Полный текст (1 094 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين … وبعد
تعنى الأمم بدراسة تواريخها سياسيا وحضاريا، كما تعنى بدراسة تاريخ عظمائها وذوي الرأي فيها ممن لهم تأثير في تطوير المجتمع ورقيه.
ولعل أمة من الأمم لم تبلغ عنايتها بالتاريخ ما بلغت الأمة الإسلامية، ولقد تجلى ذلك في أمرين:
الأول: في الشروط التي لا بد منها في توثيق الرواية، وقبول الأخبار، والتي كان لعلماء الحديث القدح المعلى في ضبط أصولها وتحديد قواعدها.
الثاني: في الإتجاهات التاريخية المتخصصة، والتي يقصر فيها كل مؤرخ جهده على إتجاه بعينه إستيعابا لمادته وجمعا للأشباه والنظائر، حتى تتكامل الصور التي يفيد منها في دراسته دون تشتيت للجهد، أو تضييع للوقت، تمييزا له عن غيره من المؤرخين.
ومن هنا تعددت أشكال البحث التاريخي عند مؤرخي الإسلام، كما تعددت مجالاته وعصوره، وكان التاريخ - بمعناه الكلي - الذي ينتظم كل نشاط إنساني مؤثر في حركة التاريخ مناط بحث دائم ومستمر، وبصور مختلفة في فكر مؤرخي الإسلام.
ولقد بدأ اشتغال مؤرخي الإسلام بكتابة سيرة الرسول، ﷺ ، ومغازيه، وحولها تفجرت أفكارهم، فتناولها من كل جوانبها منذ منتصف القرن الثاني الهجري، وكان أول كتاب جامع لسيرة الرسول ﷺ هو كتاب «المبتدأ
стр. 2
والمبعث والمغازي» المسمى ب «سيرة محمد بن إسحاق» (١).
ثم جاء عبد الملك بن هشام، فهذب «سيرة ابن إسحاق» في كتابه السيرة النبوية، المعروفة ب «سيرة ابن هشام» (٢).
ثم عكف العلماء على «سيرة ابن هشام» بالشرح، أو الإختصار، أو النظم شعرا.
وما زال العلماء يكتبون في سيرة الرسول ﷺ وقد أضحى هذا الإتجاه شغل كثير من مفكري الإسلام.
ومن الإتجاهات في الكتابة التأريخية:
«التأريخ للمدن وخططها»:
فقد شهد النصف الثاني من القرن الثالث الهجري تطورات هامة في الحياة السياسية للدولة العباسية، وكان أبرز هذه التطورات، استقلال بعض العمال بالأقاليم التي تحت أيديهم، فصارت إمارات ودويلات مستقلة (٣)،
_________
(١) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو عبد الله المطلبي، كان حافظا اخباريا نسابة، وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه، (ت ١٥١ هـ)، وهو صاحب السيرة النبوية.
انظر: ابن قتيبة: المعارف، ص ٤٩١ - ٤٩٢، الخطيب: تاريخ بغداد ١/ ٢١٤، ابن حجر: تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨ - ٤٦.
وقام الدكتور: سهيل زكار بجمع قطعة من سيرة ابن إسحاق وحققها باسم «السير والمغازي» طبعة دار الفكر، بيروت ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
(٢) عبد الملك بن هشام، أبو محمد الحميري المعافري، كان أديبا إخباريا ونسابة، جمع سيرة ابن إسحاق وهذبها، فصارت تنسب إليه، (ت ٢١٨ هـ).
انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٠/ ٢٦٧، السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٥٢١.
وكتاب ابن هشام طبع أكثر من مرة تحت عنوان: «سيرة ابن هشام»، وقد إعتمدت على طبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م.
(٣) ومن هذه الدويلات والإمارات المستقلة:
стр. 3
فتأثرت إتجاهات الكتابة التأريخية بهذا التفرق السياسي، فتعددت بذلك مراكز الثقافة الإسلامية، وتنافست فيما بينها، فكثر العلماء في الأمصار الإسلامية وترتب على ذلك ظهور «التواريخ المحلية للأمصار والمدن الإسلامية وخططها»، ومما هو جدير بالذكر أن هذا النوع من الكتابة التأريخية - التأريخ للمدن وخططها - انفرد به المؤرخون في ديار الإسلام عن غيرهم من الأمم المعاصرة لهم.
والتأريخ المحلي هو وليد الشعور بالإنتماء وتعبير صادق عن ارتباط المؤرخ بوطنه ومدينته واعتزازه بهما.
وقد اشتغل بعض المؤرخين المسلمين بالتأريخ للمدن الإسلامية وخططها، وأخذت كتابتهم صورا متعددة من صور المعالجة التأريخية، وإذا كان التأريخ لبعض المدن جاء عرضا في كتب السيرة، إلا أنه لم يحظ بوقفات طويلة يروي ظمأ، أو يشفي غلة، اللهم إلا ما كان يتصل بمدينة رسول الله ﷺ أو بمكة المكرمة، أو القدس الشريف، وهو ما يعرف ب «التأريخ للمدن المقدسة».
_________
(٣) الدولة الطاهرية: على يد طاهر بن الحسين في خراسان سنة (٢٠٥ - ٢٥٩ هـ)، والدولة الصفارية: على يد يعقوب بن الليث بن الصفار في سجستان سنة (٢٥٤ - ٢٩٠ هـ)، والدولة السامانية: على يد أحمد بن أسد بن سامان في بلاد ما وراء النهر سنة (٢٦٦ - ٣٨٩ هـ)، والدولة الطولونية: على يد أحمد بن طولون في مصر سنة (٢٥٤ - ٢٩٢ هـ)، ثم الإخشيدية: على يد محمد بن طغج الإخشيد سنة (٣٢٣ - ٣٥٨ هـ).
وعن ظهور الدويلات والإمارات المستقلة عن الخلافة العباسية، والعوامل التي أدت إلى هذه الظاهرة. انظر: الطبري: تاريخ الرسل، حوليات قيام هذه الدول، جزء ٧،٨، ابن الجوزي: المنتظم، حوليات قيام هذه الدول، جزء ١٢،١٣، حسين محمد سليمان: الدولة الإسلامية في العصر العباسي ص ١٣٨، حسن محمود: مصر في عهد الطولونيين ص ٣ - ٤، محمود شاكر: التاريخ الاسلامي - الدولة العباسية ص ٢١ - ٢٢، فاروق عمر: الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية ص ٢١١ - ٢٣٣، عصام الدين عبد الرؤف: الدولة الإسلامية المستقلة في الشرق ص ١٣ - ٣٠، محمد الخطيب: تاريخ الدويلات الإسلامية ص ١٧٦ - ٣٧٥.
стр. 4
نشأ تاريخ المدن في نهاية القرن الثاني الهجري على يد محمد بن الحسن بن زبالة في كتابه «تاريخ المدينة» (١) بيد أن هذا الكتاب مفقود، ولم نعرف عنه إلا ما رواه المؤرخون الذين جاءوا من بعده ونقلوه عنه، وقد أفرد ما نقله المؤرخون عنه المستشرق «فستنفيلد» منذ قرن من الزمان تقريبا في كتاب سماه «تاريخ المدينة لابن زبالة» (٢).
ثم كان القرن الثالث الهجري حيث تبلور تأريخ المدن، وظهر فيه أول كتاب عن تاريخ المدن وصلنا وبين أيدينا الآن، وهو كتاب «أخبار مكة» لأبي الوليد الأزرقي (٣).
وقد حظى فن تأريخ المدن بكثير من عناية المؤرخين منذ هذا القرن - الثالث الهجري - وما تلاه، فظهرت مصنفات كثيرة في تواريخ المدن وخططها من أبرزها:
* «فتوح مصر» عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، أبو القاسم المصري، مؤرخ وفقيه من أهل مصر، توفي في سنة سبع وخمسين ومائتين (٤)، ومن مؤلفاته كتاب «فتوح مصر وأخبارها» طبع بمصر ١٩٦٧ م.
_________
(١) محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي، إخباري من أصحاب مالك بن أنس، متروك الحديث، مات بعد سنة (١٩٩ هـ)، ومن آثاره «أخبار المدينة» لم يصل إلينا. انظر: ابن النديم: الفهرست ص ١٥٨، ابن حجر: تهذيب التهذيب ٩/ ١١٥، كحالة: معجم المؤلفين ٩/ ١٩١.
(٢) انظر: مقدمة كتاب «تاريخ المدينة المنورة» لابن شبة /١ ل.
(٣) محمد بن عبد الله، أبو الوليد الأزرقي، مؤرخ من أهل مكة، يماني الأصل، من تصانيفه كتاب «أخبار مكة»، (ت ٢٤٤ هـ) وقيل في (٢٥٠ هـ).
انظر: ابن النديم: الفهرست ص ١٦٢، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٢/ ٤٩ - ٥٠، وقد طبع كتاب الأزرقي في بيروت ١٣٩٩ هـ١٩٧٩/ م.
(٤) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٤٤٦.
стр. 5
* «تاريخ المدينة المنورة» عمر بن شبة، أبو زيد النميري البصري، كان محدثا ومؤرخا ثقة، توفى سنة اثنتين وستين ومائتين (١). ومن مؤلفاته كتاب «تاريخ المدينة المنورة» طبع في مدينة جدة ١٤٠٢ هـ.
* «كتاب بغداد» أحمد بن طاهر، أبو الفضل طيفور، كان أحد البلغاء والشعراء الرواة، مات في سنة ثمانين ومائتين (٢). ومن مؤلفاته كتاب «بغداد» طبع في مكتبة المثنى بغداد ١٣٨٨ هـ١٩٦٨/ م.
* «أخبار مكة» محمد بن إسحاق الفاكهي، مؤرخ من أهل مكة، مات في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وقيل في سنة تسع وسبعين ومائتين تقريبا (٣).
ومن مؤلفاته كتاب «أخبار مكة» طبع بمكة المكرمة ١٤٠٧ هـ١٩٨٦/ م.
* «فضائل المدينة» المفضل بن محمد، أبو سعيد الجندي، مؤرخ يماني الأصل، مات بمكة في سنة ثمان وثلثمائة (٤). ومن مؤلفاته كتاب «فضائل المدينة» طبع بدمشق ١٤٠٥ هـ١٩٨٥/ م.
* «تاريخ بغداد» أحمد بن علي، أبو بكر الخطيب البغدادي، كان مؤرخا ومحدثا ثقة، مات في سنة ثلاث وستين وأربعمائة (٥). ومن مؤلفاته كتاب «تاريخ بغداد» طبع دار الكتاب العربي - بيروت، عن طبعة الخانجي بالقاهرة.
_________
(١) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ١١/ ٢٠٨ - ٢١٠، ابن الجوزي: المنتظم ١٢/ ١٨٤، ياقوت: معجم الأدباء ١٦/ ٦٠، ابن العماد: شذرات الذهب ٢/ ١٤٦.
(٢) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٤/ ٢١١ - ٢١٢، ياقوت: معجم الأدباء ٣/ ٨٧ - ٩٧.
(٣) انظر: مقدمة كتاب أخبار مكة للفاكهي ١/ ٣٢، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ١/ ٤١٠ - ٤١١.
(٤) انظر: ابن حجر: لسان الميزان ٦/ ٨١، ابن العماد: شذرات الذهب ٢/ ٢٥٣.
(٥) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٦/ ١٢٨ - ١٣٥، ياقوت: معجم الأدباء ١/ ٢٤٨،٤/ ١٣ - ٤٥، ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ٣١١.
стр. 6
* «تاريخ دمشق» علي بن الحسن الشافعي، أبو القاسم المعروف بابن عساكر، الدمشقي، كان مؤرخا حافظا، مات في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة (١). ومن مؤلفاته كتاب «تاريخ دمشق» مطبعة روضة الشام ١٣٢٩ - ١٣٣٢ هـ.
* «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» محمد بن محمود محب الدين ابن النجار، محدث العراق، توفي في سنة ثلاث وأربعين وستمائة (٢). ومن مؤلفاته كتاب «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» طبع ملحقا بكتاب شفاء الغرام، طبعة الحلبي بالقاهرة ١٩٥٦ م.
* «التعريف بما أنست دار الهجرة» محمد بن أحمد المدني، أبو عبد الله جمال الدين المطري، كان عالما بالحديث والفقه والتاريخ، مات بالمدينة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة (٣). ومن مؤلفاته كتاب «التعريف بما أنست دار الهجرة» وقام بنشره أسعد درابزوني الحسيني ١٣٧٢ هـ.
* «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» عفيف الدين عبد الله بن عبد الملك المرجاني، المتوفى بعد سنة سبعين وسبعمائة. «وهو موضوع التحقيق».
ويستمر تيار التأريخ للمدن منطلقا عبر القرون، ومن هذه الكتب في تاريخ المدينة المنورة بعد عصر المرجاني:
_________
(١) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥، ابن العماد: شذرات الذهب ٤/ ٢٣٩.
(٢) انظر: ياقوت: معجم الأدباء ١٩/ ٤٩ - ٥١، الذهبي: سير أعلام ٢٣/ ١٣١ - ١٥٤، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٢٦.
(٣) انظر: ابن حجر: الدرر الكامنة ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤، السخاوي: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة ٢/ ٤١٣ - ٤١٥.
стр. 7
* «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» أبو بكر بن الحسين المراغي، مؤرخ وفقيه استوطن المدينة المنورة، وتوفي بها في سنة ست عشر وثمانمائة (١). ومن مؤلفاته كتاب «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» طبع في مدينة القاهرة ١٣٧٤ هـ١٩٥٥/ م.
* «المغانم المطابة في معالم طابة» محمد بن يعقوب، أبو الطاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروز آبادي، من أئمة اللغة والأدب، وتوفي في زبيد سنة سبع عشرة وثمانمائة (٢). ومن مؤلفاته كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة» طبع في مدينة الرياض ١٣٨٩ هـ١٩٦٩/ م.
* «تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف» محمد بن محمد بن أحمد المكي جمال الدين المعروف بابن الضياء، مؤرخ وفقيه وقاضي مكة، توفي بمكة سنة خمس وثمانين وثمانمائة (٣). ومن كتبه «تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة»، طبع بمكة المكرمة ١٤١٦ هـ١٩٩٦/ م.
* «التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة» محمد بن عبد الرحمن، شمس الدين السخاوي، مؤرخ وفقيه وأديب، وتوفي في سنة اثنتين وتسعمائة (٤). ومن كتبه: «التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة» طبع في بيروت ١٤١٤ هـ١٩٩٣/ م.
* «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» علي بن عبد الله بن أحمد
_________
(١) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٧/ ١٢٠.
(٢) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٢/ ٣٩٢ - ٤٠٠، ابن العماد: شذرات الذهب ٧/ ١٢٦.
(٣) انظر: السخاوي: الضوء اللامع ٧/ ٨٤.
(٤) ابن العماد: شذرات الذهب ٨/ ١٥.
стр. 8
نور الدين، أبو الحسن السمهودي، مؤرخ وفقيه، نزل المدينة المنورة، ومات في سنة إحدى عشر وتسعمائة (١). ومن مؤلفاته كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» طبع في بيروت ١٣٧٤ هـ١٩٥٥/ م.
* «تاريخ المدينة المنورة» قطب الدين محمد بن أحمد النهرواني، الهندي، ثم المكي الحنفي، مؤرخ وفقيه، مات في سنة تسعين وتسعمائة (٢).
ومن تصانيفه كتاب «تاريخ المدينة المنورة» (٣).
وبعد:
لقد ترك لنا المؤرخون من أولئك وهؤلاء آثارا حفيلة، وتراثا حضاريا ضخما، ومادة علمية خصيبة غنيت بالمثل العليا، والصور الحية، والدروس المستفادة.
وهذا التراث العلمي نحن في مسيس الحاجة إلى الكشف عن نفائسه، والتنقيب عن ذخائره، لنعرف منه مدى ما لنا من أصالة ومكانة، ومدى ما يمكن أن نسهم به الآن في إبراز الفكر، وإرساء القيم، وتدعيم الحضارة الإسلامية.
ومن منطلق اهتمامي بتواريخ المدن المقدسة، ولا سيما تاريخ الحرمين الشريفين، وقع الإختيار على تحقيق مخطوط في تاريخ المدينة المنورة، ومن أبرز الكتب المتخصصة في تاريخ المدينة المنورة وخططها في القرن الثامن الهجري - بعد كتاب «التعريف بما أنست دار
_________
(١) انظر: السخاوي: الضوء اللامع ٥/ ٢٤٥، ابن العماد: شذرات الذهب ٨/ ٥٠ - ٥١.
(٢) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٨/ ٢٤٠.
(٣) مخطوط بمركز إحياء التراث - جامعة أم القرى - رقم ١٦٦ تاريخ.
стр. 9
الهجرة للمطري (ت ٧٤١ هـ) كتاب:
«بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» لأبي محمد عفيف الدين عبد الله بن عبد الملك البكري القرشي المرجاني، المتوفى بعد سنة سبعين وسبعمائة.
وقد أبان المؤلف في مقدمة الكتاب عن رغبته في وضع كتاب في تاريخ المدينة المنورة، حاويا كل الدرر … وانتخب ذلك من مصنفات كتب تنيف على المائتين.
ومن خلال القراءة والتتبع، والرصد الدقيق لهذا الكتاب الموسوعي، يلاحظ أن المادة العلمية والتاريخية والأدبية واسعة، تفوق المادة التي أودعها عمر بن شبه النميري، صاحب أول كتاب طبع في تاريخ المدينة المنورة، بل إن المرجاني في كتابه «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» انفرد بأبواب ضافية (١)، وهذا يكشف لنا عن أهمية الكتاب.
وكان المرجاني حريصا على استيفاء المسائل التي تناولها في كتابه، واجتهد في أن يجمع أكبر عدد من المصادر، تنوعت بتنوع الموضوعات التي عالجها في تاريخه، واستطاع أن يطوع المادة التي جمعها لخدمة الموضوع وتجليته.
ولهذا ترجع أهمية كتاب «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» إلى استقصائه واستيعابه وجمعه لشتى الأخبار التي تتعلق بأخبار وخطط المدينة المنورة حتى عصر المؤلف.
_________
(١) مثل ما ورد في الباب الأول، الثاني، الثالث، الخامس، السادس، التاسع.
стр. 10
وقد قسمت العمل إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
دراسة عن الكتاب، والمؤلف، ومنهج التحقيق.
القسم الثاني:
تحقيق متن الكتاب.
القسم الثالث:
الفهارس العامة للكتاب.
стр. 11
القسم الأول
دراسة عن الكتاب، والمؤلف، ومنهج التحقيق
وبمشيئة الله تعالى سوف أتناول في هذا القسم الأمور الآتية:
أولا - مصادر الكتاب.
ثانيا - محتويات الكتاب.
ثالثا - دراسة موجزة عن مؤلف الكتاب.
رابعا - فكرة تاريخية عن عصر المؤلف.
خامسا - عنوان ونسبة الكتاب إلى المؤلف.
سادسا - منهج المؤلف في الكتاب.
سابعا - الأصول المخطوطة للكتاب.
ثامنا - منهج التحقيق.
أولا - مصادر الكتاب
تتضح لنا أهمية كتاب «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» من خلال المصادر المتنوعة التي أشار إليها المؤلف في ثنايا تضاعيف الأخبار التي أوردها في كتابه، ولا سيما أن بعض المصادر والنصوص التي نقلها، واعتمد عليها، منقولة عن كتب خطية ما تزال مفقودة لدى الباحثين حتى اليوم، أو مخطوطة في دور الأرشيف التاريخي تنتظر النور، ولولاه بهذه النقول لاندثرت وضاعت مثل غيرها من الكتب التي فقدت في العالم الإسلامي إبان الغزو المغولي، فحافظت هذه النقول للأخبار على هذا
стр. 12
التراث التاريخي، وتلك فائدة كبرى يهتم بها الباحثون في الدراسات التاريخية، وتطور الكتابة في فن التاريخ في ديار الإسلام على حد سواء.
وحرص المرجاني على ذكر مصادره يدل على أمانته فيما يكتب، وهذه المصادر المتنوعة، تبرز لنا سعة إطلاع المؤلف وثقافته الإسلامية الواسعة.
والمصادر التي اعتمد عليها المرجاني من خلال الرصد الدقيق لأبواب وفصول الكتاب، ثلاثة أنواع:
أ - مصادر صرح فيها باسم الكتاب والمؤلف.
ب - مصادر صرح فيها باسم الكتاب فقط.
ج - مصادر صرح فيها باسم المؤلف فقط.
وكان المؤلف أمينا في الإعتماد على هذه المصادر، وقد وضح هذا من خلال مطابقة أسماء الكتب والمؤلفين بما ورد في كتب الفهارس المتخصصة، وأيضا في مقارنة المادة العلمية التي نقلها المؤلف عن هذه المصادر المتعددة، لكي يتضح للقاريء الكريم مدى المعاناة الشديدة في ضبط وتحقيق الآثار، والأخبار، والإشارات التاريخية، والنوادر، والفوائد التي أوردها المؤلف في ثنايا السطور وتضاعيف الأخبار في كتابه.
إن ضخامة هذا الكتاب، والمنهج الموسوعي الذي سار عليه المؤلف في كتابه، جعلته يتوسع في المصادر التي اعتمدها في معارف شتى في زمانه، ولذلك يكون للمرجاني فضل كبير في الإحتفاظ بنصوص كثيرة من كتب منشورة، أو مخطوطة، أو مفقودة.
وبمشيئة الله تعالى، سأذكر أمثلة لهذه المصادر، وبقية المصادر سترد في المتن المحقق مع الإشارة إليها في حواشي التحقيق، وهذه المصادر منها ما
стр. 13
هو في تاريخ المدينة المنورة ومكة المكرمة مثل:
* «تاريخ المدينة» محمد بن الحسن بن زبالة، المتوفى بعد سنة ١٩٩ هـ.
* «أخبار مكة» محمد عبد الله، أبو الوليد الأزرقي، المتوفى سنة ٢٤٤ هـ.
* «فضائل المدينة» المفضل بن محمد، أبو سعيد الجندي، المتوفى سنة ٣٠٨ هـ.
* «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، الواعظ والمحدث المفسر والمؤرخ، توفى في بغداد سنة ٥٩٧ هـ (١). وكتابه «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» مخطوط بمركز إحياء التراث الإسلامي، رقم ٤٢١ تاريخ.
* «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» محب الدين محمد بن محمود بن النجار، المتوفى سنة ٦٤٧ هـ.
* «التعريف بما أنست دار الهجرة من معالم دار الهجرة» جمال الدين محمد بن أحمد المطري، المتوفى سنة ٧٤١ هـ.
ومنها كتب تتعلق بالسيرة النبوية، والمناقب، والأنساب، والتاريخ، والطبقات مثل:
* «سيرة ابن إسحاق» محمد بن إسحاق المطلبي، المتوفي سنة ١٥١ هـ.
_________
(١) انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥ - ٣٨٤، ابن العماد: شذرات الذهب ٤/ ٣٢٩.
стр. 14
* «مغازي الواقدي» محمد بن عمر، أبو عبد الله الواقدي، كان عالما بالمغازي والسير والفتوح والأخبار، مات في سنة ٢٠٨ (١). وكتاب «المغازي للواقدي» طبع في بيروت ١٩٦٦ م.
* «سيرة ابن هشام» عبد الملك بن هشام الحميري، المتوفي سنة ٢١٨ هـ.
* «الطبقات الكبرى» محمد بن سعد، أبو عبد الله الزهري، كاتب الواقدي وتلميذه، كان ثقة بأخبار الصحابة والتابعين، مات في سنة ٢٣١ هـ (٢). وكتاب «الطبقات الكبرى» طبع في دار صادر، بيروت (بدون تاريخ).
* «المعارف» عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد الكاتب، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٢٧٦ هـ (٣). وكتاب «المعارف» طبع بدار المعارف بالقاهرة ١٩٦٩ م.
* «تاريخ الرسل والملوك» محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري، كان حافظا وفقيها، خبيرا بأيام الناس، مات سنة ٣١٠ هـ (٤). وكتاب «تاريخ الرسل والملوك» المشهور بتاريخ الطبري، طبع بدار المعارف بالقاهرة ١٣٨٧ هـ١٩٦٧/ م.
_________
(١) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٣/ ٣ - ١٢، ابن الجوزي: المنتظم ١٠/ ١٧٠ - ١٧٦، ياقوت: معجم الأدباء ١٨/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢، ابن الجوزي: المنتظم ١١/ ١٦١، ابن حجر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢.
(٣) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ١٠/ ١٧٠ - ١٧١، ابن الجوزي: المنتظم ١٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٤) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢ - ١٦٩، ابن الجوزي: المنتظم ١٣/ ٢١٥، ابن العماد: شذرات الذهب ٢/ ٢٦٠.
стр. 15
* «مروج الذهب ومعادن الجوهر» علي بن الحسين، أبو الحسن المسعودي، كان اخباريا صاحب ملح ونوادر، مات في سنة ٣٤٦ هـ (١)، وكتاب «مروج الذهب» طبع في بيروت ١٤٠٢ هـ١٩٨٢/ م.
* «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» أحمد بن عبد الله، أبو نعيم الأصبهاني، كان محدثا حافظا، مات في سنة ٤٣٠ هـ (٢). وكتاب «حلية الأولياء» طبع في مطبعة الخانجي بالقاهرة ١٣٨٧ هـ١٩٦٧/ م.
* «تاريخ بغداد» أحمد بن علي، أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفي سنة ٤٦٣ هـ.
* «الإستيعاب في معرفة الأصحاب» يوسف بن عبد الله، أبو عمر بن عبد البر القرطبي، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٤٦٣ هـ (٣). وكتاب «الاستيعاب … » طبع في مكتبة نهضة مصر بالقاهرة (بدون تاريخ).
* «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي، أبو الفضل، عالم المغرب، مات في سنة ٥٤٤ هـ (٤)، وكتاب «الشفا … » طبع في مطبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٦٩ هـ١٩٥٠/ م.
* «دلائل النبوة» أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي، شيخ خراسان، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٤٥٨ هـ (٥). وكتاب «دلائل النبوة» طبع في
_________
(١) انظر: ياقوت: معجم الأدباء ١٣/ ٩٠ - ٩٤، الذهبي: سير أعلام ٥/ ٥٦٩، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٣/ ٣١٥.
(٢) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٥/ ٢٦٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ٢٤٥.
(٣) انظر: الذهبي: سير أعلام ١٨/ ١٥٣ - ١٦٢، ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ٢١٤.
(٤) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٩٩.
(٥) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٦/ ٩٧، ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
стр. 16
بيروت ١٤٠٥ هـ١٩٨٥/ م.
* «تاريخ دمشق» علي بن الحسن، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، المتوفي سنة ٥٧١ هـ.
* «الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية» عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الأندلسي النحوي الحافظ، مات في سنة ٥٨١ هـ (١). وكتاب «الروض الأنف … » طبع بالقاهرة ١٣٨٧ هـ١٩٦٧/ م.
* «المدهش».
* «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج ابن الجوزي، المتوفي سنة ٥٩٧ هـ. وكتاب «المدهش» طبع في بيروت ١٩٧٣ م، وكتاب «المنتظم» طبع في بيروت ١٤١٢ هـ١٩٩٢/ م.
* «وفيات الأعيان وأنباء الزمان» شمس الدين أحمد بن محمد المعروف بابن خلكان الإربلي، كان مؤرخا ثقة، مات في سنة ٦٨١ هـ (٢)، وكتاب «وفيات الأعيان» طبع في بيروت ١٣٩٨ هـ١٩٧٨/ م.
* «لطائف المنن في مناقب المرسى أبي الحسن» كان من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية، مات في سنة ٧٠٩ هـ (٣). وكتاب «لطائف المنن … » طبع بالقاهرة ١٩٧٤ م.
* «المختصر في أخبار البشر» إسماعيل بن علي، أبو الفداء عماد الدين، اشتغل بالعلوم وتفنن فيها، مات في سنة ٧٣٢ هـ (٤). وكتاب «المختصر
_________
(١) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٤/ ٢٧١.
(٢) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٧١.
(٣) انظر: ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ٢٩١ - ٢٩٣.
(٤) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ٩٨ - ٩٩.
стр. 17
في أخبار البشر» طبع بالقاهرة ١٣٢٥ هـ.
* «خلاصة سير سيد البشر» أحمد بن عبد الله، أبو جعفر محب الدين الطبري، حافظ وفقيه، من شيوخ الحرم المكي، مات في سنة ٦٩٤ هـ (١)، وكتاب «خلاصة سير» طبع بمكة المكرمة ١٤١٢ هـ١٩٩٢/ م.
ومنها كتب تتعلق بالحديث النبوي، والتفسير، والآثار مثل:
* «الموطأ» مالك بن أنس الأصبحي، أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، مات في سنة ١٧٩ هـ (٢)، وكتاب «الموطأ» طبع بمطبعة الحلبي بالقاهرة ١٩٥١ م.
* «غريب الحديث» القاسم بن سلام، أبو عبيد الهروي، كان إماما حافظا، مات سنة ٢٢٤ هـ (٣)، وكتاب «غريب الحديث» طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند، حيدرآباد - الدكن ١٣٩٦ هـ١٩٧٦/ م.
* «المسند» أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني، عالم بغداد وناصر السنة، مات في سنة ٢٤١ هـ (٤)، وكتاب «المسند» طبع دار صادر، بيروت (بدون تاريخ).
_________
(١) تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٣/ ٦١ - ٦٦، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٨/ ٧٤، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤٢٥.
(٢) انظر ترجمته: البخاري: التاريخ الكبير ٧/ ٢١٠، ابن قتيبة: المعارف ص ٤٩٨ - ٤٩٩، ابن الجوزي: المنتظم ٩/ ٤٢ - ٤٥، الذهبي: سير أعلام ٨/ ٤٨ - ١٣٠.
(٣) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٣ - ٤١٦، ابن الجوزي: المنتظم ١١/ ٩٥ - ٩٧، ياقوت: معجم الأدباء ١٦/ ٢٥٤.
(٤) انظر ترجمته: الخطيب: تاريخ بغداد ٤/ ٤١٦ - ٤٢٣، ابن الجوزي: المنتظم ١١/ ٢٨٦، صفة الصفوة ٢/ ٣٣٦ - ٣٥٩.
стр. 18
* «سنن الدارمي» عبد الله بن عبد الرحمن، أبو محمد الدارمي السمرقندي، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٢٥٥ هـ (١)، وكتاب «السنن» طبع ونشر دار إحياء السنة النبوية بالقاهرة (بدون تاريخ).
* «الجامع الصحيح» محمد بن إسماعيل، أبو عبد الله البخاري، صاحب الجامع الصحيح، مات في سنة ٢٥٦ هـ (٢)، وكتاب «الجامع الصحيح» مع الفتح، طبعة السلفية بالقاهرة - ١٣٨ هـ.
* «صحيح مسلم» مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري، مات في سنة ٢٧١ هـ (٣)، وكتاب «صحيح مسلم» طبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٧٤ هـ ١٩٥٥/ م.
* «سنن ابن ماجة» محمد بن يزيد القزويني، المعروف بابن ماجة، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٢٧٣ هـ (٤). وكتاب «السنن» طبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٧٢ هـ١٩٥٢/ م.
* «سنن أبي داود» سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستاني، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٢٧٥ هـ (٥)، وكتاب «السنن» طبع بدار إحياء السنة النبوية بالقاهرة (بدون تاريخ).
* «تأويل مختلف الحديث» عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري،
_________
(١) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ١٠/ ٢٩ - ٣٢، ابن الجوزي: المنتظم ١٢/ ٩٢.
(٢) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٢/ ٦، ابن الجوزي: المنتظم ١٢/ ١١٣ - ١١٩.
(٣) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، ابن الجوزي: المنتظم ٢١/ ١٧١ - ١٧٢، ابن حجر: تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢٦.
(٤) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٢/ ٢٥٨، ابن حجر: تهذيب التهذيب ٩/ ٥٣٠ - ٥٣١.
(٥) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٩/ ٥٥ - ٥٩، ابن الجوزي: المنتظم ١٢/ ٢٦٨، ابن حجر: تهذيب التهذيب ٤/ ١٦٩ - ١٧٣.
стр. 19
المتوفي سنة ٢٧٦ هـ، وكتاب «تأويل مختلف الحديث» طبع بالقاهرة ١٣٨٦ هـ١٩٦٦/ م.
* «جامع البيان في تأويل القرآن» - تفسير الطبري - محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري، المتوفي سنة ٣١٠ هـ، وتفسير الطبري طبعة الحلبي بالقاهرة ١٣٨٨ هـ١٩٦٨/ م.
* «الغيلانيات» محمد بن عبد الله، أبو بكر الشافعي، كان محدثا ثقة، مات في سنة ٣٥٤ هـ (١). وهو صاحب كتاب «الفوائد المنتخبة العوالي عن الشيوخ» المشهور بالغيلانيات، مخطوط بالمتحف البريطاني، ودار الكتب المصرية بالقاهرة.
* «عمل اليوم والليلة» أحمد بن محمد، أبو بكر الدينوري المعروف بابن السني، كان محدثا مشتغلا بالسنة، مات في سنة ٣٦٤ هـ (٢). وكتاب «عمل اليوم والليلة» طبع بالقاهرة ١٣٨٩ هـ١٩٦٩/ م:
* «المستدرك على الصحيحين».
* «معرفة علوم الحديث» محمد بن عبد الله، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، كان محدثا فاضلا، مات في سنة ٤٠٥ هـ (٣). وكتاب «المستدرك» نشر بالرياض ١٩٦٨ م، وكتاب «معرفة علوم الحديث» نشر المكتب التجاري، بيروت (بدون تاريخ).
* «السنن الكبرى» أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي، المتوفي سنة
_________
(١) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ١٦، الزركلي: الأعلام ٦/ ٢٢٤.
(٢) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٤/ ٤٧ - ٤٨.
(٣) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد ٥/ ٤٧٢، ابن الجوزي: المنتظم ١٥/ ١٠٩ - ١١٠.
стр. 20
٤٥٨ - هـ. وكتاب «السنن الكبرى» طبع بدائرة المعارف العثمانية بالهند، حيدرآباد، الدكن ١٣٤٤ هـ.
* «فردوس الأخبار بمأثور الخطاب» شيرويه بن شهر، أبو شجاع الهمداني، مؤرخ من علماء الحديث، مات في سنة ٥٠٩ هـ، وكتاب «فردوس الأخبار» مخطوط جزء منه في شستربتي رقم ٣٠٣٧ (١).
* «شعب الإيمان» عبد الجليل بن موسى الأنصاري، أبو محمد القصري، كان مفسرا، مات في سنة ٦٠٨ هـ (٢). وكتاب «شعب الإيمان» مخطوط في خزانة الرباط رقم ٢٠٨ أوقاف.
* «الجامع لأحكام القرآن» - تفسير القرطبي - محمد بن أحمد، أبو عبد الله القرطبي، من كبار المفسرين، مات بمصر في سنة ٦٧١ هـ (٣). وكتاب «الجامع» طبع بالرياض ١٣٧٢ هـ١٩٥٢/ م.
* «بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها» عبد الله بن سعد بن أبي حمزة الأندلسي، أبو محمد، كان محدثا، مات في سنة ٦٩٩ هـ (٤).
وكتاب «بهجة النفوس» شرح مختصر صحيح البخاري، طبع بالقاهرة ١٣٤٨ هـ.
* «الفتوحات الربانية» عبد الله بن محمد بن عبد الملك، أبو محمد المرجاني، له علم بالتفسير، أملى فيه دروسا جمعها ابن السكري سماها
_________
(١) انظر: الذهبي: سير أعلام ١٩/ ٢٩٤، الزركلي: الأعلام ٣/ ١٨٣.
(٢) انظر: الزركلي: الأعلام ٣/ ٢٧٦.
(٣) انظر: الزركلي: الأعلام ٦/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٤) انظر: كحالة: معجم المؤلفين ٦/ ٤٠.
стр. 21
«الفتوحات الربانية» مخطوط في التيمورية، ومات في سنة ٦٩٩ هـ (١).
ومنها كتب تتعلق بعلوم الفلك مثل:
* «السر المكتوم في مخاطبة النجوم» محمد بن عمر، أبو عبد الله فخر الدين الرازي، كان مفسرا، عالما في علوم الأوائل، مات في سنة ٦٠٦ هـ (٢)، وكتاب «السر المكتوم» مخطوط.
ومنها كتب تتعلق بالمواعظ والرقائق مثل:
* «سبل الخيرات» يحيى بن نجاح الأموي، أبو الحسين القرطبي، كان فقيها، مات بمصر سنة ٤٢٢ هـ، وله كتاب «سبل الخيرات» في المواعظ والوصايا، مخطوط (٣).
* «إحياء علوم الدين» محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي، صاحب كتاب «إحياء علوم الدين»، مات في سنة ٥٠٥ هـ (٤)، وكتاب «الإحياء» طبع بمطبعة عالم الكتب دمشق (بدون تاريخ).
* «سلوة الأحزان» عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، المتوفي سنة ٥٩٧ هـ، وكتاب «سلوة الأحزان» طبع بالأسكندرية ١٩٧٠ م.
* «مصباح الظلام» محمد بن موسى، أبو عبد الله شمس الدين بن
_________
(١) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤٥١، حاجي خليفة: كشف الظنون ٢/ ١٢٣٧، الزركلي: الأعلام ٤/ ١٢٥.
(٢) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢١، الزركلي: الأعلام ٦/ ٣١٣.
(٣) انظر: الزركلي: الأعلام ٨/ ١٧٤.
(٤) انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٧/ ١٢٤ - ١٢٧، الذهبي: سير أعلام ١٩/ ٣٢٢ - ٣٤٦.
стр. 22
النعمان التلمساني، من علماء المالكية، مات سنة ٦٨٣ هـ، وكتاب «مصباح الظلام» مخطوط (١) في شستربتي رقم ٣٦٧٧.
ومنها ما يتعلق بالطب مثل:
* «المغني في تدبير الأمراض» سعيد بن هبة الله، أبو الحسن، طبيب واسع الإطلاع، من أهل بغداد، مات في سنة ٤٩٥ هـ، وكتاب «المغني» مخطوط في استانبول، وشستربتي رقم ٣٩٧٨ (٢).
ومنها ما يتعلق بالفقه مثل:
* «مدونة ابن القاسم» عبد الرحمن بن القاسم، أبو عبد الله العتقي المصري، فقيه تفقه على الإمام مالك، مات في سنة ١٩١ هـ (٣)، ومدونة ابن القاسم طبع بالقاهرة.
* «المختار في فروع الحنفية» مجد الدين عبد الله بن محمود الموصلي، أبو الفضل، فقيه حنفي، مات في سنة ٦٨٣ هـ، وكتاب «المختار» مخطوط في شستربتي رقم ٤٣٦٠ (٤).
ومنها ما يتعلق بالمفردات اللغوية ومعاجم اللغة والبلدان، مثل:
*أدب الكاتب» عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفي سنة ٢٧٦ هـ، وطبع كتاب «أدب الكاتب» في مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.
_________
(١) ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٨٤، حاجي خليفة: كشف الظنون ٢/ ١٧٠٦، الزركلي: الأعلام ٧/ ١١٨.
(٢) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ٤٠٢، الزركلي: الأعلام ٣/ ١٥٦.
(٣) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٣٠٣، ابن العماد: شذرات الذهب ١/ ٣٢٩.
(٤) انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون ٢/ ١٦٢٢، الزركلي: الأعلام ٤/ ١٣٥.
стр. 23
* «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» إسماعيل بن حماد أبو نصر الجوهري، أحد أئمة اللغة، مات في سنة ٣٩٣ هـ (١)، وطبع كتاب «الصحاح» بدار العلم، بيروت ١٤٠٤ هـ١٩٨٤/ م.
* «مقاييس اللغة» أحمد بن فارس، أبو الحسين اللغوي، أحد أئمة اللغة، مات في سنة ٣٩٥ هـ (٢)، وطبع كتاب «مقاييس اللغة» بمطبعة الخانجي بالقاهرة ١٤٠٢ هـ١٩٨١/ م.
* «معجم ما استعجم» عبد الله بن عبد العزيز، أبو عبيد البكري الأندلسي، كان إماما لغويا إخباريا، مات في سنة ٤٨٧ هـ (٣)، والكتاب طبع في مطبعة عالم الكتب، بيروت (بدون تاريخ).
هذه المصادر المتنوعة، التي اعتمد عليها المرجاني في كتابه، توضح لنا القيمة العلمية للكتاب … وتبرز لنا سعة إطلاع المؤلف، ومدى ثقافته الإسلامية الواسعة، وتظهر لنا مدى ما انطوى عليه الكتاب أخبار تاريخية منذ عهد النبوة، حتى عصر المؤلف.
ثانيا - محتويات الكتاب
رتب المؤلف كتابه ترتيبا موضوعيا من مقدمة وعشرة أبواب كبرى، معنونة بعناوين واضحة ومناسبة لموضوع الكتاب، ويندرج تحت كل باب فصول متعددة، تتصل اتصالا مباشرا بعنوان الباب، مما يدل على حسن
_________
(١) انظر: السيوطي: بغية الوعاة ١/ ٤٤٦ - ٤٤٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٣/ ١٤٢.
(٢) انظر: السيوطي: بغية الوعاة ١/ ٣٥٢.
(٣) انظر: السيوطي: بغية الوعاة ٢/ ٤٩.
стр. 24
العرض والتبويب، ومدى فهم المؤلف لموضوع الكتاب، وسلامة المنهج، وحسن إخراج الكتاب.
والباب الأول بعنوان:
في ذكر حد قطر المدينة، وذكر أسمائها، وأول ساكنيها.
والباب الثاني بعنوان:
في ذكر فتح المدينة الشريفة، وذكر فضائلها، وتحريمها، وتحديد حدود حرمها، وحكم الصيد فيها.
والباب الرابع بعنوان:
في ذكر أودية المدينة الشريفة، وآبارها المنسوبة إلى النبي ﷺ وفضل جبل أحد، وفضل الشهداء عنده.
والباب الخامس بعنوان:
في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة، وحفر الخندق، وقتل بني قريظة بالمدينة.
الباب السادس بعنوان:
في ذكر مسجد رسول الله ﷺ وفضله، وما زيد فيه، أو نقص منه إلى هذا التاريخ.
الباب السابع بعنوان:
في ذكر المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ المعروفة بالمدينة الشريفة
стр. 25
وغيرها.
الباب الثامن بعنوان:
في ابتداء خلقه ﷺ وشرف نسبه، وطهارة مولده، وذكر أسمائه، وذكر وفاته، ووفاة صاحبيه، أبي بكر وعمر ﵄، وذكر نبذ من فضائلهما.
الباب التاسع بعنوان:
في حكم زيارة النبي ﷺ وفضلها، وكيفيتها، وحكم الصلاة والسلام على النبي، وفرض ذلك، وكيفيته، وفضيلته، والتوسل به إلى الله ، وإثبات حياته ﷺ ، وحرمته، وذكر ما شوهد في حرمه وحجرته من العجائب، أو رأى بها من الغرائب.
الباب العاشر بعنوان:
في ذكر بقيع الغرقد، وفضله، وكيفية زيارته، والحض على زيارة القبور مطلقا، وذكر من يعرف به من أهل البيت والصحابة وغيرهم.
ثالثا: دراسة موجزة عن مؤلف الكتاب.
مما يدعو إلى الاستغراب أننا لا نجد في كتب التراجم شيئا عن المؤلف، عدا ما جاء في «العقد الثمين» (١) لتقي الدين الفاسي، وفي «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» (٢) لشمس الدين السخاوي، وفي «قلادة النحر
_________
(١) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢٠٣.
(٢) انظر: شمس الدين السخاوي: التحفة اللطيفة ٢/ ٥٦.
стр. 26
في وفيات أعيان الدهر» (١) لمحمد الطيب باخرمة، وفي الأوراق الملحقة في نهاية مصورة مخطوط الحرم المكي لكتاب «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» (٢) للمؤلف.
ويلاحظ أن ترجمة المؤلف التي وردت في «العقد الثمين» لتقي الدين الفاسي، جاءت مطابقة لما ورد في المصادر الأخرى، بمعنى أنها منقولة عن «العقد الثمين»، كما يلاحظ أيضا أن ترجمة المؤلف التي وردت في هذه المصادر - بصفة عامة - جاءت مقتضبة لا تشفي غليل البحث، وهي لا تتعدى اسمه، وكنيته، وعمله، وتسمية بعض الكتب التي صنفها، ومن بينها الكتاب موضوع التحقيق.
ولا نعرف لماذا أغفلت المصادر - التي بين أيدينا - ذكره، فلم تترجم له بطريقة ضافية، فهل كان ذلك مقصودا لعوامل نجهلها؟ أم أن المؤلف لم يكن بتلك الدرجة من الشهرة والمنزلة في ميدان العلم والتأليف بحيث لا يستحق أن تنوه به الكتب وأن تترجم له بطريقة ضافية؟
وقد يكون سبب عدم شهرة المؤلف أنه كان يؤثر العزلة في حياته، ولعله كان مرهقا في مهنته الخاصة في تعليم القرآن الكريم وإقرائه للأولاد الأيتام (٣)، وقد آثرها على الكسب من تقربه إلى ذوي السلطان، فلم يطرق أبوابهم، أو يتردد على مجالسهم، فابتعد بذلك عن مجالس الإشتهار.
وبمشيئة الله تعالى سوف أتناول المسائل الآتية في حياة المؤلف:
_________
(١) انظر: باخرمة: قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث، تاريخ رقم ١١٥٠ ق ١٦٣.
(٢) انظر: المرجاني: بهجة النفوس، مخطوط بمركز إحياء التراث، تاريخ رقم ٧٩، أوراق ملحقة (ق ١).
(٣) انظر: المرجاني: بهجة النفوس، مخطوط بمركز إحياء التراث، تاريخ رقم ٧٩، أوراق ملحقة (ق ٥).
стр. 27
اسمه ونسبه:
هو الشيخ أبو محمد عبد الله بن عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن محمد البكري (١) القرشي التونسي الأصل، الأسكندري المولد، المكي الدار، المعروف بالمرجاني (٢)، الملقب ب «عفيف الدين» (٣).
مولده:
لم تصرح المصادر التي بين أيدينا بتاريخ مولده، وإنما أشارت فقط، أنه ولد بالأسكندرية (٤).
نشأته:
ينتمي عفيف الدين المرجاني إلى أسرة معروفة، ومشهورة بالعلم والتقوى والصلاح، فوالده عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن محمد البكري، أبو مروان، المعروف بالمرجاني، التونسي الأصل نزيل مكة، وصحب الشيخ
_________
(١) كما ورد في نهاية مصورة مخطوط الحرم المكي، تاريخ رقم ٧٩ (ق ٢) - ترجمة والد المؤلف ما نصه: «رأيت بخط العلامة جار الله بن فهد المكي ما نصه: عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن محمد ابن محمد بن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي البكري.
(٢) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢٠٣، السخاوي: التحفة اللطيفة ٢/ ٥٦، بامخرمة: قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم ١١٥٠ تاريخ (ق ١٦٣)، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي رقم ٧٩ تاريخ (ق ١).
(٣) يلاحظ أن لقبه «عفيف الملة والدين» ورد مثبتا على غلاف مصورة «لالى بتركيا» رقم ١١٢٥ تاريخ - مركز إحياء التراث، وأن لقبه «عفيف الدين» ورد في «تاريخ المدينة» لقطب الدين النهرواني، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم ١٦٦ تاريخ (ق ٢٧،٣٠،٣١،٤٦،٥٤).
(٤) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢٠٣، السخاوي: التحفة اللطيفة ٢/ ٥٦، بامخرمة: قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم ١١٥٠ تاريخ (ق ١٦٣)، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم ١١٥٠ تاريخ (ق ١).
стр. 28
نجم الدين الأصبهاني (١)، وروى عنه، ومولده بتونس سنة أربع وثمانين وستمائة، وتوفي يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة (٢).
أما جده فهو: أبو محمد عبد الله بن محمد القرشي البكري المرجاني، التونسي، الإمام، القدوة، الواعظ المفسر، ذو الفنون، أحد الأعلام، كان عالما بمذهب الإمام مالك، ورأسا في التفسير، وعالما بالحديث، قدم مصر، وذكر بها واشتهر، ومات بتونس في ربيع الثاني سنة تسع وتسعين وستمائة (٣).
في بيئة عرفت بالعلم، نشأ بمكة «عفيف الدين المرجاني»، وكان ينتمي إلى دين وصلاح، ويشتغل بتعليم القرآن الكريم للأولاد والأيتام، ينام بحرم الله الشريف بمكة المكرمة، وهو مع ذلك في العلم، والفضل، والأدب، ولطافة الثياب والشأن، مع الحشمة والرياسة والسعادة والغنى عن الحاجة لما في أيدي الناس من الدنيا والمتاع (٤).
_________
(١) عبد الله بن محمد نجم الدين الأصبهاني، نزيل مكة، كان شيخا جليلا، فاضلا، تفقه على مذهب الشافعي وبرع في علم الأصول، مات بمكة في جمادى الآخرة سنة (٧٢١ هـ).
انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢٧١ - ٢٧٧، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ٥٥.
(٢) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٥٠٣ - ٥٠٦، ابن فهد: إتحاف الورى ٣/ ٢٦٢، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢).
(٣) انظر: مخطوط «بهجة النفوس» للمؤلف، مصورة الحرم المكي، بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٣٠) الباب الثامن، الفصل التاسع، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي، مركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٣)، ابن الملقن: طبقات الأولياء ص ٤٤١، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤٥١.
(٤) انظر: أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢).
стр. 29
شيوخه:
لم تصرح المصادر التي بين أيدينا - التي ترجمت للمؤلف - بأسماء الشيوخ الذين تلقى عليهم العلم، فإذا رجعنا إلى الترجمة التي أوردها «تقي الدين الفاسي» عن المؤلف، وبعد أن ذكر اسمه قال: «وسمع من … » (١) هكذا بياض في أصل كتاب «العقد الثمين لتقي الدين الفاسي»، وقد نقل «بامخرمة في قلادة النحر» ما أورده تقي الدين الفاسي بتمامه، فقد ذكر اسمه، ثم أورد عبارة تقي الدين الفاسي «سمع من … » (٢).
فالمصادر التي بين أيدينا - التي ترجمت للمؤلف - لم تصرح بأسماء شيوخه وتلاميذه، وكل ما وقفت عليه من خلال قراءة كتاب «بهجة النفوس» للمؤلف، ذكر في (ق ٢٣٨) الفصل التاسع من الباب الثامن، وهو يتحدث عن نقش خاتم أبي بكر الصديق ﵁ قال المؤلف: «سمعت من الأستاذ الكبير ابن سيد الناس … ».
ومعنى ذلك أن المؤلف سمع من ابن سيد الناس، ولذا اعتبرته ممن سمع عنه.
وابن سيد الناس هو: محمد بن محمد بن محمد بن يحيى اليعمري، فتح الدين، أبو الفتح، المعروف ب «ابن سيد الناس» الأندلسي الأصل، المصري، الإمام الحافظ، والأديب البارع، ولي درس الحديث بالظاهرية وغيرها، وألف السيرة النبوية، وسماها «عيون الأثر في فنون المغازي والسير»، توفي في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة (٣).
_________
(١) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢٠٣.
(٢) انظر: بامخرمة: قلادة النحر، بمركز إحياء التراث رقم ١١٢٥ تاريخ (ق ١٦٣).
(٣) انظر: ابن حجر: الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٠ - ٣٣٥، تقي الدين الفاسي: ذيل التقييد ١/ ٤١٤ - ٤٤٠. السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٣٥٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٠٨.
стр. 30
وفاته:
لم نعثر حتى الآن على نص صريح يحدد لنا وفاة المؤلف، وقد أشارت المصادر التي بين أيدينا - والتي ترجمت للمؤلف - أنه توجه إلى بلاد المغرب بعد سنة سبعين وسبعمائة، ورحل إلى تونس ثم دخل بلاد المغرب، وانقطع عنا خبره (١).
ولهذا يمكن القول بأن المؤلف: مات بعد سنة سبعين وسبعمائة (٧٧٠ هـ).
وما ذكره أحد الباحثين في جريدة المدينة المنورة «أن مولده كان في سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وأن وفاته كانت في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة» (٢) بعيد عن الصواب، لأنه لم يعتمد على نص صريح في تحديد سنتي ميلاده ووفاته، ولذك اضطرب الأمر بين يديه، فنسب تاريخا شقيق المؤلف إلى المؤلف كما أجمعت المصادر التي ترجمت لشقيق المؤلف، وهو:
محمد بن عبد الملك بن عبد الله المرجاني، يقول تقي الدين الفاسي (٣): «ووجد بخط شيخنا ابن سكر (٤) أنه ولد في سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وتوفي في شوال سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، ودفن بالجبل الذي يقال أن فيه عبد الله بن
_________
(١) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٢/ ٢٠٤، السخاوي: التحفة اللطيفة ٢/ ٥٦، بامخرمة: قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم ١١٥٠ تاريخ (ق ١٦٣)، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢).
(٢) بحث نشر في جريدة المدينة المنورة، ملحق التراث، الخميس ٢٣ شوال ١٤١٣ هـ١٥/ أبريل ١٩٩٣ م، العدد (٩٤٦٦).
(٣) راجع كتابه: العقد الثمين ٢/ ١٢٧، وذيل التقييد ١/ ٢٨٤، وانظر أيضا: ابن حجر: أنباء الغمر ١/ ٣٢٤، ابن فهد: إتحاف الورى ٣/ ٣٥٣، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ٢٧٢.
(٤) محمد بن علي البكري المصري، شمس الدين، أبو عبد الله، المعروف ب «ابن سكر»، نزيل مكة الحنفي، كان محدثا وفقيها، مات بمكة سنة (٨٠١ هـ).
انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٢/ ٢٠١ - ٢٠٥.
стр. 31
عمر» (١).
وهذا ما أورده كل من ابن حجر (٢)، وابن فهد (٣)، وابن العماد (٤)، وبذلك يتبين لنا أن الذي توفي في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، هو: محمد بن عبد الملك المرجاني، شقيق المؤلف وليس المؤلف، وأن الباحث المذكور قد التبست عليه هذه الحقيقة.
آثاره:
اشتغل عفيف الدين المرجاني في فنون من العلم وبرع في معرفة الأوفاق والحروف (٥)، وكان له من المؤلفات:
_________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن، كان من أهل الورع والعلم، شديد التحري والإحتياط في فتواه، مات بمكة سنة ثلاث وسبعين. ويقول تقي الدين الفاسي بشأن تحديد موضع دفنه: «ولم يختلفوا أنه توفي بمكة، ولكن اختلفوا في موضع قبره، فقيل: بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وقيل: بالمحصب، وقال بعض الناس: بفخ، والصحيح أنه دفن بالمقبرة العليا عند ثنية أذاخر، ولا يصح بوجه ما يقوله الناس من أنه مدفون بالجبل الذي بالمعلاة». انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب ٣/ ٩٥٠ - ٩٥٣، ابن الجوزي: المنتظم ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٧، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢١٥ - ٢١٧.
(٢) في كتابه: إنباء الغمر ١/ ٣٢٤.
(٣) في كتابه: إتحاف الورى ٣/ ٣٥٣.
(٤) في كتابه: شذرات الذهب ٦/ ٢٧٢.
(٥) انظر: أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ١).
وعن علم الحروف والأسماء يقول صاحب كشف الظنون: «قال الشيخ داود الأنطاكي: وهو علم باحث عن خواص الحروف إفرادا وتركيبا، وموضوعه الحروف الهجائية، ومادته الأوفاق والتراكيب، وصورته تقسيمها كما وكيفيا، وتأليف الأقسام وما ينتج منها، وقال ابن خلدون: علم أسرار الحروف وهو المسمى لهذا العهد بالسيمياء» ثم أورد صاحب كشف الظنون أهم الكتب المصنفة في هذا العلم، ولم يذكر أي كتب للمرجاني في علم الحروف والأسماء.
انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون ١/ ٦٥٠ - ٦٥١.
стр. 32
*شرح أسماء الله الحسنى (١).
*التصريف (٢).
*أسماء أئمة العلم والأعيان (٣).
*مختصر التاريخ من آدم إلى زمنه (٤).
*سمط اللآلي الدرية وأسلوب الجواهر البحرية (٥).
هذا بالإضافة إلى كتابه المشهور، موضوع التحقيق:
*بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار».
رابعا: فكرة تاريخية عن عصر المؤلف.
١ - إحياء الخلافة العباسية في القاهرة:
شهد القرن السابع والثامن الهجري تحولات جذرية في الحياة السياسية للدولة الإسلامية، ففي صفر سنة ست وخمسين وستمائة سقطت بغداد في أيدي
_________
(١) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢) ولم يرد ذكر له في مصادر أخرى.
(٢) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢) ولم يرد ذكر له في مصادر أخرى.
(٣) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢) ولم يرد ذكر له في مصادر أخرى.
(٤) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ٢) ولم يرد له ذكر في مصادر أخرى.
(٥) ورد ذكر اسم الكتاب في متن كتاب بهجة النفوس، عن مصورة الحرم المكي، مركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ١٧٤).
стр. 33
التتار، وقتل الخليفة المستعصم بالله (١)، فشغر كرسي الخلافة، ولم يجرؤ واحد من حكام المسلمين على إعادة الخلافة إلى سابق عهدها، حيث تقوقع كل منهم في دويلته، وشغل بمقاومة الأخطار الخارجية، خاصة تلك التي يبيتها التتار والصليبيون، وظل الأمر كذلك حتى اعتلى الظاهر بيبرس (٢) السلطنة في مصر سنة ٦٥٨ هـ، فبعد توطيد سلطانه بقمع الفتن الداخلية، بادر سلطان مصر إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة، لإيجاد سند شرعي لسلطنته ضد أعدائها في الداخل والخارج، يكسبها مركزا مرموقا حتى تبدو حامية حمى الإسلام والمسلمين، وإذا لم يكن الظاهر بيبرس أول من فكر في نقل الخلافة العباسية إلى القاهرة (٣)، فإنه أول من نجح في
_________
(١) المستعصم بالله، أبو أحمد عبد الله، آخر خلفاء بني العباس بالعراق، تولى الخلافة في سنة ٦٤٠ هـ، وكان حليما كريما، قتله التتار في المحرم سنة ٦٥٦ هـ.
انظر: ابن كثير: البداية ١٣/ ٢١١ - ٢١٦، الذهبي: العبر ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٦٤ - ٤٧٢.
(٢) السلطان ركن الدين، أبو الفتوح بيبرس التركي البندقداري، ثم الصالحي، صاحب مصر والشام، ولي السلطنة في سنة ٦٥٨ هـ، وكان غازيا مجاهدا، مات في سنة ٦٧٦ هـ.
انظر: ابن كثير: البداية ١٣/ ٢٧٤ - ٢٧٧، الذهبي: العبر ٣/ ٣٣١، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٥٠.
(٣) فقد فكر الملك الناصر يوسف، صاحب الشام في إحياء الخلافة العباسية أوائل سنة ٦٥٨ هـ، لما علم أن أميرا عباسيا يدعى أبا العباس أحمد، هرب من بغداد عند عيسى بن مهنا أمير آل فضل، ويريد القدوم إلى دمشق، لكن إجتياح التتار للشام، صرف الناصر يوسف عن مشروعه، كما عمد قطز إلى تحقيق الفكرة نفسها، لما علم بخبر أبي العباس أحمد - المذكور - غداة إنتصاره على التتار في عين جالوت - رمضان ٦٥٨ هـ - وطلب من عيسى بن مهنا إنفاذ المذكور إلى مصر لتنصيبه خليفة وإعادته إلى بغداد، غير أن الأجل لم يمهد قطز حتى يحقق هدفه. انظر: ابن أبي الفضائل: النهج السديد ص ٩٣، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨ - ٤٧٩، فمهما يقال أن بعض الحكام المسلمين في بلاد الشام ومصر قد فكروا في إحياء الخلافة قبل بيبرس، فإن هذه المشروعات لم تتحقق، فضلا عن أن أحدها لم يتجه نحو التفكير في إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بالذات، مما ضمن للظاهر بيبرس في التاريخ فخر تنفيذ الفكرة عمليا من ناحية، وفخر ربط الخلافة العباسية في ذلك الدور الجديد من أدوار تاريخها بمصر والقاهرة من ناحية أخرى.
انظر: سعيد عاشور: العصر المملوكي ص ٣٥٥.
стр. 34
تحقيق تلك الفكرة (١)، فما أن جلس على كرسي السلطنة، حتى ورد إليه كتاب من نائبه في الشام، بأن رجلا قدم دمشق يدعى أنه أبو القاسم أحمد ابن الظاهر بالله محمد بن الناصر لدين الله أحمد العباسي، وأنه فر من سجنه في بغداد إثر سقوطها سنة ٦٥٦ هـ، نزل عند عرب بني خفاجة (٢)، ويود الحضور إلى السلطان، فكتب السلطان إلى نائب الشام بخدمته حتى يصل إلى مصر (٣).
ولما وصل أبو القاسم أحمد إلى القاهرة، خرج السلطان لإستقباله في موكب حافل يوم الخميس تاسع رجب سنة ٦٥٩ هـ، وأنزله في قلعة الجبل، وبالغ في إكرامه وإقامة نظامه (٤).
وفي يوم الإثنين الثالث عشر من رجب عقد السلطان مجلسا عاما بالقلعة حضره قاضي القضاة، والعلماء، والأمراء، ووجوه الناس، وفيهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام (٥)، فمثل الجميع بحضرة الإمام العباسي، وبعد أن شهد جماعة من العربان والبغاددة - الذين قدموا معه - بصحة نسبه، وأثبت قاضي
_________
(١) انظر: سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٣٥٥.
(٢) وهم بنو خفاجة بن عمرو بن عقيل، انتقلوا إلى العراق والجزيرة، وهم أمراء العراق. انظر: القلقشندي: نهاية الأرب ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ٩٩، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٢/ ٩٤ - ٩٨، النويري: نهاية الأرب ٢٨/ ١٨.
(٤) انظر ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ٢٣١، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٧٧.
(٥) عبد العزيز بن عبد السلام، أبو محمد السلمي الدمشقي الشافعي، المعروف بعز الدين ابن عبد السلام، والملقب بسلطان العلماء، برع في الفقه والأصول والعربية، ودرس وأفتى وصنف، وبلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رياسة المذهب مع الورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين، مات بالقاهرة سنة ٦٦٠ هـ.
انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٢٩٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٠١.
стр. 35
القضاة تلك الشهادات، بايع الإمام أحمد بالخلافة، فتبعه السلطان بيبرس مبايعا له على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذ أموال المسلمين بحقها، وصرفها في مستحقها، ثم تلاه جميع الحضور مبايعين، ولقب بلقب أخيه «المستنصر بالله» ولما تمت البيعة، قلد الخليفة السلطان بيبرس «البلاد الأسلامية وما يضاف إليها، وما سيفتحه الله على يديه من بلاد الكفار»، فكتب السلطان بذلك إلى نوابه بجميع المماليك، وطلب منهم مبايعة الخليفة، والخطبة باسمه على المنابر، كما نقش اسمه على العملة معه، وتلقب «بقسيم أمير المؤمنين» (١).
وهكذا تحقق للسلطان بيبرس ما أراد من تثبيت دعائم ملكه، وإحاطة سلطنته بهالة من العظمة والهيبة داخل مصر وخارجها بوصفه سلطانا شرعيا من ناحية، وتحويل مصر من مجرد سلطنة تابعة للخلافة إلى مركز لها يوجه العالم الإسلامي من ناحية أخرى.
ويبدو أن سلطان مصر قد تخوف من إقامة الخليفة بجانبه في مصر بوصفه صاحب السلطة الدينية التي تتعلق بها قلوب الكافة، فعمل على التخلص من ممثل تلك السلطة - بعد أن حقق لنفسه ما أراد - فأغرى الخليفة بالخروج إلى بغداد بزعم استرجاعها من التتار، ولم يصحبه سوى ثلثمائة فارس في مسيره لمحاربة التتار في معركة غير متكافئة بعد
_________
(١) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ١٠٠، الذهبي: العبر ٥/ ٢٥٨،٢٥٩، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٥٣، تاريخ الخلفاء ص ٤٧٧، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٩٧، غير أن أبا الفدا، وابن أبي الفضائل قد شككا في صحة نسب الخليفة المستنصر. انظر: المختصر ٤/ ٨، والنهج السديد ص ١٠٥.
стр. 36
ما أبدى من ضروب الشجاعة والإستبسال، ولم ينجح ممن معه سوى الأمير أبي العباس أحمد في خمسين نفرا، وذلك في ثالث المحرم سنة ٦٦٠ هـ (١).
ومهما قيل من حزن السلطان بيبرس على فقد الخليفة، وتأسفه على مصرعه بسبب ضياع ما بذله من الأموال، فضلا عن فقد السند الشرعي لسلطنته (٢)، فإن سلطان مصر سرعان ما سنحت له فرصة أخرى لتجديد الخلافة في شخص أبي العباس أحمد بن الحسن، حتى لا يتهم بأنه عمل على التخلص من الخليفة السابق، كما أضحى من غير المقبول أن يظل منصب الخلافة شاغرا مرة أخرى أمام الرأي العام الإسلامي.
هذه الظروف والحوادث هيأت الأمر للأمير أبي العباس أحمد، إذ أرسل السلطان بيبرس يستدعيه إلى القاهرة، فوصلها في سابع عشر ربيع الثاني سنة ٦٦٠ هـ، فاحتفل بيبرس بقدومه، ثم بايعه بالخلافة في ثامن المحرم سنة ٦٦١ هـ، بعد إثبات صحة نسبه ولقبه «بالحاكم بأمر الله» (٣)، فقلد الخليفة السلطان أمور البلاد والعباد (٤).
_________
(١) انظر: اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٢/ ١٠٨ - ١١٣، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٧/ ١١٥ - ١١٧، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٥٨، تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨، الذهبي: العبر ٣/ ٢٩٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٩٧.
(٢) انظر: أبو الفدا: المختصر ٣/ ٢١٣، المقريزي: السلوك ١/ ٦٧.
(٣) وكانت خلافة، الحاكم بأمر الله أحمد بن الحسن نيفا وأربعين سنة (٦٦١ - ٧٠١ هـ) حتى توفاه الله في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة. انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٠، الذهبي: العبر ٣/ ٣٠١، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨ - ٤٨٣.
(٤) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ١٤١، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٧/ ١١٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٠٤.
стр. 37
واتجهت أنظار السلطان بيبرس، إلى استبقاء الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله في القاهرة، ولم يعد يفكر بإرساله إلى بغداد لقتال التتار واسترجاع بغداد كحاضرة للعباسيين، وإنما أراد تقوية مركز الخلافة بالقاهرة بوجود الخليفة فيها، وليس هو رمز إلا رمز تقوى به السلطة، ويدعمه السلطان، ويقوى به أهل السنة أيضا، وتعود إلى المسلمين خلافتهم، ويقوى سلطانهم بالتفافهم حول الخليفة الذي هو رمز السلطة الإسلامية، وتكتسب الدولة المملوكية الصفة الشرعية، ويعظم نفوذها، وتزداد أهميتها لدى الدول الإسلامية الأخرى، وبالفعل فقد أصبح المماليك محط أنظار المسلمين، وأقوى دولة في تلك الحقبة من التاريخ (١).
ويبدو أن رغبة السلطان بيبرس في استبقاء الخلافة العباسية في مصر لتكون تحت بصره ومراقبته، كانت رغبة سياسية أكثر منها دينية، وبمعنى أوضح أن بيبرس كان يعي أن العالم الإسلامي ما يزال متعلقا بأهداب الخلافة، ناظرا إليها وإلى من يحتضنها نظرة إكبار، فقام بهذا العمل حتى يستطيع توسيع ملكه بمساعدة الخليفة على اعتبار أنه حامي حمى الدين، ولما تحقق للظاهر بيبرس ما أراد، وأصبح في غناء عن الخليفة، عمل على إضعاف شأنه، فأسكنه في مناظر قلعة الكبش حتى لا يتصل بالشعب، أو يتدخل في شؤون الدولة، بعد أن رتب له ما يكفيه وعائلته من القوت كل يوم، وقصر وظيفته على الصعود إلى القلعة لتقديم فروض الولاء والتهنئة إلى السلطان المملوكي في المناسبات العامة، كما استقدم السلطان عددا من أبناء البيت العباسي إلى مصر ليلوح بهم في وجه الخليفة الحاكم بأمر الله إذا ما حدثته نفسه بالخروج
_________
(١) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٤٦.
стр. 38
من الدائرة التي وضعه السلطان فيها (١).
وهكذا سعى السلطان بيبرس لإستخدام الخلافة في توطيد ملكه، وإحكام سيطرته على الحجاز والبحر الأحمر، كما فرض بيبرس لنفسه وخلفائه مقاما ساميا على ملوك العالم الإسلامي، إذ أنكر عليهم حق التلقب بلقب «سلطان»، لأن المماليك وحدهم أصحاب هذا الحق باعتبارهم حماة الخلافة المتمتعين ببيعتها (٢).
وكما استفاد السلطان بيبرس من الخلافة، تمتعت القاهرة - بسببها أيضا - بشهرة دينية وعلمية واسعة، فضلا عن شهرتها التجارية، كما عظم أمرها حين أضحت مركز الخلافة، ومسكن العلماء والفضلاء، إذ علا فيها قدر السنة وعفت منها البدعة (٣).
وبعد وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، تولى الخلافة من بعده ابنه سليمان بن أحمد المستكفي بالله، أبو الربيع (٧٠١ - ٧٣٦ هـ) وظل في الخلافة، حتى اعتقله السلطان الناصر محمد ابن قلاوون في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبعمائة، ومنعه من الاجتماع بالناس، وبقي معتقلا في قوص - إحدى مدن صعيد مصر - إلى أن مات في شعبان سنة أربعين وسبعمائة (٤).
وقبل وفاة المستكفي بالله في قوص، عهد إلى ابنه أحمد بن المستكفي،
_________
(١) انظر: النويري: نهاية الأرب ٢٨/ ١٢٩، المقريزي: السلوك ١/ ٥٥٤، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٤٨.
(٢) انظر: ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك ص ٩٨.
(٣) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٦٦، ابن إياس: بدائع الزهور جزء ١ ق ١ ص ٣٢١.
(٤) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٠، الذهبي: العبر ٣/ ٣٠١،٤/ ٤، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨ - ٤٨٣، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٢٦.
стр. 39
فلم يلتفت السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ذلك، وبايع إبراهيم بن محمد ابن أحمد، ولقب بالواثق بالله (٧٣٦ - ٧٤٢ هـ) وخطب له بالقاهرة إلى أن حضرت السلطان الناصر محمد بن قلاوون الوفاة، فندم على ما صدر منه - لأن الواثق لم يكن أهلا للخلافة - وعزل إبراهيم هذا، وبايع ولي العهد أحمد بن المستكفي، ولقب «الحاكم بأمر الله» (٧٤٢ - ٧٥٣ هـ) وذلك في أول المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وظل الحاكم بأمر الله في منصب الخلافة إلى أن مات في الطاعون سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة (١).
وحدث في عهد الحاكم بأمر الله حدث، أن توالى على أمر السلطنة ثمانية من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون بعضهم بعد بعض، في مدة لا تزيد على عشر سنوات، وكانت الأحداث الداخلية هذه هي شاغل الناس، مما جعل الأمراء ينصرفون إلى قضاياهم، فيشتغل بعضهم ببعض، ولهذا كثر خلع السلاطين وقتلهم، والإنتقام من بعض الأمراء (٢).
وبعد وفاة الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفي، بويع بالخلافة لأخيه المعتضد بالله، أبو الفتح (٧٥٣ - ٧٦٣ هـ)، واستمر في الخلافة إلى أن مات في سنة ثلاث وستين وسبعمائة (٣).
وبقيت البلاد خلال خلافته في شغل تام، وشبه عزلة، كل الإهتمام منصب على الأوضاع الداخلية، من خلع سلاطين المماليك وعزلهم، وهذا يدل على ضعف السلاطين واضطراب الأمور الداخلية خلال هذه الفترة (٤).
_________
(١) انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٨٨ - ٤٩٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٣٥،١٣٧.
(٢) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٦٤.
(٣) انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٥٠٠، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٩٧.
(٤) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٦٥.
стр. 40
ولم يكن وضع الخلفاء بأفضل من السلاطين، فقد تركوا الأمر على غاربه ونفضوا من تفكيرهم أي نفوذ أو تدخل في شؤون الدولة، وذلك مذ قدموا إلى القاهرة، إذ أخذ الحكم من آبائهم في بغداد، وقتلوا، أو أبعدوا على يد هولاكو طاغية التتار، ففرّ منهم من فرّ خوفا من السيف، واختفى من اختفى، وشرد من شرد، وأتى بهم السلاطين المماليك، ورفعوا عنهم ما أصابهم، وأعادوا إليهم بعض ما فقدوا، وأعزوهم بعد ذل، وحضنوهم بعد تشريد، وجمعوا أمرهم بعد إختفاء، فكيف يتدخل هؤلاء الخلفاء في شؤون من آواهم، وأوضاع من نصرهم ورفعهم؟ أو كيف ينافسونهم وينازعونهم؟ وأصبح ذلك أمرا متبعا وطريقة سائرة، فبقوا صورة في الحكم، بل إسما ليس له دلالة على شيء، وزاد أمر ما صاروا عليه عما كان عليه أسلافهم في بغداد في أسوأ أوضاعهم عند ما كان يسيطر عليهم العسكريون من عرب أو ترك أو فرس، وهذا ما جعل الخلفاء لا يعرفون، ويختفون خلف السلاطين من المماليك الذين بيدهم الحل والعقد كله.
٢ - ومن ناحية وضع سلاطين المماليك:
حكم المماليك البحرية (١) مصر مدة أربع وأربعين ومائة سنة (٦٤٨ - ٧٩٢ هـ) ولقد كان أمر أكثر السلاطين الذين تولوا أمر البلاد ضعيفا، والقليل منهم كان قويا، وغالبا ما يحاول السلطان أن يؤسس أسرة تتولى الحكم من بعده، وما أن يموت حتى يثب الجند على ولده فيخلعوه ويتولى
_________
(١) وهم مماليك الصالح نجم الدين أيوب (٦٣٧ - ٦٤٧ هـ) الذين كثر عددهم، وزادت تعدياتهم، فضج منهم السكان، فبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة عام ٦٣٨ هـ، فعرفوا ب «المماليك البحرية» كما عرفوا أيضا باسم «الصالحيين» نسبة إلى لقب سيدهم، ويقال لهم «النجميين» نسبة إلى اسم سيدهم.
انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٣٦.
следующие страницы →