← Адаб

Адаб · id 10428

الرسائل للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (1 368 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال: وسألت بَخْتِيَشُوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار صحْن البيمارستان، فما كان بقدر ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في أضيق من مِحْقَنة، فقتلناهم فلو طرحت مبضعاً ما سقط إلا على أكحل رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: شرب الوصل دَسْتَج الهجر فاسْتَط ... لق بطن الوصال بالإسهال ورماني حبِّي بقُولَنجِ بينٍ ... مُذهلٍ عن ملامة العُذَّال ففؤاد الحبيب ينحله السُّ ... لُّ وقلبي معذَّبٌ بالملال وفؤادي مُبرسم ذو سقامٍ ... يا بن ما سُوه ضلَّ عنِّي احتيالي لو ببقراط كان مابي وجالي ... نوس باتا منه بأكسفِ بال

стр. 352

قال: وسألت جعفراً الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار سُوق الخُلقان، فما كان بقدر ما يخيط الرجل درْزاً حتى قتلناهم وتركناهم في أضيق من جربَّانٍ، فلو طرحتْ إبرةً ما سقطت إلا على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: فتقت بالهجر دُروز الهوى ... إذْ وخزتني إبرةُ الصّدِّ فالقلب من ضيق سراويله ... يعثر في بايكة الجهد جشَّمتني يا طيلسان النوى ... منك على شوزكتي وجدي أزرار عيني فيك موصولة ... بُعروة الدمع على خدِّي يا كستبان القلب يا زيقه ... عذَّبني التَّذكار بالوعد قد قصَّ ما يعهد من وصله ... مقراضُ بينٍ مُرهفُ الحدِّ

стр. 353

يا حُجزة النَّفس ويا ذيلها ... مالي من وصلك من بُدِّ ويا جربَّان سُروري ويا ... جيب حياتي حُلْت عن عهدي قال: وسألت إسحاق بن إبراهيم عن مثل ذلك - وكان زارّاعاً - فقال: لقيناهم في مقدار جريبين من الأرض، فما كان بقدر ما يسقى الرجل مشارةً حتى قتلناهم، فتركناهم في أضيق من باب، وكأنهم أنابير سنبل، فلو طرح فدّانٌ ما سقط إلا على ظهر رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: زرعت هواه في كراب من الصفا ... وأسقيته ماء الدوام على العهد

стр. 354

وسرجنته بالوصل لم آل جاهداً ... ليحرزه السرجين من آفة الصدِّ فلمَّا تعالى النبت واخضرَّ يانعاً ... جرى يرقان البين في سنبل الودِّ وقال: وسألت فرجاً الرخَّجيَّ عن مثل ذلك - وكان خبَّازاً - فقال: لقيناهم في مقدار بيت التنور، فما كان بقدر ما يخبز الرجل خمسة أرغفة حتى تركناهم في أضيق من حجر تنّور، فلو سقطت جمرة ما وقعت إلا في جفنة خبَّاز. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: قد عجن الهجر دقيق الهوى ... في جفنةٍ من خشب الصدِّ واختمر البين فنار الهوى ... تذكى بسرجينٍ من البعد وأقبل الهجر بمحراكه ... يفحص عن أرغفة الوجد

стр. 355

جرداق الموعد مسومة ... مثرودة في قصعة الجهد قال: وسألت عبد الله بن عبد الصمد بن أبي داود عن مثل ذلك - وكان مؤدَّبا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن الكتَّاب، فما كان بقدر ما يقرأ الصبيُّ إمامه حتى ألجأناهم إلى أضيق من رقم فقتلناهم، فلو سقطت دواةٌ ما وقعت إلا في حجر صبيّ. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: قد أمات الهجران صبيان قلبي ... ففؤادي معذَّب في خبال كسر البين لوح كبدي فما أط ... مع ممن هويته في وصال رفع الرقم من حياتي وقد أط ... لق مولاي حبلهمن حبالي مشق الحبُّ في فؤادي لوحي ... ن فأغرى جوانحي بالسلال

стр. 356

لاق قلبي بنانه فمداد ال ... عين من هجر مالكي في انهمال كرسف البين سوَّد الوجه من وص ... لي فقلبي بالبين في إشعال وقال: وسألت عليّ بن الجهم بن يزيد - وكان صاحب حمام - عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مثل بيت الأنبار، فما كان إلا بقدر ما يغسل الرجل رأسه حتى تركناهم في أضيق من باب الأتّون، فلو طرحت ليفةً ما وقعت إلا على رأس رجل. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: يا نورة الهجر حلقت الصَّفا ... لما بدت لي ليفة الصَّدِّ يا مئزر الأسقام حتَّى متى ... تُنفع في حوض من الجهْد أوقدْ أتون الوصل لي مرّةً ... منك بزنبيلٍ من الودِّ

стр. 357

فالبينُ مُذْ أوقد حمامه ... قد هاج قلبي مسلخ الوجد أفسد خِطميَّ الصفا والهوى ... نُخالة النَّاقض للعهد قال: وسألت الحسن بن أبي قماشة عن مثل ذلك - وكان كنَّاساً - فقال: لقيناهم في مقدار سطح الإيران، فما كان إلا بقدر ما يكنس الرجل زبيلاً حتَّى تركناهم في أضيق من جُحر المخرج، ثم قتلناهم بقدر ما يشارط الرجل على كنْس كنيف، فلو رميت بابنة وردانةٍ ما سقطت إلا على فم بالوعة. وعمل أبياتاً فكانت: أصبح قلبي بَرْبخاً للهوى ... تسلح فيه فقحة الهجر بنات وردان الهوى للبلى ... أصبرُ من ذا الوجد في صدري

стр. 358

خنافس الهجران أثكلنني ... يوم تولَّى مُعرِضاً صبري أسقم ديدان الهوى مُهجتي ... إذْ سلح البين على عُمري قال: وسألت أحمد الشَّرابيَّ عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار صحن بيت الشَّراب، فما كان بقدر ما يصفِّي الرجل دنّاً حتى تركناهم في أضيق من رطليّة فقتلناهم، فلو رميت تفاحةً ما وقعت إلا على أنف سكران. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: شربت بكأس للهوى نبذة معاً ... ورقرقت خمر الوصل في قدح الهجْر فمالت دنان البين يدفعها الصِّبا ... فكسَّرن قرَّابات حُزني على صدري وكان مزاج الكأس غُلَّة لوعةٍ ... ودورق هجرانٍ وقنِّينتيْ غدرٍ قال: وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك - وكان طبّاخا - فقال: لقيناهم في مقدار صَحْن المطبخ، فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملاً حتى

стр. 359

تركناهم في أضيق من موقد نار، فقتلناهم فلو سقطت مغرفةٌ ما وقعت إلا في قدر. وعمل أبياتاً في الغزل فكانت: يا شبيه الفالوذ في حمرة الخ ... دِّ ولوزينج النُّفوس الظِّماء أنت جوزينج القلوب وفي اللّي ... ن كلين الخبيصة البيضاء عُدْت مُستهتراً بسكباج ودٍّ ... بعد جوذابةٍ بجنب شواء يا نسيم القدور في يوم عُرسٍ ... وشبيهاً بشهدةٍ صفراء أنت أشهى إلى القلوب من الزُّبْ ... د مع النِّرسيان بعد الغذاء أُطعم الحاسدون ألوان غمٍ ... في قصاع الأحزان والأدواء

стр. 360

قد غلا القلب مذ نأتْ عنك داري ... غليان القدور عند الصِّلاءِ هام قلبي لَّما كسرن غضارا ... ت سروري مغارفُ الشَّحناء فتفضل على العميد بيومٍ ... جُد بوصلٍ يُكبتْ به أعدائي وتفضَّلْ على الكئيب ببزْما ... ورد وصلٍ يشفي من الأدواء قال: وسألت - أطال الله بقاءك - محمد بن داود الطوسيَّ عن مثل ذلك - وكان فرّاشا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن بساط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتاً حتى تركناهم في أضيق من منصة فقتلناهم، فلو سقطت مخدَّة ما وقعتْ إلا على رأس رجل. ثم عمل أبياتاً في الغزل فكانت: كسح الهجر ساحة الوصل لمَّا ... غبَّر البين في وجوه الصَّفاءِ وجرى البين في مرافق ريشٍ ... هي مذخورةٌ ليوم اللقاءِ

стр. 361

فرش الهجر في بيوت همومٍ ... تحت رأسي وسادة البُرحاءِ حين هيأت بيت خيشٍ من الوص ... ل لأبوابه ستور البهاءِ فرش البحر لي بيوت مُسموحٍ ... مُتَّكاها مطارح الحصباءِ رِقَّ للصبِّ من براغيث وجدٍ ... تعتري جلده صباح مساء قال: فضحك المعتصم حتى استلقى، ثم دعا مؤدِّب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم جميع العلوم.

стр. 362

الجزء الثاني الرسالة الحادية عشرة رسالة في النابتة إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي دُواد

стр. 363

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أطال الله بقاءك، وأتمَّ نعمته عليك، وكرامته لك. اعلمْ، أرشد الله أمرك، أنَّ هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها والخروج من جاهليَّتها إلى طبقاتٍ متفاوتة، ومنازل مختلفة: فالطبقة الأولى: عصر النبي ﷺ وأبي بكر وعُمر ﵄، وستُّ سنين من خلافة عثمان ﵁؛ كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المخلص، مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة. وليس هناك عملٌ قبيحٌ ولا بدعةٌ فاحشة، ولا نزْع يدٍ من طاعةٍ، ولا حسدٌ ولا غلٌّ ولا تأوُّل، حتى كان الذي كان من قتل عثمان ﵁ وما انْتُهك منه، ومن خبْطهم إيَّاه بالسلاح، وبعْج بطنه بالحراب، وفرى أوداجه بالمشاقص، وشدْخ هامته بالعمد، مع كفِّه عن البسْط، ونهيه عن الامتناع، مع تعريفه لهم قبل ذلك من كم وحهٍ يجوز قتْل من شهد الشهادة، وصلَّى القبلة، وأكل الذَّبيحة؛ ومع ضرب نسائه بحضْرته، وإقحام الرِّجال على حرمته، مع اتِّقاء نائلة بنت الفرافصة عنه بيدها، حتى

стр. 364

أطنُّوا إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها؛ ليكون ذلك ردْعاً لهم، وكاسراً من عزمهم؛ مع وطْئهم في أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على المزبلة جسده مجرداً بعد سحبه، وهي الجزرة التي جعلها رسول الله ﷺ كُفواً لبناته وأياماه وعقائله؛ بعد السَّبِّ والتعطيش، والحصْر الشديد، والمنع من القوت؛ مع احتجاجه عليهم، وإفحامه لهم، ومع اجتماعهم على أنَّ دم الفاسق حرامٌ كدم المؤمن، إلا من ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل مؤمناً على عمدٍ، أو رجلٌ عدا على الناس بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبُه؛ ومع إجماعهم على ألا يُقتل من هذه الأمة مُولٍّ، ولا يجهز منها على جريح. ثم مع ذلك كلِّه دمروا عليه وعلى أزواجه وحُرمه، وهو جالسٌ في محرابه، ومصحفه يلوح في حجره، لن يرى أنَّ موحداً يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله.

стр. 365

لا جرم لقد احتلبوا به دماً لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ثائره، ولا يكلّ طالبه. وكيف يضيع دمٌ الله وليُّه والمنتقم له؟! وما سمعنا بدمٍ بعد دم يحيى بن زكريا ﵇ غلا غليانه، وقتل سافحه، وأدرك بطائلته، وبلغ كلّ محْنته، كدمه الله عليه. ولقد كان لهم في أخْذه وفي إقامته للناس والاقتصاص منه، وفي بيع ما ظهر من رباعه وحدائقه وسائر أمواله، وفي حَبْسه بما بقي عليه، وفي طمْره حتَّى لا يُحسَّ بذكره، ما يُغنيهم عن قتله إنْ كان قد ركب كُلَّ ما قّفوه به، وادَّعوه عليه. وهذا كلُّه بحضرة جلَّة المهاجرين، والسَّلف المقدَّمين، والأنصار والتابعين. ولكن الناس كانوا على طبقاتٍ مختلفة، ومراتب متباينة: من قاتلٍ، ومن شادٍّ على عضده، ومن خاذلٍ عن نصرته. والعاجز ناصرٌ بإرادته، ومطيعٌ بحسن نَّيته. وإنَّما الشّكُّ منَّا فيه وفي خاذله، ومن أراد عزله والاستبدال به. فأمَّا قاتله والمعين على دمه والمريد لذلك منه، فضُلاَّلٌ لا شكَّ

стр. 366

فيهم، ومُرّاقٌ لا امتراء في حكمهم. على أنَّ هذا لم يَعُدْ منهم الفجور، إمَّا على سوء تأويل، وإما على تعمُّد للشَّقاء. ثمَّ مازالت الفتن متَّصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفّين، وكيوم النَّهْروان، وقبل ذلك يوم الزَّابوقة وفيه أُسر ابن حُنيف وقتل حكيم بن جبلة. إلى أن قتل أشقاها عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللَّعنة. إلى أنْ كان من اعتزال الحسن ﵇ الحروب وتخليته الأمور، عند انتشار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلوُّنهم عليه. فعندها استوى معاوية على الملك، واستبدَّ على بقيّة الشُّورى، وعلى

стр. 367

جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سَمَّوْه عام الجماعة وما كان عام جماعةٍ، بل كان عام فُرْقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحَّلت فيه الإمامة مُلكاً كسرويّاً، والخلافة غصْباً وقيصريّاً، ولم يَعْد ذلك أجمع الضَّلال والفسق. ثمَّ مازالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتَّى ردَّ قضيَّة رسول الله ﷺ ردّاً مكشوفاً، وجحد حُكمه جحداً ظاهرا، في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الأمّة أنَّ سُميَّة لم تكن لأبي سُفيان فراشاً، وأنَّه إنَّما كان بها عاهراً؛ فخرج بذلك من حُكم الفُجَّار إلى حكم الكفَّار. وليس قتل حُجْر بن عديّ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعته يزيد الخليع، والاستئثار بالفئء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشَّفاعة والقرابة، من جنْس جَحْد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة، والسُّنن المنصوبة. وسواءٌ في باب ما يستحقُّ من الإكفار جحد الكتاب وردُّ السنة؛ إذْ كانت السنَّة في شُهرة الكتاب وظهوره، إلاَّ أنَّ أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشدّ.

стр. 368

فهذه أوَّلُ كفرةٍ كانت في الأمة. ثم لم تكن إلاَّ فيمنْ يدَّعي إمامتها، والخلافة عليها. على أن كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره. وقد أربتْ عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا فقالت: لا تسبُّوه فإنَّ له صُحبة؛ وسبُّ معاوية بدعة، ومن يبغضْه فقد خالف السُّنَّة. فزعمت أنَّ من السُنّة ترك البراءة ممن جحد السُنَّة. ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عُمَّاله وأهل نُصرته، ثم غزو مكّة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين ﵇ في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام؛ بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتْباعه، والرجوع إلى داره وحرمه، أو الذَّهاب في الأرض حتى لا يُحسَّ به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلاَّ قَتْله والنُّزول على حكمهم. وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوِّه وخيَّر فيها من لا يبرد غليله إلاَّ بُشرْب دمه. فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحُرمة ليس بحجَّة، كيف تقولون في رمْي الكعبة، وهدم البيت الحرام، وقبْلة المسلمين؟ فإنْ قلتم: ليس ذلك أرادوا، بل إنما أرادوا المتحرِّز به والمتحصِّن بحيطانه. أفما كان من حقِّ البيت وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن

стр. 369

يُعطى بيده، وأيُّ شيءٍ بقي من رجلٍ قد أُخذت عليه الأرض إلاَّ موضع قدمه. واحسُبْ ما رووا عليه من الأشعار التي قولُها شِرك، والتمثُّل بها كفر، شيئاً مصنوعاً، كيف يُصنع بنَقْر القضيب بين ثَنيَّتي الحسين ﵇، وحمل بنات رسول الله ﷺ حواسر على الأقتاب العارية والإبل الصِّعاب، والكشف عن عورة عليِّ بن الحسين عند الشَّكِّ في بلوغه على أنَّهم إنْ وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه، كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري المشركين؟ وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصَّته: دعوني أقتلْه فإنَّه بقيّة هذا النَّسل، فأحسم به هذا القرْن، وأُميت به هذا الدَّاء، وأقطع به هذه المادَّة. خبِّرونا على ما تدلُّ هذه القسوة وهذه الغلطة، بعد أن شفوا

стр. 370

أنفسهم بقتلهم، ونالوا ما أحبُّوا فيهم. أتدلُّ على نصبٍ وسوء رأي وحقدٍ وبغْضاء ونفاق، وعلى يقينٍ مدخول وإيمان ممزوج، أم تدلُّ على الإخلاص وعلى حبِّ النبي ﵌ والحفظ له، وعلى براءة السَّاحة وصحّة السَّريرة؟ فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضَّلال - وذلك أدنى منازله - فالفاسق معلونٌ، ومن نهى عن لَعْن الملعون فملعون. وزعمت نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، أنَّ سبَّ ولاة السُّوء فتنة، ولعن الجورة بدعة، وإنْ كانوا يأخذون السَّميَّ بالسَّميِّ، والوليَّ بالوليِّ، والقريب بالقريب، وأخافوا الأولياء، وآمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار القدرة، والتهاون بالأمَّة، والقمع للرعيّة، وأنهم في غير مداراة ولا تقيّة، وإنْ عدا ذلك إلى الكفر، وجاوز الضَّلال إلى الجحد، فذاك أضلُّ لمن كفَّ عن شتْمهم والبراءة منهم. على أنَّه ليس من استحقَّ اسم الكفر بالقتل كمن استحقَّه بردِّ السنَّة وهدم الكعبة. وليس من استحقَّ الكفر بالتشبيه كمن استحقَّه بالتجوير. والنَّابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه، وابن زيادٍ وأبيه. ولو ثبت أيضاً على يزيد أنَّه تمثَّل بقوله ابن الزِّبعْري:

стр. 371

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسلْ لاستطاروا واستهلُّوا فرحاً ... ثم قالوا يا يزيدا لا تسلْ قد قتلنا الغرَّ من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدل كان تجوير النَّابتيِّ لربِّه، وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأفْظع. على أنَّهم مجمعون على أنَّه ملعونٌ من قتل مؤمناً متعمِّداً أو متأوِّلا. فإذا كان القاتل سُلطاناً جائرا، أو أمير عاصياً، لم يستحلُّوا سبَّه ولا خَلْعه، ولا نفيه ولا عيبه، وإنْ أخاف الصُّلحاء وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير وظلم الضعيف، وعطَّل الحدود والثُّغور، وشرب الخمور وأظهر الفجور. ثم مازال الناس يتسكعون مرّةً ويداهنونهم مرّة، ويقاربونهم مرة ويشاركونهم مرّة، إلاّ بقيّةً ممن عصى الله تعالى ذكره، حتَّى قام عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجّاج بن يوسف،

стр. 372

ومولاه يزيد بن أبي مُسْلم، فأعادوا على البيت بالهدْم، وعلى حرم المدينة بالغزْو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحُرْمة، وحوَّلوا قبلة واسط، وأخرّوا صلاة الجمعة إلى مُغيربان الشَّمس. فإن قال رجلٌ لأحدٍ منهم: اتّق الله فقد أخَّرت الصلاة عن وقتها، قتله على هذا القول جهاراً غير ختْل، وعلانيةً غير سرّ. ولا يُعلم القتل على ذلك إلاّ أقبح من إنكاره، فكيف يكفر العبد بشيءٍ ولا يكفر بأعظم منه؟ وقد كان بعض الصَّالحين ربَّما وعظ بعض الجبابرة، وخوَّفه العواقب، وأراه أنَّ في الناس بقيّةً ينهون عن الفساد في الأرض، حتَّى قام عبد الملك بن مرْوان والحجاج بن يوسف، فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه، وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه. فاحسبْ أنَّ تحويل القبلة كان غلطاً، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما رووا من كلِّ وجه أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ خليفة المرء في أهله أرفع عنده

стр. 373

من رسوله إليهم، باطلاً ومصنوعاً مولَّداً. واحسبْ وسْم أيدي المسلمين ونقْش أيدي المسلمات، وردّهم بعد الهجرة إلى القُرى، وقتل الفقهاء، وسبَّ أئمَّة الهدى، والنَّصْب لعترة رسول الله ﵌، لا يكون كفراً، كيف نقول في جمع ثلاث صلواتٍ فيهنَّ الجمعة ولا يصلُّون أولاهنَّ حتَّى تصير الشمس على أعالي الجدران كالملاء المعصفر. فأن نطق مسلمٌ خبط السَّيف، وأخذته العمد، وشكَّ بالرِّماح. وإن قال قائلٌ: اتَّق الله، أخذته العزَّة بالآثم، ثمّ لم يرض إلاَّ بنثر دماغه على صدره، وبصلبه حيث تراه عياله. ومما يدلُّ على أنَّ القوم لم يكونوا إلاَّ في طريق التمرُّد على الله ، والاستخفاف بالدِّين، والتَّهاون بالمسلمين، والابتذال لآهل الحقّ، أكْلُ أمرائهم الطَّعام، وشُربُهم الشَّراب، على منابرهم أيّلم جُمعهم وجموعهم. فعل ذلك حُبيش بن دُلْجة، وطارقٌ مولى عثمان، والحجَّاج بن يوسف

стр. 374

وغيرهم. وذلك إنْ كان كفراً كلُّه فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا؛ لأنَّ جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك. كان اختلاف الناس في القدر على أنَّ طائفةً تقول: كلُّ شيءٍ بقضاء وقدر، وتقول الطائفة الأخرى: كل شيءٍ بقضاءٍ وقدر إلاَّ المعاصي. ولم يكن أحدٌ يقول إنَّ الله يعذِّب الأبناء ليغيظ الآباء، وإنَّ الكفر والإيمان مخلوقان في الإنسان مثل العمى والبصر. وكانت طائفةٌ منهم تقول إنَّ الله لا يرى، لا تزيد على ذلك، فإنْ خافت أنْ يُظنَّ بها التشبيه قالت يُرى بلا كيفٍ، تعرِّياً من التَّجسيم والتَّصوير، حتَّى نبتت هذه النابتة، وتكلَّمت هذه الرَّافضة، فثبَّتتْ له جسماً، وجعلت له صورة وحدّاً، وأكفرتْ من قال بالرُّؤية على غير الكيفية. ثم زعم أكثرهم أنَّ كلام الله حسن وبيِّن، وحُجَّةٌ وبرهان، وأنَّ التَّوراة غير الزَّبور، والزَّبور غير الإنجيل، والإنجيل غير القرآن، والبقرة غير آل عمْران، وأنَّ الله تولَّى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنَّه لو شاء أن يزيد فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص، ولو شاء أن يبدِّله بدَّله، ولو شاء أن ينسخه كلَّه بغيره نسخه، وأنَّه أنزله تنزيلا، وأنَّه فصَّله تفصيلا، وأنَّه بالله كان دون غيره، ولا يقدر عليه إلا هو، غير أنَّ الله مع ذلك كلَّه لم يخلقْه. فأعطوا جميع صفات الخلْق ومنعوا اسم الخلق. والعجب أنَّ الخَلْلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه؛ فإذا قالوا خلق

стр. 375

كذا وكذا، وكذلك قال " أحسن الخالقين " وقال " تَخْلُقُون إفْكاً " وقال: " وإذْ تخلُقُ من الطِّين كهيئة الطَّيْر " فقالوا: صنعه وجعله وقدَّره وأنزله، وفصَّله وأحدثه، ومنعوا خَلَقه. وليس تأويل خلقه أكثر من قدَّره. ولو قالوا بدل قولهم قدَّره ولم يخلُقْه: خلقه ولم يقدِّره، ما كانت المسألة عليهم إلاَّ من وجهٍ واحد. والعجب أنَّ الذي منعه بزعمه أنْ يزعم أنَّه مخلوقٌ أنَّه لم يسمع ذلك من سلفه وهو يعلم أنَّه لم يسمع أيضاً عن سلفه أنّه ليس بمخلوق. وليس ذلك بهم، ولكن لما كان الكلام من الله يقال عندهم على مثل خروج الصَّوت من الجوف، وعلى جهة تقطيع الحروف وإعمال اللِّسان والشَّفتين، وما كان على غير هذه الصُّورة والصِّفة فليس بكلام. ولما كنّا عندهم على غير هذه الصفة، وكنا لكلامنا غير خالقين، وجب أنَّ الله لكلامه غير خالق، إذ كنَّا خالقين لكلامنا. فإنَّما

стр. 376

قالوا ذلك لأنَّهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا، وإن لم يقرُّوا بذلك بألسنتهم. فذاك معناهم وقصدهم. وقد كانت هذه الأمّة لا تجاوز معاصيها الإثم والضَّلال، إلاَّ ما حكيت لك عن بني أميّة وبني مرْوان وعمَّالها، ومن لم يدِنْ بإكفارهم، حتَّى نجمت النَّوابت، وتابعتْها هذه العوامُّ، فصار الغالب على هذا القرْن الكفر، وهو التَّشبيه والجبر، فصار كفرهم أعظم من كُفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق، وصاروا شركاء من كفر منهم، بتولِّيهم وترك إكفارهم. قال الله عزّ من قائل: " ومن يتولَّهُمْ مِنْكُمْ فإنَّهُ منْهم ". وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقِّين ورحمهم، وقوَّى ضعفهم وكثَّر قلتهم، حتّى صار ولاة أمرنا في هذا الدَّهر الصَّعب، والزَّمن الفاسد، أشدَّ استبصاراً في التشبيه من عِلْيتنا، وأعلم بما يلزم فيه منَّا، وأكشف للقناع من رؤسائنا، وصادفوا النَّاس وقد انتظموا معاني الفساد أجمع، وبلغوا غايات البدع، ثم قرنوا بذلك العصبيَّة التي هلك بها عالمٌ بعد عالم، والحميَّة التي لا تُبقي ديناً إلاَّ أفسدته، ولا دُنيا إلاَّ أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشُّعوبيَّة، وما قد صار إليه الموالي من الفخْر على العجم والعرب.

стр. 377

وقد نجمت من الموالي ناجمةٌ، ونبتت منهم نابتةٌ، تزعم أنَّ المولى بولايةٍ قد صار عربيّاً؛ لقول النبيِّ ﷺ : " مولى القوم منهم "، ولقوله: " الولاء لُحمةٌ كلُحمة النَّسب، لا يُباع ولا يُوهب ". قال: فنحن معاشر الموالي بقديمنا في العجم أشرف من العرب، وبالحديث الذي صار لنا في العرب أشرف من العجم. وللعرب القديم دون الحديث. ولنا خصلتان جميعاً وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة. وقد جعل الله المولى بعد أن كان عجميَّاً عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيَّاً بحلفه، وجعل إسماعيل، بعد أن كان أعجميّاً، عربيّاً. ولولا قول النبي ﷺ إن إسماعيل كان عربيّاً ما كان عندنا إلاَّ أعجميّاً؛ لأنَّ الأعجم لا يصير عربيّاً، كما أنَّ العربيَّ لا يصير أعجميّاً.

стр. 378

فإنما علمْنا أنَّ إسماعيل صيَّره الله عربيّاً بعد أن كان أعجميّاً بقول النبي ﷺ ، فكذلك حكمُ قوله: " مولى القوم منهم "، وقوله: " الولاء لُحمةٌ ". قالوا: وقد جعل الله إبراهيم ﵇ أباً لمن لم يلدْ كما جعله أباً لمن ولد، وجعل أزواج النبيِّ أمَّهات المؤمنين ولم يلدن منهم أحداً، وجعل الجار والد من لم يلدْ، في قولٍ غير هذا كثيرٍ قد أتينا عليه في موضعه. وليس أدعى إلى الفساد ولا أجلب للشَّرِّ من المفاخرة، وليس على ظهرها إلا فخورٌ، إلاَّ قليل. وأيُّ شيء أغْيَظُ من أن يكون عبدك يزعم أنَّه أشرف منك وهو مقرٌّ أنه صار شريفاً بعتْقك إيَّاه. وقد كتبت - مدَّ الله في عمرك - كتباً في مفاخرة قحطان، وفي تفضيل عدنان، وفي ردِّ الموالي إلى مكانهم من الفَضْل والنَّقص، وإلى قدْر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من الشَّرف. وأرجو أن يكون عدلاً بينهم، وداعيةً إلى صلاحهم، ومنْبهةً لما عليهم ولهم. وقد أردت أن أرسل بالجزء الأوَّل إليك، ثم رأيت ألاَّ يكون إلاَّ بعد استئذانك واستئمارك، والانتهاء في ذلك إلى رغبتك. فرأيك فيك موفّقاً، إن شاء الله . وبه الثِّقة.

стр. 379

الرسالة الثانية عشرة كتاب الحجاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولاّك بكرامته، ووالى إليك مزيده. إنه يقال - أكرمك الله - " إن السَّعيد من وُعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمتْه تجاربه ". وقد قيل: " كفاك أدباً لنفسك ما كرهت من غيرك " وقيل: " كفاك من سوءٍ سماعه "، وقيل: " إنَّ يقظة الفهم للواعظ ممَّا يدعو النَّفس إلى الحذر من الخطاء، والعقل إلى تصفيته من القذى ". وكانت الملوك إذا أتت ما يجلُّ عن المعاتبة عليه ضُربت لها الأمثال، وعُرِّض لها بالحديث. وقال الشاعر: العبد يُقرع بالعصا ... والحُرُّ تكفيه الملامةْ وقال آخر: ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها

стр. 380

وقال عبد المسيح المتلمِّسُ: لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا ... وما عُلِّم الإنسان إلاَّ ليعلما وقال بعضهم: " في خفيِّ التعريض ما أغنى عن شنيع التَّصريح ". وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبرٍ وشعرٍ، ومعاتبة وعُذر، وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق. وقد قلت: كفى أدباً لنفسك ما تراه ... لغيرك شائناً بين الأنام ما جاء في الحجاب والنَّهي عنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ثلاثٌ من كُنَّ فيه من الولاء اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد ". وروي عنه ﵇ أنّه وجّه عليّ بن أبي طالب ﵁ إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه به: " إنِّي قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرزْ للناس، وقدِّم الوضيع على الشَّريف، والضَّعيف على القويّ، والنّساء قبل الرجال، ولا تُدخلنَّ أحداً يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنّه إمامك ".

стр. 381

وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا استعمل عاملاً شرط عليه أربعا: لا يركب برذوناً، ولا يتّخذ حاجباً، ولا يلبس كَتَّاناً، ولا يأكل درْمكاً. ويوصي عمّاله فيقول: إيّاكم والحجاب، وأظهروا أمْركم بالبراز، وخذوا الذي لكم وأعطُوا الذي عليكم، فإنَّ امرأً ظلم حقَّه مضطرٌّ حتى يَغْدُو به مع الغادين. وكتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام: " أما بعد فإنّي لم آلُكَ في كتابي إليك ونفسي خيْراً. إيّاك والاحتجاب دون الناس، وأْذن للضعيف وأدنه حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعهَّد الغريب فإنَّه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقَّه، وضعف قلبه، وإنما أتْوى حقَّه منْ حبسه. واحرص على الصُّلح بين الناس ما لم يستبنْ لك القضاء. وإذا حضرك الخصمان بالبيِّنة العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم. والسلام ". وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: " آسِ بين الناس في نظرك وحجابك وإذنك، حتى لا يطمع شريفٌ

стр. 382

في حيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وأعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم القيامة من سعد به الناس، وأشقاهم من شقوا به ". وروى الهيثم بن عديٍّ عن ابن عباس قال: قال لي عبيد الله بن أبي المخارق القينيّ: استعملني الحجاج على الفلُّوجة العليا، فقلت: أما ها هنا دهقانٌ يعاش بعقله ورأيه؟ فقيل لي: بلى، ها هنا جميل بن بَصْبَهَرَّي. فقلت: عليَّ به. فأتاني فقلت: إن الحجّاج استعملني على غير قرابة ولا دالَّة ولا وسيلة، فأشرْ عليَّ. قال: لا يكون لك بوابٌ حتى إذا تذكّر الرجل من أهل عملك بابك لم يخف حجّابك، وإذا حضرك شريفٌ لم يتأخر عن لقائك ولم يحكم على شرفك حاجبك. وليطل جلوسك لأهل عملك يهبك عمَّالك، ويبقى مكانك. ولا يختلف لك حكم على شريف ولا وضيع، ليكن حكمك واحداً على الجميع، يثق الناس بعقلك. ولا تقبل من أحدٍ هديّةً فإنَّ صاحبها لا يرضى بأضعافها مع ما فيها من الشُّهرة.

стр. 383

من عهد إلى حاجبه قال موسى الهادي لحاجبه: لا تحجُب الناس عنّي؛ فإنّ ذلك يزيل التزكية، ولا تُلقِ إليّ أمراً إذا كشفته وجدته باطلاً، فإنَّ ذلك يُوتغ المملكة. وقال بعض الخلفاء لحاجبه: إذا جلستُ فإْذنْ للناس جميعاً عليّ، وأبرز لهم وجهي، وسكِّن عنهم الأحراس، واخفض لهم الجناح، وأطبْ لهم بشرك، وألن لهم في المسألة والمنطق، وارفعْ لهم الحوائج، وسوِّ بينهم في المراتب، وقدِّمهم على الكفاية والغناء، لا على الميل والهوى. وقال آخر لحاجبه: إنَّك عيني التي أنظرُ بها، وجُنَّةٌ أستنيم إليها، وقد ولَّيتك بابي فما تُراك صانعاً برعيّتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك في إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتِّبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأُحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك. قال: قد وفيت بما عليك ولك قولاً، إن وفيت به فعلاً. والله وليُّ كفايتك ومعونتك.

стр. 384

وعهد أميرٌ إلى حاجبه فقال: إنَّ أداء الأمانة في الأعراض أوجب منها في الأموال؛ وذلك أنَّ الأموال وقايةٌ للأعراض، وليست الأعراض بوقاية للأموال. وقد ائتمنتك على أعراض الغاشين لبابي، وإنما أعراضهم أقدارهم، فصُنْها لهم، ووفِّرها عليهم. وصُنْ بذلك عرضي، فلعمري إنَّ صيانتك أعراضهم صيانةٌ لعرضي، ووقايتك أقدارهم وقايةٌ لقدري؛ إذ كنت الحظيَّ بزين إنصافهم إن أُنصفوا، والمبتلى بشين ظلمهم إن ظُلموا في غشيانهم بابي، وحضورهم فنائي. أوف كلّ امرئٍ قدره، ولا تُجاوزْ به حدَّه، وتوقَّ الجور في ذلك التوقّيَ كلَّه. أقبلْ على من تحجب بإبداء البشر وحلاوة العُذر، وطلاقة الوجه ولين القول، وإظهار الودّ، حتّى يكون رضاه عنك لما يرى من بشاشتك به وطلاقتك له، كرضا من تأذن له عنك لما يُمنحه من التكريم، ويحويه من التعظيم؛ فإنّ المنع عند الممنوع في لين المقالة يكاد يكون كالنَّيل عند العظماء في نفع المنالة. أنْهِ إليَّ حالات كلِّ من يغشى بابي من وجيهٍ وخامل، وذي هيئة وأخي رثاثة، فيما يحضُرون له بابي، ويتعلّقون به من إتياني. لا تحتقرنَّ من تقتحمه العيون لرثاثة ثوبٍ أو لدمامة وجه، احتقاراً يخفي عليّ أثره، فربَّما بذَّ مثله بمخبره من يروق العيون منظره.

стр. 385

إنك إن نقصت الكريم ما يستحقُّه من مال لم يغضب بعد أن تستوهبه منه، وإن نقصته من قدره أسخطته أشدَّ الإسخاط، إذ كان يريد دنياه ليصون بها قدره، ولا يريد قدره ليبقي به دنياه. فكن لتحيُّف عرضه أشدَّ توقِّياً منك لتحيُّف ماله. إن المحجوب وإنْ كان عدْلُنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه، يتداخله انكسارٌ إذا حُجب ورأى غيره قد أُذن له. فاختصَّه لذلك من بشاشتك به، وطلاقتك له، بما يتحلَّل به عنه انكساره. فلعمري لو عرف أنّ صوابنا في حجابه كصوابنا في الإذن لمن نأذن له، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه بالبشر دون المأذون له. إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون، فدعوت بواحدٍ منهم دون من يعلوه في القدر، لأمرٍ لابد من الدعاء به له، فأظهر العُذر في ذلك لئلا تخبث نفس من علاه؛ فإنّ الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظُّنون. والواجب على من ساسهم التوقِّي على نفسه من سوء ظنونهم، وعليهم تقويم نفوسهم؛ إذْ هو كالرأس يألم لألم الأعضاء، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس. المدائني قال: قال زياد بن أبيه لحاجبه:

стр. 386

يا عجلان: قد ولّيتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليلٍ؛ فشرٌّ ما جاء به أو خيْر. ورسول صاحب الثَّغر؛ فإنّه إن تأخّر ساعةً بطل به عمل سنة. وهذا المنادي بالصلاة. وصاحب الطَّعام؛ فإنّ الطعام إذا تُرك برد، وإذا أعيد عليه التسخين فسد. الهيثم بن عديٍّ قال: قال خالد بن عبد الله القسريّ لحاجبه: لا تحجبنَّ عنّي أحداً إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: إمّا رجلٌ عييٌّ يكره أن يُطَّلع على عيّه، وإمّا رجلٌ مشتمل على سوءة، أو رجلٌ بخيل يكره أن يدخل عليه إنسانٌ يسأله شيئاً. أنشدني محمودٌ الورّاق لنفسه في هذا المعنى: إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردَّ ذوي الحاجات دون حجابه ظننت به إحدى ثلاثٍ، وربّما ... نزعت بظنٍّ واقع بصوابه فقلت: به مسٌّ من العيّ ظاهر ... ففي إذْنه للناس إظهار ما به

стр. 387

فإن لم يكن عيّ اللسان فغالبٌ ... من البُخل يحمي ماله عن طلابه فإن لم يكن هذا ولاذا فريبةٌ ... يصرّ عليها عند إغلاق بابه وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبِّر: لولا مقارفة الرِّيبْ ... ما كنت ممّن يحتجبْ أوْلا فعيٌّ منك أو ... بخلٌ على أهل الطَّلَبْ فاكشف لنا وجه الحجا ... ب ولا تُبالي من عتبْ من ينبغي أن يُتّخذ للحجابة قال المصور للمهديّ: لا ينبغي أن يكون الحاجب جهولاً، ولا غبيّاً، ولاعييّاً، ولا ذهولاً ولا متشاغلاً، ولا خاملاً ولا محتقراً، ولا جهماً ولا عبوساً. فإنّه إن كان جهولاً أدخل على صاحبه الضَّرر من حيث يقدِّر المنفعة، وإن كان عييّاً لم يؤدِّ إلى صاحبه ولم يؤدِّ عنه، وإن كان غبيّاً جهل مكان الشريف فأحلَّه غير منزلته، وحطَّه عن مرتبته، وقدَّم الوضيع عليه،

стр. 388

وجهل ما عليه وماله. وإن كان ذهولاً متشاغلاً أخلَّ بما يحتاج إليه صاحبه في وقته، وأضاع حقوق الغاشين لبابه، واستدعى الذَّمَّ من الناس له، وأذن عليه لمن لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه. وإذا كان خاملاً محتقراً أحلَّ الناس صاحبه في محلِّه وقضوْا عليه به. وإذا كان جهماً عبوساً تلَّقى كل طبقةٍ من الناس بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم، وأخلَّ بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلَّت الغاشية لباب صاحبه، فراراً من لقائه. الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشَّعبيّ، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد العزيز بن مروان، حين ولاَّه مصر: إن الناس قد أكثروا عليك، ولعلك لا تحفظ. فاحفظْ عنّي ثلاثا. قال: قل يا أمير المؤمنين. قال: انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعلْه إلا عاقلاً فهماً مُفْهماً، صدوقاً لا يورد عليك كذباً، يُحسن الأداء إليك والأداء عنك. ومُرْه ألا َّ يقف ببابك أحدٌ من الأحرار إلاّ أخبرك، حتّى تكون أنت الآذن له أو المانع؛ فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب. وإذا خرجت إلى أصحابك فسلِّم عليهم يأنسوا بك. وإذا هممت بعقوبةٍ فتأنَّ فيها؛ فإنّك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على انتزاعها بعد فوتها. وقال سهل بن هارون للفَضْل بن سَهْل: إنّ الحاجب أحد وجهي الملك، يُعتبر عليه برأفته، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته. فاتخذْ حاجبك سهل الطبيعة، معروفاً بالرأفة، مألوفاً منه

стр. 389

البرُّ والرَّحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصدٍ في نيَّته لهم في تفاضُل منازلهم، وليُعط كلاًّ بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتّى لا يغشى الباب أحدٌ وهو يخاف أن يقصَّر به عن مرتبته، ولا أن يُمنع في مدخل أو مجلسٍ أو موضع إذنٍ شيئاً يستحقُّه، ولا أن يمْنع أحداً مرتبته. وليضع كلاًّ عندك على منزلته. وتعهَّدْه فإن قصَّر مقصِّر قام بحسن خلافته وتزيين أمره. وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى " شاهيني ": ينبغي أن يكون صاحب إذن الخاصّة رجلاً شريف البيت، بعيد الهمّة، بارع الكرم، متواضعاً طلقاً، معتدل الجسم بهيَّ المنظر، ليِّن الجانب، ليس ببذخ ولا بطرٍ ولا مرح، ليِّن الكلام، طالباً للذِّكر الحسن، مشتاقاً إلى محادثة العلماء ومجالسة الصُّلحاء، محبّاً لكلِّ مازيَّن عمله، معانداً للسُّعاة، مجانباً للكذَّابين، صدوقاً إذا حدَّث، وفيَّاً إذا وعد، متفهماً إذا خوطب، مجيباً بالصواب إذا روجع، منصفاً إذا عامل، آنساً وؤنساً، محبَّاً للأخيار، شديد الحنوّ على المملكة، أديباً له لطافةٌ في الخدمة، وذكاءٌ في الفهم، وبسطةٌ في المنطق، ورفقٌ في المحاورة، وعلمٌ بأقدار الرجال وأخطارها.

стр. 390

وقال في حاجب العامة: ينبغي أن يكون حاجب العامة رجلاً عبد الطاعة، دائم الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروّعا، غير باطشٍ إلا بالحقّ، لا أنيساً ولا مأنوساً، دائم العبوس، شديداً على المريب، غير مستخفٍّ بخاصّة الملك ومن يهوى ويقرِّب، من بطانته. محلُّ الحاجب وموضعه ممن يحجبه قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز حين وجَّهه إلى مصر: اعرف حاجبك، وجليسك، وكاتبك. فإنَّ الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسِّم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك. وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولاه جرجان: استظرف كاتبك، واستعقل حاجبك. وقال الحجّاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كلُّه. وقال ابن أبي زرعة: قال رجلٌ من أهل الشام، لأبي الخطاب الحسن بن محمد الطائي يعاتبه في حجابه: هذا أبو الخطاب بدرٌ طالعٌ ... من دون مطلعه حجابٌ مظلم ويقال وجه المرء حاجبه كما ... بلسان كاتبه الفتى يتكلم
следующие страницы →