← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1040

الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات

أحمد بن محمد الحجاجي

Полный текст (173 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الهدى، وكل من دعا إلى عمل صالح يتعلق بحق الله، أو بحقوق الخلق العامة والخاصة: فهو داع إلى الهدى، وكل من أبدى نصيحة دينية أو دنيوية يتوسل بها إلى الدين: فهو داع إلى الهدى، وكل من اهتدى في علمه أو عمله، فاقتدى به غيره: فهو داع إلى الهدى، وكل من تقدم غيره بعمل خيري، أو مشروع عام النفع: فهو داخل في هذا النص، وعكس ذلك كله: الداعي إلى الضلالة. فالداعون إلى الهدى: هم أئمة المتقين، وخيار المؤمنين، والداعون إلى الضلالة: هم الأئمة الذين يدعون إلى النار، وكل من عاون غيره على البر والتقوى: فهو من الداعين إلى الهدى، وكل من أعان غيره على الإثم والعدوان: فهو من الداعين إلى الضلالة" (١). قال العلامة ابن عثيمين: " «من دعا إلى هدى»: يعني بيّنه للناس ودعاهم إليه، مثل أن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة، وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى، ثم تبعه الناس وصاروا يصلون الضحى، فإن له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً؛ لأن فضل الله واسع، أو قال للناس مثلاً: اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وتراً، ولا تناموا إلا على وتر إلا من طمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره في آخر الليل، فتبعه ناس على ذلك فإن له مثل أجرهم، يعني كلما أوتر واحد هداه الله على يده؛ فله مثل أجره، وكذلك بقية الأعمال الصالحة.

стр. 107

«من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»، أي إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم، فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله، وأعلم أن الدعوة إلى الهدى، والدعوة إلى الوزر تكون بالقول؛ كما لو قال إفعل كذا إفعل كذا، وتكون بالفعل، خصوصاً من الذي يُقتدي به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدي به ثم فعل شيئاً فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز، أو ترك كذا وهو جائز" (١) اهـ. الداعي الى الهدى يتعلق أجر من تبعه بإمرين: الأول: ما يتعلق بكثرة وقلة الناس التابعين له، فكلما زاد وكثر التابعون له في الهدى الذي دعا إليه كلما كثر أجره وعظم ثوابه وانتشر فضله، والعكس كلما قل التابعون له والمقتدون به كان له من الأجر على قدر من تبعه؛ ولهذا فعلى الانسان أن يحرص على أن يكثر من دعوة الناس إلى الهدى والخير مما جاء في الكتاب والسنة، بكل الوسائل والطرق المباحة في كل مكان وزمان؛ لكي يتحصل على كثير من الأجر والثواب؛ وإن كان الأجر حاصل لمن دعا الى الهدى والخير سواء تبعه قليل من الناس أو كثير؛ كما حصل لنوح ﵇، فقد استمر يدعو

стр. 108

قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع هذا فما ءامن معه إلا قليل، وهو نبي من أولي العزم مؤيد بالمعجزات من الله تعالى؛ فما بالك بمن هو دونه؛ ولكن من كثُر التابعون له من الناس، لاشك أن له مثل أجور من تبعه؛ ولهذا قال في الحديث: «مثل أجور من تبعه»، ولذلك بكى موسى ﵇، عندما علم أن من يدخل الجنة من أمة نبينا محمد ﷺ ، أكثر من أمته كما في صحيح مسلم من حديث مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ وفيه: قال: «ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة، فأتيت على موسى ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزته بكى، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي» (١)، وكذلك قول النبي ﷺ : «فإني مكاثر بكم الأمم» (٢)، ففي هذا دليل على فضل كثرة التابعين للعبد المسلم على الهدى والخير والعمل الصالح، والله أعلم. الثاني: ما يتعلق باستمرارية الناس التابعين له، فكلما استمر من تبعه زمنا طويلا بين الناس، حصل منهم استمرار العمل بالهدى الذي دعا إليه، وتعاقبته الأجيال وتوسع وانتشر في الأفاق، فإذا حصل هذا دام وزاد أجره وثوابه، وحصل الخير الكثير والنفع العظيم، وبالعكس فإذا انقطع من تبعه على الهدى الذي دعا إليه سواء بالموت أو بترك العمل، حصل من الأجر بقدر من تبعه واستمر ذلك العمل

стр. 109

عند الناس؛ ولكن الفضل بيد الله تعالى، فقد يقيض الله للداعي من يجدد ذلك الهدى الذي دعا إليه ولو بعد حين، فيعمل به، وينشره بين الناس ويحصل به الخير الكثير، والله أعلم. أهمية العلم الشرعي للداعي الذي يدعو الناس الى الخير والهدى لابد للإنسان أن يكون على علم، ومعرفة بدين الله تعالى، قبل أن يدعو الناس الى الهدى والخير، ولا يحصل ذلك، بل لا يستطيع أن يفرق بين الهدى من الضلال، وبين الخير من الشر، إلا بموجب العلم الشرعي الذي من خلاله يميز الفرق بينهما، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] قال ابن كثير في تفسيره: "يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرا له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي" (١). فإذا لم يكن الإنسان على حجة، وعلى علم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقد يكون داع الى الضلالة دون علم منه، وهو يظن أنه يدعو الناس الى الخير والهدى

стр. 110

وهو يدعوهم الى الشر والضلال، والبدعة، والإثم، والعياذ بالله من ذلك؛ ولذلك قال الشاعر: رام خيرا فضر من غير قصد *** ومن البر ما يكون عقوقا وقال أخر: عرفت الشرَّ لا *** للشرِّ ولكن لتوقِّيه ومن لم يعرف الشرّ *** من الخير يقع فيه فالدعوة الى الله تعالى لا تحصل إلا بالعلم الذي يعتبر سلاح الداعي وعدته وعتاده فبه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرد عن الشبه ويدحض الباطل، وينكر البدعة ويبين السنة، وغير ذلك مما يتعلق بأعمال الداعي الى الله تعالى. قال ابن القيم: "إذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلّها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم، إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء" (١). فلابد للداعي أن يكون على معرفة بالعلم الشرعي مستمدا دليله من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، متمسكا أشد التمسك به، مبتعدا عن كل ما يؤدي الى الانحراف عن ذلك الطريق القويم والسبيل المستقيم، ولذلك، قال ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: "ومن أحالك على غير أخبرنا وحدثنا فقد أحالك: إما على

стр. 111

خيال صوفي، أو قياس فلسفي، أو رأي نفسي، فليس بعد القرآن وأخبرنا وحدثنا إلا شبهات المتكلمين، وآراء المنحرفين، وخيالات المتصوفين، وقياس المتفلسفين، ومن فارق الدليل، ضل عن سواء السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة، سوى الكتاب والسنة، وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسنة فهي من طرق الجحيم، والشيطان الرجيم، والعلم هو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد، والهدى والضلال، به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام " (١) انتهى.

стр. 112

الحديث الثالث: عن أبي مالك الأشجعي ﵁، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَلَّمَ آيةً مِنْ كِتَابِ اللهِ ، كَانَ لَهُ ثَوابها مَا تُليَتْ» (١)، وفي لفظ عند ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من علم آية من كتاب الله علمه - أو باب من علم - أنمى الله أجره إلى يوم القيامة» (٢). التوضيح: لم أجد في شروح أهل العلم من تناول هذا الحديث بشرح أو تعليق؛ ولكن إن مما لاشك فيه إن تعليم القرآن من أفضل التعليم على الاطلاق، وهو مقدم على العلوم كلها؛ لكون أول عبادة بعد نطق الشهادتين الصلاة لا تتم إلا بقراءة

стр. 113

القرآن، ومعلوم أنها الركن الثاني من أركان الدين وعموده القويم؛ ولكونها تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة؛ فلما كانت الصلاة بهذه المكانة والمنزلة من الدين كان تعلم القرآن الكريم وتعليمه فرض عين لازم على كل مسلم ومسلمة؛ لكي يقوموا بإداء هذه الصلاة كاملة صحيحة؛ لأن قراءة الفاتحة من أركان الصلاة، ولذلك جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١)، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن القرآن كلام الرحمن؛ فلعلو عظمة المتكلم وكماله وقدره وكل ما يليق به من الثناء والتعظيم والتنزيه والتقديس والكمال، علا وارتفع شرف كلامه وقُدم وفُضل على غيره من كل كلام، قراءةً وتَعلُما وتعليما؛ كونه كلام الخالق جل وعلا، فيقدم ويعلو شرفا ومرتبة وقدرا وتعظيما على كلام المخلوق العبد الضعيف، ولما كان القرآن الكريم بهذه المرتبة العالية والمكانة العظيمة من الدين؛ بيّن النبي ﷺ ، و رتب الأجور العظيمة والفضائل الكبيرة لمن قرأ أو تعلم أو علم حرفا واحدا أو آية من كتاب الله فله أجرها، ويستمر هذا الأجر والثواب ما تليت تلك الآية، أو الى يوم القيامة. والآية: في القرآن هي معروفة فقول: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ آية، والفاتحة سبع آيات، وفي هذا الحديث يقول النبي ﷺ : «من علم آية من كتاب الله »، ولو فكر الإنسان وتدبر كم سيكون له من الأجر والثواب في تعليم سورة الفاتحة

стр. 114

فقط بمفردها، لَمَا تتردد لحظة واحدة في البحث عمن يعلمهم تلك السورة العظيمة. فتأمل أخي الكريم أنك علمت رجلاً أو طفلاً أو امرأة سورة الفاتحة، وهي سبع آيات فكم ستُتلى هذه الآيات وتتكرر، فإذا كان يكررها المسلم في عدد ركعاته في الصلوات المكتوبة سبعة عشر مرة في اليوم والليلة، فكم سيكون الأجر في عدد ركعات الأسبوع وكم سيكون الأجر في عدد الركعات في الشهر وكم في السنة وهكذا، وكم سيكون الأجر في عدد ركعات العمر كله؛ و هذا كله في عدد ركعات الصلاة المفروضة فقط، فكيف وله أجرها ما تليت في كل صلوات المفروضة والنافلة، أضف الى ذلك أن لك أجر كل مَنْ تعلم ممن علمته هذه السورة العظيمة أي سورة الفاتحة، ولوكان هذا الفضل والأجر حاصل إلا في تعلم السورة كلها لكان هذا فضل كبير وأجر كثير؛ ولكن من فضل الله وكرمه أن جعل بكل حرف من حروف القرآن الكريم وبكل آية من آياته أجرا وثوابا عنده لمن قرأ وتعلم وعلم ذلك، وفضل الله واسع والله ذو الفضل العظيم. وقوله ﷺ : «ما تليت»: أي ما قُرئت هذه الآية وردد تلاوتها من تعلمها، سواء في الصلاة أو خارج الصلاة، كما هو ظاهر الحديث، وقد يحصل كذلك الأجر والثواب ويستمر للمعلم حتى لمن تعلم ممن علمه الآية الواحدة من القرآن، وهكذا يتسلسل الأجر والثواب، ولا ينقص من أجور أولئك المعلمين والمتعلمين شيئا، كما مر بنا في الأحاديث السابقة، والله أعلم.

стр. 115

فضل تعلم القرآن وتعليمه: قد جاء في فضل تعلم القرآن الكريم وتعليمه عدة أحاديث نذكر منها ما يلي: فعن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١). قال المناوي في شرحه لهذا الحديث: "أي خير المتعلمين والمعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن لا في غيره، إذ خير الكلام كلام الله فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر على نفسه، أو المراد خيرية خاصة من هذه الجهة أي جهة حصول التعليم بعد العلم والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط؛ ولذلك استظهروا رواية الواو على أو لاقتضائها إثبات الخيرية لمن فعل أحد الأمرين ولا شك أن الجامع بينهما مكمل لنفسه ولغيره فهو الأفضل، وقال بعض المحققين: والذي يسبق للفهم من تعلم القرآن حفظه وتعلم فقهه فالخيار من جمعهما، قال الطيبي: ولا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص فمن أخلصهما وتخلق بهما دخل في زمرة الأنبياء" (٢). اهـ قال ابن حجر: "ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه، مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي، ولهذا كان أفضل وهو من جملة من عنى بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا

стр. 116

وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع" (١). قال ابن عثيمين: "قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه الخطاب للأمة عامة فخير الناس من جمع بين هذين الوصفين من تعلم القرآن وعلم القرآن تعلمه من غيره وعلمه غيره، والتعلم والتعليم يشمل التعلم اللفظي والمعنوي، فمن حفظ القرآن يعني صار يعلم الناس التلاوة ويحفظهم إياه فهو داخل في التعليم، والنوع الثاني: تعليم المعنى يعني تعليم التفسير أن الإنسان يجلس إلى الناس يعلمهم تفسير كلام الله … ، كيف يُفسر القرآن وأعطاهم القواعد في ذلك فهذا من تعليم القرآن" (٢) انتهي، وفي فضل تعلم القرآن ما جاء عن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين (٣) في غير إثم، ولا قطع رحم؟»، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين

стр. 117

من كتاب الله ، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (١). قال القاري في قوله ﷺ : «خير له من ناقتين وثلاث» "أي: من الآيات «خير له من ثلاث» أي: من الإبل. قال ابن حبان: هذا الخبر أضمر فيه كلمة وهي "لو تصدق بها" يريد بقوله: «فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاث» لو تصدق بها لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وثلاث وعدادهن من الإبل لو تصدق بها إذ محال أن يشبه من تعلم آيتين من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا … ، والحاصل أنه ﷺ أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو ثوابها من الدرجات العلى، كذا في المرقاة، وفي الحديث الحث على تعلم القرآن وتعليمه وتلاوته" (٢). تنبيه: لابد من الإخلاص لله تعالى في تعلم القرآن وتعليمه، فعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على

стр. 118

وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها (١)، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار» (٢)، وفي زيادة عند الترمذي بقوله: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله،

стр. 119

لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (١). يعني: ريحها، وعنه أيضا قال قال ﷺ : «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار» (٢)، وقال ابن مسعود: "لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله، فإنه يبقى ويذهب ما سواه" (٣). فدلت هذا الأحاديث على أهمية الإخلاص لله تعالى، وخطر منافاته في كل الأعمال التي ذُكرت في هذه الرسالة، من تعلم للقرآن وتعليمه، وكذلك العلم الشرعي، والصدقة سواء كانت جارية أو منقطعة، والموت في سبيل الله تعالى، فعلى الإنسان أن يجعل هذه الأحاديث نصب عينيه دائما، لما لذِكرها من موعظة عظيمة للقلوب والنفوس فيعمل بمقتضى ذلك، نسأل الله أن يجعل أعمالنا صالحة خالصة لوجهه الكريم متقبلة، لا يكون لأحد منها شيء، إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.

стр. 120

الحديث الرابع: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فاعله» (١)، وجاء عن أنس بن مالك، أن النبي ﵌ قال: «إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (٢). التوضيح: قال النووي عند شرحه لهذا الحديث: "فيه فضيلة الدلالة على الخير، والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم، ووظائف العبادات، لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء" (٣). قوله ﷺ : «من دل» قال الهروي: "أي: بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة «على خير» أي: علم أو عمل مما فيه أجر وثواب، «فله»: أي للدال، «مثل أجر فاعله» أي: من غير أن ينقص من أجره شيء" (٤).

стр. 121

وقال المناوي عند قوله ﷺ : «من دل على خير» "شمل جميع أنواع الخصال الحميدة، «فله» من الأجر «مثل أجر فاعله» أي له ثواب كما لفاعله ثواب ولا يلزم تساوي قدرهما" (١). قال السيوطي: " اختار القرطبي أنه مثله سواء في القدر، والتضعيف قال: لأن الثواب على الأعمال إنما هو بفضل من الله فيهبه لمن يشاء على أي شيء صدر منه خصوصا إذا صحت النية التي هي من أصل الأعمال في طاعة عجز عن فعلها لمانع منعه منها فلا بعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل أو يزيد عليه، قال: وهذا جار في كل ما ورد مما يشبه ذلك كحديث: «من فطر صائما فله مثل أجره» " (٢). قال الصنعاني: "دل الحديث على أن الدلالة على الخير يؤجر بها الدال عليه كأجر فاعل الخير، وهو مثل حديث: «من سن سنة حسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها» والدلالة تكون بالإشارة على الغير بفعل الخير، وعلى إرشاد ملتمس الخير على أنه يطلبه من فلان والوعظ والتذكير وتأليف العلوم النافعة، ولفظ «خير»: يشمل الدلالة على خير الدنيا والآخرة، فلله در الكلام النبوي ما أشمل معانيه وأوضح مبانيه ودلالته على خير الدنيا والآخرة" (٣).

стр. 122

قد يقول قائل ما صلة هذا الحديث بالعمل الصالح الذي يجري للإنسان أجره وثوابه بعد موته، أقول الدلالة في الحديث واضحة جدا؛ لعدة أمور: الأمر الأول: إن هذا الحديث مثل حديث: العلم المنتفع به، ومثل حديث من دعا الى هدى، وحديث من سن سنة حسنة، وإن كان هناك فرق بين من علَّم العلم النافع، والدعوة الى الهدى من جهة، وبين الدلالة على الخير من جهة أخرى. الأمر الثاني: أن قوله ﷺ : «مثل أجر فاعله» لم يتقيد حصول الأجر بزمان أو مكان فيكون له مثل أجر فاعله مهما فعل من الخير. الأمر الثالث: موافقة العلماء المماثلة بين حديث الدلالة على الخير، وبين غيره مما يحصل منه استمرار الأجر والثواب للفاعل بعد الموت، ودليل ذلك قول العلامة ابن الأمير كما مر معنا قبل هذا الإيراد، وكذلك قول النووي عند شرحه لحديث: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على بن آدم الأول كفل منها لأنه كان أول من سن القتل» قال: "وهذا الحديث من قواعد الإسلام وهو أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة، وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله، وللحديث الصحيح ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة والله أعلم" (١)، انتهى كلامه،

стр. 123

وصرح المناوي رحمه الله تعالى بحصول استمرار الأجر بعد الموت ودوامه عند شرحه لحديث الدلالة على الخير بقوله: "ومن تأمل هذا المعنى ورزق التوفيق انبعثت همته إلى التعليم ورغب في نشر العلم ليتضاعف أجره في الحياة وبعد الممات على الدوام ويكف عن إحداث البدع والمظالم من المكوس وغيرها فإنها تضاعف عليه السيئات بالطريق المذكور ما دام يعمل بها عامل فليتأمل المسلم هذا المعنى وسعادة الدال على الخير وشقاوة الدال على الشر" (١). اهـ الامر الربع: قد يموت الدال على الخير ويبقى العمل الخيري الذي دل عليه إذا كان العمل المدلول عليه مما يستمر خيره و يبقى نفعه، فبهذا يستمر الأجر والثواب للدال بعد الموت، ومن عمق النظر في هذا الحديث يجد أن الدلالة على الخير من أسهل أعمال العبادات وأعظمها أجرا إذا اخلص الإنسان فيها لله تعالى، وقصد الأجر والثواب منه ، فقد يدل شخص أخر بكلمة واحدة فينفعه الله بها نفعا عظيما مالا يتوقعه الدال من المدلول أن يحصل ذلك النفع والخير، فمثلا لو قال انسان لآخر لو تعمل كذا وكذا أي من أعمال الخير، كأن يقول له، لو تبني هنا مسجدا، أو توقف وقفا، أو تطلب علما، أو غير ذلك من أوجه الخير، فعمل ذلك بما دله عليه، فبنى مسجدا واسعا، أو طلب علما فصار شيخا، أو حفر بئرا وجعله وقفا، كان للدال مثل أجر ذلك الفاعل ولا ينقص من أجره شيئا، فتأمل كم من الأجر والثواب نال الدال بسبب كلمة دل فيها

стр. 124

غيره الى الخير، وقد ربما مات الرجل الدال وبقى العمل أو الخير الذي دل عليه عامرا مستمرا ينتفع به الناس سنين عديدة وأزمنة مديدة، والأجر حاصل له مثل أجر صاحبه، وهذا من سعة فضل الله وكرمه على عباده المؤمنين، والله أعلم. •••

стр. 125

ملاحظة: إنه في أثناء جمعي لهذه المادة وجدت أنه قد سبقني في ذكر الأعمال التي يجري للإنسان اجرها وثوابها بعد الموت وجمع أحاديثها جلال الدين السيوطي عليه رحمة الله تعالى، في شرحه على مسلم عند شرحه لحديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» ذكر بعده أربعة أحاديث (١) سردا، ولم يتعرض لشرحها ثم نظم ما حصّله من تلك الأحاديث بقوله: "وقد تحصل من هذه الأحاديث أحد عشر أمرا، وقد نظمتها وقلت: إذا مات بن آدم ليس يجري *** عليه من فعال غير عشر علوم بثها ودعاء نجل *** وغرس النخل والصدقات تجري وراثة مصحف ورباط ثغر *** وحفر البئر أو إجراء نهر

стр. 126

وبيت للغريب بناه يأوي *** إليه أو بناء محل ذكر وتعليم لقرآن كريم فخذ *** ها من أحاديث بحصر" (١). انتهى. ونظمها كذلك بعده الشيخ محمد بن علان البكري، في كتابه دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين بقوله: خصال عليها المرء من بعد موته *** يثاب فلازمها إذا كنت ذا ذكر رباط بثغر ثم توريث مصحف *** ونشر لعلم غرس نخل بلا نكر وحفر لبئر ثم إجراء نهر *** وبيت غريب في التصدق إذ يجري وتعليم قرآن وتشييد منزل *** لذكر ونجل مسلم طيب الذكر وفي خبر من ذا إذا حج فرضه *** و الدين عنه قد قضى كامل الفخر روى ابن عماد ذا بحسن ذريعة *** ولم يذكر الراوي لذلك ما يدري (٢). وقد نظمتُ في أبيات مختصرة مفيدة، الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، في أخر هذه الرسالة.

стр. 127

المبحث الثالث الدعاء ويشتمل هذا المبحث على مطلبين: المطلب الأول: الأدلة الدالة على انتفاع الإنسان بعد الممات بالدعاء من الولد، خاصة المطلب الثاني: الأدلة الدالة على انتفاع الإنسان بعد الممات بالدعاء عموما، من جميع المسلمين

стр. 128

المطلب الأول الأدلة على انتفاع الإنسان بعد الممات بالدعاء من الولد خاصة الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: … ، أو ولد صالح يدعو له» (١). الدليل الثاني: عن أنس ﵁ قال: قال صلى الله عليه وآله سلم: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وهُو فِي قَبْرِهِ … ، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: … ، و وَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، … ،» (٣).

стр. 129

الدليل الربع: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: وَلَدُكَ اسْتَغْفَرَ لَكَ» (١). الدليل الخامس: عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «إِنَّ اللهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (٢).

стр. 130

التوضيح: أخبر النبي ﷺ ، أنه بموت الإنسان ينقطع عمله إلا من ثلاث، و قد سبق أن ذكرنا الصدقة الجارية، والعلم المنتفع به، والثالثة هي الدعاء من الولد الصالح، فالدعاء مما يصل للإنسان أجره وثوابه بعد الممات، فإذا كان للإنسان ولد صالح يدعو له بعد موته، فإنه ينتفع بدعاء ولده له، ويرتفع بذلك درجات في الجنة، و الولد هو من كسب أبيه، فكان حري أن ينتفع الإنسان بدعاء ولده له بعد موته، ولذلك قال ﷺ : «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» (١). فقوله ﷺ : «ولد صالح»: يشمل الذكور والإناث، فإنه يطلق لفظ الولد عليهم جميعا، وليس محصورا على الذكور فقط، بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ويدخل في ذلك أولاد الابن، وأولاد البنت وإن نزلوا. وقوله ﷺ : «صالح» ذكر أهل العلم له معنيين: الأول: مؤمن، قاله ابن حجر المكي (٢)، والثاني: مسلم (٣). قال ابن الملك: "قيد الولد بالصالح لأن الأجر لا

стр. 131

يحصل من غيره، وإنما ذكر دعاءه تحريضا للولد على الدعاء لأبيه، حتى قيل: للوالد ثواب من عمل الولد الصالح سواء دعا لأبيه أم لا، كما أن غرس شجرة يجعل للغارس ثواب بأكل ثمرتها، سواء دعا له الآكل أم لا (١)، وفائدة التقييد بالولد مع أن غيره لو دعا لنفعه؛ تحريضا للولد على الدعاء، وأنه كالواجب عليه" (٢). قال ابن باز: "لأن الولد الصالح أقرب إلى أن يجاب من الولد الفاجر، وإن كان الدعاء مطلوبا من الجميع للوالدين، ولكن إذا كان الولد صالحا صار أقرب في إجابة دعوته لوالديه" (٣)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولده من كسبه، ودعاؤه محسوب من عمله، بخلاف دعاء غير الولد: فإنه ليس محسوبا من عمله، والله ينفعه به" (٤). خص الولد بالصالح؛ لأن من كمال صلاحه الدعاء لوالديه، في حياتهما وبعد موتهما فيُرجى منه ذلك، بخلاف الولد الفاسق؛ فإنه بسبب فسقه، وعقوقه قد ربما لا يدعو لوالديه، ولا يرجى منه الدعاء، بل وقد لا يدعو حتى لنفسه.

стр. 132

ونفهم من خلال قول النبي ﷺ : «أو ولد صالح يدعو له»، أنه يجب علينا تربية الأولاد تربية صالحة، وتنشئة كريمة، مبنية على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفعل الطاعات وترك المحرمات، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة، وتعلم العلم الشرعي الذي به تعرف الطاعة من المعصية، وبتحقق هذه الأعمال يحصل انتفاع الوالدين بصلاح أولادهم في حال حياتهما وبعد وفاتهما، فالتربية الصالحة للأولاد في صغرهم تكون سببا في صلاحهم في كبرهم ولهذا قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا ** على ما كان عوده أبوه فمن أجل ذلك فلا بد على الوالدين من فعل كل الأسباب التي تؤدي إلى صلاح جميع الأولاد، ذكوراً وإناثاً. خص الصالح من الولد بالدعاء لوالديه في الحديث؛ لأن الدعاء منه مقدم على غيره و مرجو فعله منه لعدة أمور: الأول: أن الدعاء من جملة فعل العبادة التي أمر الله بها ومنها الدعاء للوالدين في الحياة وبعد الممات، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، قال ابن كثير: "أي في كبرهما وعند وفاتهما" (١)، وقال السعدي: "أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا" (٢)، قال ابن

стр. 133

عاشور: "ثم أمر بالدعاء لهما برحمة الله إياهما وهي الرحمة التي لا يستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى" (١). فلا يستشعر هذا الأمر ويقوم به إلا الصالح البار من الأولاد فكان مرجوا منه الدعاء لوالديه أكثر من غيره؛ لأنه عاملا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ أما الفاسق أو غيره من العصاة فالغالب عليهم التهاون أو ترك العمل بأوامر الله ورسوله ﷺ فلم ينفعوا أنفسهم فضلا عن غيرهم. الثاني: من باب تمام البر الذي على الولد لوالديه، ولذلك جاء في الحديث: عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ : إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (٢) فكما بر بهما في حياتهما، كان الدعاء لهما بعد موتهما من أفضل البر بهما بعد الموت؛ لأن البر في حياتهما يكون معظمه متعلق في إصلاح المعيشة الدنيوية، وأما الدعاء لهما بعد الموت يكون كله متعلق بالحياة الأخروية والدار الباقية التي هي دار القرار، فيكون به تكفير

стр. 134

السيئات التي هي سببا في عذابهما في النار، ويحصل به رفع الدرجات في الجنة، وبهذا يكون الدعاء للوالدين من أفضل البر بهما بعد الموت. الثالث: من كمال الإحسان إليهما الذي وصى الله به في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، قال السعدي في تفسيره: "أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم" (١). الرابع: من لوازم الشكر الذي وصى به الله عباده، في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. الخامس: من باب تمام حقوق الصُحبة وآدابها، ولذلك جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» (٢).

стр. 135

فمن تمام حقوق الصحبة الدعاء للوالدين في حياتهما بالهداية، والثبات على الدين وحسن الخاتمة، وبعد الموت بالرحمة، والمغفرة، ورفع الدرجات، وغير ذلك من أنواع الدعاء، الذي يكون سببا في رفع الدرجات للوالدين في الجنة، والله أعلم. •••

стр. 136

المطلب الثاني الأدلة على انتفاع الإنسان بعد الممات بالدعاء عموما، من جميع المسلمين الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» (١). الدليل الثالث: عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال، صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: «اللهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ

стр. 137

نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ» قَالَ عَوْفٌ: «فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَيِّتَ، لِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ» (١). التوضيح: دلت هذه الأدلة على أن الدعاء من أعظم ما ينتفع به الإنسان في حياته وبعد مماته، وفي كل الأوقات، وليس الانتفاع محصورا على الأولاد من البنين والبنات الذين هم من صلبه فقط، بل ينتفع الإنسان بالدعاء عموماً؛ سواء كان من أولاده، أو من أقاربه، وأرحامه، أو أصدقائه ومحبيه، أو من غيرهم من الناس، فليس شرطا أن يكون الدعاء للميت من رجل مخصوص من المسلمين؛ وهذا أمر معلوم معروف عند جميع المسلمين، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، والأدلة على ذلك كثيرة. قال النووي: "إن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة وهما مجمع عليهما" (٢)، وقال ابن القيم في كتابه الروح: " والدليل على انتفاع [الإنسان بعد

стр. 138

موته] بغير ما تسبب فيه القرآن، والسنة، والإجماع، وقواعد الشرع" (١)، ومنها الدعاء له من جميع المسلمين، ثم ساق الأدلة على ذلك، وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية: "والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح" (٢)، ثم ذكر الأدلة. قال ابن عثيمين: "وقد دل الكتاب، والسنة، والإجماع، على انتفاع الميت بدعاء غير ولده له، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، والذين سبقوهم بالإيمان في هذه الآيات هم المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم شامل لمن بعدهم إلى يوم القيامة، فهم يدعون بالمغفرة لهم وإن لم يكونوا من أولادهم وينفعهم ذلك، و ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أغمض أبا سلمة ﵁ حين مات وقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره ونور له فيه» (٣)، وكان ﷺ يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، وصح عنه أنه قال: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله

стр. 139

فيه» (١)، وصح عنه ﷺ أنه كان يزور المقابر ويدعو لأهلها، ويأمر أصحابه بذلك، فهذه دلالة الكتاب والسنة على انتفاع الإنسان بدعاء غير ولده له، وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على ذلك إجماعاً قطعياً فما زالوا يصلون على موتاهم، ويدعون لهم وإن لم يكونوا من آبائهم" (٢). انتهى فضل الدعاء: الدعاء من العبادات التي أُمرنا أن نتعبد الله بها؛ ولذلك جاء عدد من الأدلة من الكتاب والسنة تبين فضله، وأهميته، نذكر بعضا منها: قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، والأدلة من السنة كثيرة نذكر بعضاً منها: فعن النعمان بن بشير ﵁، عن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة، ﴿قال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]» (٣)، وعن سلمان الفارسي رضي الله

стр. 140

عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه، أن يردهما صفرا» (١)، وعن أبي سعيد ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر (٢)، قال: الله أكثر» (٣). فكل هذه الأدلة تدل على فضل الدعاء ومكانته في ديننا الإسلامي الحنيف، ومما لاشك فيه أن للأولاد أجور عظيمة كلما دعوا الله واستغفروا لوالديهم، وكذلك من يدعو لإخوانه المسلمين بظهر الغيب فهو مأجور ومثاب على ذلك الدعاء، فعن أم الدرداء ﵂ قالت: إن النبي ﷺ كان يقول: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» (٤).

стр. 141

شروط استجابة الدعاء لتكملة الفائدة للقارئ الكريم فإن من شروط إجابة الدعاء، طيب المطعم، والمأكل، والملبس، ولذلك جاء في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : « … ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» (١). ومن شروطه كذلك الإخلاص لله تعالى في الدعاء، وعدم الاستعجال، وألا يدعو بإثم، أو قطيعة رحم، وكذلك أن يكون موقنا بالإجابة، وأن يكون قلبه حاضرا غير غافل أولاهٍ، وغير ذلك من الشروط فعلى الإنسان أن يحرص على فعل تلك الشروط حتي يستجيب الله له دعائه، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يستجاب لهم الدعاء. قال المناوي عند شرحه لحديث: «إذا مات الانسان انقطع عمله … » قال: "بدأ بالصدقة لأن المال زينة الدنيا، والنفوس متعلقة بحبه، فإيثار الخروج عنه لله آية صدق فاعله، وثنى بالعلم لاشتراكه معها في عموم منافعه وجموم مناقبه، وختم بدعاء الولد، تنبيها على أن شرف الأعمال المتقدمة لا ينكر، ولأنها أرجح من الأعمال القاصرة" (٢).

стр. 142

من تأمل حديث: «إذا مات الانسان انقطع عمله … » يجده بدأ بأهم ما يشمل نفعه لكل الناس من عالم وعامي وصغير وكبير وذكر وأنثى من المسلمين في حياتهم الدنيوية وبقائهم من حيث جنسهم، لكون الصدقة الجارية تكون من أمور متنوعة؛ فخيرها ونفعها متعديا الى جميع الخلق، فبالصدقة يبنى المسجد ودور العلم، وبالصدقة الجارية تطبع كتب العلم الشرعي، وينشر العلم النافع، وبالصدقة يصرف على طلبة العلم المحتاجين، وهكذا، فالصدقة الجارية قُدم ذكرها في الحديث لما لها من أهمية بالغة في جميع شئون الحياة عامة. ثم ذكر العلم لنفعه لجميع الناس، ونفعه لهم يشمل نفعهم في الدنيا والآخرة، والنفع الأخروي هو الأهم، والأعظم من النفع العاجل، كما أن في الصدقة الجارية نفع للجسد، ففي العلم نفع للروح، والقلب، والجسد كذلك، ونفع العلم مُتعد كذلك الى الغير، وبهذا فالصدقة نفعها أعم وأشمل، والعلم أفضل وأبقى وأدوم، وأما الدعاء فهو قاصر نفعه على الداعي والمدعو له فقط؛ لذلك جاء أخر الثلاثة الأعمال المذكورة في الحديث، وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر ثلاثة أعمال من الأعمال الصالحات التي يبقى ويجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات.

стр. 143

المبحث الرابع موت المرابط في سبيل الله نذكر في هذا المبحث بعضا من الأدلة التي تدل على أن موت المرابط في سبيل الله من الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، مع ذكر بعض من التوضيح الدليل الأول: عن فضالة بن عبيد ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» (١).

стр. 144

الدليل الثاني: عن سلمان الفارسي ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (١). الدليل الثالث: عن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: أَرْبَعٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: رَجُلٌ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلٌ عَلَّمَ عِلْمًا فَأَجْرُهُ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا عَمِلَ بِهِ، وَرَجُلٌ أَجْرَى صَدَقَةً فَأَجْرُهَا يَجْرِي عَلَيْهِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِمْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا يَدْعُو لَهُ» (٢). وجاء هذا الحديث بلفظ آخر (٣).

стр. 145

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ» (١). التوضيح: دلت هذه الأحاديث أن من مات مرابطا في سبيل الله فإنه يجري ويُنمى له عمله بعد موته، والرباط: ملازمة الثغر للجهاد، وأصله الحبس; كأن المرابط حبس نفسه فيه على الطاعة، والثغر: ما يلي دار العدو، «وإن مات»: أي المرابط بدلالة الرباط في ذلك المقام، أو في تلك الحالة (٢). قال ابن عثيمين: " والمرابطة في سبيل الله يعني أن يرابط الإنسان على الحدود، أو تجاه العدو في سبيل الله ؛ لإعلاء كلمة الله، وحفظ دين الله وحفظ المسلمين فإن هذا من أفضل الأعمال" (٣).
следующие страницы →