Полный текст (1 368 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قال المدائني: أتى عُويفُ القوافي باب عمر بن عبد العزيز ﵁، فحُجب أيّاماً، ثم استأذن له حُبيش صاحب إذن عمر، فلمّا قام بين يديه قال:
أجبني أبا حفص، لقيت مُحمَّداً ... على حوْضه مستبشراً بدُعاكا
فقال عمر: أقول لبيَّك وسعديك! فقال:
وأنت امرؤٌ كلتا يديك طليقةٌ ... شمالُك خيرٌ من يمين سواكا
علام حجابي، زادك الله رفعةً ... وفضلاً، وماذا للحجاب دعاكا
فقال: ليس ذاك إلاَّ لخير! وأمر له بصلة.
المدائني قال: أقام عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ، بباب معاوية حيناً لا يُؤذن له، ثم دخل فقال:
стр. 422
دخلت على معاوية بن حربٍ ... وكنت وقد يئست من الدخول
رأيت الحظَّ يستر عيب قومٍ ... وأيهات الحظوظ من العقول
قيل لحُبَّي المدينة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم لا يجدي عليه. قيل لها: فما الذُّل؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيِّء ثم لا يؤذن له. قيل لها: فما الشَّرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرجال، تبقى للأعقاب في الأعقاب.
وقيل لعُروة بن عديِّ بن حاتم وهو صبيٌّ، في وليمة كانت لهم: قفْ بالباب فاحجُبْ من لا تعرف وائذنْ لمن تعرف. فقال: لا يكون - والله - أوَّل شيءٍ استُكفيته منع الناس من الطَّعام.
وأُنْشدت لأبي عُيينة المهلَّبيّ:
بُلغةٌ تحجُب الفتى عن دُناةٍ ... وعتاب يخاف أو لا يخاف
стр. 423
هو خيرٌ من الرُّكوب إلى با ... ب حجابٍ عنوانه الانصراف
بئس للدولة التي تُرفع السِّف ... لة فيها وتسقط الأشراف
وأُنشدت لموسى بن جابرٍ الحنفي:
لا أشتهي يا قوم إلاَّ مُكرها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجبِ
ومن الرِّجال أسنّةٌ مذروبة ... ومزنَّدون شهودهم كالغائبِ
ومنهم أُسودٌ لا تُرام، ومنهم ... مما قمشْت وضمّ حبل الحاطبِ
وأنشدني بعض أصحابنا:
إني امرؤ لا أُرى بالباب أقرعُه ... إذا تنمَّر دوني حاجب الباب
ولا ألوم امرأً في ودِّ شرفٍ ... ولا أُطالبُ ودَّ الكاره الآبي
وأنشدني ابن أبي فنن:
الموت أهون من طول الوقوف على ... بابٍ، عليّ لبوابٍ عليه يدُ
стр. 424
ما لي أقيمُ على ذلِّ الحجاب كأنْ ... قد ملَّني وطنٌ أو ضاق بي بلدُ
وأنشدني الزبير بن بكّار لجعفر بن الزُّبير:
إنَّ وقُفي من وراء البابْ ... يعدلُ عندي قلع بعض أنيابْ
وأنشد لمحمود الورَّاق:
شاد الملوكُ حصونهم وتحصَّنوا ... من كل طالب حاجةٍ أو راغبِ
عالوا بأبواب الحديد لعزِّها ... وتنوَّقوا في قُبْح وجه الحاجب
فإذا تلطَّف للدخول إليهم ... راجٍ تلقَّوْه بوعدٍ كاذبِ
فاضرعْ إلى ملك الملوك ولا تكنْ ... بادي الضَّراعة طالباً من طالب
وأنشدني أبو موسى المكفوف:
لن تراني لك العيون ببابِ ... ليس مثلي يُطيق ذُلَّ الحجابِ
يا أميراً على جريبٍ من الأر ... ضِ له تسعةٌ من الحجّابِ
стр. 425
قاعداً في الخرب تُحجبُ عنّا ... ما سمعنا إمارةً في خرابِ
" الأبيات رواها ابن خلكان في ترجنته ٢٢٩:٢ مع خلاف في الرواية والترتيب. وأولها هنا هو آخرها عنده ".
وأنشدني أبو قنْبر الكوفيُّ:
ولست بمتّخذٍ صاحباً ... يُقيم على بابه حاجبا
إذا جئتُه قيل لي نائمٌ ... وإن غبت ألفيتُه عاتبا
ويلزم إخوانه حقَّه ... وليس يرى حقَّهمْ واجبا
فلست بلاقيه حتَّى الممات ... إذا أنا لم ألقه راكبا
وأنشدني أبو بكر محمد بن أحمد، من أهل رأس العَيْن لنفسه في بعض بني عمران بن محمدٍ الموصليّ:
يا أبا الفوارس أنت أنت فتى النَّدى ... شهدتْ بذاك ولم تزلْ قحطانُ
فلأيِّ شيءٍ دون بابك حاجبٌ ... من بُغضه يتخبَّطُ الشَّيطانُ
فإذا رآني مال عنِّي مُعرضاً ... فكأنَّني من خوفه سرطانُ
стр. 426
من عاتب على حجابه والإذن لغيره
قال الأشهب بن رُميلة:
أبلغ أبا داود أنِّي ابنُ عمِّه ... وأنَّ البعيث من بني عمِّ سالم
أتُولج باب الملك من ليس أهله ... وريشُ الذُّنابي تابعٌ للقوادم
وقال عاصمٌ الزِّمانيُّ، من بني زمَّان:
أبلغ أبا مسمعٍ عني مغلغلةً ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوامِ
أدخلت قبلي رجالاً لم يكن لهم ... في الحقِّ أن يلجوا الأبواب قُدامى
فقد جعلت إذا ما حاجةٌ عرضَتْ ... بباب دارك أدلُوها بأقدامِ
وقال هشام بن أبيض، من بني عبد شمس:
وليس يزيدني حسبي هواناً ... عليَّ ولا تراني مستكينا
فإنْ قدّمتمُ قبلي رجالاً ... أُراني فوقهم حسباً ودينا
ألسنا عائدين إذا رجعنا ... إلى ما كان قدَّم أوّلونا
فأرجع في أرومة عَبْشَميٍّ ... ترى لي المجد والحسب السَّمينا
وقال دينار بنُ نُعيمٍ الكلبيّ:
أبلغْ أمير المؤمنين ودونه ... فراسخ تطوي الطَّرف وهو حديد
стр. 427
بأنّي لدى عبد العزيز مدفَّعٌ ... يقدَّم قبلي راسبٌ وسعيدُ
وإنّي لأدنى في القرابة منهما ... وأشرف إن كنت الشريف تُريدُ
المدائني قال: أتى ابن فضالة بن عبد الله الغنويُّ باب قُتيبة بن مسلمٍ، فأساء إذنه فقال:
كيف المُقام أبا حفصٍ بساحتكم ... وأنت تُكرمُ أصحابي وتجفوني
أراهم حين أغشى باب حجرتكمْ ... تُدعوهم النَّقري دوني ويقصوني
كم من أميرٍ كفاني الله سخْطته ... مذْ ذاك أوليته ما كان يوليني
إني أبي أن أرضى ممنقصةٍ ... عمٌّ كريمٌ وخالٌ غير مأفونِ
خالي كريمٌ وعمِّي غير مؤتشبٍ ... ضخم الحمالة أبَّاءٌ على الهونِ
المدائني قال: كان مَسْلمة بن عبد الملك تزوّج ابنة زُفر بن الحارث الكلابيّ، وكان ببابه عاصم بن يزيد الهلاليّ، والهُذيل وكوثرٌ ابنا زفر، فكان يأذن لهما قبل عاصم، فقال:
أمَسْلمُ قد منَّيتني ووعدتني ... مواعدَ صدقٍ إن رجعت مؤمَّرا
أيُدعى هُذيلٌ ثمّ أُدعى وراءه ... فيا لك مَدْعي ما أذلَّ وأحقرا
وكيف ولم يشفع لي اللَّيل كلَّه ... شفيعٌ وقد ألقى قناعاً ومئزرا
فلست براضٍ عنك حتّى تحبَّني ... كحبِّك صهريك الهُذيل وكوثرا
стр. 428
وقال الأصحم، أحدُ بني سعد بن مالك بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة، يذكر خالد بن عبد الله القسريَّ، وأبان بن الوليد البَجَليّ، وحجبه خالد:
ومنزلةٍ ليست بدار تئيّةٍ ... أطال بها حبسي أبانٌ وخالدُه
فإنْ أنا لم أنزلْ بلاداً هُما بها ... فلا ساغ لي من أعذب الماء باردُه
إذا ما أتيتُ الباب صادفت عنده ... بجيلة، أمثال الكلاب، تُراصده
عليهم ثياب الخزِّ تبكي كما بكت ... كراسيُّه، من لُؤمه، ووسائده
ويدعون قُدامى ويجعل دوننا ... من السَّاج مسموراً تئطُّ حدائده
المدائني قال: كان تميم بن راشدٍ مولى باهلة، حاجباً لقُتيبة بن مسلم بخراسان، فكان يأذن لسُويد بن هوبرٍ النَّهشليّ، ومُجفر بن جزيّ الكلابي، قبل الحُضين بن المنذر الرقاشي، فقال الحُضين:
إنيّ لألقى من تميم وبابه ... عناءً ويدعو مُجفرا وابن هوبرا
نزيعين من حيَّين شتَّى كأنما ... يرى بهما البوّاب كسرى وقيصرا
стр. 429
وقال عبيد الله بن الحُرّ الفاتك، لعبد الله بن الزُّبير، وشكا إليه مُصعباً وحجّابه:
أبلغ أمير المؤمنين نصيحتي ... فلست على رأيٍ قبيحٍ أواربه
أفي الحقِّ أن أُجفى ويجعل مصعب ... وزيريه منْ قد كنت فيه أحاربه
وما لامرئٍ إلاّ الذي الله سائقٌ ... إليه وما قد خطَّ في الزُّبر كاتبه
إذا ما أتيت الباب يُدخل مسلمٌ ... ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه
لقد رابني من مُصعبٍ أنَّ مصعباً ... لدى كلِّ ذي غشٍّ لنا هو صاحبه
وقال ابن نوفل لخالد بن عبد الله القسريّ، وحجبه:
فلو كنتُ غوْثيّاً لأدنيت مجلسي ... إليك، أخا قسْرٍ، ولكنني فحلُ
رأيتك تُدني ناشئاً ذا عجيزةٍ ... بمحجر عينيه وحاجبه كُحل
فو الله ما أدري إذا ما خلوتُما ... وأُرْخيت الأستار أيُّكما الفحل
стр. 430
وقال عمرو بن الوليد، في عُقبة بن أبي مُعيط:
أفي الحق أن نُدني إذا ما فزعتم ... ونقصي إذا ما تأمنون ونحجبُ
ويجعل فوقي من يودُّ لو أنَّكم ... شهابٌ بكفِّيْ قابسٍ يتلهَّبُ
فها أنتم داويتم الكلْم ظاهراً ... فمن لكلومٍ في الصُّدور تحوَّبُ
فقلت وقد أغضبتموني بفعلكم ... وكنت امرأً ذا مرّةٍ حين أغضبُ
أما لي في أعداد قومي راحةٌ ... ولا عند قومي إنْ تعتَّبتُ معتبُ
المدائنيُّ قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن يستعمل مسمع بن مالك على سجستان، فولاَّه إياها، فأتاه الضَّحّاك بن هشام فلم يُنله خيراً وأقصاه، فقال:
وما كنت يا بن كبشة أن أرى ... لبابك بوّاباً ولاستك منبرا
стр. 431
وما شجر الوادي دعوت ولا الحصى ... ولكن دعوت الحُرقتين وجحدرا
أخذْنا بآفاق السماء فلم ندعْ ... لعينك في آفاقها الخُضرِ منظرا
من مْدح برفع الحجاب
قال أيمن بن خُريم في بشْر بن مروان:
ولو شاء بشرٌ كان من دون بابه ... طماطم سودٌ أو صقالبةٌ حُمْرُ
ولكنَّ بشراً أسهل الباب للتي ... يكون له من دونها الحمدُ والشُّكرُ
بعيدُ مراد الطَّرف ما ردَّ طرفه ... حذار الغواشي بابُ دار ولا سترُ
وله أيضاً في عبد العزيز:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منَنٌ ظاهره
стр. 432
ففبا بك ألين أبوابهم ... ودارُك مأهولةٌ عامره
وكلبك أرأف بالمعتفين ... من الأمِّ بابنتها الزّائرة
وكفُّك حين ترى السائلي ... ن أندى من اللَّيلة الماطرة
فمنك العطاء ومنّا الثناءُ ... بكل مُحبَّرةٍ سائرة
ولآخر أيضاً:
ما لي أرى أبوابهم مهجورةً ... وكأنَّ بابك مجمع الأسواقِ
إنّي رأيتك للمكارم عاشقاً ... والمكرمات قليلة العشَّاقِ
وللتيميّ:
يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزِّحامْ
ولأشجع بن عمرٍو السُّلميّ:
على باب ابن منصورٍ ... علاماتٌ من البذْلِ
جماعاتٌ وحسْبُ الب ... ب جوداً كثرة الأهلِ
وأُنشدت لعمارة بن عقيل، في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالد وفعاله ... إلاَّ تجنُّب كلِّ أمرٍ عائبِ
وإذا حضرْنا الباب عند غدائه ... أذن الغذاءُ برغم أنف الحاجبِ
وأنشدتُ لبعضهم:
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغذَّى رُفعت سُتوره
стр. 433
ولثابت قُطنة، في يزيد بن المهلّب:
أبا خالدٍ زدت الحياة محبّةً ... إلى الناس أنْ كنت الأمير المتوَّجا
وحُقَّ لهم أن يرغبوا في حياتهم ... وبابك مفتوحٌ لمن خاف أو رجا
تزيد الذي يرجو نداك تفضُّلا ... وتُؤمن ذا الإجرام إنْ كان مُحرجا
من أُمِّل حجابُه ولم يُذمَّ عليه
المدائني قال: حضر أبو سفيان بن حربٍ باب عثمان بن عفان ﵁، فحُجب عنه، فقال له رجلٌ يُغْريه به: حجبك أمير المؤمنين يا أبا سفيان؟ فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء أن يحجبني حجبني.
وأنشدني الطائيُّ في إسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
يا أيُّها الملك المأمول نائله ... وجوده لمُراعي جُوده كثبُ
ليس الحجاب بمقُصٍ عنك لي أملاً ... إنَّ السماء تُرجَّى حين تحتجب
стр. 434
وله أيضاً في مالك بن طوق:
قل لابن طوقٍ رحى سعدٍ، إذا خبطتْ ... حوادث الدهر أعلاها وأسفلها
أصبحت حاتمها جوداً، وأحنفها ... حلماً، وكيِّسها علما ودغفلها
ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلةً ... عنِّي وقد طال ما استفتحت مقفلها
كأنها جنّة الفردوس معرضةً ... وليس لي عملٌ زاكٍ فأدخلها
ولأبي عبد الرحمن العطويّ في ابن المدبِّر:
إذا أنت لم ترسل وجئتُ فلم أصلْ ... ملأت بعذرٍ منك سمع لبيبِ
قصدتك مشتاقاً فلم أرَ حاجباً ... ولا ناظراً إلاَّ بعين غضوبِ
كأني غريمٌ مقتضٍ أو كأنّني ... طُلوعُ رقيبٍ أو نُهوضُ حبيبِ
فقمت وقد فكَّ الحجابُ عزيمتي ... على شكر بُسط الراحتين وهوبِ
عليَّ له الإخلاص ما ردع الهوى ... أصالةُ رأيٍ أو وقارُ مَشيبِ
وأنشدني الخثمعيّ:
كيفما شئتَ فاحتجب يا أبا اللَّيْ ... ثِ ومن شئت فاتخِذْ يوّابا
стр. 435
أنت لو كنت دون أعراضِ قحطا ... نَ وأسبلْتَ دونها الأحسابا
لرأيناك في مرايا أيادي ... كَ يقيناً ولو أطلت الحجابا
وأنشدني البلاذُريّ في عُبيد الله بن يحيى بن خاقان:
قالوا اصطبارُك للحجابِ وذُلِّه ... عارٌ عليك يد الزَّمان وعابُ
فأجبتُهم ولكلِّ قولٍ صادقٍ ... أو كاذبٍ عند الكريم جوابُ
إنيّ لأغتفرُ الحجاب لما جد ... ليست له مننٌ عليَّ رغابُ
قد يرفع المرء اللئيمُ حجابه ... ضعةً، ودون العرف منه حجابُ
والحرُّ مبتذل النَّوال وإن بدا ... من دونه سترٌ وأُغلق بابُ
تم كتاب الحجاب، ولله الحمد والمنّة، وبيده الحول والقوّة، والل سبحانه الموفّق للصواب برحمته.
يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب " مفاخرة الغلمان والجواري " من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضاً، والله المستعان وعليه التُّكلان، إنّه سميعٌ مجيب الدعاء.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 436
الرسالة الثالثة عشرة
كتاب مُفاخرة الجواري والغلمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بالله نستعين، وإياه نستهدي، وعليه نتوكل.
إنّ لكل نوعٍ من العلم أهلاً يقصدونه ويُؤْثرونه، وأصناف العلم لا تُحصى، منها الجزلُ ومنها السَّخيف. وإذا كان موضع الحديث على أنّه مُضحكٌ ومُلهٍ، وداخلٌ في باب حدّ المزج، فأُبدلت السَّخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وُضع على أن يَسُرَّ النفوس يكرُبُها ويغُمّها.
ومن كان صاحب علم ممرَّناً موقَّحا، إلف تفكير وتنقيب ودراسة، وحلف تبيُّن، وكان ذلك عادةً له، لم يضره النَّظرُ في كلِّ فنٍّ من الجدّ والهزل؛ ليخرج بذلك من شكل إلى شكل. فإنَّ الأسماع قد تملُّ الأصوات المطربة، والأوتار الفصيحة، والأغانيَّ الحسنة، إذا طال ذلك عليها.
وقد رُوي عن أبي الدّرداء ﵁ أنه قال: " إنِّي لأستجمُّ نفسي ببعض الباطل مخافة أن أحمل عليها من الحقّ ما يُملُّها ".
وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: " العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كلِّ شيءٍ أحسنه ".
стр. 437
ورُوي عن الشَّعبي أنه قال: " إنّ القلوب تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة ".
وبعض من يُظهر النسك والتقشُّفإذاذُكر الحر والأير والنَّيك تقزَّز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجلٌ ليس معه من المعرفة والكرم، والنُّبل والوقار، إلاَّ بقدر هذا التصنُّع.
ولو علم أنَّ عبد الله بن عباسٍ أنشد في المسجد الحرام وهو مُحرمٌ:
وهُنَّ يمشين بنا هميسا ... إنْ تصدُقِ الطَّيْرُ ننكْ لميسا
فقيل له: إنَّ هذا من الرَّفث! فقال: إنما الرَّفث ما كان عند النساء.
وقول عليٍّ رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة، ولم يكن في حسبه بذاك، فقال: من في هذه البيوت؟ فقال: عقائل من عقائل العرب. فقال: " من يَطُلْ أيرُ أبيه ينتطْق به ".
فعلى عليٍّ في التَّنزُّه يُعَوَّل.
стр. 438
وقول أبي بكرٍ الصديق ﵁ لبُديل بن ورقاء يوم الحُديبية، وقد تهدَّد رسول الله ﷺ : " عضضت ببظْر اللات، أنحنُ نخذُله؟! ".
وقول حمزة بن عبد المطّلب ﵁: " وأنت يا ابن مقطِّعة البُظور ممن يكثِّر علينا! ".
وحديثٌ مرفوع: " من عذيري من ابن أمِّ سباع مقطَّعة البُظور ".
ولو تتبَّعت هذا وشبهه وجدته كثيرا.
وإنما وُُضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألاّ يُلفظ بها ما كان لأوّلِ كونها معنىً، ولكان في التَّحريم والصَّون للُغة العرب أن تُرفع هذه الأسماء والألفاظ منها.
وقد أصاب كلَّ الصَّواب من قال: " لكلِّ مقامٍ مقال ".
ولو كان ممّن يتصوَّف ويتقشَّف، علم قول امرأة رفاعة القّرظيّ تَجْبَهه عند رسول الله ﷺ غير محتشمة: إنّي تزوّجت عبد الرحمن
стр. 439
بن الزبير، وإنّما معه مثل هُدبة الثَّواب، وكنت عند رفاعة فطلَّقني - ورسول الله ﷺ ما يزيد على التبسُّم حتى قضتْ كلامها - فقال: " تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتَّى تذوقي من عُسيلته ويذوق من عُسيلتك ". ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزُّهري عن عروة عن عائشة ﵂ لعلم أنّه على سبيل التَّصنُّع والرِّياء.
ولو سمعوا حديث ابن حازمٍ حين زعم أنَّه يُقيم ذكره ويصعد السُّلَّم وامرأته متعلقة بذكره حتَّى يصعد.
وحديث ابن أخي أبي الزِّناد إذْ يقول لعمِّه: أنْخَرُ عند الجماع؟ قال: يا بُنيَّ إذا خلوت فاصنع ما أحببت. قال: يا عمِّ، أتنخرُ أنت؟ قال: يا بنيّ، لو رأيت عمَّك يجامع لظننت أنّه لا يؤمن بالله العظيم!.
стр. 440
وهذان من ألفاظ المُجان.
ورُوي عن بعض الصَّالحين من التابعين ﵀، أنه كان يقول في دعائه: اللهمَّ قوِّ ذكري على نكاح ما أحللت لي.
ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الردَّ على من أنكر هذهذ الأمور، ولكنَّا لما ذكرنا اختصام الشِّتاء والصيف، واحتجاج أحدهما على صاحبه، واحتجاج صاحب المعز والضَّأن بمثل ذلك، أحببنا أن نذكر ما جرى بين اللاَّطة والزُّناة، وذكرنا ما نقل حُمَّال الآثار وروتْه الرُّواة، من الأشعار والأمثال، وإن كان في بعض البطالات، فأردنا أن نقدِّم الحُجَّة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا.
ونعوذ بالله أن نقول ما يُوتغ ويُردي، وإليه نرغب في التأييد والعصمة، ونسأله السلامة في الدِّين والدُّنيا برحمته.
قال (صاحب الغلمان) : إن من فضل الغلام على الجارية أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل: كأنَّها غلام، ووصيفةٌ غلامية.
قال الشاعر يصف جارية:
لها قدُّ الغلام وعارضاه ... وتفتير المبتَّلة اللَّعوبِ
стр. 441
وقال:
فطِبْ لحديثٍ من نديم موافقٍ ... وساقيةٍ بَيْنَ المُراهقِ والحُلْمِ
إذا هي قامت والسُّداسيَّ طالها ... وبين النَّحيف الجسم والحسن الجسم
وقال والبة بن الحُباب:
وميراثيَّة تمشي اختيالاً ... من التكريه قاتلة الكلام
لها زيُّ الغلام ولم أقسْها ... إليه ولم أُقصِّر بالغلامِ
وقال عُكاشة:
مطمومة الشَّعْر في قُمصٍ مزرَّرةٍ ... في زيّ ذي ذكرٍ سيماهُ سيماها
وأكثر من قول الشاعر قول الله : " يطوف عليهمْ غلمانٌ لهمْ كأنهم لؤلؤ مكنونٌ " وقال ﵎: " يطوف عليهم ولْدانٌٌ مُخلَّدون. بأكوابٍ وأباريق ". فوصفهم في غير موضعٍ من كتابه، وشوَّق إليهم أوْلياءه.
قال (صاحب الجواري) : قد ذكر الله جلَّ اسمه الحور العين أكثر مما ذكر الولدان، فما حجَّتك في هذا إلا كحجَّتنا عليك.
стр. 442
ومما صان الله به النِّساء أنَّه جعل في جميع الأحكام شاهدين: منها الإشراك بالله، وقتل النَّفْس التي حرم الله تعالى؛ وجعل الشهادة على المرأة إذا رُميت بالزِّنى أربعةً مجتمعين غير مفترقين في موضعٍ، يشهدون أنَّهم رأوه مثل الميل في المُكحُلة. وهذا شيءٌ عسير؛ لما إراد الله من إغماض هذا الحد إذ جعل فيه الشَّدخ بالحجارة.
وإنما خلق الله الرِّجال بالنساء.
وريح الجارية أطيب، وثيابها أعطر، ومشيتها أحسن، ونغْمتها أرق، والقلوب إليها أمْيل. ومتى أردتها من قُدَّامٍ أو خَلْفٍ من حيث يحسن ويحلّ وجدت ذلك كما قال الشاعر:
وصيفةٌ كالغلامِ تصلح لل ... أمرين كالغُصن في تثنِّيها
أكملها اللهُ ثم قال لها ... لما استتمَّت في حُسنها: إيها
قال: ونظر بعض الحاجِّ إلى جاريةٍ كأنها دمية في محراب، قد أبْدت عن ذراعٍ كأنه جُمارة، وهي تكلَّمُ بالرَّفث، فقال: يا هذه، تكلَّمين بمثل هذا وأنت حاجَّة! قالت: لست حاجّة، وإنما يحجُّ الجمل، ألست تراني
стр. 443
جالسةً وهو يمشي! قال: ويحك، لم أر مثلك فمن أنت؟ قالت: أنا من اللواتي وصفهنَّ الشَّاعر فقال:
ودَقّت وجَلَّت واسبكرّت وأُكملتْ ... فلو جُنَّ إنسانٌ من الحسن جُنَّتِ
قال (صاحب الغلمان) : إنّ أحداً لا يدخل الجنّة إلا أمرد، كما جاء في الحديث: " إن أهل الجنّة يدخلونها جُرْداً مكحَّلين ". والنِّساء إلى المُرْدِ أمْيل، وله أشهى، كما قال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن امرأً ... فقد الشَّباب وقد يصلْن الأمردا
وقال امرؤ القيس:
فيا رُبَّ يومٍ قد أروحُ مرجَّلاً ... حبيباً إلى البيض الأوانسِ أملسا
أراهن لا يُحببن من قلَّ ماله ... ولا من رأين الشَّيب فيه وقوَّسا
стр. 444
وقال عَلْقمة بن عبدة:
فإنْ تسألوني بالنِّساء فإنّني ... بصيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ
يُردْن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخُ الشَّباب عندهنَّ عجيبُ
قال (صاحب الجواري) : فإن الحديث قد جاء عن الرسول ﷺ : " حُبِّبت إليَّ النِّساء والطِّيب، وجعل قُرَّة عيني في الصلاة ". ولم يأت للغلمان مثل هذه الفضيلة. وقد فُتن بالنساء الأنبياء ﵈، منهم داود، ويُوسف، ﵉.
قال (صاحب الغلمان) : لو لم يكن من بليّة النساء إلاّ أنّ الزِّنى لا يكون إلاّ بهنّ، وقد جاء في ذلك من التغليظ ما لم يأتِ في غيره في الكتاب نصّاً، وفي الروايات الصحيحة. قال الله ﵎: " ولا تقْربوا الزِّنى إنَّه كان فاحشةً وساء سبيلاً "، وقال: " ولا يزْنون ومنْ يفعلْ ذلك
стр. 445
يًلْقَ أثاماً. يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخْلُدْ فيه مُهاناً "، وقال: " الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذْكم بهما رأفةٌ ". وقد جعل بينهما إذا لم يكن شهودٌ التلاعن والفرقة في عاجل الدُّنيا، إلى ما أعدَّ للكاذب منهما من اللَّعن والغضب في الآخرة.
قال (صاحب الجواري) : ما جعل الله من الحدّ على الزَّاني إلاّ ما جعل على اللَّوطيّ مثله. وقد رُوي عن علي بن أبي طالبٍ ﵁؟، أنّه أُتي بلُطيٍّ، فأُصعد المئذنة ثم رُمي منكِّساً على رأسه، وقال: " هكذا يُرمى به في نار جهنَّم ".
وحُدِّث عن أبي بكر، ﵁، أنّه أُتي بلوطيٍّ فعرقب عليه حائطاً.
وحديث أبي بكر أيضاً ﵁، أنَّ خالد بن الوليد كتب إليه في قومٍ لاطُوا فأمر بإحراقهم.
وأحرقهم هشام بن عبد الملك، وأحرقهم خالد بن عبد الله بأمر هشام.
وفي الحديث مجاهد أنَّ الذي يعمل عمل قوم لُوطٍ لو اغتسل بكلِّ قطرةٍ من السَّماء وكلِّ قطرة في الأرض لم يزلْ نجساً.
стр. 446
وحديث الزُّهريّ: " اللُّوطيّ يُرجم، أُحصن أو لم يُحصنْ؛ سُنّةٌ ماضيةٌ ".
ورُوي عن الحكم بن عُتَيْبَة أن عليّاً ﵀ رجم لوطيّاً وقال: " لعن رسول الله ﷺ الذَّكرين يلعب أحدهما بالآخر ".
وحديث أنسٍ قال: " لعن رسول الله ﷺ المؤنَّثين من الرجال، والمذكَّرات من النساء ".
وقد نفى رسول الله ﷺ مخنَّثاً من المدينة يقال له " هيتٌ " وسمعه يقول لأمِّ سلمة زوج النبي ﷺ : " إذا فتحتم الطَّائف فعليك بادية بنت غيْلان، فإنها هيفاءُ شموع، إذا
стр. 447
قامت تثنَّت، وإذا تكلَّمت تغنَّتْ، تُقبل بأربعٍ وتُدبرُ بثمانٍ، وبين رجليها كالإناء المكفوء، فزوِّجيها عُمر ابنك ". فقال رسول الله ﷺ : " لقد تغلغلت في النظر يا عدوَّ الله، وما ظننتك من ذوي الإربة! ". فنفاه عن المدينة.
قال (صاحب الغلمان) : من عيوب المرأة أنّ الرجل إذا صاحبها شيَّبتْ رأسه، وسهَّكت ريحه، وسوَّدت لونه، وكثر بوله. وهنَّ مصايد إبليس وحبائل الشيطان، يُتعبن الغنيَّ، ويكلِّفن الفقير ما لا يجد. وكم من رجلٍ تاجرٍ مستورٍ قد فلَّسته امرأته حتَّى هام على وجهه، أو جلس في بيته، أو أقامته من سوقه ومعاشه.
وقال النبي ﷺ : " ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النِّساء ".
قال (صاحب الجواري) : قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ قال: " تزوَّجوا فإنِّي مُكاثرٌ بكم الأمم ".
وجاء عنه: " إذا قضيتُم غزوكم فالكيْس الكيْس ". يعني النكاح.
стр. 448
وقال النبي ﷺ : " مسكينٌ رجلٌ لا زوجة له. مسكينةٌ مسكينةٌ امرأةٌ لا بعل لها ".
وجاء عنه ﷺ : " تزوّجوا والتمسوا الولد؛ فإنَّهم ثمراتُ القلوب. وإيّاكم والعُجُز العُقر ".
وكان رسول الله ﷺ أكثر أهل عصره نساء، وكذلك كانت الأنبياء ﵈ قبله.
وقد أنبأك الله بخير داود ﵇ في القرآن، وما روي أنه كان لسليمان ﵇.
وقد تزوج ابن مسعودٍ في مرضه الذي مات فيه.
وقال مُعاذ: زوِّجوني لا ألقى الله تعالى وأنا عزب.
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأُجْهد نفسي في النِّكاح حتّى يُخرج الله منيّ نسمةً تسبِّحه.
وروي أنه قال: عليكم بالأبكار الشَّواب؛ فإنهنَّ أطيب أفواهاً، وأنتق أرحاماً.
والحديث في هذا أكثر من أن نأتي عليه.
стр. 449
قال (صاحب الغلمان) : إن من عيوب الجواري أنَّ الرجل إذا اشترى الوصيفة إلى أن يستبرئها محرَّمٌ عليه أن يستمتع بشيءٍ منها قبل ذلك والوصيف لا يحتاج إلى ذلك. وقد قال الشاعر:
فديتك إنمّا اخترناك عَمْداً ... لأنك لا تحيض ولا تبيض
وقد جاء في الحديث أنَّ الزِّنى فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء، ويعجّل الفناء، ويقطع الرِّزق من السماء. وأمّا اللواتي في الآخرة فالحساب، والعذاب، ودخول النار.
وروي عن مجاهدٍ، قال: إنَّ لأهل النار صرخةً من ريح الزُّناة.
وقالوا: إن أهل النار ليتأذَّون بريح الزُّناة.
قال (صاحب الجواري) : لم نسمع بعاشقٍ قتله حبُّ غلام. ونحن نعدُّ من الشعراء خاصةً الإسلاميِّين جماعةً، منهم جميل بن مَعمَر قتله حبُّ بُثينة، وكثيِّر قتله حبُّ عزّة، وعروة قتله حبُّ عفراء، ومجنون بني عامر هيَّمته ليلى، وقيس بن ذريح قتلتْه لُبْنى، وعبد الله بن عجلان
стр. 450
قتلته هند، والغمر بن ضرار قتلتْه جُمْل. هؤلاء من أحصينا، ومن لم نذكر أكثر.
قال (صاحب الغلمان) : لو نظر كثيِّر وجميلٌ وعروة، ومن سميِّت من نظرائهم، إلى بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشتُرى بالمال العظيم فراهة وشطاطاً ونقاء لون، وحُسن اعتدالٍ، وجودة قدٍّ وقوام، لنبذوا بُثينة وعزّة وعفْراء من حالقٍ، وتركوهُنَّ بمزجر الكلاب. ولكنك احتججت علينا بأعرابٍ أجلافٍ جُفاة، غُذُوا بالبؤس والشَّقاء ونشؤوا فيه، لا يعرفون من رفاعة العيش ولذَّات الدنيا شيئاً، إنّما يسكنون القفار، وينفرون من الناس كنفور الوحش، ويقتاتون القنافذ والضِّباب، وينقُفُون الحنظل، وإذا بلغ أحدهم جُهده بكى على الدِّمنة ونعت المرأة، ويشبّهها بالبقرة والظَّبية، والمرأة أحسن منهما. نعم حتَّى يشبِّهها بالحيّة، ويسِّميها شوهاء وجرباء، مخافة العين عليها بزعمه.
فأمّا الأدباء والظرفاء فقد قالوا في الغلمان فأحسنوا، ووصفوهم فأجادوا، وقدّموهم على الجواري، في الجدّ منهم والهزل.
стр. 451
وقال الشاعر يصف الغلام:
شبيهٌ بالقضيب وبالكثيب ... غريبُ الحسن في قدٍّ غريبِ
براه الله بدراً فوق غصنٍ ... ونيط بحقوه دعص الكثيبِ
أغنُّ تولَّدُ الشَّهوات منه ... فما تعدوه أهواء القلوبِ
وما اكتحلت به عينٌ ففاتت ... مسلَّمة الضَّمير من الذُّنوبِ
شغلت به الهوى ونزعْت عنه ... ولم أدنس به دنس المُريبِ
وقال آخر:
كلفتُ بظبيٍ له ... سوالفُ أُدمانْه
قضيبٌ على رَمْلةٍ ... على شُعبتيْ بانه
له لحظ وحشيّةٍ ... وألفاظُ إنسانه
وقال أبو نواس:
سَقْيا لغير العلياء والسَّند ... وغير أطلال ميَّ بالجردِ
ويا صبيب السَّحاب إن كنت قد ... جُدت اللِّوى مرةً فلا تعدِ
لا تسقينْ بلدةً إذا عُدَّت ال ... بلدان كانت زيادة الكبدِ
стр. 452
إنْ أتحرزْ من الغراب بها ... يكن مفرِّى منه إلى الصُّردِ
بحيثث لا تجلب الفجاجُ إلى ... أذنيك إلاَّ تصايح النَّقدِ
أحسن عندي من انكبابك بال ... فهْر مُلحّاً به على وتدِ
وقوفُ ريحانةٍ على أُذْنٍ ... وسير كأس إلى فمٍ بيدِ
يسقيكها من بني العباد رشاً ... منتسبٌ عيدُه إلى الأحدِ
إذا بنى الماء فوقها حبباً ... صلَّب فوق الجبين بالزَّبدِ
أشرب من كفِّه الشمول ومن ... فيه رُضاباً يجري على بردِ
فذاك خيرٌ من البكاء على ال ... رَّبع وأنمى في الرُّوح والجسدِ
قال (صاحب الجواري) : فقد قال أبو نواسٍ الحكميُّ شاعركم أيضاً:
لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِ ... واشربْ على الورد من حمراء كالوردِ
стр. 453
كأساً إذا انحدرتْ في حلْقِِ شاربها ... رأيت حمرتها في العين والخدِّ
فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ ... من كفِّ لؤلؤةٍ ممشوقة القدِّ
تسقيك من عينها سحراً ومن يدها ... خمراً فما لك من سكرين من بُدِّ
لي نشوتان وللنَّدمان واحدةٌ ... شيءٌ خصصت به من بينهم وحدي
وقال أيضاً:
دع عنك لومي فإنَّ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
صفراءُ لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرَّاءُ
من كفِّ ذات حرٍ في ذي ذكر ... لها مُحبّان: لوطيٌّ وزنّاءُ
قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌ ... فظلَّ من وجهها في البيت لألاءُ
стр. 454
فأرسلتْ من فم الإبريق صافيةً ... كأنَّما أخذها بالعين إغفاءُ
في فتيةٍ زُهُرٍ ذلَّ الزمان لهم ... فما يصيبهم إلاَّ بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ ... كانت تكون بها هندٌ وأسماءُ
قال صاحب الغلمان.....وقال النظام:
بان بك الشَّكل والنَّظيرُ ... وجلَّ عن وصفك الضَّميرُ
فليس يُخطيك في امتحانٍ ... صغيرُ أمرٍ ولا كبيرُ
خُلقت من مثل لا عيانٍ ... جسماً على أنّه منيرُ
فأنت عند المجسِّ نارٌ ... وأنت عند اللِّحاظ نورُ
وقال أبو هشامٍ الخرَّاز:
يا من تعدَّى العباد من شبهه ... لمَّا قصُرن الصِّفات عن كُنُههِ
ويا غزالاً يسبي بلحظته ... مكتحلاً راح أو على مرههِ
يجعل قتل النُّفوس نزهته ... يوشك يُفني النُّفوس في نُزههِ
لبَّيك داعٍ دعا فقلتُ له ... والقلب في كربه وفي ولههِ
стр. 455
هذا فؤادي أتاك مبتدعاً ... طوعاً ولم يأتكمْ على كُرُههِ
يشرهُ منكم إلى مواصلةٍ ... يا بُوس قلبٍ يذوبُ من شرههِ
فالآن قل للخيال يطرقُ منْ ... أعيا عليه وصالُ منتبههِ
وقال الحكميّ:
رسْمُ الكرى بين الجفون مُحيلُ ... عفَّى عليه بُكاً عليك طويلُ
يا ناظراً ما أقلعتْ نظراته ... حتّى تشحَّط بينهنَّ قتيلُ
أحللت من قلبي هواك محلَّة ... ما حلَّها المشروب والمأكولُ
وقال أيضاً:
لي حبيبٌ كلَّما زاد في ... جفوته لي كان أشْهى
هو وجهٌ كلُّه في كلِّ ما ... نظرتْ عيناك منه كان وجها
وكذا الدُّرّة لا يدري الفتى ... أيُّها من أيِّها في العين أبهى
وقال أيضاً:
أفنيت فيك معاني الشكوى ... وصفاتِ ما ألقى من البلوى
قلَّبتُ آفاق الكلام فما ... أبصرتني أغفلت عن معنى
وأعُدُّ ما لا أشتكي غبناً ... فأعود فيه مرّةً أخرى
стр. 456
فلو أنَّ ما أشكو إلى بشرٍ ... لأراحني ظنِّي من الشَّكوى
لكنّني أشكو إلى حجرٍ ... تنبو المعاول عنه بل أقْسى
فهذا وشبهه من الشعر كثير.
وإذا جئت إلى أصحاب الهزْل كقول بعضهم ممَّن ذمَّ النساء:
هذه الخمر فاشرب ... واسقني يا ابن مصعبِ
اسقنيها وغنِّني: ... من لقبٍ معذَّبِ
طمعتْ فيّ طَفْلةٌ ... ربَّ راج مجنَّبِ
قلت لمّا رأيتها ... أسفرتْ لي: تنقَّبي
لست والله مُدخلاً ... إصبعي جُحْرَ عقربِ
وقال آخر:
لا أبتغي بالمُرد مطمومةً ... ولا أبيع الظّبي بالأرنبِ
لا أُدخل الجُحْرَ يدي طائعاً ... أخشى من الحيَّة واالعقربِ
وقال آخر:
ليس لي في الحرِّ حاجة ... نيكه عندي سماجة
стр. 457
ما ينيك الرَّ إلاّ ... كلُّ ذي فقرٍ وحاجة
فإذا نكتم فنيكوا ... أمرداً في لون عاجة
وقال يوسف لقْوه:
ما يساوي نيكُ أنثى ... عند أيري بعرتينِ
إنّما نيك الجواري ... حلُّ ديْنٍ بعد دينِ
ليس للأير حياةٌ ... غير ريح الخُصيتينِ
وهو الذي يقول:
وعلى اللُّواط فلا تلُمنْ كاتباً ... إنّ اللِّواطِ سجيَّةٌ في الكاتبِ
ولقد يتُوب من المحارم كلِّها، ... وعن الخُصى ما عاش ليس بتائبِ
وقال الحكميّ:
للطمةٌ يلطمني أمردٌ ... تأخذ منّي العين والفكَّا
أطيب من تُفاحةٍ في يدي ... معضوضةٍ قد ملئتْ مسْكا
وقال آخر:
إنْ تزن محصنةٌ تُرجم علانيةً ... وإن يلُطْ عزبٌ لا يرجم العزبُ
стр. 458
وقال آخر:
أيسر ما فيه من مفاضلةٍ ... أمْنُكَ من طمثه ومن حبلهِ
وهذا قليلٌ من كثير ما قالوا، فقد قالت الشعراء في الغلام في الجدّ والهزل فأحسنوا، كما قالت الشعراء في الغزل والنَّسيب، ولا يضير المحسن منهم أقديماً كان أو محدثاً.
قال (صاحب الجواري) : أمّا أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكميّ، والرَّقاشيّ، ووالبة، ونظرائهم من الفُسَّاق والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في آخر الزمان، سُقّاطٌ عند أهل المروءات، أوضاعٌ عند أهل الفضل؛ لأنّهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان، فإنما يمدحون اللِّواط ويشيدون بذكره.
وقد علمت ما قال الله ﵎ في قوم لوطٍ، وما عجَّل لهم من الخزي والقذف بالحجارة، إلى ما أعدَّ لهم من العذاب الأليم. فمن أسوأُ حالاً ممن مدح ما ذمَّه الله، وحسَّن ما قبَّح! وأين قول من سمَّيت من قول الأوائل في الغزل والنَّسيب والنساء! وهل كان البكاء والتشبيب والعويل إلا فيهنَّ وعليهنّ، ومن أجلهنّ! وهل ذمَّت العرب الشَّيب مع الخصال المحمودة التي فيه
стр. 459
إلا لكراهتهنَّ له. قال شاعر الشعراء من الأوّلين والآخرين، امرؤ القيس:
أراهُنَّ لا يُحببن من قلَّ ماله ... ولا من رأين الشَّيب فيه وقوَّسا
وقال علقمة بن عبدة الفحل، وكان نظير امرؤ القيس في عصره:
إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ ماله ... فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ
يُردْن ثراء المال حيث علمْنه ... وشرخ الشَّباب عندهُنّ عجيبُ
وما قالت القدماء في النسيب أكثر من أن نأتي عليه. وأين قول من ذكرت في صفات الغلمان من قول امرؤ القيس في التشبيب حيث يقول:
وما ذرفتْ عيناك إلاّ لتضربي ... بسهميك في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ
أغرَّك منّي أنَّ حُبَّكِ قاتلي ... وأنَّك مهما تأمري القلب يفعلِ
وقول الأعشى:
لو أسندتْ ميتاً إلى نحرها ... عاش ولم يُنقل إلى قابرِ
стр. 460
حتّى يقولُ الناس مما رأوا ... يا عجبّاً للقاتل الناشرِ
وقال جرير:
إنّ الذين غدوْا بلبِّك غادروا ... وشلاً بعينك لا يزالُ معينا
غيَّضْنَ من عبراتهنَّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
وقال جميل:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حبِّ قاتله قبلي
وقال القُطاميّ:
يقتُلننا بحديثٍ ليس يعلمُه ... من يتَّقين ولا مكنونه بادي
فهنّ ينبذن من قولٍ يُصبْن به ... مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصادي
فهؤلاء القدماء في الجاهلية والإسلام، فأين قول من احتججت به من قولهم!.
ولا نعلم أحداً قال في الغلام ما قال الحكميّ وهو من المحدثين. وأين يقع قوله من قول الأوائل الذين شبَّبوا بالنساء! فدعْ عنك الرَّقاشيّ ووالبة والخرَّاز ومن أشبههم؛ فليست لك علينا حجّة في الشعراء.
следующие страницы →