← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1040

الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات

أحمد بن محمد الحجاجي

Полный текст (173 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ملاحظة: قبل أن نختم الكلام عن الصدقة الجارية لابد أن يعلم القارئ الكريم أن الإنسان ينتفع بعد موته بالصدقة عموماً، سواء كانت الصدقة جارية، أو منقطعة (أي ليست من الصدقة الجارية)، وسواء كانت من الأنسان نفسه قدمها في حياته، أو تصدق عنه أحد من الناس سواء كان من أقارب الميت أو أرحامه أو أصدقائه أو غيرهم، فإن أجرها و ثوابها يصل إليه، ولو لم تكن من الميت نفسه أو وصية منه؛ بدليل ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (١). قال ابن عثيمين عند حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله … ،»، قال: "وهذا الحديث يراد به ما يتصدق به الميت في حياته، أو يوصي به بعد موته، لكن لا يمنع أن يكون من غيره أيضا " (٢)، وقال أيضا: "وأما قول بعض الذين ينتسبون للعلم … ،: "إن الصدقة لا تصح للموتى إلا أن تكون صدقة جارية"، فهذا غير صحيح، فإن الصدقة للموتى تصح، ويصل إليهم ثوابها إذا كانت خالصة لله تعالى، ومن مال طيب، سواء كانت جارية، أم منقطعة، ففي حديث عائشة دليل على جواز الصدقة عن الميت مطلقا، وأن له بذلك أجراً سواء كانت الصدقة

стр. 72

الجارية، أم منقطعة" (١) اهـ، وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة بعد ذكر حديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية … ،» ما لفظه: "فهذا الحديث يدل بعمومه على أن ثواب الصدقة يصل إلى الميت، ولم يفصّل النبي ﷺ بين ما إذا كانت بوصية منه أو بدون وصية، فيكون الحديث عاما في الحالتين … ، فلا فرق أن تكون من قريب أو بعيد عن الميت" (٢)، ولا شك أن للمتصدق الحي، أجر وثواب عند الله تعالى بسبب صدقته على الميت، وإن كان يريد أن يكون أجر تلك الصدقة للميت، فمن مات له قريب أو صاحب عزيز فأراد منفعته فليتصدق له، وبفعله هذا يحصل على أمرين الأول: هو نفع المتصدق عنه بثواب تلك الصدقة. الثاني: حصول الأجر للمتصدق بسبب فعله هذا، ولذلك قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله ﷺ «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٣)، فهذا قد أحسن ورحم الميت فكان الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال الشافعي: "وواسع فضله تعالى أن يثيب المتصدق أيضا، ومن ثم قال الأصحاب: يسن له أن ينوي الصدقة عن أبويه مثلا فإنه تعالى يثيبهما ولا ينقص أجره" (٤).

стр. 73

المطلب الرابع بعض أحكام الوقف (الصدقة الجارية) إذا كانت الصدقة الجارية هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه، فسوف نذكر شيئا من أحكام الوقف؛ لكي يكون الواقف على علم ومعرفة فيما يتعلق بأحكام تلك الصدقة أو ذلك الوقف، والذي سنذكر هو بعض من هذه الأحكام وليس كلها، وإن كانت هذه الاحكام تحتاج إلى شرح و تفصيل؛ لكن من باب الإشارة، وإلا ليس هذا مجال ذكرها ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتب الفقه المفصلة لذلك، وما يجدر الإشارة إليه هنا هو ذكر أهم احكام الوقف وهي شروطه، ولهذا ففي موسوعة الفقه الإسلامي ما لفظه: يشترط لصحة الوقف ما يلي: ١ - أن يكون الواقف أهلاً للتبرع [أي مسلما، حُراً، عاقلا، بالغا، رشيدا]، مالكاً لما سيقفه. ٢ - أن يكون الموقوف مالاً متقوَّماً [أي ما يكون له قيمة]، معلوماً، مملوكاً للواقف. ٣ - أن يكون الوقف عيناً معلومة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. ٤ - أن يكون الوقف على بر كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والفقراء.

стр. 74

٥ - أن يكون الوقف على معين من جهة كمسجد كذا، أو صنف كالفقراء، أو شخص كزيد مثلا. ٦ - أن يكون الوقف مؤبداً غير مؤقت، منجّزاً غير معلق، إلا إذا علقه بموته فيصح ويكون وصية. [وزاد بعضهم أن لا يشترط الواقف فيه شرط ما ينافي صحة الوقف]. وقد ذكر أهل العلم الفرق بين الوقف والوصية وهي ما يلي: ١ - أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع. ٢ - أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم لقول الرسول ﷺ لعمر: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ». أما الوصية فإنها تلزم ويجوز للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه. ٣ - الوقف يخرج العين الموقوفة عن التمليك لأحد وتخصيص المنفعة للموقوف عليه، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها أو منفعتها للموصى له. ٤ - تمليك منفعة الوقف يظهر حكمها أثناء حياة الواقف وبعد مماته، والتمليك في الوصية لا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي. ٥ - الوقف لا حد لأكثره بينما الوصية لا تتجاوز الثلث إلا بإجازة الورثة. ٦ - الوقف يجوز لوارث والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة (١).

стр. 75

وينعقد الوقف ويصح بأحد أمرين: ١ - القول: كأن يقول: وقّفت، أو حبّست، أو سبّلت ونحو ذلك، [كالكتابة ونحوها]. ٢ - الفعل: كأن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو يسوِّر مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، أو يقيم مدرسة ويأذن للناس بالدراسة فيها، أو يحفر بئراً ويأذن للناس بالشرب منها. وأنواع الوقف ما يأتي: الوقف إما أن يكون على شخص كزيد مثلاً .. أو يكون على جهة خيرية كمسجد أو مدرسة أو مستشفى أو بئر ماء ونحو ذلك … ، أو يكون على صنف معين كالفقراء، أو المعلمين، أو طلبة العلم ونحو ذلك. ما يصح وقفه: يجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه من عقار، ومنقول، فالعقار كالأرض، والدار، والدكان، والبستان ونحو ذلك. والمنقول كالحيوان، والسيارة، والسلاح، والدروع، والآلات، والكتب، والحلي، والأثاث ونحو ذلك. مقدار الوقف: ليس للوقف مقدار محدد، لكن الوقف يختلف باختلاف أحوال الناس في الغنى والسعة، فمن كان غنياً لا وارث له، فله أن يوقف جميع ماله، ومن كان غنياً وله

стр. 76

ورثة فله أن يوقف بعض المال، ويترك الباقي للورثة. مدة الوقف: الوقف مطلق مؤبد لله ، فمن أوقف أرضاً أو داراً أو مزرعة لله فقد خرجت عن ملكه وتصرفه إلى ملك الله ، فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث، ولا تسترد، وليس للورثة أن يبيعوها؛ لأنها خرجت عن ملكية المورِّث. ثبوت الوقف: إذا نطق الإنسان بصيغة الوقف، أو فعل الواقف ما يدل على الوقف، فقد لزم الوقف، ولا يحتاج ثبوت الوقف إلى قبول الموقوف عليه، ولا يحتاج كذلك إلى إذن الحاكم، وإذا ثبت الوقف فإنه لا يجوز التصرف فيه بما يزيل وقْفِيَّته. اختيار الوقف: الله ﵎ طيب لا يقبل إلا طيباً، فإذا أراد المسلم أن يوقف شيئاً طلباً لمرضاة الله ، فيحسن به أن يختار أحسن أمواله، وأنفسها عنده، وأحبها إليه، وذلك من تمام البر والإحسان، [وقد كان الصحابة الكرام يجعلون الصدقة من أنفس أموالهم وأحبها إليهم لكي ينالوا بها عظيم الأجر والثواب عند الله تعالى]. أفضل الأوقاف: أفضل الأوقاف وأحبها إلى الله هو كل ما عمّ نفعه لعموم الناس في كل زمان ومكان، كوقف الماء، وبناء المساجد، ودور العلم، وعلى المجاهدين في سبيل

стр. 77

الله، وطلبة العلم، والأقارب، والفقراء، والبساتين التي يطعم منها الفقراء والمساكين، وأفضل الأوقاف ما فيه إحياء النفوس والقلوب، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأموال، والأحوال، والأشخاص. فإذا كان الإنسان في بلد يموت فيه الناس من الجوع والعطش فالأفضل الوقف على إنقاذ الأنفس من الموت والجوع والعطش، والصدقة على القريب الفقير أفضل؛ لأنها صدقة وصلة، وإذا كان الإنسان في بلد فيه الأرزاق متيسرة، والناس محتاجون إلى العلم، فبناء المساجد ودور العلم أفضل وأعظم ثواباً … وهكذا (١). فهذه نبذة مختصرة لبعض أحكام الوقف وإن كانت الشروط عند بعض أهل العلم تزيد أو تنقص، وما ذكرناه فيه الخير والنفع إن شاء الله تعالى، وبهذا نختم حديثنا عن الصدقة الجارية، والله أعلم.

стр. 78

المبحث الثاني العلم المُنتفع به وفيه مطلبان: المطلب الأول: الأدلة على تعليم العلم المنتفع به ونشره المطلب الثاني: الأحاديث المتضمنة العلم المنتفع به

стр. 79

المطلب الأول الأدلة الدالة على تعليم العلم المنتفع به عموما ونشره نذكر في المطلب الأدلة التي تدل على أن تعليم العلم المنتفع به، ونشره، من الأعمال الصالحات التي يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، مع ذكر شيء من التوضيح عليها الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: … ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِه» (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله سلم -: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ … » (٢). الدليل الثالث: عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﵌: «سَبْعٌ

стр. 80

يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وهُو فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، … » (١). التوضيح: دلت هذه الأحاديث على أن العلم المنتفع به من الأعمال الصالحات التي يبقى ويجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، فمن علَّم علما، ونشره بين الناس فانتفع الناس بذلك العلم، جرى لصاحبه الأجر والثواب وهو في قبره؛ ولهذا قال ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به … »، فالعلم الذي يُنتفع به هو: ما علمه الإنسان الناس في حياته من تعليم، أو تصنيف أو غير ذلك، ونشره بينهم فانتفع الناس بذلك العلم بعد موته، فإن الأجر جار لصاحبه ما استمر انتفاع الناس به، ولذلك قال عبد الرحمن آل سعدي: " العلم الذي ينتفع به من بعده: كالعلم الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم، والعلم الذي نشره بين الناس، والكتب التي صنفها في أصناف العلوم النافعة، وهكذا كل ما تسلسل الانتفاع بتعليمه مباشرة، أو كتابة، فإن أجره جار عليه (٢)، قال السبكي: "والتصنيف أقوى لطول بقائه على ممر الزمان" (٣).

стр. 81

فضل العلم الشرعي ومكانته: لا يخفى على أحد فضل العلم، وشرفه ومكانته، وماله من أهمية في ديننا الإسلامي الحنيف، ولذلك ورد في فضله كثير من الآيات، والأحاديث التي تدل على ذلك، نشير الى بعض منها: قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال أيضا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، وغير ذلك من الآيات التي تدل على فضل العلم ومكانته الرفيعة. أما الأحاديث: فعن أبي الدرداء ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما

стр. 82

ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١)، وعن معاوية ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٢)، وعن حذيفة بن اليمان ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع» (٣)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٤)، وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع» (٥)، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على فضل العلم ومكانته وفضل من تعلمه وعلمه وبلغه الناس.

стр. 83

قال الإمام أحمد: "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه" (١). وقوله ﷺ : «ينتفع به»: قال الهروي: "قال ابن الملك: قيد العلم بالمنتفع به؛ لأن غيره لا يؤتى به أجرا"، ثم قال الهروي: "والمراد بالمنتفع به: هو العلم بشريعة محمد ﷺ " (٢)، المحتوية لعلم التفسير والحديث والفقه والأصول وغيرها من العلوم الداخلة في علم الكتاب والسنة. قال ابن الأمير الصنعاني العلم المنتفع به: "المراد النفع الأخروي، فيخرج ما لا نفع فيه، كعلم النجوم من حيث أحكام السعادة وضدها، يدخل فيه من ألف علما نافعا أو نشره فبقي من يرويه عنه وينتفع به، أو كتب علما نافعا ولو بالأجرة مع النية أو وقف كتبا" (٣)، وسئل ابن عثيمين: هل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا من الفيزياء والكيمياء أم هو مقيد بالشرعي؟ فأجاب بقوله: "كل علم يُثاب عليه العبد ثم يُعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه، وإذا أثيبوا عليه ناله من الأجر بعد موته ما يستحق، وأما ما لا ثواب

стр. 84

في تعلمه فليس فيه أصلا ثواب حتى نقول: إنه يستمر، فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية، كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها فإن علمها أحدا من الناس أثيب هذا المتعلم فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه" (١). وقال أيضا في جوابه على سؤال لفظه: ما المقصود بالعلم الذي يؤجر عليه في قوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: أو علم ينتفع به»، هل المراد به العلم الشرعي أم العلم الدنيوي؟. فأجاب بقوله: " الظاهر أن الحديث عام، كل علم ينتفع به فإنه يحصل له الأجر، لكن على رأسها وقمتها العلم الشرعي، فلو فرضنا أن الإنسان توفي وقد علم بعض الناس صنعة من الصنائع المباحة، وانتفع بها هذا الذي تعلمها فإنه ينال الأجر، ويؤجر على هذا" (٢)، انتهى، وفي سؤال قُدم للجنة الدائمة يقول فيه: هل طباعة الكتب الشرعية الصحيحة التي ينتفع بها الناس يدخل في العلم الذي ينتفع به الإنسان بعد موته كما جاء في الحديث؟. فكان الجواب: " إن طباعة الكتب المفيدة التي ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم هي من الأعمال الصالحة التي يثاب الإنسان عليها في حياته ويبقى أجرها ويجري نفعها له بعد مماته، ويدخل في عموم قوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو

стр. 85

له» وكل من ساهم في إخراج هذا العلم النافع يحصل على هذا الثواب العظيم، سواء كان مؤلفا له، أو معلما، أو ناشرا له بين الناس، أو مخرجا، أو مساهما في طباعته، كل بحسب جهده ومشاركته في ذلك" (١). فعلى الإنسان أن يعمل كل ما بوسعه على أن يكون له شيء من علم ينتفع به بعد موته، ولو لم يكن إلا انتفاع أهل بيته وأولاده ومن إليهم من أقاربه وأرحامه مما يحتاجونه من أمور العلم الشرعي لتستقيم عباداتهم مع الله تعالى ومعاملاتهم مع الخلق، ويكون في ذلك مخلصا محتسبا الأجر والثواب من الله تعالى، وهذا أقل أحوال ما يكون عليه العبد؛ وإن كان هو مسؤولا عنهم بين يدي الله تعالى كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقال ﷺ : «كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته … » (٢)، وإنك لتعجب أشد العجب ممن قد بلغ من العلم الدنيوي والجاه والمكانة بين الناس مبلغه؛ ولكن مع هذا كله لا تجده، ولا أهله، ولا أولاده، يحسنون فعل عبادة من العبادات، كالصلاة، والوضوء مثلا، ومع هذا تراه يحاضر في الجامعة، أو في المؤسسة أو في أي مكان من أماكن عمله، من العلوم الدنيوية التي قد ربما لا

стр. 86

يكون له بها أجر، بل قد ربما بعضهم يأثم، خصوصا إذا كان فيها مدح لليهود والنصارى والثناء عليهم؛ بسبب ما لديهم من العلوم المادية أو الدنيوية، و تحقير للمسلمين والاستهزاء بهم؛ وفي المقابل لم يولي أي اهتمام بالعلم الديني أو الشرعي، لا لشخصه، ولا لغيره ممن هو مسؤول عنهم عند الله تعالى، فتراه إن توضأ لا يحسن و ضوئه وإن صلى لا يحسن صلاته، ومع هذا يظن أنه قد بلغ من العلم مبلغه، وهذا من كثرة الجهل بالعلم الشرعي بين المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 87

المطلب الثاني الأحاديث المتضمنة العلم المنتفع به الحديث الأول: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (١)، وفي رواية خارج الصحيح بزيادة: «فله أجرها، وأجرمن عمل بها إلى يوم القيامة» (٢).

стр. 88

التوضيح: قبل البدء في الكلام عن بعض ما جاء من توضيح لهذا الحديث أذكر سبب ذكر هذا الحديث: فعن جرير ﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر (١) وجه رسول الله ﷺ ، لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره - حتى قال - ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت (٢)، قال: ثم تتابع

стр. 89

الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل، كأنه مُذهَبة، فقال رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر … »، فمن خلال ما سبق تبين لنا سبب قول النبي ﷺ ، من سن في الإسلام سنة حسنة، فكان سبب قول النبي ﷺ ، ذلك هو مجيء ذلك الأنصاري بالصرة التي عجزة كفه عنها، فبعد ما رأوه الصحابة تتابعوا في بذل الصدقة فتهلل وجه النبي ﷺ فذكر الحديث. فقوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة»: قال الهروي: "أي أتى بطريقة مرضية يُقتدى به فيها" (١)، وقال المبارك فوري: "أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين، أو صار باعثاً وسبباً لترويج أمر ثابت في الشرع" (٢)، أي من أحيا سنة ثابتة في الشرع قد أميتت بعدم فعل الناس لها، فبادر في فعلها فتبعه الناس.

стр. 90

قال صاحب دليل الفالحين عند قوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة» "وإن لم يكن حسنها بالنص، بل بالاستنباط بأن دعا لفعلها بقول، أو فعل، أو أعان عليها، أو فعلها فاقتدى به في فعلها" (١). قال ابن عثيمين: "أي ابتدأ العمل بسنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة، بل يبتدئ العمل لأنه إذا ابتدأ العمل سن الطريق للناس وتأسوا به وأخذوا بما فعل (٢)، فمعنى: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي سن الوصول إلى شيء مشروع من قبل، كجمع الصحابة المصاحف على مصحف واحد، فهذا سنة حسنة لاشك، لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين وتضليل بعضهم بعضاً، وكذلك أيضاً جمع السنة وتبويبها وترتيبها، فهذه سنة حسنة يتوصل بها إلى حفظ السنة" (٣). وقال أيضا في موضع أخر: " السُنة في الإسلام ثلاثة أقسام: سنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها لقول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة»، وسنة حسنة: وهي على نوعين: النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يجدها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي ﷺ شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة

стр. 91

النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر ﵁ أو في خلافة عمر، رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو ﵁ قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا سنة كانت قد تركت. والنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل. فالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع فله أجره وأجر من عمل بها من بعد … ، وفي هذا الحديث الترغيب في فعل السنن التي أميتت وتركت وهجرت، فإنه يكتب لمن أحياها أجرها وأجر من عمل بها، وفيه التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١) انتهى. فمن تأمل في حياة الناس اليوم يجد كثيرا من السنن التي قد أُميتت وتركت وهجرت عند كثير من المسلمين، فعلى الإنسان أن يحرص ويبادر الى سن تلك السنن وإحيائها، والعمل بها، ودعوت الناس إليها؛ ليكن له أجرها وأجر من عمل بها بعده. وقوله ﷺ : «فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده» أي: ثواب العمل بها، يعني أجر عمله بها، وأجر من عمل بسنته الحسنة، فإن السنة سبب ثبوت الأجر فجازت

стр. 92

الإضافة (١)، وإنه لما تسبب في إيجادها جعل كأنه العامل لها المأجور بها، قال علي القاري: "قال ابن الملك: أي بعد ممات من سنها قيد به لما يتوهم أن ذلك الأجر يكتب له ما دام حيا اهـ. قلت [أي القاري]: وفيه أنه يتوهم حينئذ أن الأجر لا يكتب له وهو حي، فالأحسن أن يقال من بعد ما سنها" (٢). قوله ﷺ : «من غير أن ينقص من أجورهم شيء» قال ابن علان: "أي: إن حصول أجر مثل الفاعل لها لدلالته عليها، لا يدخل به شيء من النقص في أجورهم" (٣)، أي إنه مع ما يحصل من الأجر لفاعل السنة أو المبتدئ بها، فإن ذلك لا ينقص من أجور العاملين بها شيء، فأجورهم كاملة تامة. تنبيه وتحذير: لا يجوز ولا يفهم من هذا الحديث جهلا أنه يجوز للإنسان أن يُحدث ويبتدع في الدين ما ليس منه، ولا عليه دليل شرعي، سواء كانت البدع والمحدثات قولية، أو فعلية، فكل ذلك مردود على صاحبه، وهو عاص لله ولرسوله ﷺ ، نعم؛ لأن من سن في الإسلام سنة ليست ثابتة في الشرع، فهي بدعة مردودة على صاحبها وإن ظنها حسنة؛ كونه ابتدع في دين الله ما ليس منه؛ ولذلك حذر النبي ﷺ من فعل

стр. 93

ذلك بقوله: «من أحدث (١) في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد» (٢)، وفي رواية «ما ليس منه فهو رد»، وبقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)، فكل عمل يُعمل مما يقصد به التعبد لله وليس عليه دليل شرعي فهو بدعة، وعمل مردود على صاحبه، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولذلك قال ابن عثيمين: "وقد أخذ حديث «[من سن في الإسلام سنة حسنة]» أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكاراً ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها " (٤).

стр. 94

وقوله ﷺ : «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها … »: أي أتى بطريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين، يعني بدعة شرعية (١)، قال صاحب دليل الفالحين: "أي: معصية وإن قلَّت بأن فعلها فاقتدى به فيها أو دعا إليها أو أعان عليها «كان عليه وزرها» أي: إثم عملها، «ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»؛ وذلك لأن فعل المكلفين وإن كان غير موجب ولا متقض لثواب ولا عقاب بذاته إلا أن الله تعالى أجرى عادته الإلهية بربطهما به ارتباط المسبب بالسبب وليس للعبد تأثير في صدور الفعل عنه بوجه، فكما يترتب كل منهما على ما يباشره بترتب على ما هو السبب فيه بنحو إرشاد أو أمر، فلما انفكت جهة المباشرة عن جهة جزاء الدلالة لم ينقص أجر الدالّ من أجر المباشر شيئاً" (٢). قال ابن عثيمين: "أن من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت، فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحداً من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريباً، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، نعم لو كان الشيء مباحاً ولا يخشى منه أن يكون ذريعة إلى محرم، فلا بأس للإنسان أن يبينه للناس، كما لو كان الناس

стр. 95

يظنون أن هذا الشيء محرم وليس بمحرم، ثم يبينه للناس من أجل أن يتبين الحق، ولكن لا يخشى عاقبته، فهذا لا باس به، أما شيء تخشى عاقبته، فإنه يكون عليه وزره ووزر من عمل به، والله أعلم" (١). قال المبارك فوري: "وفي الحديث الحث على البداءة بالخير ليستن به، والتحذير من البداءة بالشر خوف أن يستن به، ووجه المناسبة بالعلم أن استنان السنن المرضية من باب العلم المنتفع به" (٢).

стр. 96

الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (١). التوضيح: قال النووي: "إن حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة»، وحديث: «من دعا إلى هدى … »، صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم، أو عبادة، أو أدب، أو غير ذلك، قوله ﷺ : «فعمل بها بعده» معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته" (٢).

стр. 97

قوله ﷺ : «من دعا» أي: من بيَّن، أو أرشد، أو دلّ، غيره إلى فعل خير وهدى، وترك شر وضلال، سواء كان دعا بالقول أو بالفعل أو بالكتابة أو بغير ذلك مما يكون سببا في عمل غيره لذلك الهدى. وقوله ﷺ : «إلى هدى» أي: إلى ما يُهتدى به من العمل الصالح، والعلم النافع، و كل ما يحبه الله و يرضاه ويثاب عليه، من الأعمال والأقوال الصالحة، ولهذا جاءت كلمة «هدى» في الحديث مطلقة شائعة في جنس ما يقال له هدى، فيطلق على القليل والكثير والصغير والكبير، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين؛ حيث جعل باب الدعوة بابا واسعا يشمل عدة مجالات متنوعة في الدعوة الى الله تعالى، فهذا يدعو الى توحيد الله تعالى، وهذا أعظم هدى يُدعا إليه، وهذا يدعو الى تعلم العلم الشرعي، وهذا يدعو الى المحافظة على أركان الاسلام من صلاة وصيام، وهكذا فكل ما جاء به الإسلام من الأعمال الصالحة، والعبادات المتنوعة، والأخلاق الفاضلة، والمقاصد الحسنة، كله من الهدى. قال الطيبي: "فأعظمه هُدى: من دعا إلى الله وعمل صالحا، وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى، ولهذا عَظُم شأن الفقيه الداعي المنذر حتى فُضل واحد منهم على ألف عابد؛ ولأن نفعه يعم الأشخاص و الأعصار إلى يوم الدين" (١). فأعظم هُدى يُدعى الناس إليه هو توحيد الله تعالى، والإخلاص له في سائر العبادات والطاعات، ومعرفته بأسمائه وصفاته، ومعرفة الحلال

стр. 98

والحرام، ومعرفة السُنة من البدعة، ثم ما لا يستغني عنه المسلم في سائر العبادات، كمعرفة شروط وأحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر العبادات التي لا غنى له من معرفة أحكامها، لكي تكون مقبولة عند الله جل وعلا، ومعرفة كل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ثم الأهم فالأهم، وكل على حسبه، وما يحتاجه الناس من الدعوة إليه وبيانه، وقد تيسر في هذا الزمان أمر الدعوة للخلق، وتبليغهم الهدى والرشاد عبر كثير من الوسائل التي أصبحت منتشرة بين أوساط الناس، مثل ظهور التكنلوجيا الحديثة وما فيها من وسائل متعددة تزيل كثيرا من التعب والجهد في إيصال الخير والهدى للناس، ولا شك أن الحريص على دعوة الناس إلى الهدى والخير سوف يعمل على استغلال تلك الوسائل الحديثة غاية الاستغلال، بل ويعمل كل ما في وسعه في الدعوة إلى الله تعالى بكافة الطرق والوسائل المتاحة المشروعة؛ طمعا لما عند الله من استمرار الأجر والثواب على ذلك الهدى، والعلم المنتفع به، في حياته وبعد الممات. وقوله ﷺ في الحديث: «كان له من الأجر» أي: كان للداعي الى الهدى. وقوله ﷺ : «مثل أجور من تبعه» أي: مثل أجور جميع من تبعه من الناس سواء كانوا ذكورا أم إناثا صغارا أم كبارا، وسبب حصوله لتلك الأجور؛ لأنه تسبب في ذلك الهدى كونه سبقهم إليه، فعمل به، ودعاهم إليه فتبعوه وعملوا بذلك

стр. 99

الهدى، ولذلك قال المناوي: "فهبه ابتدعه أو سبق إليه؛ لأن اتباعهم له تولد عن فعله الذي هو من سنن المرسلين" (١). وقوله ﷺ : «لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا» أي: لا ينقص من أجور الناس الذين تبعوا ذلك الداع الى الهدى والخير شيئا، فليطمئنوا على أجور أعمالهم فإن فضل الله واسع، وكلا سيأخذ أجره كاملا دون نقصان، ودليل ذلك قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَايَلِتْكُمْ (٢) مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. فيستفاد من الحديث أن على الإنسان أن يبادر إلى الهدى؛ ليكون أسبق الناس في فعله، ثم بعد ذلك يسارع إلى دعوة الناس إليه، مع حرصه ليفعلهم لذلك الهدى؛ فيكون الناس له تبع، فيحصل له من الأجر مثل أجورهم ما عملوا ذلك الهدى والخير الذي دعاهم إليه، والدعوة الى الهدى من الأعمال الصالحة التي يبقى و يجري للإنسان أجرها وثوابها بعد الممات، فعلى الإنسان أن يحرص كل الحرص على دعوة الناس وهدايتهم إلى الخير؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لعلي ابن ابي طالب

стр. 100

رضي الله عنه: «فو الله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم (١)» (٢)، فما أحوج الواحد منا الى ذلك الأجر والثواب من الله العزيز والوهاب. فضل الدعوة الى الله تعالى: إن دعوة الناس الى الله تعالى من أفضل الأعمال، وأحسنها الى الله تعالى، وعليها الأجور العظيمة، ولها فضائل جليلة، ومناقب رفيعة، ومكانة سامية، فهي وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فمن قام بها ورث الأنبياء، واتصف بصفاتهم و سلك مسلكهم وسار على نهجهم؛ ولذلك ورد في فضل الدعوة الى الله تعالى كثير من الآيات والأحاديث تبين فضلها، وأنها عمل الأنبياء والرسل وعباد الله الصالحين، نذكر بعضا منها: قال تعالى مخبرا عن نبيه نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: ٥]، فانظر الى هذه الهمة العالية التي اتصف بها نبي الله نوح ﵇ في دعوة الى الله تعالى وهو يدعو قومه، فقد ضرب أروع الأمثلة، وأعظم الصور في الدعوة الى الله، فإنه لم يكتف بدعوة قومه في النهار فقط، بل كان يدعوهم بالليل والنهار، سر وعلانية، ومع هذا لم يصبه اليأس أو الملل، بل استمر

стр. 101

في دعوته على تلك الحال ألف سنة إلا خمسين عاما، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. قال ابن القيم: "ذكر سبحانه مراتب الدّعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعوّ: فإنّه إمّا أن يكون طالبا للحقّ محبّا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال؛ وإمّا أن يكون مشتغلا بضدّ الحقّ، ولكن لو عرفه آثره واتّبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالتّرغيب والتّرهيب؛ وإمّا أن يكون معاندا معارضا فهذا يجادل بالّتي هي أحسن، فإن رجع وإلّا انتقل معه إلى الجدال إن أمكن" (١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾ "قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير، وقال غيرهم: هداة مهتدين ودعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابا، وأحسن مآبا" (٢).

стр. 102

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، قال ابن كثير: "أي دعا عباد الله إليه ﴿وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي وهو في نفسه مهتد بما يقول فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعدّ، وليس هو من الّذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر، ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشرّ ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎، وهذه عامّة في كلّ من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتد، ورسوله ﷺ أولى النّاس بذلك" (١)، وروي عن الحسن البصري ﵀، أنه تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فقال: "هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحبّ أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا النّاس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال إنّني من المسلمين، هذا خليفة الله" (٢). أما الأحاديث: فعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «نضر الله عبدا (٣) سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه

стр. 103

إلى من هو أفقه منه» (١)، وعن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، وقال ابن المبارك: "ولا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم" (٣)، وقال ابن الجوزي: "من أحب ألا يَنْقَطِع عمله بعد مَوته فلينشر الْعلم" (٤). قال ابن عبد البر عند حديث: «من دعا الى هدى … ،»: "هذا الحديث أبلغ شيء في فضل تعليم العلم اليوم والدعاء إليه وإلى جميع سبل الخير والبر" (٥). و تبليغ الدّعوة إلى الله يكون بالقول وبالعمل وبسيرة الدّاعي الّتي تجعله قدوة حسنة لغيره فتجذبهم إلى الإسلام (٦). الشطر الثاني من الحديث: قوله ﷺ : «ومن دعا إلى ضلالة» قال ابن علان: "أي: من أرشد غيره إلى فعل إثم وإن قلّ أو أمره به أو أعانه عليه «كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه» عليها

стр. 104

وامتثل أمره فيها «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» " (١)، وما أكثر دعاة الضلالة اليوم لا كَثّرهم الله ولا بارك فيهم، فهم لا يفترون في إضلال الناس ليلا و نهارا، بكل الوسائل والطرق، مستخدمين في ذلك ألوانا متعددة في دعوتهم الى الضلالة، وأساليب ماكرة خبيثة، وهؤلاء الداعون الى الضلالة أخبث ممن هو واقع فيها ولم يدع غيره إليها، والسبب أنهم لم يكتفوا بوقوعهم في الضلالة؛ بل يدعون غيرهم ليوقعوه فيما هم فيه من الإثم والشر، فهم دعاة الى نار جهنم مباشرة، ولهذا قال الرسول ﷺ : «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» (٢). قوله ﷺ : «إلى ضلالة» أي: إثم وذنب أو بدعة ابتدعها أو سبق بها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وأعظم ضلالة ما فيها شرك بالله أو كفر به، كمن يذبح للقبور بقصد دفع ضر أو جلب نفع، أو يدعوهم من دون الله، وتعلم السحر وتعليق التمائم و الحروز، وتصديق السحرة والكهنة والذهاب إليهم، وغير ذلك من الأعمال الشركية المنافية لتوحيد الله جل وعلا، ثم ما يكون أدنى من ذلك فأدنى كل على حسبه، حتى تصل الى أدنى فعل يترتب عليه أثم أو وزر، فهو ضلالة، لأن كلمة ضلالة جاءت في الحديث نكرة فدلت على كل ما يكون

стр. 105

فيه ذنب ووزر سواء كان صغيرا أو كبيرا، فلينتبه المرؤ على نفسه مما يدعوا الناس إليه وليكن على حذر في كل صغيرة وكبيرة. وقوله ﷺ : «فإن عليه من الإثم مثل آثام من تبعه» قال المناوي: "لتولده عن فعله الذي هو من خصال الشيطان والعبد يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه، كما يعاقب السكران على جنايته حال سكره، وإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا، فالله يعاقب على الأسباب المحرمة وما تولد منها، كما يثيب على الأسباب المأمور بها، وما تولد منها؛ ولهذا كان على قابيل القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل (١)، وقوله ﷺ : «فإن عليه من الإثم مثل آثام من تبعه»، هو موافق لقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، وعن عبد الله مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل (٢)» (٣). قال عبد الرحمن آل سعدي: " الهُدى: هو العلم النافع، والعمل الصالح، فكل من علم علما أو وجه المتعلمين إلى سلوك طريقة يحصل لهم فيها علم: فهو داع إلى

стр. 106

الهدى، وكل من دعا إلى عمل صالح يتعلق بحق الله، أو بحقوق الخلق العامة والخاصة: فهو داع إلى الهدى، وكل من أبدى نصيحة دينية أو دنيوية يتوسل بها إلى الدين: فهو داع إلى الهدى، وكل من اهتدى في علمه أو عمله، فاقتدى به غيره: فهو داع إلى الهدى، وكل من تقدم غيره بعمل خيري، أو مشروع عام النفع: فهو داخل في هذا النص، وعكس ذلك كله: الداعي إلى الضلالة. فالداعون إلى الهدى: هم أئمة المتقين، وخيار المؤمنين، والداعون إلى الضلالة: هم الأئمة الذين يدعون إلى النار، وكل من عاون غيره على البر والتقوى: فهو من الداعين إلى الهدى، وكل من أعان غيره على الإثم والعدوان: فهو من الداعين إلى الضلالة" (١). قال العلامة ابن عثيمين: " «من دعا إلى هدى»: يعني بيّنه للناس ودعاهم إليه، مثل أن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة، وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى، ثم تبعه الناس وصاروا يصلون الضحى، فإن له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً؛ لأن فضل الله واسع، أو قال للناس مثلاً: اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وتراً، ولا تناموا إلا على وتر إلا من طمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره في آخر الليل، فتبعه ناس على ذلك فإن له مثل أجرهم، يعني كلما أوتر واحد هداه الله على يده؛ فله مثل أجره، وكذلك بقية الأعمال الصالحة.

стр. 107

«من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»، أي إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم، فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله، وأعلم أن الدعوة إلى الهدى، والدعوة إلى الوزر تكون بالقول؛ كما لو قال إفعل كذا إفعل كذا، وتكون بالفعل، خصوصاً من الذي يُقتدي به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدي به ثم فعل شيئاً فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز، أو ترك كذا وهو جائز" (١) اهـ. الداعي الى الهدى يتعلق أجر من تبعه بإمرين: الأول: ما يتعلق بكثرة وقلة الناس التابعين له، فكلما زاد وكثر التابعون له في الهدى الذي دعا إليه كلما كثر أجره وعظم ثوابه وانتشر فضله، والعكس كلما قل التابعون له والمقتدون به كان له من الأجر على قدر من تبعه؛ ولهذا فعلى الانسان أن يحرص على أن يكثر من دعوة الناس إلى الهدى والخير مما جاء في الكتاب والسنة، بكل الوسائل والطرق المباحة في كل مكان وزمان؛ لكي يتحصل على كثير من الأجر والثواب؛ وإن كان الأجر حاصل لمن دعا الى الهدى والخير سواء تبعه قليل من الناس أو كثير؛ كما حصل لنوح ﵇، فقد استمر يدعو

стр. 108

قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع هذا فما ءامن معه إلا قليل، وهو نبي من أولي العزم مؤيد بالمعجزات من الله تعالى؛ فما بالك بمن هو دونه؛ ولكن من كثُر التابعون له من الناس، لاشك أن له مثل أجور من تبعه؛ ولهذا قال في الحديث: «مثل أجور من تبعه»، ولذلك بكى موسى ﵇، عندما علم أن من يدخل الجنة من أمة نبينا محمد ﷺ ، أكثر من أمته كما في صحيح مسلم من حديث مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ وفيه: قال: «ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة، فأتيت على موسى ﵇، فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزته بكى، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي» (١)، وكذلك قول النبي ﷺ : «فإني مكاثر بكم الأمم» (٢)، ففي هذا دليل على فضل كثرة التابعين للعبد المسلم على الهدى والخير والعمل الصالح، والله أعلم. الثاني: ما يتعلق باستمرارية الناس التابعين له، فكلما استمر من تبعه زمنا طويلا بين الناس، حصل منهم استمرار العمل بالهدى الذي دعا إليه، وتعاقبته الأجيال وتوسع وانتشر في الأفاق، فإذا حصل هذا دام وزاد أجره وثوابه، وحصل الخير الكثير والنفع العظيم، وبالعكس فإذا انقطع من تبعه على الهدى الذي دعا إليه سواء بالموت أو بترك العمل، حصل من الأجر بقدر من تبعه واستمر ذلك العمل

стр. 109

عند الناس؛ ولكن الفضل بيد الله تعالى، فقد يقيض الله للداعي من يجدد ذلك الهدى الذي دعا إليه ولو بعد حين، فيعمل به، وينشره بين الناس ويحصل به الخير الكثير، والله أعلم. أهمية العلم الشرعي للداعي الذي يدعو الناس الى الخير والهدى لابد للإنسان أن يكون على علم، ومعرفة بدين الله تعالى، قبل أن يدعو الناس الى الهدى والخير، ولا يحصل ذلك، بل لا يستطيع أن يفرق بين الهدى من الضلال، وبين الخير من الشر، إلا بموجب العلم الشرعي الذي من خلاله يميز الفرق بينهما، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] قال ابن كثير في تفسيره: "يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرا له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي" (١). فإذا لم يكن الإنسان على حجة، وعلى علم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقد يكون داع الى الضلالة دون علم منه، وهو يظن أنه يدعو الناس الى الخير والهدى

стр. 110

وهو يدعوهم الى الشر والضلال، والبدعة، والإثم، والعياذ بالله من ذلك؛ ولذلك قال الشاعر: رام خيرا فضر من غير قصد *** ومن البر ما يكون عقوقا وقال أخر: عرفت الشرَّ لا *** للشرِّ ولكن لتوقِّيه ومن لم يعرف الشرّ *** من الخير يقع فيه فالدعوة الى الله تعالى لا تحصل إلا بالعلم الذي يعتبر سلاح الداعي وعدته وعتاده فبه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرد عن الشبه ويدحض الباطل، وينكر البدعة ويبين السنة، وغير ذلك مما يتعلق بأعمال الداعي الى الله تعالى. قال ابن القيم: "إذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلّها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم، إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء" (١). فلابد للداعي أن يكون على معرفة بالعلم الشرعي مستمدا دليله من الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، متمسكا أشد التمسك به، مبتعدا عن كل ما يؤدي الى الانحراف عن ذلك الطريق القويم والسبيل المستقيم، ولذلك، قال ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: "ومن أحالك على غير أخبرنا وحدثنا فقد أحالك: إما على
следующие страницы →