← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1040

الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات

أحمد بن محمد الحجاجي

Полный текст (173 стр.). Показаны 141–173 · переход к 146.

стр. 141

شروط استجابة الدعاء لتكملة الفائدة للقارئ الكريم فإن من شروط إجابة الدعاء، طيب المطعم، والمأكل، والملبس، ولذلك جاء في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : « … ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» (١). ومن شروطه كذلك الإخلاص لله تعالى في الدعاء، وعدم الاستعجال، وألا يدعو بإثم، أو قطيعة رحم، وكذلك أن يكون موقنا بالإجابة، وأن يكون قلبه حاضرا غير غافل أولاهٍ، وغير ذلك من الشروط فعلى الإنسان أن يحرص على فعل تلك الشروط حتي يستجيب الله له دعائه، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يستجاب لهم الدعاء. قال المناوي عند شرحه لحديث: «إذا مات الانسان انقطع عمله … » قال: "بدأ بالصدقة لأن المال زينة الدنيا، والنفوس متعلقة بحبه، فإيثار الخروج عنه لله آية صدق فاعله، وثنى بالعلم لاشتراكه معها في عموم منافعه وجموم مناقبه، وختم بدعاء الولد، تنبيها على أن شرف الأعمال المتقدمة لا ينكر، ولأنها أرجح من الأعمال القاصرة" (٢).

стр. 142

من تأمل حديث: «إذا مات الانسان انقطع عمله … » يجده بدأ بأهم ما يشمل نفعه لكل الناس من عالم وعامي وصغير وكبير وذكر وأنثى من المسلمين في حياتهم الدنيوية وبقائهم من حيث جنسهم، لكون الصدقة الجارية تكون من أمور متنوعة؛ فخيرها ونفعها متعديا الى جميع الخلق، فبالصدقة يبنى المسجد ودور العلم، وبالصدقة الجارية تطبع كتب العلم الشرعي، وينشر العلم النافع، وبالصدقة يصرف على طلبة العلم المحتاجين، وهكذا، فالصدقة الجارية قُدم ذكرها في الحديث لما لها من أهمية بالغة في جميع شئون الحياة عامة. ثم ذكر العلم لنفعه لجميع الناس، ونفعه لهم يشمل نفعهم في الدنيا والآخرة، والنفع الأخروي هو الأهم، والأعظم من النفع العاجل، كما أن في الصدقة الجارية نفع للجسد، ففي العلم نفع للروح، والقلب، والجسد كذلك، ونفع العلم مُتعد كذلك الى الغير، وبهذا فالصدقة نفعها أعم وأشمل، والعلم أفضل وأبقى وأدوم، وأما الدعاء فهو قاصر نفعه على الداعي والمدعو له فقط؛ لذلك جاء أخر الثلاثة الأعمال المذكورة في الحديث، وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر ثلاثة أعمال من الأعمال الصالحات التي يبقى ويجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات.

стр. 143

المبحث الرابع موت المرابط في سبيل الله نذكر في هذا المبحث بعضا من الأدلة التي تدل على أن موت المرابط في سبيل الله من الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، مع ذكر بعض من التوضيح الدليل الأول: عن فضالة بن عبيد ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» (١).

стр. 144

الدليل الثاني: عن سلمان الفارسي ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (١). الدليل الثالث: عن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: أَرْبَعٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: رَجُلٌ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلٌ عَلَّمَ عِلْمًا فَأَجْرُهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا عَمِلَ بِهِ، وَرَجُلٌ أَجْرَى صَدَقَةً فَأَجْرُهَا يَجْرِي عَلَيْهِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِمْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا يَدْعُو لَهُ» (٢). وجاء هذا الحديث بلفظ آخر (٣).

стр. 145

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ» (١). التوضيح: دلت هذه الأحاديث أن من مات مرابطا في سبيل الله فإنه يجري ويُنمى له عمله بعد موته، والرباط: ملازمة الثغر للجهاد، وأصله الحبس; كأن المرابط حبس نفسه فيه على الطاعة، والثغر: ما يلي دار العدو، «وإن مات»: أي المرابط بدلالة الرباط في ذلك المقام، أو في تلك الحالة (٢). قال ابن عثيمين: " والمرابطة في سبيل الله يعني أن يرابط الإنسان على الحدود، أو تجاه العدو في سبيل الله ؛ لإعلاء كلمة الله، وحفظ دين الله وحفظ المسلمين فإن هذا من أفضل الأعمال" (٣).

стр. 146

وقال القرطبي الرباط: "هو الملازمة في سبيل الله، مأخوذ من ربط الخيل ثم سمي الملازم لثغر من ثغور المسلمين: مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظة مأخوذة من الرباط، وقول النبي ﷺ في منتظري الصلاة: «فذلكم الرباط» (١)، إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي هو الأول، وهو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، فأما سكان الثغور دائماً بأهلهم الذي يعمرون ويكتسبون هناك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين " (٢). قال البيهقي: "القصد من هذا [أي حديث المرابطة]، ونحوه الإخبار بتضعيف أجر المرابط على غيره، ويختلف ذلك بحسب اختلاف حال الناس نية وإخلاصا، وباختلاف الأوقات" (٣). وقوله ﷺ : «كل ميت يختم على عمله»: قال الهروي: "أي يطبع على عمله، فلا يكتب له ثواب جديد"، قال السندي: "والمراد به العمل المنقطع بموته، فلا يشكل بالعمل الجاري كالوقف ونحوه، أي: يتم عمله المنقطع فلا ينمو بعد موته إلا المرابط، فإنه ينمو عمله المنقطع أيضا" (٤).

стр. 147

وقوله ﷺ : «إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى»: قال الهروي: "أي يزاد له «عمله» بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد «إلى يوم القيامة» فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين، وهو إحياء الدين بدفع أعدائهم من المشركين" (١). وقوله ﷺ : «فتنة القبر» أي: مما يفتن المقبور به من ضغطة القبر والسؤال والتعذيب" (٢)، وفي حديث سلمان قوله ﷺ : «جرى عليه عمله» أي: ثواب عمله «الذي كان يعمله»: أي في حياته، والمعنى أنه يصل إليه ثواب عمله أبدا" (٣). قال الطيبي: "ومعنى «جرى عليه عمله»: كقوله جرى عليه القضاء أي: يُقدر له من العمل بعد الموت، كما جرى منه قبل الممات، فجرى هنا بمعنى قدر. وقوله ﷺ : «وأجري عليه رزقه»: أي أوصل إليه رزقه من الجنة. وقوله ﷺ : «وأمن الفتان» أي: عذاب القبر وفتنته" (٤). قال النووي: "هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، … وقوله ﷺ : «وأجري عليه رزقه» موافق لقول الله تعالى في الشهداء ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ " (٥) اهـ.

стр. 148

قال ابن عثيمين: "يعني: أن الناس إذا ماتوا ودفنوا أتاهم ملكان يسألان الرجل عن ربه ودينه ونبيه، إلا من مات مرابطا في سبيل الله فإنه لا يأتيه الملكان يسألانه، وقد بين النبي ﷺ الحكمة من ذلك، فقال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنه» (١)، فالشهيد والمرابط كلاهما لا يأتيه الملكان في قبره فيسألانه بل يأمن ذلك وهذا فضل عظيم وأجر عظيم" (٢). قال القرطبي: "ولا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى؛ لأن أعمال البر لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منهم بحراسته بيضة الدين، وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه، هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة" (٣). فضل المرابطة في سبيل الله تعالى: جاء في فضل المرابطة في سبيل الله تعالى عدد من الأدلة منها ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة خير من

стр. 149

الدنيا وما عليها» (١)، وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» (٢)، ومن عِظم فضل الجهاد في سبيل الله تعالى في الإسلام، أن من لم يغزُ، ولم يُحدّث نفسه به في حياته مات على شعبة من النفاق؛ فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من مات ولم يغز، ولم يحدث (٣) نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق» (٤). قال ابن الأمير الصنعاني: "ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا أن من لم يغز بالفعل، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على خصلة من خصال النفاق، فقوله ﷺ : «ولم يحدث نفسه» لا يدل على العزم الذي معناه عقد النية على الفعل بل معناه هنا: لم يخطر بباله أن يغزو ولا حدّث به نفسه ولو ساعة من عمره، ولو حدثها به وأخطر الخروج للغزو بباله حينا من الأحيان، خرج من الاتصاف بخصلة من

стр. 150

خصال النفاق، وهو نظير قوله ﷺ : «ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه» أي لم يخطر بباله شيء من الأمور، وحديث النفس غير العزم وعقد النية" (١). ولابد أن يكون الرباط، والجهاد خالصا لله تعالى وحده لا شريك له، نصرة لدين الله وإعلاء لكلمته ، فعن أبي موسى ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال الرجل: يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه (٢)، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٣).

стр. 151

المبحث الخامس الأعمال الصالحة المتعلقة بذمة الإنسان عند موته ويشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: ما يتعلق بحق من حقوق الله تعالى. المطلب الثاني: ما يتعلق بحق من حقوق المخلوقين.

стр. 152

المطلب الأول ما يتعلق بحق من حقوق الله تعالى نذكر في هذا المطلب الأعمال الصالحات المنقطعة المتعلقة بحق من حقوق الله تعالى التي يصل أجرها وثوابها للإنسان بعد الممات، مع ذكر الأدلة عليها، وهذه الأعمال هي التي مات عنها الإنسان وهي باقية أو متعلقة في ذمته ولم يؤدها، فإذا قضها أو أداها عنه وليّه، أو غيره، تبرأ ذمته، فهي ليست كالأعمال السابقة المذكورة التي يحصل بها استمرار الأجر والثواب؛ وإنما هي من باب إبراء ذمة الميت وقضاء ما عليه، ولكن يصله أجرها وثوابها. العمل الأول: أداء الحج والعمرة. العمل الثاني: قضاء الصوم لمن كان عليه صوم واجب فمات عنه. العمل الثالث: الوفاء بالنذر لمن مات وعليه نذر. الأدلة على هذه الأعمال ما يلي: الدليل الأول: عن بريدة ﵁، قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه و آله سلم، إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقتُ على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال:

стр. 153

«وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا» (١). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله سلم، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٢). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله سلم، فقال: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوَ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ» (٣).

стр. 154

الدليل الرابع: عن عبد الله بن عباس، أن سعد بن عبادة الأنصاري، اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، «فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا» (١). التوضيح: قبل البدء في ذكر شيء من أقوال أهل العلم حول هذه الأحاديث يتبين لنا من خلالها أن الحج يصح عن الميت، وأن أجر وثواب ذلك الحج يصله، وهذا من الأعمال الصالحة التي يجري للعبد أجرها بعد موته وهو في قبره، سواء كان بوصية منه أو لم يكن بوصية وإنما حج عنه أحد من الناس؛ ولكن أجر هذا العمل ليس مما يدوم ويستمر أجره سنين عديدة كالصدقة الجارية، أو العلم المنتفع به، أو نحو ذلك من الأعمال الصالحات التي مرت معنا، نعم فهو يختلف مع ما سبق في هذه المسألة - أي مسألة استمرار الأجر ودوامه- ولكن الأجر والثواب حاصل، والدليل فيه واضح وفاصل، وفيه ردا على من يقول بعدم مشروعية الحج عن الميت (٢)، وسأذكر طرفا من أقوال أهل العلم في شروحهم لهذه الأحاديث. قال النووي عن الحديث الأول: " فيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي والجمهور أن النيابة في الحج جائزة عن الميت والعاجز المأيوس من برئه … ، وفيه قضاء الدين

стр. 155

عن الميت وقد أجمعت الأمة عليه، ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث، أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف" (١). وقال الشوكاني إن الحديث: " يدل على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، حيث لم يستفصله أوارث هو أم لا، وشبهه بالدين" (٢)، وفيه دليل أيضا على إجزاء الحج عن الميت من الولد، وكذلك من غيره، وفيه دليل على أنه يجوز للابن أن يحج عن أبيه حجة الإسلام بعد موته، وإن لم يقع منه وصية ولا نذر، ويدل على الجواز من غير الولد، للحديث الذي سمعه النبي ﷺ يقول: لبيك عن شبرمة" (٣). وقال ابن الامير الصنعاني أيضا فيه: "دليل على أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه أن يحج عنه ولده، وقريبه، ويجزئه عنه، وإن لم يكن قد حج عن نفسه؛ لأنه ﷺ لم يسألها حجت عن نفسها أم لا ولأنه ﷺ ، شبهه بالدين وهو يجوز أن يقضي الرجل دين غيره قبل دينه، ورُد بأنه في حديث شبرمة ما يدل على عدم إجزاء حج من لم يحج عن نفسه" (٤).

стр. 156

أما حديث شبرمة هو ما جاء عن ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ ، سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: قريب لي، قال: "هل حججت قط؟ " قال: لا، قال: "فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة" (١)، وعند هذا الحديث قال ابن الأمير: "أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، فإذا أحرم عن غيره فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه؛ لأنه ﷺ أمره أن يجعله عن نفسه بعد أن لبى عن شبرمة، فدل على أنها لم تنعقد النية عن غيره؛ وإلا لأوجب عليه المضي فيه" (٢)، قال المناوي: "وفيه أنه لا يصح ممن عليه حج واجب الحج عن غيره، وكذا العمرة" (٣). قال بعض أهل العلم أن الحج لم يسقط عن المسلم بالموت إن كان مستوفي الشروط في حياته وقبل موته، بل إن الحج باقي في ذمته، وهو دين عليه يجب الوفاء به حتى بعد الموت، ولذلك قال الشنقيطي تحت الأحاديث المذكورة سابقا: "هذه الأحاديث تدل قطعًا على مشروعية الحج عن المعضوب والميت، وأن الأظهر عندنا وجوب الحج فورًا، وعليه فلو فرط وهو قادر على الحج حتى مات مفرطًا مع القدرة أنه يحج عنه من رأس ماله إن ترك مالاً، لأن فريضة الحج ترتبت

стр. 157

في ذمته فكانت دينًا عليه، وقضاء دين الله صرح النبي ﷺ في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال: «فدين الله أحق أن يقضى»، أما من عاجله الموت قبل التمكن فمات غير مفرط فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه، ولا دين لله عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف الله نفسًا إلا وسعها" (١) اهـ، وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء ما لفظه: "من مات وعليه فرض حج فإنه يعطى من تركته من يحج عنه؛ لأنه دين عليه لله يجب قضاؤه، وإن لم يكن له تركة وحج عنه أحد أقاربه، أو أحد إخوانه من المسلمين نفعه ذلك وأبرأ ذمته، بشرط أن يكون النائب قد حج عن نفسه أولا" (٢)، وفي سؤال قُدم كذلك للجنة الدائمة مضمونه: "أن رجلا ادركه الموت قبل أن يحج فهل يجب عليه الحج"، فكان الجواب بما يلي: " إذا كان ابنك أدركه الموت قبل أن يحج حجة الفريضة فإن كان له مال وجب أن يخرج من تركته ما يحج به عنه؛ لأن حجة الإسلام تجب على المسلم الحر القادر العاقل البالغ، … ، فدل ذلك على أن من مات وعليه حج، فإنه يجب على أحد أولاده أو أقاربه أن يحج عنه من ماله، أو يجهز من يحج عنه من مال الميت، أما إذا لم يكن له مال عند وفاته فإن الحج لم يجب عليه؛ لعدم قدرته عليه، لكن يستحب لأحد أقاربه أن يحج عنه، وله الأجر والثواب الكثير إن شاء الله

стр. 158

تعالى، وينبغي لك الدعاء له، وسؤال الله له المغفرة والرحمة والتصدق عنه، إن قدرت على ذلك" (١) انتهى المراد. فائدة: جواز حج المرأة عن الرجل، فإذا أرادت المرأة أن تحج عن قريب لها فلها أن تحج عنه إذا توفرت لها شروط الحج، ودليل ذلك ما جاء في البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄، أن امرأة من خثعم، جاءت الى النبي ﷺ فقالت له: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع (٢)، قال العيني: "في الحديث دليل على أن المرأة يجوز لها أن تحج عن الرجل" (٣)، وأما حج الرجل عن المرأة فهو أمر معلوم بجوازه.

стр. 159

فضل الحج وشروطه: أما فضل الحج فلا يخفى على كل مسلم ما في الحج من فضائل وأجور، فهو من أركان هذا الدين، وفيه الأجر العظيم، والخير الكثير في الدنيا والاخرة، ولهذا جاءت أدلة كثيرة تدل على ذلك منها ما جاء عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه (١)» (٢)، وعنه أيضا، قال: سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» (٣)، وعنه كذلك، أن رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور (٤) ليس له جزاء إلا الجنة» (٥). وأما شروط الحج فهي خمسة شروط هي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة، وهي متفق عليها بين العلماء، قال ابن قدامة في المغني: "لا نعلم في

стр. 160

هذا كله اختلافا" (١)، ولا يجب الحج على من لم تتوفر فيه خصال الاستطاعة لأن القرآن خص الخطاب بهذه الصفة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ففي الموسوعة الفقهية ما لفظه: وخصال الاستطاعة التي تشترط لوجوب الحج قسمان: شروط عامة للرجال والنساء، وشروط تخص النساء، القسم الأول: شروط عامة للرجال والنساء: شروط الاستطاعة العامة أربع خصال: القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير. القسم الثاني: الشروط الخاصة بالنساء: وأما ما يخص النساء من شروط الاستطاعة شرطان لا بد منهما لكي يجب الحج على المرأة يضافان إلى خصال شرط الاستطاعة التي ذكرناها، هذان الشرطان هما: الزوج أو المحرم، وعدم العِدة. و الْمَحْرَمُ المشروط للسفر: الْمَحْرَمُ الأمين المشروط في استطاعة المرأة للحج: هو كل رجل مأمون عاقل بالغ يحرم عليه بالتأبيد التزوج منها سواء كان التحريم بالقرابة أو الرضاعة أو الصهرية (٢). ولذلك جاء عن ابن عباس أنه سمع النبي ﷺ يخطب يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: فانطلق فحج مع

стр. 161

امرأتك» (١)، وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها» (٢)، قال الشوكاني: تعليقا على هذه الأحاديث: "إنها تدل على أنه لا يجب الحج على المرأة إلا إذا كان لها محرم" (٣). وبناء على ما سبق فمن مات له قريب سواء كان ذكرا أو أنثى لم يحج، فله أن يحج عنه، وليعلم أن أجر وثواب ذلك الحج سيصل إلى ذلك الميت وينتفع به وهو في قبره إن شاء الله تعالى، وبهذا يكون الحج من الأعمال الصالحات التي يجري للعبد أجرها بعد الممات. الصوم والوفاء بالنذر: أما الصوم والوفاء بالنذر، فقال النووي: "اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه، وللشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلا، والثاني يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه

стр. 162

محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة" (١) انتهى، قال الطيبي: "جوّز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة " (٢)، وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة في مسألة من مات وعليه صوم أو نذر ما لفظه: "إذا كان عليه فرض صيام من شهر رمضان، أو من نذر، وصام غيره عنه أجزأه ذلك؛ للأحاديث الواردة في قضاء الحج وقضاء الصيام عن الميت، … ، فإن لم يتيسر من يصوم عنه أطعم عنه من التركة عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد لبعض الفقراء" (٣).

стр. 163

المطلب الثاني ما يتعلق بحق من حقوق المخلوقين الأول: قضاء الدَّيْنَ إذا كان على الإنسان دين فمات عنه. الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله سلم، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (١). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، قال: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» (٢).

стр. 164

الدليل الثالث: عن جابر ﵁، قال: مات رجل، فغسلناه، وكفناه، وحنطناه، ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وآله سلم، حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ثم آذنا رسول الله ﷺ ، بالصلاة عليه، فجاء معنا خطى، ثم قال: «لعل على صاحبكم دينا؟» قالوا: نعم، ديناران فتخلف، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله، هما علي فجعل رسول الله ﷺ ، يقول: «هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء» فقال: نعم فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ ، إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعت الديناران؟» حتى كان آخر ذلك قال: قد قضيتهما يا رسول الله قال: «الآن حين بردت عليه جلده» (١). التوضيح: قال ابن القيم: " أجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته، ولو كان من أجنبي أو من غير تركته" (٢). قال الشوكاني: " يلحق بالحج، حق ثبت في ذمته، من نذر، أو كفارة، أو زكاة، أو

стр. 165

غير ذلك، وقوله ﷺ : «فالله أحق بالوفاء» فيه دليل على أن حق الله مقدم على حق الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل بالعكس" (١). قال البسام عند قوله ﷺ : «فدين الله أحق بالقضاء» فيه دليل على تقديم الزكاة وحقوق الله المالية إذا تزاحمت حقوقه وحقوق الآدميين في تركة المتوفى، وبعضهم قال بالمساواة بين الحقوق" (٢). ملاحظة: اختلف أهل العلم في ما سوى هذه الأعمال الصالحة التي سلف ذكرها في هذا الكتاب وجعل ثوابها للميت: مثل الأضحية، وإهداء ثواب العمل الصالح، وغير ذلك؛ كون هذه الأمور لم يأت بها دليل يدل عليها؛ ولكون هذه عبادات يتقرب بها العبد الى الله تعالى، والأصل في العبادات أنها مبنية على التوقف، فلا تُفعل أي عبادة إلا بدليل شرعي على مشروعيتها، وإلا فهي بدعة محدثة ما أنزل الله بها من سلطان، ولذلك جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما لفظه: "الصحيح من أقوال العلماء: أن فعل القُرب من حي لميت مسلم لا يجوز، إلا في حدود ما ورد الشرع بفعله؛ مثل الدعاء له، والاستغفار، والحج، والعمرة، والصدقة عنه،

стр. 166

والضحية (١)، وصوم الواجب عمن مات وعليه صوم واجب، وكذلك قضاء الدين، وأما الحج فيجزئ عن الميت عند الشافعي وموافقيه، وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجا واجبا، وإن كان تطوعا وصى به فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات وعليه صيام فالصحيح أن الولي يصوم عنه … ، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت، والصلاة عنه ونحوهما، فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت وفيها خلاف" (٢) انتهى.

стр. 167

أما القراءة القرآن بالأجرة للميت فهو بدعة (١).

стр. 168

أما إهداء ثواب العمل الصالح، كقراءة القرآن مثلا، قال ابن عثيمين هو: "بمعنى أن القارئ ينوي بثوابه أن يكون لهذا الميت، فإذا تقرر أن هذا من البدع فالبدع لا أجر فيها "كل بدعة ضلالة" كما قال النبي ﷺ ، ولا يمكن أن تنقلب الضلالة هداية، ثم إن هذه القراءة في الغالب تكون بأجرة، والأجرة على الأعمال المقربة إلى الله باطلة، والمستأجر للعمل الصالح إذا نوى بعمله الصالح هذا الصالح من حيث الجنس، وإن كان من حيث النوع ليس بصالح، كما سيتبين إن شاء الله إذا نوى بالعمل الصالح أجراً في الدنيا، فإن عمله هذا لا ينفعه ولا يقربه إلى الله ولا يثاب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الأَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فهذا القارئ الذي نوى بقراءته أن يحصل على أجر دنيوي نقول له: هذه القراءة غير مقبولة، بل هي حابطة ليس فيها أجر ولا ثواب وحينئذ لا ينتفع الميت بما أهدي إليه من ثوابها لأنه لا ثواب فيها، إذن فالعملية إضاعة مال، وإتلاف وقت، وخروج عن سبيل السلف الصالح ﵃، لاسيما إذا كان هذا المال المبذول من تركة الميت وفيها حق قُصّر وصغار

стр. 169

وسفهاء، فيأخذ من أموالهم ما ليس بحق فيزاد الإثم إثماً والله المستعان" (١) انتهى كلامه، ومن اراد المزيد عن هذه المسألة ينظر: جامع المسائل لابن تيمية - عزير شمس (٤/ ٢٤٥)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٣/ ٢٩، ٣٠، ٣١، … )، وكتاب الروح لابن القيم (ص: ١١٧ إلى - ١٤١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ٤٢٣) و، المجموع شرح المهذب للنووي (١٥/ ٥١٩، ٥٢٠) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (٥/ ٣٧٢) الموسوعة الفقهية الكويتية (٢/ ٣٣٤)، (١٥/ ٥٧) الموسوعة الفقهية الكويتية (١٦/ ٤٥).

стр. 170

الخاتمة إن الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات مجموع أبوابها خمسة أمور هي: الأمر الأول: الصدقة الجارية: وما جاء من تفصيل وتنويع في الأحاديث، من حفر البئر، وغرس النخل، وبناء المسجد، وتوريث المصحف، وغيرها كل هذه الأمور داخلة ضمن الصدقة الجارية. الأمر الثاني: العلم المنتفع به: ويدخل فيه حديث: «من سن في الإسلام سُنة حسنة»، وحديث: «من دعا إلى هدى … »، وحديث: «من علم آية من كتاب الله»، وحديث: «من دل على الخير»، فهذه الأحاديث داخلة ضمن العلم المنتفع به. الأمر الثالث: الدعاء للإنسان بعد الموت: من الولد أو من غيره من المسلمين. الامر الرابع: من مات مرابطا في سبيل الله تعالى: وهذه الأمور الأربعة مجموعة في حديث أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " أَرْبَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ

стр. 171

عَلِمَ عِلْمًا أُجْرِيَ لَهُ أَجْرُهُ مَا عَمِلَ بِهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَجْرُهَا يَجْرِي لَهُ مَا جَرَتْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا، فَهُوَ يَدْعُو لَهُ» (١). الأمر الخامس: ما تعلق بذمة الإنسان عند موته: وهذا يشمل جميع الحقوق سواء كانت من حقوق الله تعالى، أو من حقوق المخلوقين؛ فإذا أداها عنه أحد من الناس، تبرأ ذمته، ووصله أجر وثواب ذلك العمل، وبهذا تكون الأعمال الصالحة التي يجري أجرها وثوابها للعبد المسلم، وجاء بها الدليل، مجموعة في خمسة أمور استنتجتها من خلال جمعي لهذه الرسالة، وقد نظمت هذه الخمسة الأمور في هذه الأبيات التالية فقلتُ: كل فعل بعد موتكْ ينقطعْ *** غير ما خُصْ بدليلٍ قد سُمعْ جُمِعَتْ أبوابها في خمسةٍ *** ما سوى ذاك يكن منها تبع صدقات جاريات ودعاء *** ثم علم بعد موت يُنْتفع ومماتٍ في رباط إن يقعْ *** ما بقي في ذمة عنه اجتَمع مثل دَينٍ أو صيام أو تحجْ *** عنه هذا يابن آدم فانتفع وبذكر هذه الخاتمة أكون قد انتهيت من هذه الرسالة المتضمنة الأعمال الصالحات التي يبقى ويجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، فالحريص على فعل الخيرات

стр. 172

التي تكون سببا لغفران الذنوب والسيئات، ورفع المنازل والدرجات، في جنة عرضها الأرض والسماوات، لا شك أنه سيبادر إلى اغتنام كل اللحظات في هذه الحياة؛ لفعل ما استطاع من هذه الأعمال الصالحات، متداركا ما فات، من عمره، وماله، وصحته، قبل الفوات، وحلول الندم والسكرات، وقد ذكرت في هذه الرسالة ما فيه تذكرة لمن تذكر، وذكرى لمن أعتبر، وكان ذا عقل رشيد، ورأي سديد، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأخيرا أسال الله أن يجعل لنا نصيبا من كل عمل صالح مما يبقى ويجري لنا أجره وثوابه إلى يوم الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو أرحم الراحمين، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 173

تم بحمد الله وتوفيقه سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك،،، * * *