Полный текст (293 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فِي رميه وَإِن كَانَ رميه قبيحا فَالصَّوَاب لَا يكون إِلَّا حسنا والإصابة تكون حَسَنَة وقبيحة فَالصَّوَاب لَا يكون إِلَّا حسنا والإصابة تكون حَسَنَة وقبيحة والخاطىء فِي الدّين لَا يكون إِلَّا عَاصِيا لِأَنَّهُ قد زل عَنهُ لقصده غَيره والمخطىء يُخَالِفهُ لِأَنَّهُ قد زل عَمَّا قصد مِنْهُ وَكَذَلِكَ يكون المخطىء من طَرِيق الِاجْتِهَاد مُطيعًا لِأَنَّهُ قصد الْحق واجتهد فِي إِصَابَته
الْفرق بَين الْخَطَإِ والغلط
أَن الْغَلَط هُوَ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَيجوز أَن يكون صَوَابا فِي نَفسه وَالْخَطَأ لَا يكون صَوَابا على وَجه مِثَال ذَلِك أَن سَائِلًا لَو سَالَ عَن دَلِيل حَدِيث الْأَغْرَاض فَأُجِيب بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو من المتعاقبات وَلم يُوجد قبلهَا كَانَ ذَلِك خطأ لِأَن الْأَعْرَاض لَا يَصح ذَلِك فِيهَا وَلَو أُجِيب بِأَنَّهَا على ضَرْبَيْنِ مِنْهَا مَا يبْقى وَمِنْهَا مَا لَا يقى كَانَ ذَلِك غَلطا لم يكون خطأ لِأَن الْأَعْرَاض هَذِه صفتهَا إِلَّا أَنَّك قد وضعت هَذَا الْوَصْف لَهَا فِي غير مَوْضِعه وَلَو كَانَ خطأ لَكَانَ الْأَعْرَاض لم تكن هَذِه حَالهَا لِأَن الْخَطَأ مَا كَانَ الصَّوَاب خِلَافه وَلَيْسَ الْغَلَط مَا يكون الصَّوَاب خِلَافه بل هُوَ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه قَالَ بَعضهم الْغَلَط أَن يهسى عَن تَرْتِيب الشَّيْء وإحامه وَالْخَطَأ أَن يسهى عَن فعله أَو أَن يوقعه من غير قصد لَهُ وَلَكِن لغيره
الْفرق بَين اللّحن والخطإ
أَن اللّحن صرفك الْكَلَام عَن جِهَته ثمَّ صَار اسْما لَازِما لمُخَالفَة الْإِعْرَاب وَالْخَطَأ إِصَابَة خلاف مَا يقْصد وَقد يكون فِي القَوْل وَالْفِعْل واللحن وَلَا يكون إِلَّا فِي القَوْل وَتقول لحن فِي كَلَامه وَلَا يُقَال لحن فِي فعله كَمَا يُقَال أَخطَأ فِي فعله إِلَّا على اسْتِعَارَة بعيدَة ولحن القَوْل مَا دلّ عَلَيْهِ القَوْل وَفِي الْقُرْآن (ولتعرفنهم فِي لحن
القَوْل) وَقَالَ ابْن الانباري لحن القَوْل معنى القَوْل ومذهبه واللحن أبضا اللُّغَة يُقَال هَذَا بلحن الْيمن والحن بِالتَّحْرِيكِ الفطنة وَمِنْه قَوْله ﵇ فَلَعَلَّ بَعْضكُم بحجته
стр. 37
الْفرق بَين خطل اللِّسَان وزلق اللِّسَان
أَنه يُقَال فلَان خطل إِذا كَانَ سَفِيها لَا يُبَالِي مَا يَقُول وَمَا يُقَال لَهُ قَالَ أَبُو النَّجْم من مشطور الرجز
أخطل والدهر كثير خطلة
أَي لَا يُبَالِي مَا أَتَى بِهِ من المصائب وَأَصله من استرخاء الْأذن ثمَّ اسْتعْمل فِي مَا ذَكرْنَاهُ والزلق اللِّسَان الَّذِي لَا يزَال يسْقط السقطة وَلَا يريدها وَلَكِن تجْرِي على لِسَانه
الْفرق بَين المهمل والهذيان والهذر
أَن المهمل خلاف المستعل وَهُوَ لَا معنى لَهُ فِي اللُّغَة الَّتِي هُوَ مهمل فينها والمستعمل مَا وضع لفائدة مُفردا كَانَ أَو مَعَ غَيره والهذيان كَلَام مُسْتَعْمل أخرج على وَجه لَا تَنْعَقِد بِهِ فَائِدَة والهذر الْإِسْقَاط فِي لكَلَام وَلَا يكون الْكَلَام هذارا حَتَّى يكون فِيهِ سقط قل أَو كثر وَقَالَ بَعضهم الهذر كَثْرَة الْكَلَام وَالصَّحِيح هُوَ الَّذِي تقدم
وَمن قبيل الْكَلَام الْقسم
القرق بَين الْقسم وَالْحلف
أَن الْقسم أبلغ من الْحلف لِأَن معنى قَوْلنَا أقسم بِاللَّه أَنه صَار ذَا قسم بِاللَّه وَالْقسم النَّصِيب وَالْمرَاد أَن الَّذِي
أقسم عَلَيْهِ من المَال وَغَيره قد أحرزه وَدفع عَنهُ الْخصم بِاللَّه وَالْحلف من قَوْلك سيف حَلِيف أَي قَاطع مَاض فَإِذا قلت حلف بِاللَّه فكأنك قلت قطع الْمُخَاصمَة بِاللَّه فَالْأول أبلغ لِأَنَّهُ يتَضَمَّن معنى الآخر مَعَ دفع الْخصم فَفِيهِ مَعْنيانِ وَقَوْلنَا حلف يُفِيد معنى وَاحِد الآخر مَعَ دفع الْخصم فَفِيهِ مَعْنيانِ وَقَوْلنَا حلف يُفِيد معنى وَاحِدًا وَهُوَ قطع الْمُخَاصمَة فَقَط وَذَلِكَ أَن من أحرز الشي بِاسْتِحْقَاق فِي الظَّاهِر فَلَا خُصُومَة بَينه وَبَين أحد فِيهِ وَلَيْسَ كل من دفع الْخُصُومَة فِي الشَّيْء فقد أحرزه وَالْيَمِين أسم للقسم مستعار وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا إِذا تقاسموا على شَيْء تصافقوا بأيمانهم ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سمي الْقسم يَمِينا
стр. 38
الْفرق بَين العقد وَالْقسم
أَن العقد هُوَ تَعْلِيق الْقسم بالمقسم عَلَيْهِ مثل قَوْلك وَالله لآدخلن الدَّار فتعقد الْيَمين بِدُخُول الدَّار وَهُوَ خلاف اللَّغْو من الْأَيْمَان واللغو من الايمان مَا لم يعْقد بشىء كَقَوْلِك فِي عرض كلامك هَذَا حسن وَالله وَهَذَا قَبِيح وَالله
الْفرق بَين العقد والعهد أَن العقد أبلغ من الْعَهْد تَقول عهِدت إِلَى فلَان بِكَذَا أَي ألزمته إِيَّاه وعقدت عَلَيْهِ وعاقدته ألزمته باستيثاق وتوقل عَاهَدَ العَبْد ربه وَلَا تَقول عَاقد العَبْد ربه إِذْ لَا يجوز أَن يُقَال استوثق من ربه وَقَالَ تَعَالَى (أَوْفوا بِالْعُقُودِ) وَهِي مَا يتعاقد عَلَيْهِ اثْنَان وَمَا يعاهد العَبْد ربه عَلَيْهِ أَو يعاهده ربه على لِسَان نبيه ﵇ وَيجوز أَن يكون العقد مَا يعْقد بِالْقَلْبِ واللغو مَا يكون غَلطا وَالشَّاهِد قَوْله تَعَالَى (وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ) وَلَو كَانَ العقد هُوَ الْيَمين لقَالَ تَعَالَى وَلَكِن يؤاخدكم بِمَا عقدتم أَي حلفتم وَلم يذكر الْأَيْمَان فَلَمَّا أَتَى بالمعقود بِهِ الَّذِي وَقع بِهِ العقد علم أَن العقد غير الْيَمين وَأما قَول الْقَائِل إِن فعلت كَذَا فَعَبْدي حر فَلَيْسَ ذَلِك بِيَمِين فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّا هُوَ شَرط وَجَزَاء بِهِ فَمَتَى وَقع الشَّرْط وَجب الْجَزَاء فَسُمي
ذَلِك يَمِينا مجَازًا وتشبيها كَانَ الَّذِي يلْزمه من الْعتْق مَا يلْزم الْمقسم من الْحِنْث وَأما قَول الْقَائِل عَبده حر وَامْرَأَته طَالِق فخبر مثل قَوْلك عَبدِي قَائِم إِلَّا أَنه ألزم نَفسه فِي قَوْله عَبدِي حر عتق العَبْد فَلَزِمَهُ ذَلِك وَلم يكن فِي قَوْله عَبدِي قَائِم إِلْزَام
الْفرق بَين الْعَهْد والميثاق
أَن الْمِيثَاق توكيد الْعَهْد من قَوْلك أوثقت الشَّيْء إِذا أحكمت شده وَقَالَ بَعضهم الْعَهْد يكون حَالا من المتعاهدين والميثاق يكون من أَحدهمَا
الْفرق بَين الْوَعْد والعهد
أَن الْعَهْد مَا كَانَ من الْوَعْد مَقْرُونا بِشَرْط نَحْو قَوْلك إِن فعلت كَذَا فعلت كَذَا وَمَا دمت على ذَلِك فَأَنا عَلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى (وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم) أَي أعلمناه أَنَّك لَا تخرج من الْجنَّة مَا لم تَأْكُل من هَذِه الشَّجَرَة والعهد يَقْتَضِي الْوَفَاء الْوَعْد
стр. 39
يَقْتَضِي الانجاز وَيُقَال نقض الْعَهْد أخلف الْوَعْد
الْفرق بَين الْوَعْد والوأي
أَن الْوَعْد يكون مؤقتا وَغير مُؤَقّت فالمؤقت كَقَوْلِهِم جَاءَ وعد رَبك وَفِي الْقُرْآن (فَإِذا جَاءَ وعد أولاهما) وَغير الْمُؤَقت كَقَوْلِهِم إِذا وعد زيد أخلف وَإِذا وعد عَمْرو وَفِي والو أَي مَا يكون من الْوَعْد غير مُؤَقّت أَلا ترى أَنَّك تَقول إِذا وأى زيد أخلف أَو فِي وَلَا تَقول جَاءَ وَأي زيد كَمَا تَقول جَاءَ وعده
وَمن قبيل الْكَلَام التَّفْسِير والتأويل
الْفرق بَين التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير
أَن التَّفْسِير هُوَ الْإِخْبَار عَن إِفْرَاد آحَاد الْجُمْلَة والتأويل الْإِخْبَار بِمَعْنى الْكَلَام وَقيل التَّفْسِير إِفْرَاد آحَاد الْجُمْلَة والتأويل الْإِخْبَار بِمَعْنى الْكَلَام وَقيل التَّفْسِير إِفْرَاد مَا انتظمه ظَاهر التَّنْزِيل والتأويل الْإِخْبَار بغرض الْمُتَكَلّم بِكَلَام وَقيل التَّأْوِيل
اسْتِخْرَاج معنى الْكَلَام لَا على ظَاهِرَة بل على وَجه يحْتَمل مجَازًا أَو حَقِيقَة وَمِنْه يُقَال تَأْوِيل الْمُتَشَابه وَتَفْسِير الْكَلَام إِفْرَاد آحَاد الْجُمْلَة وَوضع كل شَيْء مِنْهَا مَوْضِعه وَمِنْه أَخذ تَفْسِير الْأَمْتِعَة بِالْمَاءِ والمفسر عِنْد الْفُقَهَاء مَا فهم مَعْنَاهُ بِنَفسِهِ والمجمل مَا لَا يفهم المُرَاد بِهِ إِلَّا بِغَيْرِهِ والمجمل فِي اللُّغَة مَا يتَنَاوَل الْجُمْلَة وَقيل الْمُجْمل مَا لَا يفهم المُرَاد بِهِ إِلَّا بِغَيْرِهِ والمجمل فِي اللُّغَة مَا يتَنَاوَل الْجُمْلَة وَقيل الْمُجْمل مَا يتَنَاوَل الْأَشْيَاء أَو ينبىء عَن الشَّيْء على وَجه الْجُمْلَة دون التَّفْصِيل وَالْأول هُوَ الْعُمُوم وَمَا شاكله لِأَن ذَلِك قد سمي مُجملا من حَيْثُ يتَنَاوَل جملَة مسميات وَمن ذَلِك قيل أجملت الْحساب
وَالثَّانِي هُوَ مَا لَا يُمكن أَن يعرف المُرَاد بِهِ خلاف الْمُفَسّر والمفسر مَا تقدم لَهُ تَفْسِير وغرض الْفُقَهَاء غير هَذَا وَإِنَّمَا سموا مَا يفهم المُرَاد مِنْهُ بِنَفسِهِ مُفَسّر لما كَانَ يتَبَيَّن كَا يتَبَيَّن مَال لَهُ تَفْسِير وأصل التَّأْوِيل فِي الْعَرَبيَّة من ألت ألى الشَّيْء أؤول إِلَيْهِ إِذا صرت إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى (يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم) وَلم يقل تَفْسِيره لِأَنَّهُ أَرَادَ مَا يؤول من الْمُتَشَابه إِلَى الْمُحكم
الْفرق بَين الشَّرْح وَالتَّفْصِيل
أَن الشَّرْح بَيَان المشروح وإخراجه من وَجه الاشكال إِلَى التجلي والظهور وَلِهَذَا لَا يسْتَعْمل الشَّرْح فِي الْقُرْآن وَالتَّفْصِيل هُوَ ذكر مَا تتضمنه الْجُمْلَة على سَبِيل الافراد وَلِهَذَا قَالَ
стр. 40
تَعَالَى (ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير) وَلم يقل شرحت وَفرق آخر أَن التَّفْصِيل هُوَ وصف آحَاد الْجِنْس وَذكرهَا مَعًا وَرُبمَا احْتَاجَ التَّفْصِيل إِلَى الشَّرْح وَالْبَيَان وَالشَّيْء لَا يحْتَاج إِلَى نَفسه
الْفرق بَين الْقُرْآن وَالْفرْقَان
أَن الْقرَان يُفِيد جمع السُّور وَضم
بَعْضهَا إِلَى بعض وَالْفرْقَان يُفِيد أَنه يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وَالْمُؤمن وَالْكَافِر
وَمن قبيل القَوْل السَّلَام والتحية
الْفرق بَين لاسلام والتحية
أَن التَّحِيَّة أَعم من السَّلَام وَقَالَ الْمبرد يدْخل فِي التَّحِيَّة حياك الله وَلَك الْبُشْرَى وَلَقِيت الْخَيْر وَقَالَ أَبُو هِلَال أيده الله تَعَالَى وَلَا يُقَال لذَلِك سَلام إِنَّمَا السَّلَام قَوْلك سَلام عَلَيْك وَيكون السَّلَام فِي غير هَذَا الْوَجْه السَّلامَة مثل الضلال والضلالة والجلال وَالْجَلالَة وَمِنْه دَار السَّلَام أَي دَار السَّلامَة وَقيل دَار اي دَار وَالسَّلَام اسْم من أَسمَاء الله والتحية أَيْضا الْملك وَمِنْه قَوْلهم التَّحِيَّات لله
وَمن الْكَلَام الْخَاص
الْفرق بَين الْخَاص وَالْخُصُوص
أَن الْخُصُوص يكون فِي مَا يُرَاد بِهِ بعض مَا ينطوي عَلَيْهِ لَفظه بِالْوَضْعِ وَالْخَاص مَا اخْتصَّ بِالْوَضْعِ لَا بارادة وَقَالَ بَعضهم الْخُصُوص مَا ينتاول بعض مَا يتضمنه الْعُمُوم أَو جرى مجْرى الْعُمُوم من الْمعَانِي وَأما الْعُمُوم فَلَمَّا استغرق مَا يصلح أَن يستفرقه وَهُوَ عَام والعموم لفظ مُشْتَرك يَقع على الْمعَانِي وَالْكَلَام وَقَالَ بَعضهم الْخَاص مَا يتَنَاوَل أمرا وَاحِدًا بِنَفس الْوَضع وَالْخُصُوص أَن يتَنَاوَل شَيْئا دون غَيره وَكَانَ يَصح أَن يتَنَاوَلهُ وَذَلِكَ الْغَيْر
الْفرق بَين الْعَام والمهبم
أَن الْعَام يشْتَمل على أَشْيَاء والمبهم يتَنَاوَل
стр. 41
وَاحِد الْأَشْيَاء لَكِن غير معِين الذوات فقولنا شَيْء مُبْهَم وَقَوْلنَا الْأَشْيَاء عَام
الْفرق بَين التَّخْصِيص والنسخ
أَن التَّخْصِيص هُوَ مَا دلّ على أَن المُرَاد بِالْكَلِمَةِ بعض مَا تناولته دون بعض والنسخ مَا دلّ على أَن مثل الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ زائلت فِي الْمُسْتَقْبل على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا وَمن حق
التَّخْصِيص إِلَّا يدْخل غلا فِي مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ والنسخ يدْخل فِي النَّص على عين والتخصيص مَا لَا يدْخل فِيهِ والتخصيص يُؤذن بِأَن المُرَاد بِالْعُمُومِ عِنْد الْخطاب مَا عداهُ والنسخ يُحَقّق أَن كل مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ مُرَاد فِي حَال الْخطاب وَإِن كَانَ غَيره مرَادا فِيمَا بعد والنسخ فِي الشَّرِيعَة لَا يَقع بأَشْيَاء يَقع بهَا التَّخْصِيص والتخصيص لَا يَقع بِبَعْض مَا يَقع بِهِ النّسخ فقد بَان لَك مُخَالفَة أَحدهمَا للْآخر فِي الْحَد وَالْحكم جَمِيعًا وتساويهما فِي بعض الْوُجُوه لَا يُوجب كَون النّسخ تَخْصِيصًا
الْفرق بَين النّسخ والبداء
أَن النّسخ رفع حكم تقدم بِحكم ثَان أوجبه كتاب أَو سنة وَلِهَذَا يُقَال إِن تَحْرِيم الْخمر وَغَيرهَا مِمَّا كَانَ مكلقا فِي الْعقل نسخ لإباحة ذَلِك لِأَن إِبَاحَته عقلية وَلَا يسْتَعْمل النّسخ فِي العقليات والبداء أَصله الظُّهُور تَقول بدا لي الشَّيْء إِذا ظهر وَتقول بدا لي فِي الشَّيْء إِذا ظهر لَك فِيهِ رَأْي لم يكن ظَاهرا لَك فتركته لأجل ذلكت وَلَا يجوز على الله البداء لكَونه عَالما لنَفسِهِ وَمَا ينسخه من الْأَحْكَام ويثبته إِنَّمَا هُوَ على قدر الْمصَالح لَا أَنه يبدوا لَهُ من الْأَحْوَال مَا لم يكن باديا والبداء هُوَ أَن تَأمر الْمُكَلف الْوَاحِد بِنَفس مَا تنهاه عَنهُ على الْوَجْه الَّذِي تنهاه عَنهُ وَالْوَقْت الَّذِي تنهاه فِيهِ عَنهُ وَهَذَا لَا يجوز على الله لِأَنَّهُ يدل على التَّرَدُّد فِي الرَّأْي والنسخ فِي الشَّرِيعَة لَفظه منقولة عَمَّا وضعت لَهُ فِي أصل اللُّغَة كَسَائِر الاسماء الشَّرْعِيَّة مثل الْفسق ولانفاق وَنَحْو ذَلِك وَأَصله فِي الْعَرَبيَّة الْإِزَالَة إِلَّا تراهم قَالُوا نسخت الرّيح الْآثَار فَإِن قلت إِن الرّيح لَيست بمزيلة لَهَا على الْحَقِيقَة قُلْنَا
стр. 42
اعْتقد أهل اللُّغَة أَنَّهَا مزيلة لَهَا كاعتقادهمت أَن الضَّم إِلَه
الْفرق بَين فحوى الْخطاب وَدَلِيل الْخطاب
أَن فحوى الْخطاب مَا يعقل عِنْد الْخطاب لَا بِلَفْظِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى فَلَا تقل لَهما أُفٍّ فالمنع مت ضربهما يعقل عِنْد ذَلِك وَدَلِيل الْخطاب هُوَ أَن يعلق بِصفة الشَّيْء أَو بِعَدَد أَو بِحَال أَو غَايَة فَمَا لم يُوجد فِيهِ فَهُوَ بِخِلَاف الحكم فالصفة
قَوْله فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة فِيهِ دَلِيل على أَنه لَيْسَ فِي العلوفة زَكَاة وَالْعدَد تَعْلِيق الْحَد بالثمانين فِيهِ دَلِيل على سُقُوط مَا زَاد عَلَيْهِ والغاية قَوْله تَعَالَى (حَتَّى يطهرن) فِيهِ دَلِيل على أَن الْوَطْء قبل ذَلِك مَحْظُور وَالْحَال مثل مَا رُوِيَ أَن يعلى بن أُميَّة قَالَ لعمر مَا لنا نقصر وَقد أمنا يَعْنِي الصَّلَاة فَقَالَ عمر تعجبت مِمَّا تعجبت مِنْهُ وَسَأَلَ رَسُول الله عَن ذَلِك فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته وَهَذَا مَذْهَب بعض الْفُقَهَاء وَآخَرُونَ يَقُولُونَ إِن جَمِيع ذَلِك يعرف بدلائل أخر دون دَلَائِل الخطابت الْمَذْكُور هَهُنَا وَفِيه كَلَام كثير لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره وَالدَّلِيل لَو قرن بِهِ دَلِيل لم يكن مناقضة وَلَو قرن بِاللَّفْظِ فحواه لَكَانَ ذَلِك مناقضة أَلا ترى أَنه لَو قَالَ فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة ت وَفِي المعلوفة الزَّكَاة لم يكن تنقاقضا وَلَو قَالَ فَلَا تقل لَهما أُفٍّ واضربهما لَكَانَ تناقضا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ هُوَ مؤتمن على قِنْطَار ثمَّ قَالَ يخون فِي الدِّرْهَم يعد تناقضا وَقَوله تَعَالَى (وَلَا تظْلمُونَ فتيلا) يدل فحواه على نيفي الظُّلم فِي مَا زَاد على ذَلِك وَدلَالَة هَذَا كدلالة النَّص لِأَن السَّامع لَا يحْتَاج فِي مَعْرفَته إِلَى تَأمل وَأما قَوْله تَعَالَى (فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر) فَمَعْنَاه فَأفْطر بعده وَقد جعله بَعضهم فحوى الْخطاب وَلَيْسَ ذَلِك بفحوى عِنْدهم وَلكنه من بَاب الِاسْتِدْلَال أَلا ترى أَنَّك لَو قرنت بِهِ فحواه لم يكن تناقضا فَأَما قَوْله تَعَالَى (وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا) فَإِنَّهُ يدل على المرادت بفائدته لَا بصريحة وَلَا فحواه وَذَلِكَ أَنه لما ثَبت أَنه زجر أَفَادَ أَن الْقطع هُوَ لأجل السّرقَة وَكَذَلِكَ
стр. 43
قَوْله تَعَالَى (الزَّانِيَة والزانى)
الْفرق بَين الْبَيَان والفائدة
قَالَ عَليّ بن عِيسَى مَا ذكر ليعرف بِهِ غَيره فَهُوَ الْبَيَان كَقَوْلِك غُلَام زيد وَإِنَّمَا ذكر زيد وَإِنَّمَا ذكر زيد ليعرف بِهِ الْغُلَام فَهُوَ للْبَيَان وقولك ضربت زيدا إِنَّمَا ذكر زيد ليعرف أَن الضَّرْب وَقع بِهِ فَذكر ليعرف بِهِ غَيره والفائدة مَا ذكر ليعرف فِي نَفسه نَحْو قَوْلك قَامَ زيد إِنَّمَا ذكر قَامَ ليعرف أَنه وَقع الْقيام وَأما عتمد الْبَيَان فَهُوَ الَّذِي لَا يَصح الْكَلَام إِلَّا بِهِ نَحْو قَوْلك ذهب زيد فَذهب مُعْتَمد الْفَائِدَة ومعتمد الْبَيَان وَأما الزِّيَادَة فِي الْبَيَان الَّذِي يَصح الْكَلَام دونه وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة فِي الْبَيَان فَهِيَ الْبَيَان الَّذِي يَصح الْكَلَام دونه وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة فِي الْفَائِدَة هِيَ الَّتِي يَصح الْكَلَام دونهَا نَحْو الْحَال فِي قَوْلك مر زيد ضَاحِكا وَالْبَيَان قَوْلك أَعْطَيْت زيد درهما فعلى هَذَا يجْرِي الْبَيَان والفائدة ومعتمد الْفَائِدَة وَالْحَال أبدا للزِّيَادَة فِي الْفَائِدَة فالمفعول الَّذِي ذكر فَاعله للزِّيَادَة فِي الْبَيَان فاما الْفَاعِل فَهُوَ مُعْتَمد الْبَيَان وكذلكت مَا لم يسم فَاعله وقولك قَامَ زيد مُعْتَمد الْفَائِدَة فَإِذا كَانَ صفة فَهُوَ للزِّيَادَة فِي الْبَيَان نَحْو قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل قَامَ فَهُوَ هَهُنَا صفة مَذْكُورَة للزِّيَادَة فِي الْبَيَان
الْفرق بَين عطف الْبَيَان وَبَين الصّفة
أَن عطف الْبَيَان يجْرِي مجْرى لاصفة فِي أَنه تَبْيِين للْأولِ ويتبعه فِي الْإِعْرَاب كقولكت مَرَرْت بأخيك زيد إِذا كَانَ لَهُ أَخَوان أَحدهمَا زيد وَالْآخر عَمْرو فقد بَين قَوْلك زيدا أَي الْأَخَوَيْنِ مَرَرْت بِهِ وَالْفرق بَينهمَا أَن عطف الْبَيَان يجب بِمَعْنى إِذا كَانَ غير الْمَوْصُوف بِهِ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مثل صفته وَلَيْسَ كَذَلِك الِاسْم الْعلم الْخَالِص لِأَنَّهُ لَا يجب بِمَعْنى لَو كَانَ غَيره على مثل ذَلِك الْمَعْنى اسْتحق مثل اسْمه مِثَال ذَلِك مَرَرْت بزيد الطَّوِيل فالطويل يجب بِمَعْنى الطول وَإِن كَانَ غير الموصف على مصل هَذَا الْمَعْنى وَجب لَهُ صفة طَوِيل وَأما زيد فَيجب المسى بِهِ مِم عير معنى لَو كَانَ لغيره لوَجَبَ لَهُ مثل اسْمه إِذْ لَو وَافقه غَيره فِي كل شَيْء لم يجب أَن يكون زيدا كَمَا لَو وَافقه فِي كل شَيْء لوَجَبَ أَن يكون لَهُ مثل صفته وَلَا يجب أَن يكون لَهُ مثل اسْمه
قَالَ
стр. 44
أَبُو هِلَال أيده الله وَالْبَيَان عِنْد الْمُتَكَلِّمين الدَّلِيل الَّذِي تتبين بِهِ الْأَحْكَام وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم رَحمهَا الله الْهِدَايَة هِيَ الدّلَالَة وَالْبَيَان فَجعلَا الدّلَالَة وَالْبَيَان وَاحِدًا وَقَالَ بَعضهم هُوَ الْعلم الْحَادِث الَّذِي يتَبَيَّن بِهِ الشَّيْء وَمِنْهُم من قَالَ الْبَيَان حصر القَوْل دون مَا عداهُ من الْأَدِلَّة وَقَالَ غَيره الْبَيَان هُوَ الْكَلَام والخط والشارة وَقيل الْبَيَان هُوَ الَّذِي أخرج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال الى حد التجلي وَمن قَالَ هُوَ الدّلَالَة ذهب إِلَى أَنه يتَوَصَّل بِالدّلَالَةِ إِلَى معرفَة الْمَدْلُول عَلَيْهِ وَالْبَيَان هُوَ مَا يَصح أَن يتَبَيَّن بِهِ مَا هُوَ بَيَان اله وَكَذَلِكَ يُقَال إِن الله قد بَين الْأَحْكَام بِأَن دلّ عَلَيْهَا بنصية الدّلَالَة فِي الحكم الْمظهر ظنا وَكَذَلِكَ يُقَال للمدلول عَلَيْهِ قد بَان ويوصف الدَّال بِأَنَّهُ يبين وتوصف الامارات الموصلة إِلَى غَلَبَة الظَّن بِأَنَّهَا بيانت كَمَا يُقَال إوها دلَالَة تَشْبِيها لَهَا بِمَا يُوجب الْعلم من الْأَدِلَّة
وَمن قبيل الْكَلَام النَّجْوَى
الْفرق بَين النَّجْوَى والسر أَن النَّجْوَى أسم للْكَلَام الْخَفي الَّذِي تناجي بِهِ صَاحبك كَأَنَّك ترفعه عَن غَيره وَذَلِكَ أَن أصل الْكَلِمَة الرّفْعَة وَمِنْه النجوة من الأَرْض وَسمي تكليم الله تَعَالَى مُوسَى ﵇ مُنَاجَاة لِأَنَّهُ كَانَ كلَاما أخفاه عَن غَيره والسر إخفاء الشَّيْء فِي النَّفس وَلَو اختفى بستر أَو وَرَاء جِدَار لم يكن سرا وَيُقَال فِي هَذَا الْكَلَام سر تَشْبِيها بِمَا يخفي فِي النَّفس وَيُقَال سري عِنْد فلَان تُرِيدُ مَا يخفيه فِي نَفسه من ذكل وَلَا يُقَال نَجْوَايَ عِنْده وَتقول لصاحبك هَذَا سرا ألقيه إِلَيْك تُرِيدُ الْمَعْنى الَّذِي تخفيه فِي نَفسك والنجوى تتَنَاوَل جملَة مَا يَتَنَاجَى بِهِ من الْكَلَام والسر يتَنَاوَل معنى ذَلِك وَقد يكون السِّرّ فِي غير الْمعَانِي مجَازًا تَقول فعل سرا وَقد أسر الْأَمر والنجوى لَا تكون إِلَّا كلَاما
الْفرق بَين الْقِرَاءَة والتلاوة
أَن التِّلَاوَة لَا تكون إِلَّا لكلمتين فَصَاعِدا وَالْقِرَاءَة تكون للكلمة الْوَاحِدَة يُقَال قَرَأَ فلَان اسْمه وَلَا يُقَال
تَلا اسْمه وذكل أَن اصل التِّلَاوَة اتِّبَاع الشَّيْء الشَّيْء يُقَال تلاه إِذا تبعه فَتكون
стр. 45
التِّلَاوَة فِي الْكَلِمَات يتبع بَعْضهَا بَعْضًا وَلَا تكون فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة إِذْ لَا يَصح فِيهَا التلو
الْفرق بَين إِلَّا وَلَكِن
أَن الِاسْتِثْنَاء هُوَ تَخْصِيص صِيغَة عَامَّة
فَأَما لَكِن فَهِيَ تَحْقِيق إِثْبَات بعد نفي أَو نفي بعد إِثْبَات تَقول مَا جَاءَنِي زيد لَكِن عَمْرو جَاءَنِي وأتى عَمْرو لَكِن زيد لم يَأْتِ فَهَذَا أصل لَكِن وَلَيْسَ باستثناء فِي التَّحْقِيق وَقَالَ ابْن السراج الِاسْتِثْنَاء هُوَ إِخْرَاج بعض من كل
الْفرق بَين الِاسْتِثْنَاء والعطف
أنكل إِذا قلت ضربت الْقَوْم فقد أخْبرت أَن الضَّرْب قد استوفى الْقَوْم ثمَّ قلت وعمرا فعمرو غير الْقَوْم وَالْفِعْل الْوَاقِع بِهِ غير الْفِعْل الْوَاقِع بالقوم وَإِنَّمَا أشركته مَعَهم فِي فعل ثَان وصل إيه مِنْك وَلَيْسَ هَذَا حكم الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّك تمنع فِي الِاسْتِثْنَاء أَن يصل فعلك إِلَى جيمع الْمَذْكُور
وَمن قبيل الْكَلَام الْمُنَازعَة
الْفرق بَين الْمُنَازعَة والمطالبة
أَن الْمُطَالبَة تكون بِمَا يعرف بِهِ الْمَطْلُوب كالمطالبة بِالدّينِ وَلَا تقع إِلَّا مَعَ الْإِقْرَار بِهِ وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة بِالْحجَّةِ على الدَّعْوَى وَالدَّعْوَى قَول يعْتَرف بِهِ الْمُدَّعِي والمنازعة لَا تكون إِلَّا فِي مَا يُنكر الْمَطْلُوب وَلَا يَقع مَا يعْتَرف بِهِ الخصمان مُنَازعَة
الْفرق بَين الْمُعَارضَة والإلزام
أَن كل مُعَارضَة الزام وَلَيْسَ كل الزام مُعَارضَة أَلا ترى أَن قَوْلك لمن أنكر حُدُوث الْأَجْسَام مَا انكرت أَنَّهَا سَابِقَة للحوادث إِلْزَام وَلَيْسَ بمعارضة والمعارضة أَن تبدأ بِمَا فِي عرض الْمَسْأَلَة وَبِمَا فِي رأية ثمَّ تَأتي بِالْمَسْأَلَة فتجمع بَينهمَا وَبَين ذَلِك إِمَّا بعلة أَو بِغَيْر عِلّة فالمعارضة بِالْعِلَّةِ كَقَوْلِك إِن كَانَ الله تَعَالَى يفعل الْجور فَلَا يكون الْجور لِأَنَّهُ الْقَادِر الْمَالِك والمعارضة على غير نَحْو قَوْلنَا لمن يَقُول إِن
السوَاد وَالْحَرَكَة جسم مَا أنْكرت أَن الْبيَاض والسكون أَيْضا جسم
стр. 46
الْفرق بَين الْمُعَارضَة وإجراء الْعلَّة فِي الْمَعْلُول
أَن المطالب بإجراءت الْعلَّة فِي الْمَعْلُول يبْدَأ بتقرير خَصمه على جِهَة الاعتلال ثمَّ يَأْتِي بالموضع الَّذِي رام أَن يجْرِي فِيهِ كَا تَقول لأَصْحَاب الصِّفَات إِذا قُلْتُمْ إِن كل مَوْجُود لم يكن غير الله مُحدث فَقولُوا إِن صِفَاته محدثة لِأَنَّهَا لَيست هِيَ الله وَكَذَلِكَ قَوْلك للملحد إِذا قلت إِن الْأَجْسَام قديمَة لِأَن قدمهَا مُتَصَوّر فِي الْعقل فَلَا يتَصَوَّر فِي الْعقل مَا لَا حَقِيقَة لَهُ
الْفرق بَين الْمَسْأَلَة والفتيا
أَن الْمَسْأَلَة عَامَّة فِي كل شَيْء والفتيا سُؤال عَن حَادِثَة وَأَصله من الفتاء وَهُوَ الشَّبَاب والفتى الشَّاب والفتاة الشَّابَّة وَتقول للْأمة وان كَانَت عجوزا فتاة لِأَنَّهَا كالصغيرة فِي أَنَّهَا لَا توقر توقير الْكَبِيرَة والفتوة حَال الْغرَّة والحداثة وَقيل للمسألة عَن حَادِثَة فتيا لِأَنَّهَا فِي حَالَة الشَّابَّة فِي أَنَّهَا عَن شَيْء حدث
الْفرق بَين الْمُعَارضَة وقلب الْمَسْأَلَة
أَن قلب الْمَسْأَلَة هُوَ الرُّجُوع على السَّائِل بِمثل مُطَالبَته فِي مَذْهَب لَهُ يلْزمه فِيهِ مثل الْملك كَقَوْلِنَا للمجبرة إِذا قَالُوا إِن الْفَاعِل فِي الشَّاهِد لَا يكون إِلَّا جسما فَلَمَّا كَانَ الله فَاعِلا وَجب أَن يكون جسما مَا أنكرتم إِذا كَانَ الْفَاعِل فِي الشَّاهِد لَا يكون إِلَّا مُحدثا مربوبا أَي لَا يكون فِي الْغَائِب الا كَذَلِك وقلب الْمَسْأَلَة يكون بعد الْجَواب فَإِذا كَانَ قبل الْجَواب كَانَ ظلما إِلَّا أَن يَجْعَل على صِيغَة الْجَواب والمعارضة هِيَ أَن يذكر المذهبان جَمِيعًا فَيجمع بَينهمَا وقلب السؤوال لَا يكون إِلَّا ذكر مَذْهَب وَاحِد
الْفرق بَين الإبلاغ والأدراء
إِيصَال الشَّيْء على مَا يجب فِيهِ وَمِنْه أدارء الدّين فلَان حسن الاداء لما يسمع وَحسن الْأَدَاء للْقِرَاءَة والإبلاغ إِيصَال مَا فِيهِ بَيَان للأ فهام وَمِنْه البلاغة وَهِي إِيصَال الْمَعْنى إِلَى النَّفس فِي أحسن صُورَة
الْفرق بَين الإبلاغ والإيصال
أَن الإبلاغ أَشد اقْتِضَاء للمنتهي اليه من الإيصال لِأَنَّهُ يَقْتَضِي بُلُوغ فهمه وعقله كالبلاغة الَّتِي تصل إِلَى الْقلب وَقيل الأبلاغ اخْتِصَار الشي على جِهَة الِانْتِهَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
стр. 47
(ثمَّ أبلغه مأمنه)
الْفرق بَين الأسم الْعرفِيّ والأسمت الشَّرْعِيّ
أَن الِاسْم الشرعين مَا نثل عَن أَصله فِي اللُّغَة فَسُمي بِهِ فعل أَو حكم حدث فِي الشَّرْع نَحْو الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْكفْر والايمان والأسلام وَمَا يقرب من ذَلِك وَكَانَت هَذِه أَسمَاء تجْرِي قبل الشَّرْع على أَشْيَاء ثمَّ جرت فِي الشرعْلى أَشْيَاء آخر وَكثر اسْتِعْمَالهَا حَتَّى صَارَت حَقِيقَة فِيهَا وَصَارَ اسْتِعْمَالهَا على الأَصْل مجَازًا أَلا ترى أَن اسْتِعْمَال الصَّلَاة الْيَوْم فِي الدُّعَاء مجَاز وَكَانَ هُوَ الأَصْل وَالِاسْم الْعرفِيّ مَا نقل عَن بَابه بعرف الِاسْتِعْمَال الصَّلَاة الْيَوْم فِي الدُّعَاء مجَاز وَكَانَ هُوَ الأَصْل وَالِاسْم الْعرفِيّ مَا نقل عَن بَابه بعرف الِاسْتِعْمَال نَحْو قَوْلنَا دَابَّة وَذَلِكَ أَنه قد صَار فِي الْعرف اسْما لبَعض مَا يدب وَكَانَ فِي الأَصْل اسْما لجمعية وَكَذَلِكَ الغائظ كَانَ اسْما للمطمئن من الأَرْض ثمَّ صَار فِي الْعرف اسْما لقَضَاء الْحَاجة حَتَّى لَيْسَ يعقل عِنْد الْإِطْلَاق سواهُ وَعند الْفُقَهَاء انه إِذا ورد عَن الله خطاب قج وَقع فِي اللُّغَة لشَيْء وَاسْتعْمل فِي الْعرف لغيره وَوضع فِي الشَّرْع لآخر فَالْوَاجِب حمله على مَا وضع فِي الشَّرْع لِأَن مَا وضع لَهُ فِي اللُّغَة قد الْخطاب فِي الْعرف لشَيْء وَفِي اللُّغَة بِخِلَافِهِ وَجب حمله على الْعرف لِأَنَّهُ أولى كَمَا أَن اللَّفْظ الشرعلي يحملهُ على مَا عدل عَنهُ وَإِذا حصل الْكَلَام مُسْتَعْملا فِي الشَّرِيعَة أولى على مَا ذكر قبل وَجَمِيع أَسمَاء الشَّرْع تحْتَاج إِلَى بَيَان نَحْو قَوْله تَعَالَى (وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة) إِذْ قد عرف بِدَلِيل أَنه أُرِيد بهَا غير مَا وضعت لَهُ فِي اللُّغَة وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا يُرَاد بِهِ مَا لم يوضع لَهُ الْبَتَّةَ نَحْو الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالثَّانِي يُرَاد بِهِ مَا وضع الله فِي اللُّغَة لكنه قد جعل اسْما فِي الشَّرْع لما يَقع مِنْهُ على وَجه
مَخْصُوص أَو يبلغ حدا مَخْصُوصًا فَصَارَ كَأَنَّهُ مُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ وَذَلِكَ نَحْو الصّيام وَالْوُضُوء وَمَا شاكله
الْفرق بَين بلَى وَنعم
أَن بلَى لَا تكون إِلَّا جَوَابا لما كَانَ فِيهِ حرف جحد كَقَوْلِه تَعَالَى (أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) وَقَوله عز وَجل
стр. 48
(ألم يأتكم رسل مِنْكُم) ثمَّ قَالَ فِي الْجَواب (قَالُوا بلَى) وَنعم تكون للاستفهام بِلَا جحد كَقَوْلِه تَعَالَى (فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حقال قَالُوا نعم) وَكَذَلِكَ جَوَاب الْخَبَر إِذْ قَالَ قد فعلت ذَلِك قلت نعم لعمري قد فعلته وَقَالَ الْفراء وَإِنَّمَا امْتَنعُوا أَن يَقُولُوا فِي جَوَاب الْجُحُود نعم لِأَنَّهُ إِذا قَالَ الرجل مَالك عَليّ شَيْء فَلَو قَالَ الآخر نعم كَانَ صَدَقَة كَأَنَّهُ قَالَ نعم لَيْسَ لي عَلَيْك شَيْء وَإِذا قَالَ بلَى فَإِنَّمَا هُوَ رد لكَلَام صَاحبه أَي بلَى لي عَلَيْك شَيْء فَلذَلِك اخْتلف بلَى وَنعم
الْفرق بَين الوسوسة والنزع
أَن النزع هُوَ الإغواء بالوسوسة وَأكْثر مَا يكون عِنْد الْغَضَب وَقيل أصلة للإزعاج بالحركة إِلَى الشَّرّ وَيُقَال هَذِه نزغة من الشَّيْطَان للخصلة الداعية إِلَى الشَّرّ وأصل الوسوسة الصَّوْت الْخَفي وَمِنْه يُقَال لصوت الْحلِيّ وسواس وكل صَوت لَا يفهم تَفْصِيله لخفائة وَسْوَسَة ووسواس وَكَذَلِكَ مَا وَقع فِي النَّفس خفِيا وَسمي الله تَعَالَى الموسوس وسواسا بِالْمَصْدَرِ فِي قَوْله تَعَالَى (من شَرّ الوسواس الخناس)
стр. 49
الْبَاب الثَّالِث
الْفرق بَين الدّلَالَة وَالدَّلِيل وَالِاسْتِدْلَال وَبَين النّظر والتأمل وَبَين الرُّؤْيَة وَمَا يجرى مَعَ ذَلِك
الْفرق بَين الدّلَالَة وَالدَّلِيل
أَن الدّلَالَة تكون على أَرْبَعَة أوجه أَحدهمَا مَا يُمكن أَن يسْتَدلّ بِهِ قصد فَاعله ذَلِك أم لم يقْصد وَالشَّاهِد أَن أَفعَال البهائمت تدل على حدثها وَلَيْسَ لَهَا قصد إِلَى ذَلِك وَالْأَفْعَال المحكمة دلَالَة على فاعلها وَإِن لم يقْصد فاعلها أَن تكون دلَالَة على ذَلِك وَمن جعل قصد فَاعل الدّلَالَة شرطا فِيهَا احْتج بِأَن اللص يسْتَدلّ بأثره عَلَيْهِ وَلَا يكون أَثَره دلَالَة لِأَنَّهُ لم يقْصد ذَلِك فَلَو وصف بِأَنَّهُ دلَالَة لوص هُوَ بِأَنَّهُ دَال على نَفسه وَلَيْسَ هَذَا بشىء لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنكر فِي اللُّغَة أَن يُسمى أَثَره دلَالَة عَلَيْهِ وَلَا أَن يُوصف هُوَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بمنكر فِي اللُّغَة أَن يُسمى أَثَره دلَالَة عَلَيْهِ وَلَا أَن يُوصف هُوَ بِأَنَّهُ دَال على نَفسه بل ذَلِك جَائِز فِي اللُّغَة مَعْرُوف يُقَال قد دلّ الحارب على نَفسه بركوبه الرمل وَيُقَال اسلك الْحزن لِأَنَّهُ لَا يجل على نَفسك يَقُولُونَ استدللنا عَلَيْهِ بأثره وَلَيْسَ لَهُ أَن يحمل هَذَا على الْمجَاز دون الْحَقِيقَة إِلَّا بِدَلِيل وَلَا دَلِيل وَالثَّانِي الْعبارَة عَن الدّلَالَة يُقَال للمسؤول أعد دلالتك وَالثَّالِث الشُّبْهَة يُقَال دلَالَة الخالف كَذَا أَي شبهته وَالرَّابِع الأمارات يَقُول الْفُقَهَاء الدّلَالَة من الْقيَاس كَذَا وَالدَّلِيل فَاعل الدّلَالَة وَلِهَذَا يُقَال لمن يتَقَدَّم الْقَوْم فِي الطَّرِيق دَلِيل إِذا كَانَ يفعل من التَّقَدُّم مَا يستدلون بِهِ وَقد تسمى الدّلَالَة دَلِيلا مجَازًا وَالدَّلِيل أَيْضا فَاعل الدّلَالَة مُشْتَقّ من فعله وَيسْتَعْمل من فعله وستعمل الدَّلِيل فِي الْعبارَة والأمارة وَلَا يسْتَعْمل فِي الشُّبْهَة والشبهة هِيَ الِاعْتِقَاد الَّذِي يخْتَار صَاحبه الْجَهْل أَو يمْنَع من اخْتِيَار الْعلم وَتسَمى الْعبارَة عَن كَيْفيَّة
стр. 50
ذَلِك الِاعْتِقَاد شُبْهَة أَيْضا وَقد سمي
الْمَعْنى الَّذِي يعْتَقد عِنْده ذَلِك الِاعْتِقَاد شُبْهَة فَيُقَال هَذِه الْحِيلَة شُبْهَة لقوم اعتقدوها معْجزَة
الْفرق بَين الدّلَالَة والشبهة
فِي مَا قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين أَن النّظر فِي الدّلَالَة يُوجب الْعلم والشبهة يعْتَقد عِنْدهَا أَنَّهَا دلَالَة فيختار الْجَهْل لَا لمَكَان الشُّبْهَة وَلَا للنَّظَر فِيهَا والاعتقاد هُوَ الشُّبْهَة فِي الْحَقِيقَة لَا المنظور فِيهِ
الْفرق بَين الدّلَالَة والأمارة
أَن الدّلَالَة عِنْد شُيُوخنَا مَا يُؤَدِّي النّظر فِيهِ إِلَى العلمت والأمارة مَا يُؤَدِّي النّظر فِيهِ إِلَى غَلَبَة الظَّن لنَحْو مَا يطْلب بِهِ من جِهَة الْقبْلَة وَيعرف بِهِ جَزَاء الصَّيْد وقيم الْمُتْلفَات وَالظَّن فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ يجب عَن النّظر فِي الأمارة لوُجُوب النّظر فِي الْعلم فِي الدّلَالَة وَإِنَّمَا يخْتَار ذَلِك عِنْده الظَّن عَن الْعلم فِي الدّلَالَة وَإِنَّمَا يخْتَار ذَلِك عِنْده فالأمارة فِي الْحَقِيقَة مَا يخْتَار عِنْده الظَّن وَلِهَذَا جَازَ اخْتِلَاف الْمُجْتَهدين مَعَ علم كل وَاحِد مِنْهُم بِالْوَجْهِ الَّذِي مِنْهُ خَالفه صَاحبه كاختلاف الصَّحَابَة فِي مسَائِل الْحَد وَاخْتِلَاف آراء ذَوي الرَّأْي فِي الحروب وَغَيرهَا مَا تقاربهم فِي معرفَة الْأُمُور التعلقة بذلك وَلِهَذَا تسْتَعْمل الأمارة فِي مَا كَانَ عقليا وشرعيا
الْفرق بَين الدّلَالَة والحجتة
قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين الْأَدِلَّة تَنْقَسِم أقساما وَهِي دلَالَة الْكتاب السّنة وَدلَالَة الْإِجْمَاع وَدلَالَة الْقيَاس فدلالة الْعقل ضَرْبَان أَحدهمَا مَا أدّى النّظر فِيهِ إِلَى الْعلم بسوى المنظور فِيهِ أَو بِصفة لغيره وَالْآخر مَا يسْتَدلّ بِهِ على صفة لَهُ آخرى وَتسَمى طَريقَة المنظور فِيهِ أوبصفة لغيره وَالْآخر مَا يسْتَدلّ بِهِ على صفة لَهُ دلَالَة على نَفسه أَو على بعض صِفَات نَفسه فَلَا يبعد أَن يكون يدل على غَيره وكل ذَلِك يُسمى حجَّة فافترقت الْحجَّة وَالدّلَالَة من هَذَا الْوَجْه وَقَالَ قوم لَا يسميان حجَّة إِلَّا بعد النّظر فيهمَا وَإِذا بعد النّظر فيهمَا وَإِذا قُلْنَا حجَّة الله وَدلَالَة الله فَالْمُرَاد أَن الله نصبهما وَإِذا قُلْنَا حجَّة الْعقل وَدلَالَة الْعقل فَالْمُرَاد أَن النّظر فيهمَا يُفْضِي إِلَى الْعلم من غير افتقار إِلَى أَن ينصبهما ناصب
стр. 51
وَقَالَ غَيره الْحجَّة هِيَ الاسْتقَامَة فِي النّظر والمضي فِيهِ على سنَن مُسْتَقِيم من رد الْفَرْع إِلَى الأَصْل
وَهِي مَأْخُوذَة من المحجة وَهِي الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَهَذَا هُوَ فعله الْمُسْتَدلّ وَلَيْسَ من الدّلَالَة فِي شَيْء وتأثير الْحجَّة فِي النَّفس كتأثير الْبُرْهَان فِيهَا وَإِنَّمَا تنفصل الْحجَّة من الْبُرْهَان لِأَن الْحجَّة مُشْتَقَّة من معنى الاسْتقَامَة فِي الْقَصْد حج يحجّ إِذا استقام فِي قَصده والبرهان لَا يعرف لَهُ اشتقاق وَيَنْبَغِي أَن يكون لُغَة مُفْردَة
الْفرق بَين الِاحْتِجَاج وَالِاسْتِدْلَال
أَن الِاسْتِدْلَال طلب الشَّيْء من جِهَة غَيره والاحتجاج هُوَ الاسْتقَامَة فِي النّظر على مَا ذكرنَا سَوَاء كَانَ من جِهَة مَا يطْلب مَعْرفَته أَو من جِهَة غَيره
الْفرق بَين دلَالَة الْكَلَام وَدلَالَة الْبُرْهَان
أَن دلَالَة الْبُرْهَان هِيَ شَهَادَة للمقالة بِالصِّحَّةِ وَدلَالَة الْكَلَام إِحْضَاره الْمَعْنى النفيس من غَيره شَهَادَة بالصة إِلَّا أَن يتَضَمَّن بعض الْكَلَام دلَالَة البراها فَيشْهد بِصِحَّة الْمقَالة وَمن الْكَلَام مَا يتَضَمَّن دلَالَة الْبُرْهَان وَمِنْه مَا لَا يتَضَمَّن ذَلِك إِلَّا كل برهَان فَإِنَّهُ يُمكن أَن يظْهر بالْكلَام كَمَا أ , معنى يُمكن ذَلِك فِيهِ وَالِاسْم دلَالَة على مَعْنَاهُ وَلَيْسَ برهانا على مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ هِدَايَة الطَّرِيق دلَالَة عَلَيْهِ وَلَيْسَ برهانا عَلَيْهِ فتأثير دلَالَة الْكَلَام خلاف تَأْثِير دلَالَة الْبُرْهَان
الْفرق بَين الِاسْتِدْلَال وَالدّلَالَة
أَن الدّلَالَة مَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بِهِ وَالِاسْتِدْلَال فعل الْمُسْتَدلّ وَلَو كَانَ الِاسْتِدْلَال وَالدّلَالَة سَوَاء لَكَانَ يجب أَن لَو منع الْمُكَلّفين للاستدلال على حدث الْعَالم أَلا يكون فِي الْعَالم دلَالَة على ذَلِك
الْفرق بَين الدّلَالَة والعلامة
أَن الدّلَالَة على الشَّيْء مَا يُمكن كل نَاظر فِيهَا أَن يسْتَدلّ بهَا عَلَيْهِ كالعالم لما كَانَ دلَالَة على الْخَالِق كَانَ دَالا عَلَيْهِ لكل مستدل بِهِ وعلامة الشَّيْء مَا يعرف بِهِ الْمعلم لَهُ وَمن شَاركهُ فِي مَعْرفَته دون كل وَاحِد كالحجر تَجْعَلهُ عَلامَة لدفين تدفنه فَيكون دلَالَة لَك دون
стр. 52
غَيْرك وَلَا يُمكن غَيْرك أَن يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِ إِلَّا إِذا وافقته على ذَلِك كالتصفيق تَجْعَلهُ عَلامَة لمجيء زيد فَلَا يكون ذَلِك دلَالَة إِلَّا لمن يوافقك
عَلَيْهِ ثمَّ يجوز أَن تزيل عَلامَة الشَّيْء بَيْنك وَبَين صَاحبك فَتخرج من أَن تكون عَلامَة لَهُ وَلَا يجوزز أَن تخرج الدّلَالَة على الشَّيْء من أَن تكون دلَالَة عَلَيْهِ فالعلامة تكون بِالْوَضْعِ وَالدّلَالَة بالاقتضاء
الْفرق بَين الْعَلامَة وَالْآيَة
أَن الْآيَة هِيَ الْعَلامَة الثَّابِتَة من قَوْلك تأييت بِالْمَكَانِ إِذا تحبست بِهِ وَتثبت قَالَ الشَّاعِر من الْكَامِل
(وَعلمت أَن لَيست بدار تئية ... فكصفة بالكف كَانَ رقادي) أَي لَيست بدار تحبس وَتثبت وَقَالَ بَعضهم أصل آيَة أيبة وَلَكِن لما اجْتمعت ياءان قلبت إِحْدَاهمَا ألفا كَرَاهَة التَّضْعِيف وَجَاز ذَلِك لِأَنَّهُ اسْم غير جَار على فعل
الْفرق بَين الْعَلامَة والأثر أَن أثر الشَّيْء يكون بعده وعلامته تكون قبله تَقول الغيومت والرياح عَلَامَات الْمَطَر ومدافع السُّيُول آثَار الْمَطَر
الْفرق بَين الْعَلامَة والسمة
أَن السمة ضرب من العلامات مَخْصُوص وَهُوَ مَا يكون بالنَّار فِي جَسَد حَيَوَان مثل سمارت الْإِبِل وَمَا يجْرِي مجْراهَا وَفِي الْقُرْآن (سنسمه على الخرطوم) وَأَصلهَا التَّأْثِير فِي الشَّيْء وَمِنْه الوسمي لِأَنَّهُ يُؤثر فِي الأَرْض أثرا وَمِنْه الْمَوْسِم لما فِيهِ من آثَار أَهله والوسمة مَعْرُوفَة سميت بذلك لتأثيررها فِي مَا يخصب بهَا
الْفرق بَين الدّلَالَة والبرهان
أَن الْبُرْهَان لَا يكون إِلَّا قولا يشْهد بِصِحَّة الشَّيْء وَالدّلَالَة تكون قولا تَقول الْعَالم دلَالَة على الْقَدِيم
وَلَيْسَ الْعَالم قولا وَتقول دلالتي على صِحَة مذهبي كَذَا فتأتي بقول تحتج بِهِ على صِحَة مذهبك وَقَالَ بعض الْعلمَاء البرهاان بَيَان يشْهد بِمَعْنى آخر حق فِي نَفسه وشهادته مِثَال ذَلِك أَن الْإِخْبَار بِأَن الْجِسْم مُحدث هُوَ بَيَان بِأَن لَهُ مُحدثا وَالْمعْنَى الأول حق فِي نَفسه
стр. 53
وَالدَّلِيل مَا ينبىء عَن معنى من غير أَن يشْهد بِمَعْنى آخر وَقد ينبىء عَن معنى يشْهد بِمَعْنى آخر فالدليل أَعم وَسمعت من يَقُول الْبُرْهَان مَا يقْصد بِهِ قطع حجَّة الْخصم فَارسي مُعرب وَأَصله بر آن أَي اقْطَعْ ذَاك وَمِنْه البرهة وَهِي القطة من الدّلَالَة وَلَا يعرف صِحَة ذَلِك وَقَالَ عَليّ بن عِيسَى الدَّلِيل يكون وضعيا قد يُمكن أَن يَجْعَل على خلاف مَا جعل عَلَيْهِ نَحْو دلَالَة الِاسْم على الْمُسَمّى وَأما دلَالَة الْبُرْهَان فَلَا يُمكن أَن تُوضَع دلَالَة على خلاف مَا هِيَ دلَالَة عَلَيْهِ نَحْو دلَالَة الْفِعْل على الْفَاعِل لَا يُمكن أَن تجْعَل دلَالَة على أَنه لَيْسَ بفاعل
الْفرق بَين الأمارة والعلامة
أَن الأمارة هِيَ لاعلامة الظَّاهِرَة وَيدل على ذَلِك أصل الْكَلِمَة وَهُوَ الظُّهُور وَمِنْه قيل أَمر الشَّيْء إِذا كثر وَمَعَ الْكَثْرَة ظُهُور الشَّأْن وَمن ثمَّ قيل الأمارة لظُهُور الشَّأْن وَسميت المشورة إمارا لِأَن الرَّأْي يظْهر بهَا وائتمر الْقَوْم إِذا تشاوروا قَالَ الشَّاعِر
(من الوافر ... فَفِيمَ الكيد فِيكُم والإمار)
الْفرق بَين الْعَلامَة والرسم
أَن الرَّسْم هُوَ إِظْهَار الْأَثر فِي الشَّيْء ليَكُون عَلامَة فِيهِ والعلامة تكون ذَلِك وَغَيره أَلا ترى أَنَّك تَقول عَلامَة مجي زيد تصفيق عَمْرو وَلَيْسَ ذَلِك بأثر
الْفرق بَين الرَّسْم والختم
أَن الْخَتْم ينبىء عَن إتْمَام الشَّيْء وَقطع
فعله وَعَمله تَقول ختمت الْقُرْآن أَي أتمت حفظه وقرأته وَقطعت قِرَاءَته وختمت الْكِير لِأَنَّهُ آخر مَا يفعل بِهِ لَفظه وَلَا ينبىء الرَّسْم عَن ذَلِك وَإِنَّمَا الرَّسْم إظهرا الْأَثر بالشَّيْء ليَكُون عَلامَة فِيهِ وَلَيْسَ يدل على تَمَامه أَلا ترى أَنَّك تَقول ختمت الْقُرْآن وَلَا تَقول رسمته فَإِن اسْتعْمل الرَّسْم فِي مَوضِع الخصتم فِي بعض الْمَوَاضِع فلقرب مَعْنَاهُ من مَعْنَاهُ وَالْأَصْل فِي الْخَتْم ختم الْكتاب لِأَنَّهُ يَقع بعد الْفَرَاغ مِنْهُ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم) منع وَقَوله تَعَالَى (ختم الله على قُلُوبهم) لَيْسَ بِمَنْع وَلكنه ذمّ بِأَنَّهَا كالممنوعة من قبُول الْحق على أَن الرَّسْم فَارسي مُعرب لَا أصل لَهُ فِي الْعَرَبيَّة فَيجوز أَن يكون
стр. 54
بِمَعْنى الْخَتْم لَا فرق بَينهمَا لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ
الْفرق بَين الْخَتْم والطبع
أَن الطَّبْع أثر يثبت فِي المطبوع وَيلْزمهُ فَهُوَ يُفِيد من معنى الثَّبَات واللزوم مَا لَا يفِيدهُ الْخَتْم وَلِهَذَا قيل طبع الدِّرْهَم طبعا وَهُوَ الْأَثر الَّذِي يؤثره فَلَا يَزُول عَنهُ كَذَلِك أَيْضا طبع الدِّرْهَم طبعا وَهُوَ الْأَثر الَّذِي يؤثره فَلَا يَزُول عَنهُ كَذَلِك أَيْضا قيل طبع الأنسان لِأَنَّهُ ثَابت غير زائل وَقيل طبع فلَان على هَذَا الْخلق إِذا كَانَ لَا يَزُول عَنهُ وَقَالَ بَعضهم الطَّبْع عَلامَة تدل على كنة الشَّيْء قَالَ وَقيل طبع الْإِنْسَان لدلالته على حَقِيقَة مزاجه من الْحَرَارَة والبرودة قَالَ وطبع الدِّرْهَم عَلامَة جَوَازه
الْفرق بَين الْعلَّة وَالدّلَالَة
أَن كل عِلّة مطردَة منعكسة وَلَيْسَ كل دلَالَة تطرد وتنعكس أَلا ترى أَن الدّلَالَة على حدث الْأَجْسَام هِيَ اسْتِحَالَة خلوها عَن الْحَوَادِث وَلَيْسَ ذَلِك بمطرد فِي كل مُحدث لِأَن الْعرض مُحدث وَلَا تحله الْحَوَادِث وَالْعلَّة فِي كَون المتحرك متحركا هِيَ الْحَرَكَة وَهِي مطردَة فِي كل متحرك وتنعكس فَلَيْسَ بِشَيْء يحدث فِيهِ حَرَكَة إِلَّا وَهُوَ متحرك وَلَا متحرك إِلَّا وَفِيه حَرَكَة
الْفرق بَين الْعلَّة وَالسَّبَب
أَن الْعلَّة مَا يتَأَخَّر عَن الْمَعْلُول كَالرِّيحِ
وَهُوَ عِلّة التِّجَارَة يتَأَخَّر وَيُوجد بعْدهَا وَالدَّلِيل على أَنه عِلّة لَهَا أَنَّك تَقول إِذا قيل لَك لم تتجر قلت للربح وَقد أجمع أهل الْعَرَبيَّة أَن قَول الْقَائِل لم مطالة بِالْعِلَّةِ لَا بِالسَّبَبِ فَإِن قيل مَا أنْكرت أَن الرِّبْح عِلّة لحسن التِّجَارَة وَسبب لَهُ أَيْضا قُلْنَا أول مَا فِي ذَلِك أَنه يُوجب أَن كل تِجَارَة فِيهَا ربح حَسَنَة لِأَنَّهُ قد حصل فِيهَا عِلّة الْحسن كَمَا أَن كل مَا حصل فِيهِ ربح فَهُوَ تِجَارَة وَالسَّبَب لَا يتَأَخَّر عَن مسببه على وَجه من الْوُجُوه أَلا ترى أَن الرَّمْي الَّذِي هُوَ سَبَب لذهاب السهْم لَا يجوز أَن يكون بعد ذهَاب السهْم وَالْعلَّة فِي اللُّغَة مَا يتَغَيَّر حكم غَيره بِهِ وَمن ثمَّ قيل للمرض عِلّة لِأَنَّهُ يُغير حَال الْمَرِيض وَيُقَال للداعي إِلَى الْفِعْل عِلّة لَهُ تَقول فعلت كَذَا لعِلَّة كَذَا وَعند بعض الْمُتَكَلِّمين أَن الْعلَّة مَا توجب حَالا لغيره كالكون وَالْقُدْرَة وَلَا تَقول ذَلِك فِي
стр. 55
السوَاد لما لم يُوجب حَالا وَالْعلَّة فِي الفقة مَا تعلق الحكم بِهِ من صِفَات الأَصْل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْد القايس
الْفرق بَين السَّبَب وَالشّرط
أَن السَّبَب يحْتَاج إِلَيْهِ فِي حُدُوث الْمُسَبّب وَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَقَائِهِ إِلَّا ترى أَنه قد يُوجد الْمُسَبّب وَالسَّبَب مَعْدُوم وَذَلِكَ نَحْو ذهَاب السهْم يُوجد مَعَ عدم الرَّمْي وَالشّرط يحْتَاج إِلَيْهِ فِي حَال وجود الْمَشْرُوط وبقائه جَمِيعًا نَحْو الْحَيَاة لما كَانَت شرطا فِي وُجُوه الْقُدْرَة لم يجز أَن تبقى الْقُدْرَة مَعَ عدم الْحَيَاة
الْفرق بَين النّظر وَالِاسْتِدْلَال
أَن الِاسْتِدْلَال طلب معرفَة الشَّيْء من جِهَة غَيره وَالنَّظَر طلب مَعْرفَته من جِهَته وَمن جِهَة غَيره وَلِهَذَا كَانَ النّظر فِي معرفَة الْقَادِر قَادِرًا من جِهَة فعله اسْتِدْلَالا وَالنَّظَر فِي حُدُوث الْحَرَكَة لَيْسَ باستدلال وحد النّظر طلب إِدْرَاك الشَّيْء من جِهَة الْبَصَر أَو الْحَرَكَة لَيْسَ باستدلال وحد النّظر طلب إِدْرَاك الشَّيْء من جِهَة الْبَصَر أَو الْفِكر وَيحْتَاج فِي إِدْرَاك الْمَعْنى إِلَى الْأَمريْنِ جَمِيعًا كالتأمل لِلْخَطِّ الدَّقِيق بالبصر أَولا ثمَّ بالفكر لِأَن إِدْرَاك الخظ الدَّقِيق الَّذِي بِهِ يقْرَأ طَرِيق إِلَى إِدْرَاك الْمَعْنى وَكَذَلِكَ طَرِيق الدّلَالَة المؤدية إِلَى الْعلم بِالْمَعْنَى وأصل النّظر الْمُقَابلَة فالنظر بالبصر الإقبال نَحْو وَالنَّظَر بالقب الاقبال بالفكر
نَحْو المفكر فِيهِ وَيكون النّظر باللمس ليدرى اللين من الخشونة وَالنَّظَر إِلَى الْإِنْسَان بِالرَّحْمَةِ هُوَ الإقبال عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّظَر نَحْو مَا يتَوَقَّع والإنظار إِلَى مُدَّة هُوَ الإقبال بِالنّظرِ نَحْو المتوقع وَالنَّظَر بالأمل هُوَ الإ بَال بِهِ نَحْو المأمول وَالنَّظَر من الْملك لرعيته هُوَ إقباله نحوهم بِحسن السياسة وَالنَّظَر فِي الْكتاب بِالْعينِ والفكر هُوَ الإقبال نَحوه بهما وَنظر الدَّهْر إِلَيْهِم أَي أهلكهم وَهُوَ إقبالهم نحوهم بشدائدة والنظير المثيل فَإنَّك إِذا نظرت إِلَى أَحدهمَا فقد نظرت إِلَى الآخر وَإِذا قرن النّظر بِالْقَلْبِ فَهُوَ الْفِكر فِي أَحْوَال مَا ينظر فِيهِ وَإِذا قرن بالبصر
стр. 56
كَانَ المُرَاد بِهِ تقليب الحدقة نَحْو مَا يلْتَمس رُؤْيَته مَعَ سَلامَة الحاسة
الْفرق بَين النّظر والتأمل
أَن النّظر هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ والتأمل هُوَ النّظر المؤمل بِهِ معرفَة مَا يطْلب وَلَا يكون إِلَّا فِي طول مُدَّة فَكل تَأمل نظر وَلَيْسَ لَك نظر تأملا
الفروق بَين النّظر والبديهة
أَن البديهة أَو النّظر يُقَال عَرفته على البديهة أَي فِي أول أَحْوَال النّظر وَله فِي الْكَرم بديهة حَسَنَة إِذا كَانَ يرتجله من غير فكر فِيهِ
الْفرق بَين البديهة والروية
أَن الروية مَا قَالَ بَعضهم آخر النزر والبديهة أَوله وَلِهَذَا يُقَال للرجل إِذا وصف بِسُرْعَة الْإِصَابَة فِي الرَّأْي بديهيته أَوله وَلِهَذَا يُقَال للرجل إِذْ وصف بِسُرْعَة الْإِصَابَة فِي الرَّأْي بديهته كروية غَيره وَقَالَ بَعضهم الروية طول التفكر فِي الشَّيْء وَهُوَ خلاف البديهة وبديهة القَوْل مَا يكون من غير فكر والروية إشباع الرَّأْي وَالِاسْتِقْصَاء فِي تَأمله تَقول روات فِي الْأَمر بِالتَّشْدِيدِ وَفعلت بالتشدي للتكثير وَالْمُبَالغَة وَتركت همزَة الروية لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال
الْفرق بَين النّظر والفكر
أَن النّظر يكون فكرا أَو يكون بديهة والفكر مَا عدا البديهة
الْفرق بَين النّظر والانتظار
أَن الِانْتِظَار طلب مَا يقدر النّظر
إِلَيْهِ وَيكون فِي الْخَيْر وَالشَّر وَيكون مَعَ شكّ ويقين وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان ينْتَظر طَعَاما يعْمل فِي دَاره وَهُوَ لَا يشك أَنه يحضر لَهُ وينتظر قدوم زيد غَدا وَهُوَ شَاك فِيهِ
الْفرق بَين التفكر والتدبر
أَن التدبر تصرف الْقلب بِالنّظرِ فِي العواقب والتفكر تصرف الْقلب بِالنّظرِ فِي الدَّلَائِل وسنبين اشتقاق التدبر وَأَصله فِي مَا بعد
الْفرق بَين النّظر والرؤية
أَن النّظر طلب الْهدى وَالشَّاهِد قَوْلهم نظرت فَلم أر شَيْئا وَقَالَ عَليّ بن عِيسَى النّظر طلب ظُهُور الشَّيْء والناظر الطَّالِب لظُهُور الشَّيْء وَالله نَاظر لِعِبَادِهِ بِظُهُور رَحمته إيَّاهُم
стр. 57
وَيكون النَّاظر الطَّالِب لظُهُور الشَّيْء بإدراكه من جِهَة حاسة بصرة أَو غَيرهَا من حواسه وَيكون النَّاظر إِلَى لين هَذَا الثَّوْب من لين غَيره وَالنَّظَر بِالْقَلْبِ وَمن جِهَة التفكر والانتظار التَّوَقُّف لطلب وَقت الشَّيْء الَّذِي يصلح فِيهِ قَالَ وَالنَّظَر أَيْضا هُوَ الْفِكر والتأمل لأحوال الْأَشْيَاء أَلا ترى أَن النَّاظر على هَذَا الْوَجْه لَا بُد أَن يكون مفكرا والمفكر على هَذَا الْوَجْه يُسمى نَاظرا وَهُوَ معنى غير النَّاظر وَغير المنظور فِيهِ أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يفصل بَين كَونه نَاظرا وَكَونه غير نَاظر وَلَا يُوصف الْقَدِيم بِالنّظرِ لِأَن النّظر لَا يكون إِلَّا مَعَ فقد الْعلم وَمَعْلُوم أَنه لَا يصلح النّظر فِي الشَّيْء ليعلم إِلَّا وَهُوَ مَجْهُول وَالنَّظَر يُشَاهد بِالْعينِ فَيُفَرق بَين نظر الغضبان والراضي وَأُخْرَى فَإِنَّهُ لَو طلب جمَاعَة الْهلَال ليعلم من رأه مِنْهُم مِمَّن لم يره مَعَ أَنهم مِمَّن لم يره مَعَ أنهمت جَمِيعًا ناظرون لصَحَّ بِهَذَا أَن النّظر تقليب الْعين حِيَال مَكَان المرئي طلبا لرُؤْيَته والرؤية هِيَ إِدْرَاك المرئي وَلما كَانَ الله تَعَالَى يرى الْأَشْيَاء من حَيْثُ لَا يطْلب رويتها صَحَّ أَنه لَا يُوصف بِالنّظرِ
الْفرق بَين قَوْلنَا مد إِلَيْهِ بصرة واستشرفه ببصره
أَن قَوْلنَا استشرفه ببصره مَعْنَاهُ أَنه مد إِلَيْهِ بَصَره من إعلاه
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك
الْفرق بَين الِانْتِظَار والترجي
أَن الترجي انْتِظَار الْخَيْر خَاصَّة وَلَا يكون إِلَّا مَعَ الشَّك وَأما الِانْتِظَار والتوقع فَهُوَ طلب مَا يقدر أَن يَقع
الْفرق بَين الِانْتِظَار والتربص
أَن التَّرَبُّص طول الِانْتِظَار يكون قصير الْمدَّة وطويلها وَمن ثمَّ يُسمى المتربص بِالطَّعَامِ وَغَيره متربصا لِأَنَّهُ يُطِيل الِانْتِظَار لزِيَادَة الرِّبْح وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (فتربصوا بِهِ حَتَّى حِين) وَأَصله من الربصة وَهِي التلبث يُقَال مَا لي على هَذَا الْأَمر ربصة أَي تلبث فِي الِانْتِظَار حَتَّى طَال
الْفرق بَين الإنظار والإمهال
أَن الإنظار مقرون بِمَا يَقع فِيهِ النّظر والامهال مُبْهَم
стр. 58
الْفرق بَين قَوْلهم أنست ببصري وأحسست ببصري
أَن الإحساس يُفِيد الرُّؤْيَة وَغَيرهَا بالحاسة والايناس يُفِيد الانس بِمَا ترَاهُ وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال إنالله يؤنس ويحس إِذْ لَا يجوز عَلَيْهِ الْوَصْف بالحاسة والانس وَيكون الايناس فِي غير النّظر
الْفرق بَين الخاطر وَالنَّظَر
أَن الخاطر مُرُور معنى بِالْقَلْبِ بِمَنْزِلَة خطاب مُخَاطب يحدث بضروب الْأَحَادِيث والخواطر تَنْقَسِم بِحَسب الْمعَانِي إِذْ كل معنى فَلهُ خاطر يختصه يُخَالف جنس مَا يمختص غَيره وَمن كَمَال الْعقل تصرف الْقلب بالخواصر وَلَا يَصح التَّكْلِيف إِلَّا مَعَ ذَلِك وَعند أبي عَليّ أَن الخاطر جنس من الْأَعْرَاض لَا يُوجد إِلَّا فِي قلب حَيَوَان وَأَنه شَيْء بَين الْفِكر وَالذكر لِأَن الذّكر علم والفكر جنس من النّظر الَّذِي هُوَ سَبَب الْعلم والخواطر تنبه على الْأَشْيَاء وَتَكون ابْتِدَاء وَلَا تولد علما ومنزلة الخاطر فِي ذَلِك منزلَة التخيل فِي أَنه بَين الْعلم وَالظَّن لِأَنَّهُ تمثل شَيْء من غير حَقِيقَة
وَعند الْبَلْخِي ﵀ أَنه كَلَام يحدثه الله تَعَالَى فِي سمع الْإِنْسَان أَو يحدثه الْملك أَو الشَّيْطَان فَإِذا كَانَ من الشَّيْطَان سمي وسواسا وَإِلَى هَذَا ذهب أَبُو هَاشم ﵀ وَالَّذِي يدل على أَن الخاطر لَيْسَ بِكَلَام مَا يدل من أَفعَال الْأَخْرَس على خطور الخواطر بِقَلْبِه وَهُوَ لَا يعرف الْكَلَام أصلا وَلَا يعرف معانية وَعَن إِبْرَاهِيم أَنه لَا بُد من خاطرين أَحدهمَا يَأْمر بالإقدام وَالْآخر بالكف ليَصِح الِاخْتِيَار وَعَن ابْن الرواندي أَن خاطر الْمعْصِيَة من الله تَعَالَى وَأَن ذَلِك كالعقل والشهوة لِأَن الشَّهْوَة ميل الطَّبْع إِلَى المشتهى وَالْعقل التَّمْيِيز بَين الْحسن والقبيح
الْفرق بَين الذّكر والخاطر
أَن الخاطر يكون ابْتِدَاء وَيكون عَن عزوب وَالذكر لَا يكون إِلَّا عَن عزوب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يذكر مَا عزب عَنهُ وَهُوَ عرض يُنَافِي النسْيَان
стр. 59
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ الِاسْتِدْلَال الْقيَاس
الْفرق بَين الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد أَن الْقيَاس حمل الشَّيْء على الشَّيْء فِي بعض أَحْكَامه لوجه وَقيل حمل الشَّيْء على الشَّيْء وإجراء حكمه عَلَيْهِ لشبه بَينهمَا عِنْد الْحَامِل وَقَالَ أَبُو هَاشم ﵀ على شَيْء وإجراء حكمه عَلَيْهِ وَذَلِكَ يسمون مَا يفدر بِهِ النِّعَال مقياسا أَيْضا وَلذَلِك لَا يسْتَعْمل الْقيَاس فِي شَيْء من غير اعْتِبَار لَهُ بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُقَال قست الشَّيْء بالشَّيْء وَلَا يُقَال لمن شبه شَيْئا بِشَيْء من غير أَن يحمل أَحدهمَا على الآخر وَيجْرِي حكمه
عَلَيْهِ قايس وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يُسمى الله تَعَالَى قايسا لتشبيهه الْكَافِر بِالْمَيتِ وَالْمُؤمن بالحي وَالْكفْر بالظلمة والأيمان بِالنورِ وَمن قَالَ الْقيَاس اسْتِخْرَاج الْحق من الْبَاطِل فقد أبعد لِأَن النُّصُوص قد يسْتَخْرج بهَا ذَلِك وَلَا يُسمى قِيَاسا وَمِثَال الْقيَاس قَوْلك إِذا كَانَ ظلم المحسن لَا يجوز من حَكِيم فعقوبة المحسن لَا تجوز مِنْهُ وَالْفُقَهَاء يَقُولُونَ هُوَ حمل الْفَرْع على الأَصْل لعِلَّة الحكم وَالِاجْتِهَاد مَوْضُوع فِي أصل اللُّغَة لبذل المجهود وَلِهَذَا يُقَال اجْتهد فِي حمل الْحجر إِذا بذل مجهوده فِيهِ وَلَا يُقَال اجتهدت فِي حمل النواة وَهُوَ عَن الْمُتَكَلِّمين مَا يَقْتَضِي غَلَبَة الظَّن فِي الْأَحْكَام الَّتِي كل مُجْتَهد فِيهَا مُصِيب وَلِهَذَا يَقُولُونَ قَالَ أهل الِاجْتِهَاد كَذَا وَقَالَ أهقل الْقيَاس كَذَا فيفرقون بَينهَا فعلى هَذَا الِاجْتِهَاد أَعم من الْقيَاس لِأَنَّهُ يحتوي على الْقيَاس وَغَيره وَقَالَ الْفُقَهَاء الِاجْتِهَاد بذل المجهود فِي تعرف حكم الْحَادِثَة من النَّص لَا بظاهرة وَلَا فحواه وَلذَلِك قَالَ معَاذ أجتهد رأبي فِي مَا لات أجد فِيهِ كتابا وَلَا سنة وَقَالَ الشَّافِعِي الِاجْتِهَاد وَالْقِيَاس وَاحِد وذكل أَن الِاجْتِهَاد عِنْده هُوَ أَن يُعلل أصلا وَيرد غَيره اليه بِهِ فَأَما الرَّأْي فَمَا أوصل اليه
стр. 60
الحكم الشَّرْعِيّ من الِاسْتِدْلَال وَالْقِيَاس وَلذَلِك قَالَ معَاذ اجْتهد رأبي وَكتب عمر هَذَا مَا وَالْقِيَاس وَلذَلِك قَالَ معَاذ أجتهد رابي وَكتب عمر هَذَا مَا رأى عمر وَقَالَ عَليّ ﵇ رأبي ورأي عمر أَن لَا يتعن ثمَّ رَأَيْت بيعهنَّ يَعْنِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَفِيه دلَالَة على بطللان قَول من يرد الرَّأْي ويذمه وَالتَّرْجِيح مَا أيد بِهِ الْعلَّة وَالْخَبَر إِذا قابله مَا يعارضة وَالِاسْتِدْلَال أَن يدل على أَن الحكم فِي الشَّيْء ثَابت من غير رده إِلَى أصل وَالِاجْتِهَاد لَا يكون إِلَّا فِي الشرعيات وَهُوَ مَأْخُوذ من بذل المجهود
واستفراغ الوسع فِي النّظر فِي الْحَادِث ليَرُدهُ إِلَى الْمَنْصُوص على حسب مَا يغلب فِي الظَّن وَإِنَّمَا يُوسع ذَلِك مَعَ عدمت الدّلَالَة وَالنَّص أَلا ترى أَنه لَا يجوز لأحد أَن يَقُول إِن الْعلم بحدوث الْأَجْسَام اجْتِهَاد كَمَا أَن سهم الْجد اجْتِهَاد وَلَا يجوز أَن يُقَال وجوب خَمْسَة دَرَاهِم فِي مِائَتي دِرْهَم مَسْأَلَة اجْتِهَاد لكَون ذَلِك مجمعا عَلَيْهِ وَقد يكون الْقيَاس فِي العقليات فَالْفرق بَينه وَبَين الِاجْتِهَاد ظَاهر
الْفرق بَين دلَالَة الْآيَة وتضمين الْآيَة
أَن دلَالَة الْآيَة على الشَّيْء هُوَ مَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بِهِ على ذَلِك الشَّيْء كَقَوْلِه الْحَمد الله يدل على معرفَة الله إِذا قُلْنَا إِن معنى قَوْله الْحَمد لله أَمر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحمد من لَا يعرف وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِن معرفَة الله وَاجِبَة لِأَن شكره وَاجِب لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يشْكر من لَا يعرف وتضمين الْآيَة هُوَ احتمالها للشَّيْء بِلَا مَانع أَلا ترى أَنه لَو احتملته لَكَانَ منع قِيَاس أَو سنة أَو آيَة أُخْرَى لم تتضمنه وَلِهَذَا تَقول إِن قَوْله (وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا) لَا يتَضَمَّن وجوب الْقطع على من سرق دانقا وَإِن كَانَ مُحْتملا لذَلِك لمنع السّنة مِنْهُ وَهَذَا وَاضح وَالْحَمْد لله تَعَالَى
стр. 61
الْبَاب الرَّابِع
فِي الْفرق بَين أقسمام الْعُلُوم وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك من الفروق بَين الْإِدْرَاك والوجدان وَفِي الْفرق بَين مَا يضاد الْعُلُوم ويخالفها
الْفرق بَين الْعلم والمعرفة
أَن الْمعرفَة أخص من الْعلم لِأَنَّهَا علمت بِعَين الشَّيْء مفصلا عَمَّا سواهُ وَالْعلم يكون مُجملا ومفصلا قَالَ الزُّهْرِيّ لَا أصف الله بِأَنَّهُ عَارِف وَلَا أعنف من يصفه بذلك لِأَن الْمعرفَة مأخوذه من عرفان الدَّار يَعْنِي أثارها الَّتِي تعرف بهَا قَالَ وَلَا يجوز أَن يكون علم الله تَعَالَى بالأشياء من جِهَة الْأَثر وَالدَّلِيل قَالَ والمعرفة تَمْيِيز المعلوما فَأَوْمأ إِلَى أَنه لَا يصفة بذلك كَمَا لَا يصفه بِأَنَّهُ مُمَيّز وَلَيْسَ مَا قَالَه بِشَيْء لِأَن آثَار الدَّار إِن كَانَت سميت عرفانا فسميت بذلك لِأَنَّهَا طَرِيق إِلَى الْمعرفَة بهال وَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على أَن كل معرفَة تكون من جِهَة الْأَثر وَالدَّلِيل وَأما وصف الْعَارِف بِأَنَّهُ يُفِيد تَمْيِيز المعلومات فِي علمه فَلَو جعله دَلِيلا على أَن الله عَارِف كَانَ أولى من المعلومات متميزة فِي علمه بِمَعْنى أَنَّهَا متخيلة لَهُ وَإِنَّمَا لم يسم علمه تمييزا لن التَّمْيِيز فِينَا هُوَ اسْتِعْمَال الْعقل بِالنّظرِ والفكر اللَّذين يؤديان إِلَى تمييزا لِأَن التَّمْيِيز فِينَا هُوَ اسْتِعْمَال الْعقل بِالنّظرِ والفكر اللَّذين يؤديان إِلَى تَمْيِيز المعلومات فَلم يمْتَنع أَن تُوصَف معلوماته بِأَنَّهَا متميزة وَإِن كَانَ لَا يُوصف بِأَنَّهُ مُمَيّز لِأَن تميزها صفة لَهَا لَا لَهُ والمعرفة بهَا تفِيد ذَلِك فِيهَا لَا فِيهِ فَكل معرفَة علم وَلَيْسَ كل علم معرفَة وَذَلِكَ أَن لفظ الْمعرفَة يُفِيد تَمْيِيز الْمَعْلُوم من غَيره وَلَفظ الْعلم لَا يُفِيد ذَلِك إِلَّا بِضَرْب آخر من
التَّخْصِيص فِي ذكر الْمَعْلُوم وَالشَّاهِد قَول اهل اللُّغَة إِن الْعلم يتَعَدَّى الى مفعولين لَيْسَ لَك الِاقْتِصَار على أَحدهمَا إِلَّا أَن يكون بِمَعْنى الْمعرفَة كَقَوْلِه تَعَالَى (لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ) أَي لَا تعرفونهم الله يعرفهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك كَذَلِك لَان لفظ الْعلم مُبْهَم فَإِذا قلت علمت زيدا فَذَكرته باسمه الَّذِي يعرفهُ بِهِ الْمُخَاطب لم يَفِ فَإِذا قلت قأئما أفدت لِأَنَّك دللت بذلك على أَنَّك علمت زيدا
стр. 62
على صفة جَازَ أَلا تعلمه عَلَيْهَا مَعَ علمك بِهِ فِي الْجُمْلَة وَإِذا قلت عرفت زيدا أفدت لنه بِمَنْزِلَة قَوْلك عَلمته متميزا من غَيره فاستغنى عَن قَوْلك متميزا من غَيره لما فِي لفظ الْمعرفَة من الدّلَالَة على ذَلِك وَالْفرق بَين الْعلم والمعرفة إِنَّمَا يتَبَيَّن فِي الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ جملَة غير مُبْهمَة أَلا ترى أَن قولكت علمت أَن لزيد ولدا وقولك عرفت أَن لزيد ولدا يجريان مجْرى وَاحِدًا
الْفرق بَين الْعلم وَالْيَقِين
أَن الْعلم هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ على سبل الثِّقَة وَالْيَقِين هُوَ سُكُون النَّفس وثلج الصَّدْر بِمَا علم وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُوصف الله تَعَالَى بِالْيَقِينِ وَيُقَال ثلج الْيَقِين وَبرد الْيَقِين وَلَا يُقَال ثلج الْعلم وَبرد الْعلم وَقيل الموقن الْعَالم بالشي بعد حيرة الشَّك وَالشَّاهِد أَنهم يجعلونه ضد اشك فَيَقُولُونَ شكّ ويقين وقلما يُقَال شكّ وَعلم فاليقين مَا يزل الشَّك دون غَيره من أضداد الْعُلُوم وَالشَّاهِد قَول الشَّاعِر م الطَّوِيل
(بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أَنا لَا حقان بقيصرا)
أَي أَزَال عَنهُ عِنْد ذَلِك وَيُقَال إِذا كَانَ الْيَقِين عِنْد الْمُصَلِّي أَنه
صلى أَرْبعا فَلهُ أَن يسلم وَلَيْسَ يُرَاد بذلك أَنه إِذا كَانَ عَالما لِأَن الْعلم لَا يُضَاف إِلَى مَا عِنْد أحد إِذا كَانَ الْمَعْلُوم فِي نَفسه على مَا علم وَإِنَّمَا يُضَاف اعْتِقَاد الْإِنْسَان الى مَا عِنْده سَوَاء كَانَ معتقدة على مَا اعتقده أَو لَا إِذا زَالَ بِهِ شكه وَسمي علمنَا يَقِينا لِأَن فِي وجوده ارْتِفَاع الشَّك
الْفرق بَين الْعلم والشعور
أَن الْعلم هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ والشعور علم يُوصل إِلَيْهِ من وَجه دَقِيق كدقة الشّعْر وَلِهَذَا قيل للشاعر شَاعِر لفطنته لدقيق الْمعَانِي وَقيل للشعير شعير للشظية الدقيقة الَّتِي فِي طرفَة خلاف الْحِنْطَة وَلَا يُقَال الله تَعَالَى يشْعر لِأَن الْأَشْيَاء لَا تدق عَنهُ وَقل بَعضهم الذَّم للْإنْسَان بأ , هـ لَا يشْعر أَشد مُبَالغَة من ذمَّة با , هـ لَا يعلم لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا يشْعر فَكَأَنَّهُ أخرجه إِلَى معنى الْحمار وَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يعلم من
стр. 63
وَجه وَاضح وَلَا خَفِي وَهُوَ كَقَوْلِك لَا يحس وَهَذَا قَول من يَقُول إِن الشُّعُور هُوَ أَن يدْرك بالمشاعر وَهِي الْحَواس كَمَا أَن الإحساس هُوَ الْإِدْرَاك بالحاسة وَلِهَذَا لَا يُوصف الله بذلك
الْفرق بَين الْبَصِير والمستبصر
أَن الْبَصِير على وَجْهَيْن أَحدهمَا الْمُخْتَص بِأَنَّهُ يدْرك الْمصر إِذا وجد وَأَصله الْبَصَر وَهُوَ صِحَة الرُّؤْيَة وَيُؤْخَذ مِنْهُ صفة مبصر بِمَعْنى رَاء والرائي هُوَ الْمدْرك للمرئي وَالْقَدِيم رَاء بِنَفسِهِ وَالْآخر الْبَصِير بِمَعْنى الْعَالم تَقول مِنْهُ هُوَ بَصِير وَله بِهِ بصر وبصير أَي علم والمستبصر هُوَ الْعَالم بالشَّيْء بعد تطلب الْعلم كَأَنَّهُ طلب الإبصار مثل المستفهم والمستخبر المتطلب للفهم وَالْخَبَر وَلِهَذَا يُقَال إِن الله بَصِير وَلَا يُقَال مستبصر وَيجوز أَن يُقَال إِن الاستبصار هُوَ أَن يَتَّضِح لَهُ الْأَمر حَتَّى كَأَنَّهُ يبصره وَلَا يُوصف الله تَعَالَى بِهِ لِأَن الاتضاح لَا يكون إِلَّا بعد الخفاء
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ هَذَا
الْفرق بَين الْبَصَر وَالْعين
أَن الْعين آله الْبَصَر وَهِي الحدقة
وَالْبَصَر اسْم للرؤية وَلِهَذَا يُقَال إِحْدَى عَيْنِيَّة عمياء وَلَا يُقَال أحد بصرية أعمى وَرُبمَا يجْرِي الْبَصَر على الْعين الصَّحِيحَة مجَازًا وَلَا يَجْزِي على الْعين العمياء فيدلك هَذَا على أَنه اسْم للرؤية على مَا ذكرنَا وَيُسمى الْعلم بالشَّيْء إِذا كَانَ جليا بصرا يُقَال لَك فِيهِ بصر يُرَاد أَنَّك تعلمه كَمَا يرَاهُ غَيْرك
الْفرق بَين التَّعْلِيم والتلقين
أَن التَّلْقِين يكون فِي الْكَلَام فَقَط والتعلسم يكون فِي الْكَلَام وَغَيره تَقول لقنه الشّعْر وَغَيره وَلَا يُقَال لقنه التِّجَارَة والنجارة والخياطة كَمَا يُقَال علمه فِي جَمِيع ذَلِك وَأُخْرَى فَإِن التَّعْلِيم يكون فِي الْمرة الْوَاحِدَة والتلقين لَا يكون غلا فِي المرات وَأُخْرَى فَإِن التَّلْقِين هُوَ مشافهتك الْغَيْر بالتعليم وإلقاء القَوْل إِلَيْهِ ليأخذه عَنْك وَوضع الْحُرُوف موَاضعهَا والتليم لَا يَقْتَضِي ذَلِك وَلِهَذَا لَا يُقَال إِن الله يلقن العَبْد كَمَا يُقَال إِن الله يُعلمهُ
стр. 64
الْفرق بَين الْعلم والرسخ
أَن الرسخ هُوَ أَن يعلم الشَّيْء بدلائل كَثِيرَة أَو بضرورة لَا يُمكن إِزَالَتهَا وَأَصله الثَّبَات على أصل يتَعَلَّق بِهِ وسنبين ذَلِك فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله وَإِذا علم الشَّيْء بِدَلِيل لم يقل إِن ذَلِك رسخ
الْفرق بَين الْمعرفَة الضرورية والإلهام
أَن الإلهام مَا يَبْدُو فِي الْقلب من المعارف بطرِيق الْخَيْر ليفعل وبطريق الشَّرّ ليترك والمعارف الضرورية على أَرْبَعَة أوجه أَحدهمَا يحدث عِنْد الْمُشَاهدَة وَالثَّانِي عندت التجربة وَالثَّالِث عِنْد الاخبار المتواترة وَالرَّابِع أَوَائِل الْعقل
الْفرق بَين الْعَالم والمتحقق
أَن المتحقق هُوَ المتطلب حق الْمَعْنى حَتَّى يُدْرِكهُ كَقَوْلِك تعلم أَي أطلب وَلذَا لَا يُقَال إِن الله مُتَحَقق وَقيل التحقق لَا يكون إِلَّا بعد شكّ تَقول تحققت مَا قلته فَيُفِيد ذَلِك أَنَّك عَرفته بعد شكّ فِيهِ
الْفرق بَين الْعلم وَالْعقل
أَن الْعقل هُوَ الْعلم الأول الَّذِي يزْجر
عَن القبائح وكل من كَانَ زاجره أقوى كَانَ أَعقل وَقَالَ بَعضهم الْعقل يمْنَع صَاحبه عَن القوع فِي الْقَبِيح وَهُوَ من قَوْلك عقل الْبَعِير إِذا شده فَمَنعه من أَن يثور وَلِهَذَا لَا يُوصف الله تَعَالَى بِهِ وَقَالَ بَعضهم الْعقل الْحِفْظ يُقَال عقلت دراهمي أَي حَفظتهَا وَأنْشد قَول لبيد من الرمل
(واعقلي إِن كنت لما تعقلي ... وَلَقَد أَفْلح من كَانَ عقل)
قَالَ وَمن هَذَا الْوَجْه يجوز أَن يُقَال إِن الله عَاقل كَمَا يُقَال لَهُ حَافظ إِلَّا أَنه لم يسْتَعْمل فِيهِ ذَلِك وَقيل الْعقل يُفِيد معنى الْحصْر وَالْحَبْس وعقل الصَّبِي إِذا وجد لَهُ من المعارق مَا يُفَارق بِهِ حُدُود الصّبيان وَسميت المعارف الَّتِي تحصر معلوماته عقلا لنها أَوَائِل الْعُلُوم أَلا ترى أَنه يُقَال للمخاطب أَعقل مَا يُقَال لَك أَي احصر مَعْرفَته لِئَلَّا يذهب عَنْك وَخلاف الْعقل الْحمق وَخلاف الْعلم الْجَهْل وَقيل لعاقله الرجل عَاقِلَة
стр. 65
لأَنهم يحسبون عَلَيْهِ حَيَاته والعقال مَا يحبس النَّاقة عَن الانبعاث قَالَ وَهَذَا أحب إِلَيّ فِي حد الْعقل لَا يشتهون القبائح وَالْمَنْع من ركُوبهَا لِأَن فِي أهل الْجنَّة عقلا لَا يشتهون القبائح وَلَيْسَت علومهم منعا وَلَو كَانَ الْعقل منعا لَكَانَ الله تَعَالَى عَاقِلا لذاته وَكُنَّا معقولين لِأَنَّهُ الَّذِي منعنَا وَقد يكون الْإِنْسَان عَاقِلا كَامِلا مَعَ ارتكابه القبائح وَلما لم يجز أَن يُوصف الله بِأَن لَهُ علوما حصرت معلوماته لم يجز أَن يُسمى عَاقِلا وَذَلِكَ أَنه عَالم لذاته بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ من المعلومات ولهذه الْعلَّة لم يجز أَن يُقَال إِن الله مَعْقُول لنا لِأَنَّهُ لَا يكون محصورا بعلومنا كَمَا لَا تحيط بِهِ علومنا
الْفرق بَين الْعقل والإرب
أَن قَوْلنَا الإرب يُفِيد وفور الْعقل
من قَوْلهم عظم مؤرب إِذا كَانَ عَلَيْهِ لحم كثير وافر وقدح أريب وَهُوَ الْمُعَلَّى وَذَلِكَ أَنه يَأْخُذ النَّصِيب المؤرب أَي الوافر
الْفرق بَين الْعقل واللب
أَن قَوْلنَا اللب يُفِيد أَنه من خَالص صِفَات الْمَوْصُوف بِهِ وَالْعقل يُفِيد أَنه يحصر مَعْلُومَات الْمَوْصُوف بِهِ فَهُوَ مفارق لَهُ من هَذَا الوجهولباب الشَّيْء ولبه خالصه وَلما لم يجز أَن يُوصف اللنه تَعَالَى بمعان بَعْضهَا أخْلص من بعض لم يجز أَن يُوصف باللب
الْفرق بينالعقل وَالنَّهْي
أنالنهي هُوَ النِّهَايَة فِي المعارف الَّتِي لَا يحْتَاج إِلَيْهَا فِي مُفَارقَة الْأَطْفَال وَمن يجْرِي مجراهم وَهِي جمع وَاحِدهَا النهية وَيجوز أَن يُقَال إِنَّهَا تفِيد أَن الْمَوْصُوف بهَا يصلح أَن يَنْتَهِي إِلَى رأية وَسمي الغدير نهيا لِأَن السَّيْل يَنْتَهِي إِلَيْهِ والتنهية الْمَكَان الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّيْل وَالْجمع التناهي وَجمع النهى أَنه وأنهاء
стр. 66
الْفرق بَين الْعقل والحجا
أَن الحجا هُوَ ثبات الْعقل من قَوْلهم تحجى بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ
الْفرق بَين الْعقل والذهن
أَن الذِّهْن هُوَ نقيض سوء الْفَهم وَهُوَ عبارَة عَن وجود الْحِفْظ لما يتعلمه الْإِنْسَان وَلَا يُوصف الله بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُوصف بالتعلم
الْفرق بَين الْعلم والفطنة
أَن الفطنة هِيَ التنبه على الْمَعْنى وضدها الْغَفْلَة وَرجل مُغفل لَا فطنة لَهُ وَهِي الفطنة والفطانة والطبانة مثلهَا وَرجل طبن فطن وَيجوز أَن يُقَال إِن الفطنة ابْتِدَاء الْمعرفَة من وَجه غامض فَكل فطنة علم وَلَيْسَ كل علم فطنه وَلما كَانَت الفطنة علما بالشَّيْء من وَجه غامض لم يجز لم يجز أَن يُقَال الْإِنْسَان فطن بِوُجُود نَفسه وَبِأَن السَّمَاء فَوْقه
الْفرق بَين الفطنة والذكاء
أَن الذكاء تَمام الفطنة من قَوْلك ذكت النَّار إِذا تمّ اشتعالها وَسميت الشَّمْس ذكاء لتَمام نورها والتذكية تَمام الذّبْح فَفِي الذكاء معنى زَائِد على الفطنة
الْفرق بَين الفطنة والحذق والكيس
أَن الْكيس هُوَ سرعَة الْحَرَكَة فِي الْأُمُور وَالْأَخْذ فِي مَا يَعْنِي مِنْهَا دون مَا لَا يَعْنِي يُقَال غُلَام كيس إِذا كَانَ يسْرع الْأَخْذ فِي مَا يُؤمر بِهِ وَيتْرك الفضول وَلَيْسَ هُوَ من قبيل الْعُلُوم والحذق أَصله حِدة الْقطع يُقَال حذقه إِذا قطعه وَقَوْلهمْ حذق الصَّبِي الْقُرْآن مَعْنَاهُ أَنه بلغ آخِره وَقطع تعلمه وتناهى فِي حفظه وكل حاذق بصناعة فَهُوَ الَّذِي تناهى فِيهَا وَقطع تعلمهَا فَلَمَّا كَانَ الله تَعَالَى لَا تُوصَف معلوماته بالانقطاع لم يجز أَن يُوصف بالحذق
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ هَذَا
الْفرق بَين الألمعي واللوذعي
أَن اللوذعي هُوَ الْخَفِيف الظريق مَأْخُوذ من لذع النَّار وَهُوَ سرعَة أَخذهَا فِي الشَّيْء والألمعي هُوَ الفطن الذكي الَّذِي يتَبَيَّن عواقب الْأُمُور بِأَدْنَى لمحة تلوح لَهُ
стр. 67
الْفرق بَين الفطنة والنفاذ
أَن النَّفاذ أَصله فِي الذّهاب يُقَال نفذ السهْم إِذا ذهب فِي الرَّمية وَيُسمى الْإِنْسَان نَافِذا إِذا كَانَ فكره يبلغ حَيْثُ لَا يبلغ فكر البليد فَفِي النَّفاذ معنى زَائِد على الفطنة وَلَا يكَاد الرجل يمسى نَافِذا إِلَّا إِذا كثرت فطنته للأشياء وَيكون خراجا ولاجا فِي الْأُمُور وَلَيْسَ هُوَ من الْكيس أَيْضا فِي شَيْء لِأَن الْكيس هُوَ سرعَة الْحَرَكَة فِي مَا يَعْنِي دون مَا لَا يَعْنِي ويوصف بِهِ النَّاقِص الْآلَة مثل الصَّبِي وَلَا يُوصف بالنفاذ إِلَّا الْكَامِل الرَّاجِح وَهَذَا مَعْرُوف
الْفرق بَين ذَلِك وَبَين الجلادة
أَن أصل الجلادة صلابة الْبدن وَلِهَذَا سمي الْجلد لِأَنَّهُ أَصْلَب من اللَّحْم وَقيل الجليد لصلابته وَقيل للرجل الصلب على الْحَوَادِث جلد وجليد من ذَلِك وَقد جالد قرنه وهما يتجالدان إِذا اشْتَدَّ أَحدهمَا على صَاحبه وَيُقَال للْأَرْض الصلبة الْجلد بتحريك اللَّام
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك وَلَيْسَ مِنْهُ
الْفرق بَين القريحة والطبيعة
أَن الطبيعة مَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان أَي خلق والقريحة فِي مَا قَالَ الْمبرد مَا خرج من الطبيعة من غير تكلّف وَمِنْه فلَان جيد القريحة وَيُقَال للرجل اقترح مَا شِئْت أَي أطلب مَا فِي نَفسك وأصل الْكَلِمَة الخلوص وَمِنْه مَاء قراح إِذا لم يخالطه شَيْء وَيُقَال للْأَرْض الي لَا تنْبت شَيْئا قرواح إِذا لم يخالطها شَيْء من ذَلِك والنخلة إِذا تجردت وخلصت جلدتها قرواح وَذَلِكَ إِذا نمت وتجاوزت وأتى عَلَيْهَا الدَّهْر وَالْفرس القارح يرجع إِلَى هَذَا لِأَنَّهُ قد تمّ سنة قَالَ وَأما الْقرح والقرحة فَلَيْسَ من ذَلِك وَإِنَّمَا الْقرح ثلم فِي الْجلد والقرحة مشبهة بذلك
الْفرق بَين لَام وعلامة
أَن الصّفة بعلام صفة مُبَالغَة وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ على فعال وعلامة وَإِن للْمُبَالَغَة فَإِن مَعْنَاهُ وَمعنى دُخُول الْهَاء فِيهِ
стр. 68
أَنه يقوم مقَام جمَاعَة عُلَمَاء فَدخلت الْهَاء فِيهِ لتأنيث الْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ فِي مَعْنَاهُ وَلِهَذَا يُقَال الله علام وَلَا يُقَال لَهُ عَلامَة كَمَا يُقَال إِنَّه يقوم مقَام جمَاعَة عُلَمَاء فَأَما قَول من قَالَ إِن الْهَاء دخلت فِي ذَلِك على معنى الداهية فَإِن ابْن درستوية رده وَاحْتج فِيهِ بِأَن الداهية لم تُوضَع للمدح خَاصَّة وَلَكِن يُقَال فِي الذَّم والمدح وَفِي الْمَكْرُوه والمحبوب قَالَ وَفِي الْقُرْآن (والساعة أدعى وَأمر) وَقَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
(لكل أخي عَيْش وَإِن طَال عمره ... درويهية تصفر مِنْهَا الأنامل)
يَعْنِي الْمَوْت وَلَو كَانَت الداهية صفة مدح خَاصَّة لَكَانَ مَا قَالَه مُسْتَقِيمًا وَكَذَلِكَ قَوْله لحانه شبهوه بالبهيمة غلط الْبَهِيمَة لَا تلحن وَإِنَّا يلحن
من يتَكَلَّم والداهية اسْم من أَسمَاء الفاعلين الْجَارِيَة على الْفِعْل يُقَال دهى فَهُوَ داه وللأنثى داهية ثمَّ يلْحقهَا التَّأْنِيث على مَا يُرَاد بِهِ للْمُبَالَغَة فيستوي فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى مثل الرِّوَايَة وَيجوز أَن يُقَال إِن الرجل سمي داهية كَأَنَّهُ يقوم مقَام جمَاعَة دهاه وَرِوَايَة كَأَنَّهُ يقوم مقامت جمَاعَة رَوَاهُ على مَا ذكر قبل وَهُوَ قَول الْمبرد
стр. 69
الْفرق بَين العالم والعليم
أَن قَوْلنَا عَالم دَال على مَعْلُوم لِأَنَّهُ من علمت وَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلَيْسَ قَوْلنَا عليم جَارِيا على علمية فَهُوَ لَا يتَعَدَّى وَإِنَّمَا يُفِيد أَنه صَحَّ مَعْلُوم علمه كَمَا أَن صفة سميع تفِيد أَنه إِن صَحَّ مسموع سَمعه وَالسَّامِع يَقْتَضِي مسموعا وَإِنَّمَا يُسمى الْإِنْسَان وَغَيره سميعا إِذا لم يكن أَصمّ وبصيرا إِذا لم يكن أعمى وَلَا يَقْتَضِي ذَلِك مبصرا ومسموعا أَلا ترى أَنه يُسمى بَصيرًا وَإِن كَانَ مغمضا وسميعا وَإِن لم يكن بِحَضْرَتِهِ صَوت يسمعهُ فالسميع وَالسَّامِع صفتات وَكَذَلِكَ المبصر والبصير والعليم والعالم والقدير والقادر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد مَا لَا يفِيدهُ الآخر فَإِن جَاءَ السَّمِيع والعليم وَمَا يجْرِي مجْراهَا متعدايا فِي بعض الشّعْر فَإِن ذَلِك قد جعل بِمَعْنى السَّامع والعالم وَقد جَاءَ أَيْضا مسمع فِي قَوْله من الوافر
(أَمن ريحانه الدَّاعِي السَّمِيع ... يؤرقني وأصحابي هجوع)
الْفرق بَين الصّفة بسامع وَالصّفة بِعلم
أَنه يَصح عَالم بالمسموع بعد نقضه وَلَا يَصح سامع لَهُ بعد نقضه
стр. 70
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك وَلَيْسَ من الْبَاب
الْفرق بَين السّمع والاصغاء
أَن السّمع هُوَ إِدْرَاك المسموع واسمع أَيْضا اسْم الْآلَة الَّتِي يسمع بهَا والاصغاء هُوَ طلب إِدْرَاك المسموع بإمالة السّمع إِلَيْهِ يُقَال صغا يصغو إِذا مَال وأصغى غَيره وَفِي الْقُرْآن (فقد صغت قُلُوبكُمَا) أَي مَالَتْ وصفوك مَعَ فلَان أَي ميلك
الْفرق بَين اسْمَع وَالِاسْتِمَاع
أَن الِاسْتِمَاع هُوَ استفادة المسموع بالإصغاء إِلَيْهِ لفهم وَلِهَذَا لَا يُقَال إِن الله يستمع وَأما السماع فَيكون اسْما للمسموع يُقَال لما سمعته من الحَدِيث هُوَ سَمَاعي وَيُقَال للغناء سَماع وَيكون بِمَعْنى المسع تَقول سَمِعت سَمَاعا كَمَا تَقول سَمِعت سمعا والتسمع طلب السّمع مثل التَّعَلُّم طلب الْعلم
الْفرق بَين الْعلم والإدراك
أَن الْإِدْرَاك مَوْقُوف على أَشْيَاء مَخْصُوصَة وَلَيْسَ الْعلم كَذَلِك والإدراك التشيء على أخص وأصافه وعَلى الْجُمْلَة وَالْعلم يَقع بالمعدوم وَلَا يدْرك إِلَّا الْمَوْجُود والإدراك طَرِيق من طرق الْعلم وَلِهَذَا لم يجز أَن يقوى الْعلم بِغَيْر الْمدْرك قوته بالمدرك أَلا ترى أَن الْإِنْسَان لَا ينسى مَا يرَاهُ فِي الْحَال كَمَا ينسى مَا رَآهُ قبل
بَين قَوْلنَا يدْرك وَقَوْلنَا يحس
أَن الصّفة يحس مضمنة بالحاسة وَالصّفة يدْرك مُطلقَة والحاسة اسْم لما يَقع بِهِ إِدْرَاك شَيْء مَخْصُوص وَلذَلِك قُلْنَا الْحَواس أَربع السّمع وَالْبَصَر ولاذوق والشم وَإِدْرَاك الْحَرَارَة والبرودة لَا تخْتَص بألة وَالله تَعَالَى لم يزل مدْركا ميعنى أَنه لم يزل عَالما وَهُوَ مدرك للطعم والرائحة لِأَنَّهُ مُبين لذَلِك وَمن وَجه يَصح أَن يتَبَيَّن مِنْهُ لنَفسِهِ وَلَا يَصح أَن يُقَال إِنَّه يشم وَيَذُوق لِأَن
стр. 71
الشم مُلَابسَة المشموم للأنف والذوق مُلَابسَة المذوق للفم وَدَلِيل ذَلِك قَوْلك شممته فَلم أجد لَهُ رأئحة وذقته فَلم أجد لَهُ طعما وَلَا يُقَال إِن الله يحس بِمَعْنى أَنه يرى
وَيسمع إِذْ قَوْلنَا يحسن يَقْتَضِي حاسة
الْفرق بَين الْإِدْرَاك والإحساس
على مَا قَالَه أَبُو أَحْمد أَنه يجوز أَن يدْرك الْإِنْسَان الشَّيْء وَإِن لم يحس بِهِ كالشيء يُدْرِكهُ ببصره ويغفل عَنهُ فَلَا يعرفهُ فَيُقَال إِنَّه لم يحس بِهِ وَيُقَال إِنَّه لَيْسَ إِذا كَانَ بليدا لَا يفْطن وَقَالَ أهل اللُّغَة كال مَا شَعرت بِهِ فقد أحسته وَمَعْنَاهُ أَدْرَكته بحسك وَفِي الْقُرْآن (فَلَمَّا أحسوا بأسنا) وَفِيه (فتحسسوا من ي يُوسُف وأخيه) أَي بإحساسكم
الْفرق بَين الْعلم وَالْحسن
أَن الْحسن هُوَ أول الْعلم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (فَلَمَّا أحسن عِيسَى مِنْهُم الْكفْر)
أَي علمه فِي أول وهلة وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال إِن الْإِنْسَان يحس بِوُجُود نَفسه قُلْنَا وَتَسْمِيَة الْعلم حسا وإحساسا مجَاز ويمسى بذلك لِأَنَّهُ يَقع مَعَ الإحساس من قبيل الْإِدْرَاك والآلات الَّتِي يدْرك بهَا حواس كَالْعَيْنِ والاذن وَالْأنف والفم والقلبت لَيْسَ من الْحَواس لِأَن الْعلم الَّذِي يخْتَص بِهِ لَيْسَ بإدراكت وَإِذا لم يكن الْعلم إدراكا لم يكن مَحَله حاسة وَسميت الحاسة حاسة على النّسَب لَا على الْفِعْل لِأَنَّهُ لَا يُقَال مِنْهُ احسست وَإِنَّمَا يُقَال حسستهم إِذا أبدتهم قتلا مستأصلا وَحَقِيقَته أَنَّك تَأتي على إحساسهم فَلَا تبقي لَهُم حسا
الْفرق بَين الْإِدْرَاك والوجدان
أَن الوجدان فِي أصل اللُّغَة لما ضَاعَ أَو لما يجْرِي الضائع فِي أَلا يعرف مَوْضِعه وَهُوَ على خلاف النشدان فَأخْرج على مِثَاله يُقَال نشدت الضَّالة إِذا طلبتها نشدانا فَإِذا وَجدتهَا قلت وَجدتهَا وجدانا فَلَمَّا صَار مصدره مُوَافقا لبِنَاء النشدان
стр. 72
اسْتدلَّ على أَن وجدت هَهُنَا إِنَّمَا هُوَ للضالة والإدراك قد يكون لما يسبقك أَلا ترى أَنَّك تَقول وجدت الضَّالة وَلَا تَقول أدْركْت
الضَّالة وَإِنَّمَا يُقَال أدْركْت الرجل إِذا سَبَقَك ثمَّ اتبعته فلحقته وأصل الْإِدْرَاك فِي اللُّغَة بُلُوغ الشَّيْء وَتَمَامه وَمِنْه إِدْرَاك الثَّمَرَة وَإِدْرَاك الْغُلَام وإدراكك من تطلب يرجع إِلَى هَذَا لِأَنَّهُ مبلغ مرادك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (قَالَ أصحابت مُوسَى إِنَّا لمدركون) والدرك الْحَبل يقرن بِحَبل آخرت ليبلغ مَا يحْتَاج إِلَى بُلُوغه والدرك الْمنزلَة لِأَنَّهَا مبلغ من تجْعَل لَهُ ثمَّ توسع فِي الْإِدْرَاك والوجدان فأجريات مجْرى وَاحِد فَقيل أَدْرَكته ببصري وَوَجَدته ببصري وَوجدت حجمه بيَدي وَأدْركت حجمه بيَدي وَوَجَدته بسمعي وأدركته بمسعي وَأدْركت طعمه بغمي وَوجدت طعمه بفمي وَأدْركت رِيحه بأنفي وَوجدت رِيحه بأنفي وحد المتكلمون الْإِدْرَاك فَقَالُوا هُوَ مَا يتجلى بِهِ الْمدْرك تجلي الظُّهُور ثمَّ قيل يجد بِمَعْنى يعلم ومصدره الوجدان وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي الْعَرَبيَّة وَمِنْه قَول الشَّاعِر من الوافر
(وجدت الله أكبر كل شَيْء ... محاولة وَأَكْثَرهم جُنُودا)
أَي عَلمته كَذَلِك إِلَّا أَنه لَا يُقَال للمعدم مَوْجُود بِمَعْنى أَنه مَعْلُوم وَذَلِكَ أَنَّك لَا تسمى واجدا لما غَابَ عَنْك فَإِن عَلمته فِي الْجُمْلَة فَذَلِك فِي الْمَعْدُوم أبعد وَقَالَ الله تَعَالَى (يجد الله غَفُورًا رحِيما) أَي يُعلمهُ كَذَلِك وَقيل يجونه حَاضرا فالوجود هُوَ الْعلم بالموجو وَسمي الْعَالم بِوُجُود الشَّيْء واجا لَهُ لَا غير وَهَذَا مِمَّا جرى على الشَّيْء أسم مَا قاربه وَكَانَ من سَببه وَمن هَهُنَا يفرق بَين الوجودت وَالْعلم
الْفرق بَين الْعلم والبصيرة
أَن البصيرة هِيَ تَكَامل الْعلم والمعرفة بالشَّيْء وَلِهَذَا لَا يجوز أَن يُسمى الْبَارِي تَعَالَى بَصِيرَة إِذْ لَا يتكامل على أحد بعظمته وسلطانه
الْفرق بَين الْعلم والدراية
أَن الدِّرَايَة فِي مَا قَالَ أَبُو بكر الزبيرِي بِمَعْنى
стр. 73
الْفَهم قَالَ وَهُوَ لنفي السَّهْو عَمَّا يرد على الانسان فيدريه أَي يفهمهُ وَحكى عَن بعض اهل الْعَرَبيَّة أَنَّهَا مَأْخُوذَة من دَريت إِذا ختلت وَأنْشد من الطَّوِيل
(يصيب فَمَا يدْرِي وخطي فَمَا درى ... )
أَي مَا ختل فِيهِ يفوتهُ وَمَا طلبه من الصَّيْد بِغَيْر ختل يَنَالهُ فان كَانَت مأخوذه من ذَاك فَهُوَ يجْرِي مجْرى مَا يفْطن الْإِنْسَان لَهُ من الْمعرفَة الَّتِي تنَال غَيره فَصَارَ ذَلِك كالختل مِنْهُ للأشياء وَهَذَا لَا يجوز على الله وَجعل أَبُو عَليّ ﵀ الدراؤة مثل الْعلم وأجازها على الله وَاحْتج بقول الشَّاعِر من الرجز
(لأهم لَا أَدْرِي وَأَنت الدَّارِيّ ... )
وَهَذَا صَحِيح لِأَن الإنسا إِذا سُئِلَ عَمَّا يدْرِي فَقَالَ لَا أَدْرِي فقد أَفَادَ هَذَا القَوْل مِنْهُ معنى قَوْله لَا أعلم لِأَنَّهُ لَا يستقم أَن يسْأَل عَمَّا لَا يعلم فَيَقُول لَا أفهم لِأَن معنى قَوْله لَا أفهم أَي لَا أفهم سؤالك وَقَوله لَا أَدْرِي انما هُوَ لَا أعلم مَا جَوَاب مسألتك وعَلى هَذَا يكون الْعلم والدراية سَوَاء لِأَن الدِّرَايَة علم يشْتَمل على الْمَعْلُوم من جَمِيع وجوهه وَذَلِكَ أَن الفعالة للاشتمال مثل الْعِصَابَة والعمامة والقلادة وَلذَلِك جَاءَ أَكثر أَسمَاء الصناعات على فعاله نَحْو القصارة والخياطة وَمثل ذَلِك الْعبارَة لاشتمالها على مَا فِيهَا فالدراية تفِيد
مَا لَا يفِيدهُ الْعلم من هَذَا الوجهت والفعالة أَيْضا تكون للاستيلاء مثل الْخلَافَة والامارة فَيجوز أَن تكون بِمَعْنى الِاسْتِيلَاء فتفارق الْعلم من هَذِه الْجِهَة
الْفرق بَين الْعلم والاعتقاد
أَن الِاعْتِقَاد هُوَ اسْم لجنس الْفِعْل على أَي وَجه وَقع اعْتِقَاده وَالْأَصْل فِيهِ أَنه مشبه بِعقد الْحَبل وَالْخَيْط فالعالم بالشَّيْء على ماه هُوَ بِهِ كالعاقد الْمُحكم لما عقده وَمثل ذَلِك تسميتهم الْعَالم بالشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ كالعاقد الْمُحكم لما عقده وَمثل ذَلِك تسميتهم الْعلم بالشَّيْء حفظا لَهُ وَلَا يُوجب ذَلِك أَن يكون كل عَالم مُعْتَقدًا لِأَن اسْم الِاعْتِقَاد اجري على الْعلم مجَازًا وَحَقِيقَة الْعَالم هُوَ من يَصح مِنْهُ فعل مَا علمه متيقنا إِذا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ
стр. 74
الْفرق بَين الْعلم وَالْحِفْظ
أَن الْحِفْظ هُوَ الْعلم بالمسموعات دون غَيره من المعلومات أَلا ترى أَن أحدا لَا يَقُول حفظت أَن زيدا فِي الْبَيْت وَإِنَّمَا اسْتعْمل ذَلِك فِي الْكَلَام وَلَا يُقَال للْعلم بالمشاهدات حفظ وَيجوز أَن يُقَال إِن الْحِفْظ هُوَ الْعلم بالشَّيْء حَالا بعد حَال من غير أَن يخلله جهل أَو نِسْيَان وَلِهَذَا سمي حفاظ الْقُرْآن حفاظا وَلَا يُوصف الله بِالْحِفْظِ لذَلِك
الْفرق بَين الْعلم وَالذكر
ان الذّكر وان كَانَ ضربا من الْعلم فَإِنَّهُ لَا يُسمى ذكرا إِلَّا إِذا وَقع بعد النسْيَان وَأكْثر مَا يكون فِي الْعُلُوم الضرورية وَلَا يُوصف الله بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِالنِّسْيَانِ وَقَالَ عَليّ بن عِيسَى الذّكر يضاد السَّهْو وَالْعلم يضاد الْجَهْل وَقد يجمع الذّكر للشَّيْء وَالْجهل بِهِ من وَجه وَاحِد
الفرق بَين الذّكر والخاطر
فان الخاطر مُرُور الْمَعْنى على الْقلب وَالذكر حُضُور الْمَعْنى فِي النَّفس
الْفرق بَين التَّذْكِير والتنبيه
أَن قَوْلك ذكر الشَّيْء يَقْتَضِي أَنه كَانَ عَالما بِهِ ثمَّ نَسيَه فَرده إِلَى ذكره بِبَعْض الْأَسْبَاب وَذَلِكَ أَن الذّكر هُوَ الْعلم الْحَادِث بعد النسْيَان على مَا ذكرنَا وَيجوز أَن يُنَبه الرجل على الشَّيْء لم يعرفهُ قطّ أَلا ترى أَن الله يُنَبه على مَعْرفَته بالزلازل وَالصَّوَاعِق وَفهم من لم
يعرفهُ البته فَيكون ذَلِك نتبيها لَهُ كَمَا يكون تَنْبِيها لغيره وَلَا يجوز أَن يذكرهُ بِمَا لم يُعلمهُ قطّ
الْفرق بَين الْعلم وَالْخَبَر
أَن الْخَبَر هُوَ الْعلم بكنه المعلومات على حقائقها فَفِيهِ معنى زَائِد على الْعلم قَالَ أَبُو أَحْمد بن أبي سَلمَة ﵀ لَا يُقَال مِنْهُ خابر لِأَنَّهُ من بَاب فعلت مثل ظرفت وكرمت وَهَذَا غلط لِأَن فعلت لَا يتَعَدَّى وَهَذِه الْكَلِمَة تتعدى بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْلك خبرت الشَّيْء إِذا عرفت حَقِيقَته خَبره وَأَنا خابر وخبير من قَوْلك خبرت الشَّيْء غذا عَرفته مُبَالغَة مثل عليم وقدير ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي معرفَة كنهه وَحَقِيقَته قَالَ كَعْب الأشقري من الطَّوِيل
стр. 75
(وَمَا جَاءَنَا من نَحْو أَرْضك خابر ... وَلَا جَاهِل إِلَّا يذمك يَا عَمْرو)
الْفرق بَين قَوْلنَا يحسن وَقَوْلنَا يعلم
أَن قَوْلنَا فلَان يحسن كَذَا يمعنى يُعلمهُ مجَازًا واصله فِي مَا يَأْتِي الْفِعْل الْحسن أَلا ترى أَنه لَا يَجِيء لَهُ مصدر إِذا كَانَ بِمَعْنى الْعلم الْبَتَّةَ فقولنا فلَان يحسن الْكِتَابَة مَعْنَاهُ أَنه يَأْتِي بهَا حَسَنَة من غير توفق واحتباس ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى صَار كَأَنَّهُ الْعلم وَلَيْسَ بِهِ
الْفرق بَين الْعلم والرؤية
أَن الرُّؤْيَة لَا تكون إِلَّا الْمَوْجُود وَالْعلم يتَنَاوَل الْمَوْجُود والمعدوم وكل رُؤْيَة لم يعرض مَعهَا آفَة فالمرئي بهَا مَعْلُوم ضَرُورَة وكل رُؤْيَة فَهِيَ لمحدود أَو قَائِم فِي مَحْدُود كَمَا أَن كل إحساس من طَرِيق اللَّمْس فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون لمحدود أَو قَائِم فِي مَحْدُود والرؤية فِي اللُّغَة على ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا الْعلم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (ونراه قَرِيبا) أَي نعلمهُ يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ أَن كل آتٍ قريب وَالْآخر بِمَعْنى الظَّن وَهُوَ قَوْله
تَعَالَى (إِنَّهُم يرونه بَعيدا) أَي يَظُنُّونَهُ وَلَا يكون ذلك بِمَعْنى الْعلم لأنه لَا يجوز أَن يَكُونُوا عَالمين بِأَنَّهَا بعيدَة وَهِي قريبَة فِي علم الله وَاسْتِعْمَال الرُّؤْيَة فِي هذَيْن الْوَجْهَيْنِ مجَاز وَالثَّالِث رُؤْيَة الْعين وَهِي حَقِيقَة
الْفرق بَين الْعَالم بالشَّيْء وَالْمُحِيط بِهِ
أَن أصل الْمُحِيط المطيف بالشَّيْء من حوله بِمَا هُوَ كالسور الدائر عَلَيْهِ يمْنَع أَن يخرج عنه مَا هُوَ مِنْهُ وَيدخل فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَيكون من قبيل الْعلم وقبيل الْقُدْرَة مجَازًا فَقَوله تَعَالَى (وَكَانَ الله بِكُل شَيْء محيطا) يصلح أَن يكون مَعْنَاهُ أَن كل شَيْء فِي مقدروه فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا قبض الْقَابِض عَلَيْهِ فِي إِمْكَان تصريفه وَيصْلح أَن يكون معنان أَنه يعلم بالاشياء من جَمِيع وجوهها وَقَالَ (قد أحَاط بِكُل شَيْء علما) أَي علمه من جمع وجوهه وَقَوله (وأحاط بِمَا لديهم) يجوز فِي الْعلم وَالْقُدْرَة وَقَالَ (قد أحَاط الله بهَا) أَي قد أحَاط بهَا لكم بتمليككم إِيَّاهَا وَقَالَ (قد أحَاط الله بهَا) أَي قد أحَاط بهَا لكم بتمليككم إِيَّاهَا وَقَالَ (وَالله مُحِيط
следующие страницы →