Полный текст (1 368 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ثم استكتب رسول الله ﷺ بعده معاوية بن أبي سفيان، فكان أوّل من غدر في الإسلام بإمامه، وحاول نقض عُرى الإيمان بأثامه.
وكتب عثمان بن عفّان لأبي بكر رضوان الله عليهما - مع طهارة أخلاقه وفضائل أيّامه - فلم يمتْ حتى أدّاه عرق الكتابة إلى ذمِّ من ذمَّه من أوليائه.
ثم كتب لعمر بن الخطّاب ﵁ زياد بن أبيه، فانعكس شرَّ ناشئٍ في الإسلام، نُقضت بدعوته السُّنّة، وظهرت في أيّامه ولايته بالعراق الجبْرية.
ثم كتب لعثمان بن عفان ﵁ مروان بن الحكم، فخافه في خاتمه، وأشعل الرَّعيّة حرباً عليه في مُلكه.
ثم أفضى الأمر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عنه، فتبيّن من البصيرة في الكتّاب ما لم ير التنويه بذكر كاتبٍ حتّى مات.
ولو كانت الكتابة شريفةً والخطُّ فضيلة كان أحقَّ الخلْق بها رسول الله ﷺ ، وكان أولى الناس ببلوغ الغاية فيها ساداتهم
стр. 527
وذوو القدر والشرف فيهم. ولكنَّ الله منع نبيَّه ﷺ ذلك، وجعل الخطَّ فيه دنيَّة، وصدَّ العِلْم به عن النبوَّة. ثم صيَّر الملك في ملكه، والشَّريف في قومه يتبجَّج برداءة الخط، وينبل بشنج الكتاب. وإنَّ بعضهم كان يقصد لتقبيح خطَّه وإنْ ككان حلواً، ويرتفع عن الكتاب بيده - وإن كان ماهراً، وكان ذلك عليه سهلاً - فيكلِّفه تابعه، ويحتشم من تقليده الخطير من جلسائه.
وكتب أحمد بن يوسف يوماً بين يدي المأمون خطّاً أعجبه فقال: وددت والله أنِّي كتبت مثله وأنِّي مُغرَّمٌ ألف ألف. فقال له أحمد بن يوسف: لا تأسَ عليه يا أمير المؤمنين، فإنَّه لو كان حظّاً ما حُرمه رسول الله ﷺ .
ومع ذلك إنَّ سنخ الكتابة بُني على أنّه لا يتقلَّدها إلاّ تابع، ولا يتولاها إلاّ من هو في معنى الخادم. ولم نر عظيماً قطُّ تولَّى كفاية نفسه،
стр. 528
أو شارك كاتبه في عمله. وكلُّ كاتب فمحكومٌ عليه بالوفاء، ومطلوبٌ منه الصَّبر على اللأواء. وتلك شروطٌ متنوّعة عليه، ومحنةٌ مستكملة لديه.
وليس للكاتب اشتراط شيء من ذلك، بل يناله الاستبطاء عند أول الزَّلَّة وإن أكدي، ويُدركه العذْل بأوَّل هفوةٍ وإن لم يرض.
يجب للعبد استزادة السِّيد بالشكوى، والاستبدال به إذا اشتهى. وليس للكاتب تقاضي فائته إذا أبطأ، ولا التحوُّل عن صاحبه إذا التوى. فأحكامه أحكام الأرقّاء، ومحلُّه من الخدمة محل الأغبياء.
ثم هو مع ذلك في الذِّروة القصوى من الصَّلف، والسَّنام الأعلى من البذخ، وفي البحر الطامي من التِّيه والسَّرف. يتوهَّم الواحد منهم إذا عرَّض جبَّته وطوّل ذيله، وعقص على خدِّه صُدغه، وتحذف الشابورتين على وجهه، أنَّه المتبوع ليس التابع، والمليك فوق المالك.
ثم الناشئ فيهم إذا وطئ مقعد الرياسة، وتورَّك مشورة الخلافة، وحُجزت السَّلَّةُ دونه، وصارت الدواة أمامه، وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم مُلحه، وروى لبُزرْجمهْر أمثاله، ولأردشير عَهْده،
стр. 529
ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفَّع أدبه، وصيَّر كتاب مَزْدَك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنْز حكمته ظنَّ أنَّه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عبّاسٍ في العلم بالتأويل، ومُعاذ بن جبلٍ في العلم بالحلال والحرام، وعليُّ بن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاَّف في الجُزْء والطَّفرة، وإبراهيم بن سيار النظَّام في المكامنات والمجانسات، وحسينٌ النَّجَّار في العبارات والقول بالإثبات، والأصمعيُّ وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب. فيكون أوّل بدْوه الطعن على القرآن في تأليفه، والقضاء عليه بتناقضه. ثم يُظهر ظرفه بتكذيب الأخبار، وتهجين من نقل الآثار. فإن استرجح أحدٌ عنده أصحاب الرسول ﷺ فتل عند ذكرهم شدقه، ولوى عند محاسنه كشحه. وإن ذُكر عنده
стр. 530
شُريّح جرَّحه، وإن نُعت له الحسن استثقله، وإن وُصف له الشعبيُّ استحمقه، وإن قيل له ابن جُبير استجهله، وإن قدَّم عنده النَّخعيُّ استصغره.
ثم يقطع ذلك من مجلسه سياسة أردشير بابكان، وتدبير أنوشروان، واستقامة البلاد لآل ساسان.
стр. 531
فإنْ حذر العيونْ وتفقَّده المسلمون، رجع بذكر السُّنن إلى المعقول، ومحكم القرآن إلى المنسوخ، ونفي ما لا يدرك بالعيان، وشبَّه بالشاهد الغائب. لا يرتضى من الكتب إلاَّ المنطق، ولا يحمد إلاَّ الواقف، ولا يستجيد منها إلاّ السَّائر.
هذا هو المشهور من أفعالهم، والموصوف من أخلاقهم.
ومن الدليل على ذلك، أنّه لم يُر كاتبٌ قطُّ جعل القرآن سميره، ولا علمه تفسيره، ولا التفقُّه في الدِّين شعاره، ولا الحفظ للسُّنن والآثار عماده، فإن وُجد الواحد منهم ذاكراً شيئاً من ذلك لم يكن لدوران فكَّيه به طلاقة، ولا لمجيئه منه حلاوة. وإن آثر الفرد منهم السَّعْي في طلب الحديث، والتشاغل بذكر كتب المتفقِّهين، استثقله أقرانه، واستوخمه أُلاَّفه، وقضوا عليه بالإدبار في معيشته، والحرفة في صناعته، حين حاول ما ليس من طبعه، ورام ما ليس من شكله.
قال الزُّهريّ لرجل: أيُعجبك الحديث؟ قال: نعم. قال: أما إنّه لا يعجب إلاَّ الفحول من الرِّجال، ولا يبغضه إلاَّ إناثهم!.
ولئن وافق هذا القول من الزُّهري فيهم مذهباً، إنَّ ذلك لَبَيِّنٌ في شمائلهم، مفهوم في إشاراتهم.
стр. 532
وسئل ثُمامة بن أشرس يوماً، وقد خرج من عند عمرو بن مسْعدة، فقيل له: يا أبا معن، ما رأيت من معرفة هذا الرّجل وبلوت من فهْمه؟ فقال: ما رأيت قوماً نفرتْ طبائعهم عن قبول العلوم، وصغرت هممهم عن احتمال لطائف التمييز - فصار العلم سبب جهلهم، والبيان علم ضلالتهم، والفحْص والنظر قائد غيِّهم، والحكمة معْدن شبههم - أكثر من الكتَّاب.
وذكر أبو بكرٍ الأصمُّ ابن المقفَّع فقال: ما رأيت شيئاً إلاَّ وقليله أخفُّ من كثيره إلاَّ العلم، فإنّه كلَّما كثر خفَّ محمله. ولقد رأيت عبد الله بن المقفَّع هذا في غزارة علمه وكثرة روايته، كما قال الله عزّ ذكره: " كمثل الحمار يحْمل أسْفاراً ". قد أوهنه علمه، وأذهله علمه، وأذهله حلمه، وأعمته حكمته، وحيَّرتْه بصيرته.
стр. 533
وكنا في مجلس بشر بن المعتمر يوماً وعنده المُرْدار، وثمامة، والعلاَّف، في جماعةٍ من المعتزلة وأصحاب الكلام، فتذاكروا العوامَّ واستحواذ الفتنة عليهم في التقليد، واستغلاق قلوبهم بكثيرٍ مما ليس في طبعهم، فتعظِّمهم وتقضي لكلِّ من نُبل منهم بالصَّواب في قوله وإنْ لم يعلموا. لا يدينون بالحقيقة، ولا يحمدون إلا ظاهر الحلْية.
стр. 534
ومن الدليل على نذالة طبعهم، والعلم بفسالة رأيهم، تقديمهم بالفضل لمن لا يفهمونه، وقضاؤهم بالعلم لمنلا يعرفونه، حتَّى إنهم يضربون بالكاتب فيما بينهم المثل، ويحكمون له بالبصيرة في الأدب، على غير مُعاشرةٍ جرتْ بينهم، ولا محبّة ظهرت له منهم. ليس إلاّ أنَّ هممهم صغرت عنهم، وامتلأت قلوبهم منهم، فصار المحفوظ من أقوالهم، والذي يدينون به من مذاهبهم: كيف لا يأمن فلانٌ الخطأ مع جلالته، وكيف ينساغ لأحدٍ تجهيله مع نبله. فإنْ وُقفوا على تمييزه هابوه، وإن دُعوا إلى تفهُّمه أكبروه، وقالوا: لم يُنصب هذا بموضعه إلاَّ لخاصَّةٍ فيه وإن جهلناها، وفضيلةٍ موسومة وإن قصر علمنا عنهم. ولعلَّه عُمر بن فرجٍ في السَّفه والمباهتة، وإبراهيم بن العبَّاس في الشَّره والرَّقاعة، ونجاح بن سلمة في الطَّيش والسخافة، وأحمد بن الخصيب في اللُّؤم والجهالة، وآل وهب في النَّهم والنَّذالة،
стр. 535
ويحيى بن خاقان في الذُّلِّ والفاقة، وموسى بن عبد الملك في الوخم والبلادة، وابن المدبِّر في الخبِّ والمكابرة، والفضْل بن مروان في الفدامة مقصورة.
وفي عمر بن فرج يقول الشاعر:
لا تطلب الخير من بني فرج ... لا بارك الله في بني فرجِ
والعنْ إذا ما لقيته عُمراً ... لعناً يقيناً بأعظم الهرجِ
فلعنةٌ إنْ لعنْتها عُمراً ... تعدِل مقبولةً من الحججِ
ليس على المفتري على عُمرٍ ... من ضرْب حدٍّ يُخْشى ولا حرجِ
وخُبِّرْت أنَّ أبا العتاهية أتى يحيى بن خاقان يوماً ليسلِّم عليه، فلم يأذنْ له حاجبُه فانصرف، وأتاه يوماً آخر فصادفه حين نزل فسلَّم عليه، ودخل يحيى إلى منزله ولم يأذنْ له، فكتب إليه أبو العتاهية من ساعته رُقْعةً فيها:
стр. 536
أراك تُراعُ حين ترى خيالي ... فما هذا يروعُك من خيالي
لعلك خائف منِّي سؤالاً ... ألا فلك الأمان من السُّؤال
كفيتُك إنَّ حالك لم تمل بي ... لأطلب مثلها بدلاً بحالي
وإنَّ العُسْر مثل اليسر عندي ... بأيِّهما مُنيت فما أُبالي
فلما قرأ يحيى بن خاقان رُقْعته ووثق بأمانه من السُّؤال أذن له، فخرج الحاجب فوجده قد انصرف، ولم يَعُدْ إليه، ولا التقيا بعد ذلك.
وجلس الجاحظ يوماً في بعض الدواوين، فتأمَّل الكتَّاب فقال: خلقٌ حلوة، وشمائل معشوقة، وتظرُّف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزَّبد يذْهب جُفاءً، وكنْبتة الربيع يُحرقها الهيْف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقةٍ، ولا يدينون بحقيقةٍ؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون.
ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصُّب رجالها على غيرهم فقال:
стр. 537
لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجْرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آيةً مذكورة، إلا الكُتَّاب، فإنَّ أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله، ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجلٍ من أهل صناعته.
ثم ضرب لهم في ذلك مثلاً، ثم قال: هم كالهرمة من الكلاب في مرابضها، يمرُّ بها أصناف الناس فلا تحرَّكُ، وإن مرَّ كلبٌ مثلها نهضت إليه بأجمعها حتّى تقتله.
وحدّثني عُمر بن سيف، أنه حضر مجلس أبي عبّاد ثابت بن يحيى يوماً في منزله، وعنده جماعة من الكتاب، فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال، قال: ووصف تقاطعهم عند الاحتياج، وعدم تعاطفهم عند الاختلال، وزُهدهم في المواصلة فقال: معاشر الكتاب، ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامَّة منكم، ولا النعم على قومٍ أظهر منها عليكم. ثم إنَّكم في غاية التقاطع عند الاحتياج، وفي ذروة الزُّهد في التعاطف عند الاختلال. وإنَّه ليبلغني أنَّ رجلاً من القصابين يكون
стр. 538
في سُوقه، فيتلف ما في يديه، فيخلَّى له القصَّابون سُوقهم يوماً، ويجعلون له أرباحهم، فيكون بربحها منفرداً، وبالبيع مُفردا، فيسدُّون بذلك خلَّته، ويجبرون منه كسره. وإنكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف، تناكر الضباب والسَّلاحف، ثم مع استحواذكم على صناعتكم، وقلة ملابسة أهل الصناعات لها معكم، لم أر صناعة من الصناعات إلاّ وقد يجمع أهلها غيرها إليها فيعانونها جميعاً، وينزلون لضربٍ من التجارات معاً، إلاّ صناعتكم هذه؛ فإنَّ المتعاطى لها منكم، والمتسمِّي بها من نظرائكم، لا يليق به ملابسةُ سواها، ولا ينساغ له التَّشاغل بغيرها. ثم كأنكم أولاد علاَّتٍ، وضرائر أُمهات، في عداوة بعضكم بعضا، وحنق بعضكم على بعض. أُفٍّ لكم ولأخلاقكم!.
إنَّ للكتّاب طبائع لئيمة، ولولا ذلك لم يكن سائر أهل التجارات والمكاسب بنظرائهم بررةً، ومن ورائهم لهم حفظة، وأنتم لأشكالكم مُذلُّون، ولأهل صنائعكم قالون. قبح الله الذي يقول قضينا في الأمور بالأغلب.
وعرفنا علل الناس في مكاسبهم وتعامُلهم، فمن كانت علَّتُه أكرم كان كرم فعاله أعمَّ.
ولست أعلم علَّةً في مكتسبٍ أنبل عند الخاصَّة من مكسبكم.
стр. 539
ثم وصف من سلف من هذه الطَّبقة يوماً فقال: كتب سالمٌ لهشام ابن عبد الملك، وكان أشدَّ الناس غلطاً، وأضعفهم رأياً، وكان هشامٌ يُحضره فيسمع من ضعفه ويستميحه الرأي، يهزأ به.
ثم كتب لهم مسْعدة وكان مؤدِّباً، وكانت ضعْفة المؤدِّبين فيه.
ثم كتب لهم عبدُ الحميد وكان معلِّماً، وبتحامله على نصر بن سيار انتقضت خراسان، وزال ملك بنى مَرْوان.
ثم كتب لبني العباس عبد الله بن المقفَّع، فأغرى بهم عبد الله بن علي، ففُطن له وقُتل وهدم البيت على صاحبه.
ثم كتب لهم يونس بن أبي فروة، وكان زنديقاً، فطلب فاختفى
стр. 540
بالكوفة والنِّيل حتَّى هلك.
واستكتب الرشيد أزدانقاذار على ديوان الخراج، وكان ثنويّاً.
ثم لم ينوِّهوا بذكر كاتبٍ حتّى ولى المأمون، فقدم معه ابن أبى العباس الطُّوسى، فبه انتشرت السِّعاية بالعراق.
واستكتب أبا عبّاد، وكان بالرَّى مؤدِّباً، وكان سخيفاً حديداً، ولم يزل بمكانه في ديوانه قيمّا لابن أبي خالد الأحول والاسم له.
ثم كتب له رجاء بن أبي الضحَّاك، وكان أظلمهم وأغشمهم، واستخلف حفصويه على ديوان الخراج، وكان ركيكاً لسعايته.
стр. 541
ثم كتب لهم ابن يزداد، وكان أشقاهم، حتّى هلك.
وكتب لهم عمرو بن مسعدة، وكان رسائلياً فقط.
واسترجح المأمون وهو بخراسان قبل مقدمه من كتاب العراق على غير بلوى إبراهيم بن إسماعيل بن داود، وأحمد بن يوسف، فلما قدم امتحنهما فتعنَّتا، فاستنهضهما في الأعمال ففشلا، فلم يعملا على شيء حتّى هلكا.
وكان إبراهيم شُعوبيا، وكان يتهم بالثَّنويَّة. فإن كان ذلك صحيحاً فقد كانت صبابته بها على جهة التقليد فيها، لا على جهة التفتيش والاحتجاج فيها. وهذه علة المرتدّ من سائر الكتّاب.
وقد قال أهل الفطن: إنَّ محض العمى التقليد في الزندقة؛ لأنَّها إذا رسخت في قلب امرئ تقليداً أطالت جرأته، واستغلق على أهل الجدل إفهامه.
وكان أحمد بن يوسف مأفونا، وهو أول من قُرف بالآفة المخالفة لطبع الكتَّاب.
واستقضى على ديوان الخراج والجند إبراهيم الحاسب، والحسن بن أبى المشرف. فلقن إبراهيم من سائر الآداب والعلوم علم الحساب فقط، ولم يُفزع إليه في قضيةٍ ولا رأى حتّى هلك، فكان الذي وضعه وأدناه شرهُه، وهي علَّةٌ قائمة في كتّاب الجند خاصة.
стр. 542
واستضعف ولاة الدواوين الحسن بن أبى المشرف عند قول الفضل مروان له وهو على الوزارة: " يا حسن، احتجنا إلى رجلٍ جزلٍ في رأيه، متوفّر لأمانته، متصرِّف في الأمور بتجربته، مستقدرٍ على الأعمال بعلمه، تصف لنا مكانه، وتشير علينا به، فنقلِّده جسيماً من عملنا ". فأجابه سريعاً قال: وجدته لك - أصلحك الله - كذلك. قال: من هو؟ قال: أنا. وألح في قوله، فتبسم الفضل وقال: هذا من غيرك فيك أحسن منك بلسانك لك، نعود وننظر إن شاء الله! وحسبك بقومٍ أنبلهم أخسُّهم في الرِّزق مرتبة، وأعظمهم غناءً أقلُّهم عند السُّلطان عقلاً. يُرزق صاحب ديوان الرسائل - وبلسانه يخاطب الخلق - العشر من رزق صاحب الخراج. ويرزق المحرِّر - وبخطِّه يكون جمال كتب الخليفة - الجُزء من رزق صاحب النَّسخ في ديوان الخراج. لا يحضر كاتب الرسائل لنائبةٍ، ولا يُفزع إليه في حادثة. فإذا أبرم الوزراء التدبير، ووقفوا منها على التقدير، طرحت إليه رقعةٌ بمعانى الأمر لينسِّق فيه القول، فإذا فرغ من نظامه واستوى له كلامه، أحضر له محرِّره فجلس في أقرب المواطن من الخليفة، وأمنع المنازل من المختلفة، فإذا تقضَّى ذلك فهُما والعوّام سواء.
стр. 543
هذا وليست صناعتهما بفاشيةٍ في الكتَّاب، ولا بموجودة في العوامّ؛ فأغزرهم علماً أمهنهم، وأقربهم من الخليفة أهونهم. فكيف بكاتب الخراج الذي علمه ليس بمحظور، وإشراك الناس فيه ليس بممنوع، يصلح لموضعه كلُّ من عمل وعُمل عليه، أحمد أحواله عند نفسه التعقُّد على الخصوم، وأسعد أموره التي يرجو بها البلوغ الشَّره ومنع الحقوق. وأحذق ما يكون بصناعته عند نفسه حين يأخذ بإبطال السُّنن، ويعمل بفلتات الدفوع.
ولذلك ما ذكر أنَّ بعض رجال الشَّعبيِّ قال له: يا أبا عمرو، الكتَّاب شرار خلق الله! فقال: لا تفعل.
ولكنَّ الشعبيَّ كان لسلطانه مُدارياً.
ومن كتاب الجند: محمود بن عبد الكريم، كان حُميد بن عبد الحميد عند دخول المأمون مدينة السلام وبعد سكون الهيْج وخمود النَّائرة، رفع إلى المأمون يذكر أن في الجند دغلا كثيراً ممن دخل فيهم بسبب تلك الحروب في أيام الأجناد وهم قومٌ من غير أهل خراسان ممَّن تشبَّه بهم وادّعى إليهم من الأعراب والدُّعّار، وممن لا يستحقُّ الدِّيوان،
стр. 544
وقومٌ من أهل خراسان صارت لهم الخواصُّ السَّنيَّة، ولم يكن لهم من الغناء ما يستحقُّون به مثلها وذكر أنَّ بيت المال لا يحتمل ذلك، وسأل المأمون أن يولِّيه تصنيف الجند. ولم يكن مذهب حُميدٍ في ذلك التوفير على المأمون، ولا الشفقة على بيت مال المسلمين، ولكنه تعصَّب على أبناء أهل خراسان، واضطغن عليهم محاربتهم إياه أيَّام الحسن بن سهل مع ولد محمد بن أبي خالد وغيرهم، وما كانوا قد انتحوْه به من تلك الوقائع والهزائم، وما ذهب له من الأموال بذلك السَّبب.
فولاه المأمون التصنيف، وأمر للجند برزق شهرين، فولّى حميدٌ العطاء والتصنيف محمود ابن عبد الكريم الكاتب، وعرف محمود ما غزا حميد، فتحامل على الناس واستعمل فيهم الأحقاد والدمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواصَّ، وبعث في الكور وأنحى على أهل الشرف والبيوتات، حسداً لهم وإشفاءً لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه والتعنّت،
стр. 545
فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلى العطاء وتركوا أسماءهم، وطائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشرٌ كثير.
ثم إنّ المأمون أمر للناس بتمام عطاياهم؛ واكتسب محمود بن عبد الكريم المذمَّة، وصار ملعنةً في محالِّ بغداد وفي مجالسها وطرقها.
ومنهم: زيد بن أيوب الكاتب، عمل في ديوان الجند أربعين سنة، ثم صار في آخر عمره قواداً ليحيى بن أكثم القاضى. وذلك أن المأمون أمر له بفرض، فصّير يحيى بن أكثم أمر ذلك الفرض إلى زيد بن أيوب، وأمره ألا يفرض إلا لأمرد بارع الجمال، حسن القد والصورة. فكان آمر ذلك الفرض مشهوراً متعالماً. ففي ذلك يقول الحسن بن علي الحرمازيّ لزيد بن أيوب:
يا زيد يا كاتب فرض الفراش ... أكلُّ هذا طلبٌ للمعاش
مالي أرى فرضك حملانهم ... يثبت في القرنين قبل الكباش
стр. 546
وعلى ذلك فإنه لم يبلغني أنه كان في ولاة ديوان الجند ولا في كتابهم مثل المعلّى بن أيوب في نبله وارتفاع همته، وكرم صحبته، وعفافه، وجميل مذهبه، وشدة محاماته عمن صحبه وتحرَّم به. فكان المأمون يعرف له ذلك ومن بعده من الخلفاء، فثبتت وطأته، ودامت ولايته، وحمد أثره.
قد أتينا على بعض ما أردنا فيما له قصدنا، ولم نستعمل الانتزاعات فيما ذكرنا، وأعرضنا عن التأويلات فيما وصفنا، وقصدنا إلى المأثور فحكيناه، وإلى المذكور في الأزمنة فأجريناه، لئلا يجد الطاعن فيما وصفنا مقالا، والمنكر لذمّ ما ذممنا مساغا، وعلمنا أن من عاند مع ذلك فقد دفع عيانا وأنكر كائنا مذكوراً. وفي ذلك دليلٌ باهر على اضمحلاله، وشاهدٌ عدلٌ لأضداده.
ولو حكينا كلّ ما في هذا الجنس من الأقوال، وما يدخله من المقايسات والأشكال، لطال الكتاب، ولمله الناظر المعجاب، فاكتفينا بالجزء من الكتاب، والبعض دون التمام، وعلمنا أنَّ الناظر فيه إن كان فطناً أقنعه القليل فقضى، وإن كان بليداً جهولا لم يزده الإكثار إلا عيّاً، ومن العلم بما له قصدنا إلا بعدا. وبالله الكفاية والتوفيق.
تمَّ كتاب " ذم أخلاق الكتاب " بعون الله ومنِّه ومشيئته وتوفيقه، والله تعالى الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخراً، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وأصحابه الطيبين الطاهرين وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 547
الرسالة السادسة عشرة
كتاب البغال
стр. 548
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وعلى اسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة.
كان وجه التدبير في جملة القول في البغال، أن يكون مضموما إلى جملة القول في الحافر كله، فيصير الجميع مصحفاً تاما، كسائر مصاحف " كتاب الحيوان ". والله المقدر والكافى.
وقد منع من ذلك ما حدث من الهم الشاغل، وعرض من الزماتة، ومن تخاذل الأعضاء، وفساد الأخلاط، وما خالط اللسان من سوء التبيان، والعجز عن الإفصاح، ولن تجتمع هذه العلل في إنسانٍ واحد، فيسلم معها العقل سلامةً تامةً.
وإذا اجتمع على الناسخ سوء إفهام المملى، مع سوء تفهم المستملى، كان ترك التكلف لتأليف ذلك الكتاب أسلم لصاحبه من تكلف نظمه على جمع كلِّ البال، واستفراغ كلِّ القوى.
فأما الهمّة وتشعب الخواطر المانعة من صحة الفكر، واجتماع البال، فهذا ما لابدَّ من وقوعه.
فليكن العذر منك على حسب الحال، والخيرة فيما صنع الله. وقد علمنا أن الخيرة مقرونة بالكره، وبالله التوفيق.
стр. 549
عناية الأشراف بالبغال
نبدأ إن شاء الله، بما وصف الأشراف من شأن البغلة، في حُسن سيرتها، وتمام خلقها، والأمور الدالَّة على السرّ الذي في جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، وعلى تصرُّفها في منافعها، وعلى خفّة مئونتها في التنقّل في أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها، مع كثرة ما يزعمون من عيوبها؟ ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خُلُقٍ منها؟ وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها؟ وكيف اغتفروا مكروه ما فيها، لما وجدوا من خصال المحبوب فيها؟ حتى صار الرجل منهم يُنشد العُذّال فيها كقول السَّعديّ:
أخٌ لي كأيَّام الحياة إخاؤه ... تلوَّن ألْواناً عليَّ خُطوبُها
إذا عبْت منه خصلةً فهجرْتُهُ ... دعتْني إليه خصْلةٌ لا أعيبُها
ولقد كلف بارتباطها الأشراف، حتى لُقِّب بعضهم من أجل استهتاره بها ب " روَّاض البغال "، ولقَّبوا آخر: ب " عاشق البغل "؛ هذا مع طيب مغارسهم، وكرم نصابهم، ولذلك قال الشاعر:
وتثعْلب الرَّوَّاضُ بعْد مراحه ... وانْسلَّ بيْن غرارتيْه الأعْورُ
وهجاه أيضاً الفرزْدق بأمر الحجَّاج، ففحُش عليه، حتى قال:
وأفْلت روَّاض البغال ولمْ تدعْ ... له الخْيْلُ منْ أحْراح زوجيْه معْشرا
стр. 550
وقال لشريف آخر:
ما زلْت في الحْلبات أسْبق ثانياً ... حتَّى رُميت بعاشق البغلِ
لو كان شاور ما عبأْت به ... يوم الرِّهانِ وساعة الحفْلِ
وشاور هذا: رائضٌ كان ببغداد، والشاعر رجلٌ من بني هاشم؛ ولم يعْنِ بقوله " ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا ": أنه جاء ثانى اثنين، وإنما ذهب إلى أنه جاء متمهِّلاً، وقد ثنى من عنانه.
وكتب روْح بن عبد الملك بن مروان إلى وكيلٍ له: " أبغنى بغلةً حصَّاء الذَّنب، عظيمة المحْزم، طويلة العُنق، سوْطُها عنانها، وهواها أمامها ".
وكان مَسْلمة بن عبد الملك يقول: " ما ركب الناس مثل بغلةٍ قصيرة العذار، طويلة العنان ".
стр. 551
وقال صفوان بن عبد الله بن الأهْتم، لعبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن المُطَّلب، وكان ركَّاباً للبغلة: " مالك وهذا المركب الذي لا تُدْرك عليه الثار، ولا يُنجيك يوم الفرار؟ " قال: " إنها نزلت عن خُيلاء الخيل، وارتفعت عن ذِلّة العَيْر، وخير الأمور أوساطها ". فقال صفوان: " إنّا نُعلِّمكم، فإذا علمتم تعلَّمنا منكم! وهو الذي كان يُلقَّب: " روَّاض البغال "؛ لحذقه بركوبها، ولشغفه بها، وحُسن قيامه عليها. وكان يقول: " أريدها واسعة الجُفرة، مُنْدحَّة السُّرَّة، شديدة العكْوة، بعيدة الخطوة، ليِّنة الظهر، مُكْرَبَة الرُّسْغ، سفْواء جرْداء عنقْاء، طويلة الأنقاء ".
وقال ابن كُناسة: سمعت رجلاً يقول: " إذا اشتريت بغلة فاشترها
стр. 552
طويلة العُنق، نجْدةً في نجائها مُشرفة الهادى، نجْدةً في طباعها، ضخمة الجوْف، نجدةً في صبرها ".
والعرب تصف الفرس بسعة الجوف. قال الراجز:
غشمْشمٌ يَعْلو الشَّجرْ ... ببطْنه يعْدو الذَّكرْ
قال الأصمعيّ: لم يسبق الحْلبة قطُّ أهضم.
وقال يونس: كان نابعة الجعْديُّ أوصف النَّاس لفرس، قال: فأنشدت رُؤبة قوله:
стр. 553
فإن صدقوا قالوا: جوادٌ مُجرَّبٌ ضليعٌ، ومنْ خير الجياد ضليعها فقال: ما كنت أظنُّ المرْهف منها إلا أسرع.
قالوا: ولم يكن رؤبة وأبوه صاحبيْ خيل.
وقال سليمان بن عليّ لخالد بن صفوان، ورآه على حمار: ما هذا يا أبا صفوان؟ قال: أصلح الله الأمير، ألا أُخبرك عن المطايا؟ قال: بلى. قال: " الإبل للحمل والزَّمْل، والبغال للأسفار والأثقال، والخيل للطَّلب والهرب، والبراذين للجمال والوطاءة، وأما الحمير فللدَّبيب والمرْفق ".
قالوا: وكانت للنبيّ ﵌ بغلة تسمَّى " دُلْدُل "، وحمار يُسمَّى " يعفْور "، وفرس يُسمَّى " السَّكْب "، وله ناقتان: " العضْباء "، " والقصْواء ".
стр. 554
قالوا: وكان عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، يُكثر ركوب بغلة عبد الله بن وهْب الشهباء، التي غنمها يوم النَّهْروان. هذا في قول الشيعة، وأما غيرهم فينكرون أن يكون عليّ، كرم الله وجهه، يرى أن يغنم شيئاً من أموال أهل الصلاة، كما لم يغنم من أموال أصحاب الجْمل.
قال البُقْطُريّ، ويُكنى أبا عثمان، واسمه فهدان:
لقى رجلٌ بكر بن عبد الله المُزنيّ، فقال له: رأيتك على فرس كريم، ثم رأيتك على عيْرٍ لئيم، ثم رأيتك قد أدْمنت ركوب هذه البغلة! قال: البغال أعدل، وسيرُها أقصد.
عليّ بن المدينيّ قال: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم قال:
стр. 555
حدَّثني أبي إسحاق، قال: حدثني حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم، عن أُمه، قالت: كأني أنظر إلى عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، في شعْب الأنصار ".
وبروى عن عبد الرحمن بن سعْد، قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁، على بغلة بيضاء، يضفْر لحيته.
ومن حديث الزُّهْري وغيره، عن كثير بن العبَّاس، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يوم حُنيْن على بغلته الشَّهْباء " في حديث طويل في المغازي.
وفي هذا الحديث: فخضَّهم رسول الله ﷺ ، وقال: " الآن حمى الوطيس ". وهذه كلمة لرسول الله ﷺ ، لم يسبقْه
стр. 556
إليها أحد، وكذلك قوله: " مات حتْف أنفْه "، وكذلك قوله: " كلّ الصيد في جوْف الفرا "، وكذلك قوله: " هُدْنةٌ على دخن "، وكذلك قوله: " لا يُلسع المؤمن من جُحرٍ مرَّتين ". فصارت كلها أمثالاً.
قالوا: وكان ابن أبي عتيق يركب البغال، وكذلك ابن أبي ربيعة. وكان هشام بن عبد الملك أكثر الناس ركوباً لها.
وعن أبي الأشهب، عن الحسن قال: قال قوم وعثمان ﵁ محصور: " لو بعثتم إلى أمّ المؤمنين ﵂ فركبت، فلعلّهم أن يكفّوا ". فأرسلوا إلى أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رمْلة، فجاءت على بغلة شهباء في محفَّة. قالوا: من هذه؟ قالوا: أمّ المؤمنين، أمّ حبيبة. قالوا: لا - والله - لا تدخل، فردُّوها.
وقالوا: وقع بين حيَّيْن من قريش منازعة، فخرجت عائشة أم المؤمنين ﵂ على بغلة، فلقيها ابن أبي عتيق، فقال: إلى أين جُعلْت فداك؟ قالت: أُصلح بين هذين الحييَّن. قال: والله ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل: يوم البغل! فضحكتْ وانصرفت.
هذا - حفظك الله - حديثٌ مصنوع، ومن توليد الرَّوافض، فظنَّ الذي ولّد هذا الحديث، أنه إذا أضافه إلى ابن أبي عتيق، وجعله نادرةً
стр. 557
ومُلحة، أنه سيشيع، ويجري عند الناس مجْرى الخبر عن أمّ حبيبة وصفيّة. ولو عرف الذي اخترع هذا الحديث طاعة الناس لعائشة ﵂ لما طمع في جواز هذا عنه.
وقال عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: " مُنيتُ بأربعة: مُنيت بأشجع الناس، يعني الزُّبيْر؛ وأجود الناس، يعني طلْحة؛ وأنضّ الناس، يعني يعْلى بن مُنْية؛ وأطوع الناس في الناس، يعني عائشة ".
ومن بعد هذا، فأيُّ رئيس قبيلٍ من قبائل قريش كانت تبعث إليه عائشة ﵂ رسولاً فلا يُسارع، أو تأمره فلا يُطيع، حتى احتاجت أن تركب بنفسها؟ وأيّ شيء كان قبل الركوب من المراسلة والمراوضة والمُدافعة والتقديم والتأخير، حتى اضطرَّها الأمر إلى الرُّكوب بنفسها؟ وإنّ شرّاً يكون بين حيَّيْن من أحياء قريش، تفاقم فيه الأمر، حتى احتاجت عائشة ﵂ إلى الركوب فيه، لعظيم الخطر، مُستفيض الذِّكر؛ فمن هذا القبيلان؟ ومن أيّ ضرْبٍ كان هذا الشرّ؟ وفي أيّ شيءٍ كان؟ وما سببه؟ ومن نطق من جميع رجالات قريش فعصوه وردُّوا قوله، حتى احتاجت عائشة فيه إلى الركوب؟ ولقد ضربوا قواديم الجمل، فلما برك ومال الهودج صاح الفريقان: " أُمَّكم! أُمَّكم ".
стр. 558
فأمر عائشة أعظم، وشأنها أجلّ، عند من يعرف أقدار الرجال والنساء، من أن يُجَوِّز مثل هذا الحديث المولَّد، والشرّ المجهول، والقبيلتين اللتين لا تُعرفان.
والحديث ليس له إسناد؛ وكيف وابن أبي عتيق شاهدٌ بالمدينة، ولم يعلم بركوبها، ولا بهذا الشرّ المتفاقم بين هذين القبيلين؟ ثم ركبت وحدها، ولو ركبت عاثشة لما بقي مُهاجريّ ولا أنصاريّ، ولا أمير ولا قاضٍ إلاّ ركب؟ فما ظنُّك بالسُّوقة والحُشْوة، وبالدَّهْماء والعامّة.
رواة الأخبار
وما هو إلاّ أن ولّد أبو مخْنف حديثاً، أو الشَّرْقيُّ بن القُطاميّ، أو الكلبيّ، أو ابن الكلبيّ، أو لقيط المُحاربيّ، أو شوْكرٌ
стр. 559
أو عطاءٌ الملط، أو ابن دأْب، أو أبو الحسن المدائنيّ ثم صوَّره في كتابٍ، وألقاه في الورَّاقين، إلاّ رواه من لا يحصِّل ولا يثبِّت ولا يتوقف. وهؤلاء كلّهم يتشيَّعون.
وكان يونس بن حبيب يقول: " يا عجبا للناس، كيف يكتبون عن حمّاد وهو يصحِّف ويكذب ويلحن ويكسر "!.
ومن أراد الأخبار فليأخذْها عن مثل قتادة، وأبي عمرو بن العلاء
стр. 560
وابنجُعْدبة، ويونس بن حبيب، وأبي عُبيْدة، ومسْلمة بن مُحارب، وأبي عاصم النَّبيل، وأبي عُمر الضَّرير، وخلاَّد بن يزيد الأرقط، ومحمد بن حفص - وهو ابن عائشة الأكبر، وعُبيْد الله بن محمد - وهو ابن عائشة الأصغر، ويأخذها عن أبي اليقْظان سُحيْم بن قادم. فإنَّ
стр. 561
هؤلاء وأشباههم مأمونون، وأصحاب توقٍّ وخوْف من الزوائد، وصوْن لما في أيديهم، وإشفاق على عدالتهم.
الحاجة إلى البغال
ولما خرج قطر قطريّ بن الفُجاءة، أحبَّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدسَّ إلى الأحْنف بن قيْس رجُلاً، ليُجرى ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول. فلما فعل قال الأحنف: " أما إنّهم إنْ جنبوا بنات الصَّهَّال، وركبوا بنات النَّهَّاق، وأمسوْا بأرضٍ وأصبحوا بأرضٍ، طال أمرهم ".
قالوا: فلا نرى صاحب الحرب يستغني عن البغال، كما لا نرى صاحب السِّلْم يستغني عنها، ونرى صاحب السَّفر فيها كصاحب الحضر.
قال الأصمعيّ عن جرير بن حازم عن الزُّبير بن الخرِّيت، عن أبي لبيد - واسمه لمازة بن زبَّار - قال: مرّ بنا زياد في سكَّتنا هذه، وهو على بغلةٍ قد لوى رسنها على عُنقها تحت اللِّجام، ومعه رجُل أو رجلان.
стр. 562
هذا وزياد على العراق أجمع.
قال: وتهيَّأ الناس لخالد بن عبد الله مقْدمه من الشام، وركب ابن هُبيْرة بغلته، ووقف له في المضيق. فلما طلع خالد غمز ابن هُبيْرة بغلته غمزةً فإذا ابن هبيرة بينه وبين الذي كان يُسايره، فقال: كيف أنت يا أبا الهيثم؟ وليت منَّا أمراً تولَّى الله أحسنه، ولك منا المكافأة! فقال له خالد: فررْت منيّ فرار العبد! فقال عمر: حين نمْت عن نوم الأمة! فانتهى الخبر إلى هشام، فقال: " قاتله الله "!.
حمل البغال للهدايا
قالوا: والهدايا النفيسة، والطُّرف العجيبة، والكرامات الثمينة، التي أهدتْها بلْقيس بنت ذي شرْح إلى سليمان بن داود، هي الهدايا التي أخبر
стр. 563
الله عن سليمان بن داود ﵉ أنه قال: " بل أنتم بهديَّتكم تفرحون ". ولم تكن الملكة تبتهج بتلك الهدايا - وهي إلى سليمان، وسليمان هو الذي أعطاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده إلاَّ وهي هدايا شريفة.
قالوا: فهذه الهدايا الشريفة إنّما كانت على البغال الشُّهْب.
إيثار البغال في الركوب
وكان ممن يركبها كثيراً إسماعيل بن الأشْعث، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.
قال: وقال حوْشب بن يزيد بن رُويْم لعبد الرحمن بن محمد
стр. 564
بن الأشعث: دعْني أهيَّج عليك عمَّك أبا الفضل إسماعيل بن الأشعث.
قال: لا تعرِّضْني له، فإنه ضعيف، فأشفقْ عليه. فقال: يا أبا الفضل، إنّ ابن أخيك زعم أنّ بغلتك جلاَّلة. قال: لكنّ بغلته لو أفلتت ما تركتْ بيت زانية ولا بيت خمّار، إلاّ وقفتْ عليه! قال عبد الرحمن: ما كان أغنانا عمَّا أظهرت لنا من ضعْف شيخنا! ولمَّا وفدت عائشة بنت طلْحة على عبد الملك بن مروان، وأرادت الحجّ، حملها وأحشامها على ستِّين بغلاً من بغال الملوك؛ فقال عُروة بن الزُّبيْر:
يا عَيْش يا ذات البغال السِّتِّينْ ... أكلَّ عامٍ هكذا تحجِّينْ
стр. 565
وكان مروان أبو السِّمط يركب بغلةً له بالبصرة، لا يكاد يُفارقها. فقال الجمَّاز وهو يهجوه:
اجْتمع النَّاس وصاحوا: الحريق ... بباب عُثمان وسوق الرَّقيقْ
فجاء مروان على بغْلةٍ ... فأنشد الشِّعْر فأطْفأ الحريق
يرمي شعره بالبرْد. وكان حسده حين سمع قائلاً يقول: لم يُصبْ شاعرٌ قطُّ ما أصاب أبو السِّمْط، ولا أصاب حجَّامٌ ما أصاب أبو حرملة.
وقد هجاه أيضاً فقال:
يا أبا السِّمْط، حزيرا ... ن وتموز وآبُ
كنْ لنا منها مُجيراً ... لك في ذاك ثوابُ
بشُعيْرٍ يذْهب الحرَّ ويهنْينا الشَّرابُ
следующие страницы →