ثواب التسبب، وقوله ﷺ : «أو مسجدا بناه»، قال الهروي: وفي معناه مدرسة العلماء ورباط الصلحاء" (١) انتهى كلامه.
قال الطيبي: "الجمل المصدرة بـ (أو) من قسم الصدقة الجارية، و (أو) فيها للتنويع والتفصيل (٢)، قال المبارك فوري: "هذا الحديث كالتفصيل لحديث "انقطع عمله إلا من ثلاث" (٣) اهـ، ومن تأمل ما جاء من الأعمال المذكورة في هذين الحديثين في الجُمل المصدرة بـ (أو) هو لبيان التفصيل، والتنويع كما ذكر ذلك أهل العلم، وليس ذلك فحسب؛ بل ولبيان وذكر أفضل ما يكون فعله صدقة جارية أو وقفا؛ لأنه من تأمل هذه الأعمال التي ذُكرت في هذين الحديثين يجد أنها شملت على أهم مقومات الحياة، سواء الحياة الروحية والقلبية أو الحياة البدنية والجسدية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده؛ ولأهمية تلك الأعمال وعد الله
стр. 26
سبحاته وتعالى فاعلها بالأجور العظيمة والثواب الجزيل، في الدنيا والأخرة، ومجموع ما جاء ذكره من الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، في الحديثين السابقين معا، تسعة أعمال:
الأول: العلم النافع، الثاني: الصدقة الجارية، الثالث: الدعاء من الولد الصالح،
الرابع: غرس النخل
الخامس: توريث المصحف
السادس: بناء بيت لابن السبيل
السابع: اجرى النهر، الثامن: حفر البئر
التاسع: بناء المسجد.
وقد سبق أن ذكرت شيئا من الكلام عن الصدقة الجارية عموما، وأما تعليم العلم النافع، والدعاء من الولد الصالح، سوف نذكر ذلك في مواضعهما من هذه الرسالة.
أما باقي الأعمال الصالحة المذكورة هنا فسوف نتناولها في هذا المطلب مع ذكر شيء من التوضيح عنها.
стр. 27
العمل الأول
غرس النخل
فقوله ﷺ : «أَوْ غَرَسَ نَخْلاً»، دل هذا القول من النبي ﷺ على أن غرس النخل، من الأعمال الصالحة التي يجري للعبد أجرها بعد الممات؛ فبالغرس والزرع يحصل حياة للإنسان والحيوان والأرض؛ لما له من فوائد متنوعة في عدد من مجالات الحياة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، ولأهمية الغرس فقد ورد في الغرس والزرع أحاديث كثيرة تدل على فضل ذلك، وما يحصل من الأجر والثواب لمن غرس أو زرع شيئا مما يُأكل منه، أو ينتفع بشيء من ذلك الغرس أو الزرع، نذكر منها ما يلي:
عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها، فقال لها النبي ﷺ : «من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟» فقالت: بل مسلم، فقال: «لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا شيء، إلا كانت له صدقة» (١)، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل
стр. 28
السبُع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه (١) أحد إلا كان له صدقة» (٢)، وعنه أيضاً قال ﷺ : «فلا يغرس المسلم غرسا، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا طير، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» (٣)، وعن أنس ابن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (٤)، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (٥)، وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضا ميتة، فهي له، وما أكلت العافية (٦) منه، فهو له صدقة» (٧).
قال النووي: "في هذه الأحاديث فضيلة الغرس وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعل ذلك مستمر مادام الغراس والزرع، وما تولد منه إلى يوم القيامة، وقد اختلف العلماء في أطيب المكاسب وأفضلها، فقيل التجارة، وقيل الصنعة باليد، وقيل
стр. 29
الزراعة، وهو الصحيح … ، وفي هذه الأحاديث أيضا أن الثواب والأجر في الآخرة مختص بالمسلمين، وأن الإنسان يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر ونحوهما" (١).
قال العيني: "حصول الأجر للغارس والزارع، وإن لم يقصدا ذلك، حتى لو غرس وباعه، أو زرع وباعه، كان له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم، كما ورد الأجر للجالب، وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب، فإن قلت: في بعض طرق حديث جابر عند مسلم: إلا كانت له صدقة إلى يوم القيامة، فقوله: إلى يوم القيامة، هل يريد به أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة، وإن فني الزرع والغراس؟ أو يريد ما بقي من ذلك الزرع والغراس منتفعا به، وإن بقي إلى يوم القيامة؟ قلت: الظاهر أن المراد الثاني، وزاد النووي: أن ما يولد من الغراس والزرع كذلك، فقال فيه: إن أجر فاعل ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع وما يولد منه إلى يوم القيامة، وأن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم " (٢) انتهى.
قال القسطلاني: "ومقتضاه أن ثواب ذلك مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولا منه، ولو مات غارسه أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى غيره.
стр. 30
قال ابن العربي: فيه [أي حديث الغرس والزرع] سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة، كما كان يثيب ذلك في الحياة انتهى، ونقل الطيبي عن محيي السُنة أنه روى أن رجلا مر بأبي الدرداء، وهو يغرس جوزة فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير وهذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عاما، قال: ما عليّ أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيري.
قال: وذكر أبو الوفاء البغدادي أنه مر أنو شروان على رجل يغرس شجر الزيتون فقال له: ليس هذا أوان غرسك الزيتون، وهو شجر بطيء الإثمار، فأجابه غرس من قبلنا فأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنو شروان: زه أي أحسنت، وكان إذا قال زه يعطي من قيلت له أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك كيف تعجب من شجري وإبطاء ثمره فما أسرع ما أثمر. فقال: زه فزيد أربعة آلاف درهم أخرى، فقال: كل شجر يثمر في العام مرة وقد أثمرت شجرتي في ساعة مرتين، فقال: زه فزيد مثلها فمضى أنو شروان فقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا.
ثم إن حصول هذه الصدقة المذكورة يتناول حتى من غرسه لعياله أو لنفقته؛ لأن الإنسان يثاب على ما سرق منه، وإن لم ينو ثوابه، ولا يختص حصول ذلك بمن يباشر الغراس أو الزراعة بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصدقة حاصلة حتى فيما عجز عن جمعه، كالسنبل المعجوز عنه بالحصيدة فيأكل منه حيوان، فإنه مندرج تحت مدلول الحديث " (١) انتهى ما ذكره القسطلاني.
стр. 31
قال ابن عثيمين عند شرحه لأحاديث الغرس والزرع السابقة: " فيها حث على الزرع، وعلى الغرس، وأن الزرع والغرس فيه الخير الكثير، فيه مصلحة في الدين، ومصلحة في الدنيا.
أما مصلحة الدنيا: فما يحصل فيه من إنتاج، ومصلحة الغرس والزرع ليست كمصلحة الدراهم والنقود، لأن الزرع والغرس ينفع نفس الزارع والغارس، وينفع البلد كله، كل الناس ينتفعون منه، بشراء الثمر، وشراء الحب، والأكل منه، ويكون في هذا نمو للمجتمع وكثرة لخيراته، بخلاف الدراهم التي تودع في الصناديق ولا ينتفع بها أحد.
أما المنافع الدينية: فإنه إن أكل منه طير؛ عصفور، أو حمامه، أو دجاجة، أو غيرها ولو حبة واحدة، فإنه له صدقة، سواء شاء ذلك أو لم يشأ، حتى لو فرض أن الإنسان حين زرع أو حين غرس لم يكن بباله هذا الأمر، فإنه إذا أكل منه صار له صدقة، وأعجب من ذلك لو سرق منه سارق، كما لو جاء شخص مثلاً إلى نخل وسرق منه تمراً، فإن لصاحبه في ذلك أجراً، مع أنه لو علم بهذا السارق لرفعه إلى المحكمة، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له بهذه السرقة صدقة إلى يوم القيامة" (١) اهـ.
فيستفاد من هذه الأحاديث أن أي غرس يغرسه الإنسان، أو يزرعه من شتى أنواع الأشجار أو الزروع التي يكون للناس منها نفع وفائدة بأكل أو غيره، فإن
стр. 32
الأجر له حاصل لأن كلمتي غرس وزرع جاءتا نكرة فدلتا على عموم الغرس والزرع مما يأكل وينتفع منه الناس، وأما ما ذُكر في الحديث في قوله ﷺ : «أو غرس نخلاً» فخص ذكر النخل؛ إما لكثرة ما ينتفع ويستفاد منها سواء ثمرها أو ورقها أو عيدانها أو غير ذلك؛ أو ما يتعلق بكثرة فوائد ومنافع ثمرها عن غيرها، أو لكون النخيل هو المنتشر أكثر من غيره من الأشجار والزروع في مكة والمدينة؛ أو في جزيرة العرب عموما؛ أو لكونه أحب شيء من الزروع عند الناس في ذلك الوقت، أو لطول عمرها وبقائها، ولهذا فإن غرس وزرع ما يتعمر طويلا من الأشجار والزروع أفضل لكون الأكل منه والانتفاع به يستمر ويدوم أكثر مدة من غيره مما يتعمر زمن قصير، وعلى هذا فمن كان في بلد لم يصلح أن يغرس فيه النخيل؛ فليغرس غيرها مما يناسب ذلك البلد، ويصلح فيه، وله خِبرة ودراية في زراعة وغرس ذلك الزرع والغرس، فمثلا لو غرس زيتونا أو رمانا أو عنبا أو برتقالا أو مانجو، أو غير ذلك من الأشجار التي ينتفع الناس بثمرها أو بشيء منها مما يعود لهم به نفع وفائدة، بحيث توزع ثمرها، أو قيمة ما يبتاع منها على الفقراء والمساكين والمحتاجين، فإن الأجر جار لصاحبها الذي غرسها ما أنتفع الناس بها، أو إلى يوم القيامة والله أعلم.
стр. 33
فائدة:
الفرق بين الغرس والزرع:
الغرس: هو دفن وتثبيت جذور الفسيلة في التربة، فهو غرس لما نبت، وطلع من على وجه الأرض، ولهذا قال الرسول ﷺ : «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»، والفسيلة هي نخلة صغيرة قابلة للغرس، قال أبو عبيد عن الأصمعي في صغار النخل قال: "أول ما يقلع من صغار النخل للغرس فهو الفسيل والودي، ويجمع فسائل، وقد يقال للواحدة: فسيلة، ويجمع فسيلا" (١).
أما الزرع: فهو دفن أو رمي بذور النبات في التربة والعمل على ريه وإصلاحه حتى ينمو وينبت، ولهذا قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، قال ابن كثير في تفسيره: "أي: تنبتونه في الأرض ﴿أم نحن الزارعون﴾ أي: بل نحن الذين نقر قراره وننبته في الأرض" (٢).
стр. 34
العمل الثاني
توريث المصاحف
فقوله ﷺ : «أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا»، وقوله ﷺ : «وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ»، دل هذا القول كسابقه، من أن توريث المصاحف من الأعمال التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، والمصحف هو الكتاب المتضمن والمحتوي لكلام الله تعالى، ولعِظم شأنه رتّب الله الأجر والثواب حتى في شرائه وتوريثه فضلا، عن قراءته وتعليمه وتعلمه، والمقصود من توريثه أن يقرأ فيه الورثة أو غيرهم، لا لجعله زينة تتخذ أو لجعله تحفة للذكريات تكسى وتعلق، أو يهمل ويهجر ونحو ذلك، وشراءه والقراءة فيه وتوريثه لا يحصل إلا لمن عنده اهتمام بالقرآن، وحبا له، و حرصا على الخير؛ وإلا فمن تأمل في حياة الناس اليوم يجدهم ينفقون أموالا كثيرة في عدد من مجالات الحياة من مآكل ومشارب وملابس ومناكح ومراكب ومساكن وغيرها من متاع الدنيا، وربما يكون للإنسان من المراكب والمساكن ما يصل الى حد الإسراف، فتجد شخصا له أربع أو خمس من السيارات، وأخر له مثل ذلك من العمارات، وأخر قد تزوج بعدد كذا وكذا من النساء، يتزوج ثم يطلق وهكذا، وأخر أنفق كثيرا من أمواله في السياحة والرحلات، وغير ذلك من الأمور التفهات، التي ينفق الناس فيها أمولا كثيرة، كل هذا فيما إذا كان الإنسان في غنى عنه، ويكفيه ما هو دون ذلك، هذا الصنف الأول.
стр. 35
أما الصنف الثاني: وهم الذين يصرفون أموالهم في المعاصي والمحرمات، وفي شتى أنواع المنكرات مما يورثهم العذاب الأليم، والخسران الجسيم في الدنيا والأخرة، ومع هذا الإنفاق الكثير من الأموال التي تصرف في مثل هذه الأمور وغيرها، تجد منهم من قضى حياته ولم يجعل لنفسه من هذه الاموال الطائلة والاستثمارات المتعددة أدنى صدقة جارية لينتفع بها في حياته وبعد موته، فيموت ويَقدم على الله وهو كما يقال صفر اليدين - نعوذ بالله من ذلك - لم ينتفع بتلك الأموال والثروات، فقد ذهبت تلك اللذات وانتهت الشهوات، وكأنه لم يمتلك ذلك المال، ولذلك قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩] قال السعدي في تفسيره: " أي ما نفعني لا في الدنيا، لم أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه" (١)، ومن الناس من ترك هذا المال لورثة غير صالحين فلا يتصدقون بشيء منه له بعد موته، بل قد ربما لا يحصل له منهم حتى دعوة صالحة، وقد ربما يحصل منهم السب له - والعياذ بالله من ذلك-، والدعاء عليه؛ وخاصة إذا حصل اختلاف، وخصومة، وتنازع بين الورثة؛ بسبب تركة مورثهم، ومن الورثة من يتمنى موت صاحب المال قبل موته وحلول أجله، نعم قد يتمنى بعض الورثة موت مورثهم، خاصة إذا طال عمره، وهذا كله بسبب تلك الأموال التي جمعها وكدسها في حياته وحرص عليها؛ ولم يجعل منها في وجوه الخير ما ينفعه ويقربه الى الله تعالى، ولم ينفق بسخاء على من يعولهم، هذا
стр. 36
إذا لم يكن الورثة فساقا؛ أما إذا كانوا ورثة فساقا فينفقون ذلك المال في وجوه الحرام، فيجتمع عليه أمران، حسرته في عدم انتفاعه من ذلك المال والإنفاق منه في وجوه الخير؛ ليكون سببا في نجاته عند ملاقاة ربه جل وعلا هذا الامر الأول.
الثاني: كونه كان سببا في توفير المال لورثة فساقا يعصون الله به، ومع هذا كله فلن أبالغ أنه قد يوجد من الناس من يموت ممن لديه أموالا كثيرة، ولم يشتري أو يورث حتى مصحفا واحدا طول حياته، فضلا عن كتاب نافع و مفيد في العلوم الشرعية، ليكون صدقة جارية له بعد موته، مع كون المصحف أقل كلفة مما ذُكر في الحديث مقارنة مع غيره من وجوه الخير، وأعمال البر، فعلى المسلم أن يقف مع نفسه محاسبا لها، ماذا قدم لنفسه من ماله في حياته وقبل موته، من صدقة جارية أو وقف ينتفع به المسلمون من بعد موته لينال به عظيم الأجر، ووافر الثواب من الله الشكور الوهاب.
стр. 37
العمل الثالث
بناء بيت لابن السبيل
فقوله ﷺ : «أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاه»، قال الهروي: "أي المسافر والغريب" (١)، قال ابن قدامة: "وابن السبيل: هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده، وله اليسار في بلده" (٢)، وبناء بيت لابن السبيل لا يقوم به في هذا الزمان إلا من وفقه الله لذلك، مع أن هذا العمل من الأعمال الصالحة والصدقة الجارية التي يجري ويبقى للعبد أجرها وثوابها بعد الممات، ومع هذا فإن هذا العمل قد يكاد ينعدم أو منعدما عند الناس، وهذا إما بسبب جهل الناس بفضل وثواب هذا العمل الصالح، أو بسبب طغيان الحياة المادية عند الناس والسعي للحصول على المال، فاستبدلوا بناء الفنادق الكبيرة ببناء البيوت للغرباء وابن السبيل؛ ليأخذوا ممن نزل في تلك الفنادق المبالغ الباهظة، فأصبحت استثمارات ذات أهمية بالغة، وبهذا الفعل ترك الناس الاهتمام بابن السبيل والمسافر والغريب، وكأنه لا يوجد بين المسلمين ابن سبيل ولا مسافر ولا غريب ولا محتاج، وإن وجد ذلك فلا بد أن يكون معه مال ليجد له مكانا يأويه ويبيت فيه، وأما من ليس له مال فلا يجد مكانا يأويه وإن كان هو بين إخوانه المسلمين، مع أن ابن السبيل المستحق شرعا
стр. 38
قد أوجب الله له من الزكاة المفروضة حتى وإن كان غنيا حتى يرجع الى بلده؛ ولما كان الاهتمام في الإسلام بابن السبيل بهذه الأهمية، جُعل بناء بيتا له من الصدقات الجاريات والأعمال الصالحات التي يجري للعبد أجرها بعد الموت، وعليه فإن من بنى بيتا وجعله وقفا أو صدقة جارية لابن السبيل والمسافر والغريب يأوي إليه فيقيه من الحر و البرد و يلجأ إليه وقت المطر، ويستريح فيه من سفره وتعبه وسهره، فهذا لاشك أن له أجرا عظيما، وثوابا كبيرا عند الله تعالى.
فمن جعل مأوىً لابن السبيل في هذه الدنيا، سيجعل الله له مأوى في الدنيا والأخرة يأوي إليه في وقت هو أشد حاجة إليه من حاجة ابن السبيل للمأوى في بيت من بيوت الدنيا، وقد جاء في الحديث عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس، أو قال: حتى يحكم بين الناس، قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق منه بشيء، ولو كعكة ولو بصلة» (١).
فيكون الجزاء من جنس العمل، والحسنة بعشر أمثالها، وكلمة بيت في الحديث نكرة تشمل أي بيت سواء كبيرا أو صغيرا، كلا على حسب قدرته واستطاعته، ومن بنا بيتا لابن السبيل فيتطلب منه أن يجعل عليه من يقوم بالمحافظة عليه،
стр. 39
وإصلاح ما قد يحتاج الى إصلاحه، وإن كان في مكان لا يوجد فيها أسواق ولا مطاعم يباع فيها ما يحتاجه المسافر أو الغريب من طعام وشراب، فإن من كمال إحسانه أن يجعل له وقفا لكي يأكل ويشرب من يأوي إليه، فيجتمع له أجر المأوى، وأجر الإطعام فينال واسع الأجر وعظيم الثواب من العزيز الوهاب، والله أعلم.
•••
стр. 40
العمل الرابع
حفر بئر، أو إجراء نهر
فقوله ﷺ : «أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا»، وقوله ﷺ : «أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ»: قال الهروي: "جعله جاريا لينتفع به الخلق" (١)، أي للسبيل ليشرب منه الخلق وينتفعوا به، ولاشك أن الماء من أعظم النعم التي منّ الله بها على عباده، فكانت حاجة الناس إليها شديدة وماسة ولا غنى لهم عنها، ولذلك أخبر النبي ﷺ على أنها من الصدقات الجاريات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها وهو في قبره وبعد موته سنين عديده وأحقاب مديدة؛ وقد وردت عدة من الأحاديث التي ترغب وتحث وتبيّن فضل صدقة الماء وسقيه، وأنها من أفضل الصدقات، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش (٢)، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى