← Акыда

Акыда · id 1041

الإمامة العظمى - الريس

عبد العزيز الريس

Полный текст (412 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة سلام عليكم ورحمة الله وبركاته … أما بعد: فإنَّ كلَّ ما حكمَ الله ورسولُه فيه من أمور الحياة = واجبٌ علينا الإيمانُ به والامتثالُ له. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وإنَّ التحاكم للكتاب والسُّنة والرجوع إليهما أصلٌ عظيم يجب أن يكون نصبَ عين كلِّ متكلم في الشرع، فلا حقَّ، ولا راجحَ إلَّا ما دلَّ عليه الوحي. وقد تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة على أنَّ الرجوع والتحاكم عند النزاع والاختلاف إنما يكون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإنما يفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتابُ المنزل من السماء، والرسولُ المؤيَّد بالأنباء كما قال تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]. وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].

стр. 2

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾» (١). قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: «قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ وهذا أمرٌ من الله بأنَّ كل شيء تنازعَ الناسُ فيه من أصول الدين وفروعه أن يُردَّ التنازُع في ذلك إلى الكتاب والسُّنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، فما حكم به الكتابُ والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحقُّ، وماذا بعد الحق إلَّا الضلال!، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي رُدُّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجرَ بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ فدلَّ على أنَّ من لم يتحاكم في محلِّ النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك = فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خيرٌ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسَنُ عاقبةً ومآلًا، كما قاله السُّدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسَنُ جزاءً؛ وهو قريب».

стр. 3

وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تُحصى واردةً بإلزام جميع المكلَّفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليس في شيءٍ منها التخصيصُ بمن حصَّلَ شروط الاجتهاد المذكورة، وسنذكر طرفًا منها لنبيِّن أنه لا يجوز تخصيصُها بتحصيل الشروط المذكورة. قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٤]. والمراد بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هو القرآن والسنة المبيِّنة له؛ لا آراء الرجال. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. فدلَّت هذه الآية الكريمة أنَّ من دُعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصَدَّ عن ذلك، أنه من جملة المنافقين؛ لأنَّ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. والردُّ إلى الله والرسول هو الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الردُّ إلى سُنَّته. وتعليقُه الإيمان في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ على ردِّ التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يُفهم منه أن مَنْ يردُّ التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله. ثم قال: وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١].

стр. 4

ولا شكَّ عند أحدٍ من أهل العلم أنَّ طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورةٌ في العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ » (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول ﷺ في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا» (٢). وقال الآجري: «فَرضَ على الخلق طاعته ﷺ في نيِّفٍ وثلاثين موضعًا من كتابه » (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكرَ الله طاعة الرسول ﷺ وأتباعَهُ في نحوٍ من أربعين موضعًا من القرآن كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾» (٤). وقال أيضًا: «وقد أمر الله بطاعة رسول الله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن» (٥). وليس لأحدٍ أن يقلِّد عالمًا معظَّمًا أو غيره، وقد بان له الدليل في خلاف قوله ورأيه، وقد نقل الإمام ابن القيم ﵀ عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ أنه قال: «أجمعَ الناس على أنَّ من استبانت له سُنَّةٌ عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعَها لقول أحدٍ من الناس» (٦).

стр. 5

وممَّا حكمَ الله ورسوله فيهما ما يتعلَّق بأحكام الإمامة العظمى والولاية والسلطان، فلا يصحُّ لمن أراد نجاة الدنيا والآخرة أن يخالف حكمَ الله ورسوله ﷺ في هذا الباب إلى حكم غيره من الآراء البشرية الناقصة، أو الاستحسانات المتوهَّمة. قال الإمام ابن القيم: «والاعتراضُ ثلاثة أنواع سارية في الناس؛ والمعصومُ من عصَمهُ الله منها: النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبه الباطلة، التي يسمِّيها أربابها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة خيالات جهلية، ومُحالات ذهنية. النوع الثاني: الاعتراض على شرعهِ وأمره؛ وأهلُ هذا الاعتراض ثلاثة أنواع: أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيسَتهِم، المتضمِّنة تحليلَ ما حرَّم الله ، وتحريمَ ما أباحه، وإسقاطَ ما أوجَبه، وإيجابَ ما أسقَطه، وإبطالَ ما صحَّحه، وتصحيحَ ما أبطَلُه، واعتبارَ ما ألغاهُ، وإلغاءَ ما اعتبرَهُ، وتقييدَ ما أطلقَهُ، وإطلاقَ ما قيَّده. وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلفُ قاطبةً على ذمِّها، والتحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذَّروا منهم، ونفَّروا عنهم، ثم قال: النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة، التي لأربابِ الولايات التي قدَّموها على حكم الله ورسوله، وحكَموا بها بين عباده، وعطَّلوا لها وبها شَرعَهُ وعَدلَهُ وحُدودَه. فقال الأولون: «إذا تعارضَ العقلُ والنقل أيُّهما يُقدَّم؟: قدَّمنا العقل». وقال الآخَرون: «إذا تعارض الأثر والقياس، قدَّمنا القياس».

стр. 6

وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: «إذا تعارضَ الذوقُ والوجد والكشف وظاهرُ الشرع، قدَّمنا الذوق والوجد والكشف». وقال أصحاب السياسة: «إذا تعارضت السياسة والشرع، قدَّمنا السياسة». فجعلت كلُّ طائفة قُبالةَ دينِ الله وشرعهِ طاغوتًا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: «لكم النقلُ ولنا العقل»، والآخَرون يقولون: «أنتم أصحابُ آثارٍ وأخبار، ونحنُ أصحابُ أقيسة وآراء وأفكار»، وأولئك يقولون: «أنتم أربابُ الظاهر، ونحن أهلُ الحقائق»، والآخَرون يقولون: «لكم الشرعُ ولنا السياسة». فيا لها من بليَّةٍ عمَّتْ فأعمت، ورزَّيةٍ رمَتْ فأصمَّت، وفتنةٍ دعَتِ القلوبَ فأجابها كلُّ قلبٍ مفتون، وأَهويةٍ عَصفَتْ فصُمَّتْ منها الآذانُ وعَميت منها العيون، عُطِّلَتْ لها - والله - معالمُ الأحكام، كما نُفيتْ لها صفاتُ ذي الجلال والإكرام، واستند كلُّ قومٍ إلى ظُلمِ وظُلماتِ آرائهم، وحكَموا على الله وبين عبادهِ بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحيُ عُرضةً لكلِّ تحريفٍ وتأويل، والدينُ وقفًا على كلِّ إفساد وتبديل» (١). ولا يزال الحال كما أخبر الإمام ابن القيم، فكم رأينا مَنْ يعارض شرعَ الله ودينَه بمثل ما ذكر. ومن الأمثلة على ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه؛ ألا وهو مسألة الإمامة والولاية، فقد وقع فيها من الخلط والتلبيس ما الله به عليم، فقد وقع من الناس في هذا تحريفٌ وتبديل بدوافعَ شتَّى، وامتطوا في ذلك من الأسماء البراقة ليروجَ

стр. 7

على الناس باطلُهم، ومن الأسماء التي تزيَّنوا بها اسمُ الحرية والحقوق وهكذا. وقد نسوا أو تناسوا أن شرع الله ضبطَ الحقوق والحريات بميزان عدلٍ وحكم قسطٍ؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]. وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فكلُّ حقٍّ أو حرية تعارضُ الشريعة المحمدية فهي عبودية، إمَّا للهوى، أو للنفس، أو للحزب، أو غيرها. ألا يعلم أولئك أننا عباد لله، والعبدُ لا يخرج عما يريد سيِّدُه ومولاه سبحانه، ومَن فعل ذلك وخرج عما يريده الله فقد خالف الحرية الحقَّة والحقوق المنضبطة. لذا كل ما جاء به الشرع في باب الإمامة والولاية، فهو عدلٌ وعين الحكمة، ومَن خالف ذلك ضلَّ وأضلَّ. ويجب لمن درس أبواب الإمامة والولاية أن يدرسها بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وتمييز الأقوال السلفية من الأقوال الدخيلة البدعية. وقد وقع بعض المتأخرين في أقوال محدَثة في باب الإمامة والولاية، كما وقع ذلك من بعض المتأخرين في باب أسماء الله وصفاته؛ لذا يجب أن يتحاكم الجميعُ إلى الكتاب والسنة الصحيحة بفهم سلف هذه الأمة. فكم نحن في حاجة أن نتذكر ونذكِّر بأهمية الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وأنهما الحجَّة في باب الإمامة، كما كنَّا نحاجُّ غيرنا من أهل البدع بهذه الأصول الثلاثة في إثبات أسماء الله وصفاته، ونتناقل ما ذكره العلماء في ذلك، كقول ابن قدامة في مقدمة اللمعة: «وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء

стр. 8

بمنارهم، وحُذِّرنا المحدثات وأُخبرنا أنها من الضلالات. فقال النبي ﷺ : «فعليكم بسُنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدينَ المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (١). قال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (٢). وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلامًا معناه: «قِفْ حيث وقفَ القوم، فإنهم عن علمٍ وقَفوا، وببصَرٍ نافذٍ كفُّوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدثَ بعدَهُم، فما أحدَثه إلَّا مَنْ خالف هديهم ورغبَ عن سُنَّتهم، ولقد وصَفوا منه ما يشفي وتكلَّموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصَّر عنهم قومٌ فجفَوا، وتجاوزَهُم آخرون فغلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدًى مستقيم» (٣).

стр. 9

وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي ﵁: «عليك بآثار مَنْ سلف وإنْ رفضَكَ الناس، وإياكَ وآراءَ الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول» (١) انتهى المقصودُ نقله من كلام ابن قدامة» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإنما المتبع في إثبات أحكام الله كتابُ الله وسنةُ رسوله ﷺ ، وسبيلُ السابقين أو الأولين، لا يجوز إثباتُ حكم شرعيٍّ بدون هذه الأصول الثلاثة، نصًّا واستنباطًا بحال» (٣). وقال في أوائل الفتوى الحموية مبيِّنًا أهمية علم السلف ووجوب الرجوع إليه خلافًا لأقوال المتكلمين: «ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بُعث فيه رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - كانوا غيرَ عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضدَّ ذلك إما عدمُ العلم والقول، وإمَّا اعتقادُ نقيض الحقِّ وقولُ خلافِ الصِّدق، وكلاهما ممتنع» (٤). إن هذا الأصل - وهو التمسك بطريقة السلف في فهم الدين كله - مهمٌّ للغاية؛ نحتاج أن نذكّر به أهل السنة اليوم كثيرًا؛ لأنه بدأ كثير منهم يضعفُ عن معرفته والتمسك به، ومن ذلك الاستمساك بمنهج السلف وفهمهم لباب الإمامة والولاية التي قلَّ أن يؤلَّفَ كتابٌ عقَدي إلَّا ويذكر منهجَ السلف في باب

стр. 10

الإمامة، ومن خالف في ذلك فهو مبتدع ضال. لذا احذروا - عباد الله - مخالفة سبيل السلف إلى شواذِّ بعض الخلف في أبواب الدين ومنها هذا الباب العظيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرَّد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كلُّ قول من تلك الأقوال سائغًا لم يُخالف إجماعًا؛ لأن كثيرًا من أصول المتأخرين محدَثٌ مبتدعٌ في الإسلام مسبوقٌ بإجماع السلفِ على خلافهِ، والنزاعُ الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعًا، كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم أقوالٌ خالفوا فيها النصوصَ المستفيضة المعلومة وإجماعَ الصحابة» (١). وإن مما يجب إدراكُه والإحاطة به أن الإخلالَ بأصل الإمامة سببٌ لفساد الدنيا والدين. قال ابن عبدالبر: «لأن في منازعته والخروجِ عليه استبدالَ الأمن بالخوف؛ ولأن ذلك يحمل على هِراقِ الدماء، وشنِّ الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظمُ من الصَّبر على جَوره وفسقهِ، والأصولُ تشهدُ والعقلُ والدينُ أنَّ أعظَمَ المكروهَين أَولاهُما بالترك» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظُلم، كما دلَّت على ذلك الأحاديثُ الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ؛ لأن الفساد في القتال

стр. 11

والفتنة أعظمُ من الفساد الحاصل بظُلمهم بدون قتال ولا فتنة؛ فيُدْفَعُ أعظَمُ الفسادين بالتزام أدناهُما، ولعلَّه لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته، والله تعالى لم يأمر بقتال كلِّ ظالم وكلِّ باغٍ كيفما كان، ولا أمرَ بقتال الباغين ابتداءً» (١). وقال الإمام ابن القيم: «فإذا كان إنكار المنكر يستلزمُ ما هو أنكَرُ منه، وأبغَضُ إلى الله ورسوله = فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقُتُ أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسولَ الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نُقاتلهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصَّلاة» (٢)، وقال: «مَنْ رأى من أميرهِ ما يكرهُه، فليصبر» (٣)، «ولا ينزعنَّ يدًا من طاعته» (٤). ومَن تأمَّلَ ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعةِ هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه؛ فقد

стр. 12

كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دارَ إسلام عزمَ على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريشٍ لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظمُ منه كما وجد سواء» (١). إنَّ ما يذكره ابن عبدالبر وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم من الفساد المترتِّب على عدم الالتزام بمنهج السلف في أصل الإمامة = نراهُ بأعيينا اليوم فيما يسمَّى بالربيع العربي؛ الذي أُزهقت فيه أنفس عشرات الآلاف من المسلمين، بل وتجاوزت مائة ألف نفس في دولة مسلمة واحدة، فكيف إذا جمع ضحاياها بضحايا الدول الأخرى. كل هذا عدا الأعراض المنتهكة والأموال المتلَفة، ومع وضوح هذه المفاسد وضوحَ الشمس في رابعة النهار، إلَّا أن دعاة الفتنة يزدادون عمايةً ونفخًا في هذه الفتنة التي أكلت الأخضر واليابس بتأصيلاتٍ بدعيةٍ عن مذهب السلف أجنبية، بل وصاروا يُحيون كتبًا أُلِّفت على طريقة أهل البدع في أصل الإمامة. لذا عزمتُ - مستعينًا بمولاي سبحانه - على ذكر تأصيلات السلف في أصل الإمامة والولاية، وتنقية ذلك من أصولٍ بدعية دخيلة سواءٌ كانت بدعًا خارجية - أو غيرها - قدر استطاعتي.

стр. 13

فقمت بتوثيق النقول عن السلف، ثم كشف شبهات مثارة على هذا الأصل، ثم أعقبتُ ذلك بردودٍ على كتابين عصريين معتمدَين في تأصيل الأصول البدعية في أصل الإمامة والولاية. ١ - الكتاب الأول: «الإمامة العظمى» للدكتور عبد الله الدميجي. ٢ - والكتاب الثاني: «الحرية والطوفان» للدكتور حاكم العبيسان. ورددت على مقالين متضمِّنين لأصولٍ بدعية في مسألة الإمامة للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، فصار الكتاب على النحو التالي: الفصل الأول: ذكرت فيه تسعة تأصيلات في الإمامة والولاية. الفصل الثاني: ذكرت فيه أكثر من ستين شبهة في أصل الإمامة، وبيَّنتُ زَيفها بحمد الله تعالى. الفصل الثالث: استدراكات على كتاب «الإمامة العظمى» لعبد الله الدميجي، وقد بلغ عدد الاستدراكات عشرين استدراكًا. الفصل الرابع: استدراكات على مقالين في الإمامة لعبد العزيز آل عبد اللطيف، وقد بلغ عددها أربعة عشر استدراكًا. الفصل الخامس: استدراكات على كتاب «الحرية والطوفان» لحاكم العبيسان. الفصل السادس: إشارات لكتاب «أسئلة الثورة» لسلمان العودة (١).

стр. 14

وقد كنت بدأت بالرد على كتاب «أسئلة الثورة»، وكتبت أكثر من عشرين استدراكًا، لكن منعني من الإكمال أمور ثلاثة: الأمر الأول: أنه معتمد كثيرًا على كتاب (الحرية والطوفان) لحاكم عبيسان، فالرُّد على أصلهِ كافٍ في الردِّ عليه. الأمر الثاني: أنه قد كفاني الردَّ عليه الشيخ الفاضل الدكتور «فهد بن سليمان الفهيد» عميد كلية أصول الدين سابقًا في كتابه «الجناية على الإسلام في أسئلة الثورة»، وأيضًا: ما كتبه الشيخ علي أبا بطين في كتابه «كشف أبرز شُبه كتاب أسئلة الثورة»، وامتاز كتاب الدكتور فهد الفهيد بتعقُّبه لسلمان العودة في كلِّ خطأ وقف عليه، وقدَّم للكتابين فضيلة شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله. الأمر الثالث: أني بعد أن كتبتُ أكثر من عشرينَ استدراكًا على كتاب «أسئلة الثورة» نظرتُ في كتاب «الجناية على الإسلام في أسئلة الثورة»، فوجدتُ ما كتبتهُ موافقًا ومتَّفقًا مع ما كتبه الشيخ فهد، فرأيتُ أنه لا داعي للتكرار، ثم حمدت الله؛ لأن من علامة صحَّة مذهب أهل السنة اتفاقهم وعدم اختلافهم. قال أبو المظفر السمعاني: «ومما يدلُّ على أنَّ أهل الحديث هم على الحق: أنك لو طالعتَ جميعَ كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم؛ قديمِهم وحديثهم، مع اختلافِ بلدانهم وزمانهم وتباعُدِ ما بينهم في الديار وسكونِ كلِّ واحدٍ منهم قطرًا من الأقطار = وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمطٍ واحد يجرون فيه على طريقة، لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولُهم في ذلك واحد، وفعلُهم واحد، لا ترى بينهم اختلافًا ولا تفرُّقًا في شيء ما وإنْ قلَّ؛ بل لو جمعت

стр. 15

جميعَ ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلبٍ واحد، وجرى على لسانٍ واحد، وهل على الحقِّ دليلٌ أبيَنُ من هذا» (١). وهذا بخلاف أهل البدع فهم في أمرٍ مريجٍ، كلٌّ منهم على اعتقاد؛ بل الواحد منهم يناقضُ نفسه في اعتقاده، ومن البراهين على هذا ما في ذلك الكتاب من تناقض، واختلافِ المردود عليهم في باب الإمامة. وقد أسميت هذا الكتاب: الإمامة العظمى -تأصيلات أهل السنة السلفيين والرد على الشبهات المخالفين- سيجد القارئ لهذا الكتاب تكرارًا في بعض الردود من جهة إيراد الأدلة وغير ذلك، وهذا ليس غريبًا؛ لأن طبيعة الكتاب الردُّ على أكثر من واحد، وطبيعي أن تكرر الشبهة نفسها، مما يستدعي تكرار الجواب عليها، وقد حاولتُ تفادي هذا إما باختصار الجواب تارةً عند ذكره مرة أخرى، أو بالإحالة على ما سبق ذكره؛ لذا سيجد القارئ إحالات كثيرة، وأيضًا سيجد نقلًا للشبهة، وقد تكون مطولةً والجوابُ عليها مختصرًا؛ لأنه قد سبق ذكرها. وقد استطردت قليلًا في أشياء لا تتعلق بصلب الكتاب عند ذكر الشبهات، وعند الرد؛ للحاجة وللأهمية.

стр. 16

وإني لأرجو أن يكون هذا الكتاب (١) مفيدًا للسُّني لمعرفة تأصيلات أهل السنة في باب الإمامة، والرد على المخالفين والمشغِّبين على هذا الأصل، فإنَّ الخطأ في باب الإمامة شنيع، فإنَّ أولَ بدعة فرَّقتِ الأمة وتحزَّبت عليها طائفة هي بدعة الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكفّروه، ولم يعتقدوا له إمامة ولا ولاية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأول مَنْ ضلَّ في ذلك هم الخوارج المارقون حيث حكَموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنته» (٢). وقال أيضًا: «ولهذا كان أول مَنْ فارقَ جماعة المسلمين من أهل البدع (الخوارج) المارقون» (٣). وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]: «فإنَّ أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا، حين قسمَ رسولُ الله ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة».

стр. 17

وقال الحافظ ابن رجب: «والاختلافُ في مسمَّياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرجوا عصاةَ الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخَلوهم في دائرة الكفر، وعامَلوهم معاملة الكفار، واستحلُّوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم» (١). أسأل الله الرحمن الرحيم أن يتقبل هذا الكتاب، ويجعله سببًا لرضاه ولنشر دينه الحق، وسببًا لرجوع المسلمين في أصل الإمامة لما عليه السلف الصالح، إنه الرحمن الرحيم. كتبه د عبد العزيز بن ريس الريس المشرف العام على شبكة الإسلام العتيق rayes06@gmail.com

стр. 18

الفصل الأول تأصيلات في الإمامة عند أهل السنة

стр. 19

التأصيل الأول قرَّر أهل السنة أنه يجب على المسلمين أن ينصبوا إمامًا وسلطانًا، واستدلوا لتقرير هذا الأصل بأدلة، أكتفي منها بذكر دليلين: الدليل الأول: الإجماع: فقد أجمع العلماء على وجوب تنصيب سلطانٍ ووالٍ على المسلمين. قال الماوردي: «وعَقدُها لمن يقوم بها في الأمة واجبٌ بالإجماع وإن شذَّ عنهم الأصَمُّ» (١) اهـ. قال ابن حزم: «اتفق جميعُ أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجبٌ عليها الانقياد لإمامٍ عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، التي أتى بها رسول الله ﷺ ، حاشا النجدات من الخوارج، فإنهم قالوا: لا يلزم الناسَ فرضُ الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم» (٢). الدليل الثاني: قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (٣): وذلك أن مصالح العباد في دينهم ودنياهم لا تستقيم ولا تصلح إلا بالإمام

стр. 20

والسلطان. قال الشاعر الجاهلي «الأفوه الأودي»: لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهم … ولا سراةَ إذا جُهَّالهم سادوا (١) وقال الإمام عبدالله بن المبارك (٢): إنَّ الجماعة حبلُ الله فاعتصموا … منهُ بعُروته الوثقى لمن دانا كم يدفعُ الله بالسلطان مُعضلةً … في ديننا - رحمةً منه - ودنيانا لولا الخلافةُ لم تأمَنْ لنا سُبلٌ … وكان أضعفُنا نهبًا لأقوانا

стр. 21

التأصيل الثاني مقاصد نصب الأئمة مشروعية الولاية والإمامة؛ لأجل إقامة الدين وإصلاح الدنيا، وشرعيتها من باب الوسائل. قال الماوردي: «الإمامة موضوعةٌ لخلافة النبوة في حراسةِ الدين وسياسةِ الدنيا» (١). وقال الطيبي: «إن الراعي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أُقيم لحفظِ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلَّا بما أَذِنَ الشارع فيه» (٢). وقال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]: «الإمام إنما نصب لدفعِ العدو وحماية البيضة وسدِّ الخلل، واستخراجِ الحقوق وإقامةِ الحدودِ، وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود الواجبُ بالولايات: إصلاحُ دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاحُ ما لا يقومُ الدينُ إلَّا به من أمرِ دنياهم» (٣).

стр. 22

وقال أيضًا: «وولي الأمر إنَّما نُصِّبَ ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمكِّن من المنكر بمالٍ يأخذه، كان قد أتى بضدِّ المقصود، مثل مَنْ نصَّبتُه ليُعينكَ على عدوك، فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين، يوضح ذلك أن صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾» (١). وقال الإمام ابن القيم: «وجميع الولايات الإسلامية مقصودُها الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر» (٢). وقال الشوكاني: «والحاصلُ أن الغرض المقصود للشارع من نصب الأئمة هو أمران: أوَّلهما وأهمهما إقامة منار الدين، وتثبيت العباد على صراطه المستقيم، ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعًا وكرهًا. وثانيهما تدبير المسلمين في جَلْب مصالحهم، ودفع المفاسد عنهم، وقسمة أموال الله فيهم، وأخذِها ممن هي عليه وردِّها، فيمن هي له وتجنيد الجنود، وإعداد العدة لدفع مَنْ أراد أن يسعى في الأرض فسادًا من بُغاة المسلمين وأهل الجسارة منهم = من التسلط على ضعفاء الرعية، ونهب أموالهم، وهتكِ حرمتهم، وقطعِ سُبلهم، ثم القيام في وجه عدوهم من الطوائف الكفرية إن قصدوا ديارَ الإسلام

стр. 23

وغزوهم إلى ديار الكفر إن أطاقَ المسلمون ذلك، ووجدوا من العدد والعدة ما يقوم به، فهذا هو موضوع الإمام الذي وردَ الشرعُ بنصبه» (١). وقال أيضًا: «المقصود بالولاية العامة هو تدبيرُ أمور الناس على العموم والخصوص، وإجراء الأمور مجاريها، ووضعها مواضعها، وهذا لا يتيسر ممن في حواسِّه خلل؛ لأنها تقتضي نقصَ التدبير إمَّا مطلقًا، أو بالنسبة إلى تلك الحاسَّة. وأما سلامة الأطراف فلا وجه لاشتراطها، فإنَّ الأعرجَ والأشلَّ لا ينقصُ من تدبيره شيء، ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك، ومعلومٌ أنه لا يراد من مثل الإمام السِّباق على الأقدام ولا ضربُ الصَّولجان ولا حملُ الأثقال» (٢).

стр. 24

التأصيل الثالث لا تصح ولاية الحاكم الكافر (١) شرعًا، ولا يعتقد في العنق بيعة له (٢)، ويدلُّ لهذا الأصل أدلة، أكتفي منها بذكر دليلين: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. قال الكاساني: «الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم؛ لأنَّ الشرع قطعَ ولاية الكافر على المسلمين؛ قال الله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾» (٣). وقال الإمام ابن القيم: «لما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتُهم نوعًا من تَولِّيهم، وقد حكم تعالى بأنَّ مَنْ تولَّاهم فإنه منهم، ولا يتمُّ الإيمانُ إلَّا بالبراءة منهم، والولايةُ تنافي البراءة، فلا تجتمعُ البراءة والولاية أبدًا، والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبدًا» (٤).

стр. 25

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]: «وقد استدل كثير من العلماء بهذا الآية الكريمة على أصحِّ قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومَن قال منهم بالصحة، يأمرهُ بإزالة ملكهِ عنه في الحال لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾». فكذلك تولِّي الكافر للولاية العامة محرَّمة لعموم الآية، وهي أَولى من الأمثلة التي ذكر ابن كثير. الدليل الثاني: الإجماع: قال الإمام ابن القيم: «قال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم أنَّ الكافر لا ولاية له على مسلمٍ بحال» (١). وقال القاضي عياض: «لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقدُ الإمامة للكافر، ولا تستديمُ له إذا طرأ عليه» (٢). تنبيهان: التنبيه الأول: بيَّن العلماء أنَّ المراد بالكفر البواح؛ أي: الظاهر البيِّن بلا شك. قال أبو العباس القرطبي: «وقوله: «عندكم من الله فيه برهان» (٣)؛ أي:

стр. 26

حُجَّة بيِّنة، وأمرٌ لا شكَّ فيه؛ يحصل به اليقين أنه كفر، فحينئذٍ يجب أن يخلع من عُقِدَتْ له البيعة على ما قدَّمناه» (١). التنبيه الثاني: إذا ثبت كفرُ الحاكم فإنه لا يُخرَجُ عليه إلَّا عند القدرة؛ فهو كغيره من الواجبات معلَّق بالقدرة. قال ابن حجر: «وملخَّصه: أنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجبُ على كل مسلم القيامُ في ذلك؛ فمن قَوِيَ على ذلك فله الثواب، ومن داهنَ فعليه الإثم، ومن عجَز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض» (٢).

стр. 27

التأصيل الرابع يشترط في تولية الوالي ابتداءً أن يكون مسلمًا عدلًا، فلا تصحُّ ولاية الفاسق، ويدلُّ لهذا الأصل دليلان: الدليل الأول: قال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال ابن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: «هذا خبر من الله جلَّ ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يقتدي به أهل الخير، وهو من الله جلَّ ثناؤه جوابٌ لما يُتوهَّم في مسألته إياه، أن يجعل من ذريته أئمة

стр. 28

مثله، فأخبر أنه فاعل ذلك، إلَّا بمن كان من أهل الظلم منهم، فإنه غير مُصَيِّره كذلك، ولا جاعله في محلِّ أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة، لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به». ثم روى بإسناد ثابت عن مجاهد أنه قال: «لا يكون إمامًا ظالمًا». الدليل الثاني: الإجماع: قال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: «لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تُعقدَ الإمامة لفاسق». تنبيهات: التنبيه الأول: معنى شرط العدالة: أي أن لا يكون فاسقًا عند الاختيار ابتداءً، أما عند الاستدامة، فيسقط هذا الشرط، بمعنى: أنه إذا تولَّى العدلُ اختيارًا، ثم عرضَ له الفسقُ فصار فاسقًا، فإنه لا يُخرَجُ عليه، ولا يُعزل بالإجماع (١) - كما سيأتي إن شاء الله (٢) -. التنبيه الثاني: شرط العدالة يُراعى عند الابتداء - كما تقدم -، وفي حال الاختيار، أمَّا عند الغلبة والقهر، فلا يُلتفت لهذا الشرط بما أنه مسلم - كما سيأتي إن شاء الله -.

стр. 29

التأصيل الخامس أهل السنة والجماعة يقرِّرون حُرمة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم أو المبتدع ما دام مسلمًا، ويوجبون له السمع والطاعة في غير معصية الله، ويدلُّ لهذا الأصل عدة أدلة: الدليل الأول: مقتضى الأدلة الدالة على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم وحُرمة الخروج عليه، ولم تفرِّق الأدلة بين العادل والفاسق والظالم والمبتدع، ولو كان هناك فرقٌ لبيَّنتهُ الشريعة، فإنَّ الأصل بقاءُ العامِّ على عمومه، وإليك بعض هذه الأدلة: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وجه الدلالة: أن كلمة ﴿أُولِي﴾ نكرة أُضيفَت إلى معرفة، فأفادت العموم في كلِّ حاكمٍ بما أنه مسلم. ٢ - وعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسولَ الله ﷺ على السَّمع والطاعة في المنشَط والمكرَه، وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمر أهله، فقال رسول الله ﷺ : «إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» (١). ومحلُّ الشاهد: قوله ﷺ : «وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه، إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان».

стр. 30

وقد أفاد العموم من جهتين: الجهة الأولى: (أهله) لفظ عام، وذلك أنَّ لفظ (أهل) نكرة مضافة إلى معرفة، وهو الضمير، فأفادت العمومَ في كلِّ حاكمٍ مسلم. الجهة الثانية: الاستثناء في قوله: «إلَّا أن تروا … » والاستثناء معيار العموم، فيفيد أنه عامٌّ في كلِّ حاكم، إلَّا أن يكون كافرًا كفرًا ظاهرًا. ٣ - قال علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه: «سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله؛ أرأيتَ إن قامت علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟ فأعرضَ عنه، ثم سأله، فأعرضَ عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذَبهُ الأشعثُ بن قيس وقال: «اسمَعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكُم ما حُمِّلتم» (١). وجه الدلالة: أن قوله: «إنْ قامت علينا أمراء» لفظ «أمراء» نكرة في سياق الشرط، فيفيد العموم لكلِّ أمير، ويدخل في هذا العموم أن يكون الأمير فاسقًا وظالمًا، لا سيما وأنه قال في الحديث: «ويمنعونا حقَّنا». ٤ - قال عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَلَا من وَليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله فلْيكرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (٢). وجه الدلالة: (وال) نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم لكلِّ والٍ، ثم نهى عن أي منازعة في قوله: «يدًا من طاعة»، و (يدًا) عامة؛ لأنها نكرة في سياق النهي.

стр. 31

الدليل الثاني: أن الأدلة أمرت بالسمع والطاعة مع وجود المعصية عند الحاكم. والفرقُ بين هذا الدليل والذي قبله: أنَّ هذا الدليل أخَصُّ؛ فقد نصَّ على السمع والطاعة مع ذكره للمعصية، كمثل حديث عبادة المتقدِّم، فقد استثنى أن يُرى منه الكفر البواح، فدلَّ على أنه إذا وقعت منه المعاصي الكبائر والصغائر يُسمَعُ ويُطاع له؛ لأنها ليست كفرًا، ومثله حديث سلمة بن يزيد الجعفي المتقدِّم، فقد نصَّ على السمع والطاعة مع وجود الظلم منهم، ومثله حديث عوف بن مالك المتقدم، فقد نصَّ على السمع والطاعة مع وجود المعصية منهم. الدليل الثالث: الأدلة التي أمرت بالصبر على ظُلم الحاكم وجَوره، مع أنه بظُلمه صار حاكمًا ظالمًا فاسقًا، من هذه الأدلة ما أخرجه الشيخان عن عبدالله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنكم سَتلقَون بعديْ أَثَرة، وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم» (١). وقال في حديث أسيد ﵁: «فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض» (٢). ومنها ما أخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ رأى من أميرهِ شيئًا يكرهُه، فليصبرْ عليه، فإنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا، فماتَ إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية» (٣).

стр. 32

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله: «إنكم سترونَ بعدي أثرةً وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم» (١)، فقد أخبر النبي ﷺ أنَّ الأمراء يظلمون، ويفعلون أمورًا منكَرة، ومع هذا فأمرَنا أن نؤتيَهُم الحقَّ الذي لهم، ونسأل الله الحقَّ الذي لنا. ولم يأذنْ في أخذِ الحقِّ بالقتال، ولم يرخِّص في تركِ الحقِّ الذي لهم. وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رأى من أميرهِ شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه فإنَّه مَنْ فارقَ الجماعةَ شبرًا فماتَ إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «فإنَّه مَنْ خرجَ من السلطان شبرًا فماتَ ماتَ ميتةً جاهلية» واللفظ للبخاري، وقد تقدَّم قوله ﷺ لما ذكر أنهم لا يهتدون بهديهِ، ولا يستنُّونَ بسُنَّته، قال حذيفة: كيف أصنعُ يا رسولَ الله إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمعُ وتطيعُ للأمير، وإنْ ضربَ ظهركَ، وأخذَ مالكَ فاسمَعْ وأطِعْ» (٢). فهذا أمرٌ بالطاعة مع ظُلمِ الأمير، وتقدَّم قوله ﷺ : «مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فلْيكرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا عن طاعة» (٣)، وهذا نهيٌّ عن الخروج عن السلطان، وإن عصى، وتقدَّم حديث عبادة: «بايعنا رسولَ الله ﷺ على السَّمعِ والطاعة، في منشَطنا ومكرَهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله»، قال: «إلَّا إن تروا كفرًا بواحًا عندكم من

стр. 33

الله فيه برهان»، وفي رواية: «وأن نقولَ - أو نقوم - بالحقِّ حيث ما كنَّا لا نخافُ في الله لومةَ لائم» (١). فهذا أمرٌ بالطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظُلمٌ منه ونهيٌ عن منازعة الأمر أهله، وذلك نهيٌ عن الخروج عليه؛ لأن أهله هم أولو الأمر الذين أمر بطاعتهم، وهم الذين لهم سلطانٌ يأمرون به، وليس المرادُ من يستحقُّ أن يولَّى ولا سلطانَ له، ولا المتولِّي العادل؛ لأنه قد ذكر أنهم يستأثرون، فدلَّ على أنه نهى عن منازعة وليِّ الأمر، وإن كان مستأثرا، وهذا بابٌ واسع» (٢). الدليل الرابع: الإجماع: قرر كثيرٌ من أهل السنة في كتب العقائد الإجماع على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم، وحرمةَ الخروجِ عليه ولو فسق وظلم، فدلَّ هذا على أنَّ المخالف في هذا هم أهلُ البدع والضلال، ودونك شيئًا من نصوصهم في ذلك: ١ - قال الإمام أحمد: «ومَن خرج على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالفَ الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإنْ ماتَ الخارجُ عليه ماتَ ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَنْ فعلَ ذلك، فهو مبتدع على غير السُّنة» (٣).

стр. 34

٢ - وقال الإمام علي بن المديني: «السُّنة اللازمة التي مَنْ تركَ منها خصلةً لم يقُلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها»، فذكر أشياء ثم قال: «ومَن خرجَ على إمام من أئمة المسلمين، وقد اجتمع عليه الناس، فأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجه كانت؛ برضا كانت أو بغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عليه العصا أو خالفَ الآثارَ عن رسول الله ﷺ ؛ فإنْ ماتَ الخارجُ عليه ماتَ ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن عملَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السُّنة» (١). ٣ - وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم»، فذكرا أشياء ثم قالا: «ولا نرى الخروجَ على الأئمة ولا القتالَ في الفتنة، ونسمعُ ونطيع لمن ولَّاه الله أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتَّبع السُّنة والجماعة ونجتنبُ الشُّذوذَ والخلافَ والفرقة» (٢). ٤ - وقال حرب الكرماني في عقيدته التي تعلَّمها عن أهل السنة: «والانقياد لمن ولَّاه الله أمرك، لا تنزع يدكَ من طاعة، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لكَ فرَجًا ومخرجًا، وأن لا تخرجَ على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة، فمَن فعل ذلك فهو مبتدعٌ مخارق مفارق للجماعة، وإن أمركَ السلطان بأمرٍ هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقَّه» (٣).

стр. 35

٥ - وقال أبو عثمان الصابوني: «يرى أصحاب الحديث: الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كلِّ إمامٍ برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفَرة معهم، وإن كانوا جَوَرةً فجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسطِ العدل في الرَّعية، ولا يرون الخروجَ عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدولَ عن العدل إلى الجور والحيف» (١). ٦ - وقال المزني: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله مُرضيًا، واجتناب ما كان عند الله مُسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله كيما يعطف بهم على رعيَّتهم» (٢). ٧ - وقال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمعُ والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضا أو عن غلبة، واشتدَّتْ وطأته من بَرٍّ أو فاجر، فلا يخرج عليه، جارَ أو عدل»، ثم قال: «وكلُّ ما قدَّمنا ذِكرَه فهو قولُ أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قولُ مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله، ومنه معلوم من مذهبه» (٣). ٨ - وقال ابن حجر: «قال ابن بطال: في الحديث حجَّة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء. وحجَّتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلَّا إذا وقع

стр. 36

من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، كما في الحديث الذي بعده» (١)، وأقرَّه الحافظ ابن حجر. ٩ - وقال ابن قدامة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - بَرِّهم وفاجرِهم - ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ومن وَليَ الخلافة واجتمعَ عليه الناس ورضوا به، أو غلَبَهُم بسيفهِ حتى صار الخليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين = وجبتْ طاعته وحَرُمتْ مخالفته والخروجُ عليه وشقُّ عصا المسلمين» (٢). ١٠ - وقال النووي تعليقًا على حديث عبادة بن الصامت ﵁: «ومعنى الحديث: لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأما الخروجُ عليهم وقتالهم، فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته» (٣). ١١ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «استقر أمرُ أهل السُّنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة، وترك قتالهم» (٤).

стр. 37

وقال أيضًا: «ولهذا كان مذهبُ أهل الحديث تركَ الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصَّبر على ظُلمهم إلى أن يستريحَ بَرٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (١). وقال أيضًا: «ويقولون: إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يُخرج عليه بالسيف، وأحاديثُ النبي ﷺ إنما تدلُّ على هذا، كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رأى من أميره شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه، فإنه ليس أحدٌ من الناس يخرجُ عن السلطان شبرًا فمات عليه إلَّا مات ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «أنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا فمات عليه إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة، وأمرَ بالصبر على ما يُكره من الأمير؛ لم يخصَّ بذلك سلطانًا معيَّنًا ولا أميرًا معيَّنًا ولا جماعةً معيَّنة … » (٢). ١٢ - الحافظ ابن حجر؛ فقد نقل الإجماع الذي حكاه ابنُ بطَّالٍ، وأقرَّه عليه (٣).

стр. 38

التأصيل السادس قرَّر أهل السنة أنه لا يُعزل الإمام والسلطان ولو كان فاسقًا وظالمًا ومبتدعًا بما أنه مسلم، ويدل لذلك ما تقدم ذكره من الأدلة مع إجماع السلف الدالِّ على وجوب السمع والطاعة، والصبر على جَورِ وظلمِ الحاكم المسلم، وقد أكد هذا المعنى النووي فقال: «وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا = فغلطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه» (١)، ثم نقل عن أبي بكر بن مجاهد حكاية الإجماع. قال ابن الهمام: «واتفقوا في الإمرة والسلطنة على عدم الانعزال بالفسق لأنها مبنية على القهر والغلبة» (٢). وقال العيني: «وفيه دليل - عند قوله ﷺ : «مَنْ كَرِهَ من أميرهِ شيئًا فليصبر» - على أنَّ السلطان لا ينعزل بالفسق والظلم ولا تجوز منازعته في السلطنة بذلك» (٣). وستجد في كتب بعض المتأخرين ما يخالف هذا، حيث قرروا جوازَ خلع الحاكم لفسقٍ أو بدعة، وهؤلاء مخطئون مخالفون لإجماع السلف، وخطؤهم في

стр. 39

هذا مثل خطأ بعض المتأخرين في تأويل الأسماء أو الصفات، أو في القدر أو الإيمان وهكذا … ، فهم محجوجون بإجماع السلف السابق. ومما يبيِّنُ شذوذَ هذا القول، وأنه مخالفٌ لإجماع السلف: ما تقدَّم نقلهُ في كتب العقائد من وجوب السمع والطاعة، وهذا لا يتوافقُ مع القول بالعزل، وكذلك الأدلة الكثيرة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم لا تتوافقُ مع القول بالعزل. وسيأتي - إن شاء الله - بسطُ هذا أكثر عند كشفِ الشبهات ومناقشتها.

стр. 40

التأصيل السابع حُرمة إشاعة عيوب ولاة الأمور وإظهارها ولو باسمِ النصيحة، ويدلُّ لهذا الأصل عدة أدلة: الدليل الأول: أنَّ إظهارَ عيوبهم وأخطائهم سببٌّ لشحن النفوس عليهم، المؤدِّي للخروج عليهم؛ والوسائلُ المؤدية للمحرَّم محرَّمة لأنَّ للوسائل أحكام الغايات. قال التابعي الجليل - وقيل: إنه صحابي - عبدالله بن عكيم: «لا أُعينُ على دمِ خليفةٍ أبدًا بعد عثمان، فيقال له: يا أبا معبد أو أَعنْتَ على دمهِ؟! فيقول: إنِّي أعدُّ ذِكرَ مساويهِ عونًا على دمهِ» (١). الدليل الثاني: أنَّ نشرَ أخطاء وعيوب المسلمين منهيٌّ عنه؛ لأنه من الغيبة، فكيف بوليِّ الأمر، هذا على فرضِ أنها حقٌّ، فكيف إذا كانت كذبًا أو مبالغًا فيها. وقد حرم الله الغيبة بقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقد ذكر القرطبي في تفسيره أنَّ الغيبة كبيرةٌ من كبائر الذنوب بإجماع أهل العلم فقال: «لا خِلافَ أنَّ الغيبة من الكبائر، وأنَّ مَنْ اغتابَ أحدًا عليه أن يتوبَ إلى الله ».
следующие страницы →