← Адаб

Адаб · id 10428

الرسائل للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (1 368 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

هؤلاء وأشباههم مأمونون، وأصحاب توقٍّ وخوْف من الزوائد، وصوْن لما في أيديهم، وإشفاق على عدالتهم. الحاجة إلى البغال ولما خرج قطر قطريّ بن الفُجاءة، أحبَّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدسَّ إلى الأحْنف بن قيْس رجُلاً، ليُجرى ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول. فلما فعل قال الأحنف: " أما إنّهم إنْ جنبوا بنات الصَّهَّال، وركبوا بنات النَّهَّاق، وأمسوْا بأرضٍ وأصبحوا بأرضٍ، طال أمرهم ". قالوا: فلا نرى صاحب الحرب يستغني عن البغال، كما لا نرى صاحب السِّلْم يستغني عنها، ونرى صاحب السَّفر فيها كصاحب الحضر. قال الأصمعيّ عن جرير بن حازم عن الزُّبير بن الخرِّيت، عن أبي لبيد - واسمه لمازة بن زبَّار - قال: مرّ بنا زياد في سكَّتنا هذه، وهو على بغلةٍ قد لوى رسنها على عُنقها تحت اللِّجام، ومعه رجُل أو رجلان.

стр. 562

هذا وزياد على العراق أجمع. قال: وتهيَّأ الناس لخالد بن عبد الله مقْدمه من الشام، وركب ابن هُبيْرة بغلته، ووقف له في المضيق. فلما طلع خالد غمز ابن هُبيْرة بغلته غمزةً فإذا ابن هبيرة بينه وبين الذي كان يُسايره، فقال: كيف أنت يا أبا الهيثم؟ وليت منَّا أمراً تولَّى الله أحسنه، ولك منا المكافأة! فقال له خالد: فررْت منيّ فرار العبد! فقال عمر: حين نمْت عن نوم الأمة! فانتهى الخبر إلى هشام، فقال: " قاتله الله "!. حمل البغال للهدايا قالوا: والهدايا النفيسة، والطُّرف العجيبة، والكرامات الثمينة، التي أهدتْها بلْقيس بنت ذي شرْح إلى سليمان بن داود، هي الهدايا التي أخبر

стр. 563

الله عن سليمان بن داود ﵉ أنه قال: " بل أنتم بهديَّتكم تفرحون ". ولم تكن الملكة تبتهج بتلك الهدايا - وهي إلى سليمان، وسليمان هو الذي أعطاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده إلاَّ وهي هدايا شريفة. قالوا: فهذه الهدايا الشريفة إنّما كانت على البغال الشُّهْب. إيثار البغال في الركوب وكان ممن يركبها كثيراً إسماعيل بن الأشْعث، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. قال: وقال حوْشب بن يزيد بن رُويْم لعبد الرحمن بن محمد

стр. 564

بن الأشعث: دعْني أهيَّج عليك عمَّك أبا الفضل إسماعيل بن الأشعث. قال: لا تعرِّضْني له، فإنه ضعيف، فأشفقْ عليه. فقال: يا أبا الفضل، إنّ ابن أخيك زعم أنّ بغلتك جلاَّلة. قال: لكنّ بغلته لو أفلتت ما تركتْ بيت زانية ولا بيت خمّار، إلاّ وقفتْ عليه! قال عبد الرحمن: ما كان أغنانا عمَّا أظهرت لنا من ضعْف شيخنا! ولمَّا وفدت عائشة بنت طلْحة على عبد الملك بن مروان، وأرادت الحجّ، حملها وأحشامها على ستِّين بغلاً من بغال الملوك؛ فقال عُروة بن الزُّبيْر: يا عَيْش يا ذات البغال السِّتِّينْ ... أكلَّ عامٍ هكذا تحجِّينْ

стр. 565

وكان مروان أبو السِّمط يركب بغلةً له بالبصرة، لا يكاد يُفارقها. فقال الجمَّاز وهو يهجوه: اجْتمع النَّاس وصاحوا: الحريق ... بباب عُثمان وسوق الرَّقيقْ فجاء مروان على بغْلةٍ ... فأنشد الشِّعْر فأطْفأ الحريق يرمي شعره بالبرْد. وكان حسده حين سمع قائلاً يقول: لم يُصبْ شاعرٌ قطُّ ما أصاب أبو السِّمْط، ولا أصاب حجَّامٌ ما أصاب أبو حرملة. وقد هجاه أيضاً فقال: يا أبا السِّمْط، حزيرا ... ن وتموز وآبُ كنْ لنا منها مُجيراً ... لك في ذاك ثوابُ بشُعيْرٍ يذْهب الحرَّ ويهنْينا الشَّرابُ

стр. 566

وقال ابن سيرين لرجلٍ: ما فعلتْ بغلتُك؟ قال: بعْتُها. قال: ولم؟ قال: لمؤونتها. قال: أفتراها خلَّفت رزقها عندك؟ وذكر يوسف بن خالد السَّمْتيُّ، عن مُجالد، فيما أحسبُ، قال: بال بغلي فتنحَّيْتُ. فقال الشّعْبيّ: ما عليك لو أصابك. قال: وكانت لابن سيرين بغلتان: بغلة لخاصّة نفسه، وبغلة للعاريَّة. وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إنَّ بغلتي قد عجزت، فإن رأيت أن تأمر لي بدابة فافعل. فكتب إليه: " قد فهمت كتابك، وما ذكرت من ضعف بغلتك، وما ذاك إلاّ لقلة تعهُّدك، فتفقَّدْها، وأحْسن القيام عليها. ويرى أمير المؤمنين في ذلك رأيه ".

стр. 567

نوادر وأخبار في البغال ومن النوادر، قال: ادَّعى رجل على الهَيْثم بن مُطهَّر الفأفاء أنه سرق بغلا؛ فقال له الوالي: ما يقول؟ قال: ما أعرف مما يقول شيئاً: قال: أصلحك الله، إنه سكران فاستنكْهه. قال: لأيّ شيءٍ يسْتنكهني؟ آكلْت البغل؟ وقال آخر يهجو رجلاً: يا حابس الرَّوْث في أعْفاج بغْلته ... شُحّاً على الحبِّ من لقْط العصافير وهذا شبيه بقول الشاعر: رأيْت الخُبْز عزَّ لديك حتَّى ... حسبت الخبز في جوِّ السَّحابِ وما روَّحْتنا لتذُبَّ عنَّا ... ولكنْ خِفْت مرْزئة الذُّبابِ وهذا ليس من الهجاء الموجع، وإنما الهجاء ما يكون في الناس مُثْلة. قالوا لحمدان أبي سَهْل اللِّحْيانيّ: علمت أن برْذون صاحب الحبْس

стр. 568

نفق؟ قال: والهفاه! كنت أرجو أن يكسد فيخسر، فإذا هو قد باع وربح. فظنَّ أنَّ قوله: قد نفق، من نفاق السِّلعة. ومثل هذا وليس من ذكر البغال في شيء، ما سمع رجلٌ رجلا يُنشد قوله: وكان أخلاَّئي يقولون مرْحباً ... فلمَّا رأوْني مُعْدماً مات مَرْحبُ فقال: مَرْحبٌ لم يمت، قتله علي بن أبي طالب ﵇! ونظر أبو الحارث جُمَّيْن إلى أتانِ وحْش يُنْزى عليها حمارٌ أهليٌّ، فأنشد: لو بأبانْين جاء يخْطُبُها ... رُمِّل ما أنْف خاطبٍ بدمِ

стр. 569

ونظر إلى برْذوْنٍ يُسْتقى عليه الماء، فأنشد: وما المرْء إلاَّ حيْث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجْعلِ هذا لو همْلج لم يصبْه ما أصابه. قالوا: وكان لأبي الحارث بغلٌ قطوف، فلما أعياه استقى عليه الماء؛ فرآه يوماً في الطريق، وعليه مزداة ثقيلة، وهو يمشي تحتها مشياً وطيئاً؛ فقال: لو مشى تحت الخفيف كما يمشي تحت الثقيل، وكان الإنسان أحبَّ إليه من الرَّاوية، ربح هو الكرامة، وربحت أنا الوطاءة! قال: ونظر أعرابيٌّ إلى بغل سقَّاءٍ، وقد تفاجَّ ليبول، فاستحثَّه بالمقْرعة، وقطع عليه البول. فقال الأعرابي: إنّها إحدى الغوائل، قطع الله منك الوتين!. قال إبراهيم بن داحة: كان في طريق الموْصل سكَّة بريد، وبقرب السكَّة مسجد ومُستراحٌ للمسافر، وفي تلك السكَّة بغل لا يُرام

стр. 570

ولا يمانع، وكان إذا انقلت من قيْده وسلْسلته، وقد عاين برْذوْناً أو بغلاً أو فرساً، اغتصبه نفسه، واقتسره اقتسارا، فلا ينزع عنه حتى يكومه، وربما قتله، لعظم جُرْدانه، وإن كان عليه راكبُه صرعه، وربما قتله، حتى جاء شيخٌ أعرابيّ على فرس له أعرابيّ أعجف بادي الحراقيف، حتى نزل عن فرسه على دُكّان ذلك المسجد، وعلّق المخْلاة في رأسه، وحلّ حزامه، وترك عليه سرْجه، وأخذ مِخْلاته، وجاء البغل قد أدلى، يُريد أن يركب فرس الأعرابيّ، فجمع رجليْه، فواتر على جبهة البغل، وعلى حجاج عينيه، فرمحه خمس رمحاتٍ أو ستّاً متواليات، كلَّها يقع حافرا رجليه معاً، فنكص البغل شيئاً يسيراً، ثم عاوده، فنثر على وجهه وحجاج عينيه مثل ذلك العدد، في أسرع من اللَّحظ، وفرس الأعرابيّ في ذلك كلِّه واقفٌ لا يتحلحل، والأعرابي قد ضحك حتى استلقى، فولّى البغل يريد السكَّة، فشدّ عليه فرس الأعرابي من بين يديه، فلحقه الفرس فعضَّضه، وكامه الفرس، ورجع الفرس إلى موضعه، ودخل البغل السكَّة فكبَّروا عليه، ونثروا عليه الرّوث اليابس، وشمت به جميع السّاسة، وافترّوا عليه، فترك البغل ذلك الخُلق. وقال الأعرابيّ وكأنه يخاطب البغل: ظننْت فُريْس الشّيْخ يا بغْل نهزْةً ... فجئْت مُدلاً كالهزبْر تطاولهْ

стр. 571

فولَّيْت مفْلولاً وطابقْت مُذْعناً ... كما طابقتْ للبغل يوماً حلائلهْ قال: وقدَّموا إلى سليمان بن عبد الملك جدْياً سميناً، فقال: لأبي السَّرايا - وكان من مجانين الأعراب - كلْ منْ شحم كليته، فإنه يزيد في الدِّماغ. قال: لو كان الأكل من كُلى الجدي يزيد في الدِّماغ، كان رأس الأمير أعظم من رأس البغل!. وإنما قال الأمير، لأن سليمان كان يومئذٍ وليّ عهد. وقد غلط من زعم أنهم كانوا وضعوا قدّام سليمان جديا، وإنما كان يأكل ملوكهم الحملان، لأنها هناك أطيب ويسمّونها: " العماريس ". ولما قدم عبد الملك بالكوفة، وضعوا بين يديه جدياً، قال: فهلا جعلتموه عمروساً؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، تلك عماريس الشام؛ فأما العراق فجداؤها أطيب وأكرم. وتفاخر ناس بكبر الأيور، وشيخٌ جالسٌ لا يخوض معهم؛ فلما أكثروا قال الشيخ: لو كان كبر الأيور مجداً كان البغل من بني هاشم!

стр. 572

وشهد مزبِّد المديني عند قاضي المدينة بشهادة؛ وكان ذلك القاضي مفرط الحدة، شديد البطش، سريع الطيرة، فقال له القاضي: أعليَّ تجترئ وعندي تشهد؟! جرَّا برجليه وألقياه تحت البغلة! فلما أمعنا به نحو البغلة، التفت إلى القاضي فقال: أصلحك الله، كيف خلقها؟ فضحك وخلّى سبيله. وكان نميلة بن عكاشة النميري متكايساً؛ فدخل دار بلال بن أبي بردة، فرأى ثوراً مجللاً، فقال: سبحان الله! ما أفرهها من بغلة لولا أنّ حوافرها مشقوقة! قالوا: ورأى الطائف باليل شخصاً عظيما قد اخنس عنه، فشدّ نحوه، فإذا حمدوية المخنَّث قد جلس كأنه يخرأ، ولم يكن خراء، وكان قد جلس على روث؛ فقال له: أنت أيَّ شيء تصنع ها هنا هذه الساعة؟ قال: خرجت أخرأ. فنظروا فإذا تحته روثة، قالوا: مالك، صرت بغلاً؟ قال: هذا زيادة عليكم، كل إنسان يخرأ ما يشاء! قال أبو الحسن: نظر جحا إلى رجل بين يديه يسير على بغلة،

стр. 573

فقال للرجل: الطريق يا حمصيّ! فقال الرجل: ما يدريك أني حمصيّ؟ قال: رأيت حر بغلتك، فإذا هو يشبه الحاء، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم، ورأيت ذنبها فإذا هو يشبه الصاد، فقلت: إنك حمصيّ! قالوا: وابتاع عبّاديٌّ بغلاً، فمّر بالحيّ، فقالوا: بارك الله لك! قال: لا تقولوا هكذا. فكيف نقول؟ قال: قولوا: لا بارك الله لك فيه! قالوا: سبحان الله! أيقول هذا أحدٌ لأحدٍ له فيه رأي؟ قال: قولوا كما أقول لكم! قالوا: لا بارك الله لك فيه! قال: وقولوا: وأعضّك ببظر أمك! قالوا: نعم، قال: إن أنا أعرتكموه أبداً! وهذا يشبه حديث سندية الطحانة، وكانت تطحن بالنهار، وتؤدي الغلّة وتخدم أهلهاباليل، فانكسفت الشمس يوماً، فقالت لها مولاتها: اذهبي يا شهدة، أنت حرة لوجه الله! قالت: أليس قد صرت حرة! ثم عدت

стр. 574

من بين يديها، فقامت على باب الدار رافعةً صوتها تقول: من قال لي زانية فهي زانية، من قال لي لصة فهي لصة، من قال لي قوّادة فهي قوّادة. هاتي الآن رحى لك! وأخبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، قال: وقف الهيثم بن مطهر الفأفاء على باب الخيزران ينتظر رجلا يخرج من عندها، فبعث إليه عمر الكلوذانيّ: قد نهينا أن نجعل ظهور دوابنا

стр. 575

مجالس، فانزل عن ظهر دابتك؛ فالأرض أحمل لثقلك. فقال للرسول: إني أنتظر رجلا قد حان خروجه، فبعث إليه: أن انزل عن دابتك، فإذا خرج صاحبك فاركب والحق به. فقال للرسول: أعلمه أني أعرج، وأنا مع هذا رجل مثقل باللحم، ولا آمن أن يسبقني الرجل سبقاً بعيداً، فلا ألحقه. فرد الرسول، فقال: يقول لك: إنْ أنت نزلت، وإلاّ أنزلناك صاغراً. فقال الهيْثم: قُلْ له: إن كنت إنّما تنظر للبغل، فهو حبيسٌ في سبيل الله؛ إنْ أنزلتني عنه، إنْ أقضمته حبَّة شعيرٍ شهراً، فسلْه الآن: أيُّما أحبُّ إليه: ركوبي له ساعةً، أو حرْمان الشعير شهراً! فلما جاءته الرسالة قال: ويْلكم! هذا شيطان! دعوه في لعنة الله. قال: ونظر إليه جعفر والفضل ابنا يحيى، وهو واقف في ظلّ قصر من قصور الشَّمَّاسيَّة، فنظر إلى شيخ عجيب الخلْقة، وإذا تحته بغلٌ أعجف، يكاد يسقط هُزالاً وضعفا؛ فقالا له: يا شيخ، لولا تعالج بغلك هذا حتّى يعود سميناً فارهاً في أيَّامٍ يسيرة، بأيسر مئونة؟ قال: بأيِّ شيء أُعالجه؟ قال:

стр. 576

تأخذ عشرة أمْناء مسْك وعنْبر، وتعجنها بعشرة أمْناءٍ من بان الغالية، وتطْليه به طليةً واحدة. فتجافي عن سرجه فولَّى وجوههما ظهره، ثم ضرط ضرطةً صُلْبة؛ قالا: ما هذا؟ قال: هذا لكما على الصِّفة، ولو قد أنجع الدَّواء خرينا عليكم!. وحدَّثونا عن هشام بن حسّان، عن محمّد بن سيرين، قال: كان رجلٌ عيّاب، فأبصر بغلةً تحت شريح، فقال: أبا أميَّة، إنَّ بغلتك لفارهة! قال: إنها إذا ربضتْ لم تقمْ حتى تُبْعث. قال: لا خير فيها إذنْ!. قال أبو الحسن: كان هشامُ بن عبد الملك يوماً على باب يزيد بن عبد الملك ينظر إلى بغالٍ تُعْرض، فنظر إلى بغلٍ منها لم يرَ الناس مثله في تمام خلْق، وطهارة خُلُق، ولين سيرة، وحُسْن صورة، فقال: ما يصنع أمير المؤمنين بهذه الدوابِّ كلِّها؟ لو أن رجلاً اجتزأ بهذا البغل وحده، لكان مكتفياً. قال: فلمّا ولى هشام، اتَّخذ البراذين البُخاريّة، والبغال الفُرْهة؛

стр. 577

فأذْكره رجلٌ ذلك الكلام، فقال: وأنا على الرأي الأول، ولكن تأتينا أشياء نحسد الناس عليها. ما قيل من الشعر في البغال قال: وكان عند محمد بن سليمان رجل مُغفَّل؛ فأنشد رجلٌ رجزاً قيل في عُمر بن هُبيْرة: جاءت به مُعْتجراً ببرُْده ... سفواءُ ترْدي بنسيج وحدِهِ تقْدَحُ قَيْسٌ كُلُّها بزنْدِهِ فقال الشيخ: بأبي هو وأميّ ﷺ ! لأنه ظزَّ حين سمع بذكر البُرْد والبغلة، أنه النبيّ ﷺ . وإنما هذا كقول أبي دَهْبل:

стр. 578

تحمِلُهُ النَّاقُة الأدْمَاءُ مُعْتجراً ... بالُرْدِ، كالبَدْر جَلَّى ليلة الظُّلَمِ ومثل قول ابن المَوْلى لجعفر بن سليمان: أوْحشت الجمّاءُ منْ جعْفرِ ... فجانبا عيْنِ أبي مشعرِ لمَّا غدا تحمْلُهُ بَغْلةٌ ... مُعْتجراً كالقمر الأزْهرِ ولمّا قال المدينيّ وهو بالحجاز، وذكر أبا البخْتريّ وهو قاضٍ

стр. 579

ببغداد، وإنما ضرب به المثل، ولم تكن قصيدته موجَّهة إليه، فلما سمع قوله أبو البَخْتَريّ: لو كُنْتَ تَطْلُبُ شأْوَ الكرام ... فعَلْت فعال أبي البَخْتري تتبَّع إخوانه في البلادِ ... فأغْنى المُقلَّ عن المُكْثرِ قال: يا غلام، عليَّ بأربعمائة درهم، وتخْتٍ فيه أربعون ثوباً، وبغلة ناجية. فأعطاه، أو فبعث بها إليه. وقال بعض المُحارفين الفقراء، أو الطِّياب الشعراء: أتُراني أقُولُ يوْماً من الدَّهْرِ لِبعْضِ التِّجارِ أفْسَدْتَ مالي أو تُراني أقولُ: مِنْ أيْنَ جَاءَتْ ... لدوابي بذا الشَّعيرِ جِمالي أوْ تُراني أقُولُ: يا قهْرماني ... لْ غلامي مُوفَّقاً عنْ بِغالي أو تُراني أمُرُّ فوْق رواقٍ ... لي عالٍ في مَجْلسٍ لي عالي أسْرِجوا لي، فَيُسْرجُون دوابي ... فأقُولُ: انزْعوا السُّرُوجَ، بدالي

стр. 580

هذياناً كما ترى وفضولاً ... دائم النُّوك مِنْ عظيم المحالِ ومن هذا الباب قول الآخر: أخيَّ قدْ أوَّب الحجيج وما ... أمْلكُ لا بَغْلةً ولا فرسا الله بيْني وبيْن كلِّ أخٍ ... يقول: اجْدَمْ وقائل: عدسا وقال رجل من بني شيبان، واقترض، فندم بعد أن ركب البغال المقصَّصة بدلاً من النجائب والخيل: بُدِّلْتُ بَعْدَ نجائبي وركائبي ... أعْواد سرج مُقصَّصٍ همْلاجِ ووقعْت في عدسٍ كأنّي لم أزلْ ... شنقاً لقوْلي للنّجائب: عاجِ والله لولا أنْ أُضيَّع غزْوتي ... لرجعْتُ مُنْقلباً لها أدْراجي

стр. 581

وقال الحسن بن هانئ: غنيتُ بمرْكب البرْذونِ حتَّى ... أطاح الكيس إغْلاءُ الشَّعيرِ فحُلْتُ إلى البغال فأعْوزتْني ... وحلْتُ من البغالِ إلى الحميرِ فأعْيتْني الحميرُ فصرْتُ أمْشي ... أُزجِّي المشْي كالرَّجلِ الكسيرِ وما بي، والحميد الله، كسْرٌ ... ولكنْ فقْدُ حُملانِ الأميرِ وقال ربيعة الرَّقِّيُّ: وبلائي أنَّ أُمِّي ... أثقْلتني بإزاري فإذا ما قُمت أمشي ... همَّ خصْري بانبتارِ كلَّ ذا أحملُ وحدي ... أيْن منْ أُمِّي فراري أُمَّتا هذا وربِّي ... حْمل برْذوْنٍ بُخاري أُمَّتا لسْت ببرْذو ... نٍ ولا بغٍل مُكاري

стр. 582

وقال الحكم بن عبْدلٍ: مررْت على بغلٍ تزُفُّك ... كأنَّك ديكٌ مائل الرَّأْسِ أعْورُ تخايلت في جنِّيَّةٍ لتروعنا ... وأنْت إلى وجْهٍ يزينك أفْقر وقال حنظلة بن عرادة: تخيّرْت الملوك فحُطَّ رحْلي ... إلى سلْمٍ ولمْ يُخْط اختياري يقولون اعْتذرْ منْ حُبِّ سلمى ... إذنْ لا يقبلُ الله اعتذاري إذا مرَّت بجسركم بغالي ... فقوموا فانظروا في شأْن داري وقوموا ظالمين فهدِّمُوها ... وألقوا منْ صحيفتكم صغاري وحمل أبو دُفافة بن سعيد بن سلْم دعْبلاً الشاعر على بغل، فوجده - زعم - ذا عيوبٍ فكتب إليه:

стр. 583

حُملْتُ على أعْرجٍ حارنٍ ... فلا للرُّكوبِ ولا للثَّمنْ حملت على زمنٍ شاعراً ... فسوف تُكافأ بشكْرٍ زمن وخرج أبو هرْمة الفراريّ من منزله على بغلةٍ فارهة، فشرب بكلّ ما معه واحتاج، فبادل بالبغلة حمارةً، وقال: خرجْت ببغْلةٍ من عنْد أهْلي ... فجئْت بها وقدْ صارتْ حمارةْ فمنْ يكُ سائلاً عنِّي فإنِّي ... أنا الغاوي خليعُ بني فزارة وبادل محمد بن الحارث قيْنةً ببرذون؛ فألفاه صديقٌ له صلاة الغداة وقد ركبه، فقال: عُجْتُ بالسَّاباطِ يوماً ... فإذا القيْنة تُلجمْ قيْنةٌ كانتْ تُغنِّي ... مُسختْ برْذوْناً ادهمْ وقال الآخر: يا فتْحُ لو كنْت ذاخزٍّ أُجرِّره ... تحْتي سليم الشَّظا منْ نسْل حلاّبِ

стр. 584

أو كنت ذا بغْلةٍ سفْواء ناجيةٍ ... وشاكريَّين لم أُحبسْ عن البابِ أزْري بنا أنَّنا قلَّتْ دراهمنا ... والفقرُ يُزْري بآدابٍ وأحسْابِ وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معْن بن زائدة: أُخْت بني شيبْان مرَّتْ بنا ... ممْشوطةً كوْراً أبا بغْلِ تُكْنى أبا الفضْلِ فيا من رأى ... جاريةً تُكنى أبا الفضلِ وأشعار ذكروا فيها البغال بالتهجين، ولم يقصدوا إلى أعضائها بشيء، ومنها ما أرادوا بها من تحياز ركوبها، قال بعضهم في هجاء الموالي: تأمَّلتُ أسْواق العراق فلمْ أجدْ ... دكاكينها إلاّ عليها المواليا جلوساً عليها ينفضون لحاهم ... كما نفضت عُجْفُ البغالِ المخاليا وقال طارق بن أُثال الطائي: ما إنْ يزالُ ببغدادٍ يُزاحمنا ... على البراذين أمثْال البراذينِ

стр. 585

أعطاهم الله أموالاً ومنْزلةً ... من الملوك بلا عقْلٍ ولا دينِ ما شِئت منْ بغْلةٍ سفواء ناجيةٍ ... ومنْ ثيابٍ وقوْلٍ غيْر موزونٍ وقال بعضهم في تشبيه الشيء بالشيء، وهذا شعر ينبغي أن يُحفظ: وهيَّجَ صوْت النَّاعجات عشيَّةً ... نوائح أمثال البغالِ النَّافرِ يمخِّطْنَ أطراف الأنُوف حواسراً ... يُظاهرْن بالسَّوءات هُدل المشافرِ بكى الشَّجْو ما دون اللَّهى من حُلُوقها ... ولمْ يبْكِ شجْواً ما وراء الحناجرِ وما سمعنا في صفة النوائح المستأجرات، وفي اللواتي ينتحلن الحزن وهنَّ خليَّات بالٍ، بأحسن من هذا الشعر. وها هنا باب من الشعر حسن، وليس من هذا بعينه، ولكنه قد يُشاكله من باب. قال الشاعر: ألا لا يُبالي البُرْدُ منْ جرَّ فضْله ... كما لا تُبالي مُهْرةٌ منْ يقودها وقال آخر: لا يحفْلُ البُردُ منْ أبْلى حواشيهُ ... ولا تُبالي على من راحت الإبلُ

стр. 586

وقال آخر: أهينوا مطاياكمْ فإنِّي رأيْتُهُ ... يهون على البرْذوْن موْت الفتى النَّدْبِ وقال آخر: وإنِّي لأرثي للكريم إذا غدا ... إلى طمعٍ عندَ اللَّئيم يُطالبُهْ وأرْثي له منْ مجْلسٍ عند بابه ... كمرْثيتي للطِّرْفِ والعْلجُ راكبهْ وقال مُسلم بن الوليد في برذون ابن أبي أُميَّة: قلْ لابنِ أُميٍّ: لا تكن جازعاً ... لا يرْجع البرذون باللَّيتِ

стр. 587

طأْمن منْ جأْشك فقدانه ... وكنت فيه عالي الصَّوْتِ وكنت لا تنْزل عن ظهْره ... ولو من الحشِّ إلى البيتِ ما مات منْ سُقمٍ ولكنَّه ... مات من الشَّوق إلى الموتِ وأنشد: بكيتْ عيْني لبرْذوْني السَّمنْدي ... بُكاء أخي مُحافظةٍ ووُدِّ وكان لنا حمولة كلِّ زقٍّ ... وكان لكلِّ سكبان مؤدِّي

стр. 588

طبائع البغال وما قيل فيها قال: ركب صخْر بن عثمان بغلاً، ليبكِّر عليه في حاجة، فقال له عثمان بن الحكم، وهو سيِّد ثقيف في عصره: إن كنت تركبه على أنه عدوٌّ فاركبه، وإلا فدعْه. وقال أبو الحسيْن النّخَّاس - واسمه الحارث، وهو الذي يقال له مؤمن آل فرعون - إنما يجمح البرذون ليصرع راكبه فقط، ألا تراه إذا سقط عنه، أو رمى بنفسه عن ظهره، وقف البرذون؛ إلاّ برذوناً واحداً، فأتّى رأيته شدَّ عليه بعد أن ألقاه، يكدمه ويرمحه، وكان الناس يُشدُّون عليه، فيتنحّى عنه ويشُدّ عليهم، فإذا أجفلوا من بين يديه رجع إليه يكدمه ويرمحه. وقال من يذمّ البغال: البغل كثير التلوُّن، به يُضرب المثل، وهو مع هذا قتَّالٌ لصاحبه. قال ابن حازم الباهليّ:

стр. 589

ما لي رأيْتك لا تدو ... م على المودّة للرِّجالِ مُتبرِّماً أبداً بمنْ ... آخيْت، وُدُّك في سفالِ خُلق جديدٌ كلَّ بوْ ... مٍ مثْلُ أخلاق البغالِ وقال آخر في تلوِّن أخلاقه: ومتى سبرْت أبا العلاء وجدْته ... متلوِّناً كتلوُّن البغلِ قال آخر: يزيد تزْري به عنْدي سجيَّتُهُ ... كالبغْلِ، لا شاعرٌ فحْلٌ ولا راوي وقال عثمان بن الحكم: كان عندنا في الحيّ فتىً ولدتْهُ امرأة مذكَّرة، لرجل مؤنَّث: فما رأيت ولا سمعت بخُلق رديٍّ من أخلاق البغال، إلاّ وقد رأيته فيه. وقال آخر: الشُّؤْمُ منْها في ذوات الحجْلِ ... وغُرَّةٍ تصْدعُ جمعَ الشَّمْلِ

стр. 590

وهو خلافُ الفرسِ الهبلِّ ... وكلِّ طرْفٍ ذائلٍ رفلِّ قدْ حذر الناس أذاه قبْلي ... وعدّدوا كلّ قتيل بغلِ من ناشئٍ غرٍّ وكهْلٍ جزْلِ ... وسائسٍ ورائضٍ مُدلِّ وكلُّهمْ قال بقوْلٍ عدْلِ ... وليس يُحصى عيبه ذو عقلِ إلاَّ الّذي يعْلم عدَّ الرَّملِ ... منهم أبو الفضل أخي وشكلي مُجرَّحُ الوجْهِ كسير الرِّجلِ ... ومزْيدٌ وجابر المُسْتمْلي كان مَعْبد بن أخضر المازنيّ - وهو أخو عبَّاد بن أخضر قاتل أبي بلال الخارجي - عند سعيد بن عبد الرحمن بن عتَّاب، فخرج

стр. 591

من عنده يوماً على بغل فصرعه، وكسر سرجه، فركبه عُرْياً، وانصرف إلى أهله، فقال: أما والله يا بن أبي سعيد ... جزاك الله شرّاً منْ عميدِ فلو في دار طلْحة دُقَّ سرْجي ... لأدَّاني على سرْجٍ جديدِ فبعث إليه طلحة بسرجٍ. وأما ربيعة بن أبي الصَّلْت، فقتله بغلٌ على باب عبد الله بن عبَّاس. ومن ولده كلدة بن ربيعة، وكان شريفاً شاعراً. وممَّن قتلتْه بغلته، خالد بن عثمان بن عفّان، ﵁؛ وذاك أن

стр. 592

خالداً كان بالسُّقْيا، فقال: هذا يوم الجمعة، لئن لم أُجمِّع مع أمير المؤمنين إنها للسَّوْءة السُّوءى! فركب بغلةً له لا تُساير، فسار سبعين ميلاً، فأتى المدينة في وقت الصلاة: فخرَّ ميِّتاً، ونجت البغلة. وممن قتلته البغال، المُنْذر بن الزُّبير، وكان يُكنى أبا عثمان؛ حمل على أهل الشام وهو على بغلةٍ ورْدةٍ، بعد أن ألحَّ عليه عبد الله بن الزُّبير يذْمُره؛ فلما سمعت البغلة قعْقعة السِّلاح نفرت، فتوقَّلتْ به في الجبل، حتى أخرجتْه من حدود أصحابه؛ فاتَّبعه أهل الشام؛ فناداه عبد الله: انجُ أبا عثمان، فداك أبي وأمِّي! فعثرت البغلة، ولحقه أهلُ الشام، فقتلوه.

стр. 593

ولذلك قال يزيد بن مُفرِّغ في هجائه لعبيد الله بن زياد: لابن الزُّبير غداة يذْمُرُ منْذراً ... أولى بغاية كلِّ يوْمِ دفاعِ وأحقُّ بالصَّبْرِ الجميلِ من امْرئٍ ... كزٍّ أنامله قصير الباعِ قال: وأردف عبَّاساً المشوق الشاعر، بعض الفتيان خلفه على بغلة له، ووعده أن يهب له ويكسوه، وحرن البغل، فسقط الرجل فاندقَّت فخذاه، فقال المشوق: ليت ما أمْسى برجْليْك برجلي وبكفِّي ليس للبغْلة ذنْبٌ ... إنمَّا الذّنْبُ لحُرْفي وممن صرعته بغلته: البرْدخت الشاعر، واسمه عليّ بن خالد

стр. 594

وهو الذي كان هجا بن جرير بن عطيَّة، فقال جرير: من هذا الهاجي؟ قالوا: البردخت. قال: وأيّ شيءٍ البردخت؟ قالوا: الفارغ؟ قال: فلست أوّل من صيَّر لهذا شُغلاً. وكان زيْدٌ الضبّيّ هو الذي حمله على ذلك البغل الذي صرعه، فقال: أقول للبغل لمَّا كاد يقْتلني ... لا بارك الله في زيْدٍ وما وهبا أعطاني الحتْف لمّا جئْت سائله ... وأمسك الفضَّة البيضاء والذَّهبا وهو الذي كان هجا زيداً بأنه حديث الغنى، وأتاه وهو أمير في يوم حفله، فقال: ولسْتُ مُسلِّماً ما دُمْتُ حيّاً ... على زيْدٍ بتسْليمِ الأميرِ فقال زيد: لا أُبالي والله! فقال هو: أتذْكُرُ إذْ لحافُك جلْدُ شاةٍ ... وإذْ نعْلاك منْ جلْدِ البعيرِ قال: إي والله! قال: فسبحان الذي أعطاك ملكاً ... وعلمك الجلوس على السرير قال زيد: نعم، سبحانه! فخرج وعليه فضل. قالوا: ونفر بغلٌ كان تحت محمد بن هارون، أخي سهل بن هارون

стр. 595

البليغ الكاتب الشاعر. قالوا: وإنما كان البغل ارتد فزعاً، فقطع من جوفه بعض العلائق، فمات على ظهره، في وسط مربعة باب عثمان نهاراً. وقد تصدم الدابة، فيموت الراكبان والمركوبان. الوقوع على البغال وخبرني سعيد بن أبي مالك أن غلاماً كان لبعض أهل القطيعة ينيك بغلةً لمولاه؛ وأنها في بعض الأيام وقد أدعم فيها، فاستزادته، فتأخرت وتأخَّر، حتى أسندتْه إلى زاوية من الإصْطبل، فضغطته حتى مات. ودخل بعض الغلمان لبعض الحوائج، فرأى الباب عليهما مُغلقاً، فنادى باسم الغلام فلم يُجبْه؛ فقلع الباب، فإذا الغلام مُسند إلى الزاوية وقد مات، وهي تضغطه، فصاح فتنحَّت وسقط الغلام ميِّتاً. ويقولون: إنها تفضح السائس الذي يكومُها، لأنها تتلمَّظ إذا عاينْته، ولا تفعل ذلك بغيره، فهي إمّا أن تقتل، وإمّا أن تفضح. وأنشدوا لقيس بن يزيد، في هجائه ابن أبي سبْرة حين رماه بنيْك بغلته، قال:

стр. 596

نُبِّئْتُ بغْلتك الَّتي أتْلدْتها ... لا تسْتقرُّ لديك ما لمْ تُسْفدِ تدْنو بمؤْخرها إليك إذا رأتْ ... أنْ قدْ علوْت لها جدار المذْودِ قالوا: ولما أخذ فتْيانٌ من فتيان بني كُليْبٍ الفرزدق، وأتوه بأتانٍ، وقالوا: والله لتنزُونَّ عليها، كما رميت بذلك عطيَّة بن الخطفي، أو لنقتلنَّك! قال: إن كان فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها إذا ناكها، حتى أنا لها! فضحكوا جميعاً من ظرْفه، وخلَّوْا سبيله. من قتلته البغال وممن قتلته البغال: زيد بن حُلْقٍ الرَّائض، وولد حُلْق معروفون عندنا بالبصرة. وممن قتلت البغال: محمد بن سعيد بن حازم المازنيّ، وعمرو بن هدّاب أحد عمومته، قتله بغلٌ بتُسْتر. ومات المهلَّب بن أبي صُفرة على ظهر دابته بالطَّالقان.

стр. 597

ومات إياس بن هُبيرة العبْشميّ صاحب الحمالة، على ظهر حمار. ولم يمتْ على ظهر حمارٍ كريمٌ. صرع البغال وكانت بغلة أعْين المتطبِّب تُصْرع، وكان أعين يُصرع، فصُر عامرَّةً معاً قُبالة دور بني السَّمْهري، فقام رجالٌ منهم فأدخلوه الدار، فنوَّموه على فراش، ووكَّلوا بالبغلة من أدخلها الإصطبل، فلمَّا أفاق وفتح عينيه أنكر موضعه، فقالوا: إنما أنت في دار بني السَّمْهريّ وهم اخوتك وأهلك. فقال: كيف أشكركم وأنتم أعدُّ وأيسر؟ ولكن أُعلِّمكم بعض ما لا غنى بكم عنه: إذا أتى أحدكم الغائط فليمتسح بشقق القصب، فإنّه إن كان هناك شيء من هذه الأورام حلقه واستأصله على الأيام، وإن لم يكن هناك شيء لم تعرض له هذه العلَّة ما دام يستعمل القصب. وإن خرجتْ على أحدٍ منكم بثْرة فلا يحكَّها، وإن دغْدغته ووجد فيها أُكالاً، فإنَّ ذلك الحكَّ ربّما أنفر ذلك المكان، وجذب إلى مكانه من الفساد ما يصير به بثرة، فإنْ حكّ البثرة فربما صارت خُراجاً. وقال لي كمْ شئت من أصحاب القصب والبواري: نحن لا تعترينا البواسير؛ لطول قعودنا على القصب والبواري.

стр. 598

ذكر الانتفاع بالبغال في البرد في الجاهليّة والإسلام، وتعرُّف حقائق الأخبار، وأنّها آلة من آلات السلطان عظيمة، ولا بدَّ للسلطان والملوك من تعرُّف الأخبار. قيل لشيخ ذي تجربة: ما أذهب مُلك بني مروان؟ قال: ما زال ملكهم قائما حتى عميتْ عليهم الأخبار. وذلك أن نصْر بن سيّار، كان صاحب خراسان، قبل خروج أبي مُسلم وقوَّة أمره، إلى أن قوي عليه حتى هرب منه. وذلك أنه، وإن كان والياً لأربعة خلفاء، فإنه كان مأموراً بمكاتبة صاحب العراق، وإن كان صاحب العراق لا يقدر على عزله، وقد كان يزيد بن عُمر يخاف أن يُولَّى مكانه نصر بن سيّار، أو مسْور بن عمرو بن عباد، فاحتال لمسْور، ولم تمكنه الحيلة في نصر، فكان إذا كتب

стр. 599

إليه بالرأي الذي يحسم به من أسباب قوّة المسوِّدة، كتب بذلك إلى يزيد، فكان يزيد لا يرفع خبره ولا يمدّه بالرجال، طمعاً في أن يُهزْم أو يُقتل، ونسى يزيد أن غلبة أبي مُسلم على خراسان، سببٌ لغلبته على الجبال، وإذا استحكم له ذلك، لم يكن له همّة إلا صاحب العراق. فلما طوى أخبار نصر، سدَّ وجه الرأي والتدبير على مروان، حتى كان الذي كان. قالوا: ولما بلغ المأمون اختلاطٌ من حال البريد، وجّه ثُمامة بن أشرس، ليتعرَّف له ذلك. فلما رجع إليه وسأله، قال: يا أمير المؤمنين، تركت بغلاً على مِعْلف كذا وكذا وهو يقرأ: " وما من دابَّةٍ في الأرض إلاَّ على الله رزْقها ". ومررت بسكّة أُخرى، فإذا بغلٌ قد عدا على رجل عليه طيْلسانٌ أخضر، يظنّه حُزْمة علف، فعدا الرجل وعدا خلفه البغل، فصحْت بالرجل: اطرح الطيلسان! فلما طرحه وقف البغل يشمّه. ومررت بسكَّة أخرى، وإذا على المعْلف بغلٌ، وإذا هو يغنِّي: ولقدْ أبيت على الطَّوى وأظلُّهُ ... حتَّى أنال به كريم المأكلِ

стр. 600

ما قيل في البريد وبغاله ومما قالوا في شأن البريد وأصحابه، قول ابن أبي أُميَّة: إنَّ ابن شاهك قدْ ولَّيته عملاً ... أضحى وحقَّك عنه وهو مشْغولُ بسكَّةٍ أحدثت ليستْ بشارعةٍ ... من دونها غيْضةٌ في وسطها غيلُ ترى فرانقها في الرَّكض مُنْدفعا ... تجْري خريطته والبغل مشْكولُ وقال دعْبلٌ في بعض رجال العسكر، ممن كان ولي البريد: ألا أبْلغا عنِّي الإمام رسالةً ... رسالة ناءٍ عنْ جنابك شاحطِ بأنَّ ابْنَ زيْدٍ حين يشحجُ شاحجٌ ... يُمرُّ على القرْطاس أقْلام غالطِ أحبَّ بغال البُرْدِ حُبّاً مُداخلاً ... يُكلِّفُه إثْباتها في الشَّرائط ولولا أمير المؤمنين لأصْبحتْ ... أُيٌورٌ بغال البُرْدِ حشْو الخرائطِ وقال دعْبلٌ أيضاً: من مُبْلغٌ عنِّي إمام الهُدى ... قافيةً للعرْضِ هتَّاكَةْ
следующие страницы →