← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1040

الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات

أحمد بن محمد الحجاجي

Полный текст (173 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إذا لم يكن الورثة فساقا؛ أما إذا كانوا ورثة فساقا فينفقون ذلك المال في وجوه الحرام، فيجتمع عليه أمران، حسرته في عدم انتفاعه من ذلك المال والإنفاق منه في وجوه الخير؛ ليكون سببا في نجاته عند ملاقاة ربه جل وعلا هذا الامر الأول. الثاني: كونه كان سببا في توفير المال لورثة فساقا يعصون الله به، ومع هذا كله فلن أبالغ أنه قد يوجد من الناس من يموت ممن لديه أموالا كثيرة، ولم يشتري أو يورث حتى مصحفا واحدا طول حياته، فضلا عن كتاب نافع و مفيد في العلوم الشرعية، ليكون صدقة جارية له بعد موته، مع كون المصحف أقل كلفة مما ذُكر في الحديث مقارنة مع غيره من وجوه الخير، وأعمال البر، فعلى المسلم أن يقف مع نفسه محاسبا لها، ماذا قدم لنفسه من ماله في حياته وقبل موته، من صدقة جارية أو وقف ينتفع به المسلمون من بعد موته لينال به عظيم الأجر، ووافر الثواب من الله الشكور الوهاب.

стр. 37

العمل الثالث بناء بيت لابن السبيل فقوله ﷺ : «أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاه»، قال الهروي: "أي المسافر والغريب" (١)، قال ابن قدامة: "وابن السبيل: هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده، وله اليسار في بلده" (٢)، وبناء بيت لابن السبيل لا يقوم به في هذا الزمان إلا من وفقه الله لذلك، مع أن هذا العمل من الأعمال الصالحة والصدقة الجارية التي يجري ويبقى للعبد أجرها وثوابها بعد الممات، ومع هذا فإن هذا العمل قد يكاد ينعدم أو منعدما عند الناس، وهذا إما بسبب جهل الناس بفضل وثواب هذا العمل الصالح، أو بسبب طغيان الحياة المادية عند الناس والسعي للحصول على المال، فاستبدلوا بناء الفنادق الكبيرة ببناء البيوت للغرباء وابن السبيل؛ ليأخذوا ممن نزل في تلك الفنادق المبالغ الباهظة، فأصبحت استثمارات ذات أهمية بالغة، وبهذا الفعل ترك الناس الاهتمام بابن السبيل والمسافر والغريب، وكأنه لا يوجد بين المسلمين ابن سبيل ولا مسافر ولا غريب ولا محتاج، وإن وجد ذلك فلا بد أن يكون معه مال ليجد له مكانا يأويه ويبيت فيه، وأما من ليس له مال فلا يجد مكانا يأويه وإن كان هو بين إخوانه المسلمين، مع أن ابن السبيل المستحق شرعا

стр. 38

قد أوجب الله له من الزكاة المفروضة حتى وإن كان غنيا حتى يرجع الى بلده؛ ولما كان الاهتمام في الإسلام بابن السبيل بهذه الأهمية، جُعل بناء بيتا له من الصدقات الجاريات والأعمال الصالحات التي يجري للعبد أجرها بعد الموت، وعليه فإن من بنى بيتا وجعله وقفا أو صدقة جارية لابن السبيل والمسافر والغريب يأوي إليه فيقيه من الحر و البرد و يلجأ إليه وقت المطر، ويستريح فيه من سفره وتعبه وسهره، فهذا لاشك أن له أجرا عظيما، وثوابا كبيرا عند الله تعالى. فمن جعل مأوىً لابن السبيل في هذه الدنيا، سيجعل الله له مأوى في الدنيا والأخرة يأوي إليه في وقت هو أشد حاجة إليه من حاجة ابن السبيل للمأوى في بيت من بيوت الدنيا، وقد جاء في الحديث عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس، أو قال: حتى يحكم بين الناس، قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق منه بشيء، ولو كعكة ولو بصلة» (١). فيكون الجزاء من جنس العمل، والحسنة بعشر أمثالها، وكلمة بيت في الحديث نكرة تشمل أي بيت سواء كبيرا أو صغيرا، كلا على حسب قدرته واستطاعته، ومن بنا بيتا لابن السبيل فيتطلب منه أن يجعل عليه من يقوم بالمحافظة عليه،

стр. 39

وإصلاح ما قد يحتاج الى إصلاحه، وإن كان في مكان لا يوجد فيها أسواق ولا مطاعم يباع فيها ما يحتاجه المسافر أو الغريب من طعام وشراب، فإن من كمال إحسانه أن يجعل له وقفا لكي يأكل ويشرب من يأوي إليه، فيجتمع له أجر المأوى، وأجر الإطعام فينال واسع الأجر وعظيم الثواب من العزيز الوهاب، والله أعلم. •••

стр. 40

العمل الرابع حفر بئر، أو إجراء نهر فقوله ﷺ : «أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا»، وقوله ﷺ : «أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ»: قال الهروي: "جعله جاريا لينتفع به الخلق" (١)، أي للسبيل ليشرب منه الخلق وينتفعوا به، ولاشك أن الماء من أعظم النعم التي منّ الله بها على عباده، فكانت حاجة الناس إليها شديدة وماسة ولا غنى لهم عنها، ولذلك أخبر النبي ﷺ على أنها من الصدقات الجاريات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها وهو في قبره وبعد موته سنين عديده وأحقاب مديدة؛ وقد وردت عدة من الأحاديث التي ترغب وتحث وتبيّن فضل صدقة الماء وسقيه، وأنها من أفضل الصدقات، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش (٢)، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى

стр. 41

الكلب، فشكر الله له، فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» (١). فقوله ﷺ : «وإن لنا في البهائم» قال ابن حجر: "أي في سقي البهائم أو الإحسان إلى البهائم أجرا، وقوله ﷺ : «في كل كبد رطبة أجر» أي كل كبد حية والمراد رطوبة الحياة أو لأن الرطوبة لازمة للحياة فهو كناية ومعنى الظرفية هنا أن يقدر محذوف أي الأجر ثابت في إرواء كل كبد حية والكبد يذكر ويؤنث … ، قال الداودي المعنى في كل كبد حي أجر وهو عام في جميع الحيوان" (٢). قال العيني: "في الحديث الحث على الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب، فسقي بني آدم أعظم أجرا، وفيه: أن سقي الماء من أعظم القربات، وقال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، فإذا غفرت ذنوب الذي سقى كلبا فما ظنكم بمن سقى مؤمنا موحدا وأحياه بذلك؟ " (٣)، وعن سعد بن عبادة، أنه قال: يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟، قال: «الماء» وفي رواية: [«سَقْيُ الْمَاءِ»]، قال: فحفر بئرا، وقال: هذه لأم

стр. 42

سعد» (١)، وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: «من حفر ماء لم يشرب منه كبد حَرَّى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة» (٢)، والكبد الحرَّى أي: العطشى، والمراد بالكبد الحرَّى أي حياة صاحبها، والحديث يدل على أن في سقي كل ذي روح أجر (٣). فخُصت الماء بأفضل الصدقة؛ لما لها من فوائد عظيمة، ومنافع جمة وأهمية بالغة، في حياة الإنسان والحيوان والنبات، ولا يصلح شيء أن يقوم مقامها، فقد تكون حاجة الناس للماء أعظم من حاجتهم الى الطعام، ولذا قد يصبر الشخص على الجوع أكثر من العطش، ولَما كانت الماء من أفضل النعم التي أنعم الله بها على الخلق كرر الله تعالى بيان فضله ورحمته بإنعامه علينا بهذه النعمة في مواطن كثيرة من القرآن، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا

стр. 43

وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨، ٤٩]، وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. فمن أعظم منافعها أنها سبب لحياة الانسان والحيوان والنبات وغير ذلك مما لا غنى له عن الماء، ومن أهميتها للإنسان بعد استخدامها لشربه وطعامه، انتفاعه بها في عبادته لربه ، فإقامة الصلاة تحتاج إلى الطهارة بالماء، سواء في الغسل أو الوضوء ويحتاجها الأنسان في غسل الميت، وغير ذلك من العبادات التي يحتاج فيها المسلم إلى الماء، ولما كانت لها هذه الأهمية في الحياة فقد رتب الله تعالى لمن جعل منها صدقة جارية لينتفع به الخلق والعباد، عظيم الأجر والثواب، وليتذكر الأنسان أن من شرب أو انتفع بهذه الماء التي يجعلها صدقة جارية من انسان أو حيوان أو طير أو غير ذلك، إلا كان له به أجرا وثوابا، وإذا كان الله قد غفر لذلك الرجل، أو تلك البغي (١) وأدخلها الجنة بسبب سقي كلب واحد، فكيف بمن يكون سببا في سقيا خلق كثير من عباد الله المسلمين، فمن له القدرة على أن يجعل لنفسه صدقة جارية من الماء فليبادر إلى ذلك، - خصوصا وقد اطلع على شيء من بيان فضل وثواب هذا العمل الصالح-، مع اخلاص النية واحتساب الأجر والثواب من العزيز الوهاب، والله اعلم.

стр. 44

العمل الخامس بناء المساجد فقوله ﷺ : «أَوْ بَنَى مَسْجِدًا»، وقوله ﷺ : «أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ»، فبناء المساجد من أفضل القربات، ومن أعظم الصدقات الجاريات كيف لا؟ والمساجد بيوت الله تعالى وهي أحب البقاع الى الله تعالى، وفيها تؤدى الصلوات والعبادات، وفيها اجتماع المسلمين وتعارفهم وتآلفهم ووعظهم وتعليمهم أمور دينهم، ومن المسجد يخرج العلماء والدعاة الى الله تعالى والفقهاء والصالحون من الناس، والمسجد هو منبر الإسلام المنيع، ومنارته الشامخة، ولأهمية المسجد ومكانته في الإسلام، كان من أوائل الأعمال التي قام بها النبي ﷺ ، فور وصوله المدينة عند هجرته من مكة، ولسنا في صدد ذكر فوائد المساجد وأهميتها، يكفي أن الله أعلا شأنها ورفع مكانتها في كتابه، وجعلها محلا لذكره، وتسبيحه، حيث قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]، وقد وصف سبحانه من عمرها بالأيمان بالله واليوم الأخر، بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، قال السعدي في تفسيره: "فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية الله التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عمار المساجد

стр. 45

على الحقيقة وأهلها الذين هم أهلها" (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وتوعد الله من منع الصلاة فيها، ومن يسعى في خرابها الحسي أو المعنوي بالخزي في الدنيا، والعذاب العظيم في الأخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، ولما كان المسجد بهذه الأهمية بمكان، فإن الله قد وعد من بنا مسجدا لله؛ إلّا بنى الله له بيتا في الجنة، جزاء لما صنع، ففي صحيح مسلم عن عثمان ابن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ» وفي رواية «بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (٢)، وليس البيت في الجنة مثل المسجد الذي يُبنى في الدنيا من أحجار أو طوب أو غير ذلك، مما تبنى به المساجد أو بيوت الدنيا، لا من حيث البناء، ولا السعة، ولا المكان، ولا يماثله من أي وجه من الوجوه، إنما مثله في مسمى البيت فقط؛ ليكون الجزاء من جنس العمل؛ لأن بناء الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك، وبيوت الدنيا ومساجدها يعتريها الخراب والدمار والزوال؛ أما في الجنة فلا يحصل شيء من ذلك فهو في نعيم مقيم وملك خالد؛ بل إن في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وموضع السوط فيها خير من

стр. 46

الدنيا وما عليها، فكيف سيكون مثله؟؟؛ ولذلك قال الشوكاني في نيل الأوطار: "وقد اختلف في معنى المماثلة، فقال ابن العربي: مثله في القدر والمساحة، ويرده زيادة: «بيتا أوسع منه» (١) عند أحمد والطبراني من حديث ابن عمر، وروى أحمد أيضا من طريق واثلة بن الأسقع بلفظ: «أفضل منه» وقيل مثله في الجودة والحصانة، وطول البقاء، ويرده أن بناء الجنة لا يخرب بخلاف بناء المساجد، فلا مماثلة، قال صاحب المفهم: هذه المثلية ليست على ظاهرها، وإنما يعني أن يبنى له بثوابه بيتا أشرف وأعظم وأرفع، وقال النووي: يحتمل أن يكون مثله معناه بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويحتمل أن يكون معناه، أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا" (٢) انتهى. قال الحافظ ابن حجر: "أي بنى بناء مثله، ولفظ المثل له استعمالان: أحدهما الإفراد مطلقا: كقوله تعالى: ﴿فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا﴾، والآخر المطابقة: كقوله تعالى: ﴿أمم أمثالكم﴾ فعلى الأول: لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة فيحصل جواب من استشكل التقييد بقوله: «مثله» مع أن الحسنة بعشرة أمثالها لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله، والأصل أن ثواب

стр. 47

الحسنة الواحدة واحدة بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم الفضل … ، وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة عليه، ومن الأجوبة المرضية أيضا: أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة، أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره مع قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة؛ إذ موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها، كما ثبت في الصحيح" (١). قال المناوي: "وهذا من أعظم أنواع الإعظام، والإكرام لإيذانه بأنه مقره ومسكنه قد أُعد له وهُيئ وبني، وأنه عند الله بمكان جليل يبنى له بدار القرار بجوار الغفار" (٢).

стр. 48

فائدة: قال الحافظ ابن حجر في قوله ﷺ : «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة» قال: " فيه إشارة إلى دخول فاعل ذلك الجنة إذ المقصود بالبناء له أن يسكنه وهو لا يسكنه إلا بعد الدخول والله أعلم" (١). فمن بنا لله مسجد سواء كان المسجد الذي يُبنى صغيرا أو كبيرا، فإن الله قد وعد الباني ببيت في الجنة، فلا يظن العبد أن الله لا يعطيه ما وعد من الجزاء والأجر إلا إذا كان مسجدا واسعا وبناء كبيرا؛ فيتكاسل عن العمل ويترك البناء، بل يبادر فإن الأجر حاصل وواقع، سواء كان المسجد صغيرا أو كبيرا، فإن الله لا يضيع أجره وثوابه، ولذلك جاءت الأحاديث تدل وتحث على ذلك، حتى لا يحصل عدم مبادرة في فعل الخير من بناء المساجد لله سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجداً ولو مثل مَفْحَصِ قَطَاةٍ بنى الله له بيتاً في الجنة» (٢)، فقوله ﷺ : «مثل مفحص قطاة» المفحص: هو المكان الذي تضع فيه القطاة بيضها [أي كعش الطائر]،

стр. 49

والقطاة طائر معروف، وللعلماء قولان في المقصود من هذه العبارة الأول: حمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه … ، والثاني: هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، وهذا كله بناء … ، (١)، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال ابن رجب إنما هذا لضرب المثل مع أَنه لا يكون المسجد كذلك (٢)، قال الزركشي: خص القطاة بالذكر دون غيرها لأن العرب تضرب به المثل في الصدق ففيه رمز إلى المحافظة على الإخلاص في بنائه والصدق في إنشائه" (٣). فكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على الحث والترغيب والمسارعة والمنافسة في بناء المساجد، واغتنام هذا الخير العظيم والفضل الكبير، وللإنسان أن يتذكر كذلك ما يستمر له من الأجر والثواب في بنائه لمسجد من المساجد بعد موته، أنه ما صلى فيه مصل أو قرأ قارئ أو أذن مؤذن أو خطب خطيب أو وعظ واعظ أو غير ذلك، إلا كان له في ذلك من الأجور العظيمة ما الله به عليم، والله يضاعف لمن يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 50

تنبيه: إن من تمام الفائدة المتصلة ببناء المساجد أن أنبه القارئ الكريم على أمور ثلاثة أحدثها الناس في بنا ء المساجد وهي: الأمر الأول: بناء قبة، أو عدد من القباب على سطوح المساجد، وهذا العمل فيه عدة أمور: الأول: فيه تكلفة وزيادة المبلغ المالي على الباني أو فاعل الخير المتصدق في ذلك العمل، في ما ليس به حاجة لفعله فيترك. الثاني: أن عمل القبة أو القباب على سطح المسجد يعوق توسعته إن احتاج لذلك ببناء الدور الثاني عليه. الأمر الثاني: بناء المآذن الطويلة، وهذا فيه ما فيه من التكلفة الباهظة التي قد ربما يُستغنى عنها بما هو أقل من ذلك، ومن عنده مال كثير وفتح الله عليه فليبني مسجدا أخر ولو صغيرا بتكلفة بناء الصوامع الشاهقة وهذا أفضل، والعجيب في ذلك أنك أحيانا تجد مسجدا صغيرا وقد جعل له مئذنة بما يقارب نصف تكلفة بناء المسجد نفسه. الأمر الثالث: عمل الزخارف والنقوش التي تصنع داخل المساجد وهذه منهي عنها لما فيها من شغل المصلين برفع ابصارهم اليها، والتأمل فيها وقراءتها، فتشغل المصلي عن الخشوع في الصلاة وهذا لا يجوز.

стр. 51

جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد ﵁ أنه قال: «كان سقف المسجد من جريد النخل»، وأمر عمر ببناء المسجد وقال: «أَكِنَّ الناس من المطر وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ (١) فَتَفْتِنَ النَّاسَ»، قال أنس: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا» وقال ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» (٢)، وجاء عند أبي داوود من حديث أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (٣)، وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (٤). قال العلامة ابن الأمير الصنعاني: "والتشييد رفع البناء وتزيينه بالشيد وهو الجص كذا في الشرح والذي في القاموس: شاد الحائط يشيده طلاه بالشيد وهو ما يطلى

стр. 52

به الحائط من جص ونحوه، انتهى؛ فلم يجعل رفع البناء من مسماه، والحديث ظاهر في الكراهة أو التحريم لقول ابن عباس: كما زخرفت اليهود والنصارى، فإن التشبه بهم محرم، وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس من الحر والبرد، وتزيينها يشغل القلوب عن الخشوع الذي هو روح جسم العبادة، والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل" (١). أهمية المبادرة إلى فعل الصدقة الجارية، وفعل الخير إن على العبد الحريص على فعل الخير، وعمل الصدقة الجارية المبادرة إلى فعلها في حال صحته وعافيته وتمكنه من ذلك وهذا هو الأفضل له؛ لعدة أمور: الأول: استجابة لأمر الله حيث يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 53

الثاني: العمل بما أرشدنا إليه رسول الله ﷺ ، وحثنا عليه، من اغتنام كل الأوقات واللحظات، بفعل القربات والطاعات، والمبادرة الى الأعمال الصالحات قبل الفوات، حيث قال ﷺ : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (١)، وقال ﷺ : «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٢). الثالث: عملا بما ورد في الحديث المذكور سابقا، من قوله ﷺ : «أو صدقة أخرجها من ماله في صحته، وحياته» (٣)، قال السندي: "أي أخرجها في زمان كمال حاله، ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكنه من الانتفاع به، وفيه ترغيب إلى ذلك" (٤)، وهذا الأمر مستفاد من الحديث الذي ذكرت فيه أنواع أعمال الصدقة الجارية مبينا فيه وقت فعلها. الرابع: لكونها أعظم أجرا، وثوابا عند الله تعالى بدليل ما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أي

стр. 54

الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان» (١)، فمعنى قوله ﷺ : «صحيح» ليس فيك مرض أو علة تقطع أملك في الحياة، وقوله ﷺ : «شحيح» أي: من شأنك الشح وهو البخل مع الحرص، «تخشى الفقر»: تخافه وتحسب له حسابا، «تأمل»: تطمع وترجو، وقوله: «ولا تمهل» لا تؤخر وقوله ﷺ : «بلغت الحلقوم» أي: قاربت الروح الحلق والمراد شعرت بقرب الموت، «قلت لفلان كذا»: أخذت توصي وتتصدق، «وقد كان لفلان»: وقد أصبح مالك ملكا لغيرك وهم ورثتك" (٢). الخامس: جريان الأجر والثواب من بدء انتفاع الناس بالصدقة الجارية، وبهذا يحصل العبد على أجور كثيرة عاجلة قبل الآجلة. السادس: الحصول على البركة والعوض والخلف والزيادة من الله تعالى في المال المنفق منه، ولهذا أدلة كثيرة من القرآن والسنة تدل على ذلك منها ما سبق ذكره. السابع: قد يحصل للإنسان تباطء وتأخير وتسويف في فعل الصدقة الجارية فيفوته ذلك الخير؛ لأن الشيطان حريص على أن يفسد على العبد المؤمن أي عمل صالح أو طاعة لله تعالى يحصل له منها غفران لذنوبه ورفع لدرجاته ومرضاة ربه.

стр. 55

الثامن: قد يحصل للإنسان ما يحصل من أمور الحياة العارضة، والأشغال المتواصلة، والظروف الطارئة، التي تكون سببا في تأخر الخير وحصوله. التاسع: ليكون فاعل الصدقة الجارية أو الواقف لهذا الخير، هو من يشرف على هذا العمل الخيري والصدقة الجارية التي عزم على فعلها بنفسه؛ ليتحقق، ويتأكد، من ذلك العمل في عدة جوانب من اتقانه وإحِكامه؛ ليدوم ويستمر نفعه طويلا، لكي يستمر الأجر والثواب، وغالبا ما يحصل هذا إلا بوجود من يهتم، ويتابع. العاشر: وهو الأمر الأهم بأن الإنسان يبادر في فعل الخير قبل أن يبغته الموت ويأتيه الأجل، وهو لم يعمل شيئا من ذلك الخير، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠، ١١]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]، والأدلة على هذا كثيرة معلومة. فالمبادرة والمسارعة إلى فعل الصدقة الجارية، وأعمال لخير، هو من اغتمام الفرص التي قد ربما لا تُعوض، فيندم الإنسان على فواتها منه، ولم ينفعه ذلك الندم، والله المستعان.

стр. 56

تنبيه هام: لابد من توفر شرطين أساسيين في كل ما ينوي به المسلم من وقف، أو صدقة جارية مما ينتفع الناس به؛ لكي يحصل له الأجر والثواب كاملاً تاماً، ويكون هذا العمل مقبولا عند الله تعالى، وهما: الشرط الأول: أن يكون هذا العمل خالصا لله تعالى وحده لا شريك له، فلا ينوي به صاحبه رياء ولا سُمعة ولا شهرة ولا لأجل أن يقال فلان عمل كذا أو صنع كذا؛ بل يجعل ما عمل من وقف، أو صدقة جارية، أو غير ذلك من الأعمال الصالحة، خالصا لله تعالى لا يرجو من أحد جزاء ولا شكورا على ذلك العمل، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، والأدلة على ذلك كثيرة جدا. فالإخلاص لله شرط قبول كل العبادات والطاعات، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لأمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»» (١)، وعن

стр. 57

أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» (١)، وعن أبي أمامة الباهلي، قال قال: رسول الله ﷺ : «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه» (٢)، وعن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» (٣)، وعن جندب وابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ (٤)» (٥).

стр. 58

فهذه بعض من الأدلة التي تدل على إخلاص العمل لله تعالى وعدم الشرك به جل وعلا، ولذلك قال ابن الجوزي فيما يتعلق ببناء المساجد: "من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدا من الإخلاص" (١)، وقال ابن رجب الحنبلي: "فالإخلاص شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال؛ فإن الأعمال بالنيات، وإنما لامرىٍ ما نوى، وبناء المساجد من جملة الأعمال، فإن كان الباعث على عمله ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإن كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة فصاحبه متعرض لمقت الله وعقابه، كسائر من عمل شيئا من إعمال البر" (٢) اهـ، فعلى المسلم أن يحرص على تحقيق هذا الشرط في قرارة نفسه وقلبه، قبل البدء في كل عمل صالح يعمله؛ ليكون مقبولا عند الله تعالى، وينال به الأجر والثواب. الشرط الثاني: أن يكون الوقف أو الصدقة الجارية من مال حلال طيب غير مغصوب، ولا مسروق، ولا منهوب، ولا يخالطه مال حرام، من ربا أو يكون فيه شبهة، أو شيء من نحو ذلك؛ بل يكون من حلال صافي لا تشوبه شائبة، فالصدقة الجارية هي عبادة لله ، والله جل وعلا طيب لا يقبل إلا طيبا؛ ولذلك خُصت الصدقة بالطيب، فعن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه،

стр. 59

وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله» (١)، وعنه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» (٢). قال النووي: "دل الحديث على الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره" (٣)، وقال القاري: «إن الله طيب»: أي: منزه عن النقائص والعيوب، ومتصف بالكمالات من النعوت «لا يقبل» أي: من الصدقات ونحوها من الأعمال «إلا طيبا»: أي: منزها عن العيوب الشرعية والأغراض الفاسدة في النية، قال القاضي: الطيب ضد الخبيث … ، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالا من خيار الأموال، ومعنى الحديث أنه تعالى منزه عن العيوب، فلا يقبل، ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال، كما قال تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] " (٤)، أما من عمل صدقة جارية أو أوقف وقفا من مال حرام، فهذا حاله كمن جمع مالا محرما ثم ذهب ليحج، ولهذا قيل فيه:

стр. 60

إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجت العير (١) والحج عبادة وفعل الصدقة الجارية بجميع أنواعها مما ذكرنا أو لم نذكر عبادة لله تعالى؛ فلا يكون في العبادات إلا المال الحلال الطيب، وأما المال الحرام فلا يجوز أخذه فضلا عن التصدق به والإنفاق منه. ولذلك قال شاعر يهجو رجلا بنى مسجدا من مال غير طيب: سمعتك تبني مسجدا من خيانة ** وأنت بحمد الله غير موفق كمطعمة الأيتام من كد فرجها ** لك الويل لا تزني ولا تتصدقي (٢) ولهذا فلابد على الإنسان أن يتحرى في ما يجعله لله من المال، بأن يكون من الحلال الطيب؛ لكي يقبله الله تعالى عنده، ويعطي عليه الأجر والثواب.

стр. 61

المطلب الثالث صور ونماذج من فعل الصحابة ﵃ للصدقة الجارية لما عرف الصحابة ﵃ ما يترتب على الصدقة الجارية، من الأجور العظيمة والفضائل الكثيرة أسرعوا إليها، فضربوا بذلك أروع الأمثلة، وأفضل النماذج والصور في تسابقهم لفعل الصدقات الجاريات، ووقف الممتلكات، من أفضل الأموال والمدخرات، نذكر شيئا من ذلك: الصورة الأولى: ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄، قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه»، وفي لفظ: «غير متأثل مالا (١)» (٢).

стр. 62

قال النووي: "هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف وأنه مخالف لشوائب الجاهلية، وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير ويدل عليه أيضا إجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايات، وفيه أن الوقف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، إنما يتبع فيه شرط الواقف، وفيه صحة شروط الواقف، وفيه فضيلة الوقف، وهي الصدقة الجارية، وفيه فضيلة الإنفاق مما يحب، وفيه فضيلة ظاهرة لعمر ﵁، وفيه مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير" (١) انتهى. قال الصنعاني: "كان أول وقف في الإسلام وقف عمر ﵁" (٢). قال البسام في شرحه لهذا الحديث: أصاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه أرضا بخيبر، قدرها مائة سهم، هي أغلى أمواله عنده، لطيبها وجودتها كانوا- رضى الله عنهم- يتسابقون إلى الباقيات الصالحات، فجاء ﵁ إلى النبي ﷺ طمعاً في البر المذكور في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالوا البِرً حَتًى تُنْفِقُوا مِمًا تُحِبونَ﴾ يستشيره في صفة الصدقة بها لوجه الله تعالى، لثقته بكمال نصحه، فأشار عليه بأحسن طرق

стр. 63

الصدقات، وذلك بأن يحبس أصلها ويقفه فلا يتصرف به ببيع، أو إهداء، أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرفات، التي من شأنها أن تنقل الملك، أو تكون سببا في نقله، ويتصدق بها في الفقراء والمساكين، وفى الأقارب والأرحام، وأن يَفُكً منها الرقاب بالعتق من الرق، أو بتسليم الديات عن المستوجبين، وأن يساعد بها المجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، وأن يطعم المسافر الذي انقطعت به نفقته في غير بلده، ويطعم منها الضيف أيضا، فإكرام الضيف من الإيمان بالله تعالى، بما أنها في حاجة إلى من يقوم عليها ويتعاهدها بالري والإصلاح، فقد رفع الحرج والإثم عمن وليها أن يأكل منها بالمعروف، فيأكل ما يحتاجه، ويطعم منها صديقا غير متخذ منها مالا زائدا عن حاجته، فهي لم تجعل إلا للإنفاق في طرق الخير والإحسان، لا للتمول والثراء، يؤخذ من الحديث أن الشروط في الوقف لابد أن تكون صحيحة على مقتضى الشرع؛ فلا تكون مما يخالف مقتضى الوقف من البر والإحسان، ومن العدل والبعد عن الجور والجنف والظلم" (١) انتهى.

стр. 64

الصورة الثانية: ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالوا البِرً حَتًى تُنْفِقُوا مِمًا تُحِبونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالوا البِرً حَتًى تُنْفِقُوا مِمًا تُحِبونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، وقيل «مال رايح» (١) بدل (رابح) (٢). فانظر يا رحمك الله الى هذا الفعل العظيم من أبي طلحة وهو أن جعل أحب أمواله إليه صدقة لله تعالى، ثم ذهب يقسم ذلك المال النفيس بنفسه بين أقاربه وبني

стр. 65

عمه، بعد ما أشار إليه النبي ﷺ بذلك؛ ومن تأمل هذا الفعل يجده ثقيل على النفس من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الصدقة بأحب أمواله إليه، فقد يتصدق المتصدق منا لكن ليس من أغلا وأحب ما عنده من المال، وإن تصدق بذلك فقد ربما لا يتحمل أو لا يطيق أن يرى ذلك المال ينفق بين يديه ويعطى يمين وشمال للأخرين؛ لأنه لو نظر الى ذلك فقد ربما يمسك عن البذل والعطاء وهذا الوجه الثاني. الوجه الثالث: أن أبا طلحة جعله في أقاربه وبني عمه، وهذا قد ربما يصعب على كثير من الناس أن يجعل تلك الاموال في أقاربه وبني عمومته لما قد يحصل بينهم من مشاحنات واختلافات، ولذلك يذهب ليتصدق على أناس أخرين و إن كانوا أحسن حال من أقاربه وبني عمه، ولسان حاله يقول هؤلاء لا يستحقون صدقة، ولكن انظر إلى فعل أبي طلحة فقد ذهب بنفسه وقسم ذلك المال ونفسه راضية بما أشار عليه النبي ﷺ ولم يتردد أو يراجع النبي ﷺ بل قال أفعل يا رسول الله، ولسان حاله كما أخبر: " أرجو برها وذخرها عند الله " فهذا أبو طلحة الأنصاري وهذا سباقه الى الخير، وكذلك عمر ابن الخطاب كما مر معنا في الصورة الأولى تصدق بأنفس ماله وأفضله ولذلك قال ﵁: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر، فانظر الى هذه المواقف العظيمة كيف يبحثون من ذات انفسهم ودون طلب من النبي ﷺ لهم، بل هم من

стр. 66

سارع إليه ليجعلوا تلك الأموال الغالية والنفيسة صدقة جارية لله تعالى، يريدون بها تجارة رابحة مع الله تبارك تعالى، فمن لنا برجال في هذا الزمان مثل هؤلاء فلله درهم ما أحرصهم وأسرعهم إلى فعل الخير والبذل فيه. أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع (١) الصورة الثالثة: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب فقال النبي ﷺ : «ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا، فأغناه الله ورسوله، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالدا، قد احتبس (٢) أدراعه و أعتاده (٣) في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب، فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها» (٤). فاحتباس خالد ﵁ أدارعه في سبيل الله وهي سلاحه، والسلاح من أحب ما يكون الى النفس خاصة لمن يحب الجهاد في سبيل الله تعالى، و معروف عن خالد بن الوليد جهاده في سبيل الله تعالى فكيف سيكون حبه لذلك السلاح؛

стр. 67

لاشك أن حبه ليس بالقليل؛ لأن السلاح الجيد سبب من أسباب النصر على العدو لمن أخذه بحقه، أضف الى ذلك ما للسلاح من أهمية ومكانة عند الناس، ومع هذا كله فقد جعله ﵁ وقفا في سبيل الله تعالى، ولم يذهب ليبيعه وينتفع بثمنه، أو يبقيه ليورثه، بل جعله صدقة جارية له. الصورة الرابعة: عن أنس ﵁، أن رجلا قال: يا رسول الله: إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبي ﷺ : «أعطها إياه بنخلة في الجنة» فأبى (١)، فأتاه أبو الدحداح فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول الله ﷺ : «كم من عذق (٢) رداح (٣) لأبي الدحداح

стр. 68

في الجنة» قالها مرارا، قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فإني قد بعته بنخلة في الجنة فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها» (١)، قال ابن الجوزي: " كان له فيه ستمائة نخلة " (٢). من تأمل هذا الحديث سيجد نفسه مقصرا أو ممسكا مهما بلغ من الإنفاق في وجوه الخير مقابل فعل أبي الدحداح، فقد بذل بستانا كاملا فيه ستمائة نخلة، انظر إلى هذا العدد الكبير مقابل نخلة واحدة، لكنها في الجنة التي نعيمها لا يفنى ولا يبيد، وموضع السوط فيها خير من الدنيا وما فيها، عرف قدر الباقية فشتراها بالفانية، فربح البيع، وتدلت له ثمار الجنة، فأنعِم بها من تجارة مع الله لن تبور. الْمَالُ مَا كَانَ قُدَّامِي لآخِرَتِي … مَا لا أُقَدِّمُ مِنْ مَالِي فَلَيْسَ لِيَهْ (٣).

стр. 69

الصورة الخامسة: وأما الصورة الخامسة من مسارعة الصحابة ﵃، وتسابقهم في فعل الصدقة الجارية ما جاء عن ثمامة بن حَزْنٍ القشيري، قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ﵁، فقال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة»، فاشتريتها من صلب مالي فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين … ، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من صلب مالي؟، قال: قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة»، فاشتريتها من صلب مالي فزدتها في المسجد … ،» الحديث (١). فانظر أخي الكريم الى هذه المسارعة والمسابقة من عثمان ﵁ في فعل الأعمال الصالحات والصدقات الجاريات، فما تكلم الرسول ﷺ بأمر مما يحتاج فيه إلى مال، إلا كان عثمان ﵁ سباقا إلى فعل ذلك الأمر، ببذل ماله في وجوه الخير صدقة جارية يرجو أجرها وثوابها عند الله في الجنة، وكأن لسان حاله يقول كما قال الشاعر:

стр. 70

إذا القوم قالوا من فتى؟ خلت أنّني *** عُنيت، فلم أكسل ولم أتبلّد (١) فإذا كان هذا هو فعل الصحابة الذين لهم ما لهم من المكانة والفضل عند الله ورسوله من بذلهم الصدقة الجارية والوقف لله تعالى، فما أحوجنا نحن الذين علينا من الذنوب ما علينا، فنحن أولى بالمسارعة والمسابقة في مثل فعلهم، بل وأكثر منه؛ لكثرة ما قد عَلِق بنا من ذنوب وتقصير، فأين المشمرون الى مثل هذه الأعمال الجليلة والفضائل الكبيرة، فالله المستعان، وقد احسن من قال: يَا نفس مَا لي وللأموال أتركها … خَلْفي وَأخرج من دنياي عُريَانا (٢) وقال أخر: أَمْوَالنَا لِذَوي الْمِيرَاث نجمعها … ودورنا لخراب الدَّهْر نبنيها تِلْكَ الْمنَازل فِي الْآفَات خاوية … أضحت خرابا وذاق الْمَوْت بانيها (٣) هذه بعض من أحوال الصحابة ﵃ في تسابقهم في فعل الخير والأعمال الصالحات، أحببت أن أذكرها لنقتدي بهم، ونسير على ما ساروا عليه، من المسارعة والمسابقة في فعل الصدقات الجاريات، والأعمال الصالحات التي ينتفع بها العبد في حياته وبعد الممات.

стр. 71

ملاحظة: قبل أن نختم الكلام عن الصدقة الجارية لابد أن يعلم القارئ الكريم أن الإنسان ينتفع بعد موته بالصدقة عموماً، سواء كانت الصدقة جارية، أو منقطعة (أي ليست من الصدقة الجارية)، وسواء كانت من الأنسان نفسه قدمها في حياته، أو تصدق عنه أحد من الناس سواء كان من أقارب الميت أو أرحامه أو أصدقائه أو غيرهم، فإن أجرها و ثوابها يصل إليه، ولو لم تكن من الميت نفسه أو وصية منه؛ بدليل ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (١). قال ابن عثيمين عند حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله … ،»، قال: "وهذا الحديث يراد به ما يتصدق به الميت في حياته، أو يوصي به بعد موته، لكن لا يمنع أن يكون من غيره أيضا " (٢)، وقال أيضا: "وأما قول بعض الذين ينتسبون للعلم … ،: "إن الصدقة لا تصح للموتى إلا أن تكون صدقة جارية"، فهذا غير صحيح، فإن الصدقة للموتى تصح، ويصل إليهم ثوابها إذا كانت خالصة لله تعالى، ومن مال طيب، سواء كانت جارية، أم منقطعة، ففي حديث عائشة دليل على جواز الصدقة عن الميت مطلقا، وأن له بذلك أجراً سواء كانت الصدقة

стр. 72

الجارية، أم منقطعة" (١) اهـ، وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة بعد ذكر حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية … ،» ما لفظه: "فهذا الحديث يدل بعمومه على أن ثواب الصدقة يصل إلى الميت، ولم يفصّل النبي ﷺ بين ما إذا كانت بوصية منه أو بدون وصية، فيكون الحديث عاما في الحالتين … ، فلا فرق أن تكون من قريب أو بعيد عن الميت" (٢)، ولا شك أن للمتصدق الحي، أجر وثواب عند الله تعالى بسبب صدقته على الميت، وإن كان يريد أن يكون أجر تلك الصدقة للميت، فمن مات له قريب أو صاحب عزيز فأراد منفعته فليتصدق له، وبفعله هذا يحصل على أمرين الأول: هو نفع المتصدق عنه بثواب تلك الصدقة. الثاني: حصول الأجر للمتصدق بسبب فعله هذا، ولذلك قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله ﷺ «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٣)، فهذا قد أحسن ورحم الميت فكان الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال الشافعي: "وواسع فضله تعالى أن يثيب المتصدق أيضا، ومن ثم قال الأصحاب: يسن له أن ينوي الصدقة عن أبويه مثلا فإنه تعالى يثيبهما ولا ينقص أجره" (٤).

стр. 73

المطلب الرابع بعض أحكام الوقف (الصدقة الجارية) إذا كانت الصدقة الجارية هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه، فسوف نذكر شيئا من أحكام الوقف؛ لكي يكون الواقف على علم ومعرفة فيما يتعلق بأحكام تلك الصدقة أو ذلك الوقف، والذي سنذكر هو بعض من هذه الأحكام وليس كلها، وإن كانت هذه الاحكام تحتاج إلى شرح و تفصيل؛ لكن من باب الإشارة، وإلا ليس هذا مجال ذكرها ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتب الفقه المفصلة لذلك، وما يجدر الإشارة إليه هنا هو ذكر أهم احكام الوقف وهي شروطه، ولهذا ففي موسوعة الفقه الإسلامي ما لفظه: يشترط لصحة الوقف ما يلي: ١ - أن يكون الواقف أهلاً للتبرع [أي مسلما، حُراً، عاقلا، بالغا، رشيدا]، مالكاً لما سيقفه. ٢ - أن يكون الموقوف مالاً متقوَّماً [أي ما يكون له قيمة]، معلوماً، مملوكاً للواقف. ٣ - أن يكون الوقف عيناً معلومة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. ٤ - أن يكون الوقف على بر كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والفقراء.

стр. 74

٥ - أن يكون الوقف على معين من جهة كمسجد كذا، أو صنف كالفقراء، أو شخص كزيد مثلا. ٦ - أن يكون الوقف مؤبداً غير مؤقت، منجّزاً غير معلق، إلا إذا علقه بموته فيصح ويكون وصية. [وزاد بعضهم أن لا يشترط الواقف فيه شرط ما ينافي صحة الوقف]. وقد ذكر أهل العلم الفرق بين الوقف والوصية وهي ما يلي: ١ - أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع. ٢ - أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم لقول الرسول ﷺ لعمر: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ». أما الوصية فإنها تلزم ويجوز للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه. ٣ - الوقف يخرج العين الموقوفة عن التمليك لأحد وتخصيص المنفعة للموقوف عليه، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها أو منفعتها للموصى له. ٤ - تمليك منفعة الوقف يظهر حكمها أثناء حياة الواقف وبعد مماته، والتمليك في الوصية لا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي. ٥ - الوقف لا حد لأكثره بينما الوصية لا تتجاوز الثلث إلا بإجازة الورثة. ٦ - الوقف يجوز لوارث والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة (١).

стр. 75

وينعقد الوقف ويصح بأحد أمرين: ١ - القول: كأن يقول: وقّفت، أو حبّست، أو سبّلت ونحو ذلك، [كالكتابة ونحوها]. ٢ - الفعل: كأن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو يسوِّر مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، أو يقيم مدرسة ويأذن للناس بالدراسة فيها، أو يحفر بئراً ويأذن للناس بالشرب منها. وأنواع الوقف ما يأتي: الوقف إما أن يكون على شخص كزيد مثلاً .. أو يكون على جهة خيرية كمسجد أو مدرسة أو مستشفى أو بئر ماء ونحو ذلك … ، أو يكون على صنف معين كالفقراء، أو المعلمين، أو طلبة العلم ونحو ذلك. ما يصح وقفه: يجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه من عقار، ومنقول، فالعقار كالأرض، والدار، والدكان، والبستان ونحو ذلك. والمنقول كالحيوان، والسيارة، والسلاح، والدروع، والآلات، والكتب، والحلي، والأثاث ونحو ذلك. مقدار الوقف: ليس للوقف مقدار محدد، لكن الوقف يختلف باختلاف أحوال الناس في الغنى والسعة، فمن كان غنياً لا وارث له، فله أن يوقف جميع ماله، ومن كان غنياً وله
следующие страницы →