← Адаб

Адаб · id 10428

الرسائل للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (1 368 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

نُبِّئْتُ بغْلتك الَّتي أتْلدْتها ... لا تسْتقرُّ لديك ما لمْ تُسْفدِ تدْنو بمؤْخرها إليك إذا رأتْ ... أنْ قدْ علوْت لها جدار المذْودِ قالوا: ولما أخذ فتْيانٌ من فتيان بني كُليْبٍ الفرزدق، وأتوه بأتانٍ، وقالوا: والله لتنزُونَّ عليها، كما رميت بذلك عطيَّة بن الخطفي، أو لنقتلنَّك! قال: إن كان فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها إذا ناكها، حتى أنا لها! فضحكوا جميعاً من ظرْفه، وخلَّوْا سبيله. من قتلته البغال وممن قتلته البغال: زيد بن حُلْقٍ الرَّائض، وولد حُلْق معروفون عندنا بالبصرة. وممن قتلت البغال: محمد بن سعيد بن حازم المازنيّ، وعمرو بن هدّاب أحد عمومته، قتله بغلٌ بتُسْتر. ومات المهلَّب بن أبي صُفرة على ظهر دابته بالطَّالقان.

стр. 597

ومات إياس بن هُبيرة العبْشميّ صاحب الحمالة، على ظهر حمار. ولم يمتْ على ظهر حمارٍ كريمٌ. صرع البغال وكانت بغلة أعْين المتطبِّب تُصْرع، وكان أعين يُصرع، فصُر عامرَّةً معاً قُبالة دور بني السَّمْهري، فقام رجالٌ منهم فأدخلوه الدار، فنوَّموه على فراش، ووكَّلوا بالبغلة من أدخلها الإصطبل، فلمَّا أفاق وفتح عينيه أنكر موضعه، فقالوا: إنما أنت في دار بني السَّمْهريّ وهم اخوتك وأهلك. فقال: كيف أشكركم وأنتم أعدُّ وأيسر؟ ولكن أُعلِّمكم بعض ما لا غنى بكم عنه: إذا أتى أحدكم الغائط فليمتسح بشقق القصب، فإنّه إن كان هناك شيء من هذه الأورام حلقه واستأصله على الأيام، وإن لم يكن هناك شيء لم تعرض له هذه العلَّة ما دام يستعمل القصب. وإن خرجتْ على أحدٍ منكم بثْرة فلا يحكَّها، وإن دغْدغته ووجد فيها أُكالاً، فإنَّ ذلك الحكَّ ربّما أنفر ذلك المكان، وجذب إلى مكانه من الفساد ما يصير به بثرة، فإنْ حكّ البثرة فربما صارت خُراجاً. وقال لي كمْ شئت من أصحاب القصب والبواري: نحن لا تعترينا البواسير؛ لطول قعودنا على القصب والبواري.

стр. 598

ذكر الانتفاع بالبغال في البرد في الجاهليّة والإسلام، وتعرُّف حقائق الأخبار، وأنّها آلة من آلات السلطان عظيمة، ولا بدَّ للسلطان والملوك من تعرُّف الأخبار. قيل لشيخ ذي تجربة: ما أذهب مُلك بني مروان؟ قال: ما زال ملكهم قائما حتى عميتْ عليهم الأخبار. وذلك أن نصْر بن سيّار، كان صاحب خراسان، قبل خروج أبي مُسلم وقوَّة أمره، إلى أن قوي عليه حتى هرب منه. وذلك أنه، وإن كان والياً لأربعة خلفاء، فإنه كان مأموراً بمكاتبة صاحب العراق، وإن كان صاحب العراق لا يقدر على عزله، وقد كان يزيد بن عُمر يخاف أن يُولَّى مكانه نصر بن سيّار، أو مسْور بن عمرو بن عباد، فاحتال لمسْور، ولم تمكنه الحيلة في نصر، فكان إذا كتب

стр. 599

إليه بالرأي الذي يحسم به من أسباب قوّة المسوِّدة، كتب بذلك إلى يزيد، فكان يزيد لا يرفع خبره ولا يمدّه بالرجال، طمعاً في أن يُهزْم أو يُقتل، ونسى يزيد أن غلبة أبي مُسلم على خراسان، سببٌ لغلبته على الجبال، وإذا استحكم له ذلك، لم يكن له همّة إلا صاحب العراق. فلما طوى أخبار نصر، سدَّ وجه الرأي والتدبير على مروان، حتى كان الذي كان. قالوا: ولما بلغ المأمون اختلاطٌ من حال البريد، وجّه ثُمامة بن أشرس، ليتعرَّف له ذلك. فلما رجع إليه وسأله، قال: يا أمير المؤمنين، تركت بغلاً على مِعْلف كذا وكذا وهو يقرأ: " وما من دابَّةٍ في الأرض إلاَّ على الله رزْقها ". ومررت بسكّة أُخرى، فإذا بغلٌ قد عدا على رجل عليه طيْلسانٌ أخضر، يظنّه حُزْمة علف، فعدا الرجل وعدا خلفه البغل، فصحْت بالرجل: اطرح الطيلسان! فلما طرحه وقف البغل يشمّه. ومررت بسكَّة أخرى، وإذا على المعْلف بغلٌ، وإذا هو يغنِّي: ولقدْ أبيت على الطَّوى وأظلُّهُ ... حتَّى أنال به كريم المأكلِ

стр. 600

ما قيل في البريد وبغاله ومما قالوا في شأن البريد وأصحابه، قول ابن أبي أُميَّة: إنَّ ابن شاهك قدْ ولَّيته عملاً ... أضحى وحقَّك عنه وهو مشْغولُ بسكَّةٍ أحدثت ليستْ بشارعةٍ ... من دونها غيْضةٌ في وسطها غيلُ ترى فرانقها في الرَّكض مُنْدفعا ... تجْري خريطته والبغل مشْكولُ وقال دعْبلٌ في بعض رجال العسكر، ممن كان ولي البريد: ألا أبْلغا عنِّي الإمام رسالةً ... رسالة ناءٍ عنْ جنابك شاحطِ بأنَّ ابْنَ زيْدٍ حين يشحجُ شاحجٌ ... يُمرُّ على القرْطاس أقْلام غالطِ أحبَّ بغال البُرْدِ حُبّاً مُداخلاً ... يُكلِّفُه إثْباتها في الشَّرائط ولولا أمير المؤمنين لأصْبحتْ ... أُيٌورٌ بغال البُرْدِ حشْو الخرائطِ وقال دعْبلٌ أيضاً: من مُبْلغٌ عنِّي إمام الهُدى ... قافيةً للعرْضِ هتَّاكَةْ

стр. 601

لهذا جناحُ المُسْلمين الَّذي ... قدْ قصَّه بولْيك الحاكَةْ أضحتْ بغالُ البرْدِ منظومةً ... إلى ابن زيدٍ تحمل النَّاكَةْ وذكر الفرزدق في مرثية وكيع بن أبي سُود البُردَ، فقال: لتبْك وكيعاً خيْلٍ مُغيرةٌ ... تساقي المنايا بالرُّ ديْنيَّةِ السُّمْر لقوا مثْلهم فاسْتهزموهم بدعوةٍ ... دعوْها وكيعاً والجياد بهم تجري وبين الَّذي يدعو وكيعاً وبينه ... مسيرة شهْرٍ للمُقصَّصة البُتْرِ وقال ابن المُعذَّل في جاريةٍ لبعض ولد سعيد بن سلْم، وقد ولى البريد:

стр. 602

دهتْك بعلَّةِ الحْمَّامِ فوزٌ ... ومال بها الرَّسول إلى سعيدِ أرى أخبْار دارك عنك تخْفى ... فكيْف وليت أخبار البريد ولمّا فخّم ابن غسطة عظيم الروم شأن مُلكه، ثم قال للرسول: هل عندكم بعض ما تُعارضوني به؟ قال: نعم، لملكنا أربعون ألف بغل موقوفة على إبلاغ رسائله وأخباره، من واسطة مُلكه إلى أقطار سلطانه. فأفحمه. يعني بغال البريد. قال هذا وحال البُرُد على غير هذه الحال، ولم يعرفوا توجيه الخرائط في الماء، وعلى أيدي الرجال. وابن غسطة هو الذي ذكره سلْم الخاسر في قصيدته التي مدح فيها الرَّشيد، قال:

стр. 603

منع ابن غسطة رأْسَهُ بخراجه ... ولقد يكون وما عليه خراجُ قالوا: ولمّا رأى نصرٌ أنّ يزيد بن عُمر يُميت أخباره، ليموت ذكره عند الخليفة كتب إليه: أبلغ يزيد وخيْرُ القوْل أصدقه ... وقد علمت بأنْ لا خيْر في الكذبِ

стр. 604

وكنب إليه: أرى تحت الرَّماد وميض نارٍ ... فيوشك أنْ يكون لها ضرامُ فإنّ النَّار بالعُوديْن تُذْكى ... وإنَّ الحرب أوَّلها الكلامُ فقلتُ تعجُّباً: يا ليت شعْري ... أأيقاظٌ أُميَّةُ أمْ نيامُ حدثني عليّ بن المديني، قال: كان يزيد بن زُريْع إذا سمع

стр. 605

أصحاب الحديث يخوضون في أبي حنيفة، وفي كيف عظُم شأنه بعد خموله، قال: هيهات! طارت بفتياه البغال الشُّهْب!. قالوا: ووجَّه معاوية لما كلّموه في يزيد بن ربيعة بن مفرِّغ رجلا مجرَّداً، لإخراجه من السجن، فخرج حتى أتى سجسْتان فأخرجه، فبلغ ذلك عبَّاد بن زياد، فأرسل إلى حمْحام، فلما رأى عهد معاوية كفَّ، وأقبل حمْحام بابن مفرِّغ على بغلةٍ من بغال البريد، وأنشأ ابن مفرِّغ يقول:

стр. 606

عدَسْ ما لعبَّادٍ عليْك إمارةٌ ... نجوْت وهذا تحمْلين طليقُ طليقُ الَّذي نجَّى من الكرْبِ بعد ما ... تلاحم في درْبٍ عليك مضيقُ قولهم للبغلة عدس قوله: " عدس ما لعبّاد عليك إمارة "، فزعم ناس أن " عدس " اسم لكلّ بغلة كمن، وذهبوا إلى قول الشاعر: إذا حملت بزَّتي على عدسْ ... على التي بين الحمار والفرسْ فما أُبالي من غزا ومن جلسْ قالوا: وإنما قوله " عدس " على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية، وقال: " والله ما منهم إلاّ ناسجُ بُرد، أو سائس قرد، أو دابغ جلد، أو راكبُ عرد، غرَّقتْهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودلَّ عليهم هُدْهُد "..

стр. 607

وقال آخرون: قولهم: " عدس " للبغلة مثل قولهم: " سأسأ " للحمار، و " حا " للجمل، و " حل " للناقة. ألا تراه حين سخر الأعرابيّ من صاحبه، وحين جهَّله قال: يقول للنَّاقة قولاً للجمل ... يقول حا ثمَّ يثنِّيه بحلْ قالوا: إلا ترون أن الفرزدق لما خلع لجام بغلته، وأشرعها في ثغاب مسجد بني أُسيِّد، قال له جرنْفشٌ المجنون: نحِّ بغلتك، جدَّ الله ساقيْك! قال الفرزدق: ولم عافاك الله؟ قال: لأنك زاني الكمرة،

стр. 608

كذوب اللسان. فلما سمع ذلك منه ركب بغلته، وقال: عدس، كما يقال للفرس " اجدم "، وللثور: " وحْ ". أشعار في البريد وقد ذكر امرؤ القيس البريد، فقال: ونادمت قيْصر في ملكه ... فأوْجهني وركبْت البريدا إذا ما ازْدحمنا على سكَّةٍ ... سبقت الفرانق سبْقاً بعيدا ومما قالوا في البريد، قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك: طال ليْلي وبتُّ أُسْقى المداما ... إذْ أتاني البريدُ ينعي هشاما

стр. 609

وأتاني بحُلَّةٍ وقضيبٍ ... وأتاني بخاتمٍ ثمَّ قاما وذكر البريد الكُميْت في مديح أسماء بن خارجة، فقال: إذا ما مات أسماء بن حصنٍ ... فلا مطرتْ على الأرض السَّماءُ ولا قام البريد بغنم جيشٍ ... ولا حملتْ على الطُّهر النِّساءُ فيومٌ منْك خيرٌمن رجالٍ ... يروح عليهم نعمٌ وشاءُ

стр. 610

وقال أيمن بن خُريمٍ الأسديّ: ركبت من المقطَّم في جمادى ... إلى بشرِ بن مروان البريدا فلو أعطاك بشرٌ ألف ألفٍ ... رأى حقَّاً عليه أنْ يزيدا وقال آخر: إذا ما بريد الشام أقبل نحونا ... ببعض دواهي الدهر سار فأسرعا فإن كان شرّاً سار يوماً وليلة ... وإن كان خيراً قصد السير أربعا

стр. 611

رؤيا البغال وتأويلها سمعت أبا شعبة الأعمى المعبر، ونحن بالنهروان، سنة قدم الحسن بن سهل، وهو يقول لمويس بن عمران: اذكر لإخوانك هؤلاء رؤياك، وتعبيري لها. قال: نعم، قلتُ لك: رأيت فيما يرى النائم كأنِّي على بغل بريدٍ، فقلت لي: تحمُّ يومين وثُلُثي يوم، فكان كما قلت؛ فسألتك عن العلّة، فقلت: لأن تشريف ذنب البغلة تشريفتان وثلثا تشريفة. وقال الأصمعيّ: أرسل الحجّاج إلى الجرْميّ المعبِّر، يسأله عن رجل رأى كأنّه على بغلة، وكأنّه على شرف، وكأنه يستفُّ تُراباً، فقال له: أما البغل فطول عُمُر، وأما الشرف فشرفٌ من شرف الدنيا، وأما التُّرابُ ففيْءٌ تأْكله. وقالوا: وسأل بعض المصريِّين الفرّاء المعبّر، فقال: رأيت كأنّ معي درهماً بغلْيّاً. قال: لست تمُسي حتى تأكل شيئاً طيّباً. فكان كذلك.

стр. 612

ثم أتاه بعد أيّام، فقال: رأيت فيما يرى النائم كأنَّ معي درهماً بخيّاً. قال: لست تُمسي حتى تُضرب ضرباً وجيعاً! فكان كذلك. فسأله عن العلّة، فقال: الدرهم البغليّ مكتوب عليه بالفارسيّة: " خُشْ بخُرْ " ترجمة

стр. 613

هذه الكلمة: " كلْ طيِّباً ". والدَّرهم البخيّ مكتوب عليه: " ضُرب هذا الدرهم ". وهما مختلفان. وأنشد الحكم بن عبْدلٍ أسماء بن خارجة شعراً ذكر فيه أنه رآه في المنام، فقال: أغْفَيْتُ قبْل الصُّبح نوم مُسهَّدٍ ... في ساعةٍ ما كُنت قبلُ أنامُها فرأيت أنَّك رُعتني بوليدةٍ ... مغنوجةٍ حسنٍ عليَّ قيامُها وببدْرةٍ حُملتْ إليَّ وبغلةٍ ... شهباء ناجيةٍ يصلُّ لجامُها فدعوت ربيِّ أنْ يثيبك جنَّةً ... عوضاً يُصيبك برْدها وسلامُها قال أسماء: كلّ ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت، إلاّ البغلة فإنَّها دهماء! قال: أعتق ما أملك إن كان رآها إلاّ دهماء، ولكنّه غلط.

стр. 614

استطراد لغوي يتعلق بالبغال ومما اشتقَّ من اسم البغل: " الدرهم البغليّ ". وفي بني تغْلب " رأس البغل " وهو رئيس من رؤسائهم، وهو الذي كان إبراهيم بن هانئ الخليع نُسب إليه. وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقَّبوه: " رأس البغل ". والبغلات: جوارٍ من رقيق مصر، نتاج ما بين الصَّقالبة وجنس آخر، والواحدة منهنَّ يقال لها: " البغلة "، ولهنَّ أبدان ووثارة وحدارة.

стр. 615

معنى البغلة عند المصريين ويُروى عن بعض العراقيِّين، قال: كنت عند قاضي مصر، وهو يقول لبعض جُلسائه: عندي جارية أطؤُها منذ حين، وقد اعتراني شبق، وأنا على أن أشتري بغلة. قلت: وما تصنع ببغلة؟ قال: أطؤها، وأُصيبُ منها. فقلت في نفسي: هذا أمْجن الناس وأحمقهم، يتكلم بهذا وهو قاضٍ؟! ثم حكيت ذلك عند رجل من أهل مصر، فقال: عافاك الله، ما منّا من أحدٍ إلاّ وعنده بغلات ينيكهنّ! فتعجَّبت، فلما رأى إنكاري ذلك، فسَّر لي معنى البغلة عندهم. ما قيل من الأمثال في البغال قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا: " ما هي إلاّّ بغلة "، وما رأْس فلان إلاَّ رأس بغل، وما أيره إلاَّ أير بغل، وما خُلُقه إلاَّ من أخلاق البغال. بعض ما أضيف إلى الرأس والمثل السائر: " كأنه جاء برأس خاقان "، " ورأس الجالوت "، "

стр. 616

ورأس الفاعوس "، " ورأس الكتيبة والقبيلة ". فلذلك قال عمرو بن كُلثوم: برأْسٍ منْ بني جشم بن بكرٍ ... ندُقُّ به السُّهُولة والحزُونا وقال أبو المهوِّش الأسديّ: تراه يطوِّف الآفاق حرْصاً ... ليأكل رأس لقْمان بن عادِ ورأس بن أبي الرأس القائد، مشهورٌ معروف. ويقولون: " هذا على رأس الثُّمام ".

стр. 617

وبالشَّام موضع يقال له: " بيت رأسٍ " تباع فيه الخمر؛ ولذلك قال الشاعر: مُجاجة كرمةٍ من بيت رأْسِ وبيت رأس بالشام مثل....أبيات، وبيت لهيْا. ويقال: فلان رأس من الرءوس. والرأس: رئيس السُّوَّاس. التبغيل ومن سير الإبل سيرٌ يُسمَّى: " التبغيل "، قال الراعي: وإذا ترقَّصت المفاوز غادرت ... ربذاً يبغِّل خلْفها تبغيلا

стр. 618

والبغيْلة: اسم ناقةٍ كانت لجميل بن معْمر، ولذلك قال: أضرَّ بأخْفافِ البغيْلة أنَّها ... حذار ابن ربْعيّ بهنَّ تحومُ ولذلك قال الرَّقاشيّ في صفة ناقةٍ له تسمّى " سرْوة ": لعمْرك ما البغيْلة حين تغْدو ... وصيْدح حين تسْرح في الرِّحابِ كسرْوة حين تذْرع عرْض خرْقٍ ... بعيدِ الآل مُشتبه الظِّرابِ

стр. 619

مما قالوا في البريد، قال رجل من الأنصار عند ولاية عُمر بن عبد العزيز، ﵁: ثمَّ جاء البريدُ يُخْبرُ أنَّ القوم طرّاً لم يُحرموا التوْفيقا من سكونٍ وأُلْفةٍ واجتماعٍ ... لم يفارقْ منهم فريقٌ فريقا قلَّدوا الأمر سيِّد النَّاس كلِّ النَّاسِ نفساً وأُسرةً وعروقا من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جدُّهُ الفاروقا وقال ابن أُذينة اللَّيثيّ:

стр. 620

أتانا البريد التَّغلبيُّ فراعنا ... له خبرٌ شفَّ الفؤاد فأنعما بموت أبي حفصٍ فلا آب راكبٌ ... بموت أبي حفصٍ أخبَّ وأرْسما وذكر يزيد بن معاوية البريد، فقال: جاء البريدُ بقرْطاسٍ يخُبُّ به ... فأوْجس القلبُ من قرْطاسه فزعا قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قالوا: الخليفةُ أمسى مُدنفاً وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأنَّ أغبر من أركانها انقلعا

стр. 621

ضروب من البغال وقد كان أيضاً بالكوفة نتاجٌ بين الخُراسانية والهنديّات، وكان أملح وأحسن قدوداً من البغلات اللواتي بمصر؛ وكانت ألوانهنّ تجيء ذهبيّة، لها حلاوة الهندية، وروعة الخراسانية. جواري الكوفة والبصرة وكذلك مُطهِّمات جواري الكوفة، زُرقاً تجدهنَّ، إلاّ الواحدة بعد الواحدة، وإنَّما الثمينات المرتفعات، والغوالي الخطيرات بصريّاتٌ، مثل عجوز عُمير، ومتيَّم، وبذل، وعريب،

стр. 622

وبذْل: جارية المراكبيّ، وشارية: جارية إبراهيم بن المهْدي، وزرْياب الكبْرى، وعساليج: جارية الأحدب، وفضْل:

стр. 623

جارية العبديّ. وقبل هذا سلسل وأشباه سلسل. أخبار في البريد وبُرُد كُتب الملوك كانت ما بين فرْغانة القُصْيا إلى السُّوس الأقصى، وكانت البُرُد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قُتل مسروقٌ عظيم الحبشة. وكذلك كان عظيم الروم. قال امرؤ القيس:

стр. 624

ونادمت قيصر في ملكه ... فأوْجهني وركبْت البريدا إذا ما ازدحمنا على سكَّةٍ ... سبقت الفرانق سبقاً بعيدا وكذلك كانت بُرُد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه. وكذلك كانت بُرُده إلى البحريْن: إلى المُكعبر مرزبان الزَّارة، وإلى مشكاب، وإلى المُنْذر بن ساوى، وكذلك كانت بُرده إلى عُمان، إلى الجُلندي

стр. 625

ابن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببُرُده، إلاّ ما كان من ناحية الشام؛ فإنَّ تلك الناحية من مملكة خثعم وغسَّان إلى الروم، إلاّ أيّام غلبت فارس على الروم. ولذلك صرنا نرى النواويس بالشَّامات إلى قُسطنطينية. وهل كانت بُرُد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز بن الدَّيْلميّ، وإلى اليمن، وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النُّعمان بالحيرة، إلاّ البغال؟ وهل وجدوا شيئاً لذلك أصلح منها؟

стр. 626

ما قيل من الشعر في البغال ومما ذكروا به شأن البغال في الشعر وغيره، قول الشاعر: جعل ابن حزْمٍ حاجبين لبابه ... سبحان من جعل ابن حزْمٍ يُحجبُ وعجبت أنْ ركب ابن حزْمٍ بغلةٍ ... وركوبه فوق المنابر أعجبُ وقال أعشى همدان، في خالد بن عتَّاب بن ورقاء وكنية خالد أبو سليمان، اكتنى بكنية خالد بن الوليد، فقال:

стр. 627

تُمنِّيني إمارتها تميمٌ ... وما أمِّي بأمِّ بني تميمِ وكان أبو سليمانٍ خليلي ... ولكنَّ الشِّراك من الأديمِ أتينا أصْبهان فهزَّلتنا ... وكُنَّا قبل ذلك في نعيمِ أتذكرنا ومرَّة إذْ غزونا ... وأنت على بُغيْلك ذي الوشومِ ويركب رأسه في كلِّ وهْدٍ ... ويعثُرُ في الطَّريق المستقيمِ وليس عليك إلاَّ طيلسانٌ ... نصيبيٌّ وإلاَّ سحقُ نيمِ

стр. 628

بغلة عكرمة وكان عكرمة بن ربعيّ التَّيمي، الذي يقال له " الفيّاض "، يُعجب ببغلة عنده، وكان على شُرط الحجَّاج، وكان لا يأتي الحجَّاج في موكبا مع الأشراط والوجوه إلاّ عليها، وفيها يقول عكرمة: لمْ أرَ شيْئاً بين شيْئين مثْله ... أشدَّ انتزاعاً للتَّشابه في الأصْلِ تقسَّمه أطرافُهُ فاستزالها ... بقسمة عدلٍ من يدي حكمٍ عدلِ وأنشد أبو زيدٍ النحوي: فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صُلُوحُ

стр. 629

شبه البغل بوالديه وقال أصحاب البغال: لا نعلم شيئاً من الحيوان رُكِّب بين شيئين نزع إليهما نزعاً سواءً لا يغادر شيئاً غير البغل، فإنّ شبه أبويهْ عليه بقسمة عدْل، وقد ذكر ذلك محمد بن يسير في شعره الذي طلب فيه من مُويس بن عمران بغلةً لرحلةٍ، فقال: اضمم عليَّ مآربا قد أصْبحت ... شتَّى بداد شتيتة الأوطانِ بزفوف ساعات الكلال دليقةٍ ... سفواء أبدع خلْقها أبوانِ لمْ يعتدل في المنصبين كلاهما ... عند التَّناسب منهما الجنْسانِ إلاَّ تكن لأبٍ أغرَّ فإنَّها ... تنْمي إلى خالٍ أغرَّ هجانِ

стр. 630

نزعتْ عن الخيْل العتاق نجاءها ... منها، وعتق سوالفٍ ولبانِ ولها من الأعيار عند مسيرها ... جدٌّ وطول صبارةٍ ومرانِ قال ذلك لأن حافر العير أوْقح الحوافر، فأعطاه أبوه من الخصْلة التي بان بها من سائر الحوافر. الخلق المركب قالوا: وليس في جميع الخلق المركَّب مثل الراعبيّ، الذي هو من نتاج ما بين الورشان والحمام: لم يأخذ من هداية أُمّه شيئاً، ولم يُعْطه أبوه من طول عمره شيئاً. ومن المركَّب: السِّمْع، والعسبار. وكما تحكي الفلاسفة والمجرِّبون عن الكوْسج، واللُّخْم.

стр. 631

والدَّجاج الخلاسيّ، من بين النَّبطيّ والهنْدي. وإذا كان مثل ذلك بين البيضاء والحبشيّ فهو خلاسيّ، فإذا كان بين البيضاء والسِّنْدي فهو بيْسريٌّ. وكذلك الخلاسيُّ من الكلاب الذي بين الكرْديّ وبين السَّلُوقيّ. ومثل الجمَّازات التي تجيء بين فوالج البُخْت وقلاص العراب، ومثل البرْذون الشِّهريّ من الرَّمكة والفرس العتيق. قالوا: فليس يعتدل في شيءٍ من ذلك الشَّبه، كما يعتدل في البغل. ولذلك قال الشاعر السَّوّاق، وهو إبراهيم مولى المهالبة: تساهم فيه الخالُ والعمُّ مثلما ... تساهم في البغل الحمارة والطِّرْفُ فزعم في هذا الشعر أنّ هذا البغل أبوه فرس، وأُمّه أتانٌ. وهذا خلاف ما رواه أبو عُبيْدة. وأنشد أبو عبيدة:

стр. 632

وشاركها في خيمها وهو راغمٌ ... كما شاركتْ في البغل عيْراً حجُورها لأنهم يقولون: إذا كانت الأم رمكةً، خرج البغل وثيجاً قوياً عريضاً، وإذا كانت الأم حجْراً خرج البغل مُسلَّكاً، طويل العنق، وفيه دقَّة. وذكر عن بعض الناس أنّه شتم بعض الأشراف، فقال: " عجبتُ لقوم إذا قيل لهم: من أبوكم؟ قالوا: أُمُّنا فرس ". رجع إلى ذكر بغلة عكرمة ثم رجع القول بنا إلى ذكر بغلة عكرمة بن ربْعيّ. قالوا: فلما ألحَّ عكْرمة في ركوب ذلك البغل إلى باب الحجَّاج، كتب إليه بعض بني عمِّه، يردُّ عليه امتداحه البغل باستواء الشَّبه فيه، ويُخوِّفه بالحجَّاج إن ارتفع إليه في الخبر أنَّ صاحب أشراطه يأتي بابه في فُرسان أهل العراق والشام ووجوههم، على بغل. وقال في كلمةٍ له: فكيْف بغرْمولٍ وعُمْرٍ سوى الَّذي ... يكون لعيْر الأهل والفرس الفحلِ

стр. 633

ورأْسٍ يجوزُ الخالَ والعمَّ بعد ما ... تحوَّل شحَّاجاً خلافاً على الأصلِ وليس شحيج البغل من عزف ناهقٍ ... وقد باعد الله الشَّحيج من الصَّهْلِ متى كان ذو الأشراطِ يركب بغلةً ... ويترك طرْفاً ذا تمامٍ وذا نُبْلِ عذيري من الحجَّاج إنْ ذاكرٌ نعى ... عليك رُكوب البغل في ساعة الحفلِ فما لك تجْتاب الهُويْني مُهمْلجاً ... إلى باب حجَّاجٍ على المرْكبِ الرَّذْلِ أُعيذُك بالرَّحمن من زيِّ تاجرٍ ... شقيٍّ لئيم الكسْبِ ذي خُلُقٍ نذْلِ بغيضٍ إلى جاراتهِ وبناتهِ ... وعرْسٍ له عرْجاء بارزةِ الرَّحلِ إذا زارهُ منهم شقيٌّ لحاجةٍ ... توثَّق من باب الخزانة والقفْلِ

стр. 634

وأنْت امرؤٌ تندى بنانك باللُّهى ... إذا ساء ظنُّ النَّاس في الزَّمن المحْلِ بقيَّة أشياخٍ كسوْك ثيابهم ... وأنت وليُّ القومِ في البأسِ والبذْلِ صفة البغال في الشعر ولمّا قال الحكم بن قنْبر في قصيدته في البغل، وفيما يصلح له، ويُرْتفق به منه، وفيها يقول: وفي الرِّداغ، فإنَّ الوحل مزْلقةٌ ... وفي الطَّحين، وفي الحاجات، والرِّحلِ وقال مُسلم بن الوليد الأنصاري والحكم بن قنبر مازنيّ، وكان الحكم قد عظُم شأنه في بني تميم، حتى كان يصلِّي على جنائزهم، فلما لجَّ في رأي الشُّعوبيَّة، وقال في ذلك الأشعار، ضربته بنو مازنٍ، وهم مواليه، فلما ألحُّوا عليه في الضرب، نادى: يا آل تميم! فقال أعرابيّ: يدعُو تميماً، وتميمٌ تضربُهْ ... تلطُمهُ طوراً، وطوراً تركبْهْ

стр. 635

وقال مُسلم بن الوليد: تركْت صفاتِ الخيلِ والخيلُ معقلٌ ... وأصبحت في وصف البغال الكوادنِ حننْتَ إليْها رغْبةً في أُيورها ... فدونك أير البغل يا عبْد مازنِ وبغلته ودابتَّه، قال بعض الشُّعراء يُخاطب دابتَّه: فهبيها ليْلةً أدْلجتْها ... فكلي إن شئت تبناً أو ذري قد أتى مولاك خُبزٌ يابسٌ ... فتغذَّى وتعزَّى واصْبري
следующие страницы →