Полный текст (1 408 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
موت أو ولادة أو نكاح أو عزل أو ولاية أو وقعة وغير ذلك وإنما خفي ما ذكرنا على من خفي عليه لقلة مراعاته يمر به ولو أنك تكلف إنسانا واحدا اختراع حديث طويل كاذب لقدر عليه يعلم ذلك بضرورة المشاهدة فلو أدخلت اثنين في بيتين لا يلتقيان وكلفت كل واحد منهما توليد حديث كاذب لما جاز بوجه من الوجوه أن يتفقا فيه من أوله إلى آخره هذا ما لا سبيل إليه بوجه من الوجوه أصلا وقد يقع في الندرة التي لم نكد نشاهدها اتفاق الخواطر على الكلمات اليسيرة والكلمتين نحو ذلك والذي شاهدنا اتفاق شاعرين في نصف بيت شاهدنا ذلك مرتين من عمرنا فقط وأخبرني من لا أثق به أن خاطره وافق خاطر شاعر آخر في بيت كامل واحد ولست أعلم ذلك صحيحا وأما الذي لا أشك فيه وهو ممتنع في العقل فاتفاقهما في قصيدة بل في بيتين فصاعدا والشعر نوع من أنواع الكلام ولكل كلام تأليف ما والذي ذكره المتكلمون في الأشعار من الفصل الذي سموه المواردة وذكروا أن خواطر شعراء اتفقت في عدة أبيات فأحاديث مفتعلة لا تصح أصلا ولا تتصل وما هي إلا سراقات وغارات من بعض الشعراء على بعض قال علي وقد يضطر خبر الواحد إلى العلم بصحته إلا أن اضطراره ليس بمطرد ولا في وقت ولكن على قدر ما يتهيأ وقد بينا ذلك في كتاب الفضل قال علي فهذا قسم قال علي القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله ﷺ وجب العمل به ووجب العلم بصحته أيضا وبين هذا وبين شهادة العدول فرق نذكره إن شاء الله تعالى وهو قول الحارث بن أسد المحاسبي والحسين بن علي الكرابيسي وقد قال به أبو سليمان وذكره ابن خويز منداد عن مالك بن أنس والبرهان على صحة
стр. 107
وجوب قبوله قول الله ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا
نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فأوجب الله تعالى على كل فرقة قبول نذارةالنافر منها
بأمره النافر بالنفقة وبالنذارة ومن أمره الله تعالى بالتفقه في الدين وإنذار قومه فقد انطوى في هذا الأمر إيجاب قبول نذارته على من أمره بإنذارهم والطائفة في لغة العرب التي بها خوطبنا يقع على الواحد فصاعدا وطائفة من الشيء بمعنى بعضه هذا ما لا خلاف بين أهل اللغة فيه وإنما حد من حد في قوله تعالى ﴿لزانية ولزاني فجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين لله إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر وليشهد عذابهما طآئفة من لمؤمنين﴾ النور ٢ أنهم أربعة لدليل ادعاه وكان بذلك ناقضا لمعهود اللغة ولم يدع قط قائل ذلك القول أن الطائفة في اللغة لا تقع إلا على أربعة وأما نحن فاللازم عندنا أن يشهد عذاب الزنى واحد على ما نعرف من معنى الطائفة فإن شهد اكثر فذلك مباح والواحد يجزي وبرهان آخر وهو أن رسول الله ﷺ بعث رسولا إلى كل ملك من ملوك الأرض المجاورين لبلاد العرب وقد اعترض بعض من يخالفنا في ذلك بأن قال إن الرفاق والتجار وردوا بأمر النبي ﷺ فلم يقتصر بذلك على الرسول وحده قال أبو محمد وهذا شغب وتمويه لا يجوز إلا على ضعيف ونحن لا نشك أن النبي ﷺ لم يقتصر بالرسل المذكورين على الإخبار بظهوره ومعجزاته المنقولة بخير الرفاق والسفار بل أمرهم بتعليم من أسلم شرائع الإسلام ومسائل العبادات والأحكام ليس من شيء من ذلك منقولا على ألسنة الرفاق والسفار وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خوف منقولة نقل الكواف فقد ألزم النبي ﷺ كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجه نحوهم من شرائع دينهم قال علي وكذلك بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى الجند
стр. 108
وجهات من اليمن وأبا موسى إلى جهة أخرى وهي زبيد وغيرها
وأبا بكر على الموسم مقيما للناس حجهم وأبا عبيدة إلى نجران وعليا قاضيا إلى اليمن وكل من هؤلاء مضى إلى جهة ما معلما لهم شرائع الإسلام وكذلك بعث أميرا إلى كل جهة أسلمت بعدت منه أو قربت كأقصى اليمن والبحرين وسائر الجهات والأحياء والقبائل التي أسلمت بعث إلى كل طائفة رجلا معلما لهم دينهم ومعلما لهم القرآن ومفتيا لهم في أحكام دينهم وقاضيا فيما وقع بينهم وناقلا إليهم ما يلزمهم عن الله تعالى ورسوله ﷺ وهم مأمورون بقبول ما يخبرونهم به على نبيهم ﷺ
وبعثه هؤلاء المذكورين مشهورة بنقل التواتر من كافر ومؤمن لا يشك فيها أحد من العلماء ولا من المسلمين ولا في أن بعثهم إنما كانت لما ذكرنا من المحال الباطل الممتنع أن يبعث إليهم رسول الله ﷺ من لا تقوم عليهم الحجة بتبليغه ومن لا يلزمهم قبول ما علموهم من القرآن وأحكام الدين وما أفتوهم به في الشريعة ومن لا يجب عليهم الانقياد لما أخبروهم به من كل ذلك عن رسول الله ﷺ إذ لو كان ذلك لكانت بعثته لهم فضولا ولكان ﵇ قائلا للمسلمين بعثت إليكم من لا يجب عليكم أن تقبلوا منه ما بلغكم عني ومن حكمكم ألا تلتفتوا إلى ما نقل إليكم عني وألا تسمعوا منه ما أخبركم به عني ومن قال بهذا فقد فارق الإسلام وكذلك من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرىء واحد أو محدث واحد أو مفت واحد فنقول لمن خالفنا ماذا تقولون أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرىء أن يؤمن بما أقرأه وأن يصدق بأنه كلام الله تعالى ويثبت على ذلك أم عليه أن يشك ولا يصدق بأنه كلام الله فإن قالوا يلزمه الإقرار بأنه كلام الله تعالى قلنا صدقتم فأي فرق بين نقلهم للقرآن وبين نقلهم لسائر السنن وكلاهما من عند الله تعالى وكلاهما فرض قبوله وإن قالوا
стр. 109
عليه أن يشك فيه حتى يلقى الكواف أتوا بعظيمة في الدين ونسألهم حينئذ فيمن لقي من ذلك اثنين أو ثلاثة أو أربعة فلا بد لهم من حد يقفون عنده من العدد فيكون قولهم سخريا وباطلا ودعوى بلا برهان أو يحيلوا على معدوم فيما لا يصح على قولهم قبول القرآن والدين إلا به وفي هذا إبطال للدين والقرآن جملة والمنع من اعتمادهما ونعوذ بالله من هذا وهكذا القول في وجوب طاعة من أخذ عن أولئك الرسل قرآنا أو سنة وبلغ ذلك إلى غيره ولأنها بلاد واسعة لا سبيل لكل واحد من أولئك الرسل إلى لقاء جميعهم من رجل وامرأة لكن يبلغ ويبلغ من بلغه هو وهكذا أبدا لئلا يقول جاهل هذا خصوص لأولئك الرسل وقال
تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾
قال أبو محمد لا يخلو النافر للتفقه في الدين من أن يكون عدلا أو فاسقا ولا سبيل إلى قسم ثالث فإن كان فاسقا فقد أمرنا بالتبين في أمره وخبره من غير جهته فأوجب ذلك سقوط قبوله فلم يبق إلا العدل فكان هو المأمور بقبول نذارته قال أبو محمد وهذا برهان ضروري لا محيد عنه رافع للإشكال والشك جملة وقد بينا هذا النوع من البرهان في كتابنا في حدود الكلام المعروف بالتقريب قال علي وقد توهم من لا يعلم أنا إنما أوجبنا قبول خبر العدل من قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ فقط قال أبو محمد وقد أغفل من تأول علينا ذلك ولو لم تكن إلا هذه الآية وحدها لما كان فيها ما يدل على قبول خبر العدل ولا على المنع من قبوله بل إنما منع فيها من قبول خبر الفاسق فقط وكان يبقى خبر العدل موقوفا على
стр. 110
دليله ولكن لما استفاضت هذه الآية التي فيها المنع من قبول خبر الفاسق إلى الآية التي فيها قبول نذارة النافر للتفقه صارتا مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان وبالله تعالى التوفيق قال علي وقد أوجب الله تعالى على كل طائفة إنذار قومها وأوجب على قومها قبول نذارتهم بقوله تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فقد حذر تعالى من مخالفة نذارة الطائفة والطائفة في اللغة تقع على بعض الشيء كما قدمنا ولا يختلف اثنان من المسلمين في أن مسلما ثقة لو دخل أرض الكفر فدعا قوما إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن وعلمهم الشرائع لكان لازما لهم قبوله ولكانت الحجة عليهم بذلك قائمة وكذلك لو بعث الخليفة أو الأمير رسولا إلى ملك من ملوك الكفر أو إلى أمة من أمم الكفر
ويدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم القرآن وشرائع الدين ولا فرق وما قال قط مسلم إنه كان حكم أهل اليمن أن يقولوا لمعاذ ولمن بعثه ﵇ إلى كل ناحية معلما ومفتيا ومقرئا نعم أنت رسول رسول الله ﷺ وعقد الإيمان حق
عندنا ولكن ما أفتيتنا به وعلمتنا من أحكام الصلاة ونوازل الزكاة وسائر الديانة عن النبي ﷺ وما أقرأتنا من القرآن عنه ﵇ فلا نقبله منك ولا نأخذه عنك لأن الكذب جائز عليك ومتوهم منك حتى يأتينا لكل ذلك كواف وتواتر بل لو قالوا ذلك لكانوا غير مسلمين وكذلك لا يختلف اثنان في أن رسول الله ﷺ إنما بعث من بعث من رسله إلى الآفاق لينقلوا إليهم عنه القرآن والسنن وشرائع الدين وأنه ﵇ لم يبعثهم إليه ليشرعوا لهم دينا لم يأت هو به عن الله تعالى فصح بهذا كله أن كل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغا إلى رسول الله ﷺ من قرآن أو سنة ففرض قبوله والإقرار به والتصديق
стр. 111
به واعتقاده والتدين به وأن كل ما صح عن صاحب أو تابع أو من دونهم من قراءة لم تستند إلى النبي ﷺ أو من فتيا لم تسند إليه ﷺ فلا يحل قبول شيء من ذلك لأنه لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله ﷺ وكل ذلك قد صح عن الواحد بعد الواحد من الصحابة والتابعين وليس فضلهم بموجب قبول آرائهم ولا بمانع أن يهموا فيما قالوه بظنهم لكن فضلهم معف على كل خطأ كان منهم وراجح به وموجب تعظيمهم وحبهم وبالله تعالى التوفيق وبرهان آخر وهو أنه قد صح يقينا وعلم ضرورة أن جميع الصحابة أولهم عن آخرهم قد اتفقوا دون اختلاف من أحد منهم ولا من أحد من التابعين الذين كانوا في عصرهم على أن كل أحد منهم كان إذا نزلت به النازلة سأل الصاحب عنها وأخذ بقوله فيها وإنما كانوا يسألونه عما أوجبه النبي ﷺ عن الله تعالى في الدين في هذه القصة ولم يسأل قط أحد
منهم إحداث شرع في الدين لم يأذن به الله تعالى وهكذا كل من بعدهم جيلا فجيلا لا نحاشي أحدا ولا خلاف بين مؤمن ولا كافر قطعا في أن كل صاحب وكل تابع سأله مستفت عن نازلة في الدين فإنه لم يقل له قط لا يجوز لك أن تعمل بما أخبرتك به عن رسول الله ﷺ حتى يخبرك بذلك الكواف كما قالوا لهم فيما أخبروا به أنه رأى منهم فلم يلزموهم قبوله فإن قيل فاجعل هذه الحجة نفسها حجة في قبول المرسل قلنا ليس كذلك لأنه لم يصح الإجماع قط لا قديما ولا حديثا على قبول المرسل بل في التابعين من لم يقبله كالزهري وغيره يسألون من أخبرهم عمن أخبرهم حتى يبلغوه إلى النبي ﷺ
وإنما سقط ذلك عمن ليس في قوته فهم الإسناد ومعرفته فقط وقد قال الزهري لأهل الشام ما لي أرى أحاديثكم لا خطم لها ولا أزمة فصاروا حينئذ إلى قوله وغير الزهري أيضا كثير فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ وأيضا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد
стр. 112
الثقة عن النبي ﷺ يجزي على ذلك كل فرقة في علمها كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك ولقد كان عمرو بن عبيد يتدين بما يروي عن الحسن ويفتي به هذا أمر لا يجهله من له أقل علم وبرهان آخر وهو أنه عدد محصور فالتواطؤ جائز عليهم وممكن منهم ولا خلاف بين كل ذي علم بشيء من أخبار الدنيا مؤمنهم وكافرهم أن النبي ﷺ كان بالمدينة وأصحابه ﵃ مشاغيل في المعاش وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز وأنه ﵇ كان يفتي بالفتيا ويحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط وإن الحجة إنما قامت على سائر من لم يحضره ﵇ بنقل من حضره وهم واحد واثنان وفي الجملة عدد لا يمتنع من مثلهم بالتواطؤ عند خصومنا فإذ جميع الشرائع إلا الأقل منها راجعة إلى هذه الصفة من النقل وقد صح الإجماع من الصدر الأول كلهم نعم وممن بعدهم على قبول خبر الواحد لأنها كلها راجعة إليه وإلى ما كان في معناه وهذا برهان ضروري وبالله تعالى التوفيق وبالضرورة نعلم أن النبي ﷺ لم يكن إذا أفتى بالفتيا أو إذا حكم بالحكم يجمع لذلك جميع من بالمدينة هذا ما لا شك فيه لكنه ﵇ كان يقتصر على من بحضرته ويرى أن الحجة بمن يحضره قائما على من غاب هذا ما لا يقدر على دفعه ذو حس سليم وبالله تعالى التوفيق قال علي وأقوى ما شغب به من أنكر قبول خبر الواحد أن نزع بقول الله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك
كان عنه مسؤولا﴾ قال أبو محمد وهذه الآية حجة لنا عليهم في هذه المسألة لأنا لم نقف
стр. 113
ما ليس لنا به علم بل ما قد صح لنا به العلم وقام البرهان على وجوب قبوله وصح العلم بلزوم اتباعه والعمل به فسقط اعتراضهم بهذه الآية والحمد لله رب العالمين
وقال بعضهم أنتم لا تقبلون الواحد في فلس فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع قال أبو محمد هذا السؤال لا يلزمنا لأننا لا نقيس شريعة على شريعة ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن فصح البرهان كما ذكرنا بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع وقبول القرآن فقلنا به وصح الخبر بقبول المرأة الواحدة في أوضاع فقلنا به وصح الخبر بقبول الواحد مع اليمين فيما عدا الحدود فقلنا به وصح الخبر والنص بقبول الرجلين أو الرجل والمرأتين فيما عدا الزنى فقلنا به وصح النص بقبول أربعة في الزنى فقلنا به ولم نعارض شريعة بشريعة ولا تعقبنا على ربنا ونحن وهم نقبل في إباحة الدم الحرام من المسلم الفاضل والفرج الحرام من المسلمة الفاضلة والبشرة المحرمة في جلد ثمانين في القذف وفي قطع اليد والرجل رجلين ولا نقبلهما فيما يوجب إلا خمسين جلدة من زنى الأمة لا على مؤمنة ولا على كافر فأين هم عن هذا الاعتراض الفاسد لو عقلوا وهم يقعوا تحت إنكار ربهم تعالى عليهم إذ يقول ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ وقد قال بعض المتحكمين في الدين بقلة الورع ممن يدعي أنه من أهل القول بقبول السنن من طرق الآحاد إن الخبر إذا كان مما يعظم به البلوى لم يقبل فيه خبر الواحد ومثل ذلك بعضهم بالآثار المروية في الأذان والإقامة وقال إن الأذان والإقامة كانا بالمدينة بحضرة الأئمة من الصحابة ﵃ خمس مرات كل يوم فهذا مما تعظم به البلوى فمحال أن يعرف حكمه الواحد ويجهله الجماعة ومثل ذلك بعضهم أيضا بخبر الوضوء من مس الذكر قال أبو محمد وهذا كلام فاسد متناقض أول ذلك أن الدين كله تعظم
стр. 114
به البلوى ويلزم للناس
معرفته وليس هذا ما وقع في الدهر مرة من أمر الطهارة والحج أوجب في أنه فرض أو حرام مما يقع في كل يوم ولا يفرق بين ذلك إلا جاهل أو من لا يبالي بما تكلم ويقال له في الأذان الذي ذكر لا فرق بين أذان المؤذن بالمدينة بحضرة عمر وعثمان ﵄ خمس مرات كل يوم وبين أذان المؤذن بالكوفة بحضرة ابن مسعود وعلي خمس مرات كل يوم وليست نسبة الرضا بتبديل الأذان إلى
علي وابن مسعود بأخف من نسبة ذلك إلى عمر وعثمان فبطل تمويه هذا الجاهل وبان تخليطه وكذلك الوضوء من مس الذكر ليست البلوى به بأعظم من البلوى بإيجاب الوضوء من الرعاف والقلس وقد أوجبه الحنفيون بخبر ساقط ولم يعرفه المالكيون ولا الشافعيون ولا البلوى أيضا بذلك أعظم من البلوى بإيجاب الوضوء من المسة والقبلة للذة ومن إيجاب التدلك في الغسل وقد أوجبها المالكيون ولا يعرف ذلك الحنفيون ومثل هذا كثير جدا فإن قالوا أوجبنا ذلك بالقرآن قيل لهم قد عرف القرآن غيركم كما عرفتموه فما رأوا فيه ما ذكرتم مع عظيم البلوى به وقد بينا في كتابنا هذا أن مغيب السنة عمن غاب عنه من صاحب أو غيره ليس حجة على من بلغته وإنما الحجة في السنة وقد غاب نسخ التطبق في الركوع عن ابن مسعود وهو مما تعظم به البلوى به ويتكرر على المسلم أكثر من بضع عشرة مرة في كل يوم وليلة وخفي على عمر ﵁ أمر جزية المجوس والأمر في قبض رسول الله ﷺ لها من مجوس هجر عاما بعد عام وأبي بكر بعده عاما بعد عام أشهر من الشمس ولم تكن فضلة قليلة بل قد ثبت أنه لم يقدم على رسول الله ﷺ مال أكثر منه على قلة المال هناك حينئذ وخفي على عمر وابن عمر
стр. 115
أيضا الوضوء من المذي وهو مما تعظم البلوى به وهذا كثير جدا ويكفي من هذا أن قول هذا القائل دعوى مجردة بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل مطرح قال ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ ولا يجوز أن يعارض ما قد صح البرهان به من وجوب قبول السنن من طريق الآحاد بدعوى ساقطة فاسدة وبالله تعالى التوفيق وقال أيضا بعض الحنفيين ما كان من الأخبار زائدا على ما في القرآن أو ناسخا له أو مخالفا له لم يجز أخذه بخبر الواحد إلا حتى يأتي به التواتر قال أبو محمد وهذا تقسيم باطل ودعوى كاذبة وحكم بلا برهان وما كان هكذا فهو ضلال لا يحل القول به
ونقول لهم أيجوز الأخذ بشيء من أخبار الآحاد في شيء
من الشريعة أم لا فإن قالوا لا كلمناهم بما قد فرغنا منه آنفا وكانوا خارجين عن مذهبهم أيضا وإن قالوا نعم وهو قولهم قلنا لهم من أين جوزتم أن يخبر عن النبي ﷺ به وأن يشرع به في دين الله شريعة تضاف إليه في الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك في الموضع الذي أجزيتموه فيه ثم منعتم من قوله حيث هو بزعمك زائد على ما في القرآن أو ناسخ له فلا سبيل إلى فرق أصلا وأما قولهم مخالف الأصول فكلام فاسد فارغ من المعنى واقع على ما لا يعقل لأن خبر الواحد الثقة المسند أصل من أصول الدين وليس سائر الأصول أولى بالقبول منه ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين حاشا لله من هذا ثم نقول اعلموا أن كل خبر روي عن رسول الله ﷺ رواية صحيحة مسندة فإنه ولا بد زائد حكم على ما في القرآن أو أتي بما في نص القرآن لا بد من أحد الوجهين فيه والزائد حكما على ما في القرآن ينقسم قسمين إما جاء بما لم يذكر في القرآن كغسل الرجلين في الوضوء وكرجم المحصن ونحو ما أخذوا به من إباحة صوم رمضان للمسافر ومن إيجاب
стр. 116
الوضوء من القهقهة في الصلاة ومن الوضوء بالنبيذ ومن القلس والقيء والرعاف وكتخصيص ظاهر القرآن كعدد ما لا يقطع السارق في أقل منه وما لا يحرم من الرضاع أقل منه فهذا أيضا زائد حكم على ما في القرآن ومثله ما بين مجمل القرآن كصفة الصلاة وصفة الزكاة وسائر ما جاءت به السنن فهو زائد حكم على ما في القرآن فمن أين جوزتم أخذ الزائد على ما في القرآن كما ذكرنا حيث اشتهيتم ومنعتم منه حيث اشتهيتم وهذا ضلال لا خفاء به وكل ما وجب العمل به في الشريعة فهو واجب أبدا في كل حال وفي كل موضع إلا أن يأتي نص قرآني أو سنة بالمنع من بعض ذلك فيوقف عنده وأما بالآراء المضلة والأهواء السخيفة فلا على أنهم آخذ الناس بخلاف القرآن برأي فاسد أو قياس سخيف أو خبر ساقط كالوضوء من
القهقهة وسائر تلك الأخبار الفاسدة وتأملوا ما نقول لكم قد أجمعوا معنا على قبول ما جاء به رسول الله ﷺ من نسخ للقرآن أو زيادة عليه واتفقوا معنا على أن خبر الواحد الثقة عن مثله مسندا حجة في الدين ثم تناقضوا كما ذكرنا بلا برهان ونعوذ بالله من الخذلان وقد ثبت عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود ﵃ وجوب القول بخبر
الواحد وهذا حجة على من قلد أحدهم في وجوب القول بخبر الواحد وإن خالف من قلده من بعض من ذكرنا خطأ وتناقضا لا يعزى منه بشر بعد رسول الله ﷺ وبالله تعالى التوفيق ومن البرهان في قبول خبر الواحد خبر الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال له رجل ﴿وجآء رجل من أقصى لمدينة يسعى قال يموسى إن لملأ يأتمرون بك ليقتلوك فخرج إني لك من لناصحين﴾ فصدقه وخرج فارا وتصديقه المرأة في قولها ﴿فجآءته إحداهما تمشي على ستحيآء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جآءه وقص عليه لقصص قال لا تخف نجوت من لقوم لظالمين﴾ فمضى معها وصدقها وبالله تعالى التوفيق
стр. 117
فصل هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم قال أبو محمد قال أبو سليمان والحسين عن أبي علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معا وبهذا نقول وقد ذكر هذا القول أحمد بن إسحاق المعروف بابن خويز منداد عن مالك بن أنس وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج إن خبر الواحد لا يوجب العلم ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبا أو موهوما فيه واتفقوا كلهم في هذا وسوى بعضهم بين المسند والمرسل وقال بعضهم المرسل لا يوجب علما ولا عملا وقد يمكن أن يكون حقا وجعلت المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به قالوا ما جاز أن يكون كذبا أو خطأ فلا يحل الحكم به في دين الله ولا أن يضاف إلى الله تعالى ولا إلى رسول الله ﷺ ولا يسع أحدا أن يدين به وقال سائر من ذكرنا إنه يوجب العمل واحتج كل من ذكرنا بأن هذه صفة كل خبر واحد في جواز الكذب وتعمده
وإمكان السهو فيه وإن لم يتعمد الكذب وقال أبو بكر بن كيسان الأصم البصري لو أن مائة خبر مجموعة قد ثبت أنها كلها صحاح إلا واحدا منها لا يعرف بعينه أيها هو قال فإن الواجب التوقف عن جميعها فكيف وكل خبر منها لا يقطع على أنه حق متيقن ولا يؤمن فيه الكذب والنسخ والغلط قال أبو محمد أما احتجاج من احتج بأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجوز عليه الكذب والوهم فهو كما قالوا إلا أن يأتي برهان حسي ضروري أو برهان منقول نقلا يوجب العلم من نص ضروري على أن الله تعالى قد برأ بعض الأخبار من ذلك فيخرج بدليله عن أن يجوز فيه الكذب والوهم
стр. 118
وقد وافقنا المعتزلة وكل من يخالفنا في هذا المكان على أن خبر النبيصلى الله عليه وسلم في الشريعة لا يجوز فيه الكذب ولا الوهم لقيام الدليل على ذلك وقال أصحاب القياس إن إجماع الأمة على القياس معصوم من الخطأ بخلاف إجماع سائر الملل لقيام دليل ادعوه في ذلك وكما أجمعتم معنا على القطع ببراءة عائشة ﵂ وخروج ما قذفت به عن الإمكان لقيام البرهان بذلك عند جميعكم وعندنا وقد ادعى الروافد منكم هذا في خبر الإمام فإن وجدنا نحن برهانا على أن خبر الواحد المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة لا يجوز عليه الكذب ولا الوهم فقد صح قولنا وقولهم في أن خبر النبي ﷺ في الشريعة لا يجوز عليه الكذب والوهم وإن لم نجد برهانا على ذلك فهو قولهم وقد صح البرهان بذلك ولله الحمد على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأما قول ابن كيسان فباطل لأنه دعوى بلا دليل بل الواجب حينئذ البحث عن الخبر الواهي والمنسوخ حتى يعرف فيجتنب وإلا فالعمل واجب لأن الأصل وجوب العمل بالسنن حتى يصح فيها بطلان أو نسخ وإلا فهي على البراءة من النسخ ومن الكذب والوهم حتى يصح في الخبر شيء من ذلك فيترك لقول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه
إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ولقوله تعالى ﴿تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون﴾ ولقوله تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾
وقد علمنا أن في القرآن آيات منسوخة بلا شك لقوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن لله على كل شيء قدير﴾ وقد اختلف العلماء فيها فطائفة قالت في آية إنها منسوخة وطائفة قالت ليست منسوخة بل هي محكمة فما قال مسلم قط لا ابن كيسان ولا غيره إن الواجب التوقف عن العمل بشيء من القرآن من أجل ذلك وخوفا أن يعمل بمنسوخ لا يحل العمل به بل
стр. 119
الواجب العمل بكل آية منه حتى يصح النسخ فيها فيترك العمل بها وقول ابن كيسان يوجب ترك الحق يقينا ولا فرق بين ترك الحق يقينا وبين العمل بالباطل يقينا وكلاهما لا يحل فقد تعجل ابن كيسان لنفسه الذي فر عنه وأشد منه لأنه ترك الحق يقينا خوف أن يقع في خطأ لعله لا يقع فيه وهذا كما ترى قال علي وهذا حين نأخذ إن شاء الله تعالى في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتصل إلى رسول الله ﷺ في أحكام الشريعة يوجب العلم ولا يجوز فيه البتة الكذب ولا الوهم فنقول وبالله تعالى التوفيق قال الله عن نبيه ﷺ ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ وقال تعالى آمرا لنبيه ﵊ أن يقول ﴿قل ما كنت بدعا من لرسل ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا إلا نذير مبين﴾ وقال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ وقال تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن
كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل فوجب أن الذي أتانا به محمد ﷺ محفوظ بتولي الله تعالى حفظه مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا قال تعالى ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل لله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا لقرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع لله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون﴾
فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله ﷺ في الدين ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس
стр. 120
بيقين إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ ولكان قول الله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ كذبا ووعدا مخلفا وهذا لا يقوله مسلم فإن قال قائل إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده فهو الذي ضمن تعالى حفظه لسائر الوحي الذي ليس قرآنا قلنا له وبالله تعالى التوفيق هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان وتخصيص للذكر بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فصح أن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن وأيضا فإن الله تعالى يقول ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فصح أنه ﵇ مأمور ببيان القرآن للناس وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه لكن بيان رسول الله ﷺ فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها فما أخطأ فيه المخطىء أو تعمد فيه الكذب الكاذب ومعاذ الله من هذا وأيضا نقول لمن قال إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي ﷺ لا يوجب العلم وإنما يجوز فيه الكذب والوهم وأنه غير مضمون الحفظ أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله ﷺ ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة فجهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد
من أهل الإسلام في العالم أبدا وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا أم لا يمكن عندكم
стр. 121
شيء من هذين الوجهين
فإن قالوا لا يمكنان أبدا بل قد أمنا ذلك صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله ﷺ في الديانة فإنه حق قد قاله ﵇ كما هو وأنه يوجب العلم ونقطع بصحته ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله ﷺ قط اختلاطا لا يتميز فيه الباطل من الحق أبدا وإن قالوا بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله ﷺ إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث والذي لا يغني من الحق شيئا وهذا انسلاخ من الإسلام وهدم للدين وتشكيك في الشرائع ثم نقول لهم أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم فهل أمركم الله تعالى بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله ﷺ أو لم يأمركم بالعمل به ولا بد من أحدهما فإن قالوا لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة وسيأتي جوابهم على هذا القول إن شاء الله تعالى وإن قالوا بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك قلنا لهم فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكذابون وأخطأ فيه الواهمون وأمركم بأن تنسبوا إليه تعالى وإلى نبيه ﷺ ما لم يأتكم به قط وما لم يقله الله تعالى قط ولا رسوله ﷺ وهذا قطع بأنه أمر بالكذب عليه وافترض العمل بالباطل وبما ليس من الدين وبما شرع الكذابون مما لم يأذن به
الله تعالى وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم ثم نسألهم عما قالوا إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله ﷺ من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يوجد عند أحد هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ولا بد من
стр. 122
أحدهما فإن قالوا بل هو باق علينا قلنا لهم كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا ولا يبلغنا أبدا وهذا هو تحميل الإصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله تعالى منه وإن قالوا بل سقط عنا العمل به قلنا لهم فقد أجزتم نسخ شرائع من شرائع الإسلام مات رسول الله ﷺ وهي محكمة ثابتة لازمة فأخبرونا من الذي نسخها
وأبطلها وقد مات ﷺ وهي لازمة لنا غير منسوخة وهذا خلاف الإسلام والخروج منه جملة فإن قالوا لا يجوز أن يسقط حكم شريعة مات رسول الله ﷺ وهو لازم لنا ولم ينسخ قلنا لهم فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة في ألا يختلط بها باطل لم يأمر الله تعالى به قط اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله تعالى به من الباطل الذي لم يأمر به تعالى قط وهذا لا مخلص لهم منه ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق وأجاز اختلاطها بالباطل وبين من منع من اختلاط الحق في الشريعة بالباطل وأجاز سقوط شريعة حق وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول الله ﷺ حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معا وأيضا قال الله تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ وقد قال تعالى ﴿يأيها لرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ولله يعصمك من لناس إن لله لا يهدي لقوم لكافرين﴾ نسألهم هل بين رسول الله ﷺ ما أنزل الله إليه أو لم يبين وهل بلغ ما أنزل الله إليه أو لم يبلغ ولا بد من أحدهما فمن قولهم إنه ﵇ قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس وأقام به الحجة على من بلغه فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان أهما باقيان عندنا وإلى يوم القيامة أم هما غير باقيين فإن قالوا بل هما باقيان وإلى يوم
стр. 123
القيامة رجعوا إلى قولنا وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله مبلغ إلينا وإلى يوم القيامة وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسندا إلى رسول الله ﷺ حق مقطوع على مبينه موجب للعلم
والعمل وإن قالوا بل هما غير باقين دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل وإن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع وأن تبيين رسول الله ﷺ لكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا وهذا هو قول الروافض بل شر منه لأن الروافض ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العالم وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم ونعوذ بالله من كلا القولين
وأيضا فإن الله تعالى قال ﴿قل إنما حرم ربي لفواحش ما ظهر منها وما بطن ولإثم ولبغي بغير لحق وأن تشركوا بلله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على لله ما لا تعلمون﴾ وقال تعالى ﴿إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل لله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى﴾ وقال تعالى ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا﴾ وقال تعالى ذاما لقوم قالوا ﴿وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ وقال تعالى ﴿سيقول لذين أشركوا لو شآء لله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب لذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا لظن وإن أنتم إلا تخرصون﴾ وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله ﷺ وأن نقول أمر رسول الله ﷺ بكذا وقال ﵇ كذا وفعل ﵇ كذا وحرم القول في دينه بالظن وحرم تعالى أن نقول عليه إلا بعلم فلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب أو الوهم لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه والذي هو الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى وهذا هو الكذب والإفك والباطل الذي
стр. 124
لا يحل القول به والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به وبالتخرص المحرم فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه موجب للعلم والعمل معا وبالله تعالى التوفيق وصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه ولا يوجب العلم قائلا بأن الله تعالى تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به
في الدين وهذا عظيم جدا وأيضا فإن الله تعالى يقول
﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ وقال تعالى ﴿ومن يبتغ غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في لآخرة من لخاسرين﴾ وقال تعالى ﴿إن الدين عند لله لإسلام وما ختلف لذين أوتوا لكتاب إلا من بعد ما جآءهم لعلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات لله فإن لله سريع لحساب﴾ وقال تعالى ﴿كان لناس أمة واحدة فبعث لله لنبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم لكتاب بلحق ليحكم بين لناس فيما ختلفوا فيه وما ختلف فيه إلا لذين أوتوه من بعد ما جآءتهم لبينات بغيا بينهم فهدى لله لذين آمنوا لما ختلفوا فيه من لحق بإذنه ولله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم﴾ قال أبو محمد فنقول لمن جوز أن يكون ما أمر الله تعالى به نبيه ﵇ من بيان شريعة الإسلام لنا غير محفوظ وإنه يجوز فيه التبديل وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا أخبرونا عن إكمال الله دينا ورضاه الإسلام لنا دينا ومنعه تعالى من قبول كل دين حاشا الإسلام أكل ذلك باق علينا ولنا إلى يوم القيامة أم إنما كان ذلك للصحابة ﵃ فقط أم لا للصحابة ولا لنا ولا بد من أحد هذه الوجوه فإن قالوا لا للصحابة ولا لنا كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله تعالى جهارا وهذا لا يقوله مسلم وأن قالوا بل كان كل ذلك باق لنا وعلينا إلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة
стр. 125
والنعمة بذلك علينا تامة وأن دين الإسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه لأنه هو الدين عنده متميز عن غيره الذي لا يقبله الله تعالى من أحد
وأننا ولله الحمد قد هدانا الله تعالى له وأننا على يقين من أنه الحق وما عداه هو الباطل وهذا برهان ضروري قاطع على أنه كل ما قاله رسول الله ﷺ في الدين وفي بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به أبدا ما لم يكن منه وإن قالوا بل كان ذلك للصحابة ﵃ وليس ذلك لنا ولا علينا كانوا
قد قالوا الباطل وخصصوا خطاب الله تعالى بدعوى كاذبة إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرنا عموم لكل مسلم في الأبد ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الإسلام غير كامل عندنا وأنه تعالى رضي لنا منه ما لم ينبته علينا وألزمنا ما لا ندري أين نجده أو ألزمنا ما لم ينزله وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة والمستخفون ووضعوه على لسان رسوله ﷺ أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله نبيه ﷺ وهذا بيقين ليس هو دين الإسلام بل هو إبطال الإسلام جهارا ولو كان هذا وقد أمنا ولله الحمد أن يكون لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذي أخبرنا الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب وقالوا هو من عند الله قال أبو محمد حاشا لله من هذا بل قد وثقنا بأن الله تعالى صدق في قوله ﴿كان لناس أمة واحدة فبعث لله لنبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم لكتاب بلحق ليحكم بين لناس فيما ختلفوا فيه وما ختلف فيه إلا لذين أوتوه من بعد ما جآءتهم لبينات بغيا بينهم فهدى لله لذين آمنوا لما ختلفوا فيه من لحق بإذنه ولله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم﴾ وأنه تعالى قد هدانا للحق فصح يقينا أن كل ما قاله ﵇ فقد هدانا الله تعالى له وأنه الحق المقطوع عليه والعلم المتيقن الذي لا يمكن امتزاجه بالباطل أبدا قال علي وقال بعضهم إذا انقطعت به الأسباب خبر الواحد يوجب علما ظاهرا قال أبو محمد وهذا كلام لا يعقل وما علمنا علما ظاهرا غير باطن ولا علما باطنا غير ظاهر بل كل علم تيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في
стр. 126
قلبه معا وكل ظن يتيقن فليس علما أصلا لا ظاهرا ولا باطنا بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله تعالى ونقول لهم إذا جاز عندكم أن يكون كثير من دين الإسلام قد اختلط بالباطل فما يؤمنكم إذ ليس محفوظا من أنه لعل كثيرا من الشرائع قد بطلت لأنها لم ينقلها أحد أصلا فإن منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطها بما ليس منها لأن ضمان حفظ الله
تعالى يقتضي الأمان من كل ذلك فإنه لا يشك أحد من المسلمين قطعا في أن كل ما علمه رسول الله ﷺ أمته من شرائع الدين واجبها وحرامها ومباحها فإنها سنة الله تعالى وقد قال ﴿سنة لله في لذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة لله تبديلا﴾ ﴿ستكبارا في لأرض ومكر لسيىء ولا يحيق لمكر لسيىء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة آلأولين فلن تجد لسنة لله تبديلا ولن تجد لسنة لله تحويلا﴾ هذا نص كلامه تعالى وقد قال تعالى ﴿لهم لبشرى في لحياة لدنيا وفي لآخرة لا تبديل لكلمات لله ذلك هو لفوز لعظيم﴾ فلو جاء
أن يكون ما نقله الثفات الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل به والقبول بأنه سنة الله تعالى وبيان نبيه ﵇ يمكن في شيء منه التحويل أو التبديل لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لهما تبديل ولا تحويل كذبا ولكانت كلماته كذبا وهذا ما لا يجيزه مسلم أصلا فصح يقينا لا شك فيه أن كل سنة سنها الله تعالى من الدين لرسوله ﷺ وسنها رسوله ﵇ لأمته فإنها لا يمكن في شيء منها تبديل ولا تحويل أبدا وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو عند الله تعالى وقولنا ولله الحمد وأيضا فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله ﷺ معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة وعلى تكفير من قال ليس معصوما في تبليغه الشريعة إلينا فنقول لهم اخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله تعالى لرسوله ﷺ في تبليغه الشريعة التي بعث بها أهي له ﵇ في إخباره الصحابة بذلك فقط أم هي باقية لما أتى به ﵇ في
стр. 127
بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة فإن قالوا بل هي له ﵇ مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم قلنا لهم إذا جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته ﵇ وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده ﵇ وبين ما منعتم من ذلك في حياته منه ﵇ فإن قالوا لأنه كان يكون ﵇ غير مبلغ ما أمر به ولا معصوم والله تعالى يقول ﴿يأيها لرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ولله يعصمك من لناس إن لله لا يهدي لقوم لكافرين﴾ قيل لهم نعم وهذا التبليغ المعترض عليه والذي هو فيه ﵇ معصوم بإجماعكم معنا من الكذب والوهم هو إلينا كما هو إلى الصحابة ﵃ ولا فرق والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء
بسواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولا بد إلى يوم القيامة كما كانت قائمة عن الصحابة ﵃ سواء بسواء ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم باطل كذب ثم نقول لهم وكذلك قال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا لذكر وإنا له لحافظون﴾ ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ ﴿ومن يبتغ غير لإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في لآخرة من لخاسرين﴾
﴿لا إكراه في لدين قد تبين لرشد من لغي فمن يكفر بلطاغوت ويؤمن بلله فقد ستمسك بلعروة لوثقى لا نفصام لها ولله سميع عليم﴾ فإن ادعوا إجماعا قلنا لهم من الكرامية من يقول إنه ﵇ غير معصوم في تبليغ الشريعة فإن قالوا ليس هؤلاء ممن يعد في الإجماع قلنا صدقتم ولا يعد في الإجماع من قال إن الدين غير محفوظ وإن كثيرا من الشرائع التي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز معه الرشد من الغي ولا الحق من الباطل ولا دين الله تعالى من دين إبليس أبدا فإن قالوا بل الفضيلة بعصمة ما أتى النبي ﷺ به من الدين باقية إلى يوم القيامة صاروا إلى الحق الذي هو
стр. 128
قولنا ولله تعالى الحمد فإن قالوا فإنه صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة موجب للعلم إحالة لطبيعة الخبر وطبيعة المخبرين وخرق لصفات كل ذلك وللعادة فيه قلنا لهم لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان بأنه فعل الله تعالى والعجب من إنكاركم هذا مع قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي ﷺ من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة وهذا هو الذي أنكرتم بعينه بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الأمم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الأمة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس وحاشا لله أن تجمع الأمة على الباطل والقياس عين الباطل فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان لا سيما إن كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا
قام البرهان بإحالتها فإن قالوا فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التي قالها رسول الله ﷺ معصومون في نقلها وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه قلنا لهم نعم هكذا نقول وبهذا نقطع ونبت وكل عدل روى خبرا عن
رسول الله ﷺ في الدين أو فعله ﵇ فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب مقطوع بذلك عند الله تعالى ومن جواز الوهم فيه عليه إلا ببيان وارد ولا بد من الله تعالى ببيان ما وهم فيه كما فعل تعالى بنبيه ﵇ إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة وبيانها مما ليس منها وقد علمنا ضرورة
стр. 129
أن كل من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا شك فأي نكرة في هذا فإن قالوا تعبدنا الله تعالى بحسن الظن به وقال رسول الله ﷺ إن الله تعالى يقول أنا عند ظن عبدي بي قلنا ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شيء بل كله باب واحد لأنه تعالى حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم ونحن لا نعلم أيغفر لنا أم يعذبنا فوجب علينا الوقوف في ذلك والرجاء والخوف وحرم علينا أن نقول عليه في الدين والتحريم والإباحة والإيجاب ما لا نعلم وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع بتخليد الكفار في النار أو تخليد المؤمنين في الجنة ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شيء من ذلك كله فإن قالوا أنتم تقولون إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا وبما حلف عليه المدعى عليه إذا لم يقم المدعي بينة في إباحة الدماء المحرمة والفروج المحرمة والأبشار المحرمة والأموال المحرمة وكل ذلك بإقراركم ممكن أن يكون في باطن الأمر بخلاف ما شهد به الشاهد وما حلف عليه الحالف وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا في قولنا في خبر الواحد ولا فرق قلنا لهم
وبالله التوفيق بين الأمرين فروق واضحة كوضوح الشمس أحدهما أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله وتبينه من الغي ومما ليس منه ولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا ولا بحفظ فروجنا ولا بحفظ أبشارنا ولا بحفظ أموالنا في الدنيا بل قدر تعالى بأن كثيرا من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا
وقد نص على ذلك رسول الله ﷺ إذ يقول إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله ﵇ للمتلاعنين
стр. 130
الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب أو كما قال ﵇ في كل ذلك والفرق الثاني أن حكمنا بشهادة الشاهد وبيمين الحالف ليس حكما بالظن كما زعموا بل نحن نقطع ونبت بأن الله افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم بينة وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا وإن كانوا في باطن أمرهم كذابين أو واهمين والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى وعندنا مقطوع على غيبه برهان ذلك أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي فلم يحكم للمدعى عليه باليمين أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما فإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله مجرح الشهادة ظالم سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين إذا لم يعلم باطن أمرهم ونحن مأمورون يقينا بأمر الله لنا بأن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل وأن نبيح هذه البشرة المحرمة وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك وقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك فإننا في الدين فساق عصاة له تعالى ظلمه متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا تعالى قط بأن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم فيه واهم وقال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تتبعوا خطوات لشيطان ومن
يتبع خطوات لشيطان فإنه يأمر بلفحشآء ولمنكر ولولا فضل لله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن لله يزكي من يشآء ولله سميع عليم﴾ فهذا فرق في غاية البيان وفرق ثالث وهو أن نقول إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة قال رسول الله ﷺ وأمرنا الله تعالى بكذا لأنه تعالى يقول ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ﴿مآ أفآء لله على رسوله من أهل لقرى فلله وللرسول ولذي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل كي لا يكون دولة بين لأغنيآء منكم ومآ آتاكم لرسول فخذوه وما نهاكم عنه فنتهوا وتقوا لله إن لله شديد لعقاب﴾ ففرض علينا أن نقول نهانا الله تعالى ورسوله ﷺ عن كذا
وأمرنا بكذا ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول شهد هذا
стр. 131
بحق ولا حلف هذا الجانب على حق ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقينا ولا قال تعالى ما قال هذا الشاهد لكن الله تعالى قال لنا احكموا بشهادة العدول وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بينة وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شيء من كل ذلك أصلا ولله الحمد بل بعلم قاطع ويقين ثابت أن كل ما حكمنا به مما نقله العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ فحق من عند الله تعالى أوحى به ربنا تعالى مضاف إلى رسول الله ﷺ محكي عنه أنه قال وكل ما حكمنا فيه بشهادة العدول عندنا فحق مقطوع به من عند الله تعالى لأنه أمرنا بالحكم به ولم يأمرنا بأن نقول فيما شهدوا به وما حلف به الحالف أنه من عند الله تعالى ولا أنه حق مقطوع به فإن قالوا إنما قال تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا جتنبوا كثيرا من لظن إن بعض لظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه وتقوا لله إن لله تواب رحيم﴾ ولم يقل كل الظن إثم قلنا قد بين الله تعالى الإثم من البر وهو أن القول عليه تعالى بما لا نعلم حرام فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك قال علي فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد للدلائل التي ذكرنا وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا هو ملازم لهم وذلك أننا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق أخبرونا عن الأخبار التي رواها الآحاد أهي كلها حق إذا كانت من رواية الثقات خاصة أم كلها باطل أم فيها حق وباطل فإن قالوا فيها حق وباطل وهو قولهم قلنا لهم هل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى بها إلى نبيه ﷺ ليبينها لعباده حتى يختلط بكذب وضعه فاسق ونسبه إلى النبي ﷺ أو وهم فيها واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لأحد من الناس وهل
الشرائع الإسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أو هي غير محفوظة ولا
стр. 132
كلها لازم لنا بل قد سقط منها بعد رسول الله ﷺ كثير وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به أو لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لأن كثيرا منه مختلط بالكذب غير متميز منها أبدا فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بما ليس في
الدين وقالوا لم تقم لله تعالى علينا حجة فيما أمرنا به دخل عليهم في القول بفساد الشريعة وذهاب الإسلام وبطلان ضمان الله تعالى بحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم حرفا بحرف سواء بسواء ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم سواء بسواء أنهم يعملون بما ليس من الدين وأن النبي ﷺ قد بطل بيانه وأنه حجة الله تعالى بذلك لم تقم علينا سواء بسواء وفي هذا ما فيه فإن لجأوا إلى الاقتصار على خبر التواتر لم ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع وبالموهوم فيه ومن جواز أن يكون كثير من شرائع الإسلام لم ينقل إلينا إذ قد بطل ضمان حفظ الله تعالى فيها وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر بل أصحاب الإسناد أصح دعوى في ذلك لشهادة كثرة الرواة وتغير الأسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر وبالله تعالى التوفيق فإن لجأ لاجىء إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات فإنه كذب موضوع ليس منه شيء قاله قط رسول الله ﷺ وقلنا وبالله تعالى التوفيق هذه مجاهرة ظاهرة ومدافعة لما نعلم بالضرورة خلافه وتكذيب لجميع الصحابة أولهم عن آخرهم ولجميع فضلاء التابعين ولكل إنسان من العلماء جيلا بعد جيل لأن كل ما ذكرنا رووا الأخبار عن النبي ﷺ بلا شك من أحد واحتج بها بعضهم على بعض وعملوا بها وأفتوا بها في دين الله تعالى وهذا اطراح للإجماع المتيقن وباطل
стр. 133
لا تختلف النفوس فيه أصلا لأنا بالضرورة ندري أنه لا يمكن البتة في البنية أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق قط في كلمة رواها بل كلهم وضعوا كل ما رووا وأيضا ففيه إبطال الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك وأنه إنما أخذ بيانها من كلام رسول الله ﷺ وفي هذا القطع بأن كل صاحب من الصحابة روى عن رسول
الله ﷺ فإنه هو الواضع والمخترع للكذب عن رسول الله ﷺ فيه ولا يشك أحد على وجه الأرض في أن كل صاحب من الصحابة قد حدث عن النبي ﷺ أهله وجيرانه وفي هذا إثبات وضع الشرائع على جميعهم أولهم عن آخرهم وما بلغت الروافض والخوارج قط هذا المبلغ مع أنها دعوى بلا برهان وما كان كذلك فهو باطل بيقين في ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها
إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغا إلى رسول الله ﷺ كذبا كلها أولها عن آخرها موضوعة بأسرها وهذا باطل بيقين كما بينا وإيجاب أن كل صاحب وتابع وعالم لا نحاشي أحدا قد اتفقوا على وضع الشرائع والكذب فيها على رسول الله ﷺ وهذا انسلاخ عن الإسلام أو يكون فيها حق وفيها باطل إلا أنه لا سبيل إلى تمييز الحق منها من الباطل لأحد أبدا وهذا تكذيب لله تعالى في إخباره بحفظ الذكر المنزل وبإكماله الدين لنا وبأنه لا يقبل منا إلا دين الإسلام لا شيئا سواه وفيه أيضا فساد الدين واختلاطه بما لم يأمر به تعالى قط به وأنه لا سبيل لأحد في العالم إلى أن يعرف ما أمره الله تعالى به في دينه مما لم يأمره به أبدا وأن حقيقة الإسلام وشرائعه قد بطلت بيقين وهذا انسلاخ عن
стр. 134
الإسلام أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى موجبة كلها للعلم لإخبار الله تعالى بأنه حافظ لما أنزل من الذكر ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا به ولإخباره تعالى بأنه قد بين الرشد من الغي وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه ﷺ وفي فعله وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على لسان نبيه ﷺ وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين قال علي فإذا قد صح هذا القول بيقين وبطل كل ما سواه فلنتكلم بعون الله تعالى على تقسيمه فنقول وبالله تعالى نتأيد إننا قد أمنا ولله الحمد أن تكون شريعة أمر بها رسول الله ﷺ أو ندب إليها أو فعلها ﵇ فتضيع ولم تبلغ إلى أحد من أمته إما بتواتر أو بنقل الثقة عن الثقة حتى تبلغ إليه ﷺ وأمنا أيضا قطعا أن يكون الله تعالى يفرد بنقلها من لا تقوم الحجة بنقله من العدول وأمنا أيضا قطعا أن تكون شريعة يخطىء فيها راويها الثقة ولا يأتي بيان جلي واضح بصحة خطئه فيه وأمنا أيضا قطعا أو يطلق
الله من قد وجبت الحجة علينا بنقله على وضع حديث فيه شرع يسنده إلى من تجب الحجة بنقله حتى يبلغ به إلى رسول الله ﷺ وكذلك نقطع ونثبت بأن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلا أو لم يروه قط إلا مجهول أو مجرح ثابت الجرحة فإنه خبر باطل بلا شك موضوع لم يقله رسول الله ﷺ إذ لو جاز أن يكون حقا لكان ذلك شرعا صحيحا غير لازم لنا لعدم قيام الحجة علينا فيها
قال علي وهذا الحكم الذي قدمنا إنما هو فيما نقله من اتفق على عدالته كالصحابة وثقات التابعين ثم كشعبة وسفيان وسفيان ومالك وغيرهم
стр. 135
من الأئمة في عصرهم وبعدهم إلينا وإلى يوم القيامة وفي كل من ثبتت جرحته كالحسن بن عمارة وجابر الجعفي وسائر المجرحين الثابتة جرحتهم وأما من اختلف فيه فعدله قوم وجرحه آخرون فإن ثبتت عندنا عدالته قطعنا على صحة خبره وإن ثبتت عندنا جرحته قطعنا على بطلان خبره وإن لم يثبت عندنا شيء من ذلك وقفنا في ذلك وقطعنا ولا بد حتما على أن غيرنا لا بد أن يثبت عنده أحد الأمرين فيه وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا وجهلنا إن جهلنا حجة على وجوب ضياع دين الله تعالى بل الحق ثابت معروف عند طائفة وإن جهلته أخرى والباطل كذلك أيضا كما يجهل قوم ما نعلمه نحن أيضا والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه إما تثبت الراوي واعترافه بأنه أخطأ فيه وإما شهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راويه فوهم فيه فلان وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ قال علي وكذلك نقطع ونبت في كل خبرين صحيحين متعارضين وكل آيتين متعارضتين وكل آية وخبر صحيح متعارضين وكل اثنين متعارضين لم يأت نص بين بالتناسخ منهما فإن الحكم الزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ وأن الموافق لمعهود الأصل المتقدم وهو المنسوخ قطعا يقينا للبراهين التي قدمنا من أن الدين محفوظ فلو جاز أن يخفى فيه ناسخ من منسوخ أو أن يوجد عموم لا يأتي نص صحيح بتخصيصه ويكون المراد به الخصوص لكان الدين غير محفوظ ولكانت الحجة غير قائمة على أحد في الشريعة ولكنا متعبدين بالظن الكاذب المحرم بل بالعمل بما لم يأمر الله تعالى قط به وهذا باطل مقطوع على بطلانه قال علي فإن وجد لنا يوما غير هذا فنحن تائبون إلى الله تعالى منه وهي وهلة نستغفر الله منها وإنا لنرجو ألا يوجد لنا ذلك
стр. 136
بمن الله تعالى ولطفه
صفة من يلزم قبوله نقل الأخبار قال أبو محمد واستدركنا برهانا في وجوب قبول الخبر الواحد قاطعا وهو خبر الله تعالى عن موسى ﵇ إذ جاءه ﴿وجآء رجل من أقصى لمدينة يسعى قال يموسى إن لملأ يأتمرون بك ليقتلوك فخرج إني لك من لناصحين﴾ ﴿فجآءته إحداهما تمشي على ستحيآء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جآءه وقص عليه لقصص قال لا تخف نجوت من لقوم لظالمين﴾ إلى قوله تعالى ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى بنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ومآ أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ إلى آخر القصة فصدق موسى ﵇ قول المنذر له وخرج عن وطنه بقوله وصوب الله تعالى ذلك من فعله وصدق قول المرأة التي أباها يدعوه فمضى معها وصدق أباها في قوله إنها ابنته واستحل نكاحها وجماعها بقوله وحده وصوب الله ذلك كله فصح يقينا ما قلنا بأن خبر الواحد ما يضطر إلى تصديقه يقينا والحمد لله رب العالمين قال علي وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين فإذا كان الراوي عدلا حافظا لما تفقه فيه أو ضابطا له بكتابه وجب قبول نذارته فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابه فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل وأغافل هو أم حافظ أو ضابط ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه فيلزمنا حينئذ قبول نذارته أو تثبت عندنا جرحته أو قلة حفظه وضبطه فيلزمنا اطراح خبره حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ثنا أحمد بن فتح ثنا
стр. 137
عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو عامر الأشعري ثنا أبو أسامة هو حماد بن أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال إن مثل ما بعثني الله به من
الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب
الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ % فذلك مثل % من فقه في دين الله بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن العلاء ثنا حماد بن أسامة عن يزيد فذكره بإسناده ولفظه إلا أنه قال مكان طيبة نقية ومكان غيث الغيث الكثير ومكان ورعوا وزرعوا ومكان فقه تفقه ومكان قيعان قيعة واتفقا في كل ما عدا ذلك قال علي وليس اختلاف الروايات عيبا في الحديث إذا كان المعنى واحدا لأن النبي ﷺ صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث كرره ثلاث مرات فنقل كل إنسان بحسب ما سمع فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحدا قال علي فقد جمع رسول الله ﷺ في هذا الحديث مراتب
стр. 138
أهل العلم دون أن يشذ منها شيء فالأرض الطيبة النقية هي مثل الفقيه الضابط لما روى الفهم للمعاني التي يقتضيها لفظ النص المتنبه على رد ما اختلف فيه الناس إلى نص حكم القرآن وسنة رسول الله ﷺ وأما الأجادب الممسكة للماء التي يستقي منها الناس فهي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت أو ضبطته بالكتاب وأمسكته حتى أدته إلى غيرها غير مغير ولم يكن لها تنبه على معاني ألفاظ ما روت ولا معرفة بكيفية رد ما اختلف الناس فيه إلى نص القرآن والسنن التي روت لكن نفع الله تعالى بهم في التبليغ فبلغوه إلى من هو أفهم بذلك فقد أنذر رسول الله ﷺ بهذا إذ يقول فرب مبلغ أوعى من سامع وكما روي عنه ﵇ أنه قال فرب حامل فقه ليس بفقيه قال أبو محمد فمن لم يحفظ ما سمع ولا ضبطه
فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب الممسكة للماء بل هو محروم معذور أو مسخوط بمنزلة القيعان التي لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء وفي هذا كفاية بيان وبالله تعالى التوفيق
قال علي فمن استطاع منكم فليكن من أمثال الأرض الطيبة فإن حرم ذلك فمن الأجادب وليس بعد ذلك درجة في الفضل والبسوق ونعوذ بالله من أن نكون من القيعان لكن من استقى من الأجادب ورعى من الطيبة فقد نجا وبالله التوفيق قال علي فإذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي ﷺ فقد وجب الأخذ به ولزمت طاعته والقطع به سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه أو رواه كذاب من الناس وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق وسواء كان ناقله عبدا أو امرأة أو لم يكن وإنما الشرط العدالة والتفقه فقط وإن العجب ليكثر من قوم من المدعين أنهم
стр. 139
قائلون بخبر الواحد ثم يعللون ما خالف مذاهبهم من الأحاديث الصحاح بأن يقولوا هذا مما لم يروه إلا فلان ولم يعرف له مخرج من غير هذا الطريق قال أبو محمد وهذا جهل شديد وسقوط مفرط لأنهم قد اتفقوا معنا على وجوب قبول خبر الواحد والأخذ به ثم هم دأبا يتعللون في ترك السنة بأنه خبر واحد والعجب أنهم يأخذون بذلك إذا اشتهوا فهذا محمد بن مسلم الزهري له نحو تسعين حديثا انفرد بها عن النبي ﷺ لم يروها أحد من الناس سواه ليس أحد من الأئمة إلا وله أخبار انفرد بها ما تعلل أحد من هؤلاء المحرمون في رد شيء منها بذلك فليت شعري ما الفرق بين من قبلوا خبره ولم يروه أحد معه وبين من ردوا خبره لأنه لم يروه أحد معه وهل في الاستخفاف بالسنن أكثر من هذا وأيضا فإن الخبر وإن روي من طرق ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك فهو كله خبر واحد من أثبت شيئا من ذلك أثبت خبر الواحد ومن نفى خبر الواحد نفى كل ذلك لأن العلة عندهم في كل ذلك واحدة وهي أن كل ما لا يضطر إلى التصديق عندهم ولم يوجب القطع على صحة مغيبة لديهم
فهو خبر واحد وهذه عندهم صفة كل ما لم ينقل بالتواتر فقد تركوا مذهبهم وهم لا يشعرون أو يشعرون ويتعمدون وهذه أسوأ وأقبح ونعوذ بالله من الخذلان قال علي وأما المدلس فينقسم إلى قسمين أحدهما حافظ عدل ربما أرسل حديثه وربما أسنده وربما حدث به على سبيل المذاكرة أو الفتيا أو المناظرة فلم يذكر له سندا وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون
بعض فهذا لا يضر ذلك سائر رواياته شيئا لأن هذا ليس جرحة ولا غفلة لكنا نترك من حديثه ما علمنا يقينا أنه أرسله وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئا
стр. 140
من ذلك وسواء قال أخبرنا فلان أو قال عن فلان أو قال فلان عن فلان كل ذلك واجب قبوله ما لم يتيقن أنه أورد حديثا بعينه إيرادا غير مسند فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط وأخذنا سائر رواياته وقد روينا عن عبد الرزاق بن همام قال كان معمر يرسل لنا أحاديث فلما قدم عليه عبد الله بن المبارك أسندها له وهذا النوع منهم كان جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين كالحسن البصري وأبي إسحاق السبيعي وقتادة بن دعامة وعمرو بن دينار وسليمان الأعمش وأبي الزبير وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وقد أدخل علي بن عمر الدارقطني فيهم مالك بن أنس ولم يكن كذلك ولا يوجد له هذا إلا في قليل من حديثه أرسله مرة وأسنده أخرى وقسم آخر قد صح عنهم إسقاط من لا خير فيه من أسانيدهم عمدا وضم القوي إلى القوي تلبيسا على من يحدث وغرورا لم يأخذ عنه ونصرا لما يريد تأييده من الأقوال مما لو سمى من سكت عن ذكره لكان ذلك علة ومرضا في الحديث فهذا رجل مجرح وهذا فسق ظاهر واجب اطراح جميع حديثه صح أنه دلس فيه أو لم يصح أنه دلس فيه وسواء قال سمعت أو أخبرنا أو لم يقل كل ذلك مردود غير مقبول لأنه ساقط العدالة غاش لأهل الإسلام باستجازته ما ذكرناه ومن هذا النوع كان الحسين بن عمارة وشريك بن عبد الله القاضي وغيرهما قال علي ومن صح أنه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله لأنه لم يتفقه في دين الله ولا حفظ ما سمع وقد قال ﵇ نضر الله امرأ سمع منا حديثا حفظه حتى بلغه غيره فإنما أمر ﵇ بقبول تبليغ الحافظ والتلقين هو أن يقول له القائل حدثك فلان بكذا ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه فيقول نعم فهذا لا يخلو من أحد وجهين ولا بد من أحدهما ضرورة إما أن يكون
فاسقا يحدث بما لم يسمع
стр. 141
أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن ومثل هذا لا يلتفت له لأنه ليس من ذوي الألباب ومن هذا النوع كان سماك بن حرب أخبر بأنه شاهد ذلك منه شعبة الإمام الرئيس ابن الحجاج
قال علي ومما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أنه قال فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام قال أبو محمد وهذا باطل لأنه تقسيم فاسد لا برهان عليه بل البرهان يبطله وذلك أنه لا يخلو كل أحد في الأرض من أن يكون فاسقا أو غير فاسق فإن كان غير فاسق كان عدلا ولا سبيل إلى مرتبة ثالثة فالعدل ينقسم إلى قسمين فقيه وغير فقيه فالفقيه العدل مقبول في كل شيء والفاسق لا يحتمل في شيء والعدل غير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء لأن شرط القبول الذي نص الله تعالى عليه ليس موجودا فيه ومن كان عدلا في بعض نقله فهو عدل في سائره ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره ولا يجوز قبول سائره إلا بنص من الله تعالى أو إجماع في التفريق بين ذلك وإلا فهو تحكم بلا برهان وقول بلا علم وذلك لا يحل قال علي وقد غلط أيضا قوم آخرون منهم فقالوا فلان أعدل من فلان وراموا بذلك ترجيح خبر الأعدل على من هو دونه في العدالة قال علي وهذا خطأ شديد وكان يكفي من الرد عليهم أن نقول لهم إنهم أبرك الناس لذلك وفي أكثر أمرهم يأخذون بما روى الأول عدالة ويتركون ما روى الأعدل ولعلنا سنورد من ذلك طرفا صالحا إن شاء الله تعالى ولكن لا بد لنا بمشيئة الله تعالى من إبطال هذا القول بالبرهان الظاهر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأول ذلك أن الله لم يفرق بين خبر عدل وخبر عدل آخر أعدل
стр. 142
من ذلك ومن حكم في الدين بغير أمر من الله أو من رسوله ﵇ أو إجماع متيقن مقطوع به منقول عن رسول الله ﷺ فقد قفا ما ليس له به علم وفاعل ذلك عاص لله لأنه قد نهاه تعالى عن ذلك وإنما أمر تعالى بقبول نذارة النافر
الفقيه العدل فقط وبقبول شهادة العدول فقط فمن زاد حكما فقد أتى بما لا يجوز له وترك ما لم يأمره الله تعالى بتركه وغلب ما لم يأمره الله بتغليبه قال علي وأيضا فقد يعلم الأقل عدالة ما لا يعلمه من هو أتم منه عدالة وقد جهل أبو بكر وعمر ميراث الجدة وعلمه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وبينهما وبين أبي بكر وعمر بون بعيد إلا أنهم كلهم عدول وقد رجع أبو بكر إلى خبر المغيرة
في ذلك ورجع عمر إلى خبر مخبر أخبره عن أملاص المرأة ولم يكن ذلك عند عمر وذلك المخبر بينه وبين عمر في العدالة درج وأيضا فإن كل ما يتخوف من العدل فإنه متخوف من أعدل من في الأرض بعد رسول الله ﷺ وأيضا فلو شهد أبو بكر وحده ما قبل قبولا لا يوجب الحكم بشهادته ولو شهد عدلان من عرض الناس قبلا فلا معنى للأعدل وأيضا فإن العدالة إنما هي التزام العدل والعدل هو القيام بالفرائض واجتناب المحارم والضبط لما روى وأخبر به فقط ومعنى قولنا فلان أعدل من فلان أي أنه أكثر نوافل في الخبر فقط وهذه صفة لا مدخل لها في العدالة إذ لو انفردت من صفة العدالة التي ذكرنا لم يكن فضلا ولا خيرا فاسم العدالة مستحق دونهما كما هو مستحق معها سواء بسواء
стр. 143
ولا فرق فصح أنه لا يجوز ترجيح رواية على أخرى ولا ترجيح شهادة على أخرى بأن أحد الراوين أو أحد الشاهدين أعدل من الآخر وهذا الذي تحكموا به إنما هو من باب طيب النفس وطيب النفس باطل لا معنى له وشهوة لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله ﷺ وإنما هو حق فسواء طابت النفس عليه أو كرهته فهو حرام عليها وهذا من باب اتباع الهوى وقد حرم الله تعالى ذلك قال ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى لنفس عن لهوى﴾ وقال تعالى ﴿فإن لم يستجيبوا لك فعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من لله إن لله لا يهدي لقوم لظالمين﴾ فمن حكم في دين الله بما استحسن وطابت نفسه عليه دون برهان من نص ثابت أو إجماع فلا أحد أضل منه وبالله تعالى نعوذ من الخذلان إلا من جهل ولم تقم عليه حجة فالخطأ لا ينكر وهو معذور مأجور ولكن من بلغه البيان وقامت عليه الحجة فتمادى على هواه فهو فاسق عاص لله قال علي ووجدنا الله تعالى لم يرض في القبول في الشهادة بزنى الأمة إلا أربعة عدول لا أقل وإنما في ذلك خمسون جلدة وتغريب نصف عام ووجدنا كما قد وافقتمونا
على القبول في إباحة دم المسلم ودماء الجماعة باثنين وكذلك في القذف والقطع فأين طيب النفس ههنا فبهذا وغيره يجب قبول ما قام الدليل عليه وسواء طابت عليه النفس أو لم تطب قال علي والمرأة والرجل والعبد في كل ما ذكرنا سواء ولا فرق ولم يخص تعالى عدلا من عدل ولا رجلا من امرأة ولا حرا من عبد قال علي وبما ذكرنا ههنا يبطل قول من قال هذا الحديث لم يرو من غير هذا الوجه ثم قال إنما طلبنا كثرة الرواة على استطابة النفس فإن اعترضوا بقول إبراهيم ﵇ إذ يقول ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من لطير فصرهن إليك ثم جعل على كل جبل منهن جزءا ثم دعهن يأتينك سعيا وعلم أن لله عزيز حكيم﴾ الآية
стр. 144
قيل لهم أفترون يقين الخليل ﵇ كان مدخولا قبل أن يرى إحياء الطير فإن قلتم هذا كفرتم ولو لم يره الله تعالى ذلك كما لم ير موسى ما سأل ما تخالج إبراهيم شك في صحة إحياء الله تعالى الموتى وكذلك نحن إن وجدنا الحديث مرويا من طرق كان ذلك أبلغ أن الحجة عند المخالف فقط وإن عدمناه فقد لزمنا القبول لنقل الواحد بالحجاج التي قدمنا وبينا على أي وجه طلب إبراهيم ما طلب في كتابنا في الملل والنحل قال علي ومن عدله عدل وجرحه عدل فهو ساقط الخبر والتجريح يغلب التعديل لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل وليس هذا تكذيبا للذي عدل بل هو تصديق لهما معا فإن قال قائل فهلا قلتم بل عند المعدل علم لم يكن عند المجرح قيل له كذلك نقول ونصدق كل واحد منهما فإذا صح خبرهما معا عليه فلا خلاف في أن كل من جمع عدالة ومعصية فأطاع في قصة وصلى وصام وزكى وفسق في أخرى وزنى أو شرب الخمر أو أتى كبيرة أو جاهر بصغيرة فإنه فاسق عند جميع الأمة بلا خلاف ولا يقع عليه اسم عدل ولو لم يفسق إلا من تمحص الشر ولا يعمل شيئا من الخير لما فسق مسلم أبدا لأن توحيده خير وفضل وإحسان وبر وفي صحة
القول بأن فينا عدولا وفساقا بنص القرآن ورضا وغير رضا بيان ما قلنا ولو أخذنا بالتعديل وأسقطنا التجريح لكنا قد كذبنا المجرح وذلك غير جائز وهكذا القول في الشهادة ولا فرق
قال علي ولا يقبل في التجريح قول أحد إلا حتى يبين وجه تحريمه فإن قوما جرحوا آخرين بشرب الخمر وإنما كانوا يشربون النبيذ المختلف فيه بتأويل منهم أخطؤوا فيه ولم يعلموه حراما ولو علموه مكروها فضلا عن حرام ما أقدموا عليه ورعا وفضلا منهم الأعمش وإبراهيم وغيرهما من الأئمة ﵃ وهذا ليس جرحة لأنهم مجتهدون طلبوا الحق فأخطؤوه
стр. 145
ولا يكون الجرح في نقلة الأخبار إلا بأحد أربعة أوجه لا خامس لها الإقدام على كبيرة قد صح عند المقدم عليها بالنص الثابت أنها كبيرة الثاني الإقدام على ما يعتقد المرء حراما وإن كان مخطئا فيه قبل أن تقوم الحجة عليه بأنه مخطىء والثالث المجاهرة بالصغائر التي صح عند المجاهر بها بالنص أنها حرام وهذه الأوجه الثلاثة هي جرحه في نقلة الأخبار وفي الشهود وفي جميع الشهادات في الأحكام وهذه صفات الفاسق بالنص وبإجماع من المخالفين لنا وإنما أسقطنا المستتر بالصغائر للحديث الصحيح في الذي ٣ قبل امرأة فأخبره ﵇ أن صلاته كفرت ذلك عنه ولقوله ﴿إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ فمن غفر الله له فحرام علينا أن نثبت عليه ما قد غفر الله تعالى له وكذلك التائب من الكبائر ومن الكفر أيضا فهو عدل وليس هذا من باب ثبات الحد عليه في شيء لأن الملامة ساقطة عن التائب والحد عنه غير ساقط على حديث ماعز فإن النبي ﷺ رجمه بعد توبته وأمر بالاستغفار له ونهى عن سبه وإنما قلنا إن المجاهرة بالصغائر جرحة للإجماع المتيقن على ذلك والنص الوارد من الأمر بإنكار المنكر والصغائر من المنكر لأن الله تعالى أنكرها وحرمها ونهى عنها فمن أعلن بها فهو من أهل المنكر فقد استحق التغيير عليه
بقول رسول الله ﷺ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ومن كان من أهل المنكر في الدين فهو فاسق لأن المنكر فسق والفاسق لا يقبل خبره وصح بما قدمنا أن المستتر بالصغائر ليس صاحبه فاسقا ولا يجب التغيير عليه ولا الإنكار عليه لأنه لم ير منه ما يلزمنا فيه تغيير ولا إنكار ولا تعزير ولو أن امرأ
следующие страницы →