← Акыда

Акыда · id 1041

الإمامة العظمى - الريس

عبد العزيز الريس

Полный текст (412 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، كما في الحديث الذي بعده» (١)، وأقرَّه الحافظ ابن حجر. ٩ - وقال ابن قدامة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - بَرِّهم وفاجرِهم - ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ومن وَليَ الخلافة واجتمعَ عليه الناس ورضوا به، أو غلَبَهُم بسيفهِ حتى صار الخليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين = وجبتْ طاعته وحَرُمتْ مخالفته والخروجُ عليه وشقُّ عصا المسلمين» (٢). ١٠ - وقال النووي تعليقًا على حديث عبادة بن الصامت ﵁: «ومعنى الحديث: لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأما الخروجُ عليهم وقتالهم، فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته» (٣). ١١ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «استقر أمرُ أهل السُّنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة، وترك قتالهم» (٤).

стр. 37

وقال أيضًا: «ولهذا كان مذهبُ أهل الحديث تركَ الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصَّبر على ظُلمهم إلى أن يستريحَ بَرٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (١). وقال أيضًا: «ويقولون: إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يُخرج عليه بالسيف، وأحاديثُ النبي ﷺ إنما تدلُّ على هذا، كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رأى من أميره شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه، فإنه ليس أحدٌ من الناس يخرجُ عن السلطان شبرًا فمات عليه إلَّا مات ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «أنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا فمات عليه إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة، وأمرَ بالصبر على ما يُكره من الأمير؛ لم يخصَّ بذلك سلطانًا معيَّنًا ولا أميرًا معيَّنًا ولا جماعةً معيَّنة … » (٢). ١٢ - الحافظ ابن حجر؛ فقد نقل الإجماع الذي حكاه ابنُ بطَّالٍ، وأقرَّه عليه (٣).

стр. 38

التأصيل السادس قرَّر أهل السنة أنه لا يُعزل الإمام والسلطان ولو كان فاسقًا وظالمًا ومبتدعًا بما أنه مسلم، ويدل لذلك ما تقدم ذكره من الأدلة مع إجماع السلف الدالِّ على وجوب السمع والطاعة، والصبر على جَورِ وظلمِ الحاكم المسلم، وقد أكد هذا المعنى النووي فقال: «وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا = فغلطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه» (١)، ثم نقل عن أبي بكر بن مجاهد حكاية الإجماع. قال ابن الهمام: «واتفقوا في الإمرة والسلطنة على عدم الانعزال بالفسق لأنها مبنية على القهر والغلبة» (٢). وقال العيني: «وفيه دليل - عند قوله ﷺ : «مَنْ كَرِهَ من أميرهِ شيئًا فليصبر» - على أنَّ السلطان لا ينعزل بالفسق والظلم ولا تجوز منازعته في السلطنة بذلك» (٣). وستجد في كتب بعض المتأخرين ما يخالف هذا، حيث قرروا جوازَ خلع الحاكم لفسقٍ أو بدعة، وهؤلاء مخطئون مخالفون لإجماع السلف، وخطؤهم في

стр. 39

هذا مثل خطأ بعض المتأخرين في تأويل الأسماء أو الصفات، أو في القدر أو الإيمان وهكذا … ، فهم محجوجون بإجماع السلف السابق. ومما يبيِّنُ شذوذَ هذا القول، وأنه مخالفٌ لإجماع السلف: ما تقدَّم نقلهُ في كتب العقائد من وجوب السمع والطاعة، وهذا لا يتوافقُ مع القول بالعزل، وكذلك الأدلة الكثيرة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم لا تتوافقُ مع القول بالعزل. وسيأتي - إن شاء الله - بسطُ هذا أكثر عند كشفِ الشبهات ومناقشتها.

стр. 40

التأصيل السابع حُرمة إشاعة عيوب ولاة الأمور وإظهارها ولو باسمِ النصيحة، ويدلُّ لهذا الأصل عدة أدلة: الدليل الأول: أنَّ إظهارَ عيوبهم وأخطائهم سببٌّ لشحن النفوس عليهم، المؤدِّي للخروج عليهم؛ والوسائلُ المؤدية للمحرَّم محرَّمة لأنَّ للوسائل أحكام الغايات. قال التابعي الجليل - وقيل: إنه صحابي - عبدالله بن عكيم: «لا أُعينُ على دمِ خليفةٍ أبدًا بعد عثمان، فيقال له: يا أبا معبد أو أَعنْتَ على دمهِ؟! فيقول: إنِّي أعدُّ ذِكرَ مساويهِ عونًا على دمهِ» (١). الدليل الثاني: أنَّ نشرَ أخطاء وعيوب المسلمين منهيٌّ عنه؛ لأنه من الغيبة، فكيف بوليِّ الأمر، هذا على فرضِ أنها حقٌّ، فكيف إذا كانت كذبًا أو مبالغًا فيها. وقد حرم الله الغيبة بقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقد ذكر القرطبي في تفسيره أنَّ الغيبة كبيرةٌ من كبائر الذنوب بإجماع أهل العلم فقال: «لا خِلافَ أنَّ الغيبة من الكبائر، وأنَّ مَنْ اغتابَ أحدًا عليه أن يتوبَ إلى الله ».

стр. 41

فإن قيل: إنَّ هناك فرقًا بين الغيبة والنصيحة، كما قال الإمام ابن القيم: «والفرقُ بين النصيحة والغيبة: أنَّ النصيحة يكون القصدُ فيها تحذيرُ المسلم من مبتدع، أو فتَّان، أو غاشٍّ، أو مفسدٍ، فتذكرُ ما فيه إذا استشاركَ في صُحبته ومعاملته، والتعلُّق به كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس وقد استشارته في نكاحِ معاوية وأبي جهم فقال: «أمَّا معاويةُ فصعلوكٌ، وأمَّا أبو جهمٍ فلا يضَعُ عَصاهُ عن عاتقهِ» (١)، وقال بعضُ أصحابه لمن سافر معه: «إذا هبطتَ بلادَ قومهِ فاحذروه» (٢). فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربةٌ إلى الله من جملة الحسنات، وإذا وقعت على وجه ذمِّ أخيك، وتمزيقِ عِرْضهِ، والتفكُّه بلحمهِ، والغضِّ منه لتضعَ منزلته من قلوب الناس، فهي الداءُ العضالُ ونارُ الحسنات التي تأكلُها كما تأكلُ النارُ الحطب» (٣). فيقال: هذا حقٌّ لكنه في عامة الناسِ عدا ولي الأمر؛ لما سيأتي في التأصيل الآتي من الأدلة وإجماع السلف، والعجيبُ أنَّ كثيرًا من الناس يتناقضُ في هذا، فإذا ذكرتَ أخطاء مَنْ يحبُّ من الدعاة - ولو كانوا مبتدعة - دافعَ عنهم واستدلَّ على ذلك بحُرمة الغيبة، بخلافِ ما يتعلَّق بولي الأمر؛ فتراه سَبَّاقًا لنشرها وإشاعتها، وهو بهذا خالفَ النصوص الشرعية، وعكَسَ ما جاء به الشرع.

стр. 42

فائدة: قرر غيرُ واحدٍ من أهل السُّنة ممن كتب في الاعتقاد مشروعية الدعاء للسلطان. فمن ذلك ما رُوي عن الفضيل بن عياض بسندٍ صحيح أنه قال: «لو أنَّ لي دعوةً مستجابة ما صيَّرتها إلَّا في الإمام. قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى صيَّرتُها في نفسي لم تُجْزني، ومتى صيَّرتها في الإمام - يعني: عمَّتْ - فصلاحُ الإمام صلاحُ العباد والبلاد … قبَّل ابنُ المبارك جبهته وقال: يا معلِّم الخير! من يُحسِنُ هذا غيرك؟» (١). وأخرج الخلال في كتاب السنة بسند صحيح عن الإمام أحمد أنه قال: «وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأرى ذلك واجبًا عليّ» (٢). وقال أبو عثمان الصابوني: «ويرون الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسطِ العدلِ في الرعية» (٣). وقال الإمام البربهاري: «وإذا رأيتَ الرجل يدعو على السلطان فاعلَمْ أنه صاحبُ هوًى، وإذا سمعتَ الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلَمْ أنه صاحبُ سُنَّةٍ إن شاء الله»، ثم قال: «فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإنْ ظلَموا وجاروا؛ لأنَّ ظُلمهم وجَورَهُم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين» (٤).

стр. 43

وقال أبو بكر الإسماعيلي: «ويرونَ الدُّعاء لهم بالصلاح والعطف إلى العدل» (١). وقال الطحاوي في عقيدته: «ولا نرى الخروجَ على أئمتنا وولاةِ أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزعُ يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة» (٢).

стр. 44

التأصيل الثامن صفة مناصحة ولاة الأمور المسلمين إنَّ من خصائص ولاة الأمور المسلمين أنَّ نُصحَهم والإنكار عليهم لا يكون إلَّا أمامهم، فلا يصحُّ شرعًا خلفهم ووراءهم، وقد دلَّ على تقرير هذا الأصل عدة أدلة: الدليل الأول: قال أبو رقية تميم بن أوس الداري أن النبي ﷺ قال: «الدينُ النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: للهِ ولكتابه ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامتهم» (١). وجه الدلالة: أنه ﷺ غايرَ في النصيحة بين ولاة الأمور وبين غيرهم، فدلَّ على أن نُصحَهم يختلف عن غيرهم، وهذا مفهومٌ من صنيع الإمام ابن أبي عاصم في كتابه السُّنة فإنه لما ذكرَ حديثَ الدين النصيحة بوَّبَ بعد ذلك بقوله: «باب كيف نصيحةُ الرَّعية للولاة؟» (٢)، ثم ذكر حديث «مَنْ كان عندَهُ نصيحةٌ لذي سلطانٍ فلا يُبدِهِ علانية … ». وقرر هذا أيضًا شيخنا العلامة المحقق محمد بن صالح العثيمين ﵀ فقال: «ثم إنَّ الرسول ﵊ فرَّقَ بينهم وبين عامة المسلمين، فقال: «أئمة المسلمين وعامتهم»، مما يدلُّ على أنَّ النصيحة للأئمة ليست كالنصيحة للعامة؛ لأنه يجبُ عند النصيحة للأئمة أن يُراعيَ الانسان مقامه، بحيث تكون

стр. 45

النصيحة مناسبةً لمقامه، وهذا من تنزيل الناس منازلهم ومن الحكمة» (١)، وقد بينتُ هذه الطريقة من خلال الأدلة الآتية. الدليل الثاني: قال عياض بن غنم ﵁: «قال النبي ﷺ : «من أراد أن ينصحَ لسلطانٍ بأمرٍ، فلا يُبْدِ له علانيةً، ولكن ليأخذْ بيده، فيخلو به، فإن قبلَ منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الذي عليه له» (٢)، حسَّنَ الحديثَ العلامة الألباني (٣)، وسمعت العلامة ابن باز يجوِّده. الدليل الثالث: قال سعيد بن جبير: «قلتُ لابن عباس: آمرُ إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيتَ أن يقتلكَ فلا، فإن كنتَ ولا بدَّ فاعلًا، ففيما بينكَ وبينه، ولا تغتبْ إمامَكَ» (٤). الدليل الرابع: قال أبو وائل: «قيل لأسامة بن زيد: لو أتيتَ عثمان فكلَّمته، قال: إنكم لتُرَوْنَ أنيِّ لا أكلِّمه إلَّا أُسمعكم، إني أكلِّمه في السِّر، دون أن أفتحَ بابًا لا أكونُ أوَّلَ مَنْ فتحَه» (٥).

стр. 46

الدليل الخامس: أن هذه طريقة السلف؛ فالمخالفُ لطريقةِ السلف واقعٌ في البدعة؛ لأنَّ هذه الوسيلة - وهي المناصحة من وراء ولي الأمر - لم يفعلْها السلفُ مع وجودِ المقتضي وانتفاءِ المانع؛ وما كان كذلك فهو بدعة (١).

стр. 47

والذي يدل على أن السلف لم يفعلوا ذلك كلامُ ابن عباس وأسامة بن زيد المتقدم، وأيضًا قد حكاه عن السلف جمع من أهل العلم كالشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵏. وقال العلَّامتان محمد بن إبراهيم وسعد بن عتيق - رحمهما الله -: «وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجبُ فيها مناصحتُهم على الوجهِ الشرعي برفق، واتِّباعُ ما كان عليه السلفُ الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أنَّ ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلطٌ فاحش، وجهلٌ ظاهر، لا يعلم صاحبهُ ما يترتَّبُ عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نوَّرَ الله قلبه، وعرفَ طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين» (١). وقال الإمام ابن باز ﵀: «فالنصحُ يكون بالأسلوب الحسن، والكتابة المفيدة، والمشافهة المفيدة وليس من النصح التشهيرُ بعيوب الناس ولا بانتقاد الدولة على المنابر ونحوها، لكن النصح أن تسعى بكلِّ ما يُزيلُ الشرَّ ويثبت الخير بالطرق الحكيمة، وبالوسائل التي يرضاها الله » (٢). وقال أيضًا: «ليس من منهج السلف التشهيرُ بعيوب الولاة وذِكرُ ذلك على المنابر؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويُفضي إلى الخوض الذي يضرُّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتَّبعة عند السلف: النصيحة

стр. 48

فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتَّصلون به حتى يوجَّه إلى الخير» (١). تأمَّل أن الشيخ ابن باز ذكرَ أن التشهيرَ بعيوب السلطان باسم النصيحة ليست من طريقةِ السلف؛ إذن هي طريقة محدثة. وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في رسالة (حقوق الراعي والرعية): «فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يُتَّخذَ من أخطاء السلطان سبيلٌ لإثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عينُ المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدث الشرَّ والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يُحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يَحملونها، فإذا حاول أحدٌ أن يقلِّل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاعَ الشرعُ والأمن؛ لأن الناس إنْ تكلَّم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وإنْ تكلَّم الأمراء تمرَّدوا على كلامهم فحصل الشرُّ والفساد. فالواجب أن ننظر ماذا سلكَ السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبطَ الإنسانُ نفسه وأن يعرف العواقب، وليُعلَم أنَّ مَنْ يَثورُ إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة … ».

стр. 49

وقد رأيتُ كثيرًا من المخطئين يعترضون على ما تقدم ذِكرهُ بما يلي: الأمر الأول: أن القاعدة الشرعية أنَّ مَنْ أخطأ علانية فيُردُّ عليه علانية، قالوا: ومن ذلك ولاة الأمور. فيُقال: هذه القاعدة صحيحة، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «وأمَّا إذا أظهرَ الرجلُ المنكرات وجبَ الإنكارُ عليه علانية، ولم يبقَ له غيبة، ووجبَ أن يُعاقَبَ علانية بما يردعُهُ عن ذلك من هَجْرٍ وغيره» (١). لكن تطبيقها على ولاة الأمور خطأ مخالف للشرع، وذلك لما تقدَّم ذِكرهُ من أنَّ لوليِّ الأمر طريقة في النصح تخالفُ عامة الناس وقد بيَّنها عبد الله بن عباس ﵄، ودرجَ على ذلك السلف. فإذن هذه القاعدة عامة، ويُستثنى منها وليُّ الأمر للأدلة الخاصة، والخاصُّ مقدَّم على العام، هذا إذا كان وراءه، أما إذا كان أمامَهُ فالأصلُ الإنكار عليه علانية، إلَّا إذا اقتضت المصلحة خلافَ ذلك. الأمر الثاني: اعترضوا بالنصوص العامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالوا: مقتضى عمومها أن تشملَ وليَّ الأمر. فيقال: ما تقدَّمَ ذِكرهُ من الأدلة في نُصح ولاة الأمور أمامهم لا وراءهم = أدلة خاصة، فتُقدَّم على الأدلة العامة في الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر.

стр. 50

الأمر الثالث: ثبت عن جمعٍ من السلف أنهم أنكروا أمامَ السلطان، وقد دلَّت الأدلة على ذلك، ومن ذلك حديث: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١). ومن ذلك ما ثبت في (مسلم): لمَّا قدَّم الأمير مروان بن الحكم خطبة العيد على الصلاة وأنكر رجل عليه فقال أبو سعيد ﵁: «أما هذا فقد قضى الذي عليه»، ثم قال: «سمعتُ النبي ﷺ يقول: «مَنْ رأى منكم منكرًا … الحديث» (٢). ومن ذلك ما ثبت في مسلم أن بشر بن مروان كان يخطب فلما دعا رفعَ يديه فقال عمارة بن رؤيبة: «قبَّحَ الله هاتين اليدين، ما رأيتُ النبي ﷺ يزيدُ في الخطبة إذا دعا على أن يُشيرَ بالسبابة» (٣). والجواب على هذا أن يقال: إنَّ هذه الأدلة خارج موردِ النزاع، فإنَّ موردَ النزاع في الإنكار والنُّصحِ وراءه لا أمامه - كما تقدم -. تنبيه: إنَّ هناك فرقًا بين الإنكار على ولي الأمر، لأنه فعل منكرًا، والإنكارِ على الفعل المنكَر بدون ذِكْرِ وليِّ الأمر، فمثلًا: إذا أتى ولي الأمر بالربا، فيُنكَرُ الرِّبا علانية، ولا يُنكَر على وليِّ الأمر نفسِه علانية. أفاد هذا الإمام العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ حيث قال: «ولكن الطريقة المتَّبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم

стр. 51

وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجَّه إلى الخير. أمَّا إنكارُ المنكر بدون ذكرِ الفاعل: فيُنكَر الزنى، ويُنكَر الخمر، ويُنكَر الربا من دون ذِكرِ من فعله، فذلك واجبٌ؛ لعموم الأدلة» (١). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين وهو يتكلم عن حقوق ولي الأمر: «رابعًا: إبداءُ خطئهم فيما خالفوا فيه الشرع، بمعنى أن لا نسكت، ولكن على وجه الحكمة والإخفاء، فلهذا أمرَ النبي ﵊ إذا رأى الإنسانُ من الأمير شيئًا أن يمسِكَ بيده، وذكرَها هكذا أن تمسِكَ بيده، وتكلِّمه فيما بينكَ وبينه، لا أن تقوم في الناس، ولا أن تنشر معايبه، لأن هذا يحصل به فتنة عظيمة، فالسكوتُ عن الباطل لا شكَّ أنه خطأ، لكن الكلام في الباطل الذي يؤدي إلى ما هو أشدُّ هذا خطأٌ أيضًا، فالطريق السليم الذي هو النصيحة، وهو من دين الله هو أن يأخذَ الإنسان بيده، ويكلِّمه سرًّا، أو يكاتبه سرًّا، فإنْ أمكنَ أن يوصله إيَّاه، فهذا هو المطلوب وإلَّا فهناك قنوات، الإنسانُ البصير يعرفُ كيف يوصِلُ هذه النصيحة إلى الأمير بالطريق المعروف» (٢). وقال أيضًا: «ونحن لا نقول لا تنكر المنكر؛ لكن لا تُهاجم ولاةَ الأمور؛ لأن هذا ما ينفع، ولاة الأمور لا ينفع فيهم المهاجمة؛ لأنَّ الشيطان يُدخل في مُخَيِّلاتهم أشياء قد لا تكون طَرأت على بالك؛ أو أنها طرأت على بالك، لأن بعض الناس الذين ينكرون المنكر، والله أعلَمُ بالنِّيات، قد يكون مقصودهم أن يتولَّوا السُّلطة، ما ندري، الله أعلم، نبرأ إلى الله من هذا الشيء، لكن أنكِر المنكَر،

стр. 52

مثلًا: البنوك حرام، هل من العقل أن تُهاجِمَ الدولة، لماذا تسمح لها وهي حرام؟ أم من العقل أن تقول: يا أيها الناس احِذَروا هذه البنوك، لا تُعاملوها، اهُجُروها، قاطِعوها، أيُّهما أنفع للمجتمع؟ .. الثاني أنفع للمجتمع. الأغاني مثلًا في الإذاعات وغير الإذاعات موجودة، هل من الحكمة أن تُهاجم وزارة الإعلام، تقول: فعلت وتركت، وما أشبه ذلك؟ أو أن تقول: يا أيها الناس، احذَروا هذه المعازفَ فإنها حرام، ولا يغرَّنكم انتهاكُ الناس لها ولا كثرة استعمالها، ولا كثرة بثِّها في الإذاعات، فإنَّ هذا يوجبُ تحليلَ ما حرَّم الله، وتحذِّرهم وتبيِّنُ لهم الأدلة الدالة على المنع، أيُّهما أنفع للناس؟ لا شكَّ أنه الثاني، وأنا لست أقولُ في هذا اسكتوا عن الجهات المسؤولة. ناصحوها، إمَّا بطريقٍ مباشر، أو غير مباشر، فإنْ حصلَ الهدى فهو للجميع، وإن لم يحصل فأنت سَلِمْت، وبرئتْ ذمَّتك، ومن زعم أننا نريد بذلك أننا نريد أن يبقى المنكر منكرًا ويُسكَتَ عنه فهذا ليس بصحيح» (١).

стр. 53

التأصيل التاسع طرق تنصيب الأئمة لتولي الولاية والحكم في الإسلام طريقتان: الأولى: الاختيار. الثانية: القهر والغلبة. أما الطريقة الأولى: التولي بالاختيار، وهو قسمان: القسم الأول: العهد؛ بأن يعهدَ الحاكم لمن بعده. القسم الثاني: اختيار أهل الحلِّ والعقد؛ بأن يختاروا مَنْ يرونه مناسبًا للحكم والولاية. وقد دلَّ على هذه الطريقة - بقسمَيها - فعلُ رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ابن الخطاب ﵄ وإجماعُ أهل العلم. قال عبد الله بن عمر ﵄: «قيل لعمر بن الخطاب: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلَفَ مَنْ هو خيرٌ مني أبو بكر، وإن أتركْ فقد تركَ مَنْ هو خيرٌ مني رسول الله ﷺ » (١). قال أبو العباس القرطبي المالكي: «وقد حصل من هذا الحديث: أنَّ نصبَ الإمام لابدَّ منه، وأنَّ لنصبه طريقين: أحدهما: اجتهاد أهل الحلِّ والعقد، والآخر: النَّصُّ؛ إمَّا على واحدٍ بعينهِ، وإمَّا على جماعةٍ بأعيانها، ويفوَّضُ التخييرُ إليهم في

стр. 54

تعيين واحدٍ منهم، وهذا مما أجمعَ عليه السَّلفُ الصالح، ولا مبالاة بخلافِ أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضًا: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم» (١). وقال الماوردي الشافعي: «وأما انعقاد الإمامة بعهدٍ من قبله فهو مما انعقد الإجماعُ على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عملَ المسلمون بهما ولم يتناكروهما؛ أحدهما: أنَّ أبا بكر ﵁ عَهِدَ بها إلى عمر، فأثبتَ المسلمون إمامته بعهده، والثاني: أنَّ عمر ﵁ عهدَ بها إلى أهل الشورى، فقَبلت الجماعةُ دخولَهم فيها - وهم أعيان العصر - اعتقادًا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها، وقال علي للعباس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرًا عظيما من أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه، فصار العهد بها إجماعًا في انعقاد الإمامة» (٢). وقال النووي: «وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر بالسِّتة» (٣). وقال أبو زرعة العراقي: «وقد انعقد الإجماع على أنَّ الخليفة يجوز له الاستخلافُ وتركُه، وعلى انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلفْهُ الخليفة، وعلى جوازِ جعلِ الخليفة الأمرَ شورى بين جماعةٍ

стр. 55

كما فعل عمر ﵁ بالستة» (١). وقال ابن حجر: «وقال النووي وغيره أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادِها بعقد أهل الحلِّ والعقد» (٢). تنبيهان: التنبيه الأول: المراد بطريقة الاختيار اختيارُ أهل الحلِّ والعقد لا عموم الناس: قال ابن نجيم الحنفي: «وتنعقد بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء المجتهدين والرؤساء لما عرف» (٣). وقال الدسوقي المالكي: «لأن العلماء هم أهلُ الحلِّ والعقد» (٤). وتقدَّم نقل كلام أبي العباس القرطبي والماوردي والنووي وابن حجر وأبي زرعة العراقي (٥). وقال أبو يعلى: «فأمّا انعقادُها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلَّا بجمهور أهل الحلِّ والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: «الإمام الذي يَجتمع قولُ أهل الحلِّ والعقد عليه كلّهم»، يقول: هذا إمامٌ، وظاهرُ هذا أنها تنعقد

стр. 56

بجماعتهم» (١). وقال ابن مفلح الحفيد الحنبلي: «ولا بد من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (٢). وقال الحجاوي الحنبلي: «نصبُ الإمام الأعظم فرضُ كفاية، ويثبتُ بإجماع المسلمين عليه؛ كإمامة أبي بكر من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (٣). التنبيه الثاني: المراد بأهل الحل والعقد هم العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس: قال ابن نجيم - وهو حنفي -: «وتنعقد بيعة أهل الحل والعقد من العلماء المجتهدين والرؤساء لما عرف» (٤). وقال الدسوقي المالكي في مناسبة أخرى: «لأنَّ العلماء هم أهل الحل والعقد» (٥). وقال النووي: «والسادس وهو الأصحُّ أنَّ المعتبرَ بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس الذين يتيسَّر حضورُهم، ولا يُشترط اتفاقُ أهل الحلِّ والعقد في سائر البلاد والأصقاع، بل إذا وصَلَهم خبر أهل البلاد البعيدة لزِمَهُم الموافقة والمتابعة، وعلى هذا لا يتعيَّن للاعتبار عددٌ بل لا يُعتبر العدد حتى لو تعلَّق الحلُّ والعقد بواحدٍ مطاع كفَتْ بيعتُه لانعقادِ الإمامة» (٦).

стр. 57

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الإمامة عندهم تثبتُ بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإنَّ المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا» (١). وقال ابن مفلح الحفيد الحنبلي: «ولا بد من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (٢). وقال الحجاوي الحنبلي: «نصب الإمام الأعظم فرضُ كفاية ويثبتُ بإجماعِ المسلمين عليه كإمامة أبي بكر من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «فتحصل الإمامة بأمور: أولًا: بالنصِّ عليه، أي: بأن ينصَّ عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد كما حصل من أبي بكر لعمر ﵄. ثانيا: باجتماع أهل الحلِّ والعقد عليه، يعني وجَهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إمامًا» (٤).

стр. 58

أما الطريقة الثانية: القهر والغلبة: وهو أخذ الحكم والولاية بالقوة، فمَن فعلَ ذلك واستتبَّ له الأمر فهو حاكمٌ شرعي؛ له الحقوقُ التي للحاكم الذي أخذها بالاختيار ولا فرقَ بينهما، ويدلُّ على ذلك ما يلي: الدليل الأول: كل ما تقدَّم من النصوص والإجماعات في الأمر بالسمع والطاعة للحاكم المسلم، والصبر على أذاه وظلمه، فلم يشترط أن يكون أخذَ الحكمَ بالاختيار دون القهر والغلبة، فهي عامة تشملُ حتى مَنْ أخذها بالقهر والغلبة، ومن أراد إخراج ولايةِ مَنْ أخذَها بالقهر والغلبة من عموم الأدلة السابقة، فيلزمهُ الدليل المخصوص، فإذا لم يوجد دليل المخصوص - وهو كذلك - دخلت هذه الصورة في العموم. الدليل الثاني: آثار الصحابة: قال عبد الله بن دينار: «شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، كتب إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سُنة الله وسُنة رسوله ما استطعت، وإنَّ بَنيَّ قد أقرُّوا بمثل ذلك» (١). وعن زيد بن أسلم أنَّ ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلَّا صلَّى خلفَهُ، وأدَّى إليه زكاة ماله (٢).

стр. 59

وعن سيف المازني قال: «كان ابن عمر يقول: لا أقاتلُ في الفتنة، وأصليِّ وراءَ مَنْ غلَب» (١). وصلَّى ابن عمر خلف الحجاج، وكان متغلبًا نائبًا لعبد الملك بن مروان، بل إنه حجَّ معه، وقد خطبَ الحجاج بعرفة وصلى بالناس، فعن سالم بن عبد الله: «إنَّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر ﵄، وأنا معه حين زاغَتِ الشمسُ أو زالت، فصاحَ عند فسطاطه أين هذا؟ فخرج إليه فقال ابن عمر: الرواح، فقال: الآن؟ قال: نعم، قال: أنظِرني أفيض عليَّ ماء، فنزل ابن عمر ﵄ حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم، فاقصر الخطبة، وعجِّل الوقوف، فقال ابن عمر: صدق» (٢). تنبيه: يلبّس كثير من أهل الباطل، فيزعم أنَّ الانتخابات التي تحصل في الدول المسمَّاة بالديمقراطية هي صورة من صور الولاية بالاختيار. وهذا غير صحيح؛ لأن الاختيار الشرعي راجع إلى أهل الحل والعقد لا عامة المسلمين، وفي الدول الديمقراطية يرجع إلى عامة الشعب سُنِّيهم وبدعيِّهم

стр. 60

ومسلمِهم وكافرِهم، فهو رجوعٌ إلى الكثرة لا إلى الأعلم والأفهَم والأوجَه الذين هم أهلُ الحلِّ والعقد. واستدلَّ هؤلاء بأن عمر لما جعل الأمر في الستة انحصر الأمر في اثنين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فأخذ عبد الرحمن بن عوف يسأل الناس في المدينة، ثم قال: «ما رأيتهم يعدلونَ بعثمان أحدًا» فبايع عثمان. قال المسور بن مخرمة وهو يحكي قصة بيعة عثمان بن عفان ﵁: فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد؛ يا عليُّ إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرَهُم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون (١). وجه الشاهد عندهم أنه قدَّم عثمان على علي بأن رأى الناس لا يقدِّمون على عثمان أحدًا؛ فأرجع الأمر إلى الناس. وهذا الأثر حجَّة عليهم لا لهم من أوجه: الوجه الأول: أن عمرَ جعلَ الأمر في ستة، وهذا يخالف مبدأ الديمقراطية؛ لأنه يكون في الناس كلِّهم لا ستة. الوجه الثاني: أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه لم يسأل الشعب كلَّهم، بل سألَ أهل المدينة ومَن جاء فيها من الأجناد والجيش، وعلى مبدأ الديمقراطية يرجع إلى جميع الشعب - كما تقدم -.

стр. 61

الوجه الثالث: أن عبد الرحمن بن عوف لم يسأل الناس ابتداءً، وإنَّما لما احتاج للترجيح بينهما، وعلى مبدأ الديمقراطية يسأل الناس ابتداء. الوجه الرابع: أن عبد الرحمن بن عوف لم يجعل قرار الشعب مُلزِمًا له بل هو الذي اختاره ورجَّح به، وعلى مبدأ الديمقراطية ما اختاره الشعب مُلزِمٌ للحاكم. الدليل الثالث: الإجماع: أجمع أهلُ السُّنة على صحَّة إمامة المتغلِّب، ودونكَ بعض من حكى الإجماع: ١ - الإمام أحمد، قال: «ومَن خرَج على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة = فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالفَ الآثارَ عن رسول الله ﷺ : «فإنْ ماتَ الخارج عليه مات ميتة جاهلية»، ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدعٌ على غيرِ السنة» (١). ٢ - الإمام علي بن المديني، قال: «السنة اللازمة التي مَنْ تركَ منها خصلةً لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها»، ثم قال: «ومَن خرجَ على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد اجتمعَ عليه الناس، فأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كانت برضا كانت أو بغلبة = فقد شقَّ هذا الخارج عليه العصا وخالفَ الآثار عن رسول الله ﷺ ؛ فإن مات الخارجُ عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس فمَن عملَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنة» (٢).

стр. 62

٣ - ابن بطال، قال: «أهلُ السُّنة مُجمعون على أنَّ المتغلب يقوم مقامَ الإمام العدلِ فى إقامة الحدود وجهاد العدو، وإقامةِ الجمعات والأعياد وإنكاح مَنْ لا ولي لها» (١). ٤ - ابن حجر، نقل كلام ابن بطَّال وأقرَّه فقال: «قال ابن بطال في الحديث حجَّة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وأنَّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقنِ الدماء وتسكينِ الدَّهماء» (٢). ٥ - ابن قدامة، قال في اللمعة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - بَرِّهم وفاجرِهم - ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ومَن وليَ الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبَهُم بسيفهِ حتى صار الخليفة، وسُمِّي أميرَ المؤمنين = وجبتْ طاعته وحَرُمَتْ مخالفتهُ والخروجُ عليه وشَقُّ عصا المسلمين» (٣). ٦ - قال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمع والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضا أو عن غلبة، واشتدت وطأته من بَرٍّ أو فاجر، فلا يُخرَجُ عليه، جارَ أو عدَل»، ثم قال: «وكلُّ ما قدَّمنا ذكرهُ فهو قولُ أهلِ السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكلُّه قولُ مالكٍ؛ فمنهُ منصوصٌ من قوله، ومنه معلومٌ من مذهبه» (٤).

стр. 63

٧ - الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، قال في الدرر السنية: «الأئمة مُجمعون من كلِّ مذهب، على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا» (١). ٨ - قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: «وأهل العلم مع هذه الحوادث متَّفقون على طاعة مَنْ تغلَّب عليهم في المعروف، يرون نفوذَ أحكامه وصحَّة إمامته؛ لا يختلفُ في ذلك اثنان، ويرونَ المنعَ من الخروج عليهم بالسيف، وتفريقِ الأمة، وإن كان الأئمة ظلَمةً فَسقة، ما لم يروا كفرًا بواحًا؛ ونصوصُهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وأمثالهم ونظرائهم» (٢). وقد نصَّ على هذا جمعٌ من الأئمة أيضًا كالإمام مالك، قال الشاطبي: «وما قرَّرهُ هو أصلُ مذهب مالك، قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة؟ قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جَور؟ فقال: قد بايعَ ابنُ عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذَ المُلك، أخبرني بذلك مالكٌ عنه أنه كتبَ إليه وأمرَ له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه، قال يحيى: والبيعة خيرٌ من الفرقة» (٣). وقال الشافعي: «كلُّ مَنْ غَلبَ على الخلافة بالسيف حتى يُسمَّى خليفة، ويجتمعَ الناسُ عليه = فهو خليفة» (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمتى صار قادرًا على سياستهم بطاعتهم أو بقهره، فهو ذو سلطانٍ مُطاع … » (٥).

стр. 64

الفصل الثاني كشف شبهات تثار في أصل الإمامة والولاية

стр. 65

كشف شبهات تثار في أصل الإمامة والولاية أثار كثيرٌ من أهل الباطل كثيرًا من الشُّبهات على أصلِ الإمامة عند أهل السنة والجماعة، لأسبابٍ وأغراض متعدِّدة، وتابعهُم بعضُ الجهَلة اغترارًا بحُسن دعواهم وباطلهم، قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. لاسيما وقد أظهر كثير من هؤلاء باطلَهم باسم الحرية والحقوق، فخدعوا العامة من الناس، وما علموا أن حقيقة هذه الحرية والحقوق المدَّعاة إفسادٌ للدنيا وهلاكٌ للدين، فإنَّ الشريعة ما شَرعت السمعَ والطاعة للإمام والسلطان إلَّا لمصالح العباد، فهي تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. قال ابن عبدالبر: «لأن في منازعته والخروج عليه استبدالَ الأمن بالخوف، ولأنَّ ذلك يحمل على هِراقِ الدماء وشَنِّ الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظَمُ من الصبر على جَورهِ وفسقه، والأصولُ تشهد، والعقلُ والدينُ أنَّ أعظم المكروهَين أَولاهما بالترك» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرونَ الخروجَ على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ؛ لأن الفساد في القتال

стр. 66

والفتنة أعظَمُ من الفساد الحاصل بظُلمهم بدون قتالٍ ولا فتنةٍ؛ فيدفع أعظَمُ الفسادين بالتزام أدناهما، ولعلَّه لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلَّا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظَمُ من الفساد الذي أزالته، والله تعالى لم يأمر بقتال كلِّ ظالمٍ وكلِّ باغٍ كيفما كان، ولا أمرَ بقتالِ الباغين ابتداء» (١). وقال الإمام ابن القيم: «فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكَرُ منه وأبغَضُ إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغُ إنكاره؛ وان كان الله يبغضه ويمقُتُ أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر» (٢). وبعد هذا سأذكر ما وقفتُ عليه من شبهات تُذكَر في أصل السَّمع والطاعة، وأُجيبُ عليها - بحول الله وقوته -، وليس ترتيب هذه الشبهات مقصودًا، بل أذكُرها ثم كشْفَها بحسب ما اتفق لي.

стр. 67

كشف شبهات فيما يسمع ويطاع فيه للحاكم الشبهة الأولى: أنه لا سمع ولا طاعة للحاكم إلَّا في المعروف، والمعروف ما كان واجبًا ومستحبًّا، أو عُرف أنه محمود ومطلوب من أمور الدنيا استدلالًا بحديث «إنما الطاعة في المعروف» (١)، وما عدا هذا المعروف لا يُسمع ولا يطاع له. وكشفُ هذه الشبهة - بحول الله وقوته - ببيان أنَّ المعروف ما ليس محرَّمًا ومعصيةً، ويتبيَّن هذا بوجوه: الوجه الأول: أنَّ الأدلة يفسِّر بعضُها بعضًا، وقد بيَّنتِ الأدلة وجوبَ السمع والطاعة، ولم تستثن إلَّا المعصية، والاستثناء معيار العموم، فدلَّ هذا على أنَّ السمع والطاعة في كل شيء إلَّا المستثنى، ومن ذلك قول عبد الله بن عمر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ وكرهَ إلَّا أن يُؤمَر بمعصيةِ الله؛ فإنْ أُمر بمعصية الله فلا سمعَ ولا طاعة» (٢)، هذا الحديث يدلُّ على أنه يُسمع له في كلِّ شيء إلَّا ما حرَّم الله، وهذا هو المعروف المراد في حديث علي ابن أبي طالب ﵁ المتقدم. الوجه الثاني: مناسبة الحديث تدلُّ على أنَّ الذي لا يُطاع فيه الأمير هو ما كان في معصية الله، لأنَّ النبي ﷺ ذكر هذا الكلام لأناس أرسلَهم وجعلَ لهم

стр. 68

أميرًا، فأمرهم الأمير بمعصية، فقال النبي ﷺ : «إنَّما الطاعة في المعروف». قال علي ﵁: «إنَّ النبي ﷺ بعثَ جيشًا، وأمَّرَ عليهم رجلًا فأوقدَ نارًا، وقال: «اُدخلُوها»، فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنَّما فررنا منها، فذكروا للنبي ﷺ ، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: «لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة»، وقال للآخرين: «لا طاعةَ في معصية، إنَّما الطاعة في المعروف» (١). الوجه الثالث: سياق الحديث جعلَ المقابل للمعروف المعصية، فدلَّ هذا على أنَّ كلَّ ما ليس معصية فهو معروف فقال: «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف»، وقد نصَّ العيني وأبو العباس القرطبي أن المراد بالمعروف ما ليس معصية. قال العيني: «قوله: «إنما الطاعة في المعروف» يعني تجبُ الطاعة في المعروف لا في المعصية وقد مرَّ» (٢). وقال القرطبي: «قوله: «إنّما الطاعة في المعروف»؛ إنّما هذه للتحقيق والحصر؛ فكأنَّهُ قال: لا تكون الطّاعة إلا في المعروف، ويعنى بالمعروف هنا: ما ليس بمنكَرٍ، ولا معصية، فتدخلُ فيه الطاعات الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا» (٣). وقال ابن عبدالبر: «وكلُّ إمام يقيم الجمعة والعيد، ويجاهدُ العدو ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصفُ الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتسكن له الدَّهماء وتأمَنُ به السُّبل = فواجبٌ طاعته في كلِّ ما يأمر به من الصلاح أو من المباح» (٤).

стр. 69

وقال المباركفوري: «قوله: «السمع» الأولى الأمر بإجابة أقوالهم «والطاعة» لأوامرهم وأفعالهم «على المرء المسلم»: أي حقٌّ وواجب عليه، «فيما أحبَّ وكَرِهَ»: أي فيما وافقَ غرَضَهُ أو خالَفه، «ما لم يؤمر»: أي المسلم من قبل الامام، «بمعصية»: أي بمعصية الله، «فإن أُمِرَ»: بضمِّ الهمزة، «فلا سمعَ عليه ولا طاعة»: تجبُ؛ بل يحرُم إذْ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وفيه أنَّ الامام إذا أمر بمندوبٍ أو مباحٍ وجَب» (١). الوجه الرابع: إنه لو قيل إنَّ المراد بالمعروف الواجب والمستحب، وما عُرِفَ أنه معروف من أمور الدنيا؛ لَما كان لولي الأمر مزية على غيره، وهذا يخالفُ الأدلة الخاصة الآمرة بالسمع والطاعة له. الوجه الخامس: أن كتب الاعتقاد ذكرت السمعَ والطاعة للحاكم، ولم تستثنِ إلَّا المعصية كما تقدَّم نقلُ كلامهم، فدل هذا على أنه عامٌّ في كل ما ليس معصية، وهذا يعدُّ إجماعًا من أهل السنة. وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في تفسير سورة النساء عند قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: «إنَّ طاعة ولاة الأمور واجبة، حتى وإن لم يأمر الله بذلك الشيء المعين الذي أمروا به، وهنا لا بد من التقسيم فنقول: ما أمر به ولاة الأمور على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما أمر الله به. القسم الثاني: ما نهى الله عنه. القسم الثالث: ما لم يرِدْ به أمرٌ ولا نهي.

стр. 70

ثم قال: وأما القسم الثالث، أن يأمر ولاة الأمور بما لم يتعلَّق به أمر ولا نهي، فهنا معترك القول، فالمتمردون على ولاة الأمور يقولون: لا سمع ولا طاعة، هاتِ دليلًا على أنَّ هذا واجب، والمؤمنون يقولون: سمعًا وطاعة؛ لأننا لو لم نُطِعْهُم إلَّا في أمرٍ وردَ فيه الشرع بعينهِ لكانت الطاعة ليست لهم، بل للأمر الشرعي، فمثلًا لو قال إنسان: أنا لا أخضع للتنظيم، فلو سدَّ المرور هذا الطريق وقال للناس: سيروا في الجهة الأخرى، فقال: أنا لا أخضع لهذا الأمر، ثم جاء ليجادل ويقول: أين الدليل؟ هل قال الله تعالى: إذا قال لك المرور: لا تمش في هذا الخطِّ فلا تمش؟ الجواب: لم يقل، لكن على سبيل العموم، قال الله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾؛ فيجب أن تمتثل، فإذا قال: ليس في هذا مصلحة، فلماذا أمتثل؟ قلنا: لو جعلنا المصلحة مربوطةً برأي كلِّ واحد من الناس ما عملنا بمصلحةٍ قط؛ لأنَّ أهواء الناس متباينة مختلفة، فالرأي لوليِّ الأمر قبل كلِّ شيء، فإذا كان عندك رأي ترى فيه مصلحةً، وجب عليك - من باب النصيحة - أن ترفعه لولي الأمر، وتقول: نحن نمتثل أمركَ سمعًا وطاعةً لله قبل كل شيء، ولكن نرى أنَّ المصلحة في كذا كذا، وحينئذ تكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). الشبهة الثانية: أن المراد من تحكيم أفراد أحكام الله من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن وهكذا … العدلُ؛ فمتى ما وجد العدلُ وجِدَ حكمُ الله، ولسنا ملزمين

стр. 71

أن نُحكِّم أفراد أحكام الله ويدل لذلك ما يلي: ١ - أن الأحكام الشرعية شُرعت بالتدرُّج ولم تُشرع مرة واحدة. ٢ - أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ تركَ بعضَ الأحكام كقطع يد السارق في المجاعة، وتركَ سهمَ المؤلَّفةِ قلوبهم من الزكاة لمَّا قوِيَ الإسلام. ٣ - أنَّ الله أمرَ اليهود أن يحكِّموا التوراة لأن المراد العدل لا ذات أفراد حكم الله، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]. وكشف هذه الشبهة من أوجه ستة: الوجه الأول: أنه حيث كان شرعُ الله كان العدلُ لأنه لا حُكمَ أحسَنُ من حكمهِ ولا عدلَ أكملُ من عدلهِ. قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. الوجه الثاني: أن الله أمرنا بتحكيم شرعه المنزَّل في كتابه، وشرعهُ المنزَّل هو تفاصيلُ الأحكام فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ثم قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. الوجه الثالث: أن الله جعل المحكِّم لغير كتابه كافرًا.

стр. 72

قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. الوجه الرابع: أنه لا يتنافى مع تحكيم الشريعة وجعله أصلًا أن يُتركَ بعضُ شرعِ الله لعارض؛ كقطع يد السارق لضرورة عرضت له؛ وهذه شبهةٌ يُدرأ بالحد، أو ترك سهمِ المؤلَّفة قلوبهم في الزكاة؛ لقوَّة الإسلام وعدم الحاجة لذلك. كما نقل فعل هذا عن عمر. الوجه الخامس: إرادة تحكيم الشريعة لا ينافي التدريج في تطبيقها وتهيئة الناس لها؛ بأن يعلموا أن تحكيم الشريعة دينُ الله وأنه خيرٌ لهم. الوجه السادس: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] أن تحكيم التوراة كافٍ، لأنَّ المراد العدل كما قال؛ بل المراد ذمُّهم لتركِ تحكيم التوراة في رجم الزاني مع عِلْمهم أنه موجود عندهم في كتابهم وهو حكمُ الله عندهم. قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ قال المفسرون: هذا تعجيبٌ من الله لنبيِّه من تحكيم اليهود إيَّاه بعد عِلْمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه، وتقريعٌ لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوته، ويتركون حكمَ التوراة التي يعتقدون صحَّتها. قوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن، والثاني: حكمه بالقَود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة، والثاني: من بعد تحكيمك» (١).

стр. 73

وقال ابن كثير في تفسيره: «ثم قال تعالى منكِرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدِهم الزائغة، في تركهِم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدَم لزومه لهم فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣]. ثم مدحَ التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]؛ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾؛ أي: وكذلك الربانيون منهم - وهم العباد العلماء - والأحبار - وهم العلماء - ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أُمروا أن يُظهِروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: لا تخافوا منهم وخافوني». ويؤكد هذا أنَّ التوراة حُرِّفت فكيف يُزعَم أنَّ ما فيها بعد التحريف هو عدل. وبعد هذا يتبين أن القول بأن التحكيم بالعدل المزعوم - ولو خالف شرعَ الله - هو شرعُ الله = قولٌ باطلٌ لا دليل عليه، ثم الزعم بأنَّ الديمقراطية عدلٌ = هو زعمٌ باطل؛ لأنها قائمة على تحكيم الأكثرية، ويترتبُ على هذا ضياعُ حقِّ الأقلية وإهدارُ قدراتِ الأكفياء؛ لأنَّ العبرة بالأكثر لا بالأميَز؛ ففي دول الديمقراطية يسودُ التجار والأكثر قبلية واتباعًا بحسب حال كلِّ دولة.

стр. 74

شبهات في حال الحاكم الشبهة الثالثة: أنه جاء في حديث تقييد السمع والطاعة لمن قاد بكتاب الله، ففي صحيح مسلم قالت أم الحصين: قال: رسول الله ﷺ : «إنْ أُمِّرَ عليكم عبدٌ مجدَّع يقودكُم بكتاب الله، فاسمَعوا له وأطيعوا» (١). فمفهومُ هذا الحديث: أنه إذا لم يَقُدِ الناس بكتاب الله وبتحكيم الشريعة فلا يُسمع ولا يطاع له. والجواب على هذه الشبهة أن يقال: إنَّ قائل هذه الشبهة له حالان: الحال الأولى: أنه لا يكفِّر بالحكم بغير ما أنزل الله وإنما يقول هو مسلم لكن لا يُسمَع ولا يطاع له؛ لدلالة هذا الحديث، والجواب على هذا من أوجه: الوجه الأول: على فرض دلالة الحديث على عدم السمعِ والطاعة لمن لم يحكمُ بكتاب الله؛ فإنَّ دلالته على عدمِ طاعة مَنْ لم يحكُم بكتاب الله دلالة مفهوم، وهذا المفهوم مخالف لمنطوقاتٍ كثيرة في السمع والطاعة للحاكم العاصي في غير معصية الله، والمنطوقُ عند التعارض مقدَّمٌ على المفهوم عند أهل العلم. الوجه الثاني: إنَّ قوله: «ما قادوكم بكتاب الله» قد يُراد به ما جوَّزهُ شرع الله، ويُقابله ما هو محرَّمٌ مما لم يجوِّزهُ شرعُ الله؛ فلا يُطاع الحاكم في معصية الله، وهذا مثل حديث عائشة في قصة بريرة قال النبي ﷺ : «ما كان من شرطٍ ليس في

стр. 75

كتابِ الله فهو باطل» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما إذا كان المشروط مما لم يحرِّمه الله، فلم يخالف كتابَ الله وشرطه، حتى يقال: كتابُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق، فيكون المعنى: مَنْ اشترطَ أمرًا ليس في حكم الله ولا في كتابه، بواسطةٍ وبغير واسطة = فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروطُ مما يباح فِعلُه بدون الشرط، حتى يصحَّ اشتراطه ويجب بالشرط، ولمَّا لم يكن في كتاب الله أنَّ الولاء لغير المعتق أبدًا كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطًا ليس في كتاب الله» (٢). وقال الإمام ابن القيم: «فالصواب الضابط الشرعيُّ الذي دلَّ عليه النصُّ أنَّ كلَّ شرطٍ خالفَ حكمَ الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفهُ حكمهُ فهو لازم» (٣). وقد فَهِمَ الحديثَ بمعنى عدم طاعة الحاكم في معصية الله الأثرم (٤) والسنديُ فقال: «وفي قوله: «يقودكُم بكتاب الله» إشارة إلى أنه لا طاعةَ له فيما يُخالف حكمَ الله تعالى» (٥). الوجه الثالث: إن قوله: «يقودكم بكتاب الله» خرجَ مخرجَ الغالب؛ وما خرجَ مخرجَ الغالب فلا مفهومَ له (٦)، فإنَّ الغالبَ على حكَّام المسلمين قرونًا
следующие страницы →