← Акыда

Акыда · id 10423

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

محمد أمان الجامي

Полный текст (383 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ممن بلده. فغادر الشيخ (العيينة) إلى (الدرعية) سنة ١١٥٨، فنزل على بعض أعيان الدرعية يقال له: (عبد الرحمن بن سويلم) وبعد أيام علم به أمير الدرعية الأمير (محمد بن سعود) ، فجاء إلى الشيخ مع بعض إخوانه وأتباعه فزاروا الشيخ فدعاهم إلى التمسك بعقيدة التوحيد الخالص، وبين لهم أن التوحيد هو الذي بعث الله الرسل من أجله، وأنه قد ضعف اليوم في قلوب الناس، وتلا عليهم عدة آيات من القرآن، ودعا للأمير، ورجا من الله أن يكون إمام يجتمع عليه المسلمون بعد ذلك التفرق، وأن تكون له السيادة والملك لذريته من بعده. فشرح الله صدر الأمير محمد بن سعود، فقبل الدعوة، وأحب الشيخ، وبشره بالنصرة والوقوف معه على من خالفه في دعوته وإصلاحه. وتعاهدا وقدم كل واحد منهما ما لديه من الشروط، فواصل الشيخ عمله في الدعوة والإصلاح، والأمير يتابع الدعوة حاملاً سيفه على من يعاند الحق، فظهر أمر الشيخ وانتشرت دعوته فوفدت عليه الوفود، حتى ندم ابن معمر على ما فعل فجاء إلى الشيخ فاستسمح الشيخ ﵀ فسامحه فأقبل الناس على العلم والعبادة والجهاد. ثم أخذ الشيخ يراسل الرؤساء والأمراء والقضاة. فمنهم من أطاع فرجع إلى الحق، ومنهم من عاند وسخر من الدعوة. وتلك سنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير منذ بدأت الدعوة على وجه الأرض. هكذا بدأ ابن عبد الوهاب دعوته وإصلاحه، فنشر العلم وألف كتباً ورسائل أكثرها كانت في توحيد العبادة الذي يرى الشيخ - كما هو الواقع- أن حاجة الناس إليه أمس من حاجتهم إلى أي علم آخر. ولما علم الشيخ أن بعض المغرضين أشاعوا عنه خلاف واقعه في دعوته في عقيدته، في موقفه من الأئمة، وفي عقيدته في القضاء والقدر، وموقفه من أصحاب رسول الله ﷺ ، بل موقفه من التمسك بالسنة، وعقيدته في الأسماء

стр. 107

والصفات. لما علم ذلك كتب رسائل كثيرة في هذه المسائل وغيرها وأرسلها في الأقطار، حتى تعرف الناس حقيقة دعوته وعقيدته. وقد سجلت أكثر هذه الرسائل أو كلها في كثير من تراجم الشيخ. ولما أن أكثر موضوعات تلك الرسائل لا تتصل بموضوع بحثي، ولأن نقلها أو تلخيصها يؤدي إلى التطويل الممل، أكتفي بنقل رسالة واحدة هي في صميم بحثنا (رسالته في الأسماء والصفات) أنقلها بنصها لأن ذلك أبلغ في المراد. بعد البسملة والحمد لله: الذي نعتقده وندين الله به، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وأصاحبهم ﵃. وهو الإيمان بآيات الصفات وأحاديثها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ١. وقدر الله لأصحاب نبيه، ومن تبعهم بإحسان، الإيمان، فعُلِم قطعاً أنهم المراد بالآية الكريمة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٢، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣. فثبت بالكتاب أن من اتبع سبيلهم فهو على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فمن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله وأسمائه

стр. 108

التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله، أو على لسان رسوله ﵊ من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها ولا تشبه بصفات المخلوقين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها١، وأخذ ذلك الأخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، وحذرونا عن اتباع طريق أهل البدع والاختلاف الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار رسول الله ﵊، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها، ولم يشبهوا بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، بل زجروا من سأل عن المتشابه وبالغوا في كفّه تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب٤. ولما سئل مالك ﵀ عن الاستواء، أجاب بمقالته المشهورة، وأمر بإخراج الرجل. وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات،

стр. 109

مثل النزول والمجيء واليد والوجه، وغيرها. فيقال في النزول: النزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة. وثبت عن الربيع بن سليمان قال: سألت الشافعي ﵁ عن صفات الله تعالى، فقال: حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحُدّه، وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ﵊ اهـ. وثب عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يصفون ربهم بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات، ولا يعتقدون بها تشبيها بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية. وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا في نفي النقائص بقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١، وبقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢. وثبت عن الحميدي شيخ البخاري وغيره من أئمة الحديث أنه قال: "أصول السنة: فذكر منها أشياء وقال: ما نطق به القرآن والحديث، مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ

стр. 110

مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ١، ومثل: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نرده ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة. ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . ومن زعم غير هذا فهو جهمي. فمذهب السلف - رحمة الله عليهم - إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، ولا تشبيه، فكذلك الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم. ولو ذهبنا نذكر كل ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لطال الكلام جداً، فمن كان قصده الحق، وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه. ومن كان قصده الجدال والقيل والقال، لم يزده التطويل إلى الخروج عن سواء السبيل والله الموفق اهـ. وبعد: فهذه واحدة من تلك الرسائل التي كان الشيخ يشرح فيها دعوته ويبين عقيدته في باب الأسماء والصفات، وله رسائل أخرى أوضح فيها موقفه وعقيدته في الأبواب الأخرى، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وفي هذه الرسالة أثبت الشيخ أن من سبيل الصحابة الإيمان بصفات الله وأسمائه دون تأويل ودون تجاوز للكتاب والسنة. هذه طريقة الإمام أحمد بن حنبل ومنهجه، حيث يقول: "لا يتجاوز الكتاب والسنة في باب صفات الله" أو عبارة قريبة منها. أعود فأقول: أثبت الشيخ أن هذا سبيلهم ومذهبهم بقوله: "والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إليها القرآن العظيم،

стр. 111

وأخبار رسول الله ﷺ ، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها. ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها". إلى آخر ذلك الاستدلال الدقيق الذي يدل على فقه عميق، وهو يشبه كما ترى أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستدلال وتلميذه ابن القيم ﵏ جميعاً اللذين تخرج الشيخ على كتبهما كما تقدم. وعلى الرغم مما كتبه الشيخ من الكتب والرسائل فقد كثر النزاع حول دعوته ولا سيما في المسائل الآتية التي ركز الشيخ عليها: ١- توحيد العبودية، ويقال له الألوهية أيضاً، وقد كتب الشيخ في هذا التوحيد عدة رسائل وكتباً لأهميته وكتب فيه بعده أولاده وأحفاده بتوسع، وشرح بعضهم بعض كتب الشيخ في هذا التوحيد كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله قريباً. ٢- منع التوسل المبتدع مع إقراره بالتوسل المشروع١. ٣- منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، بقصد العبادة في مكان ما. ولا يدخل في المنع سفر طلب العلم أو سفر التجارة وزيارة الأحياء كشيوخ العلم وعباد الله الصالحين، وما في معنى هذه الأسفار مما لا يقصد فيه مكان، بل مَنْ في المكان أو ما في المكان. ٤- منع البناء على القبور وكسوتها وإسراجها، والعكوف عندها، لأن ذلك باب إلى الشرك وذريعة له كما هو معروف.

стр. 112

٥- توحيد الأسماء والصفات، وهو الذي سجلنا فيه رسالته التي شرح فيها ذلك الشرح الوافي. ٦- إنكار البدع المستحدثة في العبادة وهي أنواع كثيرة ومعروفة. وقد سبق الشيخَ في إنكارها غيرُ واحد من أهل العلم، كابن وضاح والشاطبي وغيرهما مستدلين بمثل قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". "ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"١. فهذه أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الشيخ وعلماء وقته. ولا يزال النزاع مستمراً، وإن كان قد خَفّت حدتُه كثيراً كما يظهر جلياً. استمرار الدعوة بعد وفاته، ووفاة مؤازرها: توفي الإمام المؤازِر للدعوة محمد بن سعود ﵀ سنة ١١٧٩هـ، ثم توفي الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب سنة ١٢٠٦ ﵀. وهل ماتت الدعوة بموتهما أو تأثرت؟ (لا) . مما يلاحظ في التاريخ أن أي دعوة يقوم بها بعض المصلحين أو المجددين تموت أو تضعف ثم تتلاشى مع الزمن، إذا مات صاحب الفكرة ومنشئ تلك الدعوة. وهناك دعوة لا تموت يموت الداعية المسئول عن الدعوة، فإذاً لا بد من معرفة الفرق بين الدعوة التي تموت بموت صاحبها، والدعوة التي تبقى بعده، بل تسير ولا تقف وتعمل عملها ولبيان ذلك نقول: هما دعوتان: ١- دعوة أنشأها مفكر مّا بعد أن فكر كثيراً وخطط ووضع لدعوته شروطاً ولوائح، حيث رأى أنها صالحة لخدمة الأمة، أو لخدمة جماعة من

стр. 113

الناس، ثم سعى في إقناع مجموعة من الناس بفكرته وصالحيتها، وبيان أهدافها، فاتبعوه فصاروا من حزبه وأنصار دعوته، فلا يخلو الأمر بالنسبة لاستمرارية هذه الدعوة أو عدم استمراريتها بعد موت صاحبها من إحدى حالتين: الحالة الأولى: أن يموت صاحب الدعوة قبل أن يربي له من يخلفه، ويقود الدعوة من بعده. ففي هذه الحالة تموت الدعوة فور موت صاحب الفكرة، ولا محالة في قضية مسلمة عقلاً. الحالة الثانية: أن يكون صاحب الفكرة، وقد وجد من يخلفه وهو مؤهل للقيادة ومتفاعل مع الدعوة. ففي هذه الحالة قد تحيى الدعوة فترة من الزمن قد تطول، وقد تقصر، ولكنها تتلاشى مع الزمن وتتأثر وتفقد قيمتها، ثم تختفي. والتاريخ خير شاهد على ما قلت. لأن أساسها (فكرة) رجل وتخطيط بشر، والمفكر المخطط لها قد مات وانتهى، فهي إذاً لا بد أن تنتهي ولا محالة. والشواهد كثيرة في واقع العالم المعاصر ولا حاجة إلى سردها، بل أستحسن إجمالها. لأنتقل فوراً - بعد هذا الاستطراد- إلى الدعوة التي نحن بصدد الحديث عنها. ٢- الدعوة الثانية: دعوة قام بها مصلح مجدد بيد أن معنى التجديد هنا يختلف عن معناه في الدعوة الأولى، فالدعوة الأولى -كما قلنا- أساسها فكرة بشر، وهي تحاول أو تدعي أو تأتي أما الدعوة الثانية فأساسها دين إسلامي ثابت وقائم بالفعل، ولكن صاحبها لاحظ أن المسلمين هجروا تعاليمه أو بعضها إذ رآهم هجروا كتاب الإسلام (القرآن) وأهملوا سنة نبيهم، فلم يعد القرآن مرجعاً لهم في عقيدتهم، وفي عباداتهم ومعاملاتهم وغير ذلك، ولم تكن السنة ذات قيمة

стр. 114

لديهم ومكانة. فدعاهم إلى العودة إلى الإسلام ليفهموا القرآن كما فهمه سلفهم، ويفسروه بالسنة كما فعل الأولون، ويطبقوا أحكامه ويعتقدوا عقيدته. وهذا هو معنى التجديد بالنسبة للدعوة الثانية. فليست الدعوة فكرة أو اختراعاً أو استحساناً قام به مفكر أو مصلح من عند نفسه مجتهداً لقصد الإصلاح. فمثل هذه الدعوة سوف تبقى بعد موت من قام بها، ودعا إليها -لأنها ليست (فكرة) كما قلت، وإنما هي دعوة إلى الله، وإصلاح ما فسد من شئون المسلمين وربطهم بإسلامهم ليسعدوا به في الدارين. فدعوة ابن عبد الوهاب من النوع الثاني - كما ترى- لهذا فإنها لم تمت بموت مؤازرها، والمدافع عنها بحسامه، الأمير محمد بن سعود، ثم مات المجدد المصلح الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة الإسلامية السلفية باقية، وستبقى بإذن الله ما بقي الإسلام الذي هو أساس دعوته، وقام بتجديده بالعمل به وتطبيق شريعته لأنها دعوة إلى الإسلام لا إلى (فكرة رجل) كما سبق أن بينا. ولما توفي الإمام المجدد، وقبله الأمير المؤازر سَلّمَا (الأمانة) أمانة الدعوة والإصلاح، وأمانة مؤازرتها والدفاع عنها ورعايتها، إلى أيد أمينة، وهي أيدي ذريتهما المباركة. فقام علماء آل الشيخ وتلامذتهم - تحت رعاية ملوك وأمراء آل سعود ومؤازرتهم- بمواصلة مسيرة الدعوة، فلا تزال الدعوة بخير وعلى أحسن حال -بتوفيق الله- وتسير سيراً حثيثاً حتى بلغت اليوم إلى أماكن وأقطار ما كان يُظن أنها تبلغها في عرض الدنيا وطولها. وستواصل سيرها - بإذن الله وتوفيقه - حتى تزحزح جميع الأفكار الهدامة المعارضة لها، ليعم نور التوحيد الخالص أرجاء الدنيا لأن العاقبة للمتقين. آثار الدعوة في البلاد السعودية: لدعوة محمد بن عبد الوهاب آثار محلية في البلاد السعودية -وآثار

стр. 115

خارجية. أما الآثار المحلية فمن أبرزها وأعمها نفعاً للبلاد والعباد: أ- (قيام دولة إسلامية سلفية في قلب الجزيرة العربية) التي أعلنت أن دستورها (القرآن الكريم) وحكمت بشريعة الإسلام فعلاً وحافظت على المقدسات الإسلامية - مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكنها الله في الأرض، فأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، فمنحها الله من المنعة والمهابة والتوفيق ما لم يعط غيرها، فتمتع شعبها بما لم يتمتع به أي شعب آخر من نعمة الأمن والاستقرار والرفاهية في الحياة. كل ذلك بفضل الله تعالى ومنه وكرمه، ثم بفضل تحكيم شريعة الإسلام والتمسك بالعقيدة الإسلامية، والدفاع عنها ومؤازرتها، وتشجيع القائمين عليها. ولم توجد في العالم المعاصر دعوة إسلامية قامت على منهجها دولة إسلامية غير دعوة محمد بن عبد الوهاب. وكأن الله علم -والله هو العليم- من الإمامين: ابن سعود، وابن عبد الوهاب، الصدق والإخلاص له سبحانه في عملهما، فحقق لهما أمنيتهما فحقق على أيديهما للأمة السعودية هذا الخير، ثم بارك لهما في ذريتهما حتى واصلت المسيرة فها هي الآثار تتحدث بنفسها. هكذا تجسدت تلك الدعوة السلفية في قيام الدولة السعودية الإسلامية السلفية في قلب الجزيرة العربية لتكون ملجأ لكل مضطهد في دينه في أي أرض، ولله الحمد والمنة. ب- المنهج الدراسي المتبع في السعودية: التزمت الحكومة السعودية أن يكون المنهج المقرر بالنسبة للمواد الدينية (المنهج السلفي) في جميع مراحل التعليم، أي من المرحلة الابتدائية إلى الدراسات العليا. فالشاب السعودي يبدأ في دراسة العقيدة على المنهج السلفي من السنة الأولى الابتدائية، ثم يستمر في دراسة العقيدة والشريعة الإسلامية

стр. 116

على المنهج نفسه بتوسع متفاوت ومطرد إلى درجه (دكتوراه) كما ينهج هذا المنهج الطلاب الوافدون من خارج البلاد للدراسة في الجامعات السعودية، ليتخرجوا على ذلك المنهج السلفي، وليطبقوه في بلادهم إذا رجعوا إليها ويرشدوا أمتهم إلى الخير، ويدعوهم إلى المنهج السلفي الذي أصبح غريباً لدى الكثيرين، ويدرس الطالب في المرحلة الجامعية الفرق والأديات والمذاهب الهدامة للاطلاع والازدياد من المعرفة، ومن باب: عرفت الشر لا للشر لكي أتقيه ... من لم يعرف الشر وقع فيه فلا يوجد في الجامعات السعودية -ولن يوجد إن شاء الله- منهج آخر يزاحم المنهج السلفي -كما أشرنا سابقاً- وذلك ثمرة جهاد الإمام المصلح الذي قضى على كل بدعة محدثة فإذاً يعتبر – بحق - المنهج السلفي من أعظم آثار تلك الدعوة المباركة. ومما يحرص عليه المربون دائماً أن يكون المنهج الدراسي صالحاً، لأن المنهج الصالح له أهميته وله نتائجه في تنشئة الأجيال. فإذا كان المنهج صالحاً والمعلم صالحاً، وقدوة حسنة، فقد تمت للتلميذ سعادته التعليمية، فينشأ شاباً صالحاً، وعضواً نافعاً في المجتمع. فالمجتمع الذي يتكون من مثل هؤلاء الشباب الصالحين الذين يتخرجون على أيدي الرجال الصالحين، ودرسوا ذلك المنهج السلفي الصالح، هو المجتمع المسلم حقاً الذي يفهم معنى الإسلام ويعتني به، ولا يرضى عنه بديلاً. وإذا تحققت هذه المعاني بإذن الله فيكون الفضل لله سبحانه أولاً، ثم للمصلح الذي دعا الناس إلى هذا الخير وذلك الهدى فيكون له أجر كل من عمل بذلك المنهج الذي دعا إليه، ولا ينقص من أجور العاملين شيء من الأجر، هكذا بشر الصادق الأمين ﵊ دعاة الحق حيث

стр. 117

يقول: "من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة"، ويقول ﵊: "الدال على الخير كفاعله". فنرجو للشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يكون له مثل أجر كل من عمل بهذا المنهج السلفي بعده، إذ تعتبر دعوته حجر الأساس لما يتمتع به اليوم المجتمع السعودي من سلامة العقيدة والاستقامة على الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية فيه، وما يتمتع به الطلاب السعوديون والوافدون على الجامعات السعودية من دراسة ذلك المنهج الصالح البريء من تلك السموم التي دست في كثير من المناهج الدراسية في كثير من الجامعات في العالم المعاصر، كما نسأل الله تعالى أن يثيب ذلك الإمام المجاهد محمد بن سعود وذريته المباركة، ملوك وأمراء آل سعود ويزيدهم من التوفيق وينصرهم وينصر بهم الإسلام. آثار الدعوة في العالم المعاصر: إن دعوة محمد بن عبد الوهاب تعتبر - كما يقول بعض الكتاب المعاصرين -: هي الشعلة الأولى لليقظة الإسلامية الحديثة، في العالم الإسلامي كله١. ولقد تأثر بهذه الدعوة التي وصفها هذا الكاتب - بما سمعنا - رجال لامعون في العالم العربي، وغيره في ميدان الإصلاح. نلاحظ ذلك في أقطار كثيرة، في مصر والشام وفي العراق، والقارة الهندية، وقارة أفريقيا، وفي اليمن على تفاوتهم في التأثر والاستفادة من الدعوة. فنذكر على سبيل المثال (جمال الدين القاسمي) بالشام، و (الشوكاني) باليمن. والشيخ عثمان فوديو بأفريقيا، وكان هذا في أوائل الدعوة عندما كانت تذاع حولها دعاوى مضللة.

стр. 118

أما الآن فقد ظهرت آثارها واضحة في العالم كله، حيث فتحت لها آفاق واسعة في أفريقيا، وانتشر منهجها انتشاراً يلفت النظر، فأخذت بعض المدارس الأهلية بل أكثرها تدرس نفس المتبع في المدارس السعودية. وهو المنهج السلفي الذي تحدثنا عنه في الصفحة السابقة، وكذلك الحال في القارة الهندية، حيث توجد في بعض ولايات الهند وفي باكستان مدارس وجامعات أهلية تدرس المنهج نفسه في جميع المواد الدينية، وكثر الذين ينهجون المنهج السلفي في القارتين الهندية والأفريقية من عامة الناس، ويعرفون في الهند وباكستان (بأهل الحديث) ، وفي بعض البلدان يعرفون بالسلفيين، وبأنصار السنة المحمدية، وكلهم يدعون الناس إلى العودة إلى العقيدة السلفية والعمل بالشريعة الإسلامية عقيدة وأحكاماً. ولنشاط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، دور بارز في انتشار الدعوة السلفية في تلك المناطق النائية في أفريقيا وشرق آسيا، وفي بعض الدول العربية. يتمثل ذلك في الطلاب الذي يفدون على هاتين الجامعتين من تلك الجهات فيتخرجون منها كل عام بالعشرات، ثم يعودون إلى أوطانهم لنشر الدعوة وتعليم الناس دينهم عقيدة وشريعة، فنسأل الله تعالى أن يرزق القائمين على تلك الجامعات الإخلاص ويتقبل منهم عملهم، إنه سميع مجيب.

стр. 119

المبحث الثامن: مناقشة موقف المعتزلة والأشاعرة من نصوص الصفات حقيقة المعتزلة والأشاعرة: قبل أن نشرع في مناقشة المعتزلة والأشاعرة في موقفهم من نصوص الصفات نستحسن أن نقول شيئاً عن حقيقتهم وعن أسباب التسمية لكل من الطائفتين. أولاً: الأشاعرة طائفة من أهل الكلام ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري الإمام المتكلم المعروف، وهذا اللقب ينصرف عند الإطلاق إلى أولئك الذين اتبعوه في فترة انتسابه إلى ابن كلاب، ولذا قد نطلق عليهم أحياناً "الأشعرية الكلابية". أما قبل ذلك فهو معتزلي بل إمام في الاعتزال نحواً من أربعين سنة، كما سيأتي. وبعد توبته من عقيدة الاعتزال وملازمته لابن كلاب فترة من الزمن رجع في آخر أيامه إلى مذهب السلف، فالمنتسبون إلى الأشعرية الآن هم أصحاب الطور الثاني. ثانياً: المعتزلة هم طائفة من أهل الكلام خالفت جمهور المسلمين في كثير من المعتقدات فهم أتباع أولئك الذين عرفوا بالجرأة على تأويل النصوص وعدم التقيد بظواهرها، مثل واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد وأمثالهما. وأما اعتزالهم فيدور على القواعد التالية: القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الله تعالى ذاتية أو فعلية بحيث لا يبقى إلا الوجود الذهني فيسمون ذلك توحيداً.

стр. 120

القاعدة الثانية: القول في القدر بغير علم، حتى نفوا علم الله للأشياء أزلاً وكتابته للأمور كلها فتقديره لها بمقتضى حكمته. القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، أي تنزيل مرتكب الكبيرة في منزلة وهمية بين الكفر والإيمان! القاعدة الرابعة: الخوض فيما جرى بين الصحابة من الأمور الاجتهادية التي قد أدت إلى الحرب والقتال١، تلك الأمور التي سكت عنها المسلمون قائلين: وما جرى بين الصحاب نسكت ... عنه وأجر الاجتهاد نُثْبِت٢ وأما سبب تلقيبهم بهذا اللقب، فإنه اعتزال واصل بن عطاء، ومعنى ذلك ما تذكره بعض المصادر التي تتحدث عن الفرق، أن واصل بن عطاء كان في مجلس الحسن البصري، حين سئل الحسن عن جماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العلم الصالح عندهم ليس شرطاً في الإيمان ... الخ، فأخذ الحسن يفكر، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا أقول: إن صاحب الكبيرة لا مؤمن مطلق ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن البصري، فأصغوا إليه فاستمالهم، فقال الحسن: اعتزل عنا (واصل) ، فسمي هو وأصحابه (معتزلة) ٣، لأنهم اعتزلوا المسلمين في كثير من معتقداتهم كما اعتزلوهم في مجالسهم وفارقوهم. وقيل: إن من أول من سماهم بهذا الاسم قتادة بن دعامة السدوسي (الأكمه) حين دخل مسجد البصرة، فإذا هو بعمرو بن عبيد ونفر معه، قد اعتزلوا حلقة الحسن، فلما صار

стр. 121

معهم - وهو لا يبصر- عرف أنها ليست حلقة الحسن، فقال: إنما هم المعتزلة. وهناك سبب آخر يذكره أهل العلم، وليس ببعيد من الأول: وهو اعتزالهم الطوائف الأخرى في حكم مرتكبي الكبيرة مثل المرجئة والخوارج وغيرهم. وقريب من هذا ما قاله البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) حيث قال: ثم حدث في أيام الحسن البصري وواصل بن عطاء خلاف في القدر، وفي المنزلة بين المنزلتين، وانضم إلى واصل عمرو بن عبيد في بدعته فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة، فقيل لهما ولأتباعهما: معتزلة، لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام ليس بمؤمن ولا كافر١. وقال بعضهم: المعتزلة نسبة إلى الاعتزال، وهو (الاجتناب) والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا الاسم لأن أبا عثمان عمرو بن عبيد لما أحدث ما أحدث من البدع، واعتزل مجلس الحسن البصري وجماعة معه سموا (معتزلة) ٢، وهناك رأي آخر، وهو أنهم سموا معتزلة لقولهم: إن صاحب الكبيرة اعتزل عن الكافرين والمؤمنين، فالمعتزلة على هذا هم القائلون باعتزال صاحب الكبيرة عن الكفار والمؤمنين معاً، هذا بعض ما قيل في أسباب تسمية المعتزلة بهذا الاسم. أصولهم الخمسة: لما تكونت المعتزلة بالطريقة التي ذكرناها وضعوا لهم أصولاً خمسة، امتازوا بها من بين الناس وعرفوا بها، ودعوا إليها بكل جرأة، وهي: ١- التوحيد.

стр. 122

٢- المنزلة بين المنزلتين. ٣- العدل. ٤- الوعد والوعيد. ٥- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه الأصول الخمسة يتفق عليها جميع طوائف المعتزلة على اختلاف بينهم بل لا يعتبر معتزلياً من لم يؤمن بها على تفسيرهم الفلسفي، ولو ادعى أنه منهم. يقول الخياط وهو أحد زعمائهم في القرن الثالث: "وليس يستحق أحد اسم (الاعتزال) حتى يجمع القول بالأصول الخمسة، فإذا اكتملت فيه هذه الخصال فهو معتزلي"١اهـ. ومن تلك الأصول عندهم (التوحيد) حيث فسروه تفسيراً خاصاً وفلسفياً، وبالغوا في تحليله - في زعمهم- وفي فلسفته إلى أقصى حد وصوروا للناس معنى التوحيد بأنه سلوب محض، يقشعر جسم المؤمن الذي يقدر الله حق قدره عند قراءتها أو سماعها وهي سلوب لا تتضمن أي مدح أو كمال كقولهم: ليس بجسم ولا بذي عرض، ولا طول٢، إلى آخر تلك السلوب التي أسرفوا فيه إسرافاً. ومن ثم نسب إليهم هذا التوحيد بهذا التفسير، وفي رأينا إنه ليس بتوحيد، بل هو شيء آخر غير التوحيد وإلا فلو بقي التوحيد في تصوره الصحيح وتفسيره الإسلامي السليم، الذي يتضمن النفي والإثبات والكمال المطلق لله، لما خصوا به لأنه بهذا المعنى معتقد كل مسلم، ولأنه معنى (لا إله إلا الله) بهذا المفهوم وهي كلمة التوحيد، هذا وإن الذي حمل القوم على هذا المعنى الفلسفي للتوحيد أنهم زعموا أن في القرآن آيات تتناقض في ظاهرها، إذ هناك آيات تدل على التنزيه مثل قوله تعالى:

стр. 123

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وآيات ظاهرها يدل على التجسيم مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ كما زعموا أن هناك آيات تدل على أنه ليس في جهة معينة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ ، وآيات ظاهرها يدل على الجهة مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ ، هكذا زعموا، ما أفسده من زعم، وما أفظعه من جهل مركب جريء. التنزيه عند المعتزلة: والتنزيه في نظرهم نفي صفات الكمال، وصفات الله كلها صفات كمال وتعطيل البارئ عما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله المصطفى مثل السمع والبصر والعلم والعلو والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة، فهو عكس التنزيه الصحيح لأنه إثبات تلك الصفات التي سبق ذكرها وغيرها من الصفات التي نطق بها الكتاب والسنة، وفي رأيهم أن كل من يثبت صفات الله التي وصف بها نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله المصطفى فهو مجسم ومشبه ممثل، والموحد عندهم هو ذلك الجريء الذي ينفي جميع الصفات بدعوى أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء. إنها حقائق معكوسة، وهذا يعني أن القوم لا يقيمون أدنى وزن للنصوص كما يدل بالمقابل على مدى غلوهم في تنزيه العقول وتقديسها والركوع أمامها إذا اعتبروها أنها هي الحكم والمرجع لمعرفة ما يليق بالله، وما لا يليق به، ولمعرفة ما يجوز في حقه تعالى وما يمتنع، وقد صرحوا بهذا المعنى في غير موضع فيما نقل عنهم. وإن الدارس لكتبهم يدرك أن القوم آمنوا بالعقول إيمان غيرهم بالنصوص، وإلا فكيف يسوغ لمن يؤمن بأن القرآن منزل من عند الله حقيقة، وأن السنة أوحاها الله إلى نبيه المختار الذي ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١، كيف يسوغ لمن يؤمن هذا

стр. 124

الإيمان أن يزعم أن في نصوص الكتاب والسنة ما يدل بظاهره على التجسيم؟ مدعين أنهم هم الذين استطاعوا وحدهم تصحيح ذلك التعبير الخاطئ بتأويلهم تلك النصوص تأويلاً يشبه التصحيح والتوجيه والاستدراك على الله يا سبحان الله ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ ١. ومن عدم التوفيق أن القوم أخطأوا في معنى (التنزيه) وهذا الخطأ هو الذي أوقعهم في الأخطاء الناتجة منه، من اتهام النصوص، بدلالتها على التجسيم أو على أنه تعالى محصور في جهة معينة، وغيرها من تلك العبارات الجريئة. التنزية عند السلف وبيان خطأ المعتزلة: حقيقة التنزيه أن ينفي عن الله ما لا يليق بالله شرعاً، وعقلاً، كالولد والوالد والشريك، والند والتشبيه والتجسيم وغير ذلك مما نزه عنه نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﵊. والله منزه عن كل ذلك، لكماله في ذاته وصفاته في وحدانيته وقيوميته، ولغناه المطلق عن كل ما سواه في الوقت الذي يحتاج إليه كل ما عداه، وهذا التنزيه في ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٣، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٤، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٥، وهل يوجد تنزيه أبلغ من هذا؟ وهو مشتمل على إثبات صفات الكمال، مع نفي ما لا يليق به سبحانه من معاني النقص والحاجة التي تتنافى والكمال المطلق لله سبحانه، هذا هو التنزيه الحقيقي عند أتباع القرآن والسنة.

стр. 125

وقد عرفنا قبلُ معنى التنزيه عند المعتزلة. وخلاصته الإيمان بذاته تعالى مجردة عن جميع الصفات، بل موصوفة بأنواع من السلوب التي تجعل وجود الله وجوداً ذهنياً لا حقيقه له في الخارج، أو وجوداً مجرداً أشبه بالوجود الذي وصفه به أرسطو (التأمل المحض) أي الخيال المحض. يتضح من كل ما تقدم أن القوم أعطوا لأنفسهم حرية مطلقة لا تقف عند حد ليتصرفوا في النصوص كما يريدون، وليقولوا ما يشاءون من رد للأحاديث بدعوى أنها من الآحاد، أو تضعيف لها على خلاف القواعد المتبعة عند أهل هذا العلم أو طرحها جانباً بدعوى مخالفتها للبراهين العقلية القاطعة، هكذا أصبح رد الأحاديث من أسهل الأمور عندهم. وأما الآيات القرآنية فليس وزنها أثقل من وزن الأحاديث بكثير، لأنها خاضعة لقوانينهم الكلامية وفلسفتهم اليونانية، التي سيطرت على عقولهم، وزينت لهم سوء تصرفاتهم وعملهم في نصوص الكتاب والسنة بالتحريف فيها، وإخضاعها لعقولهم التي أصبحت الدليل المعول عليه في دينهم. والقاعدة عند أهل السنة والجماعة أنه (لا يثب قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، وفي هذا المعنى روى الإمام البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمهما الله أنه قال: "من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"١اهـ. وهو كلام جامع ونافع كما ترى، بإذن الله. وهذا هو الموقف السليم شرعاً وعقلاً لأن التسليم للمتكلم في معرفة مراده أمر ضروري عقلاً إذ دلالة اللفظ على المعنى إنما هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وما عناه في نفسه لا تعرف إلا بدلالة

стр. 126

اللفظ بالوضع ابتداء، إلا إذا أخبر أنه أراد خلاف ذلك المعنى الذي دل عليه اللفظ، أو دل عليه بقرينة واضحة. ومن زعم أنه قد يفهم من كلام المتكلم خلاف ما دل عليه اللفظ دون إخبار منه أو دلالةٍ عليه بقرينة تبين أنه أراد خلاف ظاهر اللفظ، فخرج باللفظ عن ظاهره بتأويل وتكلف -كما تفعل المعتزلة- فقد أبعد النجعة، وأخطأ الطريق، وقال على الله بغير علم، وارتكب كبيرة من كبائر الذنوب إذ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ١، ويقول عز من قائل: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٢، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ ٣. وفي ضوء هؤلاء الآيات يحدد المسلم موقفه من كلام الله وكلام رسوله ﵊ وكلام غيرهما بحيث يلتزم اتباع ما أوحاه الله إلى رسوله قرآنا وسنة. وما سواهما من كلام سائر الناس ومعقولاتهم٤ يجب عرضه على ذلك الكلام الموحى من عند الله العليم الحكيم فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٥؟! ومما يوضح ذلك أن هؤلاء المعتزلة الذين يرون وجوب تأويل نصوص الصفات تأويلاً يشبه الإنكار والرد على الله سبحانه يرون في الوقت ذاته

стр. 127

الإيمان بنصوص المعاد دون أي تأويل، بل ينكرون على من يؤولها أشد الإنكار من الباطنية الذين يزعمون أن لكل نص باطناً، يختصون بفهمه وحدهم، ولا سبيل لغيرهم إلى فهمه. محاججة الباطنية للمعتزلة: ولو قالت الباطنية: - وهي تحاجج المعتزلة - إن تأويلنا لنصوص المعاد نظير تأويلكم لنصوص الصفات، بل إن نصوص الصفات أكثر وأصرح، فإذا جاز تطرق التأويل إليها فهو إلي غيرها أقرب تطرقاً، ولو حاججتهم الباطنية في هذا التناقض لوجدت المعتزلة مغلوبة مفحمة، وهو شأن كل مبطل أنكر على خصمه شيئاً، وحاول كسر باب غيره بحجر ناسياً أن باببه من (زجاج) قابل للكسر، ولنوضح المقام أكثر فأكثر نضرب مثلاً آخر فنقول: محاججة المعتزلة للأشاعرة: وللمعتزلة أن يحاججوا الأشاعرة بالأسلوب نفسه في تفريقهم بين الصفات بإمرار صفات الذات التي يثبتونها على ظاهرها على ما يليق بالله، وهي الصفات السبع التي يطلقون عليها صفات المعاني، مع دعوى وجوب تأويل صفات الأفعال كالاستواء والنزول والمجيء مثلاً، للمعتزلة أن يلزموا الأشاعرة بأحد موقفين للخروج من هذا التناقض. ١- تأويل جميع الصفات دون تفريق بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية طرداً للباب، وهي الطريقة العملية مع بطلانها. ٢- أن يغلقوا باب التأويل ويمروا نصوص الصفات على ظاهرها على ما يليق بالله فيلحقوا بالمثبتة من سلف هذه الأمة الذين عافاهم الله مما ابتلي به غيرهم من التناقض لتسليمهم لله ولرسوله ﵊ هذا المنهج السليم الموافق للعقل السليم والنقل الصحيح، ولسلامة هذا المنهج وبعده من التناقض ومن التكلف رجع إليه كثير من علماء الكلام في آخر حياتهم كما سيأتي.

стр. 128

ولأبي الوليد الأندلسي موقف فريد من المؤولة الذين يسرفون في التأويل كالمعتزلة ويدعون الناس إلى الأخذ بتأويلهم ويضرب لذلك مثلاً رائعاً حيث يقول: "ومثال من أول شيئاً من الشرع وزعم أن ما أوله هو ما قصد الشرع وصرح بذلك التأويل للجمهور، مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب العظيم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية، الذي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت العادة أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أريد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك الاسم باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعل في بدل الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه المتأول، ففسدت به أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب، فرأوا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين، فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة، فعرض منه للناس نوع رابع من المرض، غير الأمراض المتقدمة، فلما طال الزمان بهذا المركب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها، عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس، ثم قال أبو الوليد: وهذه هي حال الفرقة الحادثة في هذه الطريقة مع الشريعة، وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلاً غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه الذي قصده الشرع، حتى تمزق كل ممزق، وبعد جداً عن موضعه الأول.

стр. 129

ولما علم صاحب الشرع ﵊ أن مثل هذا يعرض - ولا بد - في شريعته قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة"١اهـ. نقول تعليقاً على هذا المثل المضروب للمتأولة: "اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً". وأبو الوليد له تجربة طويلة مع علماء الكلام وله معهم صولة وجولة، فهو خير من يشهد لهم أو عليهم. واستشهادنا بكلامه لا يعني أنه محل رضانا مطلقاً، بل يؤخذ من كلامه ويرد كغيره من الرجال، بل هو فيلسوف أرسطي ومع ذلك له كلام يؤخذ بل يقدر كما رأيت. وقريب مما أنكره ابن رشد على أهل الكلام من الإسراف في التأويل، قول سهل بن عبد الله التستري حيث يقول: لا يخرجنكم تنزيه الله إلى التلاشي ولا يخرجنكم تثبيته إلى الجسد، أي التجسيد (الله يتجلى كيف يشاء) ٢.

стр. 130

الخلاصة: ولو فحصنا الموقف جيداً لظهر لكل ذي لب فهيم مزود بالإنصاف و (الإنصاف من الإيمان) ١ أن كل من رد النقل الصحيح بدعوى أنه دليل لفظي لا يفيد اليقين، فقد رد العقل الصريح - وهو لا يشعر- ولم يبق لديه دليل يستدل به أو يحاجج به، إذ مما اتفق عليه العقلاء أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، علماً بأن النقل هو الأصل لأنه من المتفق عليه أن العقل لا سبيل له لإثبات المطالب الإلهية، على سبيل الاستقلال، بل الطريق لإثبات الصفات ينحصر في التالي: ١- صفات يكون إثباتها بالنقل والعقل معاً، وهي كثيرة مثل صفة الحياة والقدرة، والعلم والعلو مثلاً، وهي المعروفة عند الأشاعرة بصفات المعاني. ٢- صفات يكون إثباتها بالنقل فقط، ولولا النقل لعجز العقل عن إثباتها مثل صفة النزول والمجيء والاستواء على العرش مثلاً، ولا توجد صفة يتم إثباتها عن طريق العقل فقط دون النقل، فالقسمة إذاً ثنائية فقط، كما ترى. وعلى هذا فإن ما تزعمه المؤولة من المعتزة وأشباههم، من أن الدليل العقلي وهو العمدة في باب الصفات، بحيث لو تعارض العقل والنقل قدم العقل، لأنه الأصل، فزعم باطل، لما عرفنا مما تقدم من عدم التعارض بين الدليلين.

стр. 131

وهذه خلاصة ما كان عليه سلف هذه الأمة، كما أوضحنا في بيان منهج السلف في إثبات الصفات وهو واضح جداً كما تقدم. أما المعتزلة فنختم مناقشتهم بالآية الكريمة من سورة النجم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١، لإعراضهم كلياً عن النصوص واستخفافهم بها من الغلو في تقديس آراء الفلاسفة والركوع أمامها ... كما يظهر جلياً أنهم قطعوا علاقتهم بسلف الأمة إذ تراهم دائماً ينهجون منهجاً مخالفاً لمنهج السلف الصالح الذي هو التقيد بالكتاب والسنة مع اعتقاد أن العقل في حال سلامته يتبع النقل ولا يخالفه.

стр. 132

المبحث التاسع: الفصل الأول: سبب انتشار العقيدة الأشعرية واشتهارها في أثناء مناقشتنا موقف المعتزلة والأشاعرة تبين لنا أن الأشاعرة على الرغم من إثباتهم كثيراً من الصفات الذاتية، إلا أنهم ليسوا على منهج السلف الصالح في موقفهم من كثير من نصوص الصفات، إذ رأيناهم يتصرفون في النصوص بأهوائهم فيفرقون بينها، منها ما يجب تركها على ظاهرها، على ما يليق بالله تعالى، وهي النصوص التي تتضمن الصفات التي يسمونها صفات المعاني، والصفات السلبية والصفة النفسية، ومنها ما يجب تأويلها ولا يجوز إبقاؤها على ظاهرها في زعمهم لأن ظاهرها يدل على ما لا يليق بالله. بل يزعمون أن ذلك الظاهر غير مراد لله تعالى، وهي النصوص الواردة بالصفات الخبرية وصفات الأفعال ولهم تناقض ينفردون به في بعض الصفات مثل صفة الكلام وإثبات رؤية الله تعالى، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه. ومع كل ما ذكر نرى انتشار العقيدة الأشعرية بشكل ملموس بل اشتهارها بين جمهور المسلمين بأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، وما هي أسباب هذا الذيوع؟!

стр. 133

يذكر بعض المختصين المهتمين بشأن العقيدة الإسلامية لهذا الانتشار والشهرة الأسباب التالية: أ- كثرة الحق الذي عندهم بالنسبة للباطل الكثير الذي عند غيرهم، لأنهم يثبتون كثيراً من الصفات مثلاً، وزد على ذلك أن موقفهم من الصحابة يوافق موقف أهل السنة والجماعة، وموقفهم من نصوص المعاد موقف سليم أيضاً، وقد سلمت نصوص المعاد عندهم مما أصيبت به عند غيرهم من الباطنية ومن تأثر بهم من التحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل. وقد انخدع بهم كثير من علماء الفقه والحديث، فوافقهم في بعض ما ابتدعوه. ب- استعمالهم الأدلة العقلية في مواجهة المعتزلة مما أكسبهم الشعبية مع ما في طريقتهم من كثير البدع١. جـ- ضعف الآثار النبوية في تلك العصور، والآثار هي التي تنير للناس سبيل الحق حتى لا يقعوا في الشبهات والبدع، على الرغم من كونها مدونة في الصحاح والمسانيد، لأن اشتغال الناس بها ليس بالمستوى المطلوب، إذ كان العمل في الغالب بآراء الفقهاء واجتهاداتهم. د- العجز والتفريط الواقعان في المنتسبين إلى السنة والحديث، حيث يروون تارة ما لا يعلمون صحته من الآثار والأحاديث وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور٢. ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي وقعت كثيراً من الناي في التفويض المحض.

стр. 134

هـ- انتساب الأشعري إلى معتقد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ في آخر أمره كما سيأتي بيان ذلك. و اعتناق بعض الحكام عقيدته واعتبارها عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها والدعوة إليها بشدة إلى درجة استباحة دم من خالفها كما فعل (تومرت وأتباعه في المغرب) ، وستأتي الإشارة إلى هذه النقطة قريباًَ. بهذه الأسباب توارثت الناس هذه الطريقة المزدوجة التي تشتمل على بعض الحق وفيها الشيء الكثير من الباطل، فانتشرت في مصر والشام والعراق باسم عقيدة أهل السنة والجماعة حيث (خلا الميدان لأبي حمدان) كما يقول المثل السائر، ولم يوجد لها منازع في تلك العصور فانتقلت العقيدة من العراق إلى المغرب بواسطة بعض الرحالات من المغرب ونشرها بين المغاربة فأخذها المغاربة بحماس شديد وبقوة حتى استباحوا دم كل من يخالف تلك العقيدة١. فمجموع هذه الأسباب هي التي جعلت العقيدة الأشعرية تنتشر هذا الانتشار الواسع فتشتهر هذه الشهرة العالمية بيد أن الحق لا يعرف بالانتشار ولا بالاشتهار بل للحق ميزان يوزن به، وللباطل علامات يعرف بها. وبعد: هل آن الأوان لنمكن شبابنا من دراسة العقيدة السلفية المستندة إلى الكتاب والسنة بدلاً من هذه الآراء المضطربة التي لا تستند في الغالب الكثير إلى الوحي، ولكن إلى خيالات علماء الكلام التي سموها قطعيات، تسمية للأشياء بغير أسمائها لتروج وتستساغ.

стр. 135

الفصل الثاني: حديث مستفيض عن كبار شيوخ الأشاعرة ومنهج السلف كبار شيوخ الأشاعرة والمنهج السلفي١: وإذا كان بعض الكتاب المعاصرين أخطأوا في تصور حقيقة مذهب السلف والسلفيين - كما تقدم - فلنثبت هنا طائفة من كلام بعض أهل العلم من أولئك الذين أكرمهم الله بالتوبة عن علم الكلام في آخر أعمارهم، فتحدثوا عن مذهب السلف وأثنوا عليه بما هو أهله، وفي مقدمتهم ذلكم: ١- الإمام المقدم أبو الحسن الأشعري: الذي تغني شهرته عن ترجمته، وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالتاريخ وعلم الرجال، رجوع أبي الحسن الأشعري عن الاشتغال بعلم الكلام٢، إلى الانتصار لمذهب السلف والدفاع عنه وأنه ألف في ذلك مؤلفات من أهمها آخر كتاب ألفه في إثبات صفات الله تعالى دون تفريق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، وبعبارة أخرى بين الصفات العقلية والصفات الخبرية السمعية وهو كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وستأتي قريباً بعض النقول من هذا الكتاب إن شاء الله.

стр. 136

وممن ذكر توبة الإمام أبي الحسن الأشعري، الحافظ ابن عساكر المتوفى ٥٧١هـ في كتابه (تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري) ، وقام في هذا الكتاب بالدفاع عن الإمام وعقيدته وزيف كل ما قيل في عقيدته وأثبت رجوعه عن الاعتزال بعد أنا أقام عليه ٤٠ سنة وكان لهم إماماً، ثم ذكر قصة رجوعه بالتفصيل مما يدل على أنه لم يترك مذهب الاعتزال إلا بعد أن خَبَرَه، وأدرك حقيقته واطلع على عواره من فساد الاعتقاد والجرأة علي الله وعلى كتابه وسنة نبيه محمد ﵊، ثم تاب الله عليه فتاب، فحسنت توبته، فصار بمثابة كتابي أسلم وحسن إسلامه بعد أن أدرك عوار اليهودية أو النصرانية، فأخذ يبين للناس فساد اعتقادهم فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وأبو الحسن كذلك أعدى الخلق إلى المعتزلة، ولذلك يشنعون عليه وينسبون إليه الأباطيل افتراء عليه كعادة أهل الباطل قديماً وحديثاً. وممن ذكر رجوع أبي الحسن عن اعتزال إلى مذهب السلف أبو العباس بن خلكان١، حيث قال: كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً، ثم تاب، ومنهم الحافظ ابن كثير صاحب التفسير المعروف٢ إذ يقول: إن الأشعري كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، ومنهم الحافظ الذهبي٣ وأخيراً جاء المحدث المصري والسلفي الأثري محب الدين الخطيب ليؤكد تلك النقول في تعليقه على المنتقى٤ حيث يقول محب الدين ﵀: إن الأشعريين منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، وقد علمتَ أن أبا الحسن الأشعري كانت له ثلاثة أطوار:

стр. 137

أولها: انتماؤه إلى المعتزلة. ثانيها: خروجه عليهم ومعارضته لهم بأساليب متوسطة بين أساليبهم ومذهب السلف. والطور الثالث: انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه في ذلك كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وأمثاله، وقد أراد أن يلقى الله على ذلك اهـ. وقال ﵀ في موضع آخر في تعليقه على المنتقى: أما الأشعرية اسم المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري في علم الكلام، فكما أنه لا يمثل الأشعري ما كان عليه في طور اعتزاله فإنه ليس من الإنصاف أن تلصق به الأشعرية بعد أن رجع إلى عقيدة السلف التي أراد أن يلقى الله بها، بل إن المذهب الأشعري المنسوب إليه إنما ينسب إلى ما كان عليه ابن كلاب البصري المتوفى سنة ٢٤٠هـ كما أوضح ذلك تقي الدين ابن تيمية في كتابة (العقل والنقل) ٢/٥ طبعة الشيخ حامد الفقي ﵀، ثم عدل أبو الحسن في آخر حياته عن كثير من تلك التأويلات وأثبت جميع الصفات، وأمرّها دون تأويل، وأثبتها دون تشبيه على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهكذا ختم الله له بالحسنى١. وهاك بعض النقول من أول كتابه (الإبانة) : باب في إبانة قول أهل الحق والسنة: ثم قال ﵀ وهو يعلن إنكار ما قالته طائفة من أهل الكلام ويبين ما يقوله هو وأهل الحق والسنة: "فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، ودياناتكم التي به تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به، ودياناتنا التي ندين بها: التمسك

стр. 138

بكتاب ربنا وسنة نبينا ﵊، وفتاوى عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أظهر به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيْف الزائفين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم مفخم. ثم قال الأشعري ﵀: فجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه ... إلى أن قال: وما رواه الثقات عن رسول الله ﵊ لا نرد من ذلك شيئاً، ثم استطرد قائلاً: وأن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٢، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٤، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٥، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً. وأن لله علماً كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٦،، وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ ٧، ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجمهية والخوارج، ونثبت لله قوة كمال قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٨، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له: كن كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٩، إلى آخر كلامه. ومن أراد مزيد الاطلاع على درر

стр. 139

كلامه المدعم بآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، فعليه بالإبانة التي تحدثنا عنها ونقلنا منها بعض النقول وغيرها مثل مقالات الإسلاميين. ٢- الإمام الجويني (الأب) : وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة ٤٣٨هـ، وقد كان إمام في التفسير والفقه والأصول، بل له يد طولى في أكثر العلوم المعروفة في زمانه، وقد تخرج على يده خلق كثير وفي مقدمتهم ولده إمام الحرمين الذي يأتي ذكره بعده إن شاء الله، وقد ألف في كثير من العلوم، وأما الذي يهمنا هنا فرسالته اللطيفة، وهي عظيمة الفائدة تحت عنوان (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وتنزيه البارئ عن الحصر والتمثيل والكيفية) ، هكذا بهذا العنوان الطويل وهي ليست طويلة بل صغيرة جداً، لا تتجاوز (١٥) صفحة ولكنها تعالج وتحقق نقاطاً تعجز عن تحقيقها بل عن تصورها كثير من الموسوعات على سعتها. والرسالة المذكورة تعالج صفة الفوقية والاستواء وصفة الكلام، وهاتان الصفتان قد ضل فيهما كثير من علماء الكلام واضطرابهم فيهما أسوأ من اضطرابهم فيما عداهما، وقد وصف المؤلف الحيرة التي استولت عليه عندما ظهر له الحق في هاتين الصفتين، وغيرهما من الصفات الخبرية التي يصعب على أهل الكلام سماعها فضلاً عن إثباتها كما سنرى عندما ننقل منها بعض النقول لنستشهد بها على ما نقول حول عقيدته وموقفه من علم الكلام بعد رجوعه. وميزة هذا الإمام أنه لم يمنعه التعصب والتقليد من اتباع الحق لما تبين له الحق بل اتبعه وأعلن به ودعا إليه، وجادل فيه شيوخه، وهو موقف لا يوفق له كل من عرف الحق. ولقد كانت دعوته ومناقشته لشيوخه تحمل في طياتها الشفقة عليهم والتلطف بهم دون أن يتهجم عليهم

стр. 140

أو يهاجمهم ويعنف عليهم وهو ديدن العلماء العاملين الذين همهم بيان الحق والدعوة إليه دون تجريح أو تنفير عملاً بقوله ﵊: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"١، ولهذا المعنى الذي أشرت إليه والميزة التي نوهت بها أود أن أورد مقتطفات من كلامه ومختارات من عباراته في رسالته الموجهة إلى شيوخه وإخوانه. وسوف أثبت هذه المقتطفات في آخر الرسالة إن شاء الله ملحقاً لها. ٣- الجويني (الابن) : وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة ٤٧٨هـ، ينسب الإمام إلى مسقط رأس أبيه بلدة (جوين) بفارس، لأنه لما مات والده عبد الله بن يوسف جلس ولده عبد الملك مجلسه للتدريس فانتقلت إليه هذه النسبة، وقيل: كان عمره عشرين سنة عندما جلس للتدريس في مجلس والده، ولقب بإمام الحرمين لأنه كما قيل: جاور مكة أربع سنوات كان خلالها يناظر ويدرس، ثم عرج على المدينة المنورة. وقد ألف الإمام الجليل مؤلفات كثيرة في فنون مختلفة، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه الكبير (الغياثي) ألفه لغياث الدولة الذي هو نظام الملك (الوزير) وهو الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي أبو علي الوزير العادل صاحب المدارس التي عرفت باسمه (النظامية) وأحد الزهاد العباد المعروفين، وناصر السنة وأهلها وحامي الفقهاء من بطش المبتدعة والزنادقة وأحد فقهاء الشافعية. تولى الوزارة للسلطان (السلجوقي) (ألب أرسلان) ثم من بعده لابنه ملكشاه. ولد الوزير سنة ٤٠٨هـ وتوفي سنة ٤٨٥هـ.

стр. 141

كما أن الكتاب (الغياثي) منسوب لهذا الوزير الصالح الحسن بن علي الملقب (غياث الدولة) ، فقد نسبت العقيدة النظامية إليه، لأنه يلقب أيضاً (نظام الملك) ونستحسن أن نثبت هنا بعض كلام الإمام نقلاً عن كتابه الكبير (الغياثي) ، قال الإمام الجويني في الكتاب المذكور (رقم ٢٧٩ ص١٩٠) : "ومن رام اقتصاداً، وحاول ترقياً عن التقليد واستبداداً فعليه بما يتعلق بعلم التوحيد من الكتاب المترجم (بالنظامي) ، فهو محتو على لباب للباب، وفيه سر كل كتاب في أساليب العقول"١. والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذهب السلف السابقين قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا ﵃ ينهون عن التعرض والتعمق في المشكلات والإمكان في ملابسة المعضلات والاعتناء بجمع الشبهات وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، إلى أن قال: "وما كانوا ينكفون ﵃ عما تعرض له المتأخرون عن عِيِّ وحَصْرِ، وتبلد في القرائح، هيهات قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً وأرجحهم بياناً، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون، وإليه مدفوعون. فإن أمكن حمل العوام على ذلك فهو الأسلم"٢ ا. هـ وقال الإمام في العقيدة النظامية ص: ٢٢-٢٣: "وذهبت طائفة إلى

стр. 142

التعطيل من حيث تقاعدت عقولهم عن درك حقيقة الإله، فظنوا أن ما لا يحويه الفكر منتف، ولو وقفوا لعلموا أنه لا تبعد معرفة موجود مع العجز عن درك حقيقته. والذي ضربناه من الروح مثلاً يعارض به هؤلاء، فليس لوجود الروح خفاء وليس إلى درك حقيقته سبيل ولا طريق إلى جحد وجوده للعجز عن درك حقيقته، الأكمه يعلم بالتسامع والاستفاضة الألوان ولا يدرك حقيقتها، فهذا سبب زيغ المعطلة وهم على مناقضة المشبهة. وأما فئة الحق فهدوا إلى سواء الطريق، وسلكوا جُدُد الطريق وعلموا أن الجائزات تفتقر إلى صانع لا يتصف بالصفات الدالة على الافتقار وعلموا أنه لو اتصف الصانع بها لكان شبيهاً بمصنوعاته، ثم لم يميلوا إلى النقي من حيث أن يدركوا حقيقة الإله، ولم يتعدوا موجوداً يجب القطع به مع العجز عن درك حقيقته، إذ وجدوا في أنفسهم مخلوقاً لم يستريبوا في وجوده، ولم يدركوا حقيقته، ونحن الآن نذكر عبارة حرية بأن يتخذها مولانا في هذا الباب هجيراً فهي لعمري المنجية في دنياه وأخراه، فنقول: من نهض لطلب مدبره، فإن اطمأن إلى وجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن قطع بموجود واعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد، وهو معنى قول الصديق ﵁ إذ قال: "العجز عن درك الإدراك إدراك". فإن قيل فغايتكم إذا حيرة ودهشة، قلنا العقول (عاجزة) في درك الحقيقة قاطعة بالوجود المنزه عن صفات الافتقار" اهـ. قلت: فإمام الحرمين عبد الملك قد سلك مسلك والده الإمام أبي محمد الجويني في إعلانه أن فهم السلف هو الحق وحده فيما يعتقد العبد نحو ربه سبحانه، وما سواه باطل لا محالة لأنه إما تشبيه أو تعطيل أو توقف وهو

стр. 143

يشبه أباه في هذا الموقف بالجملة "من يشابه أبه فما ظلم" وإن لم يبلغ درجة أبيه، حيث يوجد في كلامه بعض الثغرات التي يستطيع أن ينفذ منها بعض المغرضين المنحرفين ليعبثوا بكلامه بالتحريف فيه، وحمله على غير محمله، لخلاف كلام والده فإنه لم يترك مدخلاً لداخل يدرك ذلك من يقارن بين ما جاء في العقيدة النظامية للجويني (الابن) وما جاء في (رسالة إثبات الاستواء والفوقية للجويني) (الأب) وعلى كل حال فإن إمام الحرمين بحر لا ساحل له في علمه تدل على ذلك كتب التراجم ومؤلفاته المتنوعة، وكان ﵀ يكره التقليد والتعصب، ومما نقل عنه قوله: "لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الطاهرة، وركبت البحر الخضَم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد" اهـ. وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه عبارات صارخة بالندم والتوبة ومتضمنة للنصيحة لأصحابه من علماء الشافعية - لو سمعوا نصيحته- إذ يقول ﵀: "يا أصحابنا: لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما اشتغلت به. وقال عند موته: (لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، كل ذلك اجتهادٌ في طلب الحق، فالآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان"١. وهي عبارات، كما ترى في غاية الصراحة في الندم والتوبة ولعل الله تقبل توبته ولا عذر لأصحابه بعد ذلك في بقائهم في أحضان علم الكلام وقد وضح لهم أنه ضار غير نافع ... والله الموفق.

стр. 144

٤- أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الملقب بحجة الإسلام (٥٠٥هـ) : بدأ في طلب العلم في بلده طوس، ثم قدم نيسابور فتردد على دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فلازمه وجد في طلب العلم حتى تخرج في مدة قريبة وبرز في الفقه والأصول وعلم الكلام، ونبغ نبوغاً منقطع النظير حتى كان الجويني يعتز به إلى أن توفي ﵀ وبعد وفاة شيخه خرج الغزالي من نيسابور إلى بلدة يقال لها (العسكر) ولقي الوزير (نظام الملك) فأكرمه وعظمه وبالغ في إكرامه إلى أن فوض إليه التدريس في مدرسته النظامية (ببغداد) ، وللوزير مدارس تسمى (بالنظامية) في عديد من البلاد والمدن ﵀. وللإمام الغزالي مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه اللطيف (إلجام العوام عن علم الكلام) الذي أشاد فيه بمذهب السلف، وتحدث عن حقيقته مبيناً أنه هو الحق وأن من خالف السلف فهو مبتدع لأنه مذهب الصحابة والتابعين، وقد أُخِذَ من الرسول ﵊ مباشرة، فكل خير في اتباعهم وكل شر في الابتداع بعدهم، وقد تحدث فيه بإسهاب عن مذهب السلف وحقيقة مذهب السلف هو الاتباع دون الابتداع. وللإمام الغزالي رسالة سماها (بغية المريد في رسائل التوحيد) وهي جملة رسائل مفيدة وجليلة ومشتملة على كثير من المعاني اللطيفة وما يجب على المخلوق للخالق جلَّ شأنه وعلى ما يجب معرفته على كل إنسان من علم التوحيد. وقد تحدث فيها عن تنزيه الخالق، وأنه لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئاً، وكل ما خطر بالبال والوهم والخيال من التكييف والتمثيل، فإنه سبحانه منزه

стр. 145

عن ذلك. وقد نص في هذه الرسالة على نفي شبهة خطرة وهي: ما قد يتوهمه بعض الناس من أن إثبات الاستواء على العرش يلزم منه أن العرش يحمل الرب الله عما زعموا علواً كبيراً، وهو جملة من الأخطاء التي يتورط فيها أولئك الذين لا يكادون يفهمون صفات الله إلا كما يفهمون صفات خلقه من التحديد والإحاطة بالحقائق. وفي نفي هذا الوهم يقول الإمام الغزالي: "وليس العرش بحامل له سبحانه، بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته، وأنه تقدس عن الحاجة إلى مكان قبل خلق العرش وبعد خلقه، وانه يتصف بالصفات التي كان عليها في الأزل". وقال في موضع آخر من الرسالة نفسها: "وهو سبحانه مقدس من صفات المخلوقين، منزه وهو في الدنيا معلوم وفي الآخرة مرئي، كما نعلمه في الدنيا، بلا مثل ولا شبه، لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدنيا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ " ١. وسبق أن نقلنا بعض عباراته عن كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام، وما هنا أوسع) ٢. ٥- أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم الشهرستاني: ولد سنة ٤٦٧هـ وتوفي سنة ٥٤٨هـ وهو فقيه شافعي متكلم، وله مؤلفات كثيرة في الفقه. وهو صاحب الملل والنحل، وكتاب في علم الكلام لعله آخر مؤلفاته (نهاية الإقدام في علم الكلام) ٣ وهو الذي ذم فيه علم الكلام وحذر منه وأوضح أن علم الكلام إنما يورث الحيرة، وليس لدى أربابه
следующие страницы →