← Адаб

Адаб · id 10428

الرسائل للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (1 368 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يا عجلان: قد ولّيتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليلٍ؛ فشرٌّ ما جاء به أو خيْر. ورسول صاحب الثَّغر؛ فإنّه إن تأخّر ساعةً بطل به عمل سنة. وهذا المنادي بالصلاة. وصاحب الطَّعام؛ فإنّ الطعام إذا تُرك برد، وإذا أعيد عليه التسخين فسد. الهيثم بن عديٍّ قال: قال خالد بن عبد الله القسريّ لحاجبه: لا تحجبنَّ عنّي أحداً إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: إمّا رجلٌ عييٌّ يكره أن يُطَّلع على عيّه، وإمّا رجلٌ مشتمل على سوءة، أو رجلٌ بخيل يكره أن يدخل عليه إنسانٌ يسأله شيئاً. أنشدني محمودٌ الورّاق لنفسه في هذا المعنى: إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردَّ ذوي الحاجات دون حجابه ظننت به إحدى ثلاثٍ، وربّما ... نزعت بظنٍّ واقع بصوابه فقلت: به مسٌّ من العيّ ظاهر ... ففي إذْنه للناس إظهار ما به

стр. 387

فإن لم يكن عيّ اللسان فغالبٌ ... من البُخل يحمي ماله عن طلابه فإن لم يكن هذا ولاذا فريبةٌ ... يصرّ عليها عند إغلاق بابه وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبِّر: لولا مقارفة الرِّيبْ ... ما كنت ممّن يحتجبْ أوْلا فعيٌّ منك أو ... بخلٌ على أهل الطَّلَبْ فاكشف لنا وجه الحجا ... ب ولا تُبالي من عتبْ من ينبغي أن يُتّخذ للحجابة قال المصور للمهديّ: لا ينبغي أن يكون الحاجب جهولاً، ولا غبيّاً، ولاعييّاً، ولا ذهولاً ولا متشاغلاً، ولا خاملاً ولا محتقراً، ولا جهماً ولا عبوساً. فإنّه إن كان جهولاً أدخل على صاحبه الضَّرر من حيث يقدِّر المنفعة، وإن كان عييّاً لم يؤدِّ إلى صاحبه ولم يؤدِّ عنه، وإن كان غبيّاً جهل مكان الشريف فأحلَّه غير منزلته، وحطَّه عن مرتبته، وقدَّم الوضيع عليه،

стр. 388

وجهل ما عليه وماله. وإن كان ذهولاً متشاغلاً أخلَّ بما يحتاج إليه صاحبه في وقته، وأضاع حقوق الغاشين لبابه، واستدعى الذَّمَّ من الناس له، وأذن عليه لمن لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه. وإذا كان خاملاً محتقراً أحلَّ الناس صاحبه في محلِّه وقضوْا عليه به. وإذا كان جهماً عبوساً تلَّقى كل طبقةٍ من الناس بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم، وأخلَّ بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلَّت الغاشية لباب صاحبه، فراراً من لقائه. الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشَّعبيّ، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد العزيز بن مروان، حين ولاَّه مصر: إن الناس قد أكثروا عليك، ولعلك لا تحفظ. فاحفظْ عنّي ثلاثا. قال: قل يا أمير المؤمنين. قال: انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعلْه إلا عاقلاً فهماً مُفْهماً، صدوقاً لا يورد عليك كذباً، يُحسن الأداء إليك والأداء عنك. ومُرْه ألا َّ يقف ببابك أحدٌ من الأحرار إلاّ أخبرك، حتّى تكون أنت الآذن له أو المانع؛ فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب. وإذا خرجت إلى أصحابك فسلِّم عليهم يأنسوا بك. وإذا هممت بعقوبةٍ فتأنَّ فيها؛ فإنّك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على انتزاعها بعد فوتها. وقال سهل بن هارون للفَضْل بن سَهْل: إنّ الحاجب أحد وجهي الملك، يُعتبر عليه برأفته، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته. فاتخذْ حاجبك سهل الطبيعة، معروفاً بالرأفة، مألوفاً منه

стр. 389

البرُّ والرَّحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصدٍ في نيَّته لهم في تفاضُل منازلهم، وليُعط كلاًّ بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتّى لا يغشى الباب أحدٌ وهو يخاف أن يقصَّر به عن مرتبته، ولا أن يُمنع في مدخل أو مجلسٍ أو موضع إذنٍ شيئاً يستحقُّه، ولا أن يمْنع أحداً مرتبته. وليضع كلاًّ عندك على منزلته. وتعهَّدْه فإن قصَّر مقصِّر قام بحسن خلافته وتزيين أمره. وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى " شاهيني ": ينبغي أن يكون صاحب إذن الخاصّة رجلاً شريف البيت، بعيد الهمّة، بارع الكرم، متواضعاً طلقاً، معتدل الجسم بهيَّ المنظر، ليِّن الجانب، ليس ببذخ ولا بطرٍ ولا مرح، ليِّن الكلام، طالباً للذِّكر الحسن، مشتاقاً إلى محادثة العلماء ومجالسة الصُّلحاء، محبّاً لكلِّ مازيَّن عمله، معانداً للسُّعاة، مجانباً للكذَّابين، صدوقاً إذا حدَّث، وفيَّاً إذا وعد، متفهماً إذا خوطب، مجيباً بالصواب إذا روجع، منصفاً إذا عامل، آنساً وؤنساً، محبَّاً للأخيار، شديد الحنوّ على المملكة، أديباً له لطافةٌ في الخدمة، وذكاءٌ في الفهم، وبسطةٌ في المنطق، ورفقٌ في المحاورة، وعلمٌ بأقدار الرجال وأخطارها.

стр. 390

وقال في حاجب العامة: ينبغي أن يكون حاجب العامة رجلاً عبد الطاعة، دائم الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروّعا، غير باطشٍ إلا بالحقّ، لا أنيساً ولا مأنوساً، دائم العبوس، شديداً على المريب، غير مستخفٍّ بخاصّة الملك ومن يهوى ويقرِّب، من بطانته. محلُّ الحاجب وموضعه ممن يحجبه قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز حين وجَّهه إلى مصر: اعرف حاجبك، وجليسك، وكاتبك. فإنَّ الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسِّم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك. وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولاه جرجان: استظرف كاتبك، واستعقل حاجبك. وقال الحجّاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كلُّه. وقال ابن أبي زرعة: قال رجلٌ من أهل الشام، لأبي الخطاب الحسن بن محمد الطائي يعاتبه في حجابه: هذا أبو الخطاب بدرٌ طالعٌ ... من دون مطلعه حجابٌ مظلم ويقال وجه المرء حاجبه كما ... بلسان كاتبه الفتى يتكلم

стр. 391

أدنيت من قبل اللقاء، وبعده ... أقصيت، هل يرضى بذا من يفهم وإذا رأيت من الكريم فظاظةً ... فإليه من أخلاقه أتظلم وقال الفضل بن يحيى: إنَّ حاجب الرجل عامله على عرضه، وإنه لا عوض لحرٍ من نفسه، ولا قيمة عنده لحريته وقدره. وأنشدني ابن أبي كامل في هذا المعنى: واعلمن إن كنت تجهله ... أنّ عرض المرء حاجبه فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه من عوتب على حجابه أو هجيَ به إسحاق الموصليّ عن ابن كناسة قال: خبِّرت أنّ هانئ بن قبيصة وفد على يزيد بن معاوية، فاحتجب عنه أياماً، ثم إن يزيد ركب يوماً يتصيد فتلقاه هانئ فقال: يا يزيد، إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلِّي، ولا المتطرِّف المتنحِّي، ولا الذي ينزل على الغدران والفلوت، ويخلو للذات والشهوات. وقد وليت أمرنا فأقم بين أظهرنا، وسهّل إذننا، واعمل بكتاب الله فينا. فإن كنت قد عجزت عمّا هنا

стр. 392

فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل بذلك فينا، ويقيمه لنا. ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك. قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسنَّ بالشام سنّة العراق لأقمت أودك. ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له، ولم تتغير منزلته عنده، وترك كثيراً مما كان عليه. الموصليّ قال: كان سعيد بن سلم والياً على أرمينية، فورد عليه أبو دهمان الغلابي، فلم يصل إليه إلا بعد حين، فلما وصل قال - وقد مثل بين السماطين -: والله إني لأعرف أقواماً لو علموا أنَّ سفَّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكةً لأرماقهم، إيثاراً للتنزه عن العيش الرقيق الحواشي. والله

стр. 393

إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفني عنك، ولأن أكون مملقاً مقرباً أحبُّ إليّ من أن أكون مكثراً مبعدا. والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالاً إلا ونحن أكثر منه، وإنَّ الذي صار في يدك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيراً فخيرا، وإن شراً فشرا. فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الحجاب؛ فإن حبّ عباد الله موصولٌ بحبّ الله، وهم شهداء الله على خلقه، وأمناؤه على من اعوجَّ عن سبيله. إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: استبطأني جعفر بن يحيى، وشكا ذلك إلى أبي، فدخلت عليه - وكان شديد الحجاب - فاعتذرت إليه وأعلمته أني أتيته مراراً للسلام فحجبني نافذٌ غلامه.

стр. 394

فقال لي وهو مازحٌ: متى حجبك فنكه. فأتيته بعد ذلك للسلام فحجبني، فكتبت إليه رقعةً فيها: جعلت فداءك من كلّ سوء ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا يحولون بيني وبين السلام ... فما إن أسلم إلا اختلاسا وأنفذت رأيك في نافذٍ ... فما زاده ذاك إلا شماسا وسألت نافذاً أن يوصلها ففعل، فلما قرأها ضحك حتى فحص برجليه وقال: لا تحجبه أيَّ وقتٍ جاء. فصرت لا أُحجب. وحجب أحمد بن أبي طاهر بباب بعض الكتاب فكتب إليه: ليس لحرٍ من نفسه عوض، ولا من قدره خطر، ولا لبذل حريته ثمن. وكلُّ ممنوع فمستغنىً عنه بغيره، وكلُّ مانعٍ ما عنده ففي الأرض عوضٌ منه، ومندوحةٌ عنه. وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عنده غلائه. وقال بشار: " والدرُّ يُترك من غلائه ". ونحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة، والهمّة القصيرة، ومن ابتذال الحرية، ولا استرقّها طمع، ولا طبعت على طبع. وقد رأيتك ولّيت عرضك

стр. 395

من لا يصونه، ووكلت ببابك من يشينه، وجعلت ترجمان كرمك من يكثر من أعدائك، وينقص من أوليائك، ويسيء العبارة عن معروفك، ويوجه وفود الذمّ إليك، ويضغن قلوب إخوانك عليه؛ إذ كان لا يعرف لشريفٍ قدرا، ولا لصديقٍ منزلة، ويزيل المراتب عن جهاتها ودرجاتها، فيحُطُّ العليّ إلى مرتبة الوضيع، ويرفع الدنيَّ إلى مرتبة الرفيع، ويقبل الرُّشى، ويقدِّّم على الهوى. وذلك إليك منسوبٌ، وبرأسك معصوب، يلزمك ذنبه، ويحلُّ عليك تقصيره. وقد أنشدني أبو عليٍّ البصير: كم من فتىً تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار في ذمته قد كثَّر الحاجب أعداءه ... وأحقد الناس على نعمته

стр. 396

وأنشدت لبعضهم: يدلّّ على سروِ الفتى واحتماله ... إذا كان سهلاً دونه إذن حاجبه وقد قيل ما البوَّاب إلا كربِّه ... إذا كان سهلاً كان سهلاً كصاحبه وقال الطائي: حشم الصَّديق عيونهم بحاثةٌ ... لصديقه عن صدقه ونفاقه فليُنظرنَّ المرء من غلمانه ... فهم خلائفه على أخلاقه وقال آخر: اعرف مكانك من أخي ... ك ومن صديقك بالحشمْ وقال ابن أبي عُيينة: إنَّ وجه الغلام يخبر عمّا ... في ضمير المولى من الكتمان فإذا ما جهلت ودَّ صديقٍ ... فامتحنْ ما أردت بالغلمان وقال آخر: ومحنة الزائرين بيِّنة ... تُعرف قبل اللقاء بالحشم وأنشدني عبد الله بن أحمد المهْزميّ في عليّ بن الجهم: أعليَّ دونك يا عليُّ حجاب ... يُدني لبعيد وتحجب الأصحاب

стр. 397

هذا بإذنك أمْ برأيك أم رأى ... هذا عليك العبد والبَّوابُ إنَّ الشريف إذا أمور عبيده ... غلبت عليه فأمره مرتابُ وأخذه من قول الطائي: أبا جعفرٍ وأصول الفتى ... تدلُّ عليه بأغصانه أليس عجيباً بأنّ امرأً ... رجاك لحادث أزمانه فتأمر أنت بإعطائه ... ويأمر فتْحٌ بحرمانه ولست أحبُّ الشريف الظريف ... يكون غلاماً لغلمانه وحُجب ابن أبي طاهرٍ بباب بعض الكتاب، فكتب إليه: " إنه من لم يرفعه الإذن لم يضعه الحجاب، وأنا أرفعك عن هذه المنزلة، وأربأ يعدوِّك عن هذه الخليقة، وما أحد أقام في منزله - عظُم أو صغُر قدره - إلاّ ولو حاول حجاب الخليفة عنه لأمكنه. فتأمّلْ هذه الحال وانظرْ إليه بعين النَّصفة، ترها في أقبح صورة، وأدنا منزلة. وقد قلت: إذا كنت تأتي المرء تُعْظم حقَّه ... ويجهل منك الحقَّ فالهجر أوسع ففي الناس أبدالٌ وفي العزِّ راحةٌ ... وفي اليأس عمّن لا يواتيك مقنع وإنّ امرأً يرضى الهوان لنفسهحريٌّ بجدع الأنف والجدع أشنع

стр. 398

فدع عنك أفعالاً يشينك فعلهاوسهِّل حجاباً إذنُه ليس ينفع وحدّثني عبد الله بن أبي مروان الفارسي قال: ركبت مع ثمامة بن أشرس إلى أبي عبّادٍ الكاتب، في حوائج كتب إليَّّ فيها أهل إرمينيّة من المعتزلة والشيعة، فأتيناه فأعظم ثمامة وأقعده في صدر المجلس وجلس قُبالته، وعنده جماعةٌ من الوجوه، فتحدثْنا ساعة ثم كلَّمة ثمامة في حاجتي، وأخرجت كتب القوم فقرأها، وقد كانوا كتبوا إلى أبي عبّادٍ كتبا، وكانوا أصدقاءه أيّام كونه بإرمينية، فقال لي: بكِّر إليّ غداً حتّى أكتب جواباتها إنْ شاء الله. فقلت: جعلني الله فداك، تأمر الحاجب إذا جئت أن يأذن لي. فغضب من قولي واستشاط وقال: متى حُجبت أنا، أولى حاجبٌ، أو لأحد عليَّ حجاب!. قال عبد الله: وقد كنت أتيته فحجبني بعض غلمانه، فحلف بالأيمان المغلَّظة أن يقلع عينا من حجبني، ثم قال: يا غلام، لا يبق في الدار غلامٌ ولا منقطعٌ إلينا إلاَّ أحضرتمونيه! قال: فأتى بغلمانه وهم نحوٌ من ثلثمائة، فقال: أشرْ إلى من شئت فيهم. فغمزني ثمامة فقلت: جُعلت فداك لا أعرفُ الغلام بعينه. فقال: ما كان لي حاجبٌ قطٌّ، ولا احتجبت، وذلك لأنَّه سبق منّي قول، لأنّي كنت وأنا بالريّ وقد مات أبي وخلَّف لي بها ضياعاً فاحتجت إلى ملاقاة الرجال والسُّلطان فيما كان لنا، فكنت أنظر إلى الناس يدخلون ويصلون وأُحجب أنا وأُقصى، فتتقاصر إليّ نفسي،

стр. 399

ويضيق صدري، فآليت على نفسي إن صرت إلى أمرٍ من السُّلطان ألاَّ أحتجب أبداً. وحدثني الزُّبير بن بكّار قال: استأذن نافع بن جُبير بن مُطعم على معاوية، فمنعه الحاجب فدقَّ أنفه، فغضب معاوية وكان جُبيرٌ عنده، فقال معاوية: يا نافع، أتفعل هذا بحاجبي؟ قال: وما يمنعنيمنه وقد أساء أدبه وأسأت اختياره؟! ثم أنا بالمكان الذي أنا به منك. فقال جُبير: فضَّ الله فاك، ألاَّ تقول: وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف؟! قال: فتبسَّم معاوية وأعرض عنه. قال: وفد رجلٌ من الأكاسرة على بعض ملوكهم، فأقام ببابه حولاً لا يصل إليه، فكلَّم الحاجب فأوصل له رقعةً فيها أربعة أسطر: السطر الأول فيه: الأمل والضرورة أقدماني إليك. وفي الثاني: ليس على العديم صبرٌ على المطالبة. وفي الثالث: الرجوع بلا فائدةٍ شماتة العدوِّ والقريب. وفي الرابع: إمّا " نعمْ " مُثمرة، وإمّا " لا " مؤيسة، ولا معنى للحجاب بينهما.

стр. 400

فوقع تحت كل سطرٍ منها: " زِهْ ". وأنشد الوليد بن عُبيد البحتريّ في ابن المدبِّر يهجو غلامه بشراً: وكم جئت مشتاقاً على بُعد غايةٍ ... إلى غير مشتاقٍ وكم ردَّني بشرُ وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجي من أبوابه ويدي صفرُ وأنشدت لبعضهم: لعمري لئن حجبتني العبيد ... ببابك ما يحجبوا القافية سأرمي بها وراء الحجاب ... جزاء قروضٍ لكم وافية تُصمُّ السَّميع وتُعمي البصير ... ويُسأل من أجلها العافية وأنشدني أحمد بن أبي فنن، في محمد بن حمدون بن إسماعيل: ولقد رأيت بباب دارك جفوةً ... فيها لحسن صنيعةٍ تكدير

стр. 401

ما بال دارك حين تُدخل جنّةً ... وبباب دارك منكر ونكيرُ وأنشدني أبو علي الدِّرهمي اليماميُّ في أبي الحسن علي بن يحيى: لا يُشبه الرجل الكريم نجاره ... ذا اللُّبِّ غير بشاشة الحجّاب وبباب دارك من إذا حيَّيته ... جعل التبرُّم والعبوس ثوابي أوصيته بالإذن لي فكأنّما ... أوصيته متعمِّداً لحجابي وأنشدني أبو علي البصير في أبي الحسن علي بن يحيى: في كلِّ يوم لي ببابك وقفةٌ ... أطوي إليها سائر الأبواب فإذا حضرتُ وغبتُ عنك فإنّه ... ذنبٌ عقوبته على البوّاب وأنشدني أبو علي اليمامي، وعاتب بعض أهل العسكر في حاجبه، فلم يأذنْ له الحاجب بعد ذلك، فكتب إليه: صار العتاب يزيدني بُعدا ... ويزيد من عاتبته صدّا وإذا شكوت إليه حاجبه ... أغْراه ذاك فزادني ردّا وأنشدني العجينيّ في بعض أهل العسكر، يعاتبه في حاجبه ويهجو حاجبه: إنما يحسن المديح إذا ما ... أنشد المادح الفتى الممدوحا وأراني بباب دارك عمِّر ... تُ طويلاً مُقصىً مُهاناً طريحا

стр. 402

إنّ بالباب حاجباً لك أمسى ... مُنْكرٌ عنده ظريفاً مليحا ما سألناه عنك قطُّ وإلاّ ... ردّ من بُغضه مردّاً قبيحا وأنشدت لبعضهم في هجاء حاجب: سأترك باباً أنت تملك إذنه ... ولو كنت أعمى عن جميع المسالكِ فلو كنت بواب الجنان تركتها ... وحوّلت رحْلي مسرعاً نحو مالكِ وكتب بعض الكتّاب إلى الحسن بن وهبٍ، في بوّابه: قد كنت أحسب أنّ طرفك ملَّني ... ورُميت منك بجفوةٍ وعذابِ فإذا هواك على الذي قد كان لي ... وإذا بليّتنا من البوّاب فاعلم جعلت فداك غير معلَّمٍأنّ الأديب مؤدَّب الحجاب وقال رزينٌ العروضيّ لجعفر بن محمد بن الأشعث:

стр. 403

إن كنت تحجبني للذئب مزدهياً ... فقد لعمري أبوكم كلَّم الذيبا فكيف لو كلَّم الليث الهصُور إذاً ... تركتم الناس مأكولاً ومشروبا هذا السُّنيديُّ ما ساوى إتاوته ... يكلِّم الفيل تصعيداً وتصويبا اذهب إليك فما آسي عليك وما ... ألقي ببابك طلاَّباً ومطلوبا المدائني قال: كان يزيد بن عمر الأسِّيديّ على شرطة البصرة، فأتاه الفرزدق في جماعةٍ فوقف ببابه، فأبطأ عليه إذنه، فقال - وكان ابن عُمر يلقَّب الوقاح -: ألم يكُ من نكْس الزَّمان على استه ... وقوفي على باب الوقاح أسائله فإن تك شُرْطيّاً فإني لغالبٍ ... إذا نزلت أركان فخٍّ منازله وقال أبو عليٍّ البصير، وحجبه محمد بن غسّان، بعد أُنسٍ كان بينهما: قد أتينا للوعد صدر النَّهار ... فدُفِعْنا من دون باب الدار

стр. 404

وسمعنا، من غير قصدٍ لأن نس ... مع، صوت الغناء والأوتار فأحْطنا بكل ما غاب من شأ ... نك عنَّا خُبْراً بلا استخبار فإذا أنت قد وصلت صبوحاً ... بغبوقٍ ودُلجةً بابتكار وإذا نحن لا تخاطبنا الغل ... مان إلاّ بالجحْد والإنكار فانصرفنا وطالما قد تلقَّو ... نا بأُنسٍ منهم وباستبشار ذاك إذ كان مرّةً لك فينا ... وطرٌ فانقضى من الأوطار حين كُنَّا المقدِّمين على الن ... س وكنّا الشَّعار دون الدِّثار كم تأنيت وانتظرت فأفني ... ت تأنِّيَّ كُلَّه وانتظاري فعليك السلام كُنّا من الأه ... ل فصرنا كسائر الزُّوّار وله إليه أيضاً: قد أطلْنا بالباب أمس القعودا ... وجُفينا به جفاءً شديدا وذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا الوْلى عذرنا العبيد وعلى موعدٍ أتيناك معلو ... مٍ وأمرٍ مُؤكَّد تأكيدا فأقمنا لا الإذن جاء ولا جا ... ء رسولٌ قال انصرفْ مطرودا وصبرنا حتّى رأينا قُبيل ال ... ظُّهر برذون بعضهم مردودا

стр. 405

واستقرَّ المكان بالقوم والغل ... مان في ذاك يمنحونا صدودا ويُشيرون بالمضيّ فلمّا ... أُحرجوا جرّدوا لنا تجريدا فانصرفنا في ساعةٍ لو طرحت ال ... لَّحم فيها نيّاً كُفيت الوقودا فلعمري لو كنت تعتدّ لي ذن ... باً عظيما وكنت فظّاً حقودا وطلبت المزيد لي في عذابٍ ... فوق هذا لما وجدت مزيدا كان ظنِّي بك الجميل فألفي ... تك من كلِّ ما ظننت بعيدا فعليك السلام تسليم من لا ... يضمن الدهر بعدها أن يعودا وله في أحمد بن داود السِّيبي وقصد إليه بكتاب إسحاق بن سعدٍ الكاتب: يا ابن سعدٍ إن العقوبة لا تل ... زم إلاَّ من ناله الإعذارُ وابن داود مستخفٌّ وقد وا ... فَتْه مشحوذةً عليه الشَّفارُ فاهده للتي يكون له من ... ها مفرٌّ ما دام يُنجي الفرارُ سامني أحمد بن داود أمراً ... ما على مثله لديَّ اصطبارُ لي إليه في كلِّ يومٍ جديدٍ ... روحةٌ ما أُغبُّها وابتكار ووقوفٌ ببابه أُمنع الإذ ... ن عليه ويدخل الزُّوَّارُ خُطَّةٌ من يُقم عليها من النا ... س ففيها ذُلٌّ له وصغارُ لو ينال الغنى لما كان في ذ ... لك حظٌّ يناله مختارُ

стр. 406

عزب الرأي فيّ عته وعزَّتْ ... هـ أناةٌ طويلةٌ وانتظار وحجب بباب بعض الكُتَّاب فكتب إليه: أقمت ببابك في جفوةٍ ... يُلوِّن لي قوله الحاجب فيطمعني تارةً في الوصول ... وربَّتما قال لي: راكب فأعلم عند اختلاف الكلام ... وتخليطه أنّه كاذب وأعزم عزماً فيأبى عل ... يَّ إمضاءه رأيي الثاقب وأءنّي أراقب حتى يثو ... ب للحرِّ من رأيه ثائب فإن تعتذر تُلفني عاذراً ... صفوحاً وذاك هو الواجب وإلا فإني إذا ما الحبا ... ل رثَّتْ قواها، لها قاضب وقال لعليِّ بن يعقوب الكاتب وحجب ببابه: قد أتيناك للسَّلام فصادفْ ... نا على غير ما عهدنا الغلاما وسألناه عنك فاعتلَّ بالنَّ ... م وما كان مُنكراً أن تناما غير أنّ الجواب كان جواباً ... سيئاً يُعقب الصَّديق احتشاما فانصرفنا نوجِّه العُذر إلاّ ... أنَّ في مضمر القلوب اضطراما يا ابن يعقوب لا يلومنَّ إلا ... نفسه بعد هذه من ألاما وقال لعلي بن المنجِّم، وحجبه غلامه:

стр. 407

ليس يرضى الحُرُّ الكريم ولو أق ... طعته الأرض أن يذلَّ لعبد فعليك السلام إلا على الطر ... ق وحبِّي كما علمت وودِّي وقال أبو هفّان لعلي بن يحيى، يعاتبه في حجابه: أبا حسنٍ وفِّنا حقَّنا ... بحقِّ مكارمك الوافية أأُحجب دونك شرَّ الحجاب ... ويدخل دوني بنو العافية أعوذ بفضلك من أن أُساء ... وأسأل ربيِّ لك العافية فإني امرؤٌ تتَّقيني الملوك ... وتدخل في حلقي الضَّافية كتبت على نفسِ من رامني ... ببعض الأذى للرَّدى صافية وأُنشدت لبرقوق الأخطل وحُجب بباب بعض الكتّاب: قد حُجبنا وكان خطباً جليلاً ... وقليل الجفاءِ ليس قليلا لم أكن قبلها ثقيلا وهل يث ... قُل من خاف أن يكون ثقيلا غير أني أظنُّ لازال ذاك ال ... ظَّنُّ ينقاد أن يكون ملولا

стр. 408

وأخذه من قول الآخر: لمَّا تحاجبت وقد خفت أن ... تدنو من ودِّك بالمقبل أقللت إتيانكم إنَّه ... من خاف أن يُثقل لم يثقل وأنشدني أبو عبد الرحمن العطويّ: لأبي بكرٍ خليلي ... حُسن رأيٍ في الحجابِ يا أبا بكر سقاك ال ... له من صوب السَّحاب لن تراني بعدها من ... بعدها قارع باب إن يَنُبْ خطْبٌ ففي الرُّسْ ... ل بلاغٌ والكتاب ولخالدٍ الكاتب في جعفر بن محمود: احتجب الكاتب في دهرنا ... وكان لا يحتجب الكاتب القوم يخلون لحجابهم ... فيُنكح المحجوب والحاجب ولأبي سعْدٍ المخزومي في الحسن بن سهل: ترهَّب بعدك الحسن بن سهلٍ ... فأغلق بابه دون المديح

стр. 409

كذبتُ له ولم أكذبْ عليه ... كما كذب النَّصاري للمسيح وأنشدني البلاذُريّ في بعض كتاب أهل العسكر: أيحجُبني من ليس من دون عرسه ... حجابٌ ولا من دون وجْعائه سترُ ومن لو أمات الله أهون خلقه ... عليه لأضحي قد تضمَّنه قبرُ وأنشدني حبيب بن أوسٍ، في موسى بن إبراهيم، أبي المغيث: أمُويس لا يُغني اعتذارك طالباً ... ودَّي فما بعد الهجاء عتاب هب من له شيءٌ يريد حجابه ... ما بال لا شيء عليه حجاب ما إن سمعت ولا أراني سامعاً ... يوماً بصخراءٍ عليها باب من كان مفقود الحياء فوجهه ... من غير بوّابٍ له بوّاب ولآخر: بخل الأمير بإذنه ... فجلست في بيتي أميرا وتركت إمرته له ... والله محمودٌ كثيراً

стр. 410

وأنشدني الزبير بن بكارٍ لبعض الشعراء: سأترك هذا الباب مادام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا إذا لم نجد للإذن عندك سلَّما ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا الزبير بن بكارٍ قال: وقدَ ابن عمٍّ لداود بن يزيد المهلَّبيّ عليه فحجبه، وجعل يمطله بحاجته، فكتب إليه: أبا سليمان وعداً غير مكذوب ... اليأس أروح من آمال عرقوب أرى حمامة مطلٍ غير طائرة ... حتى تنقَّب عن بعض الأعاجيب لا تركبنَّ بشعرى غير مركبه ... فيركب الشعر ظهراً غير مركوب لئن حجبت فلم تأذن عليك فما ... شعري إذا سار عن أذنٍ بحجوب إن ضاق بابك عن إذن شددت غداً ... رحلي إلى المطريِّين المناجيب قومٌ إذا سئلوا رقت وجوههم ... لا يستقيدون إلا للمواهيب

стр. 411

ولأحوص بن محمد الأنصاريّ في أبي بكر بن حزم: أعجبت أن ركب ابن حزمٍ بغلة ... فركوبه فوق المنابر أعجب وعجبت أن جعل ابن حزمٍ حاجباً ... سبحان من جعل ابن حزمٍ بحجب وأنشدت لابن حازمٍ يعاتب رجلاً في حجابه: صحبتك إذ أنت لا تصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكب وإذ أنت تفرح بالزائرين ... ونفسك نفسك تستحجب وإذ أنت تكثر ذمَّ الزمان ... ومشيك أضعاف ما تركب فقلت: كريمٌ له همّةٌ ... تنال فأدرك ما أطلب فنلت فأقصيتني عامداً ... كأني ذو عرّة أجرب وأصبحت عنك إذا ما أتي ... ت دون الورى كاّهم احجب وأنشدني أبو تمَّامٍ الطائي: ومحجّبٍ حاولته فوجدته ... نجماً عن الركب العفاة شسوعا لما عدمت نواله أعدمته ... شكري فرحنا معدمين جميعاً

стр. 412

ووقف العتبيّ بباب إسماعيل بن جعفرٍ يطلب إذنه، فأعلمه الحاجب أنه في الحمّام، فقال: وأميرٍ إذا أردنا طعاماً ... قال حجّابه أتى الحمّاما فيكون الجواب مني للحا ... جب ما إن أردت إلا السلاما لست آتيكم من الدهر إلا ... كلّ يومٍ نويت فبه الصيَّاما إنني قد جعلت كلّ طعامٍ ... كان حِلاً لكم عليّ حراما وأنشدني إسحاق بن خلفٍ البصريّ له: أيحجبني أبو الحسن ... وهذا ليس بالحسن وليس حجابه إلا ... عن الزيتون والجبن وأنشدني بعضهم: لا تتَّخذ باباً ولا حاجباً ... علسك من وجهك بوّاب أنت ولو كنت بدوّيةٍ ... عليك أبوابٌ وحجاب ولعلي بن جبلة في الحسن بن سهل: اليأس عزٌّ والذلّة الطمع ... يضيق أمرٌ يوماً ويتسع لا تستريثنَّ إذن محتجبٍ ... إن لم تكن بالدخول تنتفع أحقُّ شيءٍ بطول مهجرةٍ ... من ليس فيه ريٌّ ولا شبع

стр. 413

قل لابن سهل فإنني رجلٌ ... إن لم تدعني فإنني أدع اليأس مالي وجنّتي كرمٌ ... والصبر والٍ عليّ لا الجزع ولأبي تمام الطائي في أبي المغيث: لا تكلفنَّ وأرض وجهك وجهه ... في غير منفعةٍ، مؤونة حاجب لا تمتهنِّي بالحجاب فإنني ... فطن البديهة عالم بمواربي ولبعض الشعراء في العباس بن خالد، وخبرت إنه لابن الأعمش: أتحجبني فليس لديك نيلٌ ... وقد ضيّعت مكرمةً ومجدا وفي الآفاق أبدالٌ ورزقٌ ... وفي الدنيا مراحٌ لي ومغدى وأنشدني أبو الخطاب، لدعبل، في غسان بن عباد: لقطع الرمال ونقل الجبال ... وشرب البحار التي تصطخب وكشف الغطاء عن الجنِّ أو ... صعود السماء لمن يرتقب وإحصاء لؤم سعيدٍ لنا ... أو الثكل في ولدٍ منتجب

стр. 414

أخفُّ على المرء من حاجةٍ ... تكلِّف غشيانها مرتقب له حاجبٌ دونه حاجب ... وحاجب حاجبه محتجب ولمرداس بن حزام الأسدي، في بشير بن جرير بن عبد الله: أتيت بشيراً زائراً فوجدته ... أخا كبرياءٍ عالماً بالمعاذر فصدَّ وأبدى غلظةً وتهجماّ ... وأغلق باب العرف عن كلّ زائر حجاباً لحرٍّ لا جواداً بماله ... ولا صابراً عند اختلاف البواتر وحجب أبو العتاهية بباب أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إليه: ألم تر أنَّ الفقر يرجى له الغنى ... وأنَّ الغنى يخشى عليه الفقر فإن نلت تيهاً بالذي نلت من غنىً ... فإنَّ غناي بالتكرّم والصبر وله أيضاً فيه: إني أتيتك للسلا ... م تكلفّاً مني وحمقا فصددت عني نخوةً ... وتجبراً ولويت شدقا فلو أن رزقي في يدي ... ك لما طلبت الدهر رزقا

стр. 415

ولأحمد بن أبي طاهر: ليس العجيب بأن أرى لك حاجباً ... ولأنت عندي من حجابك أعجب فلئن حجبت لقد حجبت معاشراً ... ما كان مثلهم ببابك يحجب وله في بعض الكتاب: ردّني بالذلِّ صاحبه ... إذا رأى أطالبه ليس كشخاناً فأشتمه ... إنما الكشخان صاحبه وله أيضاً في علي بن يحيى يعاتبه في بعض قصائده: أصواباً تراه أصلحك الله فما إن رأيته بصواب صرت أدعوك من وراء حجاب ... ولقد كنت حاجب الحجّاب أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف الكاتب في حاجةٍ فلم يؤذن له، فقال: لئن عدت بعد اليوم إني لظالمٌ ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم متى ينجح الغادي إليك بحاجةٍ ... ونصفك محجوبٌ ونصفك نائم ولآخر: رأيتك تطردنا بالحجا ... ب عنك برفقك طرداً جميلا

стр. 416

ولكنَّ في طمع الطامعي ... ن والحرّ من ذا يفكُّ العقولا فهل لك في الإذن لي بالرحي ... ل فقد أبت النفس إلا الرحيلا وحدثني أبو عليٍّ البصير قال: حدثني محمد بن غسان بن عباد قال: كنت بالرقة، وكان بها موسوسٌ يقول الشعر المحال والمنكر، فغدّيته يوماً معي احتساباً للثواب، فأتاني من غدً وعندي جماعةٌ من العمال، فحجبه الغلام، فلما كان من غدٍ وقف على الباب وصاح: عليك إذنٌ فإنّا قد تغدّينا ... لسنا نعود لأككلٍ قد تغدَّينا يا أكلةً سلفت أبقت حرارتها ... داءً بقلبك ما صُمنا وصَّلينا قال: وما علمتُه قال شعراً على استواءٍ غيره، ولكنِّي وُعظت به فوقع مكروهي على لساني. وأُنشدت لحمَّاد عجردٍ يعاتب بعض الملوك: إذا كنت مكتفياً بالكتا ... ب دون اللِّمام تركت اللِّماما وإلاّ فأوص هداك الملي ... ك بوّابكمْ بي وأوصِ الغلاما فإن كنت أُدخلت في الزائري ... ن، إمّا قعوداً وإما قياما وإنْ لم أكن منك أهلاً لذاك ... فلا لوم لست أحبُّ الملاما فإنِّي أذمُّ إليك الأنا ... م أخزاهم الله ربِّي أناما فإنِّي وجدتهم كلَّهمْ ... يُميتون مجداً ويُحيون ذاما

стр. 417

ولأبي الأسد الشَّيبانيّ، يعاتب أبا دُلف في حجابه: ليت شعري أضاقت الأرض عنيّ ... أم نفيٌّ من البلاد طريدُ أم قدارٌ أم الحبابة أم أح ... مر لاقت به البلاء ثمودُ أم أنا قانعٌ بأدنى معاشٍ ... همَّتي القوت والقليل الزهيدُ مقولي قاطعٌ وسيفي حسامٌ ... ويدي حُرَّةٌ وقلبي شديدُ رُبَّ باب أعزّ من بابك اليو ... م عليه عساكرٌ وجنودُ قد ولجناه داخلين غدُوّاً ... ورواحاً وأنت عنه مذودُ فاكفف اليوم من حجابك إذ لسْ ... ت أميراً، ولا خميساً تقودُ لن يقيم العزيز في البلد الهو ... ن ولا يكسد الأديب الجليدُ كل من فرَّ من هوانٍ فإن ال ... رُّحب يلقاه والفضاء العتيدُ

стр. 418

ولعليّ بن جبلة في بعض الملوك: حجابك ضيّقٌ ونداك نزرُ ... وإذنك قد يُراد عليه أجرُ وذلٌّ أن يقوم إليك حُرُّ ... وطُلاب الثواب لديك نقْرُ وأنشدني اليماميّ في أبي الصَّقر إسماعيل بن بلبل، يعاتبه في حجابه: لكلِّ مؤمّلٍ جدوى كريمٍ ... على تأميله يوماً ثوابُ وأنت الحرُّ ما خانتك نفسٌ ... ولا أصلٌ إذا وقع انتسابُ وشكري ظاهر ورجاي جزلٌ ... ففيم جزاي من ذلٍّ حجاب وحقّي أن تكافئني مزيداً ... بشكري إذْ به نزل الكتاب وأنشدت لأبي مالك الأعرج: علَّقت عيني بباب الدار منتظراً ... منك الرسول فخلِّصْها من الباب صانعت فيك بمثَليْ ما أُمِّله ... فيما لديك وهذا سعى خيَّاب ولبشَّار بن برد، في عُبيد الله بن قزعة: إذا سُئل المعروف أغلق بابه ... فلم تلقه إلاّ وأنت كمين كأنَّ عُبيد الله لم ير ماجداً ... ولم يدرِ أنَّ المكرمات تكون فقل لأبي يحيى متى تدركُ العلا ... وفي كلِّ معروف عليك يمينُ

стр. 419

وأنشد لأبي زُرعة - رجلٍ من أهل الشام - في أبي الجهم بن سيف: ولكنْ أبو الجهم إن جئته ... لهيفاً حُجبت عن الحاجبِ وليس بذي موعدٍ صادق ... ويبخلُ بالموعد الكاذب وحُجب سعيد بن حُميد بباب الحسن بن مَخْلَد، فكتب إليه: ربّ بشرٍ يصيِّر الحرَّ عبداً ... لك غالتْه جفوةٌ في الحجاب وفتىً ذي خلائقٍ مُعجباتٍ ... أفسدتْها خلائقُ البوّابِ وكريم قد قصَّرت بأيادي ... هـ عبيدٌ تسيءُ للآداب لا أرى للكريم أن يشتري الدن ... يا جميعاً بوقْفةٍ بالباب إنْ تركت العبيد والحُكم فينا ... صار فضلُ الرءوس للأذناب فأحلُّوا أشكالهم رُتب الفضْ ... ل، وحظُّ الأحرار عَفْر التّراب وأنشدت لعبد الله بن العباس: أنا بالباب واقفٌ منذ أصبحْ ... ت على السِّرج ممسك بعناني وبعين البوّاب كلُّ الذي بي ... ويراني كأنَّه لا يراني

стр. 420

وأنشدت لأبي عيينة المُهلَّبي - واسمه عبد الله بن محمد - يعاتب رجلاًمن قومه: أتيتُك زائراً لقضاء حقٍّ ... فحال السِّتْرُ دونك والحجاب ولستُ بساقطٍ في قدر قومٍ ... وإن كرهوا كما يقع الذبابُ ورائي مذهبٌ عن كلِّ ناءٍ ... بجانبه إذا عزَّ الذَّهابُ وأنشدني ابن أبي فنن: ما ضاقت الأرضُ على راغبِ ... يَّطلب الرزق ولا ذاهبِ بل ضاقت الأرض على صابرٍ ... أصبح يشكو جفوة الصَّاحبِ من شتم الحاجب في ذَنْبِهِ ... فإنّما يقصد للصَّاحبِ فارغبْ إلى الله وإحسانه ... لا تطلب الرزق من الطالبِ

стр. 421

قال المدائني: أتى عُويفُ القوافي باب عمر بن عبد العزيز ﵁، فحُجب أيّاماً، ثم استأذن له حُبيش صاحب إذن عمر، فلمّا قام بين يديه قال: أجبني أبا حفص، لقيت مُحمَّداً ... على حوْضه مستبشراً بدُعاكا فقال عمر: أقول لبيَّك وسعديك! فقال: وأنت امرؤٌ كلتا يديك طليقةٌ ... شمالُك خيرٌ من يمين سواكا علام حجابي، زادك الله رفعةً ... وفضلاً، وماذا للحجاب دعاكا فقال: ليس ذاك إلاَّ لخير! وأمر له بصلة. المدائني قال: أقام عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ، بباب معاوية حيناً لا يُؤذن له، ثم دخل فقال:

стр. 422

دخلت على معاوية بن حربٍ ... وكنت وقد يئست من الدخول رأيت الحظَّ يستر عيب قومٍ ... وأيهات الحظوظ من العقول قيل لحُبَّي المدينة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم لا يجدي عليه. قيل لها: فما الذُّل؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيِّء ثم لا يؤذن له. قيل لها: فما الشَّرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرجال، تبقى للأعقاب في الأعقاب. وقيل لعُروة بن عديِّ بن حاتم وهو صبيٌّ، في وليمة كانت لهم: قفْ بالباب فاحجُبْ من لا تعرف وائذنْ لمن تعرف. فقال: لا يكون - والله - أوَّل شيءٍ استُكفيته منع الناس من الطَّعام. وأُنْشدت لأبي عُيينة المهلَّبيّ: بُلغةٌ تحجُب الفتى عن دُناةٍ ... وعتاب يخاف أو لا يخاف

стр. 423

هو خيرٌ من الرُّكوب إلى با ... ب حجابٍ عنوانه الانصراف بئس للدولة التي تُرفع السِّف ... لة فيها وتسقط الأشراف وأُنشدت لموسى بن جابرٍ الحنفي: لا أشتهي يا قوم إلاَّ مُكرها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجبِ ومن الرِّجال أسنّةٌ مذروبة ... ومزنَّدون شهودهم كالغائبِ ومنهم أُسودٌ لا تُرام، ومنهم ... مما قمشْت وضمّ حبل الحاطبِ وأنشدني بعض أصحابنا: إني امرؤ لا أُرى بالباب أقرعُه ... إذا تنمَّر دوني حاجب الباب ولا ألوم امرأً في ودِّ شرفٍ ... ولا أُطالبُ ودَّ الكاره الآبي وأنشدني ابن أبي فنن: الموت أهون من طول الوقوف على ... بابٍ، عليّ لبوابٍ عليه يدُ

стр. 424

ما لي أقيمُ على ذلِّ الحجاب كأنْ ... قد ملَّني وطنٌ أو ضاق بي بلدُ وأنشدني الزبير بن بكّار لجعفر بن الزُّبير: إنَّ وقُفي من وراء البابْ ... يعدلُ عندي قلع بعض أنيابْ وأنشد لمحمود الورَّاق: شاد الملوكُ حصونهم وتحصَّنوا ... من كل طالب حاجةٍ أو راغبِ عالوا بأبواب الحديد لعزِّها ... وتنوَّقوا في قُبْح وجه الحاجب فإذا تلطَّف للدخول إليهم ... راجٍ تلقَّوْه بوعدٍ كاذبِ فاضرعْ إلى ملك الملوك ولا تكنْ ... بادي الضَّراعة طالباً من طالب وأنشدني أبو موسى المكفوف: لن تراني لك العيون ببابِ ... ليس مثلي يُطيق ذُلَّ الحجابِ يا أميراً على جريبٍ من الأر ... ضِ له تسعةٌ من الحجّابِ

стр. 425

قاعداً في الخرب تُحجبُ عنّا ... ما سمعنا إمارةً في خرابِ " الأبيات رواها ابن خلكان في ترجنته ٢٢٩:٢ مع خلاف في الرواية والترتيب. وأولها هنا هو آخرها عنده ". وأنشدني أبو قنْبر الكوفيُّ: ولست بمتّخذٍ صاحباً ... يُقيم على بابه حاجبا إذا جئتُه قيل لي نائمٌ ... وإن غبت ألفيتُه عاتبا ويلزم إخوانه حقَّه ... وليس يرى حقَّهمْ واجبا فلست بلاقيه حتَّى الممات ... إذا أنا لم ألقه راكبا وأنشدني أبو بكر محمد بن أحمد، من أهل رأس العَيْن لنفسه في بعض بني عمران بن محمدٍ الموصليّ: يا أبا الفوارس أنت أنت فتى النَّدى ... شهدتْ بذاك ولم تزلْ قحطانُ فلأيِّ شيءٍ دون بابك حاجبٌ ... من بُغضه يتخبَّطُ الشَّيطانُ فإذا رآني مال عنِّي مُعرضاً ... فكأنَّني من خوفه سرطانُ
следующие страницы →