← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1042

بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار

المرجاني

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ما أبدى من ضروب الشجاعة والإستبسال، ولم ينجح ممن معه سوى الأمير أبي العباس أحمد في خمسين نفرا، وذلك في ثالث المحرم سنة ٦٦٠ هـ (١). ومهما قيل من حزن السلطان بيبرس على فقد الخليفة، وتأسفه على مصرعه بسبب ضياع ما بذله من الأموال، فضلا عن فقد السند الشرعي لسلطنته (٢)، فإن سلطان مصر سرعان ما سنحت له فرصة أخرى لتجديد الخلافة في شخص أبي العباس أحمد بن الحسن، حتى لا يتهم بأنه عمل على التخلص من الخليفة السابق، كما أضحى من غير المقبول أن يظل منصب الخلافة شاغرا مرة أخرى أمام الرأي العام الإسلامي. هذه الظروف والحوادث هيأت الأمر للأمير أبي العباس أحمد، إذ أرسل السلطان بيبرس يستدعيه إلى القاهرة، فوصلها في سابع عشر ربيع الثاني سنة ٦٦٠ هـ، فاحتفل بيبرس بقدومه، ثم بايعه بالخلافة في ثامن المحرم سنة ٦٦١ هـ، بعد إثبات صحة نسبه ولقبه «بالحاكم بأمر الله» (٣)، فقلد الخليفة السلطان أمور البلاد والعباد (٤). _________ (١) انظر: اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٢/ ١٠٨ - ١١٣، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٧/ ١١٥ - ١١٧، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٥٨، تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨، الذهبي: العبر ٣/ ٢٩٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٩٧. (٢) انظر: أبو الفدا: المختصر ٣/ ٢١٣، المقريزي: السلوك ١/ ٦٧. (٣) وكانت خلافة، الحاكم بأمر الله أحمد بن الحسن نيفا وأربعين سنة (٦٦١ - ٧٠١ هـ) حتى توفاه الله في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة. انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٠، الذهبي: العبر ٣/ ٣٠١، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨ - ٤٨٣. (٤) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ١٤١، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٧/ ١١٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٠٤.

стр. 37

واتجهت أنظار السلطان بيبرس، إلى استبقاء الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله في القاهرة، ولم يعد يفكر بإرساله إلى بغداد لقتال التتار واسترجاع بغداد كحاضرة للعباسيين، وإنما أراد تقوية مركز الخلافة بالقاهرة بوجود الخليفة فيها، وليس هو رمز إلا رمز تقوى به السلطة، ويدعمه السلطان، ويقوى به أهل السنة أيضا، وتعود إلى المسلمين خلافتهم، ويقوى سلطانهم بالتفافهم حول الخليفة الذي هو رمز السلطة الإسلامية، وتكتسب الدولة المملوكية الصفة الشرعية، ويعظم نفوذها، وتزداد أهميتها لدى الدول الإسلامية الأخرى، وبالفعل فقد أصبح المماليك محط أنظار المسلمين، وأقوى دولة في تلك الحقبة من التاريخ (١). ويبدو أن رغبة السلطان بيبرس في استبقاء الخلافة العباسية في مصر لتكون تحت بصره ومراقبته، كانت رغبة سياسية أكثر منها دينية، وبمعنى أوضح أن بيبرس كان يعي أن العالم الإسلامي ما يزال متعلقا بأهداب الخلافة، ناظرا إليها وإلى من يحتضنها نظرة إكبار، فقام بهذا العمل حتى يستطيع توسيع ملكه بمساعدة الخليفة على اعتبار أنه حامي حمى الدين، ولما تحقق للظاهر بيبرس ما أراد، وأصبح في غناء عن الخليفة، عمل على إضعاف شأنه، فأسكنه في مناظر قلعة الكبش حتى لا يتصل بالشعب، أو يتدخل في شؤون الدولة، بعد أن رتب له ما يكفيه وعائلته من القوت كل يوم، وقصر وظيفته على الصعود إلى القلعة لتقديم فروض الولاء والتهنئة إلى السلطان المملوكي في المناسبات العامة، كما استقدم السلطان عددا من أبناء البيت العباسي إلى مصر ليلوح بهم في وجه الخليفة الحاكم بأمر الله إذا ما حدثته نفسه بالخروج _________ (١) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٤٦.

стр. 38

من الدائرة التي وضعه السلطان فيها (١). وهكذا سعى السلطان بيبرس لإستخدام الخلافة في توطيد ملكه، وإحكام سيطرته على الحجاز والبحر الأحمر، كما فرض بيبرس لنفسه وخلفائه مقاما ساميا على ملوك العالم الإسلامي، إذ أنكر عليهم حق التلقب بلقب «سلطان»، لأن المماليك وحدهم أصحاب هذا الحق باعتبارهم حماة الخلافة المتمتعين ببيعتها (٢). وكما استفاد السلطان بيبرس من الخلافة، تمتعت القاهرة - بسببها أيضا - بشهرة دينية وعلمية واسعة، فضلا عن شهرتها التجارية، كما عظم أمرها حين أضحت مركز الخلافة، ومسكن العلماء والفضلاء، إذ علا فيها قدر السنة وعفت منها البدعة (٣). وبعد وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، تولى الخلافة من بعده ابنه سليمان بن أحمد المستكفي بالله، أبو الربيع (٧٠١ - ٧٣٦ هـ) وظل في الخلافة، حتى اعتقله السلطان الناصر محمد ابن قلاوون في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبعمائة، ومنعه من الاجتماع بالناس، وبقي معتقلا في قوص - إحدى مدن صعيد مصر - إلى أن مات في شعبان سنة أربعين وسبعمائة (٤). وقبل وفاة المستكفي بالله في قوص، عهد إلى ابنه أحمد بن المستكفي، _________ (١) انظر: النويري: نهاية الأرب ٢٨/ ١٢٩، المقريزي: السلوك ١/ ٥٥٤، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٤٨. (٢) انظر: ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك ص ٩٨. (٣) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٦٦، ابن إياس: بدائع الزهور جزء ١ ق ١ ص ٣٢١. (٤) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ٢٥٠، الذهبي: العبر ٣/ ٣٠١،٤/ ٤، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٧٨ - ٤٨٣، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٢٦.

стр. 39

فلم يلتفت السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ذلك، وبايع إبراهيم بن محمد ابن أحمد، ولقب بالواثق بالله (٧٣٦ - ٧٤٢ هـ) وخطب له بالقاهرة إلى أن حضرت السلطان الناصر محمد بن قلاوون الوفاة، فندم على ما صدر منه - لأن الواثق لم يكن أهلا للخلافة - وعزل إبراهيم هذا، وبايع ولي العهد أحمد بن المستكفي، ولقب «الحاكم بأمر الله» (٧٤٢ - ٧٥٣ هـ) وذلك في أول المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وظل الحاكم بأمر الله في منصب الخلافة إلى أن مات في الطاعون سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة (١). وحدث في عهد الحاكم بأمر الله حدث، أن توالى على أمر السلطنة ثمانية من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون بعضهم بعد بعض، في مدة لا تزيد على عشر سنوات، وكانت الأحداث الداخلية هذه هي شاغل الناس، مما جعل الأمراء ينصرفون إلى قضاياهم، فيشتغل بعضهم ببعض، ولهذا كثر خلع السلاطين وقتلهم، والإنتقام من بعض الأمراء (٢). وبعد وفاة الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفي، بويع بالخلافة لأخيه المعتضد بالله، أبو الفتح (٧٥٣ - ٧٦٣ هـ)، واستمر في الخلافة إلى أن مات في سنة ثلاث وستين وسبعمائة (٣). وبقيت البلاد خلال خلافته في شغل تام، وشبه عزلة، كل الإهتمام منصب على الأوضاع الداخلية، من خلع سلاطين المماليك وعزلهم، وهذا يدل على ضعف السلاطين واضطراب الأمور الداخلية خلال هذه الفترة (٤). _________ (١) انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٤٨٨ - ٤٩٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٣٥،١٣٧. (٢) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٦٤. (٣) انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٥٠٠، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٩٧. (٤) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٦٥.

стр. 40

ولم يكن وضع الخلفاء بأفضل من السلاطين، فقد تركوا الأمر على غاربه ونفضوا من تفكيرهم أي نفوذ أو تدخل في شؤون الدولة، وذلك مذ قدموا إلى القاهرة، إذ أخذ الحكم من آبائهم في بغداد، وقتلوا، أو أبعدوا على يد هولاكو طاغية التتار، ففرّ منهم من فرّ خوفا من السيف، واختفى من اختفى، وشرد من شرد، وأتى بهم السلاطين المماليك، ورفعوا عنهم ما أصابهم، وأعادوا إليهم بعض ما فقدوا، وأعزوهم بعد ذل، وحضنوهم بعد تشريد، وجمعوا أمرهم بعد إختفاء، فكيف يتدخل هؤلاء الخلفاء في شؤون من آواهم، وأوضاع من نصرهم ورفعهم؟ أو كيف ينافسونهم وينازعونهم؟ وأصبح ذلك أمرا متبعا وطريقة سائرة، فبقوا صورة في الحكم، بل إسما ليس له دلالة على شيء، وزاد أمر ما صاروا عليه عما كان عليه أسلافهم في بغداد في أسوأ أوضاعهم عند ما كان يسيطر عليهم العسكريون من عرب أو ترك أو فرس، وهذا ما جعل الخلفاء لا يعرفون، ويختفون خلف السلاطين من المماليك الذين بيدهم الحل والعقد كله. ٢ - ومن ناحية وضع سلاطين المماليك: حكم المماليك البحرية (١) مصر مدة أربع وأربعين ومائة سنة (٦٤٨ - ٧٩٢ هـ) ولقد كان أمر أكثر السلاطين الذين تولوا أمر البلاد ضعيفا، والقليل منهم كان قويا، وغالبا ما يحاول السلطان أن يؤسس أسرة تتولى الحكم من بعده، وما أن يموت حتى يثب الجند على ولده فيخلعوه ويتولى _________ (١) وهم مماليك الصالح نجم الدين أيوب (٦٣٧ - ٦٤٧ هـ) الذين كثر عددهم، وزادت تعدياتهم، فضج منهم السكان، فبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة عام ٦٣٨ هـ، فعرفوا ب «المماليك البحرية» كما عرفوا أيضا باسم «الصالحيين» نسبة إلى لقب سيدهم، ويقال لهم «النجميين» نسبة إلى اسم سيدهم. انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ٣٦.

стр. 41

كبيرهم السلطة (١). ولقد تمثل حكم المماليك البحرية في أسرتين فقط، وهما: أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، وقد دام حكمها مدة عشرين سنة (٦٥٨ - ٦٧٨ هـ) وقد حكم هو وولداه، ودام حكمه ثماني عشرة سنة (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ) وحكم ابنه الأول السعيد بركة (٢) ما يقرب من سنتين (٦٧٦ - ٦٧٨ هـ) ثم خلع، وحكم ابنه الثاني العادل بدر الدين سلامش (٣) عدة أشهر وخلع بعدها سنة ٦٧٨ هـ (٤). فلم يستطع الظاهر بيبرس أن يؤسس أسرة حاكمة لمدة طويلة، لأن الجند وثبوا على أبنائه من بعده، فانتهى أمر ولديه ولم يمض على وفاته أكثر من ثلاث سنوات، وقد خلع ابنه الأول، وخلع الثاني ولم تنته هذه المدة القصيرة. فقد دعا المنصور قلاوون (٥) أمراء المماليك، وبسط لهم الوضع القائم، _________ (١) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ١٢. (٢) السعيد ناصر الدين، أبو المعالي محمد بن بيبرس، تولى السلطنة بعد أبيه، خلع من السلطنة، فأقام بالكرك أشهرا، ومات فجأة في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة. انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ٢٩٠، الذهبي: العبر ٣/ ٣٣٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٦٢. (٣) السلطان العادل بدر الدين سلامش بن بيبرس، رتبه الجند في السلطنة وله سبع سنين، وجعلوا أتابكه سيف الدين قلاوون في سنة ٦٧٨ هـ، ثم خلع في رجب من نفس السنة، وتولى السلطنة المنصور قلاوون. انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٣٧. (٤) انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٢٨٨،٣٣٠ - ٣٣١، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٩١،٣٥٠. (٥) السلطان المنصور سيف الدين، أبو المعالي قلاوون التركي الصالحي، تولى السلطنة سنة ٦٧٨ هـ، وتوفي بالقاهرة سنة ٦٨٩ هـ. انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٧٠، ابن تغري بردى: النجوم الزاهرة ٧/ ٣٨٦، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤٠٩.

стр. 42

وأن الأمر يتطلب رجلا حكيما يدير شؤون الدولة، وأن الصغير «بدر الدين سلامش» يعيق الأمر ولا يصلح للسلطنة، فاتفق الجميع على خلع العادل بدر الدين سلامش وسلطنة المنصور قلاوون سنة ٦٧٨ هـ (١). أما الأسرة الثانية: فهي أسرة المنصور قلاوون نفسه، وقد استمر أمرها أربع عشرة ومائة سنة (٦٧٨ - ٧٩٢ هـ) وحكم هو وأولاده وأحفاده، ولم يتخللها سوى خمس سنوات خرج أمر مصر من أيديهم (٢). ويلاحظ أن أسرة المنصور قلاوون قد حكم منها خمسة عشر سلطانا، وكان أكثرهم يتولى الأمر وهو صغير، لذا يكون ألعوبة بيد كبار الأمراء فيخلعونه أو يقتلونه، وما بقاء هذه الأسرة في الحكم هذه المدة الطويلة إلا بسبب ما تمتع به المنصور قلاوون وابنه الناصر محمد بن قلاوون من حب، فقد تولى الناصر محمد أكثر من مرة (٣) آخرها من سنة ٩٠٧ - ٧٤١ هـ، ففي هذه المدة الأخيرة من حكم الناصر محمد اشتد عوده، وزادت خبرته، فقبض على زمام الأمور بشكل محكم، واستمر أكثر من إثنتين وثلاثين سنة، ولكن أبناء الناصر محمد الذين جاءوا من بعده كانوا سلاطين بلا سلطان، ومنفذين بلا قوة، حيث كان الواحد منهم يخلع أو يقضى عليه ويؤتى بابنه كأنه للبقاء على _________ (١) انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٣٧. (٢) إذ تسلم العادل كتبغا الحكم من سنة ٦٩٤ - ٦٩٦ هـ، والمنصور لاجين من سنة ٦٩٦ - ٦٩٨ هـ، والمظفر بيبرس الجاشنكير سنة واحدة ٧٠٨ - ٧٠٩ هـ، وقد قتل ثلاثتهم. انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٨١،٣٨٦، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤٣٤. (٣) السلطان الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، ولي السلطنة لأول مرة لمدة سنة وعمره تسع سنين من سنة ٦٩٣ - ٦٩٤ هـ، ثم تسلطن في المرة الثانية عشر سنوات من سنة ٦٩٨ - ٧٠٨ هـ والثالثة اثنتين وثلاثين سنة من سنة ٧٠٩ - ٧٤١ هـ حيث مات في هذه السنة. انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٧٩،٣٨١، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤٢٢،٤٤٠،٦/ ١٨، ١٣٤.

стр. 43

أسرة فقط، أو محافظة على تراث (١). وهذا كله يدل على مدى ضعف هؤلاء السلاطين باستثناء اثنين منهم، وتلاعب أمراء المماليك بالسلاطين لصغر سنهم والحسد الذي كان بينهم، فالمماليك كانوا يشعرون أنهم مماليك الأصل وأعتقوا لما امتازوا به من فروسية وقدرة فهم أكفاء، وليس لأحدهم سوى ذلك من سابقة أو فضل أو جاه سابق أو ملك ماض، لذا كان الحسد بينهم كثيرا، وما أن يتسلم أحدهم السلطنة حتى يحسده الآخرون، فإذا كان السلطان القائم ضعيفا أزاحه غيره خلعا أو قتلا وتسلم مكانه، وإن كان محنكا مقتدرا كظم ما في نفسه، حتى إذا وافته فرصته بوفاة صاحب السلطة وثب على ابن من مات والذي كان أبوه قد عهد إليه من قبل، وخلعه أو قتله واستلم مكانه (٢). هذه الحياة تقتضي أن يحرص كل أمير منهم على شراء عدد من المماليك خاصين به ليتقوى بهم، ويكونوا مطية لتنفيذ أغراضه، أو درعا يتقي بهم خصومه، وهذا ما يقضي في الوقت نفسه على توفير مبالغ كبيرة من المال لدى السلطان ليتمكن من شراء المماليك، وهذا يستدعي فرض ضرائب جديدة كثيرا ما أن الشعب من وطأتها، وانكسر ظهره من ثقلها (٣). ورغم هذه الصفحة القاتمة في تاريخ المماليك، فقد كان لهم دور بارز في الغزو والجهاد، وأثر واضح فيه، وهو الذي أعطى تلك السمعة وأظهر لهم الهيبة لدى المسلمين في كل أرض، ولو أنصفناهم في هذا الميدان لرفعنا من سمعتهم. _________ (١) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ١٢ - ١٣. (٢) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ١٣ - ١٤. (٣) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص ١٣ - ١٤.

стр. 44

لقد وقف المماليك أمام التتار الذين لم يستطع أن يقف أمامهم أحد، وانتصروا عليهم في معركة «عين جالوت» رمضان سنة ٦٥٨ هـ، وتابعوا فلولهم حتى أخرجوهم من بلاد الشام مهزومين بعد أن دخلوها ظافرين (١). وكان لعين جالوت صدى واسعا، قد جعل دعاية واسعة للمماليك، وخاصة أن الناس كانوا لا يتصورون هزيمة كهذه تلحق بالتتار بسبب الرعب الذي أصابهم والهلع الذي ملأ قلوبهم بأن التتار العدو الذي لا يقهر، وسرعان ما بدد فرسان المماليك وجنود الإسلام هذه النظرية. إن الهجوم التتاري الوحشي من الشرق على ديار الإسلام، والحقد الواضح الذي بدا منهم، جعل المسلمين يعودون قليلا إلى دينهم، كما كانت دعوة حكامهم بالدرجة الأولى إلى وحدة صفوف المسلمين للوقوف في وجه الأعداء، وخاصة أولئك التي تعرضت بلادهم للتخريب والتدمير التتاري. وكما وقف المماليك في وجه التتار، وقفوا كذلك في وجه الصليبيين، وتمكنوا من إخراج بقاياهم من بلاد الشام سنة ٦٩٠ هـ، ومن جزيرة أرواد سنة ٧٠٢ هـ (٢). ٣ - الحجاز تحت حكم المماليك: حرصت مصر في عصر المماليك على بسط نفوذها السياسي على الحجاز، وكان شرفا عظيما، وسندا قويا لكل حاكم مسلم، أن يظهر أمام الرأي العام الإسلامي في صورة حامي حمى الحرمين الشريفين، والمدافع عن الحجاز وبقاعه المقدسة. _________ (١). انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٢٨٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٢٩١. (٢). انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٧١، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٤١١.

стр. 45

ومنذ قيام دولة المماليك وسلاطينها يظهرون إهتماما خاصا بالحجاز، لم يقتصر على العناية بعمارة الحرم النبوي وإرسال الكسوة إلى الكعبة المشرفة فحسب، وإنما امتدت عناية المماليك إلى بسط نفوذهم السياسي على الحجاز لأهميته الدينية والسياسية والتجارية (١)، فهو - الحجاز - مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، حيث هناك بيت الله الحرام، ومهبط الوحي، ومنطلق الدعوة، ومدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهذا ما جعل لدولة المماليك مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين، إضافة إلى لفها خلفاء بني العباس وأبنائهم، وإعادة الخلافة بعد سقوطها. هذا بالنسبة إلى تبعية الحجاز العامة، أو دعاء الخطباء في الجمع والأعياد، أما بالنسبة إلى السلطة الفعلية فقد كانت بيد أسر، تنتسب إلى الحسن أو الحسين أبناء علي بن أبي طالب ﵃، وتعد نفسها عمالا لأصحاب السلطة في القاهرة (٢). والواقع أن الخلافات بين أشراف الحجاز أنفسهم هي التي أتاحت للسلطان بيبرس تحقيق هدفه في الحجاز، ذلك أنه قدم إلى مصر الشريف بدر الدين مالك بن منيف ليشكو عمه جماز بن شيحة (٣) أمير المدينة، الذي حرمه نصيبه في نصف إمرتها إلى السلطان بيبرس سنة ٦٦٥ هـ، فقلده السلطان نصف إمرة المدينة، وأرسل إلى عمه يعلمه بذلك، فامتثل لأمر _________ (١) انظر: المقريزي: السلوك ١/ ٤٤٥،٥٠٤،٥١٢، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٢٣٨. (٢) انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي ص ٩٧. (٣) جماز بن شيحة بن هاشم، عز الدين، أبو سند الحسيني، أمير المدينة المنورة، وليها بعد موت أخيه منيف سنة ست وخمسين وستمائة، ثم انتزعها منه ابن أخيه مالك بن منيف في سنة ٦٦٥ هـ، ثم رجعت إليه في سنة سبعمائة، فوليها إلى أن مات في سنة ٧٠٤ هـ. انظر: السخاوي: التحفة اللطيفة ١/ ٢٤٤.

стр. 46

سلطان مصر بيبرس (١). ولم يمض عامان حتى وقع خلاف في مكة بين الشريف نجم الدين محمد أبي نمي (٢)، وبين عمه وشريكه في إمرتها الشريف بهاء الدين إدريس (٣)، فاغتنم السلطان بيبرس الفرصة لتسوية النزاع بينهما لتأكيد سلطانه على مكة، ورتب لهما عشرين ألف درهم كل سنة، شريطة ألا يجمعا من أحد مكوسا، ولا يمنعا أحدا من زيارة البيت الحرام، أو يتعرضا للتجار بسوء في الحرم والمشاعر المقدسة، فضلا عن نقش إسمه على نقود الحجاز، فوافق الأميران على ذلك، ثم كتب لهما السلطان بيبرس تقليدا بالإمرة، وسلم لنوابهما أوقاف الحرم في مصر والشام، وبذلك ضمن بيبرس سيادته الفعلية على الحجاز (٤). ولم يبق بعد ذلك أمام بيبرس سلطان مصر، سوى أن يذهب بنفسه إلى الحجاز لإشاعة جو الإستقرار فيه من ناحية، وتأدية مناسك الحج من ناحية أخرى، فسار إليه في سنة ٦٦٧ هـ، فزار المدينة المنورة، ثم توجه إلى مكة المكرمة، فغسل الكعبة المشرفة بيديه، وانتهز فرصة وجوده هناك، فعين أحد _________ (١) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ٢٨٤ - ٢٨٥، السخاوي: التحفة اللطيفة ١/ ٢٤٤. (٢) محمد بن حسن الحسني، مجد الدين أبو نمي، صاحب مكة، ولي إمرة مكة نحو خمسين وشاركه عمه إدريس في بعضها، بدأت إمرته في سنة ٦٥٣ هـ، مات في صفر سنة ٧٠١ هـ. انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ١/ ٤٥٦ - ٤٧١. (٣) إدريس بن قتادة الحسني، بهاء الدين، أمير مكة، ولي إمرتها نحو سبع عشرة سنة شريكا لابن أخيه، قتله أبو نمي في سنة ٦٦٩ هـ. انظر: الفاسي: العقد الثمين ٣/ ٢٧٩. (٤) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ٣٥١،٣٥٢، المقريزي: السلوك ١/ ٥٦٠،٥٧٩، الفاسي: العقد الثمين ١/ ٤٥٩، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٢٣٨.

стр. 47

أمرائه «شمس الدين مروان» (١) نائبا عنه في مكة ليكون الحل والعقد في يديه، ومرجع صاحبي مكة إليه (٢). وقد وضح من تلك الزيارة أن العلاقة بين الظاهر بيبرس، وبين أشراف المدينة لم تكن على ما يرام بدليل رفضهم مقابلة السلطان، وفرارهم منها خوفا منه، مما يدل على إحساسهم بثقل وطأة الحكم المصري عليهم (٣). ولم تستقر الأوضاع لدولة المماليك في الحجاز بعد عهد بيبرس، إذا استمرت الخلافات بين الأشراف في مكة والمدينة تثير مشاكل عديدة في وجه دولة المماليك. وظل الأمر كذلك حتى تولى السلطان الناصر محمد بن قلاوون سلطنة مصر - ولا سيما في الفترة الثالثة ٧٠٩/ ٧٤١ هـ - فاهتم بشؤون مكة والمدينة، وأعانه على بسط قبضته على الحجاز، ذلك الخلاف الذي تجلى بين أمراء مكة والمدينة، والتجاء المنهزم منهم إليه، ليستمد العون والنصرة - بعد الله - منه، فقد استغل استنجاد الشريف منصور بن جماز (٤) له على ابن _________ (١) مروان الظاهري شمس الدين، أمير مكة، حج مع الظاهر بيبرس في سنة ٦٦٧ هـ، فسأل أمير مكة إدريس، وابن أخيه أبي نمي السلطان بيبرس أن يولي من جهته نائبا تقوى به نفسهما، فرتب السلطان مروان هذا، أخرجه أشراف مكة من مكة في سنة ٦٦٨ هـ. انظر: الفاسي: العقد الثمين ٧/ ١٧٢. (٢) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص ٣٥٥،٣٥٦، المقريزي: الذهب في ذكر من حج من الخلفاء ص ٩١ - ٩٢، الفاسي: العقد الثمين ٧/ ١٧٢. (٣) انظر: المقريزي: السلوك ١/ ٥٨٠ - ٥٨٢، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٢٣٩. (٤) منصور بن جماز بن شيحة الحسيني، أمير المدينة المنورة، قتل في رابع عشرين شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فكانت مدة ولايته على المدينة ثلاثا وعشرين سنة وأياما. انظر: ابن تغري: النجوم الزاهرة ٩/ ٢٦٤.

стр. 48

أخيه ماجد بن مقبل (١)، الذي انتزع من منصور إمرة المدينة سنة ٧١٧ هـ، وأمده الناصر محمد بجيش استعاد به إمرته، التي بقي محتفظا بها حتى توفي سنة ٧٢٥ هـ (٢). كذلك لم تكن الحال مستقرة في مكة المكرمة، بسبب تنافس أمرائها على الإمرة فيها، فقد تولى مجد الدين محمد أبو نمي شرافة مكة سنة ٦٥٣ - ٧٠١ هـ، وشغل وأولاده من بعده بالرسوليين (٣) والمماليك قرنا من الزمن، حيث لم يثبت أحد من الأشراف على الولاء أكثر من عام على الغالب لبعد الشقة بين مكة ومصر من جهة أو بين مكة واليمن من جهة ثانية، فما أن يبعث المماليك جيشا يخضع مكة حتى يسارع الرسوليين إلى إرسال جيش في العام التالي، ولم يكن لكلا الجانبين قوة كبيرة تسمح له بترك حامية معززة في مكة تحول دون تمرد الشرفاء، أو تمنع قدوم قوة الآخرين إلى مكة (٤). كما كان الخلاف يقع بين الأخوة، فيستعين هذا بجانب وذاك بجانب آخر، فيتعاقب الأخوة على شرافة مكة، وفي الوقت نفسه يتعاقب النفوذ الذي يدعم الشريف على أخيه أو خصمه، ولعل أشد هذه الخلافات ما وقع بين _________ (١) ماجد بن مقبل بن جماز الحسيني، قتل بالمدينة في جمادى الأولى سنة ٧١٧ هـ. انظر: السخاوي: التحفة اللطيفة ٢/ ٣٩٩. (٢) انظر: ابن تغري: النجوم الزاهرة ٩/ ٢٦٤، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٢٣٩. (٣) حكمت اليمن أسرة آل رسول من سنة ٦٢٦ - ٨٥٨ هـ، وبلغت قوة اليمن في أثناء ذلك درجة كبيرة بحيث كانت تسيطر أحيانا على الحجاز، ويمتد نفوذها إلى نهاية حضرموت شرقا، وكان أول الأمراء من آل رسول بدر الدين الحسن بن علي بن رسول، ثم نور الدين عمر بن علي بن رسول منذ سنة ٦٢٦ هـ. انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي ص ١٠٣ - ١٠٥. (٤) انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي ص ٩٨.

стр. 49

أولاد مجد الدين محمد أبو نمي وهم: حميضة (١)، ورميثة (٢)، وعطيفة (٣)، وأبو الغوث (٤) وتدخل سلاطين مصر واليمن في هذا النزاع. فلم تكن الحالة مستقرة في مكة بسبب تنافس أمرائها على الإمرة فيها، فبعد وفاة محمد أبو نمي سنة ٧٠١ هـ، زاد الصراع، وتفرقت الكلمة، ووقع القتال بين الأخوة، وقتل بعضهم بعضا، مما سهل على الناصر محمد بن قلاوون بسط سلطانه عليها، وتعيين أمرائها من قبله، وقد واتته الفرصة حينما جأر الأهالي بالشكوى من الأخوين حميضة ورميثة ولدي أبي نمي، فأرسل السلطان الناصر محمد في سنة ٧١٤ هـ حملة إلى مكة صحبة أخيهما أبي الغيث لخلعهما وإقرار أخيهما أبو الغوث على إمارة مكة (٥)، وحين وصل أبو الغوث إلى مكة هرب منه حميضة ورميثة إلى عسير، واستولى أبو الغوث على _________ (١) حميضة بن أبي نمي محمد الحسني المكي، الملقب عز الدين أمير مكة، ولي إمرة مكة إحدى عشر سنة ونصف، في أربع مرات، منها مرتان شريكا لأخيه رميثة. قتل في سنة ٧٢٠ هـ. انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٤/ ٢٣٢ - ٢٤٣. (٢) رميثة بن أبي نمي محمد الحسني المكي، الملقب بأسد الدين، أمير مكة، ولي إمرة مكة ثلاثين سنة في سبع مرات، منها مرتان شريكا لأخيه حميضة، مات في سنة ٧٤٦ هـ. انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٤/ ٤٠٣. (٣) عطيفة بن أبي نمي محمد الحسني المكي، يلقب بأسد الدين، أمير مكة نحو خمس عشرة سنة، مات محبوسا بالقاهرة سنة ٧٤٣ هـ. انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٦/ ٩٥ - ١٠١. (٤) أبو الغوث بن أبي نمي محمد الحسني المكي، عماد الدين، أمير مكة، ولي إمرتها سنة ٧٠١ هـ شريكا لأخيه، ثم عزل في الموسم سنة ٧٠٤ هـ بأخويه رميثة وحميضة، ثم ولي سنة ٧١٣ هـ، فلما علم به أخواه هربا، فسار إليهما في سنة ٧١٤ هـ، فانهزم أبو الغوث وقتل في سنة ٧١٥ هـ. انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٨/ ٧٩ - ٨٠. (٥) انظر: أبو الفدا: المختصر ٤/ ٧٣، النويري: نهاية الأرب ٣٠/ ٨٩، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٤/ ٢٣٢ - ٢٤٣.

стр. 50

مكة، ولكن رجع حميضة في سنة ٧١٥ هـ، فقتل أخاه أبا الغوث واستولى على مكة، فغضب سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون، فجهز جيشا تحت إمرة عطيفة، فاستولى على مكة، وغادرها حميضة هاربا نحو الشرق (١). وهكذا ظلت مكة مسرحا لمنازعات عديدة بين ذرية أبي نمي، الأمر الذي جعل السلطان الناصر محمد بن قلاوون يرسل بين الحين والآخر تجريدات عسكرية إلى هناك لإقرار الأمور في مكة، أو مناصرة أمير على آخر حسب ولائه لمصر، فضلا عن ذهاب السلطان الناصر محمد المتكررة إلى الحجاز للحج، وعندئذ يغتنم فرصة وجوده هناك لبحث مشاكل أهل الحرمين وإقرار الأمن والنظام في الأراضي المقدسة (٢). ورغم ذلك فقد ظل الحجاز يعيش حالة من عدم الإستقرار إبان هذه الفترة، فقد كان الصراع شديدا على الشرافة منذ مطلع القرن الثامن وحتى منتصف القرن التاسع الهجري. ٤ - وأهم ما يميز العصر من الناحية الثقافية: أصبحت مصر في عهد سلاطين المماليك محورا لنشاط علمي واسع بسبب ما أصاب المسلمين من كوارث على أيدي التتار في العراق والشام، إذ تحول كثير من علماء تلك الأقطار إلى مصر، واختاروها محلا لإقامتهم عقب سقوط بغداد في أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ، وحرقهم للمكتبات، وإغراقهم للكتب في نهر دجلة، وتنكيلهم بالعلماء، ثم أن إحياء الخلافة العباسية في مصر على أيدي سلاطين المماليك سنة ٦٥٩ هـ هيأ القاهرة لأن ترث بغداد، _________ (١) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٤/ ٢٣٢ - ٢٤٣،٨/ ٧٩ - ٨٠، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ٣٣. (٢) انظر: المقريزي: السلوك ٢/ ١٩٧.

стр. 51

وتصبح مركز النشاط العلمي والديني والسياسي في العالم الإسلامي. والواقع أنه ما كان لهذا النشاط العلمي أن يزدهر في عصر المماليك لولا تشجيع السلاطين للعلم والعلماء، وأن ذلك مما يقربهم إلى قلوب الأمة، فبذلوا للعلماء من المال الكثير والمنصب المرموق ما جعلهم يجدون لجمع شوارد العلوم حتى فاضت خزائن الكتب بآثار عقولهم وثمار أفكارهم، فازدهرت الحركة الثقافية، واتت ثمارها المرجوة بسبب التنافس بين العلماء، والغيرة على تراث المسلمين الذي أباد التتار كثيرا منه. وقد ربط السيوطي بين إحياء الخلافة العباسية في مصر وبين النشاط العلمي الواسع فيها بقوله: «أنه منذ إحياء الخلافة العباسية في مصر غدت هذه البلاد محل سكن العلماء ومحط رجال الفضلاء» (١). وتضافرت جهود العلماء لخدمة اللغة والدين، وصار بمصر نهضة علمية مباركة امتدت روافدها إلى الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة. وكانت الروح الدينية لدى السلاطين المماليك والشعب عامة مرتفعة، ويبدو هذا في كثرة المنشآت الدينية التي ظهرت في تلك المرحلة من مساجد، ومدارس، وحلقات العلم، وتقوم على تدريس العلوم الدينية، وتقديم الخدمات لطلبة العلم، هذا بالإضافة إلى الكتب الدينية التي صدرت انذاك، وربما كان ذلك يعود إلى الحروب الدينية التي خاضها المماليك ضد التتار من جهة وضد الصليبيين من جهة ثانية، أو إلى الحماس الديني الذي انتشر في تلك الآونة، حيث وجد المسلمون أنفسهم أنهم وعقيدتهم الهدف من الهجمات الشرسة من أعداء الإسلام. _________ (١) انظر: السيوطي. حسن المحاضرة ٢/ ٩٤.

стр. 52

وربما كان تدوين الكتب الدينية وانصراف الناس نحوها نتيجة هجوم أعداء الإسلام على تراث المسلمين فدمروه، فانبرى أهل العلم إلى التدوين، وربما كانت هذه المرحلة أغنى أوقات التدوين للتراث الإسلامي، فظهر وبرز كثير من مشاهير العلماء كظاهرة ثقافية للعصر، ومن هؤلاء العلماء: *النووي يحيى بن شرف الحزامي، محي الدين، أبو زكريا، ولد ببلدة نوى من قرى حوران بالشام، وكان فقيها محدثا، توفي ببلدته سنة ٧٧٦ هـ، ومن مصنفاته «تهذيب الأسماء واللغات»، «المنهاج في شرح صحيح مسلم» (١). *عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي، المتوفي سنة ٦٦٠ هـ. ومن مصنفاته «قواعد الأحكام في إصلاح الأنام»، «الإلمام في أدلة الأحكام». *ابن تيمية شيخ الإسلام تقي الدين، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الحنبلي، ولد بحران سنة ٦٦١ هـ، وسمع من العلماء وهو صغير، وأقبل على العلوم فظهر نبوغه، وتأهل للفتوى والتدريس، وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك والفهم، مما أعانه على نصرة الكتاب والسنة اشترك في جهاد التتار، ومات ﵀ في قلعة دمشق معتقلا في ذي القعدة سنة ٧٢٨ هـ. ومن مصنفاته: «الفتاوى»، «منهاج السنة» (٢). _________ (١) انظر: الذهبي: العبر ٣/ ٣٣٤، ابن تغري. النجوم الزاهرة ٧/ ٢٧٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٥/ ٣٥٤. (٢) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ١٣٥، الذهبي: العبر ٤/ ٨٤، ابن تغري: النجوم الزاهرة ٩/ ٢٧١، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ٨٠.

стр. 53

*ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، أبو عبد الله شمس الدين، تتلمذ على يد استاذه ابن تيمية ونشر علمه، توفي بدمشق سنة ٧٥١ هـ. ومن مصنفاته «أعلام الموقعين»، «زاد المعاد» (١). *المزي يوسف بن عبد الرحمن، أبو الحجاج جمال الدين، محدث الديار الشامية في عصره، توفي بدمشق سنة ٧٤٢ هـ، ومن مصنفاته «تهذيب الكمال»، «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» (٢). *شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد، أبو عبد الله، حافظ ومؤرخ طاف البلاد، توفي بدمشق سنة ٧٤٨ هـ، ومن مصنفاته «تاريخ الإسلام الكبير»، «سير أعلام النبلاء»، «ميزان الإعتدال» (٣). *ابن كثير إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، أبو الفدا عماد الدين، حافظ ومؤرخ فقيه، توفي بدمشق سنة ٧٧٤ هـ، ومن مصنفاته «البداية والنهاية»، «تفسير القرآن الكريم»، «النهاية أو الفتن والملاحم» (٤). خامسا - عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف. لا يحتاج عنوان الكتاب وهو: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار _________ (١) انظر: الذهبي: العبر ٤/ ١٥٥، ابن تغري: النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٩، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٦٨. (٢) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ١٩١، الذهبي: العبر ٤/ ١٢٦، ابن تغري: النجوم الزاهرة ١٠/ ٧٦، ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٣٦. (٣) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ١٥٣. (٤) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب ٦/ ٢٣١.

стр. 54

هجرة النبي المختار» إلى تحقيق أو جهد في نسبة الكتاب إلى المؤلف، وأيضا في إنتساب الكتاب إليه، ذلك أن عفيف الدين المرجاني قد أثبته في مقدمة الكتاب من مصورة الحرم المكي (١)، وفي مصورة لالى بتركيا (٢) فقال: «وسميته: بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار». وفي الأوراق الملحقة في نهاية مصور الحرم المكي (٣) صرحت بأن: «مؤلف هذا الكتاب المسمى بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار هو الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي مروان عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن محمد البكري القرشي التونسي الأصل الأسكندري المولد المكي الدار، المعروف بالمرجاني». فقد صرحت هذه الأوراق الملحقة باسم الكتاب، والمؤلف كاملا، وأكدت نسبة الكتاب إلى صاحبه. وأشارت كتب فهارس المخطوطات الحديثة (٤) بأن كتاب: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» مؤلفه هو: عبد الله بن عبد الملك المرجاني، وأشار الفهرس بأن للكتاب مصورتين: الأولى: برقم (٧٩) تاريخ مصورة عن نسخة خطية بمكتبة الحرم المكي الشريف. _________ (١) انظر: مصورة بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ١). (٢) انظر: مصورة بمركز إحياء التراث رقم ١١٢٥ تاريخ (ق ٤). (٣) انظر: أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم ٧٩ تاريخ (ق ١). (٤) انظر: فهرس مخطوطات التاريخ والتراجم، مركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، الجزء الأول، حرف (ب).

стр. 55

والثانية: برقم (١١٢٥) تاريخ مصورة عن نسخة خطية بمكتبة لالي تركيا. وتوجد نسخة خطية في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (٤٥) تاريخ. وجميع هذه الأصول والمصورات للمخطوط صرحت كما هو مثبت عليها باسم الكتاب، وأكدت نسبته إلى المؤلف. وأشار حاجي خليفة (١) إلى الكتاب بقوله: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ هجرة المختار، لأبي محمد عبد الله بن عبد الملك القرشي البكري المرجاني». وفي المصادر المطبوعة صرحت باسم الكتاب، والمؤلف كاملا، فقد صرح تقي الدين الفاسي (٢) باسم المؤلف والكتاب فقال: «عبد الله بن عبد الملك ابن عبد الله بن محمد بن محمد البكري التونسي الأصل الأسكندري المولد، المكي الدار، المعروف بالمرجاني، صاحب كتاب: بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة المختار». كما صرح شمس الدين السخاوي في كتابه (٣)، وكما ورد في العقد الثمين نقلا عن تقي الدين الفاسي. وصرح ابن الضياء المكي، في كتابه باسم الكتاب والمؤلف (٤). _________ (١) انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون ١/ ٢٥٩. (٢) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين ٥/ ٢٠٢ - ٢٠٥. (٣) انظر: شمس الدين السخاوي: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة ٢/ ٥٦. (٤) انظر: ابن الضياء المكي: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة ص ٤٥،٤٩،٥١، ٨١،٨٣،٨٤،٨٦،٩٤،١٢٤،١٢٧،١٤٥،١٦٧،١٧٢،١٧٧ الخ.

стр. 56

وفي المصادر المخطوطة، فقد صرحت أيضا باسم المؤلف والكتاب كاملا، فقد صرح قطب الدين النهرواني في كتابه بأن الشيخ عبد الله المرجاني، عفيف الدين ألف كتاب: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة المختار» (١). وصرح محمد بامخرمة في كتابه (٢) باسم الكتاب والمؤلف، وأورد ما ذكره تقي الدين الفاسي. وبذلك أجمعت فهارس المخطوطات، والمصادر المطبوعة والمخطوطة بأن كتاب: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار، لأبي محمد عفيف الدين عبد الله بن عبد الملك المرجاني». ويلاحظ أن مصورة الحرم المكي أضاف إلى العنوان في مقدمة المؤلف كلمة «النبي» قبل المختار خلافا للعنوان المثبت على لوحة الغلاف، وبالنسبة إلى غلاف مصورة لالي بتركيا أضاف إلى العنوان كلمة «النبي» قبل المختار، وأثبت في لقبه «عفيف الملة والدين» خلافا لقطب الدين النهرواني فصرح بأن لقبه «عفيف الدين» (٣). ويلاحظ - أيضا - أن كلا من «كحالة» (٤)، «خير الدين الزركلي» (٥) أشارا بأن جد المؤلف وهو: عبد الله بن محمد المرجاني، المتوفي سنة تسع _________ (١) انظر: قطب الدين النهرواني: تاريخ المدينة المنورة، مخطوط بمركز إحياء التراث، جامعة أم القرى، رقم (١٦٦) تاريخ ق ٢٧،٣٠،٣١،٧٦. (٢) انظر: محمد بامخرمة: قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر، مخطوط بمركز إحياء التراث، جامعة أم القرى، رقم (١٤٢٩) تاريخ ق ١٦٣. (٣) انظر: قطب الدين النهرواني: تاريخ المدينة المنورة، مخطوط بمركز إحياء التراث، جامعة أم القرى، رقم (١٦٦) تاريخ ق ٢٧،٣٠،٣١،٤٦،٥٤. (٤) انظر: كحالة: معجم المؤلفين ٦/ ١٣٠. (٥) انظر: الزركلي: الأعلام ٤/ ١٢٥.

стр. 57

وتسعون وستمائة، هو صاحب كتاب «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ هجرة النبي المختار»، وأشار «خير الدين الزركلي» (١) إلى عنوان الكتاب: «بهجة الشموس (٢) والأسرار في تأريخ هجرة المختار». ولكننا إذا تصفحنا أوراق مخطوط «بهجة النفوس والأسرار … » من أوله وحتى نهايته، نجد كثيرا من الإشارات التاريخية تحدث فيها المؤلف عن نفسه ومشاهداته في تواريخ لاحقة على وفاة جده، ومعاصره لحياة المؤلف «عفيف الدين المرجاني» وبعد وفاة جده أيضا، وهذا يؤكد نسبة الكتاب إلى «عفيف الدين المرجاني» وليس إلى جده كما ذكر كلا من: كحالة، وخير الدين الزركلي، ومن هذه المشاهدات المؤرخة: *ما ورد في (ق ٢٠): «وأنشدت بالجبل لمعنى رأيته في سنة أربع وخمسين وسبعمائة». *وما ورد في (ق ٤٧): «وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة شاهدنا الطاعون الأعظم، واستمر إلى نصف سنة خمسين وسبعمائة». *وما ورد في (ق ١١١): «وفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة، أراني والدي ما تبقى من جدار الخندق بالمدينة». *وما ورد في (ق ١٣٨): «رأيت بمكة نسخة من مصحف عثمان في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة». *وما ورد في (ق ٢٣٢): «رأيت مدينة حمص في سنة سبع وخمسين وسبعمائة». _________ (١) انظر: الزركلي: الأعلام ٤/ ١٢٥. (٢) يبدو أن كلمة «الشموس» هنا محرفة عن أصل الكلمة «النفوس».

стр. 58

كل هذه المشاهدات المدونة، والمؤرخة بتواريخ ثابتة في الكتاب بعد وفاة جده - المتوفي في سنة ٦٩٩ هـ - تؤكد نسبة الكتاب إلى «عفيف الدين عبد الله ابن عبد الملك بن عبد الله بن محمد البكري القرشي، المعروف بالمرجاني». سادسا - منهج المؤلف في الكتاب. يمكن أن نبرز الملامح العامة لمنهجه في الكتاب فيما يلي: ١ - وضع عفيف الدين المرجاني مقدمة للكتاب، وضح فيها تبويبه لمحتويات الكتاب لكي ينير الطريق للقاريء بتوضيح منهجه الذي يسير عليه، وتلك طريقة فريدة في التأليف. ٢ - في المقدمة أشار المؤلف أنه حذف الإسناد وانتخب ما أورده من مصنفات كتب تنيف على المائتين. ٣ - رتب المؤلف كتابه ترتيبا «موضوعيا» من مقدمة وعشرة أبواب معنونة بعناوين واضحة ومناسبة لموضوع الكتاب، وأدرج تحت كل باب فصولا تتصل اتصالا مباشرا بعنوان الباب مما يدل على حسن العرض والتبويب، والفهم لموضوع الكتاب، مع سلامة المنهج في إخراج الكتاب. ٤ - يلاحظ أنه ليس هناك تطابق في طول الفصول أو قصرها، وإنما يتوقف ذلك على الأخبار التي يرى أنها توفي بالغرض. ٥ - أن الجانب الأدبي، وما أورده المؤلف في كتابه من أشعار شيء يلفت النظر، فنراه يبدأ الكتاب بقصيدة في فضائل المدينة، وقصيدة أخرى في فضل التربة المكرمة على من سواها من الأماكن، ونراه في ثنايا الفصول يورد لنا كثيرا من الأشعار، قيلت في مناسبات عديدة، سواء كان ذلك من إنشاده،

стр. 59

أم من إنشاد غيره. ٦ - أن الجانب الفقهي في الكتاب محدود، ولا سيما فيما يتعلق بإثبات حرمة المدينة الشريفة، وذكر فضائلها، وتحريمها، وتحديد حدود حرمها، وحكم الصيد فيها، وحكم زيارة النبي ﷺ ، وفضلها، وكيفيتها، وحكم الصلاة والسلام عليه ﷺ ، وفضيلة ذلك. ٧ - كان المؤلف يصرح بالنقل عمن سبقه، فقد أورد في مقدمة الكتاب أبرز المصادر التي اعتمد عليها، بخلاف الكتب الأخرى، والتي أشار إليها في تضاعيف الأخبار التي أوردها في الكتاب، فكان يصرح بالنقل عمن سبقه، أو عاصره - مثل جمال الدين المطري ت ٧٤١ هـ - بذكر اسمه، وكتابه، أو بذكر إسم الكتاب، أو بذكر اسم صاحب الكتاب فقط محافظا على ألفاظ الأداء محافظة دقيقة. فالمؤلف نهج طريقة مثلى في التأليف، فكان يقول: قال فلان كذا، وقال آخر في كتابه كذا، والمتصفح لأوراق المخطوط يلحظ ذلك بشكل واضح ومكثف، وبذلك يعرض الآراء والأخبار للموضوع الذي يتناوله. والمرجاني حينما كان يسند المنقول إلى المؤلف مع إغفال ذكر كتابه كنحو «قال فلان» ولا يخفي ما لهؤلاء من مؤلفات متعددة في فنون مختلفة، مما لا يتحدد معه المصدر المنقول عنه بسهولة. وحينما كان المرجاني يذكر اسم الكتاب فقط دون أن يشير إلى صاحبه، وربما يكون اسم الكتاب مشتركا بين أكثر من مؤلف، مما لا يتحدد معه اسم صاحب الكتاب بسهولة. وهذه المآخذ على منهج المؤلف، لا تقلل من قيمة الكتاب، لأن هذه النقول حفظت لنا كتبا قيمة نقلها عن كتب أصبحت مفقود أصولها حتى الآن. ٢ - بهجة النفوس ١

стр. 60

٨ - التزم المؤلف بالعناوين التي أوردها، ولكنه يستطرد كثيرا على عادة المؤرخين الذين كانوا لا يتقيدون بالعناوين التي يضعونها، وإنما يخرجون عن الموضوعات الرئيسية إلى موضوعات جانبية كثيرة، وقد التزم المؤلف بالعناوين التي أوردها إلا في الحالات التي أورد لها عناوين فرعية رآها - من وجهة نظره - مناسبة لما أورده. والرجل معذور في ذلك لأنه ابن العصر الذي نشأ فيه، والذي لا يعيب هذا المنهج، ومن هنا يبدو الكتاب، وكأنه أشبه بدائرة للمعارف المتنوعة، بحيث لا يخلو فصل من فصول الكتاب من استعراض لهذا الإستطراد، بالخروج عن الموضوع الرئيسي، ثم العودة إليه، مشيرا إلى ذلك في البداية والنهاية بأن يقول: «رجعنا إلى القصة» أو «رجعنا إلى ما كنا بسببه» أو «رجعنا إلى المقصود» أو «رجعنا إلى الموضوع» أو «والآن نشير إلى ما نحن بصدده» أو «رجعنا إلى المقصد الأول» ومن أمثلة ذلك: *في الباب الأول: - وفي الفصل الأول منه: ابتداء خلق الأرض، أقاليم الأرض. - وفي الفصل الثاني: الأرض في القرآن. - وفي الفصل الثالث: الفراعنة، والأوائل. *في الباب الرابع: - وفي الفصل الأول منه: العشرة المبشرون بالجنة، المؤآخاة بين الصحابة، عمات النبي ﷺ ، فرسان الإسلام، فرسان الجاهلية، فقهاء المدينة، طبقات الفقهاء بالمدينة … الخ

стр. 61

*في الباب السادس: - وفي الفصل السابع عشر: الناس في القرآن. - وفي الفصل السادس والعشرون: المصحف العثماني، أول من جمع القرآن، أول من ضبط القرآن بالنقط. *في الباب الثامن: - وفي الفصل التاسع: تسمية الخلفاء بعد أبي بكر ﵁، حتى آخر خلفاء بني العباس. - في الفصل العاشر: بعض العجائب في فتح مصر. سابعا - الأصول المخطوطة للكتاب. يوجد للكتاب مصورتان، عن نسخ خطيّة وهما: ١ - مصورة عن نسخة خطية، بمكتبة الحرم المكي الشريف، رقم (١٣) تاريخ دهلوي، ورقم مصورة «الميكرو فيلم» بمركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى - (٧٩) تاريخ. ٢ - مصورة عن نسخة خطية، بمكتبة «لالي تركيا» رقم (٢٠٠١)، ورقم مصورة «الميكرو فيلم» بمركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى (١١٢٥) تاريخ. *كما توجد نسخة خطية بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، رقم (٤٥) تاريخ.

стр. 62

* المصورة الأولى «مصورة الحرم المكي»: تبين لي من فحص «مصورة الحرم المكي» ما يلي: هذه المصورة نقلت بالتصوير «الميكرو فيلم» وعنوان لوحة الغلاف: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة المختار لمولانا العلامة، المشار في حل المشكلات إليه، والفهامة المعول في كشف المعضلات عليه، المحقق الذي لا يراع له مراع، المدقق الذي راق فضله، وراع ناشر علمي العلم والعمل، أبي محمد عبد الله بن عبد الملك القرشي البكري القرطبي المرجاني، أدام الله محامده، وكبت حاسده، ولا شق له غبار، ولا كبى به جواد في مضماره» «تاريخ تحريره سنة ٧٥١ هـ» (١). وكتب على غلاف «مصورة الحرم المكي» بخط مغاير: «الوقف لله بالمكتبة الفيضية المباركشاهن، البكرية بمكة المشرفة البهية، حرسها رب البرية، عن كل آفة وبلية آمين». ومكتوب على الحاشية اليمنى تمليكه: «ملك الفقير إلى ربه الحنفي عبد الستار بن عبد الوهاب الكتبي المكي سنة ١٣٠٩ هـ». _________ (١) كيف نوفق بين ما هو مدون على غلاف مصورة الحرم المكي بأن «تحريره سنة ٧٥١ هـ»، وبين الإشارات والمشاهدات المدونة داخل المخطوط، ومؤرخة بتواريخ محددة، وقعت للمؤلف في تاريخ لا حق على تحريره؟ ومن هذه الإشارات والمشاهدات ما ورد في ورقة (٢٠،٤٧،١١١،١٣٨) فما هو مدون على غلاف مصورة الحرم المكي أنها حررت سنة ٧٥١ هـ لا يتفق وهذه المشاهدات التي سجلها المؤلف داخل أوراق المخطوط في سنة ٧٥٤ هـ،٧٥٧ هـ فكيف نوفق بين هذا؟ يمكن أن نقول: بأن المؤلف بدأ تحرير الكتاب في سنة ٧٥١ هـ، واستمر فيه إلى ما بعد سنة ٧٥٧ هـ، ويرجح صحة ما توصلت إليه: ما ورد في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي، فقد أشار عبد العزيز بن عمر بن فهد، بأن المرجاني بدأ تأليفه في شوال سنة ٧٥١ هـ، وتمامه في ذي الحجة سنة ٧٦٠ هـ.

стр. 63

وعدد الأوراق (٣١٣) ورقة، ومسطرتها من ٢٨ - ٣٠ سطرا، ويقارب عدد الكلمات في السطر الواحد (١٢) كلمة، كتبت بخط نسخي معتاد. وهذه النسخة متأكلة من الجوانب، وبها آثار رطوبة وبلل، وأولها جدول - فهرس - لموضوعات الكتاب استغرق (٦) ورقات، كتب بعد نسخ المخطوط. وتبدأ الورقة الأولى بذكر البسملة، ومقدمة الكتاب، وقد كتبت عناوين الكتاب الرئيسية بالمداد الغامق، ولم يجعل الناسخ للعناوين سطرا مستقلا، وإنما تابع الحديث، حتى ولو كان بداية الباب أو الفصل في نهاية السطر، لكنه مكتوب بخط متميز واضح، ويبدأ كل خبر بإبراز أول كلمة فيه بخط واضح، وأثبت الناسخ للمخطوط «تعقيبة» بين أوراق المخطوط، حيث يثبت في أسفل كل ورقة يمنى ومن جهة اليسار بخط صغير اللفظة التي يبدأ بها وجه الورقة التالية والمقابلة للورقة اليمنى ولا سيما في الأوراق المتتابعة التي ليس فيها نقص، وذلك للإطمئنان على سلامة ترتيب أوراق المخطوط. وعن الرسم الإملائي في هذه النسخة: أهمل الناسخ رسم الهمزة بعد ألف المد وفي آخر الكلمة، فحذف الهمزة من الكلمات المهموزة وأبدلها ياء وقصر الممدود، كما حذف الألف في وسط بعض الأعلام، والنسخة بها بعض التصحيفات والتحريفات وعارية عن الضبط والشكل، والنص خال من الفواصل، وتوجد بعض الصفحات بيضاء، وعلى الحواشي بعض التعليقات والإضافات. وفي الكتاب نقص في الباب السادس وذلك من بداية الفصل الرابع، وحتى بداية الفصل الخامس عشر من ورقة (١٢١). ويلاحظ أن تسلسل الأوراق سليم - رغم وجود النقص - بدليل أن مسلسل الأوراق في الفصل الرابع - (ق ١٢١) ومسلسل أوراق الفصل

стр. 64

الخامس عشر - (ق ١٢٢). وقد أشار واضع جدول - فهرس - محتويات الكتاب إلى هذا السقط عند ذكره لمحتويات فهرس الفصل الرابع - من الباب السادس - (ق ١٢١) فقال: «قف على أن في الكتاب نقص في هذا المكان» ثم يذكر بعد ذلك محتويات الفصل الخامس عشر (ق ١٢٢) وهذا يؤكد أن واضع الفهرس لم يكن هو الناسخ للمخطوط. ويوجد نقص آخر في نهاية المخطوط، حيث انتهت المخطوطة بالورقة رقم (٣١٣) وتتناول الحديث عن مقتل عثمان بن عفان ﵁ وحسب ترتيب الفصول فإن مقتل عثمان يقع ضمن محتويات الفصل الرابع من الباب العاشر، وبذلك يكون النقص هنا: بقية الفصل الرابع عن علي بن أبي طالب ﵁ ثم الفصل الخامس والأخير من الكتاب في ذكر من استوطن المدينة الشريفة من الصحابة ﵃ وغيرهم من التابعين. وتلي ورقة (٣١٣) من المخطوط - والخاصة بمقتل عثمان ﵁ أوراقا أخرى ألحقت بالمخطوط غير مرقمة وبدون ترتيب ومدون فيها ترجمة للمؤلف وآبائه وبعض أفراد أسرته، وإشارات تدل على تاريخ نسخ الكتاب ومكان النسخ، ومالك النسخة المنسوبة إلى المؤلف، ومن انتسخ منها بعد، ولهذا: ورغم وجود النقص في فصول الباب السادس والعاشر، ووجود آثار الرطوبة والتأكل في بعض أوراق اللمخطوط فسوف أتخذها أما للعمل لأنها منقولة عن نسخة أصلية كانت ملكا لآل عمر بن فهد، ويتضح ذلك من الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي، فقد أشار عبد العزيز بن عمر بن فهد - معلقا على قول تقي الدين الفاسي صاحب «العقد الثمين» عند ترجمة

стр. 65

للمؤلف بأن له كتابا في تاريخ المدينة بعنوان «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة المختار» في مجلد رأيته بخطه بدأ تأليفه في شوال سنة ٧٥١ هـ وتمامه في ذي الحجة سنة ٧٦٠ هـ قال عبد العزيز بن عمر بن فهد - معلقا على ما سبق: وهي ملك والدي عمر بن فهد … ثم أشار في موقع آخر بقوله: وكانت تلك النسخة بخط عبد العزيز بن عمر بن فهد الهاشمي المكي الشافعي في يوم الأحد سادس عشر من جمادى الثانية عام أربع وسبعين وثمانمائة بمنزلنا بمكة المشرفة. ويستدل مما سبق: أن نسخة الحرم المكي منقولة عن نسخة أصلية كما أشار عبد العزيز بن عمر بن فهد بأنه نسخ عن هذه النسخة التي هي ملك والده نسخة أخرى مسجلا عليها نفس تحرير المؤلف للكتاب - سنة ٧٥١ هـ - أمانة منه على نقل كل ما هو مدون على غلاف النسخة، ثم أشار عبد العزيز إلى تاريخ نسخه ومكانه: في يوم الأحد سادس عشر من جمادى الثانية عام أربع وسبعين وثمانمائة بمنزلنا بمكة المشرفة. ثم علق كاتب التعليق بقوله: «وأظنه هي هذه النسخة بعينها والله أعلم». أي أن النسخة - الملحق في نهايتها هذه التعليقات - من نسخ عبد العزيز بن عمر بن فهد، وهي التي بين أيدينا «نسخة الحرم المكي». وبذلك ترقى هذه النسخة لقدم عهدها وأصالتها أن تكون جديرة أما للعمل. وبمشيئة الله تعالى سوف أستعين بمصورة «لالي بتركيا» والتي نسخت سنة ١١٢٢ هـ في تكملة النقص وفي سد الفراغات من آثار الرطوبة والتأكل في بعض الأوراق بما هو مدون فيها. وبهذا نستطيع أن نصل إلى أقرب صورة للكتاب كما أراده المؤلف.

стр. 66

* المصورة الثانية «لالي بتركيا»: وقد تبين لي من فحص المصورة ما يلي: المصورة نقلت بالتصوير «الميكرو فيلم»، والورقة الأولى تحتوي على الغلاف، وعنوان الغلاف: «كتاب بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار، تأليف العالم العلامة المحرر العمدة الفهامة، عفيف الملة والدين عبد الله بن الشيخ عبد الملك بن عبد الله القرشي البكري المرجاني المغربي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه آمين». وعلى الغلاف ختم دائري منقوش عليه: «هذا وقف سلطان الزمان الغازي سلطان سليم خان بن السلطان مصطفى خان عفى عنهما الرحمن». وقد مهرت أوراق المخطوط بخاتم السلطان الغازي في أماكن متفرقة من المخطوط، في أوله، وفي وسطه، وعند الخاتمة. والورقة الثانية تبدأ بالبسملة، ومقدمة، وأبواب وفصول الكتاب. ويبلغ عدد أوراق هذه المصورة (٢٣٥ ورقة) تساوي (٤٧٠ صفحة)، ومسطرتها (٢١) سطرا، ويقارب عدد الكلمات في السطر الواحد (١٢) كلمة تقريبا، وهي سليمة من جانبيها، وخالية من الخرم في باطنها، وكتبت بقلم النسخ العادي، والناسخ دقيق، ونرجح أن يكون ناسخها خطاطا، وكتبت عناوين الكتاب الرئيسية بالمداد الغامق، وكذلك أوائل الأخبار، حيث يبدأ كل خبر بإبراز أول كلمة في الخبر بخط واضح، وأدرجت العناوين فيها غالبا مع النص، فعناوين المقدمة، والأبواب، والفصول لم يخصص لها سطرا مستقلا،

стр. 67

وإنما تابع الناسخ الحديث، حتى ولو كان بداية الباب أو الفصل في نهاية السطر، لكنه مكتوب بخط متميز. وفي النسخة بعض التصحيفات والتحريفات، وهي عارية عن الشكل، وعن النقط في أحيان كثيرة، والنص خال من الفواصل، ولم نجد فيها ما يدل على سماعها، أو مقابلتها بأصل من الأصول. وتبين لي من فحص مصورة «لالي بتركيا» سلامة النص من النقص الكبير في الأبواب، والتعقيب بين أوراقها يؤيد سلامتها، لتعاقب الكلام فيها دون خلل، حيث يثبت الناسخ في أسفل كل صفحة يمنى ومن جهة اليسار بخط صغير اللفظة التي يبدأ بها وجه الورقة التالية والمقابلة لها، وذلك تأكيدا على سلامة ترتيب الأوراق. ومن خصائص الرسم الإملائي في نسخة «لالي بتركيا»: - اتبع الناسخ أسلوب التسهيل في رسم الهمزة في وسط الكلمة، ونادرا ما أثبتها. - أهمل الناسخ رسم الهمزة بعد ألف المد، وأهمل إثباتها في آخر الكلمة. - حذف الناسخ الألف في وسط أسماء بعض الأعلام المشهورة، والكثيرة التداول. وقد استعمل الناسخ أحيانا إشارات هكذا (ر) بين الكلمات، وهي تدل على أن كلاما سقط أثناء النسخ، وهو موجود بالحواشي قبالة ذلك الإشارة. وقد جاء في ختام النسخة: «قد تحصل الفراغ من انتساخ هذه النسخة المباركة بعد صلاة الظهر نهار السبت تسع وعشرين من شهر الربيع

стр. 68

الثاني سنة ١١٢٢ هـ». وليس فيها ما يشير إلى الأصل الذي نسخت منه، ولم يذكر اسم الناسخ، وهو نقص يؤسف له. ثامنا - منهج التحقيق. عند مباشرة التحقيق واجهتني بعض المصاعب التي يقدرها من عالج الكتب المخطوطة، والحمد لله حالفنا توفيق الله ورعايته في التغلب على بعض هذه المصاعب، إن لم يكن معظمها. وقمت - والحمد لله - بجمع المصورات الممكنة للكتاب فتجمع لدي منها مصورتان «ميكرو فيلم» من مصورات مركز إحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى. *الأولى: برقم (٧٩) تاريخ عن نسخة خطية بمكتبة الحرم المكي الشريف، ورمزت لها بالرمز «ت» أو الأصل. *والثانية: برقم (١١٢٥) تاريخ عن نسخة خطية بمكتبة «لالي بتركيا» ورمزت لها بالرمز (ط). وبمشيئة الله تعالى، سوف أتبع في تحقيق الكتاب النهج التالي: *١ - الإعتماد على مصورة «الحرم المكي» في التحقيق، فأتخذها أصلا، وذلك للاعتبارات العلمية التي ذكرتها عند «وصف النسخ» وقد رمزت لها بحرف «ت» أو «الأصل» فأثبتها بنصها، ولا أبدل إلا ما ظهر لي فيه تصحيف أو تحريف، أو خطأ، وأشير إلى ذلك في الحواشي. *٢ - الإستفادة من «مصورة لالي بتركيا» وأرمز إليها بحرف (ط)

стр. 69

لكي تساعدنا على قراءة ما لم نستطع قراءته من الكلمات في الأصل (ت)، وفي إكمال النقص الذي جاء في بعض أبوابها، وفي تصحيح الإضطراب والإرتباك في بعض عباراتها، فنضع ما أخذناه من المصورة (ط) بين معقوفتين ليكمل النقص الذي في مصورة الأصل (ت) مع الإشارة في حواشي التحقيق إلى مصدر الزيادة. أما الكلمات التي أجدها تتباين بألفاظها ومعانيها بين النسختين المصورتين، فسوف أثبت ما في مصورة نسخة الأصل (ت)، ثم أشير في الحاشية إلى ما ورد في مصورة نسخة (ط)، إلا في حالات قليلة عند ما لا نجد ما ورد في مصورة الأصل (ت) ما يطابق سياق الكلام، فنأخذها كما وردت في المصورة (ط)، ونشير إلى ذلك في الحاشية. *٣ - الإهتمام بمصادر الكتاب عند المقارنة، ولا سيما المصادر التي أشار إليها المؤلف، أو إلى أسماء مؤلفيها في تضاعيف الأخبار، ولذا سأقوم - إن شاء الله - بمراجعة الأصل (ت) ومقابلة ما ورد فيها على المصادر التي أشار إليها المؤلف بالنقل عنها، لكي أوفق بين ما ورد في النص الأصلي، وبين النصوص التي نقلها المؤلف بهدف تحرير النص، وأثبت في الحواشي وجه الخلاف والتعارض، والنقص والزيادة، مع الإشارة في الحاشية إلى ما ورد في المصادر مشابها لنص المتن في المعنى، وذلك بعبارات توضح ذلك مثل: «كذا ورد عند فلان … ». وبهذه الوسيلة نستطيع التعرف على مصادر الكتاب، وكيف استفاد المؤلف من المصادر التي سبقته. وتتمة للفائدة في منهج البحث التاريخي: أوليت - أيضا - إهتماما خاصا بالمصادر التي نقلت عن المؤلف، وأفادت منه، وصرحت بذلك، لكي يتضح لنا

стр. 70

مدى سلامة المتن، ومدى ما استفاد منه اللاحقون الذين جاءوا من بعده، وهذا يعطي لنا قيمة علمية وأهمية للكتاب المحقق. ومن أبرز المصادر التي نقلت عن المؤلف: *محمد بن محمد بن الضياء المكي، (ت ٨٨٥ هـ)، وهو صاحب كتاب: «تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة» (١). *نور الدين علي بن أحمد المصري السمهودي (ت ٩١١ هـ)، وهو صاحب كتاب: «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» (٢). *قطب الدين محمد بن علاء الدين أحمد النهرواني الهندي، ثم المكي (ت ٩٩٠ هـ)، وهو صاحب كتاب: «تاريخ المدينة المنورة» مخطوط بمركز إحياء التراث، جامعة أم القرى، رقم (١٦٦) تاريخ (٣). وبمراجعة هذه النقول التي نقلها «ابن الضياء المكي» و «السمهودي» و «قطب الدين النهرواني» نجدها مطابقة لما ورد في كتاب «بهجة النفوس للمرجاني»، والتي يستدل بها على أمرين: *استفادة اللاحقين من كتاب المرجاني، مما يوضح لنا القيمة العلمية _________ (١) ومن أبرز الإشارات التي نقلها «ابن الضياء المكي» في كتابه، وكما صرح بالنقل عن المرجاني باسمه، وباسم الكتاب في صفحات:٤٥،٤٩،٥١،٨١،٨٣،٨٤،٨٦،٩٤،١٢٤،١٢٧،١٤٥،١٦٧،١٧٢،١٧٧،١٨٦،١٨٨،١٩١،١٩٨،٢٠٢،٢٠٦،٢١٣،٢٢٥،٢٣١، ٢٣٧،٢٣٨،٢٤٤،٢٥٨،٢٥٩. (٢) ومن أبرز الإشارات التي نقلها السمهودي في كتابه، وبالتحديد في صفحات:١١٩،٣٤٩،٣٥٣،٣٦٨،٦٥٤،٧٩٩،٨٥٣،١٠٣٦،١١٢٣،١٣٥٥. (٣) ومن أبرز ما نقله قطب الدين النهرواني في كتابه المخطوط في ورقة:٢٧،٣٠،٣١،٤٦،٥٤، ٧٦،٩٠،٩٦،١٠٥،١٢٠،١٢٣،١٢٨،١٤٠،١٤٦،١٥٤،١٦٧،١٨٧،١٨٩،١٩١، ١٩٩،٢٠٩،٢١٣،٢٢٢،٢٤٦،٢٤٧،٢٤٨.

стр. 71

للكتاب بظهور أقوال وآراء المرجاني في مؤلفات اللاحقين. *صحة نسبة الكتاب، وما ورد فيه من أقوال إلى المرجاني، وتلك قيمة علمية نحرص عليها. *٤ - التعريف بالأعلام الواردة في المتن، وبالقدر الذي يخدم النص. *٥ - عزو الآيات القرآنية الكريمة إلى سورها. *٦ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة. *٧ - تخريج الشعر الواردة في المتن من مظانها. *٨ - تعريف الجماعات، والقبائل، والأنساب، والفرق، والمذاهب، والأيام الواردة في المتن. *٩ - الكشف عن غريب الألفاظ من معاجم اللغة. *١٠ - التعريف بالأعلام الجغرافية الواردة في المتن، لتوضيح خطط المدينة المنورة، وما يتصل بها. *١١ - التعريف بالكتب وبمؤلفيها، التي استعان بها المؤلف في توثيق الكتاب. *١٢ - القيام بوضع فهارس فنية تتصل بالمقدمة، ومتن الكتب وتشمل: - فهرس الآيات القرآنية الكريمة. - فهرس الأحاديث النبوية الشريفة. - فهرس الأعلام. - فهرس الشعر. - فهرس الأماكن والبلدان.

стр. 72

- فهرس الأيام والفتوح. - فهرس الأمم والقبائل والجماعات والملل. - فهرس الكتب الواردة في المتن. - فهرس المصادر والمراجع العامة في الدراسة والتحقيق. - فهرس عام لمحتويات الكتاب. وغير ذلك مما يحتاج إلى تعريف، مرتبا على حروف المعجم لتيسير الكشف والإفادة. *١٣ - الرموز: بمشيئة الله تعالى - سوف أستخدم في التحقيق الرموز، والأقواس، والإشارات المبينة أدناه: (ت) أو الأصل: - «بهجة النفوس» مصورة الحرم المكي الشريف. (ط): - «بهجة النفوس» مصورة «لالى بتركيا». (هـ): - إشارة إلى السنة الهجرية. []: - القوسان المربعان، أو المعقوفتان لحصر الإضافات أو النقص الطاريء على النص. (ص): - في الحواشي إشارة إلى صفحات المصادر. (ق): - إختصار لكلمة «ورقة» عند ذكر المخطوطات. / -[]: - الخط المائل والمعقوفتان على يسار المتن إشارة إلى الفصل بين صفحات الأصل.

стр. 73

(//): - علامات التنصيص المزهرة لحصر الآيات القرآنية الكريمة. «»: - علامات التنصيص الصغيرة لحصر الأحاديث النبوية الشريفة، والأقوال، وأسماء الكتب الواردة في المتن. : - تدل على بياض في الأصل. وبعد: فإني أرجو أن يكون توفيق الله قد حالفنا فيما بذلناه من جهد نحو إخراج هذا الكتاب. والله أسأل أن يوفقنا إلى خدمة تاريخ تراث الإسلام، ولا سيما «تاريخ الحرمين الشريفين». فإن وفقت فالفضل من الله، والحمد لله، وإلا فالكمال لله وحده، وحسبي أني حاولت وأقدمت ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ «سورة هود ٨٨». المحقق أ. د/محمد عبد الوهاب فضل مكة المكرمة رمضان ١٤١٧ هـ يناير ١٩٩٧ م

стр. 74

القسم الثاني تحقيق متن كتاب: «بهجة النفوس والأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» للشيخ أبي محمد عفيف الدين عبد الله بن عبد الملك المرجاني، المتوفي بعد سنة ٧٧٠ هـ

стр. 75

نماذج مصورة للأصول التي اعتمدت عليها في تحقيق الكتاب: ١ - نماذج من مصورة نسخة «الحرم المكي» بمركز إحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى رقم (٧٩ تاريخ). ٢ - نماذج من مصورة نسخة «لالي بتركيا» بمركز إحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى رقم (١١٢٥ تاريخ).
следующие страницы →