الصفة الثانية: صفة المعية والقرب
إذا كنا قد انتهينا من الكلام على صفة استواء الله على عرشه كما يليق به دون حاجته إليه، ليحمله، بل هو الحامل سبحانه للعرش، وما دون العرش بقدرته سبحانه، بعد هذا كله أرى من المناسب جداً أن نتحدث عن معية الله تعالى، وقربه من عباده كما يليق به، لما نلاحظ من أن بعض الناس يتصورن – خطأ - صعوبة التوفيق بين استواء الله على عرشه وأنه فوق جميع مخلوقاته، وبين قربه من عباده وأنه معهم حيثما كانوا!! علماً بأنه قد وردت نصوص قرآنية، وأخرى من الأحاديث النوبية لتثبت المعية والقرب كما أثبتت صفة العلو والفوقية. وبتتبع النصوص المشار إليها، وتدبرها يتبين أن المعية تنقسم إلى قسمين:
١- معية عامة تثبت أحكامها لجميع الخلق بمعنى أن الله مع جميع ما خلق يعلم ما هم عليه، ولا تخفى عليه منهم خافية في الأرض، ولا في السماء، بل قد أحاط كل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
ومن نصوص المعية العامة قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ ١.
٢- القسم الثاني: المعية الخاصة: وهذا القسم لخواص عباده تعالى الذين خصهم بالتوفيق فتحلوا بالتقوى، والإحسان والصبر وجميع الشمائل الكريمة، ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣، ومن أوضح أمثلة هذا القسم تلك المعية العظيمة التي كان يخبر بها رسول الله ﷺ صاحبه في الغار أبا بكر الصديق ﵁، ويطمئنه بها إذ يقول
стр. 212
له: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ ١، ما أعظمها من معية وأعظم به من قرب، حيث يكون الله وحده صاحبهما في ذلك السفر، وخليفتهما في الأهل وهو معهما بنصره وتأييده وحفظه والدفاع عنهما، وهما في غاية العجز والضعف في تلك اللحظة الحاسمة، وهو مع من خلّفاهم في مكة بالحفظ والكلأ، وبالربط على قلوبهم حتى يأتي الله بالفرج، مهما طال الليل إذ لا يد من الصبح، هذه أحكام المعية الخاصة بالاختصار.
والمعية لنوعيها لا تفيد المخالطة، والممازجة الذاتية لا شرعاً، ولا لغة بل تمنع ذلك باعتبار إضافتها إلى الله تعالى. أما لغة فإن لفظة (مع) لا تدل إلا على مطلق المصاحبة٢ والمقارنة، وهذه المقارنة أو المصاحبة أعم من أن تكون بالذات أو بمعان أخر، وإن السياق والقرائن التي تحيط بالمقام هي التي تعين نوع تلك المصاحبة، فإذا وصف الله نفسه بالمعية في عديد من الآيات القرآنية وجاء ذكرها فيما صح عن رسوله ﵊ فعلينا أن نؤمن بأن معيته سبحانه إنما هي معية علم واطلاع وإحاطة إن كانت عامة على ما تقدم من التفصيل، وتزيد عليها معنى الحفظ والنصر والتأييد إن كانت خاصة. ولا ينبغي أن نفهم منها أيّ معنى من المعاني التي لا تليق بالله تعالى، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ورضي عنه: "فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب، والسنة وإجماع سلف هذه الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، وهؤلاء يقولون أقوالاً متناقضة"٣ ا. هـ
стр. 213
إذ لا يوجد نص صحيح وصريح من كاتب أو سنة يشير إشارة، ولو خفية إلى أن الله في كل مكان بذاته، بل النصوص تدل دلالة واضحة على خلاف ذلك، كما تقدم في غير موضع.
وربما يفهم بعض الناس من كلام شيخ الإسلام١ حيث يقول: "إن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة" قد يفهم من هذا الكلام بأن ابن تيمية ممن يقول بأن الله تعالى بذاته معنا في الأرض، أو في كل مكان، وهو بعيد من مثل هذا الحلول ﵀. وكلامه الذي نقلناه آنفاً الذي يقول فيه: "فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب والسنة" ... الخ يمكن أن يصحح هذا المفهوم الخاطئ، ويرد هذا الاتهام، والحقيقة التي يعنيها شيخ الإسلام هي الحقيقة التي يتصورها كل من فهم معنى كلمة (مع) وفهم أحكامها، لأن أحكامها يختلف باختلاف الموارد، وسبق أن مثلنا لذلك عند تقسيم المعية إلى العامة والخاصة.
стр. 214
شبهة القائلين بأنه في كل مكان بذاته
إذ برأنا ساحة ابن تيمية من القول بأن الله في كل مكان بذاته، حيث شرحنا كلامه بكلامه، ينبغي أن نعرف ما هي الشبهة التي أوقعت بعض الناس في هذا الاعتقاد؟!!
بعد البحث ما وسعنا البحث في هذه النقطة لم نجد لهم متمسكاً إلا التعلق ببعض العمومات في بعض النصوص التي ذكر المعية أو ذكر القرب، وهي التي تقدم ذكر بعضها، وسيأتي ذكر البعض الآخر، لأنهم لم يفهموا المراد منها، ومراد المتكلم - كما يقول شيخ الإسلام - إنما يفهم بتفهيم من المتكلم نفسه، وبتصريح منه بأنه أراد بكلامه كذا وكذا إن كان في كلامه إجمال وإبهام، أو يحف كلامه بقرائن تعين مراده من كلامه، وليس في كتاب الله أو في سنة رسول الله إبهام يصل بالقارئ والمطلع إلى درجة الحيرة والوقوع في الاعتقاد الفاسد، إذا حالفه التوفيق من الله فجمع بين النصوص بالطرق المعروفة عند أهل العلم.
أما في هذه المسألة فإن الجمع والتوفيق بين نصوص الفوقية والعلو وبين نصوص المعية والقرب، ففي غاية الوضوح لمن وفق لفهم نصوص المسألة، وملخصه كالآتي:
أ- إن الله تعالى أخبرنا بأنه فوق خلقه مستو على عرشه وهو في العلو لا في السفل، أخبرنا عن ذلك بأساليب مختلفة ومتنوعة في كتابه وفيما أوحاه إلى رسوله وأمينه على وحيه:
стр. 215
١- مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١.
٢- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢.
٣- ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ ٣.
٤- ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٤.
٥- ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٥.
هذه آيات من القرآن الكريم أما من السنة فمنها ما يلي:
١- "إن الله كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي - أو غلبت غضبي "٦.
٢- وفي آخر حديث الأوعال: "الله فوق العرش وعلمه في كل مكان"، وفي لفظ: "ولا يخفى ما أنتم عليه" ٧.
٣- حديث الإسراء والمعراج بكامله٨، وفيه نقاط تعتبر نصاً في الموضوع منها نقطة تتحدث عن لحظة فرض الصلوات الخمسين حيث خاطبه ربه سبحانه وأسمعه كلامه دون واسطة جبرائيل، ومنها تردده بين موسى وبين ربه سبحانه وهو يشفع لأمته في تخفيف عدد الصلوات المفروضة
стр. 216
لتخفض من خمسين إلى خمس من حيث العدد، وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى.
وهذه الآيات وتلك الأحاديث وما في معناها من نصوص كثيرة، وآثار، وأقوال السلف مستنبطة من النصوص لا تعتبر نصاً لا يقبل الجدل في أن الله تعالى فوق سماواته مستوٍ على عرشه كما يليق به، فاستواؤه معلوم المعنى من هذه النصوص، وكيفية استوائه مجهولة، ولكن الإيمان بذلك الاستواء واجب، والبحث والتنقيب عن الكيفية بدعة. فلا ينبغي أن يشك مسلم في ذلك.
وقد تقدم البحث مستوفى في صفة استواء الله تعالى، وتقدم قول الإمام مالك الذي أشرنا إليه هاهنا.
ب- إذا ثبت - دون شك - من هذه الأدلة أن الله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه (بذاته) بائن من خلقه، ثم وردتنا نصوص تثبت أنه تعالى مع جميع خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم وشئونهم.
وخص خواص عباده بأنه معهم في ظروف خاصة تتطلب النصر والتأييد والحفظ والكلاء، والدفاع عنهم حتى ينتصروا، وينتصر بهم دين الله وشريعته، إذا ثبت ذلك لا يفهم من مجموع هذه النصوص إلا أن الله لا يزال ولم يزال أبداً في علوه وفوقيته سبحانه، وهو مع ذلك لا يزال معهم في كل لحظة إما بالمعية العامة، وإما بالمعية الخاصة في ضوء البيان الذي تقدم، وبهذا وحده تجتمع النصوص وتفهم وتطمئن النفوس إلى معاني تلك النصوص التي إذا لم تجمع بمثل هذا الجمع أوهمت الغِرَّ الساذج أنها في غاية من التضارب والاصطدام، ويقف موقف المتفرج الجبان، ولسان حاله يقول: اللهم سلم سلم.
وفي واقع الأمر ليس هناك إلا السلامة لو كان يفقه.
وأما نصوص المعية والقرب التي يتعلقون بعمومها كما تقدم، والتي
стр. 217
يحاولون أن يفهموا منها بأن الله في كل مكان بذاته - وهي لا تدل على ذلك، لو فهموها حق فهمها- وتلك النصوص هي:
١- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
٢- ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
والمعية في الآيتين معية عامة -كما تقدم- فآية سورة الحديد يخبر الله فيها بأنه سبحانه عالم بكل ما يجري في العالم السفلي والعلوي بالتفصيل، وهو مع عباده أينما كانوا لأنه بصير بجميع أعمالهم خبير بها، فذِكْرُ العلم في أول الآية قبل ذكر المعية ثم تذييل الآية بأنه بصير بأعمالهم قرينة واضحة بأن المراد بالمعية معية العلم والإحاطة، أما قرينة آية سورة المجادلة فإنها أقوى وأصرح، حيث بدأت الآية الحديث بالعلم، وختمت بالعلم أيضاً. وإذا أمعنا النظر في أحكام المعية في الآيتين الكريمتين، وأضفنا إليهما النصوص التي جاء فيها ذكر قرب الله تعالى من بعض عباده في كتابه، وسنة نبيه ﵊ نستطيع أن نفهم منها ما فهمنا من الآيتين السابقتين، لأن القرينة المذكورة هناك سوف تجري في بقية النصوص التي فيها ذكر المعية أو القرب إن جاءت خالية من القرينة، فيضاف إلى ذلك إخبار الله عن نفسه بأنه فوق سماواته، وقد تقدم ذلك قريباً، مع ما فطر الله عليه عباده من أنه تعالى يدعى من فوق، لا من أسفل، بل يعتبر هذا علماً ضرورياً لا يمكن تجاهله إلا لمن أنكر نداء
стр. 218
فطرته، متأثراً بعلم الكلام وفلسفة الفلاسفة، فبهذا الجمع والتوفيق بين نصوص العلو، وبين نصوص المعية تلتئم النصوص، وتنسجم، وتفسر بعضها بعضاً، لا تتنافر ولا تتضارب، ولله الحمد والمنة.
قال الحافظ ابن القيم -في صدد حديثه عن المعية والقرب: (وهذا القرب لا ينافي مباينة الله لخلقه واستوائه على عرشه بل يلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكنه نوع آخر١ اهـ.
وهذا المعنى هو الذي نحن بصدد تقريره بتوفيق الله.
قال الحافظ ابن عبد البر - وهو يناقش نفاة العلو-: "وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ٢، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله"٣.
وهذا الكلام من ابن عبد البر لا يعني إلا الإجماع، وإذا أضفناه إلى ما تقدم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام تلميذه ابن القيم، وكلام من نقلنا كلامهم من الأئمة والعلماء، إن مجموع ذلك يفيد ضرورة أن هذا المفهوم هو المفهوم الوحيد الذي كان عليه المسلمون الأولون قبل أن تظهر فرق أهل الكلام التي فرقت المسلمين بآرائها وفلسفتها، ولقد كان المسلمون في عافية من شرهم. وقبل نهاية حديثنا عن المعية والقرب نحن أن ننوه بفائدة تتعلق بهذه المسألة العظيمة.
стр. 219
ذكر الله تعالى قربه من بعض عباده في حالتين اثنتين فقط:
الأولى: ذكر في معرض إجابة دعاء من دعاه حيث يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١، ومعنى القرب هنا واضح، وهو قرب إجابة من دعاه، إذ هو معه، قريب منه، يرى مكانه، ويسمع دعاءه، ويعلم ما يريد العبد أن يقوله قبل أن يقوله لأنه هو الذي وفقه ليدعوه، ثم هو الذي يجيب دعاءه، فهذا قربه من داعيه.
يقول بعض أهل العلم: إن الآية المذكورة نزلت جواباً للصحابة ﵃ حين سألوا رسول الله ﵊ قائلين: "ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه"؟ فأنزل الله هذه الآية.
الثانية: ذكر القرب في إثابة عابديه، والمتقربين إليه بالأعمال الصالحة، وذلك قوله ﵊: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"٢، وقال ﵊: " أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر" ٣.
وورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كنا مع النبي ﵊ في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٤.
هكذا ينتهي الحديث عن المعية والقرب معاً بهد التوفيق بينهما، وبين علو الله تعالى على خلقه، لنثبت بأنه تعالى مع عباده، وقريب منهم وهو في علوه، والعلو وصف ذاتي له سبحانه، دائماً وأبداً.
стр. 220
الصفة الثالثة: صفة النزول:
هذه الصفة من صفات الأفعال التي كثر فيها النزاع بين السلف والخلف، كاختلافهم في جميع الأفعال عامة، والأفعال اللازمة خاصة. مثل الاستواء والمجيء والإتيان.
والقول الحق المؤيد بالأدلة هو الذي عليه سلف الأمة من أن الله تعالى تقوم به هذه الأفعال فيكون النزول فعلاً فَعَلَه سبحانه وكذلك مجيئه وسائر أفعاله.
يقول الإمام ابن تيمية في تأييد هذا القول: "وهذا قول السلف قاطبة وجماهير الطوائف"١ اهـ.
وذلك لأنهم يأخذون النصوص على ما وردت دون أن يفرقوا بين ما جمع الله من الصفات والأسماء والأفعال، وأما الخلف فموقفهم مضطرب جداً في هذه الصفة كغيرها من صفات الأفعال منهم من ينكر النزول إنكاراً فيقول: ما ثم نزول أصلاً.
ومنهم من يقول: إنه ينزل نزولاً بحيث يخلو منه العرش، وهذا يعني أن القوم يحاولون إدراك الكيفية وإلا فالإنكار السافر أو التشبيه، وهو موقف خطير على إيمان المرء.
قال الإمام ابن تيمية: "إن أبا بكر الإسماعيلي كتب إلى أهل "جيلان" إن الله ينزل إلى سماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣، نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، ولو شاء الله سبحانه أن يعين ذلك فعل. فانتهينا إلى ما أحكمه.
стр. 221
وكففنا عن الذي يتشابه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ "١ الآية.
وقال عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل، قال: "سألت إسحاق بن إبراهيم قلت: حديث النبي ﷺ : " ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ " قال: نعم، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما شاء، وكيف شاء. وقال عن حرب: "لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ "٢.
وروى أيضاً عن حرب قال: "هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر، وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم، كان قولهم: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣.
وقال حماد بن زيد: "إن الله على عرشه، ولكن يقرب من خلقه، كيف شاء"، قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيل بن عياض يقول: "إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء"، وروي مثل ذلك عن الأوزاعي وغيره من السلف أنهم قالوا في حديث النزول: يفعل الله ما يشاء.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: والأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في إثبات نزول الرب٤ يوم القيامة كثيرة، وكذلك إتيانه لأهل الجنة كيوم الجمعة٥اهـ.
وهذه الأحاديث التي يحتج بها السلف جاءت موافقة للقرآن، وهذا ما احتج به الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر أمير
стр. 222
خراسان، وذلك حين سئل إسحاق، سأله رجل في مجلس الأمير عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال إسحاق: نعم، قال السائل: كيف ينزل؟!! قال إسحاق أثبته فوق، حتى أصف لك النزول، فقل له الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١، فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب! أهذا يوم القيامة، قال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يأتي يوم القيامة فمن يمنعه اليوم ... ؟
وأما السؤال: فهل نزل يخلو عنه العرش أم لا؟
إن المفروض عدم ورود هذا السؤال، وهي مسألة قد خاض فيها الناس بل حتى بعض السلفيين المعاصرين، وقد كان الواجب الإمساك عن الخوض في هذه النقطة التي سكت عنها السلف.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة: "إن الصواب المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أن الله سبحانه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو منه العرش مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء في الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم"٢، بل الله منزه عن ذلك، فالله قريب في عُلُوّه وعليُّ في قربه، وهو مع جميع مخلوقاته بعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوالهم، وهو مع الصابرين والمحسنين والمتقين من عباده بالكلأ والحفظ والنصر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
إذاً فإن السلف انطلاقاً من إيمانهم بتلك الأحاديث التي أشرنا إليها والتي يأتي الكلام عليها - إن شاء الله - إنهم يثبتون نزول الرب سبحانه إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما يليق بجلاله وعظمته، ويثبتون
стр. 223
المعنى العام للنزول دون الخوض والتنقيب عن الكيفية إيماناً منهم بأن معرفة كيفية الصفة متوقفة على معرفة كيفية الموصوف، فحيث آمنا بالله إيمان تسليم دون بحث عن كنه ذاته سبحانه، فيجب الإيمان بجميع الصفات التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله الأمين محمد ﷺ ، وصفة النزول إلى سماء الدنيا من الصفات التي أخبر عنها الرسول، ويشهد له القرآن حيث أخبر الرب سبحانه عن مجيئه يوم القيامة كما تقدم١.
فنستطيع أن نقول: إن النزول ثابت بالكتاب والسنة، ولولا هذه النقول لكففنا عن إثباتها. هذا هو الذي نعني بأنها خبرية محضة، إلا أن العقل الصريح والفطرة السليمة لا يرفضان كل ما ثبت بالنقل الصحيح، ولا يعدانه مستحيلاً، كما يزعم بعض الزاعمين، لأن العقل يشهد أن الذي يفعل ما يشاء أن يفعل مثل النزول والاستواء والمجيء مثلاً، والقادر على كل شيء أكمل من الذي لا يفعل كل ما يريد فعله لأنه ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ ٢، هكذا بصيغة "فعال" وهي تدل على كثرة الفعل، وقد يفهم من الكثرة التنوع، والله أعلم.
هكذا يجتمع العقل والنقل على الدلالة على صفات الأفعال بما في ذلك نزول الرب سبحانه إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولله الحمد والمنة.
стр. 224
ذكر بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب:
وقد وردت في إثبات صفة النزول أحاديث كثيرة، وصفها الإمام ابن تيمية بالتواتر، وذكر الحافظ ابن عبد البر بأنها منقوله عن طريق متواتر ووجوه كثيرة من أخبار العدول، وللإمام الذهبي كلام يؤيد ما قاله الإمامان ابن تيمية، وابن عبد البر ﵏، إذ يقول:
"وقد ألفت أحاديث النزول في جزء، وذلك متواتر أقطع به"١ ومن هذه الأحاديث المشار إليها:
١- حديث أبي هريرة عن النبي ﵊: " ينزل ربنا كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول ". وفي رواية: "حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك".٢
قال الذهبي: رواه أحمد، وإسناده قوي اهـ.
٢- حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵊ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" ٣.
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: "هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، رواه أكثر الرواة عن مالك ... إلى أن قال: وفيه دليل على أن الله في السماء على عرشه، من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة
стр. 225
والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قالوه١ أهل الحق في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "٢، ثم ساق عدة آيات في هذا المعنى، وهي التي سبق ذكرها.
وقد ناقش الحافظ ابن عبد البر مسألة الاستواء على العرش، ومسألة النزول وربط بينهما، ونقل نقولاً مثبتة وأخرى نافية، ومن أغرب تلك النقول ما نقله عن وكيع أنه كان يقول: كفر بشر بن المريسي٣ في صفته هذه، قال: هو في كل شيء، قيل له: وفي قلنسوتك هذه؟ قال: نعم، قيل له: وفي جوف حمارك؟ قال: نعم، وقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية٤.
قلت: وقد صدق، ولا يشك في صحة قول ابن المبارك وصدقه من سمع كلام بشر السابق آنفاً ذلك الكلام الذي يقشعر جلد المرء عند النطق به، ويقف شعره، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلي به بشراً وأمثاله.
ثم قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: "وأما قوله ﵊ في هذا الحديث: "ينزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا" فقد أكثر الناس في التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله ﵊، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة، وقد قال قوم من أهل الأثر أيضاً: إنه ينزل أمره وتنزل رحمته، وروى ذلك عن حبيب كاتب مالك. وغيره. وأنكره منهم
стр. 226
آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء، لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبداً في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمراً قال له: كن فيكون في أي وقت شاء"١اهـ.
قلت: حبيب بن أبي حبيب هذا الذي روي عنه الأثر السابق هو أبو محمد المصري متروك، كذبه أحمد وأبو داود وجماعة، توفي سنة ٢١٦هـ٢.
وهذا التأويل الذي يتوارثه النفاة فيما بينهم في معنى النزول قد ناقشه الإمام ابن تيمية في كتابه الفريد في بابه "شرح حديث النزول" وأبطله من عدة وجوه، ومن ذلك أن سياق الحديث يأبى ذلك التأويل، فإن قوله تعالى: "أنا الملك" إلى آخر الحديث صريح في أن الله هو الذي ينزل كيف يشاء، ومما ذكره شيخ الإسلام حول هذا المعنى أنه قال: "وقد سئل بعض نفاة العلو عن النزول فقال: ينزل أمره - فقال له السائل: فممن ينزل؟!! إن عندك فوق العالم شيء فممن ينزل الأمر؟ من العدم المحض؟ فبهت"٣ اهـ.
ويكون معنى الكلام إذا كنت لا تؤمن بأن الله في العلو، فكيف تزعم بأن الأمر ينزل. فممن ينزل الأمر، فإن الله ليس فوق العالم في زعمك؟ وهو سؤال مفحم كما ترى، ولذلك بهت الذي نفى العلو، ثم زعم نزول الأمر، لأن النزول لا يكون في اللغة إلا من فوق، وهذا السؤال يمكن أن يوجه أيضاً إلى القائلين بأنه تعالى ليس فوق العرش، ولا تحت العرش، ولا يمين العرش، ولا يساره، وهذا الوصف لا ينطبق إلا على العدم، فيكون وجود الرب تعالى عند هؤلاء وجوداً ذهنياً ولا وجود له في الخارج كما لا يخفى، فإذاً ممن ينزل الأمر أو ممن تنزل الرحمة، والحالة ما ذكر؟!!
стр. 227
وقال الحافظ ابن القيم: "إن نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله ﷺ ، رواها عنه نحو ٢٨ نفساً من الصحابة، وهذا يدل على أنه ﷺ كان يبلغه في كل موطن ومجمع١ اهـ.
ثم سرد أحاديث الصحابة ابتداء من حديث أبي بكر ثم علي إلى آخر العدد المذكور مع الشرح والتعليق.
وقال محمد بن جرير الطبري - بعد كلام طويل حول نصوص الصفات: "وأهل العلم بالكتاب والآثار من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك، ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم. ويمرون الأحاديث الصحيحة كما جاءت من رسول الله ﵊"٢ اهـ.
قلت: بما في ذلك صفة النزول.
قال الحافظ ابن القيم: اختلف أهل السنة في نزول الرب تعالى على ثلاثة أقوال:
١ - أحدها: أنه ينزل بذاته، قال شيخنا: وهذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين.
٢- وقالت طائفة منهم: لا ينزل بذاته.
٣- وقالت طائفة أخرى: نقول: ينزل، ولا نقول بذاته، ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه الرسول ﷺ ونسكت عما سكت عنه٣ اهـ.
وهذا ما يفهم من قول الإمام الأوزاعي وحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه، وقد سبق نقل أقوالهم، وقد سئل الإمام أحمد فقال السائل: يا أبا
стр. 228
عبد الله أينزل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، ثم قال السائل: نزوله بعلمه أم ماذا؟!! فقال الإمام: "اسكت عن هذا" فغضب غضباً شديداًَ ثم قال: امض الحديث على ما روي١ اهـ.
وموقف الإمام أحمد هنا شبيه بموقف الإمام مالك بن أنس في مسألة الاستواء، وهو موقف معروف رحمهما الله تعالى، بل هذا موقف أئمة السلف قاطبة في جميع صفات الله تعالى لأن المعروف عنهم أنهم لا يتجاوزن الكتاب والسنة في جميع المطالب الإلهية.
ومما يشهد لما ذكرنا ما قاله الحافظ ابن القيم بعد ذكر أقسام الناس في مسألة الانتقال والحركة - وأما الذين أمسكوا عن الأمرين فقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، ثم قال ﵀: تظهر صحة هذه الطريقة ظهوراً تاماً فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، مثل لفظ الجسم والحيز والأعراض، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل، قبل التفصيل، فهذه لا تقبل مطلقاً، ولا ترد مطلقاً لأنها لم يرد إثباتها ولا نفيها٢ اهـ.
والذي يظهر لي أن لفظ الحركة والانتقال من الألفاظ التي يجب عدم إطلاقها لا نفياً ولا إثباتاً، فيسعنا ما وسع السلف فيها وفي غيرها، وذلك أسلم، والله أعلم.
ومن أقوال هؤلاء الأئمة ومواقفهم يتضح جلياً موقف السلف الصالح من هذه الصفة وغيرها من جميع الصفات الإلهية، وهو الاكتفاء بفهم المعاني العامة للصفات، والإمساك عن الخوض فيما وراء ذلك، فهم لا يبالغون في
стр. 229
الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم كما لا يبالغون في النفي إلى حد التعطيل، بل يقفون مع ظاهر النصوص، ولا يتجاوزونها، وبالله التوفيق.
وأما موقف الخلف هنا كموقفهم في جميع الصفات على ما تقدم تفصيله من وجوب التأويل وعدم اعتقاد ظاهر النصوص، أما النزول فقد أولوه بنزول الملائكة تارة، وبنزول الأمر تارة أخرى، وقد سبق أن ناقشنا غير مرة، وبيّنا أنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم، مع بعده عما كان عليه المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين. وهم الناس الذي يقتدي بهم في هذا الباب وغيره، ومخالفتهم تعتبر اتباع غير سبيل المؤمنين، وهو أمر في غاية الخطورة، كما لا يخفى.
وختاماً نقول قول الإمام مالك في صفة الاستواء: "النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، رحم الله سلفنا ما أقل كلامهم، وما أغزر معناه.
الصفة الرابعة: صفة مجيء الله تعالى يوم القيامة:
وإذا كنا قد تحدثنا عن استواء الله على عرشه كما يليق به سبحانه، ثم أتبعنا ذلك بالحديث عن معية الله تعالى العامة مع خلقه، بعلمه واطلاعه والخاصة مع خاصة عباده بعلمه، وبنصره وتأييده، ثم أثبتنا نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة على ما يليق بعظمته وجلاله رحمة لعباده، يجيب دعوة الداعين، ويعطي السائلين.
وبعد الحديث عن هذه الصفات الثلاث فلنتبع ذلك بحديث موجز عن مجيء الرب تعالى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده في ضوء الكتاب والسنة دون أن نتجاوزهما، لأنهما نورنا الذي نستضيء به في عملنا هذا، فإتيان الله تعالى يوم القيامة ثبت بآيات من الكتاب العزيز، وبأحاديث نبوية صحيحة تلقاها علماء السلف بالقبول، ونقلوها إلى من بعدهم كما فهموها، ودرج على الإيمان بها من
стр. 230
بعدهم وإقرارها، وإمرارها كما جاءت، وكما تلقوها. وهم خير القرون، بل هم الناس الذين يسألون عن فهمهم للنصوص كيف فهموها، وكيف عملوا بها، ليقتدى بهم، ولا سيما باب الأسماء والصفات، فالخير والهدى والاطمئنان في اتباعهم، والتأسي بهم، والشر والضلال والاضطراب وعدم اليقين في الدين محقق في مخالفتهم واتباع غير سبيلهم.
فعلى هذا المفهوم نتحدث عن هذه الصفة كما تحدثنا عن غيرها على المفهوم نفسه، وبالله التوفيق.
الآيات في صفة المجيء:
جاءت في كتاب الله عدة آيات تخبرنا عن مجيء الله يوم القيامة ليفصل بين عباده وليحكم بينهم، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ٣.
ومن التقاليد الموروثة لدى كثير من المفسرين الذين ينهجون منهج الخلف أن يفسروا "المجيء" المذكور في سورة الفجر ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ، بمجيء أمر الله سبحانه - وقبل أن أواصل الحديث على هذه النقطة وما بعدها أريد أن أسأل أصحاب هذا الرأي: من أين يأتي أمر الله؟! فلا بد أن يكون الجواب: يأتي أمر الله من عند الله، فهو جواب لا بأس به. وبقي سؤال آخر: أين الله؟ الذي يأتي الأمر من عنده؟ هنا يضطرب النفاة، فأول ما يفعله النفاة من مثل هذا الموقف أن يقولوا: لا
стр. 231
يسأل عن الله بأين؟ هكذا يفهمون!! وبذلك يبرهنون على بعدهم عن هدي الرسول ﵊ الذي هو أول من سأل عن الله بأين ليختبر إيمان تلك الجارية التي يريد مولاها أن يعتقها لو كانت مؤمنة. والقصة معروفة لدى طلاب العلم. أعود إلى السياق لأقول: إذا كان النفاة لا يثبتون علو الله على خلقه، فلا معنى لقولهم: "جاء أمر ربك"!! لأنهم لا يدرون من أين يأتي الأمر؟ اللهم إلا إذا زعموا أن الأمر يأتي من كل مكان. ولا نعلم أحداً قال بهذا القول!!
وعلى كل حال، فإنهم إن عالجوا هذه الآية بهذا التهرب عن الحقيقة، ثم عالجوا آية سورة البقرة بالأسلوب ذاته، فما يصنعون بقوله تعالى في سورة الأنعام ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ !!.
أما المفسرون الذين ينهجون منهج السلف الذين يفسرون القرآن تفسيراً لغوياً وأثرياً فيطبقون على أن معنى الآية هكذا. هل ينتظر هؤلاء الذين يعدلون بربهم الأوثان والأصنام ويكفرون بلقاء الله، وجزائه، إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم، أو أن يأتيهم ربك "يا محمد" يوم القيامة بين خلقه أو أن يأتيهم بعض آيات ربك، من أظهرها طلوع الشمس من مغربها١.
هذا قول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري مع التصرف في العبارة، ثم نقل ابن جرير تفاسير بعض الصحابة والتابعين، ثم سرد عدداً من الأحاديث المرفوعة والموقوفة تأييداً لتفسيره. ثم إنني تتبعت أقوال المفسرين عند غير ابن جرير فلا يكادون يختلفون.
وقد نقل الإمام الشوكاني في تفسيره عند الآية المذكورة٢ تفاسير
стр. 232
كبار المفسرين مثل مقاتل، وابن مسعود، وحديثاً موقوفاً عن أبي سعيد١ الخدري في تفسير الآية، في معنى مجيء الملائكة، ومجيء الله تعالى، ومجيء بعض آياته دون أدنى اختلاف إلا ما كان في العبارة والأسلوب لأنهم يستقون جميعاً من معين واحد، وهو "الوحي" الذي يستوحون منه مراد الله من كلامه سبحانه، ثم يستوضحون ما أشكل عليهم من سنة نبيهم، فلا يقولون على الله بغير علم.
وبعد: فليس لدى النفاة - فيما أحسب- جواب بالنسبة لهذه الآية ما لم يركبوا رؤوسهم، إذ لم يبق هناك من يضيفون إليه المجيء لأن الآية قطعت عليهم خط الرجعة -كما يقولون- حيث ذكرت مجيء الملائكة لقبض الأرواح، ثم ذكرت مجيء الرب سبحانه للحساب والقضاء ثم ذكرت مجيء أمر الله تعالى بأمره سبحانه، فأين يذهبون؟!! وماذا يصنعون؟ ولعلهم يَسألون فيقلون: إذا قلتم: ينزل الرب، ويجيء يوم القيامة، فهل معنى ذلك أن هذا المجيء مجيء بانتقال؟ وهل يخلو منه العرش عندئذ؟
الجواب: هذا نوع من الخوض الذي ناقشناه في صفة النزول، فخرجنا منه بالقول بأن أسعد الناس بالدليل هم الممسكون عن القول بانتقال أو عدم انتقال، والممسكون عن القول بخلو العرش، أو عدم خلوه، لأنهم سكتوا عما سكت عنه الكتاب والسنة. هذا ملخص ما قلناه هناك، وبه نقول هنا، ونزيد أن محاولة معرفة هذه النقطة فيها محاولة الإحاطة بالله علماً، وذلك مستحيل شرعاً وعقلاً. إنما الواقع أن الله هو الذي يحيط خلقه بعلمه، أما هو سبحانه يُعْلَم ولا يحاط به علماً، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ ، ولا يحيطون بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله علماً، فالنزول والمجيء من أفعال ربنا تعالى فينتهي علمنا فيهما وفي غيرهما من
стр. 233
أفعال ربنا بمعرفة المعنى العام وكفى. هذا هو مسلك سلفنا الصالح، فيسعنا ما وسعهم.
فكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يُحدثُ من أمره ما يشاء، ومما يحدثه في نهاية المطاف لهذه الدار أن يأمر الشمس أن تطلع من مغربها بدل مشرقها، إعلاناً لنهاية هذه الحياة، من هنا يغلق باب التوبة، ولا يقبل إيمان أو عمل صالح ممن يريد أن يؤمن، أو يعمل صالحاً بعد هذا الطلوع الغريب. ثم إذا جمع الله الأولين والآخرين يأتي يوم القيامة ليحاسب عباده ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ١، هناك يتميز المؤمن الصادق الذي كان يعمل بصدق ويقين ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ٢، فيأتي الرب تعالى فيعرفه المؤمنون بعلامته الخاصة فيسجدون له سبحانه سجود تعظيم وشكر في آن واحد، فيحاول المراؤون أن يتظاهروا كعادتهم بالسجود الأجوف، ولكن الله يفضحهم حيث تصبح ظهورهم. طبقاً فلا يستطيعون السجود بل يسقطون على ظهورهم. هكذا يأتي الله ويحاسب عباده ويفصل بينهم، وسيأتي مزيد بحث لهذه النقطة عند الكلام على الرؤية إن شاء الله تعالى في نهاية الكلام على الصفات المختارة، والله ولي التوفيق.
الصفة الخامسة: صفة الكلام:
هذه الصفة من الصفات التي ضل فيها كثير من الناس عن الصواب، وهي من هذه الناحية تشبه صفة "الاستواء"، بل تفرق الناس فيها أكثر من تفرقهم في صفة "الاستواء"، إذ تفرق الناس فيها إلى تسع فرق كلها تائهة عن الجادة إلا واحدة، وهي التي تمسكت بما كان عليه سلف هذه
стр. 234
الأمة وخيرها، وأمسكت عن الخوض تأدباً مع نصوص الكتاب والسنة، وإيماناً منها بتلك النصوص المتضافرة والأدلة المتنوعة التي سوف تمر بنا إن شاء الله قريباً، وللإمام الطحاوي عبارة لطيفة في هذا المعنى إذ يقول: ولما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر"٢ اهـ.
وصفة الكلام - عند التحقيق- صفة ذاتية قديمة قائمة بذاته تعالى باعتبار نوع الكلام، وهي صفة فعل تتعلق بها مشيئة الله تعالى باعتبار أفراد الكلام، لأن الكلام الذي خاطب الله به نوحاً ﵇ في شأن ابنه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣، غير الكلام الذي خاطب به موسى ﵇: ﴿أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، وهو غير الكلام الذي خاطب به عيسى ﵇: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ ٥، وهذا الكلام كله غير الكلام الذي خاطب الله به خاتم رسله، وإمامهم محمداً ﵊ ليلة الإسراء والمعراج في شأن الصلاة "لقد خففت عن عبادي، وأمضيت فريضتي"٦.
وهذا كله غير القرآن الذي أنزله عليه وختم به كتبه، هذا المعنى، وهذا الفهم هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة. وهم الفرقة الناجية التي تمسكت بما كان عليه النبي ﵊ فيما نعتقد، وهذا يعني أنهم يثبتون لله كلاماً حقيقياً يسمعه المخاطب، وأن هذا القرآن الذي نقرأه بألسنتنا، ونحفظه في صدورنا ونكتبه في ألواحنا وكتبنا أنه كلام الله حقيقة
стр. 235
لفظه ومعناه، ولا يبحثون عن كيفية تكلمه تعالى به، لأننا نؤمن به، ولا نحيط به علماً، هذا هو موقف السلف من صفة الكلام بإيجاز، لعلمهم بأن الوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص، ولا يختلف العقلاء في ذلك، وكلنا نعلم أن معبود قوم موسى الذي اتخذوه من حليهم مما عيب عليه عدم الكلام، بل يستدل بذلك على أنه ليس بإله، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ ١.
١- ومن أقوى الأدلة على أن الله يتكلم حقيقة، قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢، حيث أكد الكلام بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمعنى المجازي، وهو أسلوب معروف عند أهل اللغة، فمن قال: قتلت العدو قتلاً لا يفهم من كلامه إلا القتل الحقيقي الذي هو إزهاق الروح، بخلاف ما لو قال: قتلت العدو فسكت، فإنه يحتمل القتل الحقيقي، ويحتمل الضرب الشديد المؤلم جداً، ولعله واضح.
ومما يحكى في هذا الصدد أن بعض المعتزلة قال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريد أن تقرأ ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بنصب لفظ الجلالة، ليكون موسى هو المتكلم، لا "الله"!! فقال له أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٣!! فبهت المعتزلي!!
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ٤، فأنت
стр. 236
ترى أن الله عاقبهم وأهانهم بترك تكليمهم تكليم إكرام وإنعام، ولكنه سبحانه يكلمهم ويوبخهم بقوله: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ ١.
٣- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ ٢.
أما هذه الآية فمن أقوى الأدلة في أن هذا القرآن المقروء والمسموع كلام الله حقيقة، وهي رد مفحم لأولئك الذي يزعمون أن هذا القرآن ليس بكلام الله حقيقة، وإنما هو دال على كلام الله الحقيقي النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، أو هو عبارة عنه، يا ليت شعري من الذي عبر عما في نفس الله؟!! هذه عبارات تقليدية وموروثة يرددها المقلدون، وهم لا يفقهون ماذا تعني هذه العبارة؟!! وهي تعني - فيما تعني- الاستخفاف بالقرآن الكريم، وعدم احترامه الاحترام الذاتي، وإنما يحترم بواسطة غيره، وهو ذلك الكلام النفسي الذي يدل عليه. وهذا المعنى مصرح به في بعض كتبهم، وهم يضمرونه في أنفسهم، ولا يصرحون به في كل مكان إلا في مقام التعليم لبيان الواقع -كما يزعمون- هكذا يسيئون إلى كلام الله تأثراً بآراء أهل الكلام المذموم الذي يرجع سنده إلى ما وراء الإسلام، وهو دخيل على الإسلام، وليس من علوم المسلمين كما تقدم في أوائل الرسالة.
هذه بعض آيات القرآن التي تدل على أن الله موصوف بصفة الكلام، ومنه القرآن، وهناك أحاديث في هذا المعنى منها:
١- قوله تعالى لأهل الجنة: "يا أهل الجنة هل رضيتم" الحديث، وهو حديث صحيح عن أبي سعيد الخدري.
٢- قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئاً فإذا فُزّع٣ عن قلوبهم، وسكت الصوت عرفوا أنه الحق،
стр. 237
ونادوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ﴾ ١.
ويذكر عن جابر وعن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي ﵊ يقول: "يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرب، أنا الملك أن الديان".
٣- قال الإمام البخاري: باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة، ثم ساق سنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵊: "إن الله ﵎ إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في أهل الأرض".
٤- ثم ساق حديثاً آخر عن الأعرج عن أبي هريرة، وفيه: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم - يعني الملائكة- فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون وأتيناهم يصلون ".
٥- قال الإمام البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه﴾ ، ثم ساق حديثاً مسنداً عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵊، وفيه: " يقول الله : الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي".
٦- ثم قال الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب كلام الرب يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم.
ثم ساق حديث الشفاعة بطوله وألفاظه المختلفة، وفي آخره يقول النبي الكريم ﵊: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال:
стр. 238
لا إله إلا الله، فيقول الله : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله" ١.
هذه الأحاديث وأخرى كثيرة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وعند أصحاب السنن الأربعة تضاف إلى الآيات الكثيرة التي تثبت لله الكلام اللفظي الحقيقي، ومن ذلك القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى.
هذه بعض الأدلة لأتباع السلف في إثبات صفة الكلام باقية على ظاهرها كما يليق بالله لا كما يناسب المخلوق.
موقف الخلف من هذه الصفة ومناقشتهم
أما الخلف فقد اختلفت آراؤهم، وتباينت مذاهبهم في هذه الصفة ولكنهم - على اختلافهم الشديد- متفقون على عدم إيمانهم بكلام الله الحقيقي اللفظي الذي يسمعه المخاطب والذي من جملته القرآن الكريم.
فنخص منهم هنا بالحديث الأشاعرة لاعتبارات كثيرة، ليس هذا محل بيانها ومن أهمها:
١- أنهم هم الناس الذين لهم وجود جماعي، وبكثرة ملحوظة في دنيا المسلمين اليوم، لو كانت الكثرة لها اعتبار ما في المعنى الإيجابي بهذا الصدد.
٢- ثم إنهم يهتفون بهتاف نحن "أهل السنة والجماعة" بصرف النظر هل "ليلى" تُقر لهم بهذه الدعوى أم لا؟!!
وكل يدعي وصلاً لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
стр. 239
٣- أنهم أقرب من غيرهم نسبياً إلى منهج السلف، ولو في بعض المواقف ومع ذلك أن موقفهم من "معنى" كلام الله لغريب جداً، حيث زعموا أن كلام الله معنى واحد، قائم بذات الله تعالى، وهو الأمر والنهي والخبر والاستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة. فياليت شعري من المعبر عما في نفس الله باللغتين؟!!
إنه لموقف غريب ولا مثيل له حتى في كلام أهل الكلام مع ما فيهم من التطرف في بعض النقاط، وهذه العقيدة كانت في الأصل لابن كُلاب، وتبعه فيها أبو الحسن الأشعري عقب رجوعه عن الاعتزال وقبل وصوله إلى منهج السلف الذي يعتبر آخر الأطوار الثلاثة له ﵀، كما تقدم غير مرة في هذه الرسالة نفسها، أما الأشعرية المعاصرة فعلى ما كان عليه أبو الحسن في الطور الثاني، ولذا نسميهم أحياناً "الأشعرية الكلابية" فليُعلم ذلك.
شبهتهم في إنكار الكلام اللفظي:
وأما شبهتهم فيما ذهبوا إليه أنهم يقولون: إن كان الله تعالى يتكلم بكلام له صوت وحرف، لزم من ذلك التشبيه والتجسيم، لأنه لا بد له حينئذ من مخارج الحروف من اللسان والشفتين وغيرهما. والله منزه عن ذلك. إلى آخر كلامهم المعروف. هذه شبهتهم وهي من أخوات ما تقدم من الشبهات ومن نسيج واحد.
الجواب: إذا قلنا: إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله وعظمته، دون أن نلزم كلامه لوازم كلام البشر انتفت الشبهة. وقد جاء في القرآن الكريم أن بعض أعضاء بني آدم سوف تتكلم يوم القيامة كما ثبت في السنة كلام بعض الجمادات، وكل ذلك دون أن يكون لها مخارج الحروف، وإذا كنا نؤمن بكلام هذه الأشياء تصديقاً لخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة
стр. 240
والسلام، فكيف نستبعد إذاً أن يتكلم الله كيف يشاء ومتى شاء، وهو على كل شيء قدير، أو كيف نحاول أن ندرك كيفية تكلمه؟ وإذا ما عجزنا عن الإدراك، نفينا كلامه، كأننا نكذب كتابه ورسوله الصادق الأمين. أو نتلاعب بالنصوص بعقولنا القاصرة بدعوى التأويل، ونحن عاجزون عن إدراك كيفية كلام الأشياء المذكورة، وهي من مخلوقات الله تعالى؟!!
فكم كان حسناً بل من الإنصاف الواجب لو فكر القوم في الرجوع إلى الجادة، وهي خير من "بُنَيّات الطريق".
وإليكم النصوص المشار إليها من الكتاب والسنة:
١- قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ ١.
٢- قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢.
٣- تسبيح الحصا، وتسبيح الطعام، وسلام الحجر على المبعوث بالمعجزات الباهرات محمد ﵊، كما أثبتت السنة ذلك، ونحن وإياكم نؤمن بذلك كله، فلنؤمن إذاً بكلام الله الذي أنطقها، وهو على كل شيء قدير.
فقالوا: أما بالنسبة لهذا القرآن فهناك آية تدل على أنه مخلوق!! وهو قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٣، لأن القرآن شيء، فلا بد أن يدخل في عموم "كل" لأنها من ألفاظ العموم.
стр. 241
والجواب على هذه الشبهة: أن هذا الاستدلال من أغرب أنواع الاستدلالات لما يأتي:
أولاً: كيف يسوغ لهم الاستدلال بالقرآن المخلوق -في زعمهم- على أن القرآن نفسه مخلوق؟!!
وبعبارة أخرى: إذا كان قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، مخلوقاً -كما زعموا- فلا يصح أن يكون دليلاً لهم!!
هذا، وإن كان القوم لا يصرحون بهذا المعنى إلا في مقام التعليم -كما يقولون- احتراماً لهذا الكلام اللفظي الدال على الكلام النفسي الحقيقي -كما يزعمون- ولكن واقع عقيدتهم في القرآن هو ما ذكرنا، لأنهم يتفقون مع المعتزلة في أن القرآن مخلوق١، وإن اختلفوا معهم في الأسلوب والطريقة لأن أولئك صرحاء فيما يعتقدون، كما تقدم البحث مفصلاً في مسألة الاستواء.
ثانياً: هل هم جهلوا أو تجاهلوا تجاهل عارف أن عموم "كل" في كل موضع بحسبه يختلف باختلاف المواضع، يعرف ذلك بالقرائن؟!! ولو أخذ العموم هنا كما أرادوا لدخلت في هذا العموم جميع صفات الله تعالى، بل المفهوم الصحيح أن عموم "كل" هنا إنما يعني كل شيء مخلوق. فلا يدخل في العموم شيء من صفات الله، من الكلام وغيره، ومما يؤيد ما قلناه قوله تعالى في وصف الريح التي أرسلها الله إلى قوم "هود" ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٢، وهي لم تدمر كل شيء موجود، وإنما دمّرت ما أراد الله تدميره من الأشياء التي تستحق التدمير. أما مساكنهم وأشياء كثيرة أخرى لم تدمر، وكذلك قوله تعالى وهو يخبرنا عن
стр. 242
"بلقيس": ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، وهل أوتيت "بلقيس" من كل شيء في الدنيا أو حتى كل شيء في ناحيتها؟!! لا، وإنما أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في مملكتهم، وهو أمر واضح كما ترى، ولو أن إنساناً قال: قد حضر وليمة فلان كل الناس، إنما يفهم السامع أنه حضرها جميع المدعوين دون أن يتخلف أحد لديه "بطاقة" الدعوة.
وبعد: فلما خنقتهم الأدلة، وضايقهم أتباع السلف بالمناقشة حول النصوص التي وضعوها في غير موضعها، وأساؤوا فهمها، لجأوا إلى بيت شعر هزيل، لا مستند له، لشاعر نصراني "الأخطل" حيث يقول:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِل اللسانُ على الفؤاد دليلا
لجوء الغريق في السيل الجارف إلى كل ما تقع عليه يده أياً كان نوعه، وهو يحاول أن يجد ما يتعلق به ليسلم من الغرق، وربما مد يده إلى ذلك "الزبد" الذي يعلو السيل، ويتجمع أحياناً في بعض المنعطفات، فإذا ما وصلت يده إليه، لم يجده شيئاً، بل يتبعثر ويذهب مع الماء.
وبيت الأخطل كهذا الزبد أو هو كبيت العنكبوت ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ ٢ فالاستدلال به في غاية الفساد للأوجه التالية:
أولاً: أن المستدلين بهذا البيت قد ردوا، أو من أصولهم أن يردوا أحاديث نبوية مهما بلغت من الصحة، وتلقاها أهل العلم بالقبول، ما لم تبلغ حد التواتر، أو بلغت حد التواتر عند بعضهم بدعوى أنها أخبار آحاد، أو أدلة لفظية!! فكيف يستدلون بهذا البيت الذي يختلف أهل العلم في ثبوته؟!! وعلى فرض ثبوته فهل تواتر نقله؟!!
стр. 243
ثانياً: إن ما يريدون إثباته بهذا البيت النصراني، من أن الكلام ما في النفس أي "حديث النفس" مردود بالنصوص التالية:
أ- قوله ﵊: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ١.
ب- قوله ﵊: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به "٢.
جـ- قوله ﵊: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا يتكلموا في الصلاة" ٣.
فاستناداً إلى هذه النصوص قد اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها، بطلت صلاته، كما اتفقوا على أن ما يقول بالقلب من حديث النفس لا يبطل الصلاة، فعلم باتفاق من يعتد باتفاقهم أن حديث النفس ليس بكلام، لغة وشرعاًَ. والشارع إنما خاطب الناس بلغة العرب وهي لغة قرآنهم، إذاً فإن الكلام ما كان بصوت وحرف مسموع، ومما هو صريح في هذا المعنى حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: يا رسول الله! إننا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال ﵊: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" ٤.
وهذا الحديث وإن لم يسلم سلامة كاملة في سنده حيث رمي بالانقطاع، إلا أنه يشهد له ما تقدم من الأحاديث الصحاح، ليدل على المقصود علماً بأننا نستدل به من الناحية اللغوية مضموماً إلى ما تقدم، كما قلنا وبالله التوفيق.
стр. 244
وبعد: فلو ترك الناس على فطرهم السليمة، وعقولهم المستقيمة، ولغتهم العربية الواضحة لم ينزلقوا هذه الانزلاقات في المطالب الإلهية، ولا تنازعوا هذا النزاع الحاد، والله المستعان.
ومن المفيد جداً أن أضيف إلى ما ذكرت نموذجاً من كلام الإمام أبي الحسن الأشعري الذي تنتسب إليه الأشعرية المعاصرة أي إلى مذهبه الذي عاش عليه فترة من الزمن مع ابن كلاب، ثم تركه. وهذا النموذج عبارة عن مناقشة حادة مع الجهمية سجلها الإمام أبو الحسن في كتابه "الإبانة في أصول الديانة" وهو آخر كتاب ألفه بعد رجوعه إلى منهج السلف فيما نعلم، وهو على فقرتين، يقول الإمام أبو الحسن في فقرة:
أ- زعمت الجهمية -كما زعمت النصارى- لأن النصارى زعمت أن كلمة الله حواها بطن "مريم"، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن القرآن مخلوق، حل في شجرة فكانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة متكلمة بذلك الكلام، ووجب عليهم أن مخلوقاً من المخلوقات كلم موسى، وأن الشجرة قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني.
ب- وقال الإمام أبو الحسن وهو يصف القرآن الذي تزعم الجهمية والأشاعرة معاً أنه مخلوق: "وهو متلو بالألسنة، قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ ١".
ثم قال الإمام: والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ ٢، وقد قال الإمام قبل ذلك: القرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور
стр. 245
الذين أوتوا العلم، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ١.
هكذا يؤكد الإمام أبو الحسن بهذا الأسلوب في عدة مواضع في كتابه الإبانة أن هذا القرآن الذي نقرأه ونحفظه كلام الله حقيقة بألفاظه ومعانيه، وليس هو عبارة عن الكلام النفسي أو دالاً عليه أو ترجمة له كما يزعم متأخرو الأشاعرة، بل هو كلام الله عناه الله بقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ لأن الكلام اللفظي المقروء هو المسموع، أما حديث النفس فلا يقرأ ولا يسمع.
وإذا قارنا بين ما سجله الإمام أبو الحسن الأشعري في "إبانته" وبين ما يقوله ويعتقده متأخرو الأشاعرة، نستطيع أن نقول بأن نسبتهم للإمام أبي الحسن غير صحيحة، فأرى من المناسب أن أسجل هنا ما قاله المحدث المصري السلفي الشيخ محب الدين الخطيب ﵀: "أما الأشعرية اسم المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري في علم الكلام"، فكما أنه لا يمثل الأشعري ما كان عليه في طور اعتزاله، فإنه ليس من الإنصاف أن تلصق به الأشعرية بعد أن رجع إلى عقيدة السلف التي أراد أن يلقى الله تعالى عليها.
بل إن المذهب الأشعري المنسوب إليه إنما ينسب إلى ما كان عليه ابن كُلاّب البصري المتوفى سنة ٢٤٠هـ، كما أوضح ذلك تقي الدين ابن تيمية في كتابه العقل والنقل٢، وهو كلام في غاية الوجاهة كما ترى، فلا يحتاج إلى تعليق.
ثم قال أبو الحسن - وهو يحاور الجهمية بأسلوب آخر غير الذي تقدم ليثبت بأن كلام الله - على تعدده وتنوعه- غير مخلوق، حيث يقول: "قد استعاذ النبي ﵊ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، إذ يقول ﵊: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق "، وعلم أمته بتلك الاستعاذة وهي الالتجاء إلى الله من شر خلقه،
стр. 246
فهي عبادة عظيمة، فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما استعاذ بها ﷺ ولما علّم أمته، لأنه ﵊ ينهى عن ذلك، بل يعده نوعاً من الإشراك بالله.
ما يستفاد من هذه الاستعاذة:
ثم إن هذه الاستعاذة المباركة تدلنا على الأمور التالية:
أولاً: جواز الاستعاذة بأسمائه وصفاته كما يستعاذ بذاته، ويؤيد ما قلنا قوله ﵊: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١.
ثانياً: أن كلمات الله ليست مخلوقة إذ لو كانت مخلوقة لما استعاذ بها رسول الله ﵊ كما تقدم.
ثالثاً: إن كلام الله ليس معنى واحداً يقوم بالذات، ليس بحرف، ولا صوت، كما تزعمه الأشاعرة المتأخرة، بل كلمات الله لا حد لها، لأنها من كمالاته، فكمالاته سبحانه لا تنتهي، ومما يزيد المقام بياناً قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.
هذه المعاني هي التي يريد الإمام أبو الحسن إثباتها ليحاجج الجهمية، ومن يوافقهم في اعتقادهم بأن كلام الله مخلوق، وقد سبقه إلى مثل
стр. 247
هذا الحوار إمام أهل السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل حيث ألف كتاباً مستقلاً في الرد على الجهمية، وسبق أن تحدثنا عن ذلك الكتاب، ونود أن ننقل هنا نموذجاً من حواره مع الجهمية في كلام الله تعالى، فيبدأ الحوار هكذا:
قالت الجهمية: إن الله لا يكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئاً فعبر عن الله، وخلق أصواتاً فأسمع. وزعموا أن الكلام "اللفظي" لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فيقول الإمام أحمد: قلنا: هل يجوز لمُكَوّن أو لغير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّك﴾ ١؟ أو يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ٢، فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية كما زعم الجهم أن الله كوّن شيئاً كأن يقول ذلك المكوّن: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤، إلى تلك الآيات التي ساقها، وهو يحاورهم، ثم قال: فهذا منصوص القرآن، ثم قال: فأما ما قالوا: "إن الله لا يتكلم" فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه".
ثم قال الإمام أحمد أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف، وفم وشفتين، ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٥، أتراها قالت: بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟!! وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٦، أتراها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين"؟!!
الجواب الذي لا بد منه "لا" في جميع هذه الاستفهامات، ولكن الله القادر على كل شيء هو الذي أنطق تلك الجمادات، فجعلها تتكلم حقيقة
стр. 248
دون آلات معهودة للتكلم عادة تسمى "مخارج الحروف"، فهل الذي مكن لهذه المخلوقات من التكلم يعجز عن الكلام؟ أو يمتنع عليه الكلام "اللفظي" - كما زعمت الجهمية - لماذا يمتنع عليه؟!! هل لأن الكلام نقص؟!! أو بعبارة أخرى: هل الكلام من صفات النقص أو من صفات الكمال؟!! أليس المخلوق الذي يتصف بالكلام خير وأجمل من الذي لا يتكلم؟ الجواب "بلى" بإجماع العقلاء.
فهل تُسوّغ عقول الجهمية أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؟ لأن كثيراً من المخلوقات تتصف بالكلام - وهو صفة كمال- والخالق يمتنع عليه الكلام؟!!
أفليس الذي يعطي الكمال أولى بأن يتصف بالكمال على أكمل وجه بحيث لا يشاركه أحد في خصائص ذلك الكمال؟!! الجواب "بلى" لدى جميع العقلاء.
هذا المعنى هو الذي يدور حوله حوار الإمام أحمد، والزاماته للجهمية لو كانوا منصفين وطلاب حق، وأخيراً هو الذي يريد إثباته أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة.
الصفة السادسة: صفة المحبة:
هذه الصفة تتحقق بين العبد الذي يحب ربه وسيده ومولاه، وبين ربه الكريم الذي أخبر أنه يحب عباده المتقين المحسنين، ومحبة العبد لربه -كما يراها بعض المحققين١، وكما هو الواقع -هي حقيقة "لا إله إلا الله"، وهي تتفاوت فيما بين العباد، فكلما يزداد العبد في تحقيق لا إله إلا الله يزداد محبة لله، ورغبة في لقائه، فأكثر العباد محبة لله الأنبياء ثم الصالحون من
стр. 249
أتباعهم، لأن محبتهم لله حق المحبة هي التي حملتهم على تحمل المشاق والمصاعب، وعلى تحمل كل ما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله إلى محبته، والإيمان به سبحانه وإصلاح شئون عباده.
فالخوف والخشية والتفاني في طاعة الله، وحسن عبادته، وتحمل الأذى في سبيل إظهار دينه، وإعلاء كلمته ونصح عباده، وتقديم الخير لهم كل أولئك ثمرات من ثمار محبة الله الصادقة التي لا تتم إلا إذا وصلت به تلك المحبة إلى درجة أنه من شدة محبته لربه ومن صحة محبته له، يحب كل من يحبه، والعمل الذي يحبه، وكل خصلة أو صفة يعلم أن الله يحبها ومن الأدعية المأثورة: "اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يقربنا إلى حبك ".
ومحبة العبد لربه - إذا صحت، وتحققت فهي فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لجميع المحاب لها، إذ هي الطاقة المحركة للعبد إلى فعل كل خير واجتناب كل شر، بل كل تصرفات العبد في تعامله مع الله، وتعامله مع عباده نابعة من تلك الطاقة "المحبة" يتحرك العبد ويعمل ويعطي بتلك الطاقة لأن مقرها "القلب" الذي إذا صلح، صلح كل شيء، وإذا فسد، فسد كل شيء، فسد دينه، وفسدت عقيدته، وفقد محبة ربه ومولاه، وإذا ما تعطلت تلك الطاقة وغيض نبعها، هناك الهلاك، والعبد في هذه الحالة قد مات قلبه كلياً وهو لا يدري.
فهل صلاة العبد وحسنها والخشوع فيها إلا ثمرة من ثمرات محبته لربه سبحانه ورغبته في قربه منه!!
وهل أنفق المنفقون من أموالهم وعصارة كدهم في مرضاة ربهم إلا لمحبتهم لربهم أكثر من محبتهم لأموالهم؟!! وهل صام عبد وحج وجاهد وتكبد المشاق في سبيل ذلك إلا بدافع من محبته لربه ورغبته فيما عنده سبحانه!!
стр. 250
وبالاختصار لم يعبد الله عبد، ولم يركع ولم يسجد إلا بدافع المحبة، ولم يتكاسل ولم يعجز إلا لفقدان محبته لربه وتقديره لربه حق قدره أو نقصانها.
هذا هو مفهوم المحبة عند أهل السنة وعلماء الحديث الذين هم الناس الذين يقتدى بهم في مثل هذا المجال.
وأما محبة الرب سبحانه لعباده من أنبيائه وأوليائه أهل طاعته، فهي صفة عظيمة وحبيبة إلى قلوب عباده المحبين، وهي صفة مستقلة قائمة بالله تعالى، وهي فعل من أفعال الرب تعالى يؤهل لهذه المحبة من شاء من عباده ويخذل من شاء ولا يوفقه لينالها فرحمته وإحسانه وعطاؤه وإكرامه لمن شاء من عباده ثمرة من ثمرات محبته، وثواب لها ومن موجباتها لأن الله تعالى لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وعطائه أوفر نصيب وأتمه.
ولو قلت: إن محبة الله تعالى هي حقيقة إيمان العبد بربه لما بالغت، بل هذا ما يعنيه شمس الدين ابن القيم بقوله: "إنها حقيقة لا إله إلا الله" وفي اعتقادي الذي يقرب من الجزم أن الذين ينكرون المحبة إنما ينكرونها إنكاراً تقليدياً، ولا يدركون ماذا يعني هذا الإنكار، وإلا فلو كانوا يدركون أن إنكار محبة الله إنما يعني إنكار الإيمان بالله لما تجرأوا على هذا الإنكار الذي لا يُنْتِج إلا الكفر أو الزندقة.
ولو سئل مسلم عادي وهو لا يزال على فطرته: هل تحب الله تعالى؟ لاندهش من هذا السؤال الغريب، ولأجاب: كيف لا أحبه، وأنا مسلم!! ولو قيل له: إن الله تعالى لا يحبك، لكانت دهشته أكبر، ولاعتبر ذلك دعاء عليه أو إخباراً بأنه لا خير فيه، بل هو مطرود من رحمة الله، ولفعل أفاعيل من الغضب الشديد، وأثاره ذلك الموقف، ولهذا أعود فأقول: إن