← Акыда

Акыда · id 10423

الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه

محمد أمان الجامي

Полный текст (383 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فهي عبادة عظيمة، فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما استعاذ بها ﷺ ولما علّم أمته، لأنه ﵊ ينهى عن ذلك، بل يعده نوعاً من الإشراك بالله. ما يستفاد من هذه الاستعاذة: ثم إن هذه الاستعاذة المباركة تدلنا على الأمور التالية: أولاً: جواز الاستعاذة بأسمائه وصفاته كما يستعاذ بذاته، ويؤيد ما قلنا قوله ﵊: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١. ثانياً: أن كلمات الله ليست مخلوقة إذ لو كانت مخلوقة لما استعاذ بها رسول الله ﵊ كما تقدم. ثالثاً: إن كلام الله ليس معنى واحداً يقوم بالذات، ليس بحرف، ولا صوت، كما تزعمه الأشاعرة المتأخرة، بل كلمات الله لا حد لها، لأنها من كمالاته، فكمالاته سبحانه لا تنتهي، ومما يزيد المقام بياناً قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣. هذه المعاني هي التي يريد الإمام أبو الحسن إثباتها ليحاجج الجهمية، ومن يوافقهم في اعتقادهم بأن كلام الله مخلوق، وقد سبقه إلى مثل

стр. 247

هذا الحوار إمام أهل السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل حيث ألف كتاباً مستقلاً في الرد على الجهمية، وسبق أن تحدثنا عن ذلك الكتاب، ونود أن ننقل هنا نموذجاً من حواره مع الجهمية في كلام الله تعالى، فيبدأ الحوار هكذا: قالت الجهمية: إن الله لا يكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئاً فعبر عن الله، وخلق أصواتاً فأسمع. وزعموا أن الكلام "اللفظي" لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. فيقول الإمام أحمد: قلنا: هل يجوز لمُكَوّن أو لغير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّك﴾ ١؟ أو يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ٢، فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية كما زعم الجهم أن الله كوّن شيئاً كأن يقول ذلك المكوّن: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤، إلى تلك الآيات التي ساقها، وهو يحاورهم، ثم قال: فهذا منصوص القرآن، ثم قال: فأما ما قالوا: "إن الله لا يتكلم" فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه". ثم قال الإمام أحمد أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف، وفم وشفتين، ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٥، أتراها قالت: بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟!! وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٦، أتراها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين"؟!! الجواب الذي لا بد منه "لا" في جميع هذه الاستفهامات، ولكن الله القادر على كل شيء هو الذي أنطق تلك الجمادات، فجعلها تتكلم حقيقة

стр. 248

دون آلات معهودة للتكلم عادة تسمى "مخارج الحروف"، فهل الذي مكن لهذه المخلوقات من التكلم يعجز عن الكلام؟ أو يمتنع عليه الكلام "اللفظي" - كما زعمت الجهمية - لماذا يمتنع عليه؟!! هل لأن الكلام نقص؟!! أو بعبارة أخرى: هل الكلام من صفات النقص أو من صفات الكمال؟!! أليس المخلوق الذي يتصف بالكلام خير وأجمل من الذي لا يتكلم؟ الجواب "بلى" بإجماع العقلاء. فهل تُسوّغ عقول الجهمية أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؟ لأن كثيراً من المخلوقات تتصف بالكلام - وهو صفة كمال- والخالق يمتنع عليه الكلام؟!! أفليس الذي يعطي الكمال أولى بأن يتصف بالكمال على أكمل وجه بحيث لا يشاركه أحد في خصائص ذلك الكمال؟!! الجواب "بلى" لدى جميع العقلاء. هذا المعنى هو الذي يدور حوله حوار الإمام أحمد، والزاماته للجهمية لو كانوا منصفين وطلاب حق، وأخيراً هو الذي يريد إثباته أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة. الصفة السادسة: صفة المحبة: هذه الصفة تتحقق بين العبد الذي يحب ربه وسيده ومولاه، وبين ربه الكريم الذي أخبر أنه يحب عباده المتقين المحسنين، ومحبة العبد لربه -كما يراها بعض المحققين١، وكما هو الواقع -هي حقيقة "لا إله إلا الله"، وهي تتفاوت فيما بين العباد، فكلما يزداد العبد في تحقيق لا إله إلا الله يزداد محبة لله، ورغبة في لقائه، فأكثر العباد محبة لله الأنبياء ثم الصالحون من

стр. 249

أتباعهم، لأن محبتهم لله حق المحبة هي التي حملتهم على تحمل المشاق والمصاعب، وعلى تحمل كل ما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله إلى محبته، والإيمان به سبحانه وإصلاح شئون عباده. فالخوف والخشية والتفاني في طاعة الله، وحسن عبادته، وتحمل الأذى في سبيل إظهار دينه، وإعلاء كلمته ونصح عباده، وتقديم الخير لهم كل أولئك ثمرات من ثمار محبة الله الصادقة التي لا تتم إلا إذا وصلت به تلك المحبة إلى درجة أنه من شدة محبته لربه ومن صحة محبته له، يحب كل من يحبه، والعمل الذي يحبه، وكل خصلة أو صفة يعلم أن الله يحبها ومن الأدعية المأثورة: "اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يقربنا إلى حبك ". ومحبة العبد لربه - إذا صحت، وتحققت فهي فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لجميع المحاب لها، إذ هي الطاقة المحركة للعبد إلى فعل كل خير واجتناب كل شر، بل كل تصرفات العبد في تعامله مع الله، وتعامله مع عباده نابعة من تلك الطاقة "المحبة" يتحرك العبد ويعمل ويعطي بتلك الطاقة لأن مقرها "القلب" الذي إذا صلح، صلح كل شيء، وإذا فسد، فسد كل شيء، فسد دينه، وفسدت عقيدته، وفقد محبة ربه ومولاه، وإذا ما تعطلت تلك الطاقة وغيض نبعها، هناك الهلاك، والعبد في هذه الحالة قد مات قلبه كلياً وهو لا يدري. فهل صلاة العبد وحسنها والخشوع فيها إلا ثمرة من ثمرات محبته لربه سبحانه ورغبته في قربه منه!! وهل أنفق المنفقون من أموالهم وعصارة كدهم في مرضاة ربهم إلا لمحبتهم لربهم أكثر من محبتهم لأموالهم؟!! وهل صام عبد وحج وجاهد وتكبد المشاق في سبيل ذلك إلا بدافع من محبته لربه ورغبته فيما عنده سبحانه!!

стр. 250

وبالاختصار لم يعبد الله عبد، ولم يركع ولم يسجد إلا بدافع المحبة، ولم يتكاسل ولم يعجز إلا لفقدان محبته لربه وتقديره لربه حق قدره أو نقصانها. هذا هو مفهوم المحبة عند أهل السنة وعلماء الحديث الذين هم الناس الذين يقتدى بهم في مثل هذا المجال. وأما محبة الرب سبحانه لعباده من أنبيائه وأوليائه أهل طاعته، فهي صفة عظيمة وحبيبة إلى قلوب عباده المحبين، وهي صفة مستقلة قائمة بالله تعالى، وهي فعل من أفعال الرب تعالى يؤهل لهذه المحبة من شاء من عباده ويخذل من شاء ولا يوفقه لينالها فرحمته وإحسانه وعطاؤه وإكرامه لمن شاء من عباده ثمرة من ثمرات محبته، وثواب لها ومن موجباتها لأن الله تعالى لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وعطائه أوفر نصيب وأتمه. ولو قلت: إن محبة الله تعالى هي حقيقة إيمان العبد بربه لما بالغت، بل هذا ما يعنيه شمس الدين ابن القيم بقوله: "إنها حقيقة لا إله إلا الله" وفي اعتقادي الذي يقرب من الجزم أن الذين ينكرون المحبة إنما ينكرونها إنكاراً تقليدياً، ولا يدركون ماذا يعني هذا الإنكار، وإلا فلو كانوا يدركون أن إنكار محبة الله إنما يعني إنكار الإيمان بالله لما تجرأوا على هذا الإنكار الذي لا يُنْتِج إلا الكفر أو الزندقة. ولو سئل مسلم عادي وهو لا يزال على فطرته: هل تحب الله تعالى؟ لاندهش من هذا السؤال الغريب، ولأجاب: كيف لا أحبه، وأنا مسلم!! ولو قيل له: إن الله تعالى لا يحبك، لكانت دهشته أكبر، ولاعتبر ذلك دعاء عليه أو إخباراً بأنه لا خير فيه، بل هو مطرود من رحمة الله، ولفعل أفاعيل من الغضب الشديد، وأثاره ذلك الموقف، ولهذا أعود فأقول: إن

стр. 251

إنكار المنكرين لمحبة العبد لربه، أو محبة الرب سبحانه لأوليائه إنكار تقليدي لا معنى هل، بل إنهم سمعوا أن من تنزيه الله تعالى عما لا يليق به أن لا تعتقد أن الله يحب أحداً، لأن المحبة انفعال نفسي وتغير من حال إلى حال، فذلك من صفات المحدثين، فاتصاف الله بها يؤدي إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، فذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال، فوصفه تعالى بأنه يحب محال، هذه خلاصة تقريرهم، والغاية من إنكارهم، فهو كما ترى تقرير تقليدي أجوف، وإنما ينخدع به السذج من الناس، ولكنه قد ترك كثيراً من الناس في حيرة لا يستطيعون التعبير عنها، لأنهم يجدون في أنفسهم شعور المحبة وبشدة أحياناً في حالة انتباههم لآثارها، ثم يتذكرون ذلك التقرير الذي تقدم شرحه، فماذا يصنعون؟!! فكل عبد منّ الله عليه بمحبة صادقة أثمرت له المبادرة إلى طاعة الله وحسن عبادته، ووجد من نفسه الاندفاع إلى مرضاته، والتلذذ بطاعته، والراحة فيها، " أرحنا بها يا بلال" ١، يشعر أن محبة الله هي التي بها حياته الروحية، وفيها نعيمه وحسن الأنس بربه، وولي نعمته. ثم إن المحبة الصادقة تتمثل أيضاً في كراهة العصيان، والابتعاد عن المخالفات والابتداع، إذ إن صاحبها يكره أن تدنس تلك العلاقة التي بينه وبين ربه "المحبة الصادقة" بأي نوع من أنواع الانصراف عنه، والغفلة والتمرد، وإذا ما نفذ فيه ما قُدّر عليه، وسبق في علم الله سبحانه أنه لا بد له من كبوة وهفوة، فتحقق ذلك، ولا محالة يعلم أن ربه الحكيم ابتلاه وامتحنه، فيبادر إلى باب مولاه وهو في ندم وحزن لا يعلم مداهما إلا ربه الذي ابتلاه،

стр. 252

ليطلب منه في ذل ومسكنة أن يأخذ بيده فينقذه مما هو فيه من عذاب الوحشة من آثار العصيان، فيأتيه إسعافُ "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه" ١ الحديث. وقد يستعيد عافيته وصحته أحسن وأقوى من ذي قبل، فيزداد محبة لربه وولي نعمته نعمة قبول توبته، ورده إلى بابه "وربما صحت الأجسام بالعلل". هكذا يعيش المحب طالما تؤدي طاقة المحبة عملها على الوجه المطلوب، وقد يعتريها أحياناً ما يعتريها، ولكن الله يلطف بعباده المحبين، فيُنْزِل رحمته عليها، ويعيد لها قوتها، وهكذا ... أما الجهمية النفاة فإنهم يزعمون أن الله لا يُحِب ولا يُحَب، هذا هو المبدأ عندهم، وماذا يصنعون بالنصوص المصرحة بالمحبة من جانب الرب سبحانه، ومن جانب العبد؟ هل يكذبون النصوص؟ وهل يجرؤون على ذلك أمام جمهور المسلمين؟!! "لا" إذاًَ فيتأولون النصوص، نصوص محبة العباد لربهم بمحبة طاعته وعبادته والازدياد من الأعمال الصالة لينالوا الأجر والثواب. وهكذا ... ومحبة الطاعة وهذه الأعمال الصالحة وتلك العبادة هي آثار أو ثمرات لتلك المحبة التي أنكروها لو كانوا يفقهون؟ وأما محبة الله لعباده فأولوها بالإحسان إليهم والتفضل بإعطاء الثواب على أعمالهم الصالحة أو بالثناء عليهم ونحو ذلك، وقد أولها بعضهم بإرادة الإنعام والإحسان، وتتلخص تأويلاتهم للمحبة فيما يلي: يؤولونها المفعول المنفصل كالعطاء والإحسان مثلاً، وأما الإرادة نفسها فيزعمون: أن الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال العالية، والمقامات المرضية سميت "محبة"، وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام سميت "غضباً"، وهكذا إلى آخر تلك الأسماء التي سموا بها من عند أنفسهم، فتصبح المحبة عندهم أحياناً

стр. 253

صفة فعل، وأحياناً صفة ذات. وقد ترجع أكثر صفات الأفعال إلى صفة واحدة وهي الإرادة كصفة الرحمة والمحبة والتعجب والغضب والفرح. وربما أدى تفسير المحبة أحياناً إلى ردها إلى صفة الكلام -"وموقفهم من صفة الكلام معروف" وقد تقدم، وذلك حين يقولون: إن المحبة هي ثناء الله على عباده الصالحين١. وليس لدى القوم مستند فيما ذهبوا إليه لا من الأدلة العقلية، ولا من الأدلة النقلية، بل لا تؤيدهم حتى الفطرة السلمية، بل جميع طرق الأدلة عقلاً ونقلاً وفطرة حتى الذوق السليم، وكلها تدل على إثبات محبة الرب لعبده ومحبة العبد لربه. ولعل مثل هذا الموقف من الجهمية هو الذي جعل الإمام عبد الله بن المبارك يقول قولته المعروفة: "إننا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية"٢اهـ. ولو تأمل الإنسان مواقف أمهات الطوائف المنتسبة إلى الإسلام كالخوارج والشيعة مثلاً لوجدها كلها تحاول الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة أو على الأقل بنصوص الكتاب وحده، بصرف النظر هل أن تلك النصوص تساعدهم فيما ذهبوا إليه أو تخالفهم وقد تلعنهم!! أما الجهمية فقد بنوا عقيدتهم ومذهبهم بعيداً عن النصوص كتاباً وسنة غير محاولين الاستدلال بها، بل يحاولون تحريفها لتوافق أهوائهم ونظرياتهم، فما حظهم من الإسلام يا ترى؟!! حقاً إنهم مصابون بضعف إيمان، وقلة استسلام وانقياد للنصوص، فمثلاً لو نوقش القوم في الإرادة التي فسروا بها "المحبة" في زعمهم، ستكون النتيجة أحد أمرين: ١- إما أن يستسلموا فيعودوا إلى رشدهم، فيثبتوا الإرادة والمحبة

стр. 254

معاً، فيسلم لهم إيمانهم وعقيدتهم لأنهم - في هذه الحالة - سلموا لله ولرسوله ﵊. ٢- وإما أن يتعنتوا ويعاندوا، فإن عاندوا تكن فتنة في عقيدتهم، وفساد كبير في إيمانهم، لأنهم ينفون ثمرة الإيمان، وما به حلاوة الإيمان تنال، ثم يلزمهم من هذا النفي نفي الإرادة والصفات المماثلة لها مثل القدرة والعلم مثلاً، لأن "ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر" سلباً وإيجاباً، ولا محالة وهذا الموقف لا يجتمع، والإيمان الصحيح كما ترى!! وقد يحاولون إيجاد مسوغ لهذا التصرف حيث يزعمون: إن المحبة ملائمة ومناسبة بين المحب والمحبوب، وتوجب للمحب بدرك محبوبه فرحاً ولذة وسروراً إلى آخر ما هنالك من الثرثرة العقيمة التي نعرفها لأهل الكلام. والجواب عن هذه الشبهة الواهية مثل أجوبتنا السابقة على مثلها من تلك الشبهات التي كلها من نسيج واحد، حيث لا يلزم عقلاً إثبات لوازم صفة المخلوق لصفة الخالق إذ لا مناسبة بينهما. فخلاصة الجواب أن ما ذكروه من لوازم "محبة" المخلوق التي نعرف حقيقتها وحقيقة صاحبها لا تلزم "محبة" الله الذي ليس كمثله شيء الذي لا نحيط به علماً ذاتاً وصفة سبحانه ما أحلمه؟!! يسمع خوض الخائضين وحذلقة المتحذلقين، ثم يمهلهم، ولا يعاجلهم لعلهم يتوبون، ويرجعون، وعلى كل حال فإن صفة المحبة صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة من الرعيل الأول وأئمة السلف، فالكلام فيها كالكلام في بقية الصفات الخبرية وبعد إذا ثبت في كتاب الله المبين، والأخبار الصحيحة بأن الله يحب عباده المحسنين، وأنهم يحبونه فليس لأحد كلام مع كلام الله وكلام رسوله ﵊، ومن ذلك هذه الآيات:

стр. 255

١- ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١. ٢- ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢. ٣- ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣. ٤- ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٤. ٥- ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٥. ٦- ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٦. ومن السنة النبوية قوله ﵊: ١- "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، أو كما يكره أن تؤتى معصيته" ٧. ٢- "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" ٨، وهو دعاء يدعو به الداعي في ليلة يرجو أن تكون ليلة القدر -كما ثبت ذلك في حديث عائشة ﵂.

стр. 256

٣- "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أ- " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ". ب- " أن يحب المرء لا يحبه إلا لله". جـ- " وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار "١. في هذا الحديث الشريف إيضاح ما سبق أن أشرنا إليه من أن محبة الله ومحبة رسوله إذا صدقتا تكونان علامة واضحة على صدق الإيمان وبهما ينال المرء حلاوة الإيمان، ويتذوقه حتى يصل إلى درجة الإحسان " فيعبد الله كأنه يراه ويشاهده" ٢، إيماناً ويقيناً بأن الله معه ولا يفارقه، وهو سبحانه يراه ويرى مكانه ويسمع كلامه ويعلم خلجات قلبه وحديث نفسه. وهذا الموقف بل هذا الشعور يجعل العبد يستهين بكل شيء من ملاذ الدنيا، وينسى متاعبها، وهي درجة لا يفي حقها وبيان حقيقتها قلم عادي مثل "قلمي" فلنتركها إذاًَ لأصحابها، وهنيئاً لهم. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ، بيد أننا نحبهم في الله ونرجو أن ينفعنا الله بمحبتهم. وما ألطف قول الإمام الشافعي في هذا المعنى: أحب الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من بضاعته المعاصي ... وإن كنا جميعاً في البضاعة ٤- "إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"٣.

стр. 257

٥- "إن الله تعالى يحب من عباده الغيور "١. هكذا ينعت القرآن المحبين والمحبوبين، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟!! وقصارى القول: أن أصل الولاية الحب، وأصل العداوة البغض٢، والله المستعان. الصفة السابعة: صفة الرحمة: هذه الصفة من الصفات التي اختلف أهل العلم فيها هل هي من صفات الذات أو من صفات الأفعال، وقد تقدم ذكر الخلاف عند الكلام على صفة الذات وصفة الفعل، والذي يترجح عند بعض أهل العلم أنها من صفات الأفعال، لأنه يرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، وينتقم منه ولا يرحمه، فحيث تتعلق بها مشيئة الله وقدرته فهي من صفات الأفعال ويمكن عدها من صفات الذات باعتبار أن الله لم يزل متصفاً بالرحمة، فالرحمة العامة ملازمة لذاته تعالى وإن كان أفرادها تتجدد، وقد تقدم ما يشبه هذا في صفة الكلام، والله أعلم. وعلى كل حال فهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة الذين هم خير الناس على الإطلاق، فلا يختلف السلف والخلف في – الجملة - في وصفه تعالى بالرحمة، بل إثبات بأن الله رحيم، ومن أسمائه ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وهو أرحم الراحمين، هذا الإثبات أمر فطري لا يتوقف فيه إنسان ما، وقد جاء ذكر الرحمة في القرآن الكريم بأساليب مختلفة نذكر منها الآتي: ١- ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣.

стр. 258

٢- ﴿الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ١. ٣- ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٢. ٤- ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ٣. ٥- ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ ٤. ٦- ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥. ٧- ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٦. ٨- ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٧. كما ورد ذكرها في السنة أيضاً مثل: ١- "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ٨. ٢- "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء" ٩. ٣- "إن الله كتب كتاباً وهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي "، وفي رواية "سبقت غضبي" إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي لم تذكر هنا إيثاراً للاختصار.

стр. 259

وأما هذا الحديث فهو مشتمل على ثلاث صفات: صفة العلو، وقد تقدم الكلام فيها، وصفة الرحمة وهي محل الشاهد من الحديث، وصفة الغضب وسيأتي الكلام فيها، أضف إلى هذه النصوص دليل العقل والفطرة الذي أشرنا إليه سابقاً وهو أمر واضح لا إشكال فيه. والذي يهمنا هنا تحديد موقف السلف والخلف من معنى هذه الصفة "الرحمة" وأما السلف فموقفهم من معناها كموقفهم من معنى صفة الاستواء التي سبق الحديث فيها وأطلنا فيها الكلام نوعاً ما وصفة المعية وما بعدها وما قيل هناك سيقال هنا في هذه الصفة، وهو الوقوف عند فهم المعنى العام فقط دون تعمق أو تفلسف لمحاولة إدراك الكنه والكيفية ثم اللجوء إلى التأويل عند العجز عند إدراك الحقيقة، وهو أمر محتم وقد فاتهم "أن العجز عن الإدراك هو الإدراك في المطالب الإلهية" لأن إدراك كيفية صفات البارئ فوق مستوى العلم البشري ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ١، هذا هو موقف السلف من معنى صفة الرحمة بكل إيجاز. وأما الخلف فلا يسعهم – عادة - إلا الخوض والتعمق والمناقشات المتطرفة فهاك مناقشتهم بإيجاز: قال الخلف باتفاق: إن "صفة الرحمة لا يجوز إثباتها على ظاهرها، لأن الرحمة رقة في القلب أو رقة تكون في الراحم، وهي ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم وهذه المعاني "نقص" وما كان كذلك مستحيل في حقه تعالى فإثبات "الرحمة" إذاً مستحيل، وإنما المراد لازمها أو إرادة لازمها٢. وهو "إرادة" الخير أو إرادة الإحسان". وردّ هذه الشبهة كالتالي: إن ما ذكره النفاة من "الخلف" من أن حقيقة الرحمة رقة في القلب، وهو

стр. 260

ضعف وخور إلى آخر ما هنالك، إنما هو من لوازم صفات المخلوق المعروفة لنا حقيقة ذاته وأما بالنسبة لصفات الله تعالى فهذه اللوازم غير لازمة لصفاته، وقياس صفات الخالق على صفات المخلوق قياس فاسد، وهو سر ضلال الجهمية كما لا يخفى على طالب العلم. وقد ذكرنا في غير موضع في هذه الرسالة - نقلاً من أهل العلم "أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يتحذى حذوه". فإذا كان من غير الجائز قطعاً قياس الخالق سبحانه على المخلوق في ذاته تعالى، فكذلك الأمر في الصفات، فغير جائز قياس صفاته على صفات المخلوق. ولما عرفنا حقيقة المخلوق وأحطنا به علماً ذاتاً وصفة مكنتنا هذه المعرفة من القول بأن حقيقة الرحمة في حقه هي هذه الرقة التي يحس بها الإنسان في بعض المناسبات، كما لو مر على "أعمى" يتخبط في وسط الشارع، وهو خائف قلق يشير بعصاه هنا وهناك، كأنه يحاول أن يدافع بها عن نفسه خطر تلك السيارات، هنا يرق قلب المؤمن ويشفق على هذا المسكين ويحاول إنقاذه من شر تلك السيارات ما استطاع. هذه الرقة يعرفها المرء من نفسه، ومن غيره من مخلوق مثله، وأما من لا نحيط به علماً ومن ليس كمثله شيء سبحانه والذي آمنا به إيمان إثبات وتسليم، فلا ينبغي أن نحاول معرفة حقيقة "رحمته" التي وسعت كل شيء. حتى إذا ما أدركنا تلك الحقيقة حرفنا فيها القول عن مواضعه بدعوى التأويل، علماً بأن تفسير الرحمة بالإرادة سوف لا يحل لهم الإشكال الذي يريدون حله. وبيان ذلك كالآتي: ١- يَرِدُ على هذا التفسير أنهم فسروا الصفة بصفة أخرى، أي: أن الرحمة هي الإرادة وهو تفسير مبتدع ومرفوض لدى العقلاء لأن الإرادة صفة مستقلة قائمة بنفسها كما أن الرحمة كذلك صفة قائمة بنفسها، وكذلك الغضب وسائر الصفات التي فسروها بعضها ببعض، وكلها صفات ثابتة بالكتاب والسنة.

стр. 261

٢- ولو سلمنا جدلاً هذا التفسير، فسوف يرد عليهم في صفة الإرادة التي أثبتوها وفسروا بها الرحمة. ما أوردوه على غيرهم في صفة الرحمة. وذلك لأن الإرادة لا تكون إلا لمناسبة بين المريد والمراد، وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة. وإلا فما لا يحتاج إليه الحب لا ينتفع به ولا يريده، وهو معنى لا يليق بالله. فإذاً إثبات الإرادة يؤدي إلى إثبات الحاجة، وهو١ "نقص" ومحال في حق الله تعالى وما يؤدي إلى المحال فهو محال. فإثبات الإرادة محال، وهذا ما يؤدي إلى طرد ذلك الباب الذي فتحوه على أنفسهم حتى تنفى جميع الصفات. والمسلك السليم هو مسلك "الجماعة" وهو أن لوازم صفات المخلوق لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. وكل الذي اعتمد عليه الخلف في نفي صفة الرحمة أو تأويلها وغيرها من الصفات التي حرفوها فيها "الكلم عن مواضعه" إنما هو إثبات لوازم صفات المخلوق لصفات الخالق وقياسها عليها، وهو خطأ في التصور أو غفلة شنيعة فليعلم ذلك. وهذه الصفة يدرك كل حي أثرها في نفسه وفي غيره في الأرض وفي السماء في كل لحظة ولمحة فما كان ينبغي أن تكون محل نقاش وجدل، بل القوم لا يشكون في آثارها التي أشرنا إليها ولكنهم وجدوا آباءهم كذلك يؤولون ويحرفون فقلدوهم تقليداً لفظياً، وقلوبهم تعترف مضطرة برحمة أرحم الراحمين، والله المستعان. الصفة الثامنة: صفة الرضا: هذه الصفة واحدة من صفات الأفعال التي فصلنا فيها القول سابقاً مثل المعية والمحبة وغيرها، وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع العلماء الذين يعتد بإجماعهم من الأئمة الأربعة وغيرهم ممن هم في طبقتهم أو بعدهم من

стр. 262

الذين ينهجون منهج السلف الصالح. بل هذه الصفة هي مطلب كل عابد، وغاية كل سالك من طاعتهم وعباداتهم. ومن الأدعية المأثورة التي يدعو بها طلاب الرضا في أرجى الأوقات ومظان إجابة الدعاء "اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار" فالرضى عنهم في دار الكرامة وعدم السخط عليهم بعد الرضى مطلب ليس بعده مطلب. وقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة بذكر الرضى، أي رضى رب العالمين عن عباده المؤمنين لإيمانهم وطاعتهم وحسن عبادتهم، وإخلاص العبادة له سبحانه وعدم الالتفات إلى سواه . كما أخبر الله في كتابه عن رضى عباده المؤمنين عن ربهم حين يتفضل عليهم فيدخلهم الجنة ويحل عليهم رضوانه الذي لا يعقبه السخط أبداً. فلنذكر بعض تلك النصوص المشار إليها فيما يلي: ١- ﴿﵃﴾ ١. ٢- ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ٢. ٣- ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣. ٤- "اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" ٤. ٥- " رضى الله في رضى الوالدين، وسخطه في سخطهما" ٥. فإيماننا بهذه النصوص من الكتاب والسنة يجعلنا نجزم بأن السلف يثبتون هذه الصفة كغيرها من صفات ربنا تعالى، لأن النصوص المذكورة

стр. 263

لا تتحمل التأويل إلا بنوع من التكلف، وقد نهينا عن التكلف كما نهينا عن القول على الله بغير علم. وأما الخلف فقد قالوا في هذه الصفة قولهم في جميع صفات الأفعال والصفات الخبرية وهي وجوب تأويلها بدعوى أن الرضا انفعال نفس وتغير من حال إلى حال، فذلك لا يليق بالله تعالى، وإنما المراد لازمه أو إرادة لازمه. ولازمه هو العطاء أو الإنعام، أو الثواب الجزيل، وسبق أن ناقشنا موقفهم هذا في غير موضع في صفة المحبة وصفة الرحمة وغيرهما من صفات الأفعال التي سبق الكلام فيها فلا نرى لزوماً لإعادة ذلك. الصفة التاسعة: صفة الضحك لله تعالى: الضحك قريب من الفرح والرضا والمحبة، من حيث المعنى العام، وهو صفة من صفات الأفعال تقوم بالله تعالى كما يليق به، وهو من الصفات التي انفردت بها السنة إذ لم يرد ذكرها في القرآن الكريم، وهذا الانفراد لا يؤثر عند أهل السنة والجماعة، لأن ما ثبت بالسنة الصحيحة كالذي ثبت بالقرآن دون فرق، لأن القرآن نفسه يأمر الله فيه عباده بالأخذ بالسنة مطلقاً، جاءت "مؤكدة" أو جاءت "بانَيةً" ودون تفريق بين الأحكام والعقيدة، وقد تقدم هذا البحث مستوفى في حجية الحديث في مدخل هذا الكتاب، وأما الخلف فسوف نتحدث عن موقفهم بعد ذكر النصوص. ومما ورد في إثبات صفة الضحك الأحاديث التالية: ١- حديث أبي هريرة: " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة. يقاتل هذا فيُقتَلُ فيتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد "١.

стр. 264

٢- حديث أبي موسى الأشعري: "يتجلى ربنا ضاحكاً يوم القيامة" ١. ٣- حديث أبي رزين العقيلي: " قال: يا رسول الله أيضحك الله ؟ فقال: "نعم". فقال: "لن نعدم من رب يضحك خيراً" ٢. ولندع الإمام ابن القيم يتحدث قليلاً عن هذه الصفة بأسلوبه اللطيف، وهو بصدد حديثه عن المحبة والفرح والضحك- حيث يقول ﵀: "ومن هذا "ضحكه" سبحانه من عبده حيث يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه فيضحك سبحانه فرحاً ورضا، كما يضحك من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته، يتلو آياته ويتملقه، ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو فأقبل إليهم، وباع نفسه لله ولقاهم نحره حتى قتل في محبته ورضاه. ويضحك إلى من أخفى الصدقة عن أصحابه لسائل اعترضهم فلم يعطوه، فتخلف بأعقابهم وأعطاه سراً حيث لا يراه إلا الله الذي أعطاه، فهذا الضحك إليه حباً له وفرحاً به. وكذلك الشهيد حين يلقاه يوم القيامة، فيضحك إليه فرحاً به وبقدومه عليه٣ اهـ.

стр. 265

هكذا يوضح شمس الدين ابن القيم أن ضحك الرب سبحانه إلى بعض عباده في بعض تلك الحالات الخاصة فإنما هو ضحك رضا وفرح ومحبة، لأن الشخص أو الأشخاص الذين يضحك إليهم قد أتوا بأعظم أنواع محابه من جهاد في سبيل الله، ومن بيع للنفس لله، ومن المناجاة التي تفضل الله بها عليهم. وهكذا تجده سبحانه يوفق من شاء من عباده ليأتي بمرضاته فيتقبل منه ثم يفرح به حتى يضحك إليه رضاً ومحبة. سبحانك ما أعظم شأنك!! أما الجمهية الجفاة والمعطلة النفاة فلم يستطيعوا أن يهضموا هذا الموقف الكريم من ربنا العظيم ولم يوفقوا ليُسلّموا له ويفوضوا الأمر إليه، بل أخذوا يتخبطون كالناقة العشواء تصعد وتنزل وتذهب وتجيء، ولا تدري أي السبيل؟!! وقد أشكلت عليهم هذه الصفة لعدم اعتمادهم عل الأدلة النقلية التي سقناها من السنة المطهرة، وهي -كما قلنا سابقاً قد انفردت بها السنة المطهرة. ثم هي من الصفات الخبرية المحضة التي الأصل فيها الأدلة النقلية، وأما العقلية فتبع لها على حسب المنهج السلفي الذي سبق أن أوضحناه في موضعه من الرسالة. فليس في إثبات الضحك أي محذور لأنه ضحك ليس كمثله شيء كما قلنا فيما مضى من الصفات الخبرية، لأن الباب واحد، وتساق الصفات كلها سوقاً واحداً، وأما قولهم: إن المراد بالضحك الرضى والثواب الجزيل فهي شنشنة نعرفها للفلاسفة، وأولادهم من علماء الكلام. فليست غريبة علينا ولا هي جديدة عليهم. وهذا هو التخبط الذي أشرنا إليه وهم في غنى عنه لو حالفهم التوفيق. والعجيب من أمرهم أنهم إذا مرت عليهم صفة الرضى أولوها بالثواب أو بإرادة الثواب، وإذا مرت بهم صفة التعجب أو الفرح أولوها كلها إما بالثواب وما في معناه أو بالإرادة،

стр. 266

وكذلك صفة الرضى. وهاهم هنا يؤولون الضحك بالرضى فعلام يدل هذا التصرف؟!! يدل على ما ذكرناه سابقاً في غير موضع من أن عقيدة القوم عقيدة تقليدية لا تستند إلى دليل أو قاعدة، "سمعنا الناس يقولون شيئاً فقلناه"!! وهذا المعنى هو الذي دعا في آخر المطاف الإمام أبا الحسن وكبار شيوخ الأشعرية بعده إلى الرجوع عن هذا التخبط إلى منهج ثابت مبني على أساس قوي لا تؤثر فيه الشبهات وهو منهج أهل الحديث والسنة الذي درج عليه سلف هذه الأمة. وأراد بعضهم أن يتفلسف أكثر فقال: الضحك خفة الروح، فيكون عند تجدد ما يسُر واندفاع ما يضُر. فيقال له: أدركت شيئاً وفاتتك أشياء، إن الضحك الذي تحدثت عنه هو ضحكك وضحك أمثالك من مخلوقات الله، أما ضحك الخالق العظيم سبحانه فلا تُدرك حقيقته لأنك لم تدرك الخالق فكيف تُدرك حقيقة ضحك الخالق، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. وقد تقدمت هذه القاعدة في غير موضع. الصفة العاشرة: صفة التعجب: ومن الصفات التي يثبتها ويؤمن بها أهل السنة والجماعة "صفة التعجب" فيصفون الله تعالى بالتعجب، لأنه وصف نفسه بها ووصفه بها رسوله ﷺ فيما ثبت عنه، وهي من الصفات التي تتجدد حسب مشيئته تعالى وإرادته، فهي فعل من أفعال الله الكثيرة التي تصدر عن حكمة خفية لا يعلمها إلى الله تعالى. ثم إن الصفة التعجب قد تدل على محبة الله للفعل الذي هو محل التعجب، وهي في هذه الصورة قريبة من معنى الفرح، ومن أمثلة هذا النوع،

стр. 267

قوله ﷺ : "يعجب ربك من شاب ليست له صبوة" ١، وقوله ﷺ : "يعجب ربك من عبده إذا ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة "٢، وقوله: "يعجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل" ٣، وفي رواية: "عجب ربك من قوم بأيدهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة". كل ذلك على ما يليق بالله، وإذا كان التعجب في حق الإنسان منشأه غرابة الفعل وأنه حدث على شكل يثير العجب والغرابة، لأن الإنسان فوجئ بالفعل الذي هو محل التعجب، إذا كان هذا هو مثار التعجب عند المخلوق، فإن الله تعالى منزه عن هذه المعاني، لأنه سبحانه هو الذي قدر ذلك الفعل الذي هو محل التعجب وقدره، فلا ترد في حقه سبحانه هذه المعاني وتلك اللوازم لتعجب الإنسان. فلا يسعنا إلا أن نقول فيه ما قلناه في صفات الأفعال التي تقدمت، وهو ما قاله الإمام مالك من قبل: "التعجب معلوم المعنى مجهول الكيفية والكُنه، ولكن الإيمان والتسليم واجب والتعمق والتشكك بدعة ومهلكة، والله المستعان. ثانياً: وقد يدل التعجب على بغض الله للفعل الذي هو محل التعجب ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ ٤، وقوله سبحانه: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ٥، وقوله

стр. 268

تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ﴾ ٣. قال ابن القيم ﵀: "وقد يدل التعجب على امتناع الحكم وعدم حسنه". ومثل له بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ ٤. وقد يدل أحياناً على حسن المنع منه وأنه لا يليق به مثله. ومثل له بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٥، ٦. والتعجب بأنواعه المشار إليها صفة فعل تقوم بالله تعالى على ما تقدم تفصيله آنفاً. والاستغراب والتأويل غير وارد خشية الوقوع في القول على الله بغير علم لأن التأويل دائماً مبني على الظن والتخمين، لأن المعنى المؤول إليه ظني قطعاً. وهذا ما جعل السلف يلتزمون منهجهم السليم، ولا يحيدون عنه، وهو عدم القول على الله بغير علم، بل التسليم لله في حقائق ذاته وصفاته، وأفعاله، وقوفاً مع النصوص وتأدباً معها بل وتقديراً لله حق قدره. وقال الشهرستاني - وهو يتحدث عن منهج الإمام مالك والإمام أحمد وغيرهم من أئمة السلف- قالوا: إنما توقفنا في تأويل الآيات لأمرين: أحدهما: المنع الوارد في التنزيل "في سورة آل عمران في الآية السابعة حيث وصف المؤولين بالزيغ" فنحن نَحْذُر عن الزيغ.

стр. 269

ثانيهما: أن التأويل أمر مظنون "بالاتفاق" والقول بالظن في "صفات البارئ"غير جائز، فربما أولنا الآية على غير مراد البارئ تعالى فوقعنا في الزيغ١. الصفة الحادية عشرة: صفة الفرح: صفة الفرح من الصفات الفعلية الخبرية التي انفردت بها السنة دون الكتاب، وهي ثابتة بالسنة الصحيحة التي تلقاها أهل السنة بالقبول، وعقد إجماعهم استناداً إليها على إثباتها، وهذه الصفة تدل بالتضمن على لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث يوفق من يشاء من عباده ليتوبوا فإذا تابوا تقبّل توبتهم وفرح بها فرحاً شديداً ولطيفاً في وقت واحد، إذ يَرُدّ إليه عباده الشاردين من طاعته لئلا يضيعوا، وهو الذي لا تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم. وهذا المعنى هو الذي يقرره لنا رسول الرحمة بقوله ﵊: "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة "، وفي رواية لمسلم: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح" ٢ اهـ. وأهل السنة يؤمنون بهذا لحديث لصحته عن رسول الله ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ويثبتون

стр. 270

الصفة التي جاءت فيه، ولا يتعرضون لها بالتأويل كما لا يشبهون صفات الله بصفات خلقه، وهو شأنهم في جميع الصفات. ومعنى الفرح معلوم والكيف مجهول، والبحث عن الكيفية من أنواع البدع المحدثة، والإيمان به من واجبات الدين الإسلامي وأما الخائضون المتعمقون الذي يبحثون عن الكيفية، وإذا عجزوا عن إدراك الكيفية - وهو أمر محتم- فإنهم يلجأون إلى التحريف. والواجب هو الوقوف عند المعنى العام دون تكلف، وقد نُهينا عن التكلف، هذا هو موقف السلف من معنى هذه الصفة وبالله التوفيق. وأما الخلف فديدنهم معروف، وهو تأويل الصفة بأثرها ولازمها، وهنا قبول التوبة والثواب الجزيل والعطاء الكريم، بدعوى أن حقيقة الفرح مستحيلة على الله لأنها خفة وانفعال وتغير من حال إلى حال وكل ذلك لا يليق بالله تعالى. والجواب على شبهتهم هذه هو جوابنا على الشبهات السابقة، والقوم لا يكادون يفهمون من نصوص الصفات إلا حقائق صفات المخلوق فيفسرون صفات الله بتلك الحقائق فيقعون في التشبيه ثم يحاولون التخلص مما تورطوا فيه من التشبيه بارتكاب بدعة التأويل والقول على الله يغير علم. هذه حيقيتهم في جميع الصفات أو أكثرها على اختلاف مشاربهم والله المستعان. الصفة الثانية عشرة: صفة الغصب: الغضب من صفات الأفعال التي تتعلق بها المشيئة وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ومن الآيات القرآنية التي تثبت هذه الصفة قوله تعالى:

стр. 271

١- ﴿مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ١. ٢- ﴿وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٢. ٣- ﴿وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ﴾ ٣. وهناك عديد من آيات الكتاب المبين في هذه الصفة، ومذهب سائر الأئمة إثباتها، والأحاديث المشار إليها تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذاراً للناس عندما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة منهم، وهم: آدم أوب البشر، ونوح، وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، يخبر النبي ﵊ أن كل واحد منهم يقول: " إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري" ٤ إلى آخر الحديث الطويل. والحديث يدل دلالة واضحة على أن إثبات صفة الغضب من دين الرسل جميعاً، لأن الشرائع كلها متفقة في الأصول بيد أن الله جعل لكل واحد منهم شرعة ومنهاجاً. ومحل الشاهد من الحديث: " إن ربي غضب اليوم "واللفظ صريح في أنه قد يحدث في ذلك اليوم غضب لم يحدث مثله قبل ذلك، كما لا يحدث بعده مثله. - قوله ﵊: "من لم يسأل الله يغضب عليه "٥، وقد نظم بعضهم هذا المعنى قائلاً:

стр. 272

الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبُنيّ آدم حين يسأل يغضب - قوله ﵊: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١. - قوله ﵊: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟!! فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً" ٢. يستدل أهل السنة بهذا الحديث على أن يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخطُ على من شاء، كم يحل سخطه ثم يرضى ولكن هؤلاء أحل عليهم رضواناً لا يعقبه سخط٣. ما أصدق ما قاله الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: "ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام"٤. استناداً إلى هذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي آثرنا عدم ذكرها رغبة في الإيجاز، يؤمن السلف وجمهور الأئمة بهذه الصفة ويبقونها على ظاهرها، الظاهر الذي يليق بالله إيماناً منهم بأن النصوص لا

стр. 273

تدل بظاهرها إلا على ما يليق بالله - خلاف ما يزعمه الزاعمون- أي أنهم لا يؤولونه كما أوله غيرهم. يبد أن إثباتهم لا يصل بهم إلى حد التشبيه والتمثيل -كما قلنا في غير موضع- من الرسالة. وأما الخلف فلم يوفقوا في هذه الصفة كما لم يحالفهم التوفيق أيضاً في جميع الصفات على اختلاف مشاربهم، فزعموا: أنه ما ثمةَ غضب. وإنما المراد بالغضب المذكور في النصوص لازم الغضب وهو إرادة الانتقام. وعللوا لما ذهبوا إليه بقولهم: إن أصل الغضب غليان دم القلب عند إرادة الانتقام، وذلك مستحيل على الله تعالى، أو بعبارة أخرى: إن حقيقة الغضب الانفعال والتغير من حال إلى حال، وهو أمر لا يليق بالله، إلى آخر تلك التعليلات والأعذار غير المقبولة لدى غيرهم، من أهل السنة والجماعة. ولدفع هذه الشبهة التي نسجوها من خيوط العنكبوت نقول هنا ما قلناه في رد شبهاتهم السابقة حول الصفات التي تحدثنا عنها سابقاً: وهو أن لوازم صفات المخلوقين التي ذكروها لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق حتى تقاس صفاته سبحانه على صفاتهم، وكما أنهم أثبتوا ذات البارئ دون تفكير في لوازم ذوات المخلوقين، يلزمهم إثبات صفاته ذاتية أو فعلية دون تفكير في لوازم صافت المخلوقين، وهذا الإلزام يلحق أو يلزم جميع النفاة المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم. هكذا نوجز القول في هذه الصفة اكتفاء بما تقدم من المناقشة حول الصفات التي قبلها، لأن الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر. وبالتالي فإن الكلام في الصفة عامة كالكلام في الذات سلباً وإيجاباً.

стр. 274

ب- الصفات الخبرية: الصفة الثالثة عشرة: صفة الوجه: وهي من الصفات الخبرية التي أشكلت على الخلف على الرغم من ثبوتها بصريح القرآن وصحيح السنة، والعقل تابع ومصدق وغير رافض. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري الإمام المتكلم السلفي: "أما بعد: فمن سألنا فقال: أتقولون: إن لله سبحانه وجهاً؟ قيل له: نقول ذلك خلافاً لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ " ١. قلت: نضيف إلى الآية التي استدل بها الإمام قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ٢، وقوله ﵊: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ٣، " وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ٤، وهو قطعة من حديث طويل عند الشيخين في أبواب رؤية الرب تعالى لأهل الجنة وشاهدنا منه ذكر وجه الرب تعالى. نكتفي بالآيتين الكريمتين والحديثين الشريفين مع وجود غيرهما من أحاديث الرؤية التي تصرح أكثرها بذكر الوجه، لأن العبرة في إثبات صفة من الصفات ليست بكثرة الأدلة، وإنما العبرة بصحة الأدلة وصراحتها، وهذان العنصران متوافران هنا ولله الحمد والمنة، ولذا أطبق السلف وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب تعالى وإثباتها على ما

стр. 275

يليق بالله لا يفسرونها بالذات، ولا يطلقون عليها شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو أو الجزء، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفيها بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار. وهي صناعة معروفة لا تروج في سوقنا ولله الحمد والمنة، إذ قد شرحنا أمثالها وعرفناها على حقيقتها هذا، وإن الذين ينكرون وجه الله ورؤية وجهه يوم القيامه وكلامه لأهل الجنة، فيا ترى إلاَم يسعون؟ ولماذا يعملون؟! وما هي ثمرة كدهم؟! والله المستعان. الصفة الرابعة عشرة: صفة النفس لله ومما يجب إثباته لله تعالى: (النفس) لأن الله أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﵊، وهي كما يليق بالله تعالى، يقول الله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١، وقول النفاة بأن ذلك من باب المشاكلة مدفوع بنصوص كثيرة وردت في غير المقابلة منها: ١- قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ ٢. ٢- ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٣. ٣- ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٤. ٤- وقوله ﵊ في ثنائه على الله: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ٥.

стр. 276

٥- قوله ﵊ في حديث أبي هريرة، وهو قطعة من الحديث القدسي الطويل: " ... إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" ١. وهناك غيرها من النصوص الصريحة. بهذه الأدلة نثبت لله (النفس) فدعوى المشاكلة في الآية الكريمة ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، غير واردة، بل باطلة لأن النصوص الأخرى كلها -كما علمت- وردت دون مقابلة أو مشاكلة. وليس هناك ما يدعو إلى التأويل أو التحريف. إذ شأن النفس كشأن الصفات الخبرية الكثيرة التي تقدم الحديث فيها والله أعلم. الصفة الخامسة عشرة: صفة اليد وهذه الصفة -كالتي قبلها من الصفات الخبرية- قد طاشت فيها سهام الخلف عن إصابة الهدف، وأخذوا يفسرونها تفسيراً يساير عقيدتهم، فسروها مرة بالقدرة، ومرة أخرى بالنعمة فارّين - في زعمهم - من التشبية والتجسيم - يا سبحان الله- ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ ٢، يقول الله في كتابه المبين: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٤، فهل من الجائز أن يقال: لما خلقت (بنعمتي) ؟ الجواب: (لا) بالإجماع، لأن الذي يؤمن به جميع المؤمنين - والخلف منهم- أن نعم الله لا تعد ولا تحصى، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ ٥، وهذا

стр. 277

أولاً. وهل من الجائز ثانياً أن يقال: لما خلقت (بقدرتي) ؟ الجواب: لا، إجماعاً أيضاً - فيما أعتقد - لأن الذي ندين به نحن وإياهم - فيما أعلم- أن لله قدرة واحدة وباهرة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، لعدم الدليل على التعدد، هكذا يتضح الصواب في المسألة بإذن الله. وما ذكرناه في تفسير آية (المائدة) يقال في تفسير آية (ص) فإذاً هما يدان تليقان بالله تعالى لا القدرة، لأن القدرة صفة أخرى غير اليد كما علمنا، ولا النعمة لما شرحنا، ولا الجارحة، لأن الجارحة للمخلوق. ولا تشبه يده يد المخلوق. إذ ليس كمثله شيء. قال الإمام أبو الحسن الأشعري - وهو يناقش تفسير الخلف لآية (ص) -: "فلو كان الله عنى بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، القدرة لم يكن لآدم ﵇ على إبليس في ذلك ميزة، والله أراد أن يُرى أن لآدم على إبليس فضلاً إذ خلقه بيده دونه، ولو كان خالقاً لإبليس بيديه كما خلق آدم ﵇ بيديه لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، وكان إبليس يقول محتجاً على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم بهما، فلما أراد الله تفضيله عليه بذلك، قال له موبخاً لاستكباره على آدم أن يسجد له ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ ؟!! فدل على أنه ليس معنى الآية القدر، إذ أن الله خلق الأشياء جميعها بقدرته، وإنما أراد إثبات يدين لم يشارك إبليس آدم ﵇ في أن خلق بهما، وليس يخلو قوله : ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أن يكون معنى ذلك إثبات يدين (نعمتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين (جارحتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين (قُدرتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين، لا يوصفان إلا كما وصف الله عز

стр. 278

وجل. فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين، لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيديّ وهو يعني نعمتيّ، ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين ولا يجوز عند خصومنا أن نعني قدرتين١. وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع، وهو أن معنى قوله (بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين، لا يوصفات إلا بأن يقال: بأنهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت"٢ اهـ. هذا كلام واضح غني عن التعليق إلا أن الذي ينبغي التنبيه عليه أن اليد في غير هذا السياق قد تأتي بمعنى (النعمة) وتجمع على أيادي يقال: لفلان عليَّ يد أو أيادٍ. ولكن السياق الذي في الآيتين: يأبى هذا المعنى كما ناقش الإمام أبو الحسن ﵀. أما اليد بمعنى القدرة لا أعلم ثبوت هذا المعنى في اللغة، اللهم إلا إذا كان من باب الكناية، والله أعلم، وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ ٣، فليس لفظ (أيد) هنا جمع يد كما قد يتوهم، وإنما هو مصدر (آد الرجل يئيد أيداً) أي قوي، هكذا قال المفسرون٤. هذا وقد وردت في صفة اليد عدة أحاديث صحاح وحسان ولكننا نرى أن نقتصر على ذكر حديث واحد اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث احتجاج آدم وموسى ﵈، ومحل الشاهد منه: "فقال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده" ٥.

стр. 279

قال ابن بطال عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ في هذه الآية إثبات يدين لله تعالى وهما صفتان من صفات ذاته، وليستا بجارحتين١ اهـ. ثم لو استقرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن لفظ (اليد) جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: ١- جاء مفرداً كقوله تعالى ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ٢. ٢- جاء مثنى كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣. ٣- جاء جمعاً كقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٤. وإذا راجعنا هذه الاستعمالات الثلاثة للبد نجد أن الله إذا ذكر اليد مثناة يضيف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد ويتعدى الفعل بالباء إليهما أي إلى اليدين ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . وإذا ذكرها بصيغة الجمع أضاف العمل إلى اليد والفعل يتعدى بنفسه لا بالباء ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ . وأما في حالة الجمع يكون معنى عملت أيدينا أي عملنا نحن، وهو يساوي عملنا وخلقنا ورزقنا وتوضيح ذلك: من الجائز أن يضاف الفعل إلى يد ذي اليد، بدلا من أن يضاف إليه مباشرة، وهو أسلوب معروف عند العرب، وهو كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٥، و ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٦، وأما إذا أضيف الفعل إليه تعالى ثم عُدّي الفعل بالباء إلى يده مثناة أو مفردة فهذا

стр. 280

مما باشرته يده سبحانه١. ويشهد لما ذكرنا ما جاء في حديث الشفاعة الطويل في قوله ﵊ في حق آدم وموسى ﵉، يقال لآدم: "أنت الذي خلقك الله بيده" ويقال لموسى: "أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده" ٢. ولا يحتمل المعنى هنا القدرة، وإلا لم يكن للتوراة اختصاص بما ذكر ولا كانت أفضلية لآدم على كل شيء مما خلق بالقدرة كما تقدم في كلام أبي الحسن الأشعري عند الكلام على آية سورة (ص) ، والقصة معروفة لدى طلاب العلم. وخلاصة ما ذكر فيما تقدم أن هذه الصفة صفة بها العطاء والأخذ والقبض وهي غير القدرة وغير النعمة. نقول ذلك استناداً إلى قوله ﵊ فيما رواه البخاري: "يد الله ملأى لا يغيضهما نفقة سحّاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم ينقص ما في يده، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع"٣ ا. هـ وقوله ﵊: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أن الملك أين ملوك الدنيا" ٤، والحديث كقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥. ويفهم من كلام بعض أهل العلم أن النسبة التي بين اليد والقدرة كالتي بين الإرادة المحبة إذ يقول الإمام ابن القيم ﵀: "والذي يلوح

стр. 281

في معنى هذه الصفة (اليد) أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها معنى، والقدرة أعم، ثم قال ﵀: كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، وكل شيء أحبه فقد أراده وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة، وليس كل شيء واقع بالقدرة واقعاً باليد، فاليد أخص من معنى القدرة، ولذلك كان فيها تشريف آدم"١ اهـ. قلت: وكذلك كتابة التوراة وغرس جنة الفردوس كما تقدم، وعند التحقيق أن النسبة بين الإرادة والمحبة من باب عموم وخصوص من وجه يجتمعان في إيمان أبي بكر مثلاً فهو مراد ومحبوب، وتنفرد الإرادة في كفر أبي جهل مثلاً لأنه مراد غير محبوب، وتنفرد المحبة في إيمان إبليس لأنه غير مراد وهو محبوب لو وجد بإرادة الله ومشيئته. وأما النسبة بين القدرة واليد فمن باب العموم والخصوص المطلق يجتمعان في خلق آدم، وما ذكر معه لأنه خلقه بقدرته وصنعه بيده سبحانه كما كتب التوراة بيده وغرس جنة الفردوس بيده أيضاً، وتنفرد القدرة في سائر مخلوقاته التي لم يباشر خلقها بيده ولكن قال لها: كوني فكانت، والله أعلم. الصفة السادسة عشرة: صفة الأصابع لله تعالى بلا كيف ولا حد إذا كنا تحدثنا فيما سبق عن الوجه واليد وغيرهما من الصفات الذاتية الخبرية وأثبتنا أن اليد غير القدرة بل هي صفة زائدة قائمة بذاته تعالى فمن المناسب أن نتحدث عن إثبات الأصابع لله تعالى على ما يليق به سبحانه، والأصابع من الصفات الذاتية الخبرية التي انفردت بإثباتها السنة دون الكتاب. وقد ذكر غير واحد من علماء الحديث صفة الأصابع في كتبهم وتلقوها بالقبول، وفي مقدمة من ذكر أحاديث الأصابع الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما وذكره ابن عبد البر في تمهيده. وقد جمع أكثر طرقه الإمام الدارقطني في رسالته اللطيفة (كتاب الصفات) فانطلاقاً من هذه

стр. 282

الأدلة يثبت أهل السنة الأصابع لله تعالى على ما يليق بالله بلا كيف ولا حد. أحاديث الأصابع: روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر إلى النبي ﵊ فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم: إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبح، والماء على أصبع، والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن: فيقول: أنا الملك أنا الملك، فضحك رسول الله ﵊ تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقد روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وقريب منه حديث أبي هريرة عند مسلم، والحديث متفق عليه. إذ قد رواه البخاري في كتاب التوحيد في صحيح وفي معنى هذه الأحاديث المشار إليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم ولفظه: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث يشاء ثم قال: يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك". وفي معناه أيضاً حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ عند مسلم ونصه هكذا: "سمعت رسول الله ﵊ يقول: "الميزان بيد الرحمن إن شاء يرفع أقواماً ويضع آخرين- وقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه". وكان يقول رسول

стр. 283

الله ﵊: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". وبهذه الأحاديث الصحاح يثبت علماء الحديث وأهل السنة لله تعالى الأصابع بثبوتها صفة لله تعالى خبرية كما تقدم. وأحاديث صفة الأصابع لم تسلم من تحريف المحرفين بل نالها ما نال غيرها من نصوص الصفات. حيث زعم بعضهم أن الأصابع تخليط من اليهود لأن اليهود مجسمة، وأن ضحك النبي ﷺ من كلام الحبر ليس دليلاً على تصديقه لليهودي١، بل هو دليل الكراهة والغضب والاستنكار. وأنت ترى هذا الكلام ينقصه الشيء الكثير من الإنصاف، وأن مجانبة الصواب فيه واضحة ومكشوفة لكل طالب علم. وقد نسي المعارضون النافون أو تناسوا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث النواس بن سمعان وليس في إسنادهما يهودي ولا نصراني بحمد الله تعالى، فذهبوا ليتعلقوا بخيط العنكبوت فزعموا أن أحاديث الأصابع فكرة يهودية فلا ينبغي الاعتماد عليها، وفاتهم أنهم يسيئون بهذا التصرف إلى أصحاب رسول الله ﵊ الذين رووا الحديث بعد أن فهموا أن النبي ﵊ أقر اليهودي على ما أخبر من قدرة الله تعالى حيث يحمل الرب تلك الأشياء المذكورة في الحديث على أصابعه، بل ضحك ﵊ ضحكاً يدل على التصديق والإعجاب بكلام الحبر ثم أراد أن يزيل عنه الاستغراب والاستعظام فقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٢ الآية، هكذا فهم الرواة من الصحابة ومن بعدهم وأغرب ما في هذا التصرف محاولة تخطئة الراوي الذي قال: "وتصديقاً للحبر وتعجباً من كلامه" ثم تفسير الضحك

стр. 284

بالاستنكار والكراهة!! متى علموا بل متى علم المسلمون الذين يدرسون سيرة الرسول ﵊ أنه ﵊ إذا سمع من يصف الله بما لا يليق به أو إذا انتهكت حرمات الله، أو تقوّل أحدٌ على الله بغير علم، متى علموا بأن النبي ﵊ يعبّر عن ذلك بالضحك؟!! بل المعروف من سيرته ﵊ أنه في مثل هذه المواقف يغضب بل هو لا يغضب إلا في مثل هذه الظروف عندما تنتهك حرمات الله، ويتقول متقول على الله بغير علم. هذا هو المعروف لدى أهل العلم. لهذا كله فإن محاولة النفاة رد أحاديث الأصابع بعد أن رواها الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما، بذلك السبب الواهي وتناسيهم لأحاديث أخرى فيها ذكر الأصابع بل دعوى بعضهم أن ذكر الأصابع لم يرد في القرآن أو في حديث مقطوع به فإن محاولة النفاة هذه محاولة فاشلة فلا ينبغي أن يتأثر بها طلاب العلم كما علمت. وأما القول: إن الأصابع لم يرد ذكرها في القرآن (فكلمة حق أريد بها باطل) نعم لم يرد ذكر الأصابع في القرآن، فماذا يعني ذلك؟!! هل يعني ذلك بأننا لا نثبت الأصابع لأنها غير مذكورة في القرآن؟!! بل يلزم من ذلك أننا لا نثبت الفرح والضحك ونزول الرب آخر كل ليلة وغيرها من الصفات التي انفردت بها السنة، وهذا مفهوم جهمي صرف كما ترى!! فعلى أصحاب هذه المحاولة أن يحددوا موقفهم من الصفات التي انفردت بها الأحاديث الصحيحة، إما أن يثبتوها كلها، أو أن ينفوها كلها، وإلا فهم متناقضون ومضطربون. والتناقض والاضطراب من الصفات اللازمة لكل من أعرض عن هدي رسول الله ﵊ والتمس الحق والهدى خارج هديه ﵊، هذا موقف الذين حاولوا رد الأحاديث. وأما الذين أثبتوا الأحاديث فلهم موقف آخر. وهو محاولة التأويل بدعوى أن مثل هذه النصوص لا يراد ظاهرها لأن الأدلة العقلية

стр. 285

تأبى، فلا بد من التأويل إلى ما يليق بالله ويقبله العقل. أما هؤلاء فلم يأتوا بجديد بل هو أسلوب تعودناه في مثل هذه المواضع. فيا ترى كيف يكون التأويل بالنسبة للأصابع؟ قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع خلقاً يخلقه الله ليُحمّله ما تحمله الأصابع، وقال آخرون: لعل المراد بالأصابع نعمة النفع والدفع أو أثر الفضل والعدل١، إلى آخر تلك التكلفات التي هم في غنى عنها لو وفقوا. وممن أنكر هذا التحريف والتكلف في معنى الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث أوضح أن في تصرف هؤلاء المتأولة الطّعن في ثقات الرواة، ورد الأخبار الثابتة، إلى أن قال: ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي للزم فيه تقرير النبي ﷺ على الباطل وسكوته عن الإنكار- وحاشاه من ذلك، ثم قال الحافظ: وممن أنكر بل تشدد في الإنكار على من ادعى أن الضحك في الحديث كان على سبيل الإنكار، -الإمام ابن خزيمة- بعد أن أورد هذا الحديث في كتاب التوحيد من صحيحه٢ اهـ. يا له من موقف غريب!! هل هؤلاء يدعون أنهم أعلم بالله وما يليق به من رسول الله؟! أو من أصحاب رسول الله أو من التابعين لهم بإحسان وبإيمان؟! حقاً إنه موقف يحتار فيه المرء ولا يدري كيف يفسره!! وعلى كل حال فهذه مواقف
следующие страницы →