← Акыда

Акыда · id 10423

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

محمد أمان الجامي

Полный текст (383 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثالث: مفهوم الذات في القرآن الكريم تحدث القرآن عن الذات الإلهية في عديد من الآيات "دون تصريح بلفظ الذات" وكثيراً ما يصدر الحديث باسم "الله" فالله علم على الذات العلية مثل: - قوله تعالى: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ١. - وقوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. - وقوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ٣. - وقوله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ ٤. - وقوله تعالى: ﴿اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ٥. - وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ ٦. - وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٧. - وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٨.

стр. 72

- وقوله تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ١. - وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ ٢. - وقوه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٣. فالله والرحمن وغيرهما من أسماء الله إنما هي أعلام دالة على ذات الله تعالى، وهي مع كونها أعلاماً دالة على الذات، وهي أيضاً أوصاف كمال. وآيات أخرى كثيرة، هذا، وليس بين المؤمنين بالله وبكتابه وبرسوله ﵊، وما جاء به من الهدى خلاف في أن مقام الإلهية فوق كل مقام. وأن ذاته سبحانه فوق كل الذوات، وأن له سبحانه الكمال المطلق في ذاته وصفاته. ثم إنه من غير الجائز عقلاً وشرعاً محاولة إدراك حقيقة ذاته، وصفاته بل العجز عن الإدراك هو الإدراك كما يحكى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه٤. هذا ... وذات الله - مع أنها فوق أن تدرك، وفوق أن تحد - قد وصفت في القرآن بصفات كثيرة، كالإرادة والعلم، والقدرة وغيرها، وهي صفات كمال الكمال المطلق، ومع هذا فلا بد أن تضاف هذه الصفات إلى

стр. 73

"ذات" كما تضاف مثل هذه الصفات وغيرها إلى ذاتنا مع الفارق البعيد بين كمالها في ذات الإله، ونقصها في ذات الإنسان.!! وقد جاء في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تضيف إلى الله صفات فعل تدل على الإيجاد كقوله تعالى: في أول ما نزل من الكتاب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١، ففي الآيات تعريف بذات الله، وأنها تخلق وتعلم، وكقوله تعالى: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤، فذات الإله ذات توصف بالسمع وتوصف بالرؤية وتوصف بالعزة والحكمة ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء* هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥، وأكثر فواصل القرآن تنتهي غالباً بصفة من صفات الله تعالى، أو بالمزاوجة بين صفتين من صفاته. ومن النوع الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ٦، ﴿وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ ٧.

стр. 74

ومن النوع الثاني: وهو الأعم الأغلب، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. هذا ... وقد كان السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم يتلون كتاب الله ويستمعون إلى آيات الكتاب وأحاديث الرسول ﵊، فما وقفوا موقف تساؤل أو حيرة أمام صفة من صفات الله، ولا وقع في تفكيرهم أن "الذات" شيء وأن الصفات شيء، أو أنهما وجهان لحقيقة واحدة، أو غير هذا مما دار حوله الجدل واشتد فيه الخصام بين جماعات المسلمين بعد أن مضى عهد الراشدين ودخلت في الإسلام مذاهب وآراء وفلسفات، مع الذين دخلوا في دين الله من فرس وروم وبربر وهنود وغيرهم. هكذا نترك هذه الفقرة بهد أن استعرضنا نصوصاً من الكتاب العزيز في ذات الله تعالى مع الإشارة إلى موقف المسلمين الأولين من الصحابة والتابعين ومن اقتنع بمنهجهم من أهل العلم، لنرى في الفصل التالي كيف أفصحت السنة عن "ذات الله"، ولنرى هناك أقوالاً لبعض الأنبياء وبعض الصحابة مع النهي عن التفكير في ذات الله لينحصر التفكير في مخلوقات الله التي هي من آياته تعالى.

стр. 75

الفصل الرابع: مفهومات الذات في السنة النبوية وقد وردت عدة أحاديث فيها إطلاق لفظ "الذات"، وإثباتها الله تعالى ومن ذلك: أ- حديث أبي هريرة١ عند البخاري، حيث يقول الرسول الأمين ﵊: "لم يكذب إبراهيم ﵊ إلا ثلاث كذبات، اثنين منهن في ذات الله " ٢. ١- قوله: إني سقيم. ٢- قوله: بل فعله كبيرهم هذا. ٣- قوله لسارة هي أخته خوفاً عليها من سلطان جبار وسارة زوجته والقضية مستوفاة في صحيح البخاري. ب- حديث أبي هريرة في قصة خبيب الأنصاري عندما قتله المشركون حيث قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع٣

стр. 76

والقصة مذكورة ومكررة في صحيح البخاري في كتاب الجهاد، وفي المغازي، وفي كتاب التوحيد أخيراً. ج- حديث ابن عباس: "تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله" روي مرفوعاً وهو ضعيف، وروي موقوفاً، قال الحافظ ابن حجر: وسنده جيد. د- حديث أبي الدرداء: "لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله"، قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه منقطع. ثم قال الحافظ: ولفظ "ذات" في الأحاديث المذكورة بمعنى من أجل أبو بمعنى حق، وأردف قائلاً: ومثله قول حسان: وإن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يجاهد في ذات الإله ويعدل وهو كقوله تعالى حكاية عن قول القائل: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ ثم قال الحافظ: فالذي يظهر أن المراد جواز إطلاق لفظ "ذات" لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون، ولكنه غير مردود إذا عرف أن المراد به النفس لثبوت لفظ النفي في الكتاب العزيز١ اهـ. هذا ... وقد تقدم تحقيق لفظ "ذات" من حيث اللغة وفي اصطلاح المتكلمين نقلاً عن الحافظ ابن القيم في أول هذا المبحث٢.

стр. 77

المبحث السابع: الحديث عن بعض المدافعين عن منهج السلف إن منهج السلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه على الرغم من وضوحه وعدم غموضه لم يسلم من أقلام غلاة النفاة الذين يرون أن إثبات صفات الله وأسمائه هو عين التشبيه والتجسيم. ولا يتم تنزيه الله تعالى عما لا تليق به إلا بنفي الصفات عند بعضهم، وبنفي الصفات والأسماء معاً عند البعض الآخر، بل لم يسلم المنهج حتى من بعض الصفاتية الذين يثبتون بعض الصفات أو أكثرها ولكنهم يرون وجوب تأويل بعض الصفات الأخرى، وقد استهدف منهج السلف هؤلاء جميعُهم على اختلاف مناهجهم فنالوا من المنهج، ورموا السلفيين بالتشبيه والتجسيم، وهم بريئون عن ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وفيما يلي نتحدث عما قام به عدد من أئمتنا من الجهود للدفاع عن منهج السلف والسلفيين. المدافعون عن منهج السلف: ابتدأت آراء الجهمية في القرن الثاني من الهجرة النبوية، ثم انتشرت في المائة الثالثة، وتولى إذاعتها والدعاية لها والكتابة فيها بشر المريسي المتوفى سنة ٢١٨هـ، ويقال: إنه فقيه ومتكلم إلا أنه اجتمعت فيه أمراض عدة ينسب إلى المرجئة أحياناً، وينسب أحياناً أخرى إلى الجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان ويذكر الإمام ابن تيمية أن أصل الجهمية يرجع إلى عناصر دخيلة على الإسلام، لأن جهم بن صفوان المتوفى سنة ٢٨١هـ أخذ مقالته عن الجعد بن درهم، وأن الجعد أخذها عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم

стр. 78

اليهودي، ويذكر أنه من يهود اليمن. أما الجعد بن درهم فهو من أرض حران التي كانت فيها عناصر كثيرة من الصابئة والفلاسفة، ومن ثم فإن مقالة الجهمية ترجع إلى عناصر فلسفية وصابئية ويهودية. وقد أخذ الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩هـ نفسه عن فلاسفة حران، كما أخذ جهم بن صفوان عن البوذية أو السمنية١. ولما انتشرت آراء الجهمية ومذهبها في التعطيل وإنكار الصفات وفي القول بخلق القرآن، تصدى لها الأئمة من سلف هذه الأمة بالرد وبيان ضلالها وانحرافها٢. منهم من كتب في ذلك كتاباً أو كتباً، ومنهم من نقلت عنه عبارات وجمل تدل على الاستنكار، وكل ذلك يوضح لنا أن أئمة السلف لم يأل جهداً في الرد على منكري الصفات من يوم ظهورها، وسوف نقدم فكرة موجزة عن بعض هؤلاء الأئمة مع ذكر نموذج من كلامهم، وفي مقدمتهم: أ- الإمام أحمد بن حنبل، وهو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، وقد ترجم لهذا الإمام غير واحد من المؤرخين، وذكروا جميعاً أنه ﵀ حملته أمه (بمرو) وولدته (ببغداد) في شهر ربيع الأول سنة ١٦٤هـ وقد كان أبوه والي بلدة (سرخس) وتوفي والده سنة ١٧٩هـ فنشأ ببغداد، وتولت أمه تربيته، وظهرت عليه لوائح النجابة في صباه. ويذكر المترجمون: أنه من شدة رغبته في أخذ علم الحديث، كان يذهب إلى المساجد مبكراً حتى إن أمه تشفق عليه وتطلب منه أن يتأخر حتى يصبح الناس وينتشر ضوء النهار٣، وذكر بعض من ترجم له أن الإمام أحمد لم يقتصر في طلب العلم على علماء بلده بغداد فقط، بل إنه رحل إلى كل من الكوفة، والبصرة ومكة، والمدينة المنورة، واليمن والشام بل

стр. 79

إنه رحل إلى بلاد فارس، وخراسان، وأخيراً عاد إلى بغداد، وتفيد المصادر أيضاً أن الإمام أحمد بدأ في الاشتغال بالحديث، وعمره ست عشرة سنة. المحنة وكان الإمام أحمد كغيره من أهل الحديث والسنة يذهب إلى أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود يوم يرفعه الله. وعندما قامت للمعتزلة دولة قوية بتولي الخليفة السابع من خلفاء بني العباس الخليفة (المأمون) بلغ الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة ذروته، وتلك الفتنة التي عرفت في التاريخ باسم (المحنة) كان فيها للإمام أحمد موقف معروف في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ وقف فيها موقفاً فريداً عجز كثير من الأئمة والعلماء الثبات فيه. وملخصها ما يرويه المؤرخون والمترجمون للإمام أحمد: أن الخليفة (المأمون) قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق، وأوقعوه في الباطل إذ زينوا له القول (بخلق القرآن) ، ونفي صفات الله ، والخوض في المطالب الإلهية بعيداً عن نصوص الكتاب والسنة، بل إنه ضرب صفحاً من النصوص زاعماً بأنها لا تفيد اليقين متأثراً بفكرة المعتزلة١. قال البيهقي: "ولم يكن في خلفاء بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف، ومنهاجهم، فلما تولى المأمون الخلافة اجتمع به هؤلاء المعتزلة فحملوه على نفي الصفات والقول بخلق القرآن"اهـ. وكل الذين تحدثوا عن المحنة يتفق كلامهم بأن الخليفة المأمون أتِيَ مِنْ قِبَلِ بطانة السوء، من أئمة الاعتزال، وتورط في مشكلة هزت خلافته لأنه لم يأخذ الأمر

стр. 80

بِرَويّة وحكمة لحل المشلكة، وهي مشكلة يحلها العلماء بالمناقشة والحوار الحر، ومقارعة الدليل بالدليل، بل نصب نفسه داعية لا يرد له قول، ولا يعصى له أمر مستغلاً في ذلك سلطانه العريض. وفي عام ٢١٨هـ كتب المأمون إلى نائبه وواليه ببغداد (إسحاق بن إبراهيم بن مصعب) يأمره أن يدعو الناس إلى القول (بخلق القرآن) هكذا بهذه الجرأة ودون مقدمة أو تمهيد. ولم يسع الوالي إلا الامتثال فجمع مجموعة من أئمة الحديث، وبعض القضاة والفقهاء، فدعاهم إلى ذلك القول الخطير، فامتنعوا فأخذ يتهددهم بالضرب وقطع المرتبات بالنسبة للموظفين منهم، فأقر كثير منهم مكرهين، وأصر على الامتناع جماعة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل الذي صمد في موقفه لم يزعزعه التعذيب، ولم تأخذ بقلبه تلك الفتنة، ولم يبال بسلطان الخليفة وما يملكة من أنواع التعذيب، ويذكر بعض من ترجم له أن الخليفة المأمون توفي (بطرسوس) قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، وهو محمول إليه، ثم رد إلى بغداد، واستمر الامتحان أمام المعتصم ثم الواثق ثم بقي الإمام بعد موت الخلفاء الثلاث، وقد ماتت معهم المحنة، وبقي الإمام بعدهم لنشر السنة التي عذب من أجلها وليرفع صوته بنصوص الصفات من جديد، وقد أتى الله بالفرج في عهد (المتوكل) وقضى بذلك على بقية البدعة ولذلك لقبه أهل عصره (ناصر السنة وقامع البدعة) فاستحق لقب (إمام أهل السنة) وقد ساعده الخليفة المتوكل الذي أعلن برفع (المحنة) وأمر بنشر أحاديث الصفات بما في ذلك صفة الكلام، التي هي بيت القصيد في الموضوع. وبمناسبة انتشار آراء أهل البدع، صرح الإمام أحمد وأوضح موقفه من نصوص الصفات فيما يرويه ابنه عبد الله بن أحمد، ومن ذلك قوله ﵀: "هذه الأحاديث نرويها كما جاءت"، وقوله: "إن ما يرجع إلى عالم الغيب لا ينبغي الخوض فيه، وإنما نفوض أمره إلى الله". ومن كلامه: "من صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة إرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله"، كما جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ : "إن أهل الجنة يرون ربهم"، فيصدقها

стр. 81

ولا يضرب لها الأمثال، ووقف الإمام من أهل الكلام موقفاً معارضاً فقال: "لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذَبّوا عن السنة"، وقال أحمد: "صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: من شهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأقر بجميع ما جاءت به الأنبياء والرسل. وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه ولم يشك في إيمانه ولم يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب. وأرجأ من غاب عنه من الأمور إلى الله. وفوض أمره إلى الله" ... الخ. وقد عدد الإمام صفات كثيرة يرى أنها من صفات أهل السنة والجماعة لئلا يلتبس الأمر على من يريد معرفتهم ويميز بينهم وبين أهل البدع الذين يتصفون عادة بأضداد هذه الصفات. وإذا ما تحدثنا عن المحنة وصبر الإمام أحمد فيها يَجْدُرُ بنا أن نذكر نموذجاً من أسئلة الامتحان ليتصور القارئ صورة المحنة ولو بعض التصور، والي بغداد يسأل والإمام أحمد يجيب: إسحاق: ما تقول في القرآن؟ الإمام أحمد: هو كلام الله. إسحاق: أمخلوق هو؟ الإمام أحمد: هو كلام الله لا أزيد على هذا. إسحاق: ما معنى أنه تعالى سميع بصير؟ الإمام أحمد: هو كما وصف نفسه. هذه بعض الأسئلة التي يوجهها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب والي بغداد الذي كلف من طرف المأمون بامتحان العلماء وشيوخ الحديث والسنة، وقد ثبت الإمام أحمد أمامها ونجح في الامتحان نجاحاً نال به أعلى (وسام) يناله عالم سلفي وهو (وسام الإمامة) إذ لقبه أهل عصره العارفون بموقفه لمعرفتهم كيف أبقى الله بع على العقيدة بصبره وثباته (بإمام أهل السنة وقامع البدعة) .

стр. 82

هكذا نوجز ترجمة هذا الإمام اقتصاراً على ما يتلاءم وبحثنا، ﵀ وجزاه عن السنة وأهلها خير الجزاء. وقد خلف الإمام أحمد للمكتبة الإسلامية كتباً ورسائل كثيرة ونافعة، ومن أبرزها (مسند الإمام) المعروف، الذي تغني شهرته عن التعريف وله كتابه الفريد الذي كتبه رداً على الزنادقة والجهمية إذ يعتبر من أهم ما كتب في مجاله، وقد ناقش فيه الإمام المشككين في القرآن الذين يتأولونه على خلاف ظاهره، وقد دافع الإمام في هذا الكتاب عن المنهج السلفي خير دفاع، فجزاه الله خير ما جازى به المجاهدين. مواقف الإمام وبعد أن استعرضنا نبذة من حياة الإمام أحمد واستعرضنا أيضاً طرفاً من المحنة، وما جرى بينه وبين خصومه في مشكلة خلق القرآن، فلنسمع صوت الإمام وهو في حوار (حيّ) مع الجهمية حيث يدافع عما يعتقده السلف في صفات الله، فلنأخذ مقتطفات من كلامه في مبحث الرؤية، وصفة العلو، والمعية فتعال بنا لنحضر الحوار ثم لنستمع إليه بقلب حاضر وكأنك تسمع الصورة الصوتية للإمام وهو يناقش بأسلوبه الخاص ولغته القوية. وقد بوب الإمام لكل موضوع يجري فيه الحوار إذ يقول مثلاً: بيان ما جحدت الجهمية من قول الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، قال الإمام أحمد ﵀: فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟! فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه لأن المنظور إليه معلوم موصوف. لا يرى إلا شيء يفعله. فقلنا: أليس الله يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، قالوا: إن معنى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢،

стр. 83

أنها تنظر١ الثواب من ربها وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته، وتلوا آية من القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ٢، فقالوا: إنه حيث قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ، إنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى ألم ترَ إلى فعل ربك، فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، فقالوا: إنما تنظر الثواب من ربها، فقلنا: إنها مع من تنظر الثواب هي ترى ربها. فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قوله الله جل ثناؤه: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٣، وقد كان النبي ﷺ يعرف معنى قول الله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ، وقال: "إنكم سترون ربكم" ٤، وقال الله لموسى: ﴿لَن تَرَانِي﴾ ، ولم يقل: لأن أرى، فأيهما أولى أن نتبع النبي ﷺ حين قال: "إنكم سترون ربكم " أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟! والأحاديث بأيدي أهل العلم عن النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم. وبعد: إنّ القارئ يدرك أن الإمام يشير إلى أن الإدراك المنفي في قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ، أمر زائد على الرؤية وهذا المعنى في غاية الوضوح، لأن العباد عندما يرون ربهم لا يدركونه أو لا يحيطون به، كما أنهم يعلمون ربهم ويؤمنون به، ولا يحيطون به علماً ومعرفة، وقد يتصور هذا المعنى حتى في مخلوق من مخلوقات الله تعالى. فمثلاً إنك ترى الشمس دون شك، وهي في ضحى النهار ولكن لا تحيط بها إحاطة من كل وجه، وهي خلق من خلق الله تعالى ولله المثل الأعلى، فلا غرابة في إثبات الرؤية من مجموع

стр. 84

الآيات والأحاديث مع نفي الإدراك، كما نفت آية سورة الأنعام ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ . والله أعلم. فلنعد إلى سماع الحوار مرة أخرى في الموضوع نفسه، حيث يقول الإمام أحمد ﵀: وحديث سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد في قوله الله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١. قال: النظر إلى وجه الله: ومن حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: "إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إنّ الله قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله لا إله إلا هو". ثم قال الإمام: وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ ٢، فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ والحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع ولم يجعلنا ممن ابتدع والحمد لله وحده٣. هكذا رأينا كيف كان الإمام أحمد يدافع عن منهج أهل السنة والجماعة، في هذا الباب الخطير الذي ضل فيه كثير من المتأخرين ممن وقعوا فريسة لآراء أهل الكلام من الجهمية وشيعتهم، ولعل القارئ أدرك من طريق الحوار أن شيوخ الحديث وأئمة السنة يجيدون طريقة الاستدلال بالنصوص بأسلوب استنباطي ومنطقي دقيق. وليس الأمر كما يزعم خصومهم من أنهم (نَصِيّون) يحفظون النصوص، وليسوا بعقليين، أي لا يعمدون إلى ذكر الأدلة

стр. 85

العقلية، بل لا يزيدون على سرد النصوص فقط. ولو سايرنا الإمام إلى آخر حواره الطويل، لرأينا كيف يضرب الأمثال التي تقرب المعاني إلى الأذهان، وتعين على الفهم. فلنسمع مثلاً إلى هذا النموذج من كلام الإمام وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ١، يقول الإمام ﵀: وإنما معنى قوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ يقول: وهو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان. ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. وذلك قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٢. ثم قال الإمام ﵀: ومن الاعتبار٣ في ذلك لو أن رجلاً كان في يده قدح من (قوارير) صاف وفيه شراب صاف، كان يصير ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه، ثم قال خصلة٤ أخرى: لو أن رجلاً بنى داراً بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وهو خارج كان بن آدم لا يخفى عليه كم بيتاً في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو، وما هو من غير أن يكون في شيء مما خلق٥. هكذا يحلل الإمام معنى الآية ليقربه إلى أفهام القراء، وهكذا يفهم

стр. 86

أئمة الحديث معاني النصوص مع القدرة على البيان الشافي والدقة في ضرب الأمثلة، ولله الحمد والمنة. بمثل هذا المثال وهذا التحليل نضرب في وجوه أرباب الكلام والمتفلسفة الذين يزعمون أن أئمة الحديث والسنة بمثابة الأميين الذين يرددون النصوص ولا يفقهون لها معنى. ولقد أثبت الأمام بهذا الحوار المؤيد بالأمثلة أن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وسيأتي لهاتين الصفتين مزيد بحث إن شاء الله عند الكلام على معاني الصفات في الأبواب اللاحقة. ب- أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بن إبراهيم الجعفي ولد - الإمام البخاري- كما يحدثنا المترجمون في بلدة (بخارى) من بلاد ما وراء النهر، قرب (سمرقند) ، وهذه المناطق تقع حالياً تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي، والله المستعان. ويذكر المترجمون له أن الإمام ولد في ١٣ من شهر شوال لعام ١٩٤هـ من أسرة جمع الله لها بين الصلاح والتقى والثراء والعلم، وتوفي والده وهو لا يزال طفلاً وتولت أمه تربيته (وحَدبتْ) عليه ورعته خير رعاية، وقد حجت به أمه وهو صغير ثم تركته بمكة فرجعت إلى بخارى، فبقي الطفل بجوار بيت الله الحرام، ليطلب العلم ويجالس شيوخ الحديث والعلم، في الحرم الشريف، فأخذ العلم على أيدي شيوخ مشهورين في بلده وغير بلده، ويحدثنا الإمام نفسه أنه حفظ كتب ابن المبارك وكتب وكيع وهو ابن ست عشرة سنة١، ومن أشهر شيوخه إمام أهل السنة والجماعة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل كما يحدثنا الإمام البخاري أنه لقي أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وخراسان، وأخبرنا أنهم ما كانوا

стр. 87

يختلفون في أن الدين أو الإيمان قول وعمل، وأن القرآن كلام الله، وقد زار الإمام البخاري بلداناً كثيرة في طلب العلم، وتردد إلى بعض البلدان أن من مرة منها بغداد حيث يوجد شيخه الكبير الإمام أحمد بن حنبل. أما مكة فقد أقام بها ستة أعوام، وحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح١. وخرج كتابه (الجامع الصحيح) ، من نحو ستمائة ألف حديث. وصنفه في ستة عشر عاماً، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عند أهل العلم والمعرفة٢. وللإمام البخاري كتاب مستقل ناقش فيه الجهمية في صفة الكلام والاستواء خاصة، وفي بقية الصفات عامة، وأورد فيه كلام أهل العلم من شيوخه وغيرهم.

стр. 88

موقف الإمام البخاري من الجهمية في صفة الاستواء والعلو يحكي البخاري عن عبد الله بن المبارك، وهو أحد مشايخه الكبار حيث يقول ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف تعرف ربك؟ قال: فوق سماواته على عرشه، وقال لرجل منهم: أتظنه خالياً منه؟ فبهت الآخر. وقال من قال: (لا إله إلا هو) مخلوق، فهو كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية١. وقد ألف البخاري كتاباً سماه (خلق أفعال العباد) تحدث فيه عن القرآن الكريم، ورد فيه ما زعمت المعتزلة من أن القرآن مخلوق بأسلوب يشبه جداً أسلوب شيخه الإمام أحمد بن حنبل ﵏ في رده على الزنادقة والجهمية. وقد قال البخاري في هذا الكتاب: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وأني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم"٢. يقال إنه قد نسب إلى الإمام البخاري أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ولما سئل عن ذلك أجاب بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة. والامتحان بدعة٣، وكان ﵀ يكره التعمق والتنقيب عن النقاط الغامضة في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي تتعلق بالأسماء والصفات وأفعال العباد، بل يرى الاكتفاء بظاهر النصوص بعد

стр. 89

فهمها على حد فهم السلف الصالح ﵏، ومن أطلع على ما حققه في صحيحه في كتاب التوحيد وكتاب الدعوات وغيره في مسائل هذا الباب يدرك أنه من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الصالح الذي يجهله كثير من المتأخرين مع ثنائهم العاطر على السلف الصالح، يعرفونهم ويجهلون منهجهم، إنه تناقض غريب، (والله المستعان) . قال سعيد بن عامر١: "الجهمية أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد أجمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان على أن الله ﵎ على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء". جـ- الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: وهو ذلك الأديب الفقيه والمحدث المعروف، وقد أخذ الحديث عن أئمة كالجبال في علوم الحديث مثل يحيى بن معين، وعلي بن المديني وأمثالهما. ويقول بعض من ترجم له إنه أخذ من شيوخ لا يعدون كثرة، وقد توفي هذا الإمام الفذ في بابه في سنة ٢٨٠هـ ودفن ببلدة (هراة) ٢، وقد ألف الإمام الدارمي كتاباً في الرد على الجهمية وصفه بعض أهل العلم بأنه من أقوى ما كتب في هذا الباب أسلوباً ومن أمتنها حجة. ويكفي فخراً لهذا الإمام، أن الإمام ابن تيمية كان يوصي بقراءة كتابين من كتبه وهما: ١- كتاب الرد على الجهمية. ٢- كتاب النقض على بشر المريسي. ويصفهما بأنهما من أجل الكتب المصنفة في السنة، وأنفعها لكل

стр. 90

طالب سنة، مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون. كما أثنى عليهما الإمام ابن القيم بمثل ثناء شيخه ابن تيمية، وفي الكتابين المذكورين تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما١. أما الكتاب الآخر فقد ألفه ليرد فيه على بعض أتباع بشر المريسي الذي كتب الرد على الإمام الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية) ، ثم رد الإمام بهذا الكتاب على شيخهم ورئيسهم بشر المريسي، وناقش فيه المريسي لا صاحب الكتاب لأن صاحب الكتاب كان يورد كلام المريسي وحججه ويستدل بها لأنه عمدته في الرد الذي كتبه. هكذا ذكروا، قال الإمام الدارمي في مطلع كتابه الذي رد فيه على المريسي: أما بعد، فقد عارض مذهبنا في الإنكار على الجهمية من بين ظهرانيهم معارض، وانتدب لنا منهم مناقض ينقض ما روينا فيهم عن رسول الله ﷺ بتفاسير المضل المريسي الجهمي ... الخ٢اهـ. وقد ناقش الإمام الدارمي في هذا الكتاب المريسي خاصة وأهل الاعتزال عامة مناقشة حادة ومفحمة في تأويلاتهم وتلاعبهم بالنصوص. فعقد باباً في أسماء الله وأوضح أنها غير مخلوقة كما عقد باباً خاصاً في صفة النزول، فأجاد فيه وأفاد، وباباً آخر في مبحث السمع والبصر، وإثبات الرؤية في الدار الآخرة، وهو: معتقد أئمة السلف قاطبة، وقد أكثر من التبويب للصفات الخبرية وغيرها إمعاناً منه في الرد على المريسية والجهمية في تأويلاتهم.

стр. 91

وقد كان منهجه في عرض الصفات وسوقها منهجاً سلفياً واضحاً، إذ يفصل في الإثبات مع الإجمال في النفي على طريقة القرآن الكريم، فمثلاً يقول: "يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويحب، ويبغض، ويكره، ويضحك، ويأمر، وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين ... الخ. ثم قال: - بعد أن ساق مجموعة من الصفات على النمط الذي ذكرنا-: "فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده بإله. (كفرانه لا غفرانه) ١ ا. هـ وقال الإمام الدارمي في كتابه الذي رد فيه على الجهمية: (باب الإيمان بالعرش) : وهو أحد ما أنكرته المعطلة، ثم قال: قال أبو سعيد: "وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا. وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام، وإليه نلجأ وبه نستعين٢اهـ. هكذا ناقش الدارمي الجهمية بحرارة وبلهجة يظهر عليها التأثر الشديد من ذلك الإلحاد الذي فاجأه من حيث لا يتوقع. والمريسية التي ناقشها الإمام الدارمي ورد شبهها من أشد الطوائف الاعتزال تطرفاً، كما لا يخفى على كل مطلع على طوائف أهل الكلام.

стр. 92

ولذا لا ينبغي أن يستغرب أن يناقشهم الإمام الدارمي بتلك الشدة وبهذه اللهجة القوية، لأن موقف القوم وتصرفاتهم مثير دون شك، رحم الله ذلك الإمام الغيور وأمثاله من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الذين خلدوا بجهادهم ودفاعهم المنهج، ليبقى ما بقيت الحياة. ومما يمتاز به المنهج السلفي، أن الذين ينهجونه لا يختلفون إلا في الأسلوب والتعبير على اختلاف أزمنتهم ومشاكلهم. وذلك راجع لوحدة المصدر لدعوتهم، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآثار الصحابة الموضحة لمعاني النصوص إذ هم الذين حضروا نزول الوحي وفهموا النصوص فور نزولها، قبل أن يطول عليها العهد، ولذلك يحرص اللاحقون من السلف أن يقتدوا بالسابقين كما تقدم عند الحديث عن منهج السلف في إثبات الصفات. وقد رد الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية) على دعاة الضلال من المعطلة وعلى المغرضين من ذوي الديانات الأخرى، وله جهاد معروف ودفاع مشكور أجزل الله له المثوبة على جهاده. د- شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الإمام المجتهد السلفي المحدث المفسر البارع، وقد ترجم له غير واحد من العلماء، فذكروا أنه ولد ببلدة (حران) ، ثم حمل إلى دمشق، وهو ابن سبع سنين فنشأ بها، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة ٦٦١هـ١. ومما ذكروا في ترجمته أنه كان شديد العناية بالحديث، وقد دار على الشيوخ ونسخ الأجزاء وخرّج، وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي جميع علوم الإسلام. واطلع على الفلسفة، والمنطق فبرع فيهما وأخذ ينقض المنطق بشدة، ويرد على الفلاسفة بأسلوبهم وقواعدهم، ولقد

стр. 93

كان شديد الاهتمام بشئون المسلمين العامة، فجاهد في الله بسيفه، وقلمه وبذل للمسلمين النصح والإرشاد. وقد حدث الإمام ابن تيمية في المسجد الأموي بدمشق كثيراً، وله فيه (كرسي) خاص يحدث عليه، وليس من عادته أن يعظ الناس من على المنبر أو يخطب خطبة الجمعة، وإنما كان المعروف عنه التدريس والتأليف والإجابة على الأسئلة والحوار العلمي. وقد حدث بدمشق وفي مصر وكان معروفاً بالشجاعة والإقدام أيام حروب التتار. بل هو من المجاهدين المعدودين الذين جمعوا بين علوم عصرهم، وكان كثير النصح للولاة والسلاطين، بل كان يحثهم على الجهاد والدفاع عن العقيدة الإسلامية. ولما برز ابن تيمية في جميع الميادين، وأكثر من الدعوة إلى تصحيح العقيدة وإصلاح الأحكام، ومحاربة البدع وأنواع الشرك المنتشرة بين عوام المسلمين، ونقد علم الكلام وبين عواره وكشف عن شطحات المتصوفة، وإلحاد وحدة الوجود، ودعا إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، وتعظيم هدي الرسول، وألا يقدم قول أحد على سنته، وكان يدعو إلى عدم التقيد بمذهب معين، بل على المسلم أن يدور مع الحق حيث دار. كان يدعو إلى الإسلام بهذا الأسلوب الذي لم يكن شائعاً في بيئته، وعلى ذلك المنهج العام الذي عليه عامة الناس، دون أن يختار مجلاً لدعوته دون مجال. ولما فعل ذلك قامت قيامة المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة. وانضم إليهم بعض المتعصبين من المتفقه الذي هزت هذه الدعوة السلفية شعبيتهم الواسعة، فخافوا على مناصبهم ومراكزهم، وقد امتحن الشيخ بسبب دعوته الصريحة والقوية، فأوذي حتى سجن بقلعة القاهرة والإسكندرية وقلعة دمشق مرتين، وأخيراً توفي بها في ٢٠ من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (٧٢٨هـ) . ولقد كان ابن تيمية شديداً في نقض الفلاسفة، وقد بدد أوهامهم وأثبت لهم عدم صلاحية أدلتهم في المطالب الإلهية، فكان يقول ﵀:

стр. 94

"العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل، والفرع. ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة، والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم بل أوضح ابن تيمية في مناسبات عديدة في كثير من كتبه أن آراء الفلاسفة أمشاج من الإلحاد والكفر والزندقة، وقد خاف من خطرها على الدين والفكر، فركز عليها في جهاده ودفاعه، ولقد كان عصره عصراً مائجاً بالآراء المتباينة، والمذاهب المتضاربة، والعقائد المتنابذة التي أشرنا إليها سابقاً. ١- من فلاسفة يخضعون لأرسطو وأفلاطون، ويقولون بقدم العالم. ٢- من متصوفة متأثرة بالفلاسفة أو هم أبناؤهم بل هُمْ هُمْ. وقد تطول غلاتهم في الحلول المطلق. وكان هذا من الميادين التي ركز عليها شيخ الإسلام في جهاده. ٣- ومن جهمية جريئة يعطلون صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، غير مبالين بالنصوص، وهم من ألد أعداء شيخ الإسلام، وإليهم وجه جلّ اهتمامه. ٤- الأشاعرة الذين كانوا يزعمون التوفيق بين المعتزلة، وبين منهج السلف، ولكنهم لم يفلحوا إذ ليس من الممكن التوفيق بين الحق والباطل، بل الواجب الانتصار للحق وإزهاق الباطل. ٥- كما يوجد في عصره باطنيون غامضون يتلوّنون بألوان مختلفة، ويتقمصون لكل جماعة قميصاً يناسب ميولهم ويرضيهم، ويتشكلون طوائف متعددة إلا أنهم يجمعهم غرض واحد، وهو محاولة القضاء على الإسلام لو استطاعوا.

стр. 95

وبهذه المناسبة نذكر تعريف القياس ووجه منع استعماله في المطالب الإلهية، مع بيان النوع الجائز استعماله، وهو القياس الأولي.

стр. 96

تعريف القياس القياس في اللغة التقدير. يقال: قست الثوب بالذراع إذا قدرته. وأما في الاصطلاح فهو حمل فرع على أصل في حكم بينهما. هذا واحد من تعريفاته، وله أركان أربعة، كما يظهر في التعريف: ١- أصل ٢- فرع ٣- علة ٤- حكم. وله أقسام كثيرة، ومن أقسامه: قياس التمثيل، وقياس الشمول: فالأول: هو إثبات حكم جزئي معين لجزئي آخر لمشابهة بينهما. كقولهم: النبيذ حرام كالخمر لجامع بينهما، وهو الإسكار. وأما الثاني: وهو قياس الشمول فيمكن أن يقال في تعريفه: إنه إثبات حكم كلي لكلي آخر، لما بينهما من المشابهة. كقولهم: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان جسم. وإذا أردنا معرفة سبب إنكار علماء السلف، - وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية - استعمال هذه الأقيسة في المطالب الإلهية ترجع إلى تعريف القياس عامة وإلى تعريف التمثيل والشمول خاصة، لنستعرض أركان القياس في جميع تلك الأقيسة، فتكون النتيجة أن الأقيسة كلها تشتمل على فرع يلحق بالأصل، وعلى المشابهة بين الملحق وبين الملحق به، وهي العلة التي لا يتم القياس المنطقي إلا بها. فكل هذه الإجراءات غير جائزة في حق الله تعالى لأنه تعالى ينزه أن يكون أصلاً في حكم حتى يلحق به غيره، كما ينزه أن يكون فرعاً لغيره يشترك معه في العلة إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ، وإنما يستعمل في حقه تعالى القياس الأولي وحقيقته: أن كل كمال ثبت وليس فيه

стр. 97

نقص بوجه من الوجوه فالله أولى به، لأن معطي الكمال أولى به مع التفاوت بين تلك الكمالات، والله أعلم. وبعد: فهؤلاء وأشباههم هم الذين خاصمهم الإمام ابن تيمية، ولكنه كان كريماً في خصومتهم وعادلاً في الحكم عليهم، إذ ليس لديه هدف في خصومته ودفاعه إلا النصرة للعقيدة الإسلامية المستهدفة من جميع تلك الطوائف، وهو خبير بهم، وفاهمٌ لمذهبهم فهما دقيقاً١. هكذا كان يعيش الإمام ابن تيمية في ذلك العصر المائج بتلك الآراء مجاهداً ناصحاً ومدافعاً مع التجلد والصبر، ولقد رمته تلك الطوائف من قوس واحد، ونصبوا له العداء، وحبكوا حبال السعاية لدى السلاطين، ولهذا العداء الجماعي نتائجه الطبيعية من سجن وامتحان وأنواع من الإيذاء. ولعل الفرية البطوطية من أهم نتائج ذلك العداء، ولقد أخِذَتْ الفرية قضية مسلمة في مختلف العصور يروونها ويتوارثونها، هي مروية في رحلة ابن بطوطة المعروفة، وممن تورط في حكايتها ونشرها أصحاب (دائرة المعارف الإسلامية) التي ترجمت إلى العربية في مصر وملخصها قول ابن بطوطة عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر"، والذي يثبت أن الرواية مجرد فرية، لأن ابن تيمية كان في السجن في ذلك الوقت الذي زعم ابن بطوطة أنه سمعه وهو يعظ الناس. يقول الشيخ محمد بهجة البيطار: إن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية، ولم يجتمع به، إذ

стр. 98

كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ٧٢٦هـ، وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان في ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة عام ثمان وعشرين وسبعمائة (٧٢٨هـ) فكيف رآه ابن بطوطة على منبر الجامع، وسمعه يقول بالنزول ... الخ١اهـ. هؤلاء الأئمة الأربعة: الإمام أحمد، والإمام البخاري، والإمام الدارمي، والإمام بن تيمية، ثم الإمام ابن عبد الوهاب الذي ستأتي ترجمته، هم الذين وقع اختيارنا عليهم من بين العلماء المدافعين عن المنهج السلفي في عصور مختلفة. ولو راجعنا تراجم كبار الأئمة كأبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والإمام مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، والشافعي، والحمادين، وابن الماجشون، لوجدناهم يعبرون عن استيائهم واستنكارهم لموقف علماء الكلام من نصوص الصفات، وعدم اعتبارها أصلاً في المطالب الإلهية، فمثلاً نسمع الإمام أبا حنيفة فيما يروى عنه روايته أبو مطيع: عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: لقد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢، وعرشه فوق سبع سمواته، قال أبو مطيع: قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا يدري العرش في السماء أم في الأرض، قال الإمام: وهو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل٣.

стр. 99

وقال كل من الإمام الزهري ومكحول والأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد قالوا عن الأخبار التي جاءت في الصفات: أمروها كما جاءت، وفي رواية قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وقد حكى الأوزاعي إجماع علماء التابعين على ذلك١. إذ حكى ذلك عندما ظهر مذهب جهم بن صفوان الذي ينكر كون الله فوق عرشه، وينفي جميع صفاته تعالى، حكى الأوزاعي ذلك ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف ما يدعو إليه جهم وأتباعه، وهذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يقول: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق والمغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف وتشبيه، إلى أن قال: فمن قال بقول جهم، فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة (لاشيء) وما حكاه الإمام الأوزاعي من إجماع التابعين المبني على إجماع الصحابة المستند إلى الكتاب والسنة، ثم ما حكاه محمد بن الحسن من إجماع علماء المشرق والمغرب على موقفهم من نصوص الصفات، كل ذلك يغنينا عن نقل أقوال الأئمة قولاً قولاً. لذا نرى الاكتفاء بما ذكرنا من أقوال أكثرهم. من مراجعة كل ما تقدم نستطيع أن نستخلص معالم منهج ابن تيمية في الآتي: ١- إثبات الاتفاق بين الدليل العقلي والدليل النقلي، وهو ما ينوه به ويدعو إليه في أكثر كتبه ورسائله في الغالب الكثير. ٢- رفض التأويل والمصطلحات الكلامية والفلسفية - ومحاولة إخضاعها للمعاني التي جاء بها الكتاب والسنة. ويدعو شيخ الإسلام دائماً إلى التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات إسلامية بدلاً من تلك الألفاظ الأجنبية المحدثة، والتي فيها إجمال واشتباه محير.

стр. 100

٣- نقض المنطق وهدمه واستبعاده، مستخدماً في ذلك كله أسلوبهم الخاص ليخاطبهم بما يعقلون. وأما من حيث الاتفاق بين الدليلين العقلي والنقلي فيرى شيخ الإسلام أن الاختلاف بين الدليلين راجع لأحد أمرين: ١- ضعف الدليلين معاً. ٢- ضعف أحدهما. وأما إذا كان كل منهما صحيحاً وصريحاً فلا يجوز اختلافهما١. وهذا هو منهج أولئك الأئمة من قبله كالإمام أحمد إمام الأئمة، والإمام البخاري إمام الحديث، والإمام الدارمي المجاهد الكبير وغيرهم، وهؤلاء وغيرهم ممن سار هذا المسار قديماً وحديثاً تجدهم لا يختلفون في أصل المنهج على اختلاف عصورهم وأحوالهم وظروفهم، وإن اختلفوا في التعبير والأسلوب والشدة واللين كما تقدم٢، وهو الذي نهجه من بعدهم الإمام محمد بن عبد الوهاب، كما سنراه عند ترجمته وعند الاطلاع على رسائله التي كان يبعث بها للدعوة إلى هذا المنهج. ويمتاز ابن تيمية بكثرة الجبهات التي يجابهها وحده مما جعله يتسلح بنوع أسلحتهم حتى يتمكن من الدفاع عن المنهج السلفي بلغتهم وبنوع أسلحتهم، كما حمله والذين جاءوا من بعده على الخوض في غوامض علم الكلام وفلسفة الفلاسفة مضطرين. إذا لم يكن إلا الأسنة مركب ... فما حيلة المضطر إلا ركوبُها ولكن الدارس لمنهجهم يدرك أن منهجهم يتسم بالارتباط التام بالكتاب والسنة. وإنما خاضوا ذلك النوع من الخوض ليفسروا - بلغة

стр. 101

القوم - ما غمض على المتكلمين. من معاني الصفات مع المحافظة على أصل المنهج السلفي الجامع بينهم وبين من سبقهم من أئمة السلف الأولين. هـ- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي ﵀: ولادته ... نشأته. طلبه للعمل. ورحلاته. اشتغاله بالدعوة أثناء طلبه للعلم. عودته إلى بلده، وملازمته لوالده للازدياد من العلم. عكوفه على كتب ابن تيمية وابن القيم، وتأثره بهما، استمرار دعوته بعده. آثارها في العالم المعاصر، محلياً وخارجياً. أما ولادته: فقد ولد ابن عبد الوهاب في بلدة (العيينة) سنة ١١١٥هـ، الموافق ١٧٠٣م. أما نشأته فقد نشأ في حجر والده عبد الوهاب، وهو أحد أعيان علماء البلد والقاضي فيه، وعرف في صغره برجاحة العقل وحصافته، وقوة الذاكرة، فحفظ القرآن الكريم قبل عشر سنين، وبلغ الاحتلام قبل تمام الثانية عشرة من عمره وذكر بعض من ترجم له: أن والده عبد الوهاب قال: رأيته أهلاً للصلاة بالناس فقدمته في هذا السن، وزوجه في ذلك العام١. وأما طلبه للعلم: فقد طلب العلم على والده حيث قرأ عليه بعض الكتب في الفقه الحنبلي، وشيئاً من التفسير والحديث، ثم رحل رحلة طويلة في طلب العلم، حيث سافر إلى مكة، فحج البيت في أوله رحلته للعلم، ثم سافر إلى المدينة بعد الحج فزار مسجد الرسول ﷺ ، فسلم على النبي ﷺ ، فأقام بها ليطلب العلم على علمائها وكان بالمدينة آنذاك من العلماء الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف آل سيف، وهو في الأصل من أهل

стр. 102

نجد، بل قالوا: إنه من أعيان بلد (المجمعة) فلازمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب فتفقه على يده فرأى فيه ابن سيف النبل والذكاء فتفرس فيه الخير، فأحبه واعتنى به كثيراً وبذل جهده في تعليمه، وكان الشيخ ابن سيف يرى الطالب الشاب يتألم مما يراه من تعلق الناس بقبر رسول الله ﷺ وغلوهم فيه عند الزيارة والسلام عليه، إذ يدعونه ﵊ من دون الله. كما أدرك الشيخ منه تألمه الشديد مما عليه أهل نجد من عقائد باطلة، وعادات جاهلية، فازداد الشيخ ابن سيف في حبه وتقديره والحفاوة به، إذ ربطت بينهما رابطة العقيدة، فقدمه الشيخ لبعض العلماء بالمدينة كالشيخ محمد حياة السندي، وعرفه به، وبما يكنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة صافية، وبما تجيش به نفسه في كراهة الجاهلية الشائعة في كل مكان من أنواع البدع والشرك بنوعيه. تروي بعض المصادر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تضايق ذات يوم مما يسمعه من الاستغاثة برسول الله ﷺ فكاد ينفجر غيظه، فقال للشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فأجابه الشيخ على الفور: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١. ودرس الشيخ مدة إقامته بالمدينة على غير واحد من العلماء منهم الشيخ علي أفندي الداغستاني، والشيخ إسماعيل العجلوني، والشيخ عبد اللطيف العقالقي الإحسائي وغيرهم، وعند عزمه على السفر أخذ إجازة علمية من شيخه عبد الله آل سيف وغيره من الذين حضر عليهم، فأجازوه في صحيح البخاري، ومسند الإمام الشافعي والسنن الأربعة، وغيرها من كتب الحديث. فغادر الشيخ المدينة إلى نجد ثم البصرة ثم الشام، فأقام بالبصرة مدة

стр. 103

من الزمن، فحضر على جماعة من علماء البصرة، وفي مقدمتهم الشيخ محمد المجموعي واستفاد من هذا الشيخ كثيراً في فروع اللغة العربية والحديث. فأدرك الشيخ المجموعي أن ابن عبد الوهاب ليس بطالب علم عادي، بل أنه داعية يتهيّأ للقيام بالدعوة والإصلاح، وأنه شديد الغيرة يتألم مما يشاهده هنا وهناك من الأعمال التي لا يقرها الإسلام من الأعمال الوثنية والبدع، فأحبه المجموعي وقربه وشجعه، فأخذ الداعية ابن عبد الوهاب يكتب رسائل في الدعوة ويباحث الناس وينشر فيهم الدعوة، وهو لا يزال طالباً، فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويشدد الإنكار على عبدة القبور فأوذي بسبب ذلك حتى أخرج من البلد، فأوذي بعده شيخه المجموعي رحمهما الله. تذكر بعض المصادر التي ترجمت للشيخ أنه أخرج من البصرة وقت الهجيرة وهو يمشي على قدمية، فتوجه إلى (الزبير) وكان يهلك من شدة الظمأ في شدة الرمضاء، فساق الله له رجلاً من أهل الزبير يسمى (أبا حميدان) ، فرآه من أهل العلم والصلاح، فحمله على حماره حتى أوصله إلى بلدة (الزبير) . ولم يقم الشيخ في الزبير كثيراً فتوجه إلى الشام، فطلب العلم هناك، ثم رجع إلى نجد، إلا أنه عرّج على الإحساء، فنزل عند بعض علماء الإحساء، الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي، فدرس عليه مدة من الزمن، واستفاد منه. عودته إلى نجد للدعوة والإصلاح: وبعد هذه الرحلة العلمية الموفقة التي استفاد منها فوائد جمة حيث ازداد من العلم والمعرفة ودرس أحوال المسلمين في عدة بلدان وأدرك حاجة

стр. 104

المسلمين الماسة إلى الإصلاح العام والتصحيح الجذري الفوري لعقيدتهم نحو ربهم وخالقهم وموقفهم من نبيهم الذي بعث لهدايتهم وموقفهم من كتاب ربهم الذي هجروه، إذ لا يرجعون إليه لا لمعرفة عقيدتهم وأحكامهم، بل أدرك الشيخ وتأكد أثناء جولته في كثير من البلدان المجاورة، ومما شاهده في وطنه في نجد أن الأمة بحاجة إلى معرفة دينها من جديد، معرفة تامة في أصوله وفروعه، ثم تطبيق شريعته في حياتها العامة. وأن هذه الفوضى التي تعيشها الأمة لا بد أن تنتهي وتختفي لتستبدل بحياة إسلامية صحيحة شاملة لجميع نواحي الحياة. وانطلاقاً من هذا الإدراك صمم الشيخ على القيام بالدعوة الإصلاحية العامة مستعيناً بالله. بدأ الشيخ دعوته في بلده (حريملا) بتصحيح عقيدة الناس فيما يتعلق بعبادة الله، وأنكر عليهم تعلقهم بغير الله وصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله مثل النذر، والذبح، والخوف، والرجاء، مما هو منتشر في البلد آنذاك. وقد كان هذا النوع من الإصلاح جديداً على الناس ومفاجأة لهم فقوبلت الدعوة في أول الأمر بالاستنكار والرد والجدال، يقول بعض الكتاب -وهو يصف موقف الشيخ عندما بدأ يدعو الناس إلى الله وموقف الناس منه-: حقاً إن الموقف دقيق حرج يحتاج إلى شجاعة ماضية، وإلى إيمان لا يبالي بالأذى في سبيل إرضاء الله وإرضاء الحق الذي اقتنع به، وسبيل إنقاذ البشرية المعذبة، كما يحتاج إلى عدة كاملة من قوة اللسان وإصابة البرهان، ليواجه ما يجابهه من شبهات واعتراضات، لا بد منها، ثم إلى مؤازر قوي يحمى ظهره ويدافع عن دعوته١اهـ.

стр. 105

والموقف كما وصفه الكاتب جِدُّ حرج، إلا أن الله ثبت الشيخ على الدعوة على الرغم من كل العقبات والصعوبات التي واجهة الدعوة، وحاولت إيقافها من الداخل في أسرته قبل أن يتبينوا الأمر، ومن الخارج من المغرضين أصاحب الأهواء، ولكن الله سلم، فلم تقف الدعوة منذ بدأت بل استمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه صابراً محتسباً. وكان والده ممن نازعه في أول الأمر وكذلك أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، ولكن بعض المصادر أثبتت اقتناعهما بالدعوة أخيراً والرجوع إلى الحق. ولما تكرر إيذاؤه (بحريملا) وأراد بعض السفهاء أن يفتكوا به، غادر الشيخ (حريملا) إلى بلده ومسقط رأسه (العيينة) ، وكان يحكمها آنذاك (الأمير عثمان بن حمد بن مُعَمّر) ، فرحب بالشيخ وبدعوته. ونصحه الشيخ كثيراً ليصبر ويحتسب، لأنه لا بد أن يؤذى وشرح له دعوته، وأنها قائمة على الكتاب والسنة، وأنها تعني أول ما تعني تطهير العقيدة والأخلاق، وتصحيح الأحكام، وأن القائمين على هذه الدعوة لا يريدون إلا وجه الله، والثواب في الدار الآخرة من الله وحده. فاقتنع الأمير فأخذ الشيخ في الإصلاح العملي، فأمر بقطع بعض الأشجار التي كانت تعبد وتعظم، وهدم قبة كانت على قبر (زيد بن الخطاب) ، كل ذلك بمساعدة الأمير ابن معمر، وأخيراً أقام الشيخ (الحد) على امرأة اعترفت بالزنا عدة مرات أمامه بعد ما تأكد من صحة عقلها ورغبتها في (التطهير) . وبعد هذه الواقعة اشتهر أمر الشيخ وذاع صيته في كل مكان في نجد وما جاورها١. فبلغ خبره وإصلاحاته بعض الأمراء الذين لهم مكانة ومنزلة لدى ابن معمر، وأتباعه وبينهم مصالح متبادلة، فكاتبوا ابن معمر بالاستنكار إلى أن أثروا فيه، فرجع عن مؤازرة الشيخ تحت تهديد بعض أولئك الأمراء، وهو حاكم الإحساء (ابن عُرَيْعِر) فأمر بإخراج الشيخ

стр. 106

ممن بلده. فغادر الشيخ (العيينة) إلى (الدرعية) سنة ١١٥٨، فنزل على بعض أعيان الدرعية يقال له: (عبد الرحمن بن سويلم) وبعد أيام علم به أمير الدرعية الأمير (محمد بن سعود) ، فجاء إلى الشيخ مع بعض إخوانه وأتباعه فزاروا الشيخ فدعاهم إلى التمسك بعقيدة التوحيد الخالص، وبين لهم أن التوحيد هو الذي بعث الله الرسل من أجله، وأنه قد ضعف اليوم في قلوب الناس، وتلا عليهم عدة آيات من القرآن، ودعا للأمير، ورجا من الله أن يكون إمام يجتمع عليه المسلمون بعد ذلك التفرق، وأن تكون له السيادة والملك لذريته من بعده. فشرح الله صدر الأمير محمد بن سعود، فقبل الدعوة، وأحب الشيخ، وبشره بالنصرة والوقوف معه على من خالفه في دعوته وإصلاحه. وتعاهدا وقدم كل واحد منهما ما لديه من الشروط، فواصل الشيخ عمله في الدعوة والإصلاح، والأمير يتابع الدعوة حاملاً سيفه على من يعاند الحق، فظهر أمر الشيخ وانتشرت دعوته فوفدت عليه الوفود، حتى ندم ابن معمر على ما فعل فجاء إلى الشيخ فاستسمح الشيخ ﵀ فسامحه فأقبل الناس على العلم والعبادة والجهاد. ثم أخذ الشيخ يراسل الرؤساء والأمراء والقضاة. فمنهم من أطاع فرجع إلى الحق، ومنهم من عاند وسخر من الدعوة. وتلك سنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير منذ بدأت الدعوة على وجه الأرض. هكذا بدأ ابن عبد الوهاب دعوته وإصلاحه، فنشر العلم وألف كتباً ورسائل أكثرها كانت في توحيد العبادة الذي يرى الشيخ - كما هو الواقع- أن حاجة الناس إليه أمس من حاجتهم إلى أي علم آخر. ولما علم الشيخ أن بعض المغرضين أشاعوا عنه خلاف واقعه في دعوته في عقيدته، في موقفه من الأئمة، وفي عقيدته في القضاء والقدر، وموقفه من أصحاب رسول الله ﷺ ، بل موقفه من التمسك بالسنة، وعقيدته في الأسماء

стр. 107

والصفات. لما علم ذلك كتب رسائل كثيرة في هذه المسائل وغيرها وأرسلها في الأقطار، حتى تعرف الناس حقيقة دعوته وعقيدته. وقد سجلت أكثر هذه الرسائل أو كلها في كثير من تراجم الشيخ. ولما أن أكثر موضوعات تلك الرسائل لا تتصل بموضوع بحثي، ولأن نقلها أو تلخيصها يؤدي إلى التطويل الممل، أكتفي بنقل رسالة واحدة هي في صميم بحثنا (رسالته في الأسماء والصفات) أنقلها بنصها لأن ذلك أبلغ في المراد. بعد البسملة والحمد لله: الذي نعتقده وندين الله به، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وأصاحبهم ﵃. وهو الإيمان بآيات الصفات وأحاديثها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ١. وقدر الله لأصحاب نبيه، ومن تبعهم بإحسان، الإيمان، فعُلِم قطعاً أنهم المراد بالآية الكريمة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٢، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣. فثبت بالكتاب أن من اتبع سبيلهم فهو على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فمن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله وأسمائه

стр. 108

التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله، أو على لسان رسوله ﵊ من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها ولا تشبه بصفات المخلوقين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها١، وأخذ ذلك الأخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، وحذرونا عن اتباع طريق أهل البدع والاختلاف الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار رسول الله ﵊، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها، ولم يشبهوا بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، بل زجروا من سأل عن المتشابه وبالغوا في كفّه تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب٤. ولما سئل مالك ﵀ عن الاستواء، أجاب بمقالته المشهورة، وأمر بإخراج الرجل. وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات،

стр. 109

مثل النزول والمجيء واليد والوجه، وغيرها. فيقال في النزول: النزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة. وثبت عن الربيع بن سليمان قال: سألت الشافعي ﵁ عن صفات الله تعالى، فقال: حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحُدّه، وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ﵊ اهـ. وثب عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يصفون ربهم بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات، ولا يعتقدون بها تشبيها بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية. وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا في نفي النقائص بقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١، وبقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢. وثبت عن الحميدي شيخ البخاري وغيره من أئمة الحديث أنه قال: "أصول السنة: فذكر منها أشياء وقال: ما نطق به القرآن والحديث، مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ

стр. 110

مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ١، ومثل: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نرده ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة. ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . ومن زعم غير هذا فهو جهمي. فمذهب السلف - رحمة الله عليهم - إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، ولا تشبيه، فكذلك الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم. ولو ذهبنا نذكر كل ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لطال الكلام جداً، فمن كان قصده الحق، وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه. ومن كان قصده الجدال والقيل والقال، لم يزده التطويل إلى الخروج عن سواء السبيل والله الموفق اهـ. وبعد: فهذه واحدة من تلك الرسائل التي كان الشيخ يشرح فيها دعوته ويبين عقيدته في باب الأسماء والصفات، وله رسائل أخرى أوضح فيها موقفه وعقيدته في الأبواب الأخرى، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وفي هذه الرسالة أثبت الشيخ أن من سبيل الصحابة الإيمان بصفات الله وأسمائه دون تأويل ودون تجاوز للكتاب والسنة. هذه طريقة الإمام أحمد بن حنبل ومنهجه، حيث يقول: "لا يتجاوز الكتاب والسنة في باب صفات الله" أو عبارة قريبة منها. أعود فأقول: أثبت الشيخ أن هذا سبيلهم ومذهبهم بقوله: "والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إليها القرآن العظيم،
следующие страницы →