Полный текст (1 368 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
والدَّجاج الخلاسيّ، من بين النَّبطيّ والهنْدي. وإذا كان مثل ذلك بين البيضاء والحبشيّ فهو خلاسيّ، فإذا كان بين البيضاء والسِّنْدي فهو بيْسريٌّ. وكذلك الخلاسيُّ من الكلاب الذي بين الكرْديّ وبين السَّلُوقيّ.
ومثل الجمَّازات التي تجيء بين فوالج البُخْت وقلاص العراب، ومثل البرْذون الشِّهريّ من الرَّمكة والفرس العتيق.
قالوا: فليس يعتدل في شيءٍ من ذلك الشَّبه، كما يعتدل في البغل.
ولذلك قال الشاعر السَّوّاق، وهو إبراهيم مولى المهالبة:
تساهم فيه الخالُ والعمُّ مثلما ... تساهم في البغل الحمارة والطِّرْفُ
فزعم في هذا الشعر أنّ هذا البغل أبوه فرس، وأُمّه أتانٌ. وهذا خلاف ما رواه أبو عُبيْدة. وأنشد أبو عبيدة:
стр. 632
وشاركها في خيمها وهو راغمٌ ... كما شاركتْ في البغل عيْراً حجُورها
لأنهم يقولون: إذا كانت الأم رمكةً، خرج البغل وثيجاً قوياً عريضاً، وإذا كانت الأم حجْراً خرج البغل مُسلَّكاً، طويل العنق، وفيه دقَّة.
وذكر عن بعض الناس أنّه شتم بعض الأشراف، فقال: " عجبتُ لقوم إذا قيل لهم: من أبوكم؟ قالوا: أُمُّنا فرس ".
رجع إلى ذكر بغلة عكرمة
ثم رجع القول بنا إلى ذكر بغلة عكرمة بن ربْعيّ.
قالوا: فلما ألحَّ عكْرمة في ركوب ذلك البغل إلى باب الحجَّاج، كتب إليه بعض بني عمِّه، يردُّ عليه امتداحه البغل باستواء الشَّبه فيه، ويُخوِّفه بالحجَّاج إن ارتفع إليه في الخبر أنَّ صاحب أشراطه يأتي بابه في فُرسان أهل العراق والشام ووجوههم، على بغل.
وقال في كلمةٍ له:
فكيْف بغرْمولٍ وعُمْرٍ سوى الَّذي ... يكون لعيْر الأهل والفرس الفحلِ
стр. 633
ورأْسٍ يجوزُ الخالَ والعمَّ بعد ما ... تحوَّل شحَّاجاً خلافاً على الأصلِ
وليس شحيج البغل من عزف ناهقٍ ... وقد باعد الله الشَّحيج من الصَّهْلِ
متى كان ذو الأشراطِ يركب بغلةً ... ويترك طرْفاً ذا تمامٍ وذا نُبْلِ
عذيري من الحجَّاج إنْ ذاكرٌ نعى ... عليك رُكوب البغل في ساعة الحفلِ
فما لك تجْتاب الهُويْني مُهمْلجاً ... إلى باب حجَّاجٍ على المرْكبِ الرَّذْلِ
أُعيذُك بالرَّحمن من زيِّ تاجرٍ ... شقيٍّ لئيم الكسْبِ ذي خُلُقٍ نذْلِ
بغيضٍ إلى جاراتهِ وبناتهِ ... وعرْسٍ له عرْجاء بارزةِ الرَّحلِ
إذا زارهُ منهم شقيٌّ لحاجةٍ ... توثَّق من باب الخزانة والقفْلِ
стр. 634
وأنْت امرؤٌ تندى بنانك باللُّهى ... إذا ساء ظنُّ النَّاس في الزَّمن المحْلِ
بقيَّة أشياخٍ كسوْك ثيابهم ... وأنت وليُّ القومِ في البأسِ والبذْلِ
صفة البغال في الشعر
ولمّا قال الحكم بن قنْبر في قصيدته في البغل، وفيما يصلح له، ويُرْتفق به منه، وفيها يقول:
وفي الرِّداغ، فإنَّ الوحل مزْلقةٌ ... وفي الطَّحين، وفي الحاجات، والرِّحلِ
وقال مُسلم بن الوليد الأنصاري والحكم بن قنبر مازنيّ، وكان الحكم قد عظُم شأنه في بني تميم، حتى كان يصلِّي على جنائزهم، فلما لجَّ في رأي الشُّعوبيَّة، وقال في ذلك الأشعار، ضربته بنو مازنٍ، وهم مواليه، فلما ألحُّوا عليه في الضرب، نادى: يا آل تميم! فقال أعرابيّ:
يدعُو تميماً، وتميمٌ تضربُهْ ... تلطُمهُ طوراً، وطوراً تركبْهْ
стр. 635
وقال مُسلم بن الوليد:
تركْت صفاتِ الخيلِ والخيلُ معقلٌ ... وأصبحت في وصف البغال الكوادنِ
حننْتَ إليْها رغْبةً في أُيورها ... فدونك أير البغل يا عبْد مازنِ
وبغلته ودابتَّه، قال بعض الشُّعراء يُخاطب دابتَّه:
فهبيها ليْلةً أدْلجتْها ... فكلي إن شئت تبناً أو ذري
قد أتى مولاك خُبزٌ يابسٌ ... فتغذَّى وتعزَّى واصْبري
стр. 636
وقال آخر:
بتُّ ظمْآن وباتت بغلتي ... تشتكي الخلوة في بيتِ عُمرْ
صُمت يا بغلة من غير تُقىً ... ابْشري بالصَّوْمِ في شهرِ صفرْ
وقال آخر:
وإنِّي إذا ما المرء آثر بغله ... على نفسه آثرْتُ نفسي على بغلي
وأبْذُلُهُ للمُسْتعيرين لا أرى ... له علَّةً ما دام ينقاد في الحبْلِ
وقال آخر:
أيا مُنزلي مالي عليك كرامةٌ ... إذا أنت لم يكرمْ عليك جوادي
وقال دعْبل:
أتيت ابن عمران في حاجةٍ ... هُويِّنة الخطب فالتاثها
تظلُّ جيادي على بابه ... تروثُ وتأكل أرْواثها
غوارث تشكو إليَّ الخلا ... أطال ابن عمران إغراثها
وقال ابن حازم:
وخلَّيْت برْذوني يلوك شكيمه ... خليطاه نعْفٌ دارسٌ وطُلُولُ
وقال سهل بن هارون: بُعثت وأنا صبيٌّ إلى جارٍ لنا أستعير منه بغلاً، فزعم أنه مبطون، فغبرْت أيَّاماً، ثم كتبت إليه:
стр. 637
نُبِّئت بغلك مبطوناً فزعْت له ... فهلْ تماثل أو نأتيه عُوَّادا
ما قيل في طول عمر البغل
قال أهل التجربة: ليس في جميع الحيوان الذي يُعايش الناس، أطول عمراً من البغل، ولا أقصر عمراً من العصفور، وظنُّوا أنّ ذلك لكثرة سفاد العصفور، وقلّة ذلك من البغل.
قالوا: ولذلك وجدنا طول الأعمار في الرُّهبان وأصحاب الصَّوامع خاصَّة، وفي الخصيان عامَّة. ولذلك قال الراجز:
أُحبُّ أنْ أصْطاد ضبّاً سحْبلا ... وخرباً يرعى ربيعاً أرملا
فجعله أرمل، ليكون أقوى له وأسمن.
قالوا: وقال معاوية: ما رأيا رجلاً قطُّ يستكثر من الجماع، إلاّ رأيت ذلك في مُنَّته.
стр. 638
وقال معاوية: كلّ خصال الشباب قد كان فيَّ، إلاّ أنِّي لم أكن نُكحةً، ولا صُرعة، ولا طُلعة، ولا ضُحكة، ولم أك سبّاً.
قالوا: والبغل أطول عمراً من كلّ شيء من الحيوان، ممَّا يُعاش الناس في دُورهم.
قالوا: وكلّ شيء يُنتج ويولد ويتربَّى في منازل الناس، من طائر وسبع وبهيمة، إذا تحوَّل صاحب الدار، لم يتحوَّل معه منها شيء، وآثرت الأوطان على صاحب الدار، إلاَّ الكلب، فإنه يؤثره على وطنه، ويموت دونه، ويصبر على جفائه وإقصائه.
قصيدة لابن داحة يذكر فيها أعمار الحيوان
الذي يعايش الناس
وأنشد إبراهيم بن داحة، لرجل ذهب عنِّي اسمه، قصيدةً وصف فيها أعمار الحيوان التي تعايش الناس، فقال لأخيه:
عزمْت على ذمِّ البعير موفِّقاً ... وأنْ ليس في المرْكوب أجمع من بغلِ
стр. 639
وأنَّ اقْتناء الإبل موقٌ وحُرْفةٌ ... يبيت على يُسْرٍ ويغْدو على ثكْلِ
وبين المنايا والبراذين نُسبةٌ ... وكُلُّ نتاج النَّاس خيرٌ من الإبْلِ
وقلت وشاهدت البغال وغيرها ... فأحمدتها في العمر والهرم المُبْلي
وليس لها بذْخُ الخيول وكبْرُها ... ولا ذِلَّةُ العيْر الضَّعيف عن الرَّحْلِ
ومؤْنته في الصَّيْفِ والشَّتْو واحدٌ ... ولا خيْر في المؤناتِ من حامل الكلِّ
ولا تُركب الأرماك والحجْرُ دونها ... لدى المصْر والبغلات ترْكبُ كالبغلِ
وقد فرَّق الرَّحمن بين شكولها ... كما بين عيْرِ الوحش والآخر الأهْلي
стр. 640
وفي البغْلِ في كلِّ الأمور مرافق ... ومرْكب قاضٍ أو شيوخٍ ذوي فضلِ
فيرْكبها والخيلُ مُحدقةٌ به ... ويؤثرها يوم المباهاة والحفلِ
وقد جاوزت في السَّومِ كلَّ مُثمَّنٍ ... من الرَّائع المنسوب والجامل البزْلِ
يفوت هماليج البراذين سيْرُها ... على قحة الأعْيار من شبه النَّجْلِ
ركوب البغلة والطمع في القضاء
ونحن بالبصرة إذا رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلا، ويردف خلفه غلاماً، قضينا بأنه يطمع في القضاء. قال ابن الممزَّق:
إذا ركب الشَّيْخُ الشَّريفُ بُغيْلةً ... وناظر أهْلَ الرَّأي عند هلالِ
стр. 641
فداك الَّذي يبْغي القضاء بسمْته ... ......الذِّئْب أُمَّ غزالِ
فإنْ أرْدف العبْد الصَّغير وراءه ... فويلٌ لأيتامٍ وإرْث رجالِ
وإنْ ركب البرْذوْن واشتدَّ خلْفهُ ... فصاحب أشراطٍ وحمْلِ إلالِ
وقال ابن مُناذر في واحدٍ من هذا الشكل:
رأيت أبا موسى يغُرُّ بسمْته ... ويقسم في الجيران كُرَّ طعامِ
ويخْدعهمْ والله غالب أمره ... بقدٍّ كقدِّ المشرفيِّ حُسامِ
يُريد قضاء المصْر والمصْر مُنْكرٌ ... لكلِّ مُراءٍ مُهْترٍ بغلامِ
ببشْرٍ وسمتٍ واكتئابٍ وخشْعةٍ ... وكثرةِ تسْبيحٍ ولين كلامِ
ويرْكبُ بغلاً ثُمَّ يُرْدفُ خَلْفهُ ... غُلاماً كما أبْصرت شقَّ جلامِ
стр. 642
يريد هلالاً لا يُحاول غيره ... وقدْماً سما للرَّأي غير مسامِ
سواءٌ لذي الرَّأي الشَّريف وغيرُهُ ... إذا كُنت ذا حفظٍ فلجْ بسلامِ
يصير فقيهاً في شُهُور يسيرةٍ ... فيالك حفْظاً لم يُشبْ بغرامِ
ولو كان خيْراً كدَّ ... ... كما كدَّ ذا الآثارِ بُعْدُ مرامِ
وما ضرَّ سلْماناً وكعْباً وبعْدهُ ... شُريْحاً وسوَّاراً ورهط هشامِ
стр. 643
وياساً وياساً والغلابيَّ بعده ... أُلاك الأولى كانوا نُجُوم ظلامِ
وما عرفوا النُّعْمان.... ... ولا زُفر المسْتقيَّ صوبَ غمامِ
لقد تاب ممَّا أحدث القوْم توبةً ... لساعة إخْلاصٍ ووقت حمامِ
تشبيه الأسد بالبغل
قالوا: ويشبِّهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تامَّ الخْلق. قال نهْشل بن حرِّيّ:
وما سبق الحوادث ليْث غابٍ ... يجُرُّ لعرسه جزر الرِّفاقِ
كميْتٌ تعْجزُ الخُلعاءُ عنْهُ ... كبغْل السَّرْج حطَّ من الوثاقِ
وقال أبو زُبيْدٍ الطائيّ:
من الأسْد عاديٌّ يكاد لصوته ... رءوس الجبالِ الرَّاسياتِ
стр. 644
تقعَّرُ
كأنَّ اهتزام الرَّعْدِ خيط بجوْفه ... إذا جُرَّ فيه الخيْزرانُ المُعتِّرُ
فأبصر ركباً رائحين عشيَّةً ... فقالوا: أبغْلٌ مائلُ الرِّجْل أشقرُ
أم اللَّيْث؟ فاسْتنجوا وأين نجاؤكم ... فهذا وربِّ الرَّاقصاتِ المُزعْفرُ
ولأبي زُبيدٍ مثلها، في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال:
فجال أكْدرُ مُشتالاً كعادته ... حتَّى إذا كان بين البئر والعطنِ
لاقى لدى ثُللِ الأطْواءِ داهيةً ... أسْرت وأكْدر تحت اللَّيْلِ في قرنِ
стр. 645
إلى مُقابل خطْو السَّاعديْن له ... فوق السَّراة كذفْرى الفالج الغضنِ
رئبال غابٍ فلا قحْمٌ ولا ضرعٌ ... كالبغل حطَّ من المحلين في شطنِ
الحمير الأخدرية
وزعم ناسٌ من العلماء أنّ الحمير الأخْدرية، وهي أعظم حمير الوحش وأتمُّها، زعموا أنَّ أصل ذلك النِّتاج أن خيلاً لكسرى توحَّشت، وضربت في العانات، فكان نتاجها هذه الحمير التي لها هذا التمام.
وقال آخرون: الأخدريّة هي الحُمرُ التي تكون بكاظمة ونواحيها، فهي كأنها بريّة بحريّة.
قالوا: ولا يجيء فيما بين الخيل والحمير إلاَّ البغال، وليس للبغل نسْل يعيش، ولا نجل يبقى، فكيف لقحت هذه الأُتُن من تلك الخيل حميراً، ثم طبَّقت تلك الصحارى بالحمرُ الخالصة؟
وقالوا: وكان الملك من الأكاسرة إذا اصطاد عيْرا وسمه باسمه، وبيومه الذي اصطاده فيه، وأطلقه، فإنْ تهيَّأ أن يصطاد ذلك العير بعينه ملكٌ من بعده، وسمه مع وسم الملك الذي قبله بمثل تلك السِّمة وخلاَّه يذهب، فكان هذا الصنيع بعض ما كانوا يعرفون به حمير الوحش. فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصُّقع الذي هذا صفته، فإنَّ للماء والتربة
стр. 646
والهواء في هذا عملاً ليس يخفى على أهل التجربة.
وكلُّ عربيّ تراه بخراسان أصهب السِّبال، أحمر اللون، مفطوح القفا، فإنّ الأعرابيّ الذي انتقل إلى ما هناك كان على ضدّ ذلك.
أثر البيئة في الحيوان
وقد رأينا بلاد التُّرْك، فرأينا كلَّ شيء فيها تركيّاً. ومن رأى دوابِّهم وإبلهم علم أنّها تركيّة. وحرَّة بني سُليْم التي جميع طيرها، وسباعها وهوامّها وأهلها كلّهم سُود. وهذا كثير جدّاً.
وقد نرى جراد البقل وديدانه خُضْراً، ونرى قمل رأس الشابّ الأسود الشعر: أسود، ونراه في رأس الشيخ الأبيض الشعر: أبيض، ونراه في رأس الخاضب بالحمرة: أحمر. نعم حتى إنّك لترى في القملة شُكلْةً إذا كان خضاب الشيخ ناصلاً.
وهكذا طبع الله الأشياء.
стр. 647
ضربهم المثل في أير البغل
قال أبو شُراعة:
أيْرُ حمارٍ في حرامِّ شعْري ... وأيْر بغْلٍ في حِرامِّ قدري
لو كنت ذا مالٍ دعاني السِّدْري
وقال أبو فرعون:
أيْرُ حمارٍ في حِرِامِّ عدْنان ... وأيْرُ بغلٍ في حرامِّ قحْطانْ
стр. 648
ما النَّاس إلاَّ نبطٌ وخوزان ... ككهْمسٍ أو عُمر بن مهْرانْ
ضاق جرابي عن رغيف سلْمانْ
وأنشد:
وعُظمُ أير البغل في رهز فرسْ ... وطول دحسِ جملٍ إذا دحسْ
والمذكور بطول الكوْم: الخنزير، والورل، والذُّباب، والجمل.
стр. 649
وأنشد:
وما الخنزير والورل المُذكِّي ... ولا كوْمُ الذُّبابِ ككومِ بشرِ
والعصفور وإن كان كثير عدد السّفاد، فإن الإنسان أكثر منه إذا حُصِّلت الأمور؛ لأنَّ الإنسان إذا كان يهيج الليل والنهار، والصَّيف والشتاء، فليس ذلك لشيءٍ غيره؛ ويطأ الحبالي، ويريدها وتريده.
وقيل لشيخٍ أعرابيّ: امرأتك حُبلى؟ فقال: " لا والذي في السماء بيته، ما لها ذنب تشتال به، لا أتيتها إلاّ وهي ضبعة.
ومن النوادر في غير هذا، قال مسعدة: قيل لأبي القماقم بن بحرٍ السَّقَّاء: ويْحك! متى دخلت بامرأتك، ومتى حبلت؟ وإنما كان هذا أمس! قال: " كان الإناء ضارياً ".
стр. 650
وقيل لحفص مولى البكرات: بامرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء! وقال ابن النُّوشجاني: جئتُ من خراسان، فسرت في بعض الصحارى في غبّ مطر، فكنت قد أرى في الطين الذي قد قبَّ آثار أرجل البهائم والسبّاع الميل والميلين، وكنت لا أزال أرى أثر دابّةٍ لها ستّ أرجل، فلما طال ذلك عليّ سألت الجمّال - أو المُكاري - فقلت: ويلك، تعرف دابة لها ستُّ أرجل؟ وأشرت بيدي إلى تلك الآثار. فقال: إنَّ الخنزير طويل المكث في سفاده، وربمّا مكث على الخنزيرة طويلاً وهي ترتع، ويداه على كتفيها، ورجلاه خلف رجليها، فلا يكاد أن يقضي وطره إلاَّ بعد أن يقطع من الأرض شيئاً كثيراً، فمن هناك ترى ستَّ قوائم.
وقال الفرزدق في هجائه عُمر بن يزيد الأُسيِّدي، وكان طلب منه وقْر بغلٍ رطبةً، فلم يفعل، فقال:
стр. 651
يا عمر بن يزيدٍ إنَّني رجُلٌ ... أكْوى من المسِّ أقْفاء المجانينِ
يا ليت رطْبتك المُهْتزَّ ناضرها ... كانت أيُور بغالِ في البساتينِ
حتَّى تحبَّلَ منها كُلُّ كوْسلةٍ ... قنْفاءَ خارجةٍ منْ أوسطِ الطِّينِ
وقال آخر:
عراد، إن كنت تُحبِّين الغزلْ ... والنَّيْك حتَّى تأْجميه والقُبلْ
فإنَّ عَمْراً قد أتاك أو أظلّْ ... يحمل أيْراً مثل جرْدان الجملْ
لو دُسَّ في متْن صفاةٍ لدخلْ
قال: نرى أنّه إنما أراد الصلابة.
وقالوا: أير الثَّور أطول وأصلب.
قال صاحب البغل: ليس بأطول، ولو كان أطول كانت البقرة لا تقف للثور، وإنما يكومها وهي تعدو، وهو لا يدخل قضيبه في حياء البقرة. والبغلة تقف للبغل، وتطلب ذلك منه، لسوسٍ شديد، وإرادة تامَّة.
стр. 652
وقال صاحب الثور: إنَّ أصل غُرمول البغل لا ينطبق على ظبْية البغلة كانطباق أير الرجل على فرج المرأة حتَّى لا يبقى منه قليل ولا كثير، ويفضل من أير البغل نحوٌ من نصفه، وذلك أنَّ مقاديم أيور الحافر فيها الاسترخاء، وأصولها لا تصير إلى أجواف الإناث، وإنما يصل من الصُّلب المتوتِّر مقدار نصفه فقط. والثور أوَّل قضيبه وآخره عصب مُدمج، وعقب مُصمت، وأنت تُقرّ أنها لو وقفت لخرقها. والبقرة في وقت نَزْو الثَّور عليها كأنها تكرهه.
قال صاحب البغل: أليس قد أقررت أنّه وإنْ كان في غاية الصَّلابة، أنه إنما يُدخل فيها بعض قضيبه، وهذا المفخر إنما هو للإنسان. قال: رأيت ثوراً نزاً على بقرة، فأخطأ قضيبه المسلك، فمرت البقرة من بين يديه، ومرّ قضيبه على ظهرها؛ فما كان بين طرفه وبين سناسنها إلاّ القليل. وفي رأسه عُجْرة، ودون ذلك تخصُّرٌ قد دقَّ جداً.
قال بعض الشعراء، وهجا معلِّم كتاب:
كأنَّه أيْر بغلٍ في تهكُّمه ... وفي الصَّرامة سيفٌ صارمٌ ذكرُ
стр. 653
قالوا: وشكت امرأة مؤرِّج الأزْدي عظم أير زوجها إلى الوالي، واسمها خوصاء، فقالت:
إنِّي أعُوذ بالأمير العدْلِ ... من مُنْتن الرِّيح خبيثٍ وغْلِ
يحمل أيْراً مثل أير البغلِ
ويقال لأير الإنسان: ذكر، وأيْر.
وجُردان الحمار والبغل وغُرْمولهما، والجميع: جرادين وغراميل.
ويقال: نضيّ الفرس، ومقْلم البعير. ووعاء مِقْلمه يقال له: الثَّيْل. ووعاء الجُردان وجميع الحافر يقال له: القُنْب.
ويقال: قضيب التيس، وقضيب الثور، وعُقْدة الكلب.
وتقول العرب: صرفت البقرة، فهي صارف؛ وسوست البغلة.
ويقال: هي امرأة هدْمى، وغلمة. وقال أكثر العلماء: ما يقال مُغْتلمة. وشاة حرْمى، وناقة ضبعة، وفرس وديق، وكلبةٌ مُجْعل.
ويقال: حرُ المرأة، والفرْج، وظبية الفرس، وكذلك من الحافر.
стр. 654
وحياء الشَّاة، وكذلك من الخُفّ كلّه. وثفْرُ الكلبة، وكذلك من السّباع كلّها. وتستعير الشعراء بعض هذه من بعض، إذا احتاجت إلى إقامة الوزن.
فإذا حملت الشاة فهي: حامل، والبقرة كذلك. والفرس عقوق، وكذلك الرَّمكة. والأتان جامعٌ، وبغلةٌ جامع. وكلبة مُجحّ، وكذلك السّباع.
ويقال: إن أكبر الأيور أير الفيل، وأصغرها أير الظبي، وليس في الأرض حجم أيرٍ ظاهرٌ في كُلّ حال، إلاّ أير الإنسان والقرْد والكلب. وأما البَطُّ فقضيبه يظهر عند القمْط. وأطول أيور الناس ما كان ثلاثة عشر إصبعا.
ورووا عن ابنٍ لجعفر بن يحيى كان صيْرفيّاً، وقد كان ولاَّه المأمون طساسيج عدّة، أنه خرج من الدنيا وما كام امرأة قطُّ.
وخبَّروا عن أبي زيد الكتَّاف - وتأويل الكتّاف أنه كان ينظر في الأكتاف، وهو إفريقي - وكان هرْثمة قدم به على الرشيد، يُعجِّبه
стр. 655
من كبر خلقه وعظم بدنه؛ فرأيت ناساً زعموا أنّه قال: غبرت طول عمري لا أقدر على امرأةٍ تحتمل ما عندي، حتَّى دُللت على امرأة؛ فلما دخلت بها أدخلت من أيري قدر نصْفه، وقلت في نفسي: هي وإن احتملت نصف الطُّول فإنها لا تحتمل الغلظ! فلمّا لم أرها توجَّعت منه زدتها، ثم زدتها حتى أدخلته، ثم قلت لها: قد دخل كلّه، فتأذنين في إدخاله وإخراجه؟ قالت: وقد دخل منه شيء بعد؟! وقال أبو السَّريّ بكر بن الأشقر: بلغني أنّها قالت له: سقطت بعوضةٌ على نخلة، وقالت للنخلة: اسْتمسكي فإني أريد أن أطير! فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، فكيف أشعر بطيرانك؟!
مما جاء في ذم البغال
قال: وذمّ رجل البغل، فقال: لا لحم ولا لبن، ولا أدب ولا لقن، ولا فوْت ولا طلب؛ إن كان فحلاً قتل صاحبه، وإن كانت أُنثى لم تنسل.
وكلُّ مُركَّب من جميع الأجناس له نجلٌ غيره، كالبُخْت بين العراب والفوالج، وكالراعبيّ من بين الحمام والورشان، وكالإبل منها الصَّرصرانيّ والبهْونيّ، وهما اللذان أبوهما عربيّ وأمُّهما بُخْتيَّة، وهو من أقوى الإبل
стр. 656
على الحمل، وأشدُّها سيراً، على قُبْح خلقته، وسماجة في مقاديمه، وكالشِّهريّ والهجين.
وإذا صرت إلى البغال، صرت إلى سوسٍ في الأُنثى لا يُنادى وليده وإلى غُلمة في الذَّكر لا تُوصف، ثم هي مع هذا لا تتلاقح.
وزعم أهل التجربة أنّ الكوْم الذي يخلق الله تعالى منه الولد من بين الرجل والمرأة، أنّ سبب التلاقُح ما يحضرهما من إفراط الشهْوة، في ذلك الكوْم، فإذا أفرطت الشَّهوة دنت الرحم وانفتح المهبل، وهو فمُ الرَّحم، فتصير تلك النُّطفة أكثر وأحدَّ، فيصير زرْق الإحليل ومجُّه لها أبعد غاية.
وقال أهل التجربة: قلّ ما تلقح منهن امرأة إلاَّ لرجَّةٍ.
والبغلة والبغل يعتريهما من الشَّبق ما لا يعتري إناث السنانير، ثم هي مع ذلك لا تتلاقح، فإن لقحت في النُّدرة أخْدجت.
стр. 657
وقال الشاعر في سوس البغلة:
وقد سوستْ حتَّى تقاصر دونها ... هياجُ سنانير القُرى في الصَّنابرِ
وذلك من عيوبها.
قالوا: ولم تأخذ صهيل الأخوال، ولا نهيق الأعمام، وخرجت مقادير غراميلها عن غراميل أعمامها وأخوالها. فإن زعمتم أنّ أعمارها أطول، فعيوبها أكثر، وأيام الانتفاع بها أقلّ، وباعتها أفجر، والخصومة معهم أفحش، وخسرانها يوفى على أضعاف ربحها، وشرُّها غامرٌ لخيرها.
ومما تخالف أخلاق سائر المركوبات: أنك إذا سرت على الإبل والخيل والحمير والبقر، في الأسفار الطِّوال، في سواد ليلك، إلى انتصاف نهارك، ثم صارت إلى المنزل عند الإعياء والكلال، طلب جميع المركوبات المراعي والأواريّ، وأخرجت البغال بعقب ذلك التعب الطويل، أُيوراً كجعاب القسيّ، تضرب بها بطونها وصدورها، حتَّى كأنها تتعالج به من ألم السَّفر. وكلُّ دابة سواها إذا بلغت لم يكن لها همّة إلاّ المراغة والرُّبوض، والأكل والشُّرب.
стр. 658
وهي مع ذلك من أغلم الدوابّ، وأبعدها من العتق، ولم نجد عظم الأيور في جميع الحيوان في أشراف الحيوان إلاّ في الفرْط، وذلك عامّ في الزنوج والحبْشان، وتجده في الحمير والبغال.
قالوا: وأير الفيل كبير، ولم يخرج من مقدار بدنه.
ولعمري إنّ الرجال ليتمنَّون عظم الأيور كما تتمنَّى النساء ضيق الأحراح.
قال محمد بن مُناذر، وأبو سعيد راوية بشَّار، قالا: ضحك بشارٌ الأعمى يوماً ونحن عنده، بعد أنْ أطال السكوت، فقلنا: ما الذي أضحكك يا أبا مُعاذ؟ قال: أضحكني أنّه ليس على ظهرها رجلٌ إلاّ وبودِّه أن أيره أكبر ممَّا هو عليه، ولا على ظهرها امرأة إلاّ وبودِّها أن حرها أضيق ممّا هو عليه. فلو أعطى الله الرجال سُولهم في العظم، وأعطى النساء سُولهنَّ في الضِّيق، لوقع العجز، وبطل التناكح، وبطل ببطلان التناكح التلاقح. وهذا لُطفٌ من ربِّك.
قالا: وقال لنا يوماً ونحن جماعة: أتدرون أيُّ الرجال يتمنَّون ضيق الأحراح، وأيّهم يتمنَّى سعتها؟ قلنا: لا. قال: إنمّا يتمنَّى السَّعة كلّ رديّ النَّعْظ، مُسترخي عصب الأير، وإنمّا يتمنَّى الضِّيق كلّ متوتّر العصب، شديد النَّعْظ.
стр. 659
قال: وذمّ آخر البغل، فقال: عظيم الغرمول، كبير الرأس، عقيم الصُّلب، قبيح الصوت، بطيء الحُضْر، مهْياف إلى الماء، متلوِّن الأخلاق، كثير العلل، فاجر البائع، قتّال لراكبه، شديد العداوة لرائضه، حرونٌ عند الحاجة. والحران إليه أسرع، ودواؤه أعسر. إن كان أغرَّ كان سمحاً، وإن كان مُحجَّلاً كان مشوماً. ولم يتواضع الملوك والأشراف بركوبه إلاَّ لإفراط نذالته، ولا ركبه الرُّؤساء في الحرب إلاَّ لظهور عجزه. وفي الأنبياء راكب البعير، وراكب الحمار. وكلُّ ذي عزمٍ منهم فركّاب خيل ومُرتبط عتاق، وليس فيهم راكب بغل، وإنما كانت بغلة النبي ﷺ ، هديَّة من المُقوقس، قبلها على التألُّف، وعلى مثال ما كان يُعطى المؤلَّفة قلوبهم. ولم يجعلها الله شرىً، ولا تلاداً ولا هديَّة سلم.
باب في مدح البغال وذمها
يُروى عن ابن عبَّاس عن النبيّ ﷺ ، أنه نهى أن يُنْزى حمارٌ على فرس، ونهانا أن نأكل الصَّدقة، وأمرنا أن نُسْبغ الوضوء.
وعن عليّ كرّم الله وجهه قال: نهى النبيّ ﷺ ، أن يُنْزى
стр. 660
الحمار على فرس.
وقال الآخر في عيب البغلة: شديدة السَّوس، وذلك ممّا ينقْض قُواها، ويُوهن أمرها، وهي في ذلك أهيج من هرّة وإن كانت لا تصيح صياحها، ولا تضْغو ضُغاءها، وإنما ذلك لأنّ الحافر في هذا الخُلق خلاف البُرْثُن. ألا ترى أنّ الكلب والسِّنَّوْر إذا ضُربا صاحا، وكذلك الأسد والنِّمْر والببْر والثعلب والفهْد وابن آوى وعناق الأرض. ولو أخذْت الحافر فقمطْته، فرساً كان أو برذوناً أو بغلاً أو حماراً، ثم ضربته أنت بعصاً لم يصحْ، وإن كان يجدُ فوق ما يجد غيره من الألم.
والبغلة مع ذلك تلْقح ولا تنْسل، فصار حملها بلاءً على صاحبها، لأنَّها إن وضعتْه لم يعشْ. وكلّ حامل من جميع الإناث، من شاة أو بقرة أو ناقة أو أتان أو رمكة أو حجْر، فإنّ حمْلها يكون زائداً في ثمنها، ولا تُرَدُّ تلك الحوامل بعيب الحمل؛ إلاَّ المرأة والبغلة. فأما المرأة فلشدَّة الولادة عليها، ولأنّ حدث الموت من أجل مشقَّة الولادة عليها من بين جميع الحيوان أسرع. وأمّا البغلة فلأنها إذا أقربتْ عجزت عن عملها، وإذا وضعت لم يُنتفع بولدها.
стр. 661
والبغلة إذا كامها البرْذون لم يصبر عنها، واشتدّ حرْصه عليها. فسألت أبا يزيد الإقْليدسيّ عن ذلك، فقال: لأنها أطيب خلْوة! فلقَّبناه: " خلْوة البغلة "!.
أكل لحوم الخيل
وأكْل القديد في الضرورة رديٌّ للحافر كله، وهو للبغلة أردأ.
وأهل البحريْن يعلفون دوابَّهم الحشيش، وقد استمرّت على ذلك.
وقال القعقاع بن خُليْدٍ العبْسي:
أكلنا لُحُوم الخيْل رطْباً ويابساً ... وأكبادُنا منْ أكلنا الخيل تقرحُ
ومجلسنا حوْل الطُّوانة جُوَّعاً ... وليس لنا حوْل الطُّوانة مسرحُ
стр. 662
وليس تُوافق لحوم الخيل أُمَّةً من الأمم كما توافق الأتراك، وكذلك اللَّحم صرْفاً.
وذكر النَّمر بن توْلب سوء موافقة أكل اللَّحم للخيل، فقال:
لله من آياته هذا القمرْ ... والشمْس واللَّيل وآياتٌ أُخرْ
إنَّا أتيْناك على بُعد السَّفرْ ... نقودُ خيْلاً ضُمَّراً فيها ضررْ
نُطْعمُها اللَّحم إذا عزَّ الشَّجرْ ... والخيلُ في إطعامها اللَّحْم عسرْ
стр. 663
وقال الآخر:
وخيْلك بالبحْرين تعتلف النَّوى ... وللتَّمْرُ خيْرٌ من حشيشٍ وأنْفعُ
معارف شتى في ألوان الدواب
وقال بعض من يمدح البغل: البرذون إذا كان أسود قالوا: أدهم، وكذلك الفرس. والحمار إذا كان أسود قالوا: أسود. وألحقوا البغل بالخيل، فقالوا: بغْلٌ أدهم.
وقال بعضهم: البغل يؤخَّر سرجه كما يؤخَّر سرْج الحمار، وموضع اللَّبب من الخيل يكون قُدَّام، وإن ركب الغلام البغل عُرْباً، ركب فيه على مركب الحمار، وهو مؤخّره، فإن ركب الخيل ركب المقاديم.
حدَّثني بعض أهل العلم، قال: قال شيخ من الملوك لعبد الله بن المُقفَّع: إن ابني فلاناً يتكلم بكلامٍ لا نعرفه، فأُحبّ أن تجالسه، فإن كان كلامه هذا من غريب كلام العرب، فهو على حالٍ لم تخرج من هذه اللغة، وإن كان شيئاً يبتدعه عالجناه بالتقويم. فأتاه ابن المقفَّع، فسمعه يقول: يا غلامي أسرجْ لي برْذوني الأسود. فقال: قل، أصلحك الله: البرذون الأدهم، وإيَّاك أن تقول: الأسود. قال: لا أقول إلاّ الأسود؛ لم؟ لأنه ليس بأسود؟ قال: بلى هو أسود، ولكن لا يقال له أسود. قال: فمكث ساعةً، ثم قال: يا غلام أسرجْ لي حماري الأدهم. قال: قلت: لا تقل للحمار: أدهم، إنما يقال له: أسود. قال: فقال لي: لم يقال له أسود؟ قلت: لأنه أسود. قال: قد نهيتني أن أقول: برذونٌ أسود، وهو أسود. قال: قلت له: هكذا تقول العرب.
стр. 664
قال: إمّا أن تكون العرب أمْوق الخلْق، وإما أن تكونوا أنتم أكذب الخلق! قال: فرجعتُ إلى أبيه فقلت له: إن كان عندك علاج فداركْه، وما أظنّ، والله، أنَّ ذلك عند الجالينوس!
بغلة أبي دلامة وما قال فيها من شعر
قال أبو دُلامة في بغلته. والمثل في البغال بغلة أبي دُلامة. وفي الحمير حمار العباديّ، وفي الغنم شاة منيع، وفي الكلاب كلبة
стр. 665
حومل: فقال أبو دُلامة يصف بغلته:
أبعْد الخيْل أركبُها وراداً ... وشُقْراً في الرَّعيل إلى القتالِ
رُزقْتُ بُغيْلة فيها وكالٌ ... وخيْرُ خصالها فرْط الوكالِ
رأيت عُيُبها كثُرت وعالتْ ... ولو أفْنيْت مُجتهداً مقالي
تقوم فما تريمُ إذا اسْتحثَّتْ ... وترمحُ باليمين وبالشِّمالِ
стр. 666
رياضة جاهلٍ وعليج سوْءٍ ... من الأكراد أحْبن ذي سُعالِ
شتيم الوجْهِ هلْباجٍ هدانٍ ... نعوسٍ يوْم حلٍّ وارْتحالِ
فأدَّبها بأخلاقٍ سماجٍ ... جزاهُ الله شرّاً عنْ عيالي
فلمَّا هدَّني ونفى رُقادي ... وطال لذاك همِّي واشْتغالي
أتيْت بها الكُناسة مُستبيعاً ... أُفكِّرُ دائباً كيف احْتيالي
لعُهْدة سلعةٍ رُدَّتْ قديماً ... أطُمُّ بها على الدَّاء العُضالِ
فبيْنا فكْرتي في القوْم تسْري ... إذا ما سْمتُ أُرْخصُ أمْ أُغالي
أتاني خائبٌ حمقٌ شقيٌّ ... قديمٌ في الخسارة والضَّلالِ
وراوغني ليخْلو بي خداعاً ... ولا يدْري الشَّقيُّ بمنْ يُخالي
فقلتُ: بأربعين، فقال: أحْسنْ ... فإنّ البيع مرتخصٌ وغالِ
стр. 667
فلما ابتاعها منِّي وبُتَّتْ ... له في البيع غيْر المُسْتقالِ
أخذْت بثوبه وبرئْتُ ممَّا ... أعدُّ عليْك منْ شنعِ الخصالِ
برئْتُ إليك من مششٍ قديمٍ ... ومنْ جرذٍ وتخريقِ الجلالِ
ومنْ فرْطِ الحانِ ومنْ جماعٍ ... ومنْ ضعفِ الأسافلِ والأعالي
ومن عقد اللِّسانِ ومنْ بياضٍ ... بناظرها ومنْ حلِّ الحبالِ
وعُقَّالٍ يُلازمها شديدٍ ... ومنْ هدْمِ المعالفِ والرِّكالِ
ومنْ شدِّ العضاضِ ومنْ شبابٍ ... إذا ما همَّ صحْبُكَ بالزِّيالِ
تقطِّعُ جلْدها جرباً وحكّاً ... إذا هُزلتْ وفي غير الهُزالِ
وأقطفُ من دبيب الذَّرِّمشياً ... وتنْحط من مُتابعة السُّعالِ
стр. 668
وتكسر سرجها أبداً شماساً ... وتسْقُطُ في الوُحولِ وفي الرِّمالِ
ويُهزِلُها الجمامُ إذا خصبنا ... ويُدْيرُ ظهرها مسُّ الجلالِ
تظلُّ لركْبةٍ منها وقيذاً ... يُخافُ عليك منْ ورم الطِّحالِ
وتضْرطُ أرْبعين إذا وقفْنا ... على أهلِ المجالسِ للسُّؤال
فتُخْرسُ منطقي وتحولُ بيني ... وبين كلامهمْ ممَّا تُوالي
وقد أعيتْ سياستها المُكاري ... وبيطاراً يُعقِّلُ بالشِّكالِ
حرُونٌ حين ترْكبها لُحضْرٍ ... جمُوحٌ حين تعْزمُ للنِّزالِ
وذئْبٌ حين تُدنيها لسرْجٍ ... وليْثٌ عنْد خشْخشة المخالي
وفسْلٌ إنْ أردْت بها بُكوراً ... خذُولٌ عنْد حاجات الرِّحالِ
وألْفُ عصاً وسوْطٍ أصبحيٍّ ... ألذُّ لها من الشُّربِ الزُّلالِ
стр. 669
وتُصْعقُ منْ صُقاع الدِّيكِ شهْراً ... وتُذْعر للصَّفير وللْخيالِ
إذا اسْتعْجلْتها عثرتْ وبالتْ ... وقامتْ ساعةً عنْد المبالِ
ومثْفارٌ تُقدِّمُ كُلَّ سرْجٍ ... تُصيِّرُ دفَّتيْه على القذالِ
وتحفى في الوقوف إذا أقمْنا ... كما تحْفى البغالُ من الكلالِ
ولو جمَّعْت منْ هنَّا وهنَّا ... من الأتْبانِ أمْثالَ الجبالِ
فإنَّك لسْت عالفها ثلاثاً ... وعنْدك منْه عُودٌ للْخلالِ
وكانتْ قارحاً أيَّام كسرى ... وتذْكرُ تُبَّعاً قبل الفصالِ
وقدْ قرحتْ ولُقْمانٌ فطيمٌ ... وذو الأكتافِ في الحجج الخوالي
وقدْ أُبْلى بها قرْنٌ وقرْنٌ ... وأُخِّر يوْمُها لهلاك مالي
стр. 670
فأبِدلِني بها يا ربِّ بغلاً ... يزينُ جمالُ مرْكبه جمالي
كريماً حين يُنْسبُ والدهُ ... إلى كرمِ المناسبِ في البغالِ
أشعار أخرى في البغال
وأنشد إبراهيم بن داحة لأبي الوزير المعلِّم في ركوب البغال، لنخّاس الحجَّاج بن يوسُف، في كلمةٍ طويلة لم أحفظ منها إلاّ هذه الأبيات:
حَمدْت إلهي إذْ رأيْتُك مُغْرماً ... بكلِّ كثير العيبِ جمٍّ جرائمُهْ
على كُلِّ شحَّاجٍ يُضارعُ صوْتُهُ ... شحيج غُرابٍ فاحمُ اللَّون قاتمُه
يُفزَّعُ منْهُ كُلُّ غادٍ لطيَّةٍ ... ويهْرب منه في الرَّواحِ خُثارمُه
وما لك منه مرْفقٌ غيْر أنّهُ ... يُقرِّب أرحام الحُجُور تفاقمه
وأنَّك غلاَّبٌ لكُلِّ مُخاصمٍ ... تُجادلُهُ طوْراً وطوْراً تُلاطمُه
لفرْط عُيُوب البغل صرْت مُوقَّحاً ... فهمُّك خصْمٌ أو بذيٌّ تُشاتمُه
تكذِّبه في العيْب والعيْب ظاهرٌ ... ويعْلم كُلُّ النَّاس أنَّك ظالمُه
следующие страницы →