أن نُحكِّم أفراد أحكام الله ويدل لذلك ما يلي:
١ - أن الأحكام الشرعية شُرعت بالتدرُّج ولم تُشرع مرة واحدة.
٢ - أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ تركَ بعضَ الأحكام كقطع يد السارق في المجاعة، وتركَ سهمَ المؤلَّفةِ قلوبهم من الزكاة لمَّا قوِيَ الإسلام.
٣ - أنَّ الله أمرَ اليهود أن يحكِّموا التوراة لأن المراد العدل لا ذات أفراد حكم الله، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
وكشف هذه الشبهة من أوجه ستة:
الوجه الأول: أنه حيث كان شرعُ الله كان العدلُ لأنه لا حُكمَ أحسَنُ من حكمهِ ولا عدلَ أكملُ من عدلهِ.
قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
الوجه الثاني: أن الله أمرنا بتحكيم شرعه المنزَّل في كتابه، وشرعهُ المنزَّل هو تفاصيلُ الأحكام فقال:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
ثم قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
الوجه الثالث: أن الله جعل المحكِّم لغير كتابه كافرًا.
стр. 72
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
الوجه الرابع: أنه لا يتنافى مع تحكيم الشريعة وجعله أصلًا أن يُتركَ بعضُ شرعِ الله لعارض؛ كقطع يد السارق لضرورة عرضت له؛ وهذه شبهةٌ يُدرأ بالحد، أو ترك سهمِ المؤلَّفة قلوبهم في الزكاة؛ لقوَّة الإسلام وعدم الحاجة لذلك. كما نقل فعل هذا عن عمر.
الوجه الخامس: إرادة تحكيم الشريعة لا ينافي التدريج في تطبيقها وتهيئة الناس لها؛ بأن يعلموا أن تحكيم الشريعة دينُ الله وأنه خيرٌ لهم.
الوجه السادس: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] أن تحكيم التوراة كافٍ، لأنَّ المراد العدل كما قال؛ بل المراد ذمُّهم لتركِ تحكيم التوراة في رجم الزاني مع عِلْمهم أنه موجود عندهم في كتابهم وهو حكمُ الله عندهم.
قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ قال المفسرون: هذا تعجيبٌ من الله لنبيِّه من تحكيم اليهود إيَّاه بعد عِلْمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه، وتقريعٌ لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوته، ويتركون حكمَ التوراة التي يعتقدون صحَّتها.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن، والثاني: حكمه بالقَود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة، والثاني: من بعد تحكيمك» (١).
стр. 73
وقال ابن كثير في تفسيره: «ثم قال تعالى منكِرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدِهم الزائغة، في تركهِم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدَم لزومه لهم فقال:
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
ثم مدحَ التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]؛ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾؛ أي: وكذلك الربانيون منهم - وهم العباد العلماء - والأحبار - وهم العلماء - ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أُمروا أن يُظهِروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: لا تخافوا منهم وخافوني».
ويؤكد هذا أنَّ التوراة حُرِّفت فكيف يُزعَم أنَّ ما فيها بعد التحريف هو عدل.
وبعد هذا يتبين أن القول بأن التحكيم بالعدل المزعوم - ولو خالف شرعَ الله - هو شرعُ الله = قولٌ باطلٌ لا دليل عليه، ثم الزعم بأنَّ الديمقراطية عدلٌ = هو زعمٌ باطل؛ لأنها قائمة على تحكيم الأكثرية، ويترتبُ على هذا ضياعُ حقِّ الأقلية وإهدارُ قدراتِ الأكفياء؛ لأنَّ العبرة بالأكثر لا بالأميَز؛ ففي دول الديمقراطية يسودُ التجار والأكثر قبلية واتباعًا بحسب حال كلِّ دولة.
стр. 74
شبهات في حال الحاكم
الشبهة الثالثة:
أنه جاء في حديث تقييد السمع والطاعة لمن قاد بكتاب الله، ففي صحيح مسلم قالت أم الحصين: قال: رسول الله ﷺ : «إنْ أُمِّرَ عليكم عبدٌ مجدَّع يقودكُم بكتاب الله، فاسمَعوا له وأطيعوا» (١).
فمفهومُ هذا الحديث: أنه إذا لم يَقُدِ الناس بكتاب الله وبتحكيم الشريعة فلا يُسمع ولا يطاع له.
والجواب على هذه الشبهة أن يقال: إنَّ قائل هذه الشبهة له حالان:
الحال الأولى:
أنه لا يكفِّر بالحكم بغير ما أنزل الله وإنما يقول هو مسلم لكن لا يُسمَع ولا يطاع له؛ لدلالة هذا الحديث، والجواب على هذا من أوجه:
الوجه الأول: على فرض دلالة الحديث على عدم السمعِ والطاعة لمن لم يحكمُ بكتاب الله؛ فإنَّ دلالته على عدمِ طاعة مَنْ لم يحكُم بكتاب الله دلالة مفهوم، وهذا المفهوم مخالف لمنطوقاتٍ كثيرة في السمع والطاعة للحاكم العاصي في غير معصية الله، والمنطوقُ عند التعارض مقدَّمٌ على المفهوم عند أهل العلم.
الوجه الثاني: إنَّ قوله: «ما قادوكم بكتاب الله» قد يُراد به ما جوَّزهُ شرع الله، ويُقابله ما هو محرَّمٌ مما لم يجوِّزهُ شرعُ الله؛ فلا يُطاع الحاكم في معصية الله، وهذا مثل حديث عائشة في قصة بريرة قال النبي ﷺ : «ما كان من شرطٍ ليس في
стр. 75
كتابِ الله فهو باطل» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما إذا كان المشروط مما لم يحرِّمه الله، فلم يخالف كتابَ الله وشرطه، حتى يقال: كتابُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق، فيكون المعنى: مَنْ اشترطَ أمرًا ليس في حكم الله ولا في كتابه، بواسطةٍ وبغير واسطة = فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروطُ مما يباح فِعلُه بدون الشرط، حتى يصحَّ اشتراطه ويجب بالشرط، ولمَّا لم يكن في كتاب الله أنَّ الولاء لغير المعتق أبدًا كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطًا ليس في كتاب الله» (٢).
وقال الإمام ابن القيم: «فالصواب الضابط الشرعيُّ الذي دلَّ عليه النصُّ أنَّ كلَّ شرطٍ خالفَ حكمَ الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفهُ حكمهُ فهو لازم» (٣).
وقد فَهِمَ الحديثَ بمعنى عدم طاعة الحاكم في معصية الله الأثرم (٤) والسنديُ فقال: «وفي قوله: «يقودكُم بكتاب الله» إشارة إلى أنه لا طاعةَ له فيما يُخالف حكمَ الله تعالى» (٥).
الوجه الثالث: إن قوله: «يقودكم بكتاب الله» خرجَ مخرجَ الغالب؛ وما خرجَ مخرجَ الغالب فلا مفهومَ له (٦)، فإنَّ الغالبَ على حكَّام المسلمين قرونًا
стр. 76
طويلة من بعثةِ رسول الله إلى القرن السابق أنهم يحكمونَ بكتاب الله، فلم يُترك الحكم بكتاب الله من أكثر الحكَّام إلَّا هذين القرنين.
الحال الثانية:
أنه يكفِّر بالحكم بغير من أنزل الله. فهذا استدلالُه بالحديث اعتضادًا لا اعتمادًا؛ لأنه تقرَّر عنده أنَّ عدم تحكيم الشرع - بلا اعتقاد - كفرٌ أكبر بأدلة توهَّمها، فيُردُّ عليه ببيان عدم صحة هذا المذهب، وأنه مخالف لما أجمع عليه أهل السنة، كما حكاه غير واحد من أهل العلم كالشيخ عبد العزيز ابن باز والألباني رحمهما الله.
قال العلامة ابن باز ﵀: «أمَّا مَنْ حكم بغير ما أنزل الله لهوًى أو لحظٍّ عاجل وهو يعلَمُ أنه عاصٍ لله ولرسوله وأنه فعلَ منكرًا عظيمًا وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله = فإنه لا يكفر بذلك الكفرَ الأكبر لكنه قد أتى منكَرًا عظيمًا ومعصيةً كبيرةً وكفرًا أصغر كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكبَ بذلك كفرًا دون كفر وظلمًا دون ظلم وفسقًا دون فسق؛ وليس هو الكفر الأكبر؛ وهذا قول أهل السنة والجماعة» (١).
وسئل شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز: «هل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ يرى تكفير الحكام على الإطلاق؟».
الجواب: «يرى تكفير من استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه يكون بذلك كافرًا».
هذه أقوال أهل العلم جميعًا: «من استحلَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله كفَر، أمَّا
стр. 77
مَنْ فعلَهُ لشُبهةٍ أو لأسبابٍ أخرى لا يستحلُّه، يكونُ كفرًا دون كفر» (١).
وقرر هذا الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز ﵀ في شريط الدمعة البازية فيمن يضع القوانين الوضعية بدل الحكم الشرعي.
ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مقال قال فيه: «اطلعت على الجواب المفيد القيِّم الذي تفضَّل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
- وفَّقه الله - المنشور في جريدة (الشرق الأوسط) وصحيفة (المسلمون) الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير مَنْ حكمَ بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، فألفَيتُها كلمةً قيِّمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيلَ المؤمنين، وأوضحَ
- وفَّقه الله - أنه لا يجوزُ لأحدٍ من الناس أن يكفِّر مَنْ حكم بغير ما أنزل الله بمجرَّد الفعل من دون أن يعلم أنه استحلَّ ذلك بقلبه، واحتجَّ بما جاء في ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره من سلف الأمة، ولا شكَّ أنَّ ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] = هو الصواب.
وقد أوضحَ - وفَّقه الله - أنَّ الكفر كفران؛ أكبر وأصغر، كما أنَّ الظُّلمَ ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر، فمن استَحلَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرهما من المحرَّمات المجمَعِ على تحريمها فقد كفرَ كفرًا أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرًا أصغرَ وظُلمه ظلمًا أصغر،
стр. 78
وهكذا فِسقُه» (١).
وقال العلامة ابن عثيمين: «أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله: فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق؛ على حسب الأسباب التي بُنيَ عليها هذا الحكم، فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعًا لهواه مع علمهِ بأنَّ الحق فيما قضى الله به: فهذا لا يكفر لكنه بين فاسقٍ وظالم، وأما إذا كان يَشْرَع حكمًا عامًّا تمشي عليه الأمة، يرى أنَّ ذلك من المصلحة، وقد لُبِّس عليه فيه: فلا يكفر أيضًا؛ لأن كثيرًا من الحكام عندهم جهلٌ في علم الشريعة، ويتَّصل بهم مَنْ لا يعرفُ الحكم الشرعي، وهم يرونه عالمًا كبيرًا فيحصلُ بذلك المخالفة، وإذا كان يعلم الشرعَ ولكنه حكَم بهذا، أو شَرَع هذا، وجعله دستورًا يمشي الناس عليه؛ يَعتقدُ أنه ظالم في ذلك، وأنَّ الحقَّ فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفِّر هذا، وإنما نكفِّر: من يرى أنَّ حكمَ غير الله أولى أن يكون الناسُ عليه، أو مثلُ حكم الله = فإن هذا كافر» (٢).
وأخيرًا على فرض القول بصحة تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يصحُّ تكفير أعيانِ الحكَّام لأمرين:
الأمر الأول:
إنَّ التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله تكفيرٌ بمسألة خلافية، ومن المتقرِّر شرعًا أنه لا يصحُّ تكفيرُ الأعيان بما اختلف وتنازع فيه أهلُ العلم؛ لأنه يُعتبر تأويلًا يمنعُ تكفيرَ المعين.
стр. 79
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: «أركانُ الإسلام خمسة، أوَّلها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقرَّ بها وتركَها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فعلها، فلا نكفِّره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفرِ التاركِ لها كسلًا من غير جحود، ولا نكفِّر إلَّا ما أجمعَ عليه العلماء كلُّهم، وهو الشهادتان» (١).
وقال النووي في كتابه (رياض الصالحين) في تفسير (بواحًا): «أي ظاهرًا لا يحتملُ تأويلًا».
وتنازُعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير؛ لأنَّ للمكفِّر أن يأخذَ قولَ العلماء الآخرين بما أنَّ الخلاف سائغٌ بين أهل السُّنة؛ وهم من أهل السنة.
وقد نصَّ على أن الكفر لا يكون في المتنازَع فيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مواضع من اللقاء المفتوح.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في (شرح القواعد المثلى): «وكثيرٌ من الناس اليوم ممَّن ينتسبون إلى الدِّين وإلى الغيرة في دين الله تجدهم يكفّرون من لم يكفّره الله ورسوله، بل - مع الأسف - إنَّ بعض الناس صاروا يناقشون في ولاة أمورهم، ويحاولون أن يُطلقوا عليهم الكفر، لمجرَّد أنهم فعلوا شيئًا يعتقد هؤلاء أنه حرام، وقد يكون من المسائل الخلافية، وقد يكون هذا الحاكم معذورًا بجهله، لأنَّ الحاكم يجالسه صاحبُ الخير وصاحبُ الشَّر، ولكلِّ حاكمٍ بطانتان، إمَّا بطانة خير، وإمَّا بطانة شرّ، فبعض الحكَّام - مثلًا - يأتيه بعض أهل الخير ويقولون: هذا حرام، ولا يجوز أن تفعله، ويأتيه آخرون، ويقولون: هذا حلال ولك أن تفعله!
стр. 80
ولنضرب مثلًا في البنوك، الآن نحن لا نشكُّ بأن البنوك واقعة في الربا الذي «لعنَ النبيُّ ﷺ آكلَهُ، ومُوكِلَه، وشاهدَيه، وكاتبه» (١)، وأنه يجب إغلاقها واستبدالُ هذه المعاملات بالمعاملات الحلال، حتى يقوم أولًا دينُنا ثم اقتصادنا ثانيًا … فالتعجيلُ في تكفير الحكام المسلمين في مثل هذه الأمور خطأ عظيم، ولا بد أن نصبر، فقد يمكن أن يكون الحاكم معذورًا! فإذا قامت عليه الحجَّة وقال: نعم هذا هو الشرع، وأنَّ هذا الربا حرام، لكن أرى أنه لا يصلح هذه الأمة في الوقت الحاضر إلَّا هذا الربا! حينئذ يكون كافرًا لأنه اعتقد أنَّ دين الله في هذا الوقت غير صالح للعصر، أما أن يشبَّه عليه ويقال: هذا حلال، يعني: الفقهاء قالوا كذا! ولأن الله قال كذا! فهذا قد يكون معذورًا، لأنَّ كثيرًا من الحكَّام المسلمين الآن يجهلون الأحكام الشرعية، أو كثيرًا من الأحكام الشرعية، فأنا ضربتُ هذا المثل حتى يتبين أن الأمر خطير، وأن التكفير يجب أن يعرف الإنسان شروطه قبل كل شيء» (٢).
ومثله التفسيق لا يكون فيما تنازعَ فيه علماء السنة، فمن رأى أن علَّة جريان الربا في الأصناف الأربعة الطعم والكيل أو الوزن، فليس له أن يفسِّق العامي المقلِّد لعالم معتبر في التعليل بالادِّخار زيادةً على الطعم والكيل أو الوزن إذا تبادل على وجهِ الزيادة فيما هو مطعومٌ غير مدَّخر.
ومما يؤكد هذا أن الحدود تُدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يُدرأ عن المعين بشُبهة الخلاف.
стр. 81
الأمر الثاني:
قد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله مضطرًّا (١)؛ لأنه لو حكم بما أنزل الله لقامَ عليه قومهُ بالتآمر مع دول الغرب الكافرة لا سيما إذا كانت هذه الدولة من الدول المستعمرة سابقًا.
قال الإمام ابن تيمية: «كذلك النجاشي هو وإن كان ملكَ النصارى فلم يُطِعهُ قومهُ في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفرٌ منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه، فصلَّى عليه النبي ﷺ بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلَّى فصفَّهم صفوفًا وصلَّى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: «إنَّ أخًا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات» (٢).
وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخلَ فيها لعجزهِ عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حجَّ البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن.
والله قد فرضَ على نبيِّه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلَّا بما أنزل الله إليه، وحذَّره أن يفتنوه عن بعض ما أنزلَ الله إليه، وهذا مثلُ الحكم في الزنى للمحصَن بحدِّ الرجم، وفي الدِّيات بالعدل والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع؛ النفس بالنفس، والعين بالعين، وغير ذلك.
стр. 82
والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرُّونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولَّى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا؛ بل وإمامًا، وفي نفسه أمورٌ من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها.
وعمر بن عبد العزيز عُودي وأُوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك» (١).
الشبهة الرابعة:
قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا سمع ولا طاعة للحاكم الفاسق إلَّا في الواجب والمستحب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإمامُ العدل تجبُ طاعته فيما لم يُعلَم أنه معصية، وغيرُ العدل تجبُ طاعته فيما عُلِمَ أنه طاعة كالجهاد» (٢).
وجواب هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا يخالف النصوصَ المتقدمة في السمع والطاعة للحاكم مطلقًا في غير معصية الله ولو كان فاسقًا وظالمًا، بل وهذا مقتضى العموم في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فإن (أولي) نكرة أضيفت إلى معرفة، فأفادت العموم في كل حاكم بما أنه مسلم، سواءٌ كان فاسقًا أو عدلًا؛ وقد تقدَّم.
стр. 83
ويؤكد ذلك ما في صحيح مسلم عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: «يا نبيَّ الله أرأيتَ إنْ قامتْ علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟، فأعرضَ عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجَذبهُ الأشعثُ بن قيس وقال: اسمَعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُمِّلتم» (١).
الوجه الثاني: أن ظاهر كلام ابن تيمية هذا يخالفُ كلامَ بقية أهل السنة في كتب العقائد في السمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله، وقولهم مقدَّم على قوله.
الوجه الثالث: أن ظاهر كلام شيخ الإسلام هذا يعارضُ كلامه الكثير في السمع والطاعة للحاكم الفاسق في غير معصية الله؛ فقال: ويقولون - أي أهل السنة -: «إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته» (٢).
وقال: «ولكن عليَّ أن أطيع الله ورسوله، وأطيعَ أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله، فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دلَّ عليه الكتاب والسُّنة، واتفق عليه أئمة الأمة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 84
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الله، إنَّما الطاعة في المعروف» (١)، وأن أصبر على جَور الأئمة وأن لا أخرجَ عليهم في فتنة» (٢).
وقال: «وتقرَّر في غير هذا الموضع ما قد أمر به ﷺ من طاعة الأمراء في غير معصية الله؛ ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم» (٣).
وقال: «عُلِمَ أنه قتالُ فتنةٍ فلا تجبُ طاعة الإمام فيه؛ إذْ طاعتهُ إنما تجب في
ما لم يعلم المأمورُ أنه معصية بالنص» (٤).
الوجه الرابع: أن كلامه يُحمل على عدم طاعة الحاكم غير العدل في أخذ حقوق الناس إلا بعد التأكد أنه ليس ظلمًا، أما العدل فالأصل صدقهُ وبراءة ذمته، فيُطاع؛ وهو معنى كلامه في أوائل (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)؛ قال: «قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك؛ إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (٥).
стр. 85
وبعد هذه الأوجه الأربع إنْ تعلَّق رجل بكلام عالم محتمل أو صريح في الخطأ دون النصوص الشرعية وأقوال علماء السنة الآخرين، بل وأقوال العالم نفسه في مواضع أخرى = يدلُّ على أن هذا الرجل صاحب هوى.
الشبهة الخامسة:
أنه لا تصح البيعة لأكثر من حاكم للمسلمين بالنص والإجماع، فبهذا يتبين أن هؤلاء الحكام الموجودين اليوم ليسوا حكَّامًا شرعيين.
قال ابن حزم: «واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقتٍ واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد» (١).
وقال النووي: «واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يُعقد لخليفتين في عصرٍ واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدُها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عَقدُها لاثنين في صقع واحد وهذا مُجمَعٌ عليه.
قال: فإنْ بعُدَ ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع، فللاحتمال فيه مجال؛ قال: وهو خارج من القواطع، وحكى المازري هذا القولَ عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمامَ الحرمين، وهو قولٌ فاسد مخالفٌ لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم» (٢).
وقال القرطبي: «فأما إقامة إمامين أو ثلاثةٍ في عصرٍ واحد وبلدٍ واحد =
стр. 86
فلا يجوز إجماعًا؛ لما ذكرنا» (١).
وأصلُ ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال النبي ﷺ : «إذا بُويعَ لخليفتين فاقتلوا الآخرَ منهما» (٢).
وكشف هذه الشبهة هو أن هذا الإجماع محمول على أحد أمرين:
الأمر الأول: إذا كان المسلمون في ولاية واحدة، فلا يُبايع لأكثر من خليفة بخلاف إذا تعددت الولايات، فإنَّ لكل ولاية حُكمَها، وقد أشار لهذا ابن تيمية لما قال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبُهم أنَّ كلًّا منهما ينفُذ حكمه في أهل ولايته كما ينفُذ حكمُ الإمام الواحد.
وأما جواز العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأمَّا مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين» (٣).
الأمر الثاني: أن المراد بالحديث والإجماعات ما كان في حال الاختيار بخلاف حال الاضطرار، فتكون شبيهةً بمسألة ثبوت الولاية بالتغلب والقهر، فإنَّ الأصل أن لا تكون للمسلمين إلَّا دولةٌ واحدة؛ وتعدُّدُ الولايات والدول حالةُ اضطرارٍ لها حكمُها، وسواء كان الجواب الأول أو الثاني، فإن ثبوت الولاية للإمامين في الدولتين فأكثر درجَ عليه المسلمون من وقت الصحابة، وتقدَّم نقل كلام ابن تيمية.
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «الأئمة مجمعون من كلِّ مذهب، على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان = له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما
стр. 87
استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمامٍ واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام، لا يصحُّ إلَّا بالإمام الأعظم» (١).
قال الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين ﵀: «وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي ﷺ قال: «اسمَعوا وأطيعوا ولو تأمَّرَ عليكم عبدٌ حبشي» (٢)، فإذا تأمر إنسانٌ على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابنُ الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلالَ ناشئةٍ نشأت تقول: إنه لا إمامَ للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد!! نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كلُّ إنسان أمير نفسه؟!
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية - والعياذ بالله -؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحيةٍ من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها» (٣).
стр. 88
الشبهة السادسة:
أن السمع والطاعة والبيعة إنما تكون للحاكم العام على جميع بلاد المسلمين، أما إذا تعدَّدت الدويلات والحكام، فلا سمعَ ولا طاعة ولا بيعة. واستدلَّ بما أخرج الحاكم والطبراني عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تسمَعُ للأميرِ الأعظَم وإنْ ضربَ ظهرك وأخذَ مالك» (١).
وكشف هذه الشبهة من ثلاث جهات (٢):
الجهة الأولى: أن النصوص العامة في السمع والطاعة للحاكم لم تفرِّق بين أن تكون دول المسلمين دولة واحدة أو أكثر، فبدلالة العموم يُسمع ويطاع للحكام في الولايات والدول المتعددة.
الجهة الثانية: أنَّ على هذا أهلَ العلم كما يدلُّ عليه هديُهم العمليُّ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما قال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أنَّ كلًّا منهما ينفُذ حكمهُ في أهل ولايته كما ينفُذ حكمُ الإمام الواحد، وأما جوازُ العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين» (٣).
стр. 89
وقال شيخنا محمد بن صالح ابن عثيمين: «وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي ﷺ قال: «اسمَعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي» (١)، فإذا تأمَّر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ والأمةُ الإسلامية بدأت تتفرَّق، فابنُ الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار ابن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرفُ ضلال ناشئةٍ نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد! نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كلُّ إنسانٍ أميرُ نفسه؟!
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية - والعياذ بالله -؛ لأنَّ عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أنَّ من استولى على ناحيةٍ من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمامٌ فيها» (٢).
الجهة الثالثة: ضَعفُ الحديث الذي فيه (للأمير الأعظم) لأمرين:
الأول: أنَّ في إسناده سلام بن أبي سلام؛ مجهول جهالة حال، قال ابن حجر: «مجهول» (٣)، وقال الذهبي: «ليس بحجة» (٤).
стр. 90
الثاني: أنَّ أصل الحديث في صحيح مسلم من رواية الثقات بدون هذه الزيادة، مما يدلُّ على ضعف هذه الزيادة.
الجهة الرابعة: أنه لو صحَّ الحديث فهو محمولٌ على الأمير الأعظم في الدولة نفسها؛ لأن لكلِّ دولةٍ من الدول المتعددة أمراء وأميرًا عامًّا عليهم.
الشبهة السابعة:
حاول ابن حزم في كتابه (الفصل) أن يرد أحاديثَ الصبر على جور الحاكم الفاسق وعدمِ الخروج عليه فقال:
«كلُّ هذا لا حجَّة لهم فيه لما قد تقصَّيناه غاية التقصِّي خبرًا خبرًا بأسانيدها ومعانيها في كتابنا الموسوم بـ (الاتصال إلى فهم معرفة الخصال)، ونذكر منه - إن شاء الله - هاهنا جملًا كافية وبالله تعالى نتأيَّد؛ أمَّا أمرهُ ﷺ بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولَّى الإمام ذلك بحقٍّ، وهذا ما لا شكَّ فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإن امتنع من ذلك، بل من ضرب رقبته إن وجب عليه، فهو فاسق عاص لله تعالى، وإمَّا إن كان ذلك بباطلٍ فمعاذ الله أن يأمر رسول الله ﷺ بالصبر على ذلك؛ برهانُ هذا قول الله :
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقد علمنا أن كلام رسول الله ﷺ لا يخالفُ كلام ربِّه تعالى، قال الله :
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فصحَّ أن كلَّ ما قاله رسول الله ﷺ فهو وحيٌ من عند الله ، ولا اختلافَ فيه ولا تعارض ولا تناقض، فإذا كان هذا كذلك فيقينٌ لا شك فيه يدري كلُّ مسلم
стр. 91
أنَّ أخذَ مال مسلم أو ذميٍّ بغير حقٍّ، وضربَ ظهرهِ بغير حقٍّ إثمٌ وعدوانٌ وحرام، قال رسول الله ﷺ : «إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكم حرامٌ عليكم» (١)، فإذْ لا شكَّ في هذا، ولا اختلافَ من أحد من المسلمين، فالمسلم مالُه للأخذ ظلمًا وظهرهُ للضَّرب ظلمًا، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأيِّ وجهٍ أمكَنه معاونٌ لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرامٌ بنصِّ القرآن، ثم قال: وأما الأحاديث فقد صحَّ عن رسول الله ﷺ : «مَنْ رأى منكم منكرا فليغيِّرهُ بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلكَ أضعفُ الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان شيء» (٢).
وصح عن رسول الله ﷺ : «لا طاعةَ في معصيةٍ؛ إنَّما الطاعة في المعروف» (٣)، «وعلى أحدكم السَّمع والطاعة ما لم يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (٤)، وإنه ﵇ قال: «مَنْ قُتل دون مالهِ فهو شهيد، والمقتول دون دينه شهيد، والمقتول دون مظلمة شهيد»، وقال ﵇: «لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليعُمنَّكُم الله بعذاب من عنده».
فكان ظاهر هذه الأخبار معارضًا للآخر، فصحَّ أنَّ إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى لا يمكن غير ذلك، فوجبَ النظر في أيِّهما هو الناسخ، فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهيُ عن القتال موافقةً لمعهود الأصل، ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأُخر واردةً بشريعة
стр. 92
زائدةٍ وهي القتال هذا ما لا شكَّ فيه = فقد صحَّ نسخُ معنى تلك الحاديث ورفعُ حكمها حين نطقهِ ﵇ بهذه الأُخَر بلا شك، فمن المحال المحرَّم أن يؤخذَ بالمنسوخ ويتركَ الناسخ، وأن يؤخذَ الشكُّ ويُترك اليقين.
ومَن ادَّعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة، فقد ادَّعى الباطل وقَفا ما لا علمَ له به، فقال على الله ما لم يعلم. وهذا لا يحلُّ ولو كان هذا لما أخلا الله هذا الحكمَ عن دليلٍ وبرهان يبيِّن به رجوعَ المنسوخ ناسخًا؛ لقوله تعالى في القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وبرهانٌ آخر وهو أنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩]، لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرضُ قتالِ الفئة الباغية مُحكَمةٌ غير منسوخة، فصحَّ أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقًا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت، وما كان مخالفًا لها فهو المنسوخ المرفوع، وقد ادَّعى قومٌ أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان.
قال أبو محمد: «وهذا باطلٌ متيقَّن لأنه قولٌ بلا برهان، وما يعجز مدَّعٍ أن يدَّعي في تلك الأحاديث أنها في قومٍ دون قوم، وفي زمانٍ دون زمان، والدَّعوى دون برهان لا تصحُّ، وتخصيصُ النصوص بالدعوى لا يجوز؛ لأنه قولٌ على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنَّ سائلًا سأله عَنْ مَنْ طلبَ ماله بغير حقٍّ فقال ﵇: «لا تُعطِه»، قال: فإنْ قاتلَني؟ قال: «قاتِلْه»، فإنْ قتلتُه؟ قال: «إلى النار»، قال: فإنْ قتَلنَي؟ قال: «فأنت في الجنة» (١)، أو كلامًا هذا معناه،
стр. 93
وصحَّ عنه ﵇ أنه قال: «المسلمُ أخو المسلم لا يسلبهُ ولا يظلمه» (١).
وقد صحَّ أنه ﵇ قال في الزكاة: «مَنْ سألهَا على وجهها فلْيُعطَها، ومَن سألَها على غير وجهها فلا يُعطَها» (٢)، وهذا خبر ثابت رويناه من طريق الثقات عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ ، وهذا يُبطلُ تأويلَ من تأوَّل أحاديثَ القتال عن المال على اللصوص لا يطلبون الزكاة، وإنما يطلبه السلطان، فاقتصر ﵇ معها إذا سألَها على غير ما أمرَ به ﵇، ولو اجتمع أهلُ الحقِّ ما قاومهم أهلُ الباطل؛ نسأل الله المعونة والتوفيق» (٣).
إنَّ ملخص كلامه وحُجَجه ما يلي:
الأول: أن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، قال: «والسماحُ له بأخذ المال وضَربِ الظهر تعاونٌ على الإثم والعدوان».
الثاني: استدلَّ بعموم الأدلة في أمورٍ؛ منها وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: يجبُ أن يُنكَر على الحاكم ظُلمه.
الثالث: استدلَّ بأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق وقال: إنَّ عدم إنكار المنكر طاعةٌ له في ترك واجب، وهو إنكار المنكر، وإنَّ عدمَ منعهِ من الضرب بغير حقٍّ، وأخذَ المال بغير حقٍّ = من طاعته في معصية الله؛ لأن الواجب منعه.
الرابع: تمسَّك بالنسخ فقال إنَّ الأدلة الناهية عن قتاله والخروج عليه منسوخة بمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى
стр. 94
الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ونحوها.
وكشفُ المغالطات في كلام ابن حزم بما يلي:
أما المغالطة الأولى والثانية؛ وهي الاستدلال بالأدلة في إنكار المنكر وعدم التعاون على الإثم والعدوان، فيقال: الجوابُ عليها من أوجه:
الوجه الأول: أنها أدلة عامة؛ والأدلة في الصَّبر على جَور الحاكم خاصة، والخاصُّ مقدَّم على العام.
الوجه الثاني: أنه لو قدّر عدم تخصيصها فإنه يتعينُ عدمُ العمل بها؛ لأن إنكار المنكر إذا ترتَّب عليه منكَرٌ أكبر وجبَ تركُه، وتركُ السمع والطاعة يترتَّب عليه منكر أكبرُ كما تقدَّم نقلُه عن أهل العلم، ودلَّت عليه الحوادثُ والوقائع.
الوجه الثالث: أنَّ أهل السنة مجمعون على السمع والطاعة للحاكم المسلم والصبر على جَوره، والإجماعُ قطعي الدلالة لا يخصَّصُ ولا يُنسخ (١).
стр. 95
الوجه الرابع: كلام الصحابة كثيرٌ في الصَّبر على جَور الحاكم المسلم؛ كعمر ابن الخطاب وأبي مسعود وابن مسعود وابن عباس وغيرهم - وقد تقدَّم - وفهمُ الصحابة مقدَّمٌ على فهم مَنْ بعدهم.
أما المغالطة الثالثة؛ فكَشفُها يتضح بكشف الشبهتين السابقتين ويُزاد عليهما بأن يقال: لا تجوز طاعة المخلوق في معصية الخالق سواء كان حاكمًا أو محكومًا، لكنْ فرقٌ بين فعل المعصية التي يطلبها السلطان، وبين فعل السلطان المعصية في غيره بأن يضربَ ويأخذ المال بغير حق.
قال ابن المنذر: «وهذا يقول عوام أهل العلم إنَّ للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله، إذا أُريد ظلمًا، للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، لم تخصَّ وقتًا دون وقت، ولا حالًا دون حال؟ إلَّا السلطان، فإنَّ جماعةَ أهل الحديث كالمجمعين على أنَّ من لم يمكنه أن يمنعَ نفسه وماله إلَّا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه، للأخبار الدالة عن رسول الله ﷺ التي فيها الأمرُ بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وترك قتالهم، والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة» (١)، وقد نقل كلامَ ابن المنذر هذا الحافظُ ابن حجر، وأقرَّه (٢).
أما المغالطة الرابعة؛ وهو ادعاؤه النسخ فيقال من المتقرِّر أصوليًّا أنه لا يُصار إلى النسخ إلَّا بشرطين:
الشرط الأول: عدم إمكان الجمع.
стр. 96
والشرط الثاني: معرفة المتقدِّم من المتأخر (١).
وكلا هذين الشرطين غيرُ موجودٍ في ما ادَّعاه ابن حزم؛ فليس هناك ما يدلُّ على تأخُّر ما ذكَرهُ من أدلة؛ ثم الجمعُ ممكنٌ وهو بما تقدَّم ذِكرهُ من أن الخاصَّ مقدَّم على العام.
والقول بالنسخ لا يُعرف إلَّا عن ابن حزم، ولم أر أحدًا سبقه إليه.
الشبهة الثامنة:
«أنه يُخرج على الحاكم إذا حكمَ بغير ما أنزل الله، أو استعان بالكفار وهكذا … ».
وكشف هذه الشبهة اختصارًا أن يقال:
إنَّ التكفير بمثل هذه الأمور - ما عدا الحكم بغير ما أنزل الله - تكفيرٌ بمسائل فيها خلاف بين أهل العلم، ومن القواعد المتقررة أنَّ اختلاف أهل العلم في التكفير بأمر = تأويلٌ يمنع تكفير المعين - وقد تقدَّم نقلُ كلام أهل العلم في هذا -.
ومما يؤكد هذا أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يُدرأ عن المعين بشبهة الخلاف، والله أعلم.
مع التنبه إلى أنَّ التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله لمجرَّد الحكم لم يقُلْ به إلَّا
стр. 97
الخوارج؛ وهو خلافُ قول أهل السنة كما تقدم من كلام الإمام ابن باز (١).
الشبهة التاسعة:
أن الذي أمر الله بطاعته (أولو الأمر)؛ ولفظُ (أولو) لا مفردَ له؛ فليس مفرده (ولي الأمر)، بل هذا لا يُعرف في اللغة، لذا يكون السمع والطاعة لجماعةٍ لا لفرد؛ وهم أهلُ الشورى أو المجلس التشريعي وهكذا …
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنَّ هذا مخالف للأدلة الشرعية الكثيرة التي علَّقت السمع والطاعة للحاكم المفرد، كحديث عوف بن مالك: «ألَا مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآهُ يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليكْرَه ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (٢).
وحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمَعوا وأطيعوا، وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبشي، كأنَّ رأسَهُ زبيبة» (٣).
الوجه الثاني: أنه مخالف لإجماعات أهل السنة، وعقيدتهم التي علَّقت الأمرَ برجلٍ واحد. وتقدَّم نقله (٤).
الوجه الثالث: أن المراد (بأولي الأمر) العلماء والأمراء، وهؤلاء جماعة وليسوا واحدًا.
стр. 98
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «و (أولو الأمر) أصحابُ الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشتركُ فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء» (١).
والتعبير بلفظ (ولي الأمر) وإن لم يكن معروفًا في اللغة إلَّا أنَّ العلماء عبَّروا به؛ ولا مُشاحة في الاصطلاح.
قال النووي: «وفي مراجعة عائشة جوازُ مراجعة ولي الأمر على سبيل العرضِ والمشاورة والإشارة بما يظهرُ أنه مصلحة، وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة، ومثلُ هذه المراجعة مراجعة عمر ﵁» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كما يطلب الطالبُ من ولي الأمر أن يرسلَ رسولًا، أو يولي نائبًا، أو يعطي أحدًا» (٣).
وقال أيضًا: «لأن نصرَ المسلم واجبٌ على كلِّ مسلم بيده ولسانه، فكيف على ولي الأمر» (٤).
الشبهة العاشرة:
لا تُقر البيعة إلا لمن اجتمع عليه الناس كلُّهم، فإنه لما سئل الإمام أحمد عن حديث «مَنْ ماتَ وليس لهُ إمامٌ مات ميتةً جاهلية»، ما معناه؟ قال أبو عبدالله: «تدري ما الإمام؟ الإمامُ الذي يُجمع المسلمون عليه؛ كلُّهم يقول: هذا إمام،
стр. 99
فهذا معناه» (١).
فعلى هذا لا بيعة لهؤلاء الحكام؛ لأنه لم يجتمع الناس كلهم عليهم.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم تقرير جواز البيعة للحكام إذا تعدَّدت الدول (٢)، فلو قُدِّر أن كلام الإمام أحمد على خلاف هذا لرُدَّ كلامه، فإنَّ العبرة بالحجَّة والدليل. كيف وكلامه ليس كذلك قطعًا وحاشاه أن يتبنَّى ما يخالفُ معتقد أهل السنة وهو إمامٌ في السنة.
الوجه الثاني: تقدَّم كلامُ الإمام أحمد في صحَّة البيعة للحاكم حتى للمتغلب (٣)، وأنَّ من خالفَ في ذلك فهو مبتدع، ويدخل في كلامه أهلُ زمانه، ومن المعلوم أنَّ ولايات المسلمين في زمانه متعدِّدة فلم يجتمعوا على حاكمٍ واحد.
قال ﵀: «ومَن خرجَ على إمام من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأي وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة = فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالفَ الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإنْ ماتَ الخارجُ عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدع على غير السنة» (٤).
стр. 100
ويؤيد ذلك أن الإمام أحمد تكلَّم في الحسن بن صالح بن حي - كما سيأتي (١) - لأنه رأى السيف مع أنَّ الحكام ذاك الزمن متعدِّدون، فلم يجتمع المسلمون كلُّهم على حاكم واحد.
الوجه الثالث: أنه يريد بهذا - والله أعلم - الردَّ على البيعات السِّرية لتولِّي الحكم، فلو اجتمع قومٌ وجعلوا لهم حاكمًا فلا يعدُّ حاكمًا بهذه البيعة، ويدل لذلك أنَّ الإمام أحمد أثبتَ البيعة لمن غلَب، بل وحكى الإجماعَ عليها - كما تقدَّم - (٢).
قال أبو يعلى: «وقد أومَأَ أحمد إلى إبطال الإمامة بذلك في رواية أبي الحارث: في الإمام يخرجُ عليه مَنْ يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قومٌ ومع هذا قومٌ؛ مع من تكون الجمعة؟ قال: مع من غلب.
وظاهرُ هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلَبهُ زالت إمامةُ الأول، لأنه قال: الجمعة مع مَنْ غلب. فاعتبر الغلبة» (٣).
الوجه الرابع: أنه قد يُراد بكلام الإمام أحمد بيانُ بماذا تنعقد البيعة، وأنها لا ترجع إلى عددٍ معين من أهل الحلِّ والعقد، بل ترجعُ إلى جميعهم، قال الماوردي: «فأما انعقادُها باختيار أهل الحلِّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَنْ تنعقدُ به الإمامة منهم على مذاهبَ شتَّى، فقالت طائفة: لا تنعقد إلَّا بجمهور أهل العقد والحلِّ من كلِّ بلد؛ ليكون الرِّضاءُ به عامًّا، والتسليمُ لإمامته إجماعًا، وهذا مذهبٌ مدفوعٌ ببيعة أبي بكر ﵁ على الخلافة باختيار مَنْ حضرها ولم ينتظر ببيعته
стр. 101
قدوم غائبٍ عنها.
وقالت طائفة أخرى: أقلُّ مَنْ تنعقدُ به منهم الإمامة خمسةٌ يجتمعون على عَقدها، أو يعقِدُها أحدُهم برضا الأربعة» (١).
وقال أبو يعلى: «فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلِّ والعقد فلا تنعقد إلَّا بجمهور أهل الحلِّ والعقد. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: «الإمامُ الذي يجتمع قول أهل الحلِّ والعقد عليه كلُّهم»، يقول: هذا إمام، وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم. وروي عنه ما دلَّ على أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد» (٢).
الشبهة الحادية عشرة:
أن العلماء ذكروا شروطًا مُجمَعًا عليها للحاكم والسلطان، فمن لم توجد فيه هذه الشروط فلا ولاية له.
وكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه يرجع إلى هذه الشروط عند الاختيار، أما عند الغلبة والقهر، فلا يُرجع إلى هذه الشروط بما أنه مسلم بالإجماع كما تقدم (٣).
الشبهة الثانية عشرة:
أنه لا يشترط أن تكون الإمامة في قريش وأن الأحاديث إنما ذَكرت القرشية إخبارًا لا حُكمًا شرعيًا يرادُ منه حصرُ الولاية في قريش.
стр. 102
وكشف هذه الشبهة بطريقتين:
الطريقة الأولى: ثبت بالأدلة أنَّ الحكم والولاية في قريش من أوجه:
الوجه الأول: الذي قرر أن الأئمة في قريش هو رسول الله ﷺ .
قال معاوية ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إنَّ هذا الأمرَ في قريش لا يُعاديهم أحد، إلا كبَّهُ الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (١).
وقال عبد الله بن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقي منهم اثنان» (٢).
وقال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ : «الناسُ تبَعٌ لقريشٍ في هذا الشأن، مسلمهُم تبَعٌ لمسلمهِم، وكافرُهم تبعٌ لكافرِهم» (٣).
الوجه الثاني: أنَّ كتب الاعتقاد ذكرت أن الأئمة من قريش؛ فهي عقيدة مجمَعٌ عليها عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة.
قال حرب الكرماني وهو يحكي عقيدة السلف: «والخلافة في قريش ما بقيَ من الناس اثنان، ليس لأحدٍ من الناس أن ينازعَهُم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا يقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة» (٤).
وقال البربهاري: «والخلافة في قريشٍ إلى أن ينزل عيسى ابن مريم» (٥).
стр. 103
الوجه الثالث: أن أهل العلم الذين كتبوا في غير الاعتقاد أجمعوا على هذا الشرط، ولم يخالف فيه إلَّا أهل البدع، ومن أهل العلم هؤلاء:
١ - القاضي عياض، قال: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّةٌ أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا؛ قرنًا بعد قرنٍ إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومَن وافقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله: إنَّ غير القرشي من النبط وغيرهم يقدَّم على القرشي، لِهَوان خلعهِ إذا وجب ذلك؛ إذ ليست له عشيرة تمنعه، وهذا كلُّه هُزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (١).
٢ - النووي، قال: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أنَّ الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عَقدُها لأحدٍ من غيرهم، وعلى هذا انعقدَ الإجماع في زمن الصحابة؛ فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (٢).
٣ - وأقرَّ ابن حجر الإجماع، فقال بعد أن نقلَ الإجماع عن القاضي، وذكر ما يُوهِمُ نقضَه: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم.
وأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته والله أعلم» (٣).
стр. 104
٤ - المناوي، قال: «فلا يصحُّ عقد الخلافة لغيرهم، وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم؛ وهو حكمٌ مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (١).
الطريقة الثانية: الردُّ على قولهم: «إنَّ النصوص ذكرت القرشية من باب الإخبار وأنه لا يستفاد منها اشتراط القرشية في الولاية» من أوجه:
الوجه الأول: أنَّ النصوص ظاهرة في توعُّد مَنْ خالفَ هذا، ومثله لا يقال: إنه من باب الإخبار؛ وهو قول النبي ﷺ : «لم ينازعهم فيه أحدٌ إلا كبَّهُم الله في النار» (٢).
الوجه الثاني: لو قدّر أن النصوصَ ذكرته إخبارًا، فالمرادُ به الطلب كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ فهذا خبر يُراد به الطلب، كما هو مقرَّر في كتب أصول الفقه.
الوجه الثالث: أنَّ اشتراط القرشية في الولاية عقيدةٌ سلفية، والسلفُ لا يُجمعون على باطل كما تقدَّم نقله عنهم (٣).
стр. 105
الوجه الرابع: أنَّ هذا إجماعُ أهل العلم، والإجماعُ حجَّة ولا يكون إلَّا حقًّا وما سواه باطل - وتقدَّم حكاية الإجماعات - (١).
تنبيه:
هذا الشرط يسقط لمن ثبت حكمهُ واستقرَّ بالغلبة بإجماع أهل العلم من أهل السنة، وقد تقدَّم ذِكرُ الإجماعات (٢).
الشبهة الثالثة عشرة:
«أنه لا يشترط أن يكون الحاكم والسلطان من قريش».
واعتُمد في ذلك على أمور:
الأمر الأول: أنَّ اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفًا، ولا معلومًا بين الصحابة، لذا نازع فيها الأنصار في حادثة السقيفة وطلبوها وهم ليسوا من قريش، وأيضًا لم يحتجَّ عليهم أبو بكر وعمر بالأدلة في أن الأمر في قريش.
الأمر الثاني: أنه لا إجماع على شرط القرشية لذا شككَّ في هذا الحافظ ابن حجر؛ لما رُوي عن عمر أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وأيضًا يدلُّ على هذا فعلُ الفقهاء الخارجين في فتنة ابن الأشعث فقد استشكل ابن كثير (٣) كيف بايع فقهاءُ العراق وخيارُ التابعين فيها ابنَ الأشعث ولم يكن من قريشٍ بل من كندة؟ وفيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وكثير من قريش!
стр. 106
الأمر الثالث: أن النصوص الواردة أشبه بالأخبار منها بالأحكام، كما فهم هذا الأنصار، وقد روى ابن أبي شيبة (١) عن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفه رسول الله ﷺ »، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد (٢) من طريق أبي رافع أن عمر قال: «لو أدركني أحدُ رجلين ثم جعلتُ هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح»، قال أحمد شاكر:
«إسناده صحيح ورواه أحمد (٣) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: فإن أدركَني أجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل»، قال الحافظ: «رجاله ثقات» (٤) اهـ.
وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: لو قدّر أنه لا إجماعَ على هذا الشرط، لكن قد دلَّت الأدلة على ذلك، ولا يشترطُ في العمل بالدليل واعتقاده أن يكون مُجمعًا عليه، فإنَّ الحجَّة في الدليل إذا ثبتَ روايةً ودرايةً؛ قال معاوية قال رسول الله ﷺ : «إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ لا يُعاديهم أحدٌ، إلَّا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (٥).
стр. 107
وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقيَ منهم اثنان» (١).
وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «الناسُ تبَعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبعٌ لمسلمهم، وكافرُهم تبعٌ لكافرهم» (٢).
الوجه الثاني: أنَّ اعتقاد الإمامة في قريش دون غيرهم مقرَّرٌ في كتب العقائد عند أهل السنة، فهو أمرٌ عقَديٌّ مجمَعٌ عليه عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة. كما تقدم بيانه (٣).
الوجه الثالث: حكى الإجماع على هذا المعتقد جمعٌ من أهل العلم في غير كتب الاعتقاد.
١ - القاضي عياض قال ﵀: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّة أنَّ الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا قرنًا بعد قرن إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومن وافَقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش.
وذكرَ أشياء ثم قال: وهذا كله هزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (٤).
стр. 108
٢ - النووي قال ﵀: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أن الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عقدُها لأحد من غيرهم؛ وعلى هذا انعقدَ الإجماعُ في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (١).
٣ - أقرَّ ابن حجر الإجماع فقال بعد أن نقل الإجماع عن القاضي عياض، وذكر ما يوهِمُ نقضَهُ: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم.
وأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابةُ غير القرشي في حياته والله أعلم» (٢).
٤ - المناوي قال ﵀: «فلا يصحُّ عقدُ الخلافة لغيرهم؛ وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم، وهو حكم مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (٣).
وما ذُكر اعتراضًا على هذا الإجماع فهو كالتالي:
الاعتراض الأول: قصة عمر في أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة؛ وهم ليسوا من قريش.
وقد استدلَّ عليه بروايتين عن عمر ﵁:
стр. 109
الرواية الأولى: أخرج أحمد (١) أن عمر قال: «لو أدرَكني أحدُ رجلَين، ثم جعلتُ هذا الأمر إليه لوثقتُ به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح».
وهذه الرواية لا تصح؛ لأن في الإسناد علي بن زيد بن جدعان؛ ضعَّفه ابن سعد والإمام أحمد وابن معين والرازيان والجوزجاني والنسائي وابن خزيمة وابن عدي والدار قطني وغيرهم (٢)؛ لذا قال الحافظ في التقريب: «ضعيف».
وقال الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (٣) عند ذكرهِ لهذه الرواية: «هذا الإسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه، وعلي بن زيد بن جدعان له غرائب وإفرادات».
إذا عرف ما تقدَّم ذكرهُ عُرفَ أن قول أحمد شاكر في تخريج المسند: «إسناده صحيح» (٤)، فيه نظر لما تقدَّم من بيان حال علي بن زيد بن جدعان (٥).
ثم لو قدّر أن رواية علي بن جدعان صحيحة فإنها مخالفة للأحاديث الأخرى وللإجماع؛ مما يجعلُها من الضعيف الذي أخطأ فيه ابن جدعان؛ لأنه لو قيل بثقة
стр. 110
علي بن زيد فلا بدَّ أنَّ عنده أوهامًا جعلَتْ جمعًا من الأئمة يتكلمون فيه؛ فيكون هذا من أوهامه.
وأخيرًا قد حملَ ابن قتيبة تولية سالم على تولية إمامة الناس في الصلاة وقتَ الشورى إلى أن يختاروا خليفة. وقد ذكرَ ما يدلُّ على هذا التوجيه (١).
الرواية الثانية: قول عمر: «فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذ بن جبل» (٢).
هذا الأثر مما لا يصح أن يُعترضَ به، لأنه لا يصحُّ، وقول الحافظ: «بسند رجاله ثقات» لا يعني أنه صحيح، فإنه لو كان صحيحًا عنده لبين ذلك، ولما اكتفى بقوله: (رجاله ثقات) (٣)، أما قوله: «وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه»، فيقال: إنَّ أكثر هذه المراسيل من