← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن ومثل هذا لا يلتفت له لأنه ليس من ذوي الألباب ومن هذا النوع كان سماك بن حرب أخبر بأنه شاهد ذلك منه شعبة الإمام الرئيس ابن الحجاج قال علي ومما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أنه قال فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام قال أبو محمد وهذا باطل لأنه تقسيم فاسد لا برهان عليه بل البرهان يبطله وذلك أنه لا يخلو كل أحد في الأرض من أن يكون فاسقا أو غير فاسق فإن كان غير فاسق كان عدلا ولا سبيل إلى مرتبة ثالثة فالعدل ينقسم إلى قسمين فقيه وغير فقيه فالفقيه العدل مقبول في كل شيء والفاسق لا يحتمل في شيء والعدل غير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء لأن شرط القبول الذي نص الله تعالى عليه ليس موجودا فيه ومن كان عدلا في بعض نقله فهو عدل في سائره ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره ولا يجوز قبول سائره إلا بنص من الله تعالى أو إجماع في التفريق بين ذلك وإلا فهو تحكم بلا برهان وقول بلا علم وذلك لا يحل قال علي وقد غلط أيضا قوم آخرون منهم فقالوا فلان أعدل من فلان وراموا بذلك ترجيح خبر الأعدل على من هو دونه في العدالة قال علي وهذا خطأ شديد وكان يكفي من الرد عليهم أن نقول لهم إنهم أبرك الناس لذلك وفي أكثر أمرهم يأخذون بما روى الأول عدالة ويتركون ما روى الأعدل ولعلنا سنورد من ذلك طرفا صالحا إن شاء الله تعالى ولكن لا بد لنا بمشيئة الله تعالى من إبطال هذا القول بالبرهان الظاهر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأول ذلك أن الله لم يفرق بين خبر عدل وخبر عدل آخر أعدل

стр. 142

من ذلك ومن حكم في الدين بغير أمر من الله أو من رسوله ﵇ أو إجماع متيقن مقطوع به منقول عن رسول الله ﷺ فقد قفا ما ليس له به علم وفاعل ذلك عاص لله لأنه قد نهاه تعالى عن ذلك وإنما أمر تعالى بقبول نذارة النافر الفقيه العدل فقط وبقبول شهادة العدول فقط فمن زاد حكما فقد أتى بما لا يجوز له وترك ما لم يأمره الله تعالى بتركه وغلب ما لم يأمره الله بتغليبه قال علي وأيضا فقد يعلم الأقل عدالة ما لا يعلمه من هو أتم منه عدالة وقد جهل أبو بكر وعمر ميراث الجدة وعلمه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وبينهما وبين أبي بكر وعمر بون بعيد إلا أنهم كلهم عدول وقد رجع أبو بكر إلى خبر المغيرة في ذلك ورجع عمر إلى خبر مخبر أخبره عن أملاص المرأة ولم يكن ذلك عند عمر وذلك المخبر بينه وبين عمر في العدالة درج وأيضا فإن كل ما يتخوف من العدل فإنه متخوف من أعدل من في الأرض بعد رسول الله ﷺ وأيضا فلو شهد أبو بكر وحده ما قبل قبولا لا يوجب الحكم بشهادته ولو شهد عدلان من عرض الناس قبلا فلا معنى للأعدل وأيضا فإن العدالة إنما هي التزام العدل والعدل هو القيام بالفرائض واجتناب المحارم والضبط لما روى وأخبر به فقط ومعنى قولنا فلان أعدل من فلان أي أنه أكثر نوافل في الخبر فقط وهذه صفة لا مدخل لها في العدالة إذ لو انفردت من صفة العدالة التي ذكرنا لم يكن فضلا ولا خيرا فاسم العدالة مستحق دونهما كما هو مستحق معها سواء بسواء

стр. 143

ولا فرق فصح أنه لا يجوز ترجيح رواية على أخرى ولا ترجيح شهادة على أخرى بأن أحد الراوين أو أحد الشاهدين أعدل من الآخر وهذا الذي تحكموا به إنما هو من باب طيب النفس وطيب النفس باطل لا معنى له وشهوة لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله ﷺ وإنما هو حق فسواء طابت النفس عليه أو كرهته فهو حرام عليها وهذا من باب اتباع الهوى وقد حرم الله تعالى ذلك قال ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى لنفس عن لهوى﴾ وقال تعالى ﴿فإن لم يستجيبوا لك فعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من لله إن لله لا يهدي لقوم لظالمين﴾ فمن حكم في دين الله بما استحسن وطابت نفسه عليه دون برهان من نص ثابت أو إجماع فلا أحد أضل منه وبالله تعالى نعوذ من الخذلان إلا من جهل ولم تقم عليه حجة فالخطأ لا ينكر وهو معذور مأجور ولكن من بلغه البيان وقامت عليه الحجة فتمادى على هواه فهو فاسق عاص لله قال علي ووجدنا الله تعالى لم يرض في القبول في الشهادة بزنى الأمة إلا أربعة عدول لا أقل وإنما في ذلك خمسون جلدة وتغريب نصف عام ووجدنا كما قد وافقتمونا على القبول في إباحة دم المسلم ودماء الجماعة باثنين وكذلك في القذف والقطع فأين طيب النفس ههنا فبهذا وغيره يجب قبول ما قام الدليل عليه وسواء طابت عليه النفس أو لم تطب قال علي والمرأة والرجل والعبد في كل ما ذكرنا سواء ولا فرق ولم يخص تعالى عدلا من عدل ولا رجلا من امرأة ولا حرا من عبد قال علي وبما ذكرنا ههنا يبطل قول من قال هذا الحديث لم يرو من غير هذا الوجه ثم قال إنما طلبنا كثرة الرواة على استطابة النفس فإن اعترضوا بقول إبراهيم ﵇ إذ يقول ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من لطير فصرهن إليك ثم جعل على كل جبل منهن جزءا ثم دعهن يأتينك سعيا وعلم أن لله عزيز حكيم﴾ الآية

стр. 144

قيل لهم أفترون يقين الخليل ﵇ كان مدخولا قبل أن يرى إحياء الطير فإن قلتم هذا كفرتم ولو لم يره الله تعالى ذلك كما لم ير موسى ما سأل ما تخالج إبراهيم شك في صحة إحياء الله تعالى الموتى وكذلك نحن إن وجدنا الحديث مرويا من طرق كان ذلك أبلغ أن الحجة عند المخالف فقط وإن عدمناه فقد لزمنا القبول لنقل الواحد بالحجاج التي قدمنا وبينا على أي وجه طلب إبراهيم ما طلب في كتابنا في الملل والنحل قال علي ومن عدله عدل وجرحه عدل فهو ساقط الخبر والتجريح يغلب التعديل لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل وليس هذا تكذيبا للذي عدل بل هو تصديق لهما معا فإن قال قائل فهلا قلتم بل عند المعدل علم لم يكن عند المجرح قيل له كذلك نقول ونصدق كل واحد منهما فإذا صح خبرهما معا عليه فلا خلاف في أن كل من جمع عدالة ومعصية فأطاع في قصة وصلى وصام وزكى وفسق في أخرى وزنى أو شرب الخمر أو أتى كبيرة أو جاهر بصغيرة فإنه فاسق عند جميع الأمة بلا خلاف ولا يقع عليه اسم عدل ولو لم يفسق إلا من تمحص الشر ولا يعمل شيئا من الخير لما فسق مسلم أبدا لأن توحيده خير وفضل وإحسان وبر وفي صحة القول بأن فينا عدولا وفساقا بنص القرآن ورضا وغير رضا بيان ما قلنا ولو أخذنا بالتعديل وأسقطنا التجريح لكنا قد كذبنا المجرح وذلك غير جائز وهكذا القول في الشهادة ولا فرق قال علي ولا يقبل في التجريح قول أحد إلا حتى يبين وجه تحريمه فإن قوما جرحوا آخرين بشرب الخمر وإنما كانوا يشربون النبيذ المختلف فيه بتأويل منهم أخطؤوا فيه ولم يعلموه حراما ولو علموه مكروها فضلا عن حرام ما أقدموا عليه ورعا وفضلا منهم الأعمش وإبراهيم وغيرهما من الأئمة ﵃ وهذا ليس جرحة لأنهم مجتهدون طلبوا الحق فأخطؤوه

стр. 145

ولا يكون الجرح في نقلة الأخبار إلا بأحد أربعة أوجه لا خامس لها الإقدام على كبيرة قد صح عند المقدم عليها بالنص الثابت أنها كبيرة الثاني الإقدام على ما يعتقد المرء حراما وإن كان مخطئا فيه قبل أن تقوم الحجة عليه بأنه مخطىء والثالث المجاهرة بالصغائر التي صح عند المجاهر بها بالنص أنها حرام وهذه الأوجه الثلاثة هي جرحه في نقلة الأخبار وفي الشهود وفي جميع الشهادات في الأحكام وهذه صفات الفاسق بالنص وبإجماع من المخالفين لنا وإنما أسقطنا المستتر بالصغائر للحديث الصحيح في الذي ٣ قبل امرأة فأخبره ﵇ أن صلاته كفرت ذلك عنه ولقوله ﴿إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ فمن غفر الله له فحرام علينا أن نثبت عليه ما قد غفر الله تعالى له وكذلك التائب من الكبائر ومن الكفر أيضا فهو عدل وليس هذا من باب ثبات الحد عليه في شيء لأن الملامة ساقطة عن التائب والحد عنه غير ساقط على حديث ماعز فإن النبي ﷺ رجمه بعد توبته وأمر بالاستغفار له ونهى عن سبه وإنما قلنا إن المجاهرة بالصغائر جرحة للإجماع المتيقن على ذلك والنص الوارد من الأمر بإنكار المنكر والصغائر من المنكر لأن الله تعالى أنكرها وحرمها ونهى عنها فمن أعلن بها فهو من أهل المنكر فقد استحق التغيير عليه بقول رسول الله ﷺ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ومن كان من أهل المنكر في الدين فهو فاسق لأن المنكر فسق والفاسق لا يقبل خبره وصح بما قدمنا أن المستتر بالصغائر ليس صاحبه فاسقا ولا يجب التغيير عليه ولا الإنكار عليه لأنه لم ير منه ما يلزمنا فيه تغيير ولا إنكار ولا تعزير ولو أن امرأ

стр. 146

شهد على آخر بأنه يتستر بالصغائر لكانت شهادة الشاهد عليه بذلك مردودة وكان ملوما ولم يجز أن يقدح ذلك في شهادة المستتر بها لوجهين أحدهما أنه لا ينجو أحد من ذنب صغير والثاني أنه معفو عنه ولو شهد على أحد أنه يستتر بكبيرة لقبلت شهادته عليه ولردت شهادة المستتر بها لأنها ليست مغفورة إلا بالتوبة أو برجوح الميزان عند الموازنة يوم القيامة قال علي والوجه الرابع ينفرد به نقلة الأخبار دون الشهود في الأحكام وهو ألا يكون المحدث إلا فقيها فيما روى أي حافظا لأن النص الوارد في قبول نذارة النافر للتفقه إنما هو بشرط أن يتفقه في العلم ومن لم يحفظ ما روى فلم يتفقه وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته وليس ذلك في الشهادة لأن الشرط في الشهادة إنما هي العدالة فقط بنص القرآن فلا يضر الشاهد أن يكون معروفا بالغفلة والغلط ولا يسقط ذلك شهادته إلا أن تقوم بينة بأنه غلط في شهادة ما فتسقط تلك التي غلط فيها فقط ولا يضر ذلك شهادته في غيرها لا قبل الشهادة ولا بعدها بل هو مقبول أبدا ولا يحل لأحد أن يزيد شرطا لم يأت به الله تعالى فقد قال ﵇ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط فمن شرط في العدل في الشهادة خاصة أن يكون غير معروف بالغلط فقد زاد شرطا ليس في كتاب الله فهو مبطل فيه والتدليس الذي ذكرنا أنه يسقط العدالة هو إحدى الكبائر لقول رسول الله ﷺ من غشنا فليس منا ولا غش في الإسلام أكبر من إسقاط الضعفاء من سند حديث ليوقع الناس في العمل به وهو غير صحيح ولقوله ﵇ الدين النصيحة وواجب ذلك لله تعالى ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ومن دلس التدليس الذي ذممنا فلم ينصح لله تعالى ولا لرسوله ﵇ في تبليغه عنهما ولا نصح للمسلمين في التلبيس عليهم حتى يوقعهم فيما لا يجوز العمل به

стр. 147

قال علي وأما من قدم على ما يعتقده حلالا مما لم يقم عليه في تحريمه حجة فهو معذور مأجور وإن كان مخطئا وأهل الأهواء معتزليهم ومرجئيهم وزيدييهم وأباضييهم بهذه الصفة إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفر متفق على أنه كفر وقد بينا ذلك في كتاب الفصل أو من قامت عليه حجة من نص أو إجماع فتمادى ولم يرجع فهو فاسق وكذلك القول فيمن خالف حديث النبي ﷺ لتقليد أو قياس ولا فرق أو من سب أحد الصحابة ﵃ فإن ذلك عصبية والعصبية فسق وصدق أبو يوسف القاضي إذ سئل عن شهادة من يسب السلف الصالح فقال لو ثبت عندي على رجل أنه يسب جيرانه ما قبلت شهادته فكيف من يسب أفاضل الأمة إلا أن يكون من الجهل بحيث لم تقم عليه حجة النص بفضلهم والنهي عن سبهم فهذا لا يقدح سبهم في دينه أصلا ولا ما هو أعظم من سبهم لكن حكمه أن يعلم ويعرف فإن تمادى فهو فاسق وإن عاند في ذلك الله تعالى أو رسوله ﷺ فهو كافر مشرك ولو أن امرأ بدل القرآن مخطئا جاهلا أو صلى لغير القبلة كذلك ما قدح ذلك في دينه عند أحد من أهل الإسلام حتى تقوم عليه الحجة بذلك فإن تمادى فهو فاسق وإن عاند الله تعالى ورسوله ﷺ فهو كافر مشرك قال علي وقد علل قوم أحاديث بأن رواها ناقلها عن رجل مرة وعن رجل مرة أخرى قال علي وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته ودليل على جهل من جرح الحديث بذلك وذلك نحو أن يروي الأعمش الحديث عن سهل عن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ويرويه غير الأعمش عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد قال علي وهذا لا مدخل للاعتراض به لأن في الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة ومن أبي سعيد فيرويه مرة عن هذا ومرة عن

стр. 148

هذا ومثل هذا لا يتعلل به في الحديث إلا جاهل أو معاند ونحن نفعل هذا كثيرا لأننا نرى الحديث من طرق شتى فنرويه من بعض المواضع من أحد طرقه ونرويه مرة أخرى من طريق ثانية وهذا قوة للحديث لا ضعف وكل ما تعللوا به من مثل هذا وشبهه فهي دعاوى لا برهان عليها وكل دعوى بلا برهان فهي ساقطة وكذلك ما رواه العدل عن أحد العدلين شك في أحدهما أيهما حدثه إلا أنه موقن أن أحدهما حدثه بلا شك فهذا صحيح يجب الأخذ به مثل أن يقول الثقة حدثنا أبو سلمة أو سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فهذا ليس علة في الحديث البتة لأنه أيهما كان فهو عدل رضا معلوم الثقة مشهور العدال وأيضا فإن قالوا إن الغفلة والخطأ من الاثنين أبعد منه من الواحد قيل لهم وهو من الأربعة أبعد منه من الثلاثة فلا يقبلوا إلا ما رواه أربعة وهكذا فيما زاد حتى يلحقوا بالقائلين بالتواتر

стр. 149

فصل في المرسل قال أبو محمد المرسل من الحديث هو الذي سقط بين أحد رواته وبين النبي ﷺ ناقل واحد فصاعدا وهو المنقطع أيضا وهو غير مقبول ولا تقوم به حجة لأنه عن مجهول وقد قدمنا أن من جهلنا حاله ففرض علينا التوقف عن قبول خبره وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله وسواء قال الراوي العدل حدثنا الثقة أو لم يقل لا يجب أن يلتفت إلى ذلك إذ قد يكون عنده ثقة من لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره وقد قدمنا أن الجرح أولى من التعديل وقد وثق سفيان جابرا الجعفي وجابر من الكذب والفسق والشر والخروج عن الإسلام بحيث قد عرف ولكن خفي أمره على سفيان فقال بما ظهر منه إليه ومرسل سعيد بن المسيب ومرسل الحسن البصري وغيرهما سواء لا يؤخذ منه بشيء وقد ادعى بعض من لا يحصل ما يقول أن الحسن البصري كان إذا حدثه بالحديث أربعة من الصحابة أرسله قال فهو أقوى من المسند قال أبو محمد وقائل هذا القول اترك خلق الله لمرسل الحسن وحسبك بالمرء سقوطا أن يضعف قولا يعتقده ويعمل به ويقوي قولا يتركه ويرفضه وقد توجه عن رسول الله ﷺ رجل إلى قوم ممن يجاور المدينة فأخبرهم أن رسول الله ﷺ أمره أن يعرس بامرأة منهم

стр. 150

فأرسلوا إلى النبي ﷺ من أخبره بذلك فوجه رسول الله ﷺ إليه رسولا وأمر بقتله إن وجده حيا فوجده قد مات فهذا كما ترى قد كذب على النبي ﷺ وهو حي وقد كان في عصر الصحابة ﵃ منافقون ومرتدون فلا يقبل حديث قال راويه فيه عن رجل من الصحابة أو حدثني من صحب رسول الله ﷺ إلا حتى يسميه ويكون معلوما بالصحبة الفاضلة ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى قال الله ﴿وممن حولكم من لأعراب منافقون ومن أهل لمدينة مردوا على لنفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ وقد ارتد قوم ممن صحب النبي ﷺ عن الإسلام كعيينة بن حصن والأشعث بن قيس والرجال وعبد الله بن أبي سرح قال علي ولقاء التابع لرجل من أصاغر الصحابة شرف وفخر عظيم فلأي معنى يسكت عن تسميته لو كان ممن حمدت صحبته ولا يخلو سكوته عنه من أحد وجهين إما أنه لا يعرف من هو ولا عرف صحة دعواه الصحبة أو لأنه كان من بعض ما ذكرنا حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى حدثنا خالد بن عبد الله عن عبد الملك عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر ﵄ وكان خالد ولد عطاء قال أرسلتني أسماء إلى عبد الله بن عمر فقالت بلغني أنك تحرم أشياء ثلاثة العلم في الثوب وميثرة الأرجوان وصوم رجب كله فأنكر ابن عمر أن يكون حرم شيئا من ذلك

стр. 151

فهذه أسماء وهي صحابية من قدماء الصحابة وذوات الفضل منهم قد حدثها بالكذب من شغل بالها حديثه عن ابن عمر حتى استبرأت ذلك فصح كذب ذلك المخبر وقد ذكر عن ابن سيرين في أمر طلاق ابن عمر امرأته على عهد رسول الله ﷺ نحو ذلك فواجب على كل أحد ألا يقبل إلا من عرف اسمه وعرفت عدالته وحفظه قال علي والمخالفون لنا في قبول المرسل هم أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك وهم أترك خلق الله للمرسل إذا خالف مذهب صاحبهم ورأيه وقد ترك مالك حديث أبي العالية في الوضوء من الضحك في الصلاة ولم يعيبوه إلا بالإرسال وأبو العالية قد أدرك الصحابة ﵃ وقد رواه أيضا الحسن وإبراهيم النخعي والزهري مرسلا وتركوا حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ صلى في مرضه مات فيه بالناس جالسا والناس قيام وترك مالك وأصحابه الحديث المروي من طريق الليث عن عقيل بن خالد عن الزهري عن سعيد بن المسيب والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر مدين من بر على كل إنسان مكان صاع من شعير وذكر سعيد بن المسيب أن ذلك كان من عمل الناس أيام أبي بكر وعمر وذكر غيره أنه حكم عثمان أيضا وابن عباس وذكر ابن عمر أنه عمل الناس فهؤلاء فقهاء المدينة رووا هذا الحديث مرسلا وأنه صحبه العمل عندهم فترك ذلك أصحاب مالك فأين اتباعهم المرسل وتصحيحهم إياه وأين اتباعهم رواية أهل المدينة وعمل الأئمة بها وترك الحنفيون حديث سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 152

في ألا يباع الحيوان باللحم وهو أيضا فعل أبي بكر الصديق رضوان الله عليه ومثل هذا كثير جدا ولو تتبعنا ما تركت كلتا الطائفتين لبلغت أزيد من ألفي حديث بلا شك وسنجمع من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى في كتاب مفرد لذلك إن أعان الله تعالى بقوة من عنده وأمد بفسحة من العمر فإنما أوقعهم في الأخذ بالمرسل أنهم تعلقوا بأحاديث مرسلات في بعض مسائلهم فقالوا فيها بالأخذ بالمرسل ثم تركوه في غير تلك المسائل وإنما غرض القوم نصر المسألة الحاضرة بما أمكن من باطل أو حق ولا يبالون بأن يهدموا بذلك ألف مسألة لهم ثم لا يبالون بعد ذلك بإبطال ما صححوه في هذه المسألة إذا أخذوا في الكلام في أخرى وسنبين من ذلك كثيرا إن شاء الله تعالى ونحن ذاكرون من عيب المرسل ما فيه كفاية لمن نصح نفسه إن شاء الله تعالى أخبرني أحمد بن عمر العذري حدثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي ثنا زاهر بن أحمد أبو علي السرخسي الفقيه ثنا زنجويه بن محمد النيسابوري ثنا محمد بن إسماعيل البخاري هو مؤلف الصحيح ثنا سليمان

стр. 153

بن حرب ثنا حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن زيد بن أبي أنيسة أن رجلا أجنب فغسل فمات فقال النبي ﷺ لو يمموه قتلوه قتلهم الله قال النعمان فحدثت به الزهري فرأيته بعد يروي عن النبي ﷺ فقلت من حدثك قال أنت حدثتني عمن تحدثه قلت عن رجل من أهل الكوفة قال أفسدته في حديث أهل الكوفة دغل كثير وبالاستناد المتقدم إلى البخاري قال قال معاذ عن أشعث عن ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة كان النبي ﷺ لا يصلي في شعرنا قال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة قلت لمحمد بن سيرين ممن سمعت هذا الحديث قال سمعته من زمان لا أدري ممن سمعته ولا أدري أثبت أم لا فسلوا عنه وفيما كتب إلي به يوسف بن عبد الله النمري قال قال يحيى بن سعيد القطان مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من الثوري عن إبراهيم لو كان شيخ الثوري فيه رمق لبرح به وصاح وقال مرة أخرى كلاهما عندي شبه الريح قال أبو محمد فإذا كان الزهري ومحمد بن سيرين وسفيان ومالك وهم من هم في التحفظ والحفظ والثقة في مراسليهم ما ترى فما أحد ينصح نفسه يثق بمرسل أصلا ولو جمعنا بلايا المراسيل لاجتمع من ذلك جزء ضخم وفي هذا دليل على ما سواه وبالله تعالى التوفيق فصل في أقسام السنن قال أبو محمد السنن تنقسم ثلاثة أقسام قول من النبي ﷺ أو فعل منه ﵇ أو شيء رآه وعلمه فأقر عليه ولم ينكره فحكم أوامره ﵇ الفرض والوجوب على ما نبينه إن شاء الله في باب الأوامر من هذا الكتاب ما لم يقم دليل على خروجه من باب الوجوب إلى باب الندب أو سائر وجوه الأوامر وحكم فعله ﵇ الائتساء به فيه وليس واجبا إلا أن يكون تنفيذا لحكم أو بيانا لأمر على ما يقع في باب الكلام في أفعاله ﵇ من هذا الكتاب وأما إقراره ﵇ على ما علم وترك إنكاره إياه فإنما هو مبيح لذلك الشيء فقط وغير موجب له ولا نادب إليه لأن الله افترض عليه التبليغ

стр. 154

وأخبره أنه يعصمه من الناس وأوجب عليه أن يبين للناس ما نزل إليهم فمن ادعى أنه ﵇ علم منكرا فلم ينكره فقد كفر لأنه جحد أن يكون ﵇ بلغ كما أمر ووصفه بغير ما وصفه به ربه تعالى وكذبه في قوله ﵇ اللهم هل بلغت فقال الناس نعم فقال اللهم اشهد قال ذلك في حجة الوداع فإن اعترض معترض بحديث جابر أنه سمع عمر رضوان الله عليهما يحلف بحضرة النبي ﷺ على أن ابن صياد هو الدجال فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ فلا حجة علينا في هذا لأن ابن صياد في أول أمره كان رسول الله ﷺ شاكا في أمره أهو الدجال أم لا بذلك جاءت الأحاديث الصحاح ويبين ذلك قول عمر فيه دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقال ﵇ إن يكن هو فلن تسلط عليه أو نحو ذلك من الكلام فحلف عمر على تقديره ومن حلف على ما لا يعلم ولا يوقن أنه باطل ولا حق فليس هو عندنا حانثا ولا آثما إذا كان تقديره أنه كما حلف عليه فهذا الحديث حجة لنا وليس فيه أيضا أن النبي ﷺ صدق يمينه فإنا في الحديث أن أمر ابن صياد كان حينئذ ممكنا والحالف على الممكن كما ذكرنا لم يأت منكرا فيلزم رسول الله ﷺ تغييره قال علي وأما من قال إن أفعاله ﷺ على الوجوب فقوله ساقط لأن الله تعالى لم يوجب علينا قط في شيء من القرآن والسنن أن نفعل مثل فعله ﵇ بل قال تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول لله أسوة حسنة لمن كان يرجو لله وليوم لآخر وذكر لله كثيرا﴾ وإنما أنكر ﵇ على تنزه أن يفعل مثل فعله ﵇ وهذا هو غاية المنكر كمن تنزه عن التقبيل في رمضان نهارا وهو صائم أو تنزه أن يمشي حافيا حاسرا زاريا على من فعل ذلك وأما من ترك أن يفعل مثل فعله ﵇ لا عن رغبة عنه فما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه

стр. 155

وسلم قط وهذا التارك للائتساء به ﷺ غير راغب عن ذلك لا محسن ولا مسيء ولا مأجور ولا آثم والمؤتسي به ﵇ محسن مأجور والراغب عن الائتساء به بعد قيام الحجة عليه إن كان زاريا على محمد ﷺ فهو كافر وما نعلم لمن صحح عنه فعلا ثم رغب عنه وجها ينجو به من الشرك إلا أن يتعلق بفعل له عليه السلام آخر أو بأمر له آخر أو يكون لم يصح عنده ذلك الأمر الذي رغب عنه فإن تعلق بأنه خصوص له ﷺ فهو أحد الكاذبين الفساق ما لم يأت على دعواه بدليل من نص أو إجماع قال علي وأما من ادعى أن أفعال رسول الله ﷺ فرض علينا أن نفعل مثلها فقد أغفل جدا وأتى بما لا برهان له على صحته وما كان هكذا فهو دعوى كاذبة لأن الأصل ألا يلزمنا حكم حتى يأتي نص قرآن أو نص سنة بإيجابه وأيضا فإنه قول يؤدي إلى ما لا يفعل ولزمه أن يوجب على كل مسلم أن يسكن حيث سكن رسول الله ﷺ وأن يجعل رجليه حيث جعلهما ﵇ وأن يصلي حيث صلى ﵇ وأن يصوم فرضا الأيام التي كان يصومها ﵇ وأن يجلس حيث جلس وأن يتحرك مثل كل حركة تحركها ﵇ وأن يحرم الأكل متكئا وعلى خوان والشبع من خبز البر مأدوما ثلاثا تباعا وأن يوجب فرضا أكل الدباء ويتتبعها وهذا ما لا يوجبه مسلم مع أن هذا يخرج إلى المحال وإلى إرجاع ما لا سبيل إلى إرجاعه مما قد فات وبطل بالأكل والشرب منه ﵇ فبطل بما ذكرنا أن تكون أفعاله ﵇ واجبة علينا إذ لم يأت على ذلك دليل بل قد قام الدليل والبرهان على أن ذلك غير واجب بالآية التي

стр. 156

ذكرنا وكل من له أقل علم باللغة العربية فإنه يعلم أن ما قيل فيه هذا لك أنه غير واجب قبوله بل مباح له تركه إن أحب كالمواريث وكل ما خيرنا فيه وأن ما جاء بلفظ عليك كذا فهذا هو الملزم لنا ولا بد فلما قال تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول لله أسوة حسنة لمن كان يرجو لله وليوم لآخر وذكر لله كثيرا﴾ كنا مندوبين إلى ذلك وكنا مباحا لنا ألا نأتسي غير راغبين عن الائتساء به لكن عالمين أن الذي تركنا أفضل والذي فعلنا مباح كجلوس الإنسان وتركه أن يصلي تطوعا فليس آثما بذلك ولو صلى تطوعا لكان أفضل إلا أن يكون ترك التطوع راغبا عنها في الوقت المباح فيه التطوع فهذا خارج عن الإسلام بلا خلاف لأنه شارع شريعة لم يأت بها إذن قال علي وإنما نازعنا في وجوب الأفعال بعض أصحاب مالك على أنهم أترك خلق الله تعالى لأفعال رسول الله ﷺ فمن ذلك أنه ﵇ جلد في الخمر أربعين وهم يجلدون ثمانين وودى حضريا وهو عبد الله بن سهل ادعى قتله على حضريين وهم يهود خيبر بالإبل فقالوا هم لا يجوز ذلك ولا يودى إلا بالذهب أو الفضة وصلى على قبر فقالوا هم لا نفعل ذلك وصلى على غائب فقالوا هم لا نرى ذلك وقبل وهو صائم فقالوا هم نكره ذلك وصلى ﵇ حاملا أمامة فقالوا نكره ذلك وصلى جالسا والناس وراءه وأبو بكر إلى جنبه قائم فقالوا لا يجوز ذلك ويعلم صحةمن صلى كذلك بطلت صلاته في كثير جدا اقتصرنا منه على ما ذكرنا وبعضهم تعلق في هذه الأفعال بأنها خصوص له ﵇ ومن فعل ذلك فقد تعرض لغضب رسول الله ﷺ ومن تعرض لغضبه ﵇ فقد تعرض لغضب الله فقد غضب ﵇ غضبا شديدا حين سأله الأنصاري عن قبلة الصائم فأخبر عليه

стр. 157

السلام أنه يفعل ذلك فقال القائل لست مثلنا يا رسول الله أنت قد غفر لك ذنبك فغضب رسول الله ﷺ حينئذ غضبا شديدا وأنكر هذا القول فمن أضل ممن تعرض لغضب الله وغضب رسوله ﵇ في تقليد إنسان لا ينفعه ولا يضره ولا يغني عنه من الله تعالى شيئا قال علي واحتجوا في تخصيص القبلة للصائم بقول عائشة ﵂ وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ قال أبو محمد وهذا القول منها ﵂ أعظم الحجة عليهم لأنها لم تقل ذلك على ما توهموا وإنما قالته إنكارا على من استعظم القبلة للصائم فأخبرهم أنه ﵇ كان أورع منهم وأملك لإربه ولكنه مع ذلك لم يمتنع من التقبيل وهو صائم فكيف أنتم ويدل على صحة هذا التأويل دليلان بينان أحدهما أنها ﵂ هكذا قالت في مباشرة الحائض أنه ﵇ كان يأمرها فتتزر ثم يباشرها وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ فيلزمهم أن يتركوا إباحة مباشرة الحائض لقول عائشة وأيكم أملك لإربه كما قالت في قبلة الصائم سواء بسواء والثاني أنهم رووا عنها أنها قالت لابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن وهو أشب ما كان ألا تقبل زوجتك وتلاعبها تعني عائشة بنت طلحة وهي بنت أختها وأجمل جواري أهل زمانها قاطبة فقال إني صائم فقالت لقد كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم فهي دأبا تحض الصائم الشاب على التقبيل للجارية الحسناء اقتداء برسول الله ﷺ وائتساء به وهذا هو قولنا لا قولهم ففعلوا ما ترى فيما أخبر ﵇ أنه عموم وغضب على من ادعى أنه خصوص ثم أتوا إلى ما أخبر ﵇ أنه خصوص له دون سائر الناس وهو قتله بمكة من قتل الكفار وخطب ﵇ الناس فنهاهم عن أن يسفك فيها أحد دما ثم لم يقنع ﵇ بذلك حتى قال في خطبته

стр. 158

تلك وإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا إن الله أحلها لنبيه ﷺ ولم يحلها لكم وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس إلى يوم القيامة أو كلاما هذا معناه فقالوا هذا عموم وليس خصوصا قال أبو محمد فلو قيل لهؤلاء القوم اعكسوا الحقائق ما زادوا على ما فعلوا وأن هذا لعظائم لا ندري كيف استجاز من له أدنى ورع التقليد في مثل هذا لمن قد أداه اجتهاده إلى الخطأ في ذلك ممن قد بلغتهم الآثار وقامت عليهم الحجة وسقطت عنهم المعذرة وإن الظن ليسوء جدا بمن هذا معتقده ونعوذ بالله من كل حب رياسة تقود إلى مثل هذا وبالله تعالى التوفيق قال علي وإذا مدح الله تعالى أو رسوله ﷺ أحدا على فعل ما كان ذلك الفعل مندوبا إليه مستحبا يؤجر فاعله ولا يؤجر تاركه ولا يأثم وليس ذلك الشيء فرضا لما قد أوردنا في الحجاج في أن الفرض ليس إلا ما جاء به الأمر فقط وإن لم نؤمر به فمعفوا عنه وأما ما ذمه الله تعالى فهو مكروه وليس حراما إلا بدليل لما ذكرناه في المدح ولا فرق وقد ذم الله تعالى الشح وليس حراما إذا أدى المرء فرائضه ولكنه مذموم مكروه وقد مدح الله تعالى المغتسلين بالماء للاستنجاء وليس فرضا ومدح النبي ﷺ من لم يكتوا ولا استرقى وليس كل ذلك حراما لكن إن قام دليل من أمر أو نهي على الشيء المذموم أو الممدوح صير فيه إلى دليل الأمر والنهي وبالله تعالى التوفيق

стр. 159

فصل في خلاف الصاحب للرواية وتعلل أهل الباطل بذلك وفيما زعموا أن البلوى تكثر به فلا يقبل فيه إلا التواتر قال أبو محمد ووجدنا الصاحب من الصحابة ﵃ يبلغه الحديث فيتناول فيه تأويلا يخرجه به عن ظاهره ووجدناهم ﵃ يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم وهكذا قال البراء حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى العنزي ثنا أبو أحمد الزبيري وسفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال أما كل ما تحدثتموه سمعناه من رسول الله ﷺ ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الإبل وهذا أبو بكر ﵁ لم يعرف فرض ميراث الجدة وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وقد سأل أبو بكر ﵁ عائشة في كم كفن رسول الله ﷺ وهذا عمر ﵁ يقول في حديث الاستئذان أخفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني الصفق في الأسواق وقد جهل أيضا أمر إملاص المرأة وعرفه غيره وغضب على عيينة بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى ﴿خذ لعفو وأمر بلعرف وأعرض عن لجاهلين﴾ وخفي عليه أمر رسول الله ﷺ بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته وخفي على أبي بكر ﵁ قبله أيضا طول مدة خلافته فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم فلم يترك بها منهم أحدا وخفي على عمر أيضا أمره

стр. 160

عليه السلام بترك الإقدام على الوباء وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في صلاتي الفطر والأضحى وهذا وقد صلاهما رسول الله ﷺ أعواما كثيرة ولم يدر ما يصنع بالمجوس حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله ﷺ فيهم ونسي قبوله ﵇ الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور ولعله ﵁ قد أخذ من ذلك المال حظا كما أخذ غيره منه ونسي أمره ﵇ بأن يتيمم الجنب فقال لا يتيمم أبدا ولا يصلي ما لم يجد الماء وذكره بذلك عمار وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك فأمسك وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت حتى أخبر بأن رسول الله ﷺ أذن في ذلك فأمسك عن ردهن وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي ﷺ أمره بالمساواة بينها فترك قوله وأخذ بالمساواة وكان يرى الدية للعصبة فقط حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي ﷺ ورث المرأة من الدية فانصرف عمر إلى ذلك ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالا بمهور النبي ﷺ حتى ذكرته امرأة فرجع عن نهيه وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله ﷺ رفع القلم عن ثلاثة فأمر ألا ترجم وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله ﷺ فسكت عمر وقد خفي على الأنصار وعلى المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون

стр. 161

أنزل وهذا مما تكثر فيه البلوى وخفي على عائشة وأم حبيبة أمي المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار وكل هذا تعظم البلوى به وتعم وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين إن الأمر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل خبر الواحد والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارا خالفها غيرهم تعم البلوى كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك وجهله غيرهم وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم ومثل هذا كثير جدا حدثنا محمد بن سعيد ثنا أحمد به عبد النصير حدثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا صخر بن جويرية حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير أن عبد الرحمن بن الأسود أخبره قال كنت جالسا مع أبي بعرفة وابن الزبير يخطب الناس فقال ابن الزبير إن هذا يوم تكبير وتحميد وتهليل فكبروا الله واحمدوه وهللوا فقام أبي يجوس حتى انتهى إليه فأصغى إليه فقال أشهد لسمعت عمر بن الخطاب على هذا المنبر يلبي فقال ابن الزبير لبيك اللهم لبيك وكان صيتا قال أبو محمد فقد خفي هذا كما ترى على ابن الزبير وغيره وهو مشهور عن النبي ﷺ وقد نهى عمر أن يسمى بأسماء الأنبياء وهو يرى محمد بن مسلمة يغدو عليه ويروح وهو أحد الصحابة الجلة منهم ويرى أبا أيوب الأنصاري وأبا موسى الأشعري وهما لا يعرفان إلا بكناهما من الصحابة ويرى محمد بن أبي بكر الصديق وقد ولد بحضرة رسول الله ﷺ وفي حجة الوداع واستفتته أمه إذ ولدته ماذا تصنع

стр. 162

في إحرامها وهي نفساء وقد علم يقينا أن النبي ﷺ علم بأسماء من ذكرنا وبكناهم بلا شك وأقرهم عليها ودعاهم بها ولم يغير شيئا من ذلك ﵇ فلما أخبره طلحة وصهيب عن النبي ﷺ بإباحة ذلك أمسك عن النهي عنه وهم بترك الرمل في الحج ثم ذكر أن النبي ﷺ فعله فقال لا يجب لنا أن نتركه وهذا عثمان ﵁ فقد رووا عنه أنه بعث إلى الفريعة أخت أبي سعيد الخدري يسألها عما أفتاها به رسول الله ﷺ في أمر عدتها وأنه أخذ بذلك وأمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر فذكره علي بالقرآن وأن الحمل قد يكون ستة أشهر فرجع عن الأمر برجمها وهذا علي رضوان الله عليه يعترف بأن كثيرا من الصحابة كانوا يحدثونه بما ليس عنده عن النبي ﷺ وأنه كان يستحلفهم على ذلك حاشا أبا بكر فإنه كان لا يستحلفه وأن الله تعالى كان ينفعه بما شاء أن ينفعه مما سمع من ذلك مما لم يكن عنده قبل ذلك وهذا طلحة يبيح الذهب بالفضة نسيئة حتى ذكره عمر وهذا ابن عمر وابن عباس يبيعان الدرهم بالدرهمين حتى ذكرا فأمسكا ثم رواه ابن عمر عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ذكره مسلم فرجع ابن عمر إلى ذلك وترك رأيه ثم رواه ابن عمر فقال هذا عهد نبينا إلينا ذكره مالك عن حميد عن مجاهد عن ابن عمر وصدق ابن عمر ونحن نقول في حديث النبي ﷺ إذا بلغنا هذا عهد نبينا إلينا فهكذا نحمل أمر جميع ما روي من رواية الصاحب للحديث ثم روي عنه مخالفته إياه أنه إنما أفتى بخلاف الحديث قبل أن يبلغه فلما حدث بما بلغه لا يحل أن يظن بالصاحب غير هذا وهذا نص ما ذكرنا عن

стр. 163

ابن عمر ببيان لا يخفى وأنهم تأولوا فيما سمعوا من الحديث ومن حمل ذلك على غير ما قلنا فإنه يوقع الصاحب ولا محالة تحت أمرين وقد أعاذهم الله تعالى منهما كلاهما ضلال وفسق وهما إما المجاهرة بخلاف النبي ﷺ وهذا لا يحل لأحد ولا يحل أن يظن بهم وإما أن يكون عندهم علم أوجب عليهن مخالفة ما رووا فما هم في حل أن يكتموه عنا ويحدثوا بالمنسوخ ويكتموا عنا الناسخ وهذه الصفة كفر من فاعلها وتلبيس في الدين ولا ينسب هذا إليهم إلا زائغ القلب أو جاهل أعمى القلب فبطل ظنهم الفاسد وصح قولنا والحمد لله رب العالمين ولا سبيل إلى وجه ثالث أصلا إلا أن يكونوا نسوا حينئذ بعض ما قد رووه قبل ذلك فهذا ممكن أيضا فإن كانوا تأولوا فالتأويل منهم ﵃ ظن وروايتهم على النبي ﷺ يقين ولا يحل لمسلم أن يترك اليقين للظن فارتفع الإشكال جملة هذا الباب والحمد لله رب العالمين وأما هم رضوان الله عليهم فمعذورون لأنه اجتهاد منهم مع أن ذلك منهم أيضا قليل جدا وليس كذلك من يقلدهم بعد أن نبه على ما ذكرناه وهذه عائشة وأبو هريرة ﵄ خفي عليهما المسح على الخفين وعلى ابن عمر معهما وعلمه جرير ولم يسلم إلا قبل موت النبي ﷺ بأشهر وأقرت عائشة أنها لا علم لها به وأمرت بسؤال من يرجى عنده علم ذلك وهو علي ﵁ وهذه حفصة أم المؤمنين سئلت عن الوطء يجنب فيه الواطىء أفيه غسل أم لا فقالت لا علم لي وهذا ابن عمر توقع أن يكون حدث نهي من النبي ﷺ عن كراء الأرض بعد أزيد من أربعين سنة من موت النبي ﷺ فأمسك عنها وأقر أنهم كانوا يكرونها على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يقل إنه لا يمكن أن

стр. 164

يخفى على هؤلاء ما يعرف رافع وجابر وأبو هريرة وهؤلاء إخواننا يقولون فيما اشتهوا لو كان هذا حقا ما خفي على عمر وقد خفي على زيد بن ثابت وابن عمر وجمهور أهل المدينة إباحة النبي ﷺ للحائض أن تنفر حتى أعلمهم بذلك ابن عباس وأم سليم فرجعوا عن قولهم وخفي على ابن عمر الإقامة حتى يدفن الميت حتى أخبره بذلك أبو هريرة وعائشة فقال لقد فرطنا في قراريط كثيرة وقيل لابن عمر في اختياره متعة الحج على الإفراد إنك تخالف أباك فقال أكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر روينا ذلك عنه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وخفي على عبد الله بن عمر الوضوء من مس الذكر حتى أمرته بذلك عن النبي ﷺ بسرة بنت صفوان فأخذ بذلك وخفي على ابن عباس النهي عن المتعة وعن تحريم الحمر الأهلية حتى أعلمه بذلك علي ﵁ وقال ابن عباس ألا تخافون أن يخسف الله بكم الأرض أقول لكم قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر وهؤلاء الأنصار نسوا قوله ﵇ الأئمة من قريش وقد رواه أنس وقد روى عبادة بن الصامت ما يدل على ذلك وما كانوا يتركون اجتهادهم إلا لأمر بلغهم عن النبي ﷺ وهذا أبو هريرة يذكر أنهم كانوا رضوان الله عليهم تشغلهم أموالهم ومتاجرهم وأنه هو كان يلازم رسول الله ﷺ ويحضر ما لا يحضرون وقد ذكرنا هذا الحديث في باب الإجماع في ديواننا هذا في فصل ترجمته إبطال قول من قال إن الجمهور إذا أجمعوا على قول وخالفهم واحد فإنه لا يلتفت إلى قوله فأغنى ذكرنا إياه هنالك عن ترداده ههنا وإذا وجدنا الصاحب تخفى عليه السنة أو تبلغه فيتأول فيها التأويلات كما فعلوا في تحريم الخمر فإن البخاري روى أنهم اختلفوا فمن قائل حرمت

стр. 165

لأنها كانت تأكل العذرة ومن قائل لأنها لم تخمس ومن قائل إنه خشي فناء الظهر وقال بعضهم بل حينئذ حرمت البتة قال علي وكل ذلك باطل إلا قول من قال حرمت البتة وقد جاء النص بتحريمها لعينها ولأنها رجس روى ذلك أنس فلما صح كل ما ذكرنا وبطل التقليد جملة وجب أن يؤخذ برأي صاحب وإن تعرى من مخالفة الخبر فكيف إذا استضاف إلى مخالفة الخبر وقد كتبنا في باب إبطال التقليد من هذا الكتاب ما أفتوا به رضوان الله عليهم فأخبر ﵇ أنه ليس كذلك قال علي وكل ما تعلق به أهل اللواذ عن الحقائق عند غلبة الحيرة عليهم من مثل هذا وشبهه فهم أترك خلق الله تعالى له وإنما تعلق بهذا أصحاب أبي حنيفة في خلافهم أمر النبي ﷺ بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا فقالوا قد روي أن أبا هريرة أفتى من رأيه بأن يغسل منه ثلاثا ثم تركوا قول أبي هريرة وقول رسول الله ﷺ فخالفوا روايته التي لا يحل خلافها ورأيه الذي احتجوا به وأحدثوا دينا حديثا فقالوا لا يغسل إلا مرة واحدة ونقدها هنا المالكيون أصولهم ووفقوا في ذلك فقالوا يغسل سبعا فأخذوا برواية أبي هريرة وتركوا رأيه وتعلقوا كلهم بذلك أيضا في حديث ابن عباس وعائشة في الصوم عن الميت فقالوا قد أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ذلك فتناقض المالكيون والحنفيون ههنا فأخذوا بقول ابن عباس وعائشة وتركوا روايتهما وأخذ المالكيون آنفا برواية أبي هريرة وتركوا قوله ولا حجة للحنفيين في خلاف عائشة وابن عباس هذا الحديث لأنه إن كان تركته عائشة فقد رواه أيضا بريدة الأسلمي ولم يخالفه وأما ابن عباس فالأصح عنه أنه أفتى بما رواه عنه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وليس

стр. 166

بالقوي وروى سعيد بن جبير خلاف ذلك وهو أصح وأما تعلقهم بأن عائشة ﵂ خالفت في فتياها ما روت من الأمر بالصيام عن الميت فأين هم عن طرد هذا الأصل الفاسد إذ روت عائشة ﵂ أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وكانت هي تتم في السفر فأخذوا بروايتها وتركوا رأيها وعملها وإذ روت التحريم بلبن العجل ثم كانت لا تأخذ بذلك ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها ويدخل عليها من أرضعته بنات أخواتها فتركوا رأيها وأخذوا بروايتها وإذ روت أن كل امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فخالفت ذلك وأنكحت بنت أخيها عبد الرحمن المنذر ابن الزبير وعبد الرحمن حي غائب غيبة قريبة بالشام بغير علمه ولا أمره فأخذ المالكيون بروايتها وتركوا رأيها وعملها فإن قالوا تأولت في كل هذا قلنا لهم وهكذا تأولت في فتياها بألا يصام عن الميت ولعل المرأة التي أفتت ألا يصام عنها كانت لا ولي لها فلم تر عائشة ﵂ أن تخرج من ظاهر الحديث الذي روت في ذلك لأن نصه من مات وعليه صيام صام عنه وليه وهكذا فعل المالكيون فيما روي عن عمر أنه رأى للمبتوتة السكنى والنفقة وبلغه حديث فاطمة بنت قيس فلم يأخذ به فخالف المالكيون رأي عمر وأخذوا بنصف حديث فاطمة فلم يروا للمبتوتة نفقة فخالفوا الحديث وعمر في النصف الثاني فرأوا لها السكنى وعمر قد قرأ الآية كما قرؤوها وهكذا فعلوا في رواية ابن عباس في حديث حد المكاتب وميراثه ودينه

стр. 167

بمقدار ما أدى فقالوا خالفه ابن عباس فأفتى بغير ذلك ولا حجة لهم في هذا لأن هذا الحديث قد رواه أيضا علي بن أبي طالب ﵁ وأخذوا به وأفتي به فلم كان ترك ابن عباس للحديث حجة على عمل علي به وقد يحتمل ترك ابن عباس وغيره لما روي وجوها منها أن يتأول فيه تأويلا كما ذكرنا آنفا أو يكون نسيه جملة أو يكون نسيه حين أفتى بهذه الفتيا المخالفة له كما ذكرنا آنفا فيمن أفتى منهم بخلاف القرآن وهو ناس لما في حفظه من ذلك أو يكون لم يكن يبلغه حين أفتى بما أفتى به ثم بلغه الحديث بعد ذلك فإن هذه الوجوه كلها موجودة فيما روي عنهم فلا يحل لأحد ترك كلامه ﵇ الفتيا جاءت عن صاحب فمن دونه مخالفة لما صح عنه ﵇ ولو تتبعنا ما تركوا فيه روايات الصحابة وأخذوا بفتياهم وما تركوا فيه فتيا الصحابة وأخذوا برواياتهم لكثر ذلك جدا لأن القوم إنما حسبهم ما نصروا به المسألة التي بين أيديهم فقط وإن هدموا بذلك سائر مسائلهم وفيما ذكرنا كفاية وبالجملة فصرف الداخلة التي يعترضون بها على رواية الصاحب لما ترك برأيه أولى أن يكون إلى النقل لمخالفته لذلك منه إلى الرواية التي يلزم اتباعها وهذا باب قد عظم تناقضهم فيه فهذا ابن عمر وأبو برزة هما رويا حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فحملاه على تفرق الأبدان فخالفهما المالكيون والحنفيون فقالوا التفرق بالكلام ولم يلتفوا إلى ما حمل عليه الحديث الصاحبان اللذان روياه وهذا علي ﵁ روى الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ثم روي عنه تركه وأنه أفتى بأنه إذ وقع رأسه من السجود فقد تمت صلاته فخالفه المالكيون ورأوا التسليم فرضا لا بد منه وتناقضهم في الباب عظيم جدا

стр. 168

فصل في حكم العدل قال علي وإذ علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول فهو على اللقاء والسماع لأن شرط العدل القبول والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه منه إلا أن يقوم دليل على ذلك من فعله وسواء قال حدثنا أو أنبأنا أو قال عن فلان أو قال قال فلان كل ذلك محمول على السماع منه ولو علمنا أن أحدا منهم يستجير التلبيس بذلك كان ساقط العدالة في حكم الناس وحكم العدل الذي قد تبنت عدالته فهن على الورع والصدق لا على الفسق والتهمة وسوء الظن المحرم بالنص حتى يصح خلاف ذلك ولا خلاف في هذه الجملة بين أحد من المسلمين وإنما تناقض من تناقض في تفريع المسائل وبالله التوفيق فصل فيما ادعاه قوم من تعارض النصوص قال علي إذا تعارض الحديثان أو الآيتان أو الآية والحديث فيما يظن من لا يعلم ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها وكل من عند الله وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي قال أنبأنا محمد بن إسحاق بن السليم وأحمد بن عون الله قال حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا سليمان بن الأشعث السجستاني حدثنا محمد بن عيسى حدثنا أشعث بن شعبة أنبأنا أرطاة بن المنذر سمعت أبا الأحوص حكيم بن عمير يحدث عن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله ﷺ يخطب الناس وهو يقول أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئا إلا ما في القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن

стр. 169

قال علي صدق النبي ﷺ هي مثل القرآن ولا فرق في وجوب طاعة كل ذلك علينا وقد صدق الله تعالى هذا القول إذ يقول ﴿من يطع لرسول فقد أطاع لله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا﴾ وهي أيضا مثل القرآن في أن كل ذلك وحي من عند الله تعالى قال الله ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ قال علي ولا خلاف بين المسلمين في أنه لا فرق بين وجوب طاعة قول الله ﴿وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وأطيعوا لرسول لعلكم ترحمون﴾ وبين وجوب طاعة رسوله ﷺ في أمره أن يصلي المقيم الظهر أربعا والمسافر ركعتين وأنه ليس ما في القرآن من ذلك بأوجب ولا أثبت مما جاء من ذلك منقولا نقلا صحيحا عن النبي ﷺ وإن كانوا قد اختلفوا في كيفية الطريق التي بها يصح النقل فقط قال علي وقد روينا في هذا الحديث من بعض الطرق إنها لمثل القرآن وأكثر قال علي ولا نكرة في هذا اللفظ لأنه ﷺ إنما أراد بذلك اللفظ أنها أكثر عددا مما ذكر في القرآن وهذا أمر تعلم صحته بالمشاهدة لأن الفرائض الواردة في كلامه ﷺ بيانا لأمر ربه تعالى أكثر من الفرائض الواردة في القرآن قال علي فإذا ورد النصان كما ذكرنا فلا يخلو ما يظن به التعارض منهما وليس تعارضا من أحد أربعة أوجه لا خامس لها إما أن يكون أحدهما أقل معاني من الآخر أو يكون أحدهما حاظرا والآخر مبيحا أو يكون أحدهما موجبا والثاني نافيا فواجب ههنا أن يستثنى الأقل معاني من الأكثر معاني وذلك مثل أمره ﵇ ألا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده

стр. 170

بالبيت وأذن للحائض أن تنفر قبل أن تودع فوجب استثناء الحائض من جملة النافرين وكذلك حديث نهي النبي ﷺ عن الرطب بالتمر مع إباحة ذلك في العرايا فيها دون خمسة أوسق ومثل أمر الله بقطع يد السارق والسارقة جملة مع قوله ﵇ لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا فوجب استثناء سارق أقل من ربع دينار من القطع وبقي سارق ما عدا ذلك على وجوب القطع عليه وكذلك تحريمه تعالى أمهات الرضاعة مع قوله ﷺ لا تحرم الرضعة والرضعتان ونسخ العشر المحرمات بالخمس المحرمات فوجب استثناء ما دون الخمس رضعات من التحريم ويبقى الخمس فصاعدا على التحريم ومثل قوله تعالى ﴿ولا تنكحوا لمشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا لمشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى لنار ولله يدعو إلى لجنة ولمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون﴾ مع إباحته المحصنات من نساء أهل الكتاب بالزواج فكن بذلك مستثنيات من جملة المشركات وبقي سائر المشركات على التحريم ومثل قوله ﵇ دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مع قوله تعالى ﴿لشهر لحرام بلشهر لحرام ولحرمات قصاص فمن عتدى عليكم فعتدوا عليه بمثل ما عتدى عليكم وتقوا لله وعلموا أن لله مع لمتقين﴾ وأمر على لسان نبيه ﷺ بقتل من ارتد بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا أو شرب خمرا بعد أن حد فيها ثلاثا وأباح قتل من سعى في الأرض فسادا وأمر بأخذ أموال معروفة في الزكوات والنفقات والكفارات وأمر بتغيير المنكر باليد فكان كل ذلك مستثنى من جملة تحريم الدماء والأموال والأعراض وبقي سائرها على التحريم فقد أرينا في هذه المسائل استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني وأرينا في ذلك إباحة من حظر وحظرا من إباحة وحديثا من آية وآية من حديث وآية من آية وحديثا من حديث ولا نبالي في هذا الوجه كما نعلم أي النصين ورد أولا أو لم نعلم ذلك وسواء كان الأكثر معاني ورد أولا أو ورد آخرا كل ذلك سواء ولا يترك واحد منهما للآخر لكن يستعملان معا كما ذكرنا

стр. 171

فهذا وجه والوجه الثاني أن يكون أحد النصين موجبا بعض ما أوجبه النص الآخر أو حاظرا بعض ما حظره النص الآخر فهذا يظنه قوم تعارضا وتحيروا في ذلك فأكثروا وخبطوا العشواء وليس في شيء من ذلك تعارض وقد بينا غلطهم في هذا الكتاب في كلامنا في باب دليل الخطاب وذلك قوله ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبلوالدين إحسانا إما يبلغن عندك لكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ وقال في موضع آخر ﴿إن لله يأمر بلعدل ولإحسان وإيتآء ذي لقربى وينهى عن لفحشاء ولمنكر ولبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ وقال ﵇ إن الله كتب الإحسان على كل شيء فكان أمره تعالى بالإحسان إلى الوالدين غير معارض للإحسان إلى سائر الناس وإلى البهائم المتمالكة والمقتولة بل هو بعضه وداخل في جملته ومثل نهيه ﵇ أن يزني أحدنا بحليلة جاره مع عموم قوله تعالى ﴿ولا تقربوا لزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا﴾ فليس ذكره ﵇ امرأة الجار معارضا لعموم النهي عن الزنى بل هو بعضه فغلط قوم في هذا الباب فظنوا قوله ﵇ في سائمة الغنم كذا معارضا لقوله في مكان آخر في كل أربعين شاة شاة وليس كما ظنوا بل الحديث الذي فيه ذكر السائمة هو بعض الحديث الآخر وداخل في عمومه والزكاة واجبة في السائمة بالحديث الذي فيه ذكر السائمة وبالحديث الآخر معا والزكاة واجبة في غير السائمة بالحديث الآخر خاصة وكذلك غلط قوم أيضا فظنوا قوله تعالى ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم لنسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على لموسع قدره وعلى لمقتر قدره متاعا بلمعروف حقا على لمحسنين﴾ معارضا لقوله تعالى ﴿وللمطلقات متاع بلمعروف حقا على لمتقين﴾ والآية الأولى بعض هذه وداخلة في جملتها كما قلنا في حديث السائمة ولا فرق وكذلك غلط قوم آخرون فظنوا قوله تعالى ﴿ولخيل ولبغال ولحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون﴾ معارضا لقوله تعالى ﴿يأيها لناس كلوا مما في الأرض

стр. 172

حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات لشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ ولقوله تعالى ﴿ثم إن ربك للذين عملوا لسوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ وظن قوم أن قوله تعالى ﴿وكم أهلكنا من لقرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا﴾ معارضا لقوله ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ وليس كذلك على ما قدمنا قبل لأنه ليس في شيء من النصوص التي ذكرنا نهي عما في الآخر ليس في حديث السائمة نهي عن أن يزكي غير السائمة ولا أمر بها فحكمها مطلوب من غير حديث السائمة ولا في الأمر بتمتيع المطلقة غير المحسوسة نهي عن تمتيع الممسوسة ولا أمر به فحكمها مطلوب من موضع آخر ولا في إخباره تعالى بأن خلق الخيل لتركب وزينة نهي عن أكلها وبيعها ولا إباحة لهما فحكمها مطلوب من مكان آخر ولا في تحريمه تعالى الدم المسفوح إخبارا بأن ما عدا المسفوح حلال بل هو كله حرام بالآية الأخرى كما قلنا إنه ليس في أمره تعالى بالإحسان إلى الآباء نهي عن الإحسان إلى غيرهم ولا أمر به فحكم الإحسان إلى غير الآباء مطلوب من مكان آخر ومن فرق بين شيء من هذا الباب فقد تحكم بلا دليل وتكلم بالباطل من غير علم ولا هدى من الله تعالى قال علي فهذا وجه ثان والوجه الثالث أن يكون أحد النصين فيه أمر بعمل ما معلق بكيفية ما أو بزمان ما أو على شخص ما أو في مكان ما ويكون في النص الآخر نهي عن عمل ما بكيفية ما أو في زمان ما أو مكان ما أو عدد ما أو عذر ما ويكون في كل واحد من العملين المذكورين اللذين أمر بأحدهما ونهى عن الآخر شيء ما يمكن أن يستثنى من الآخر وذلك بأن يكون على ما وصفنا في كل نص من النصين المذكورين حكمان فصاعدا فيكون بعض ما ذكر في أحد النصين عاما لبعض ما ذكر في النص الآخر ولا شيء آخر معه ويكون الحكم الثاني الذي في النص الثاني

стр. 173

عاما أيضا لبعض ما ذكر في هذا النص الآخر ولا شيئا آخر معه قال علي وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه ونحن نمثل من ذلك أمثلة تعين بحول الله وقوته على فهم هذا المكان اللطيف وليعلم طالب العلم والحريص عليه وجه العمل في ذلك إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وما وجدنا أحدا قبلنا شغل باله في هذا المكان بالشغل الذي يستحقه هذا الباب فإن الغلط والتناقض فيه يكثر جدا إلا من سدده الله بمنه ولطفه لا إله إلا هو قال علي فمن ذلك قول الله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ وقال ﵇ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم منها ففي الآية عموم الناس وإيجاب عمل خاص عليهم وهو السفر إلى مكان واحد نفسه بعينه من سائر الأماكن وهو مكة أعزها الله فاضبط هذا وفي الحديث المذكور تخصيص بعض الناس وهم النساء ونهيهن عن عمل عام وهو السفر جملة لم يخص بذلك مكان دون مكان فاختلف الناس في كيفية استعمال هذين النصين فقالت طوائف منهم معنى ذلك ولله على الناس حج البيت حاشا النساء اللواتي لا أزواج لهن ولا ذا محرم فليس عليهم حج إذا سافرت إليه سفرا قدره كذا فاستثنوا كما ترى النساء من الناس وقالت طوائف أخر معنى ذلك لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخرأن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم إلا أن يكون سفرا أمرت به كالحج أو ندبت إليه كالنظر في مالها أو ألزمته كالتغريب فإنها تسافر إليه دون زوج ودون ذي محرم فاستثنوا كما ترى الأسفار الواجبة والمندوب إليها من جملة الأسفار المباحة كلها وأبقوا على كل سفر مباح غير واجب ولا مندوب إليه على عموم التحريم على النساء إلا مع زوج أو ذي محرم

стр. 174

قال علي لم يكن بيد كل طائفة من الطائفتين اللتين ذكرنا إلا وصفها ترتيب مذهبها في استعمال النصين المذكورين فليس أحدهما أولى من الثاني فلا بد من طلب الدليل على صحة أحد الاستثناءين وابتغاء البرهان على الواجب منهما من مكان غيرهما قال علي وأما نحن فإنما ملنا إلى استثناء الأسفار الواجبة والمندوب إليها من سائر الأسفار المباحة وأوجبنا على المرأة السفر إلى الحج والعمرة الواجبتين والتغريب وأبحنا لها التطوع بالعمرة والحج ومطالعة ما لها دون زوج ودون ذي محرم لقول رسول الله ﷺ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة ولقوله ﵇ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فجاء النص كما ترى في النساء بأنه لا يحل منعهن عن المساجد ومكة من المساجد فكان هذا النص أقل معاني من حديث النهي عن سفر النساء جملة فوجب أن يكون مستثنى منه ضرورة وخرجنا إلى القسم الذي ذكرنا أولا وإلا صار المانع لهن عاصيا لهذا الحديث تاركا له بلا دليل قال علي وقد احتج للاستثناء الثاني بعض القائلين به بحديث فيه أنه ﵇ لما نهى عن أن تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم قال له رجل من الأنصار يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وإن امرأتي خرجت حاجة فقال ﵇ حج مع امرأتك قال علي وهذا الحديث حجة عليهم لأنه ﵇ لم يلزمها الرجوع ولا أوقع عليها النهي عن الحج ولكنه ﵇ أمر زوجها بالحج معها فكل زوج أبى من الحج مع امرأته فهو عاص ولا يسقط عنها لأجل معصيته فرض الحج هذا نص الحديث الذي احتجوا به وليس يفهم منه غير ذلك

стр. 175

أصلا لأن الأمر في هذا الحديث متوجه إلى الزوج لا إلى المرأة قال علي ومن هذا النوع أمره ﵇ بالإنصات للخطبة وفي الصلاة مع قوله تعالى ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ إن لله كان على كل شيء حسيبا﴾ الآية فنظرنا في النصين المذكورين فوجدنا الإنصات عاما لكل كلام سلاما كان أو غيره ووجدنا ذلك في وقت خاص وهو وقت الخطبة والصلاة ووجدنا في النص الثاني إيجاب رد السلام وهو بعض الكلام في كل حالة على العموم فقال بعض العلماء معنى ذلك أنصت إلا عن السلام الذي أمرت بإفشائه ورده في الخطبة وقال بعضهم رد السلام وسلم إلا أن تكون منصتا للخطبة أو في الصلاة قال علي فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني فلا بد من طلب الدليل من غير هذه الرتبة قال علي وإنما صرنا إلى إيجاب السلام رد السلام وابتدائه في الخطبة دون الصلاة لأن الصلاة قد ورد فيها نص بين بأنه ﵇ سلم عليه فيها فلم يرد بعد أن كان يرد وأنه سئل عن ذلك فقال ﵇ إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه أحدث ألا تكلموا في الصلاة أو كلاما هذا معناه قال علي وليس امتناع رد السلام في الصلاة موجبا ألا يرد أيضا في الخطبة لأن الخطبة ليست صلاة ولم يلزم فيها استقبال القبلة ولا شيء مما يلزم في الصلاة وأما الخطبة فإنا نظرنا في أمرها فوجدنا المعهود والأصل إباحة الكلام جملة ثم جاء النهي عن الكلام في الخطبة وجاء الأمر برد السلام واجبا وإفشائه فكان النهي عن الكلام زيادة على معهود الأصل وشريعة واردة قد تيقنا لزومها وكان رد السلام وإفشاؤه أقل معاني من النهي عن الكلام فوجب استثناؤه فصرنا بهذا الترتيب الذي ذكرناه في القسم الأول آنفا

стр. 176

قال علي ومن ذلك أمره ﵇ من نام عن الصلاة أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها ونهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح وحين استواء الشمس فقال بعض العلماء معناه فليصلها إذا ذكرها إلا أن يكون وقتا منهيا عن الصلاة فيها وقال آخرون معناه لا تصلوا بعد العصر ولا بعد الصبح ولا حين استواء الشمس إلا أن تكون صلاة نمتم عنها أو نسيتموها أو أمرتم بها ندبا أو فرضا أو تعودتموها قال علي فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني إلا ببرهان من غيرهما ولكن العمل في ذلك أن يطلب البرهان على أصح العملين المذكورين من نص آخر غيرهما فإن لم يوجد صبر إلى الأخذ بالزيادة وبالله التوفيق قال علي ومن هذا قول الله تعالى ﴿يابني إسرائيل ذكروا نعمتي لتي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على لعالمين﴾ ومع قوله تعالى لنا ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون﴾ فليس أحد النصين أولى بالاستثناء من الآخر إلا بنص أو إجماع لأنه جائز أن يقول قائل معناه كنتم خير أمة أخرجت للناس إلا بني إسرائيل الذين فضلهم الله على العالمين وجائز أن يقول قائل معناه أني فضلتكم على العالمين إلا أمة محمد ﷺ الذين هم خير أمة أخرجت للناس فلا بد من ترجيح أحد الاستثناءين على الآخر ببرهان آخر وإلا فليس أحدهما أولى من الثاني قال علي فنظرنا فوجدنا قوله تعالى ﴿يابني إسرائيل ذكروا نعمتي لتي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على لعالمين﴾ وقد قام البرهان على أنه ليس على عمومه لأن الملائكة أفضل منهم بيقين فوقفنا على هذا ثم نظرنا قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون﴾ ولم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على ظاهره لأن الملائكة يدخلون في العالمين وقد خرج من عموم ذلك الجن بالنصوص في ذلك ولا يدخلون في الأمم المخرجة للناس فلما كان هذا النص لم يأت نص آخر ولا إجماع بأنه ليس على عمومه لم يجز لأحد بأن

стр. 177

يخصه فإذا لم يجز تخصيصه فالفرض الحمل له على عمومه فإذا ذلك فرض ولا بد من أن نخص أحد ذينك النصين من الآخر ولم يجز تخصيص هذا فقد وجب تخصيص الآخر ولا بد إذ لا بد من تخصيص أحدهما وهذا برهان ضروري صحيح من الخبر الثابت بأن مثلنا مع من قبلنا كمن أجر أجراء فعملوا إلى نصف النهار بقيراط قيراط ثم أجر آخرين فعملوا إلى العصر بقيراط قيراط ثم أجر آخرين فعملوا إلى الليل بقيراطين قيراطين قال ﵇ فأنتم أقل عملا وأكثر أجرا وبالله تعالى التوفيق قال علي ونقول قطعا إنه لا بد ضرورة في كل ما كان هكذا من دليل قائم بين البرهان على الصحيح من الاستثناءين والحق من الاستعمالين لأن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه فلو لم يكن ههنا دليل لائح وبرهان واضح لكان ضمان الله تعالى خائسا وهذا كفر ممن أجازه فصح أنه لا بد من وجوده لمن يسره الله تعالى لفهمه وبالله تعالى التوفيق والوجه الرابع أن يكون أحد النصين حاظرا لما أبيح في النص الآخر بأسره أي يكون أحدهما موجبا والآخر مسقطا لما وجب في هذا النص بأسره قال علي فالواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا عليه لو لم يرد واحد منهما فنتركه ونأخذ بالآخر لا يجوز غير هذا أصلا وبرهان ذلك أننا على يقين من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهود الأصل ثم لزمنا يقينا للعمل بالأمر الوارد بخلاف ما كنا عليه بلا شك فقد صح عندنا يقينا إخراجنا عما كنا عليه ثم لم يصح عندنا نسخ ذلك الأمر الزائد الوارد بخلاف معهود الأصل ولا يجوز لنا أن نترك يقينا بشك ولا أن نخالف الحقيقة للظن وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون

стр. 178

إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ وقال ﴿وإن تطع أكثر من في لأرض يضلوك عن سبيل لله إن يتبعون إلا لظن وإن هم إلا يخرصون﴾ وقال تعالى ذاما لقوم قالوا حاكمين بظنهم ﴿وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ وقال رسول الله ﷺ فإن الظن أكذب الحديث ولا يحل أن يقال فيما صح وورد الأمر به هذا منسوخ إلا بيقين ولا يحل أن يترك أمر قد تيقن وروده خوفا أن يكون منسوخا ولا أن يقول قائل لعله منسوخ وكيف ونحن على يقين مقطوع به من أن المخالف لمعهود الأصل هو الناسخ بلا شك ولا مرية عند الله تعالى برهان ذلك ما قد ذكرناه آنفا من ضمان الله تعالى حفظ الشريعة والذكر المنزل فلو جاز أن يكون ناسخ من الدين مشكلا بمنسوخ حتى لا يدرى الناسخ من المنسوخ أصلا لكان الدين غير محفوظ والذكر مضيعا قد تلفت الحامق فيه وحاش لله من هذا وقد صح بيقين لا إشكال فيه نسخ الموافق لمعهود الأصل من النصين الناقل عن تلك الحال إذ ورد ذلك النص فهذا يقين الذي أمر الله تعالى به وأقره وأقام الحجة به وأثبت البرهان وجوبه ومدعي خلاف هذا كاذب مقطوع بكذبه إذ لا برهان له على دعواه إلا الظن والله تعالى يقول ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا فيه أصلا وصح بهذا النص أن جميع دين الله تعالى فإن البرهان قائم ظاهر فيه وحرم القول بما عدا هذا لأنه ظن من قائله بإقراره على نفسه وقد حرم الله تعالى القول بالظن وأخبر أنه خلاف الحق وأنه أكذب الحديث فوجب القطع على كذب الظن في الدين كله وهذا أيضا برهان واضح في إبطال القول بالقياس والتعليل والاستحسان في جميع المسائل الجزئيات إلى الشريعة وفي جملة القول بكل ذلك لأن القول بكل

стр. 179

ذلك ظن من قائله بلا شك وبالله تعالى التوفيق ومن ذلك الحديث الوارد في ألا يغتسل من الإكسال والحديث الوارد في الغسل منه فإن ترك الغسل منه موافق لمعهود الأصل إذ الأصل أن لا غسل على أحد إلا أن يأمره الله تعالى بذلك فلما جاء الأمر بالغسل وإن لم ينزل علمنا يقينا أن هذا الأمر قد لزمنا وأنه للحكم الأول بلا شك ثم لا ندري أنسخ بالحديث الذي فيه أن لا غسل على من أكسل أم لا فلم يسعنا ترك ما أيقنا أننا أمرنا به إلا بيقين ومن ذلك أمره ﵇ ألا يشرب أحد قائما وجاء حديث بأنه ﵇ شرب قائما فقلنا نحن على يقين من أنه كان الأصل أن يشرب كل أحد كما شاء من قيام أو قعود أو اضطجاع ثم جاء النهي عن الشرب قائما بلا شك فكان مانعا مما كنا عليه من الإباحة السالفة ثم لا ندري أنسخ ذلك بالحديث الذي فيه إباحة الشرب قائما أم لا فلم يحل لأحد ترك ما قد تيقن أنه أمر به خوفا أن يكون منسوخا قال علي فإن صح النسخ بيقين صرنا إليه ولم نبال زائدا كان على معهود الأصل أم موافقا له كما فعلنا في الوضوء مما مست النار فإنه لولا أنه روى جابر أنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار لأوجبنا الوضوء من كل ما مست النار ولكن لما صح أنه منسوخ تركناه وكذلك فعلنا في حديث أبي هريرة من أدركه الصبح جنبا فقد أفطر لأنه علمنا أنه موافق للحكم المنسوخ من ألا يأكل أحد ولا يشرب ولا يطأ بعد أن ينام فنسخ ذلك بالإباحة بيقين فصرنا إلى الناسخ وكذلك أخذنا بالحديث الذي فيه إيجاب الوضوء من مس الفرج لأنه زائد على ما في حديث طلق من إسقاط الوضوء منه لأن حديث طلق موافق لمعهود الأصل وأما من تناقض فأخذ مرة بحديث قد ترك مثله في مكان آخر وأخذ

стр. 180

بضده فذو بنيان هار يوشك أن ينهار به في مخالفة ربه في قوله تعالى ﴿إنما لنسيء زيادة في لكفر يضل به لذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم لله فيحلوا ما حرم لله زين لهم سوء أعمالهم ولله لا يهدي لقوم لكافرين﴾ قال علي وإن أمدنا الله بعمر وأيدنا بعون من عنده فسنجمع في النصوص التي ظاهرها التعارض كتبا كافية من غيرها إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا به فهذه الوجوه التي فيها بعض الغموض قد بيناها بتوفيق الله لا إله إلا هو قال علي وها هنا وجه خامس ظنه أهل الجهل تعارضا ولا تعارض فيه أصلا ولا إشكال وذلك ورود حديث بحكم ما في وجه ما وورود حديث آخر بحكم آخر في ذلك الوجه بعينه فظنه قوم تعارضا وليس كذلك ولكنهما جميعا مقبولان ومأخوذ بهما ونحو ذلك ما روي عن النبيصلى الله عليه وسلم من طريق ابن مسعود بالتطبيق في الركوع وروي من طريق أبي حميد الأكف على الركب فهذا لا تعارض فيه وكلا الأمرين جائز أي ذلك فعله المرء حسن قال علي إلا أن يأتي أمر بأحد الوجهين فيكون حينئذ مانعا من الوجه الآخر وقد جاء الأمر بوضع الأكف على الركب فصار مانعا من التطبيق على ما بينا من أخذ الزائد المتيقن في حال وروده ومنعه ما كان مباحا قبل ذلك وقد وجدنا أمرا ثابتا عن رسول الله ﷺ بالأخذ بالركب فخرج عن هذا الباب وصح أن التطبيق منسوخ بيقين على ما جاء عن سعد إنا كنا نفعله ثم نهينا عنه وأمرنا بالركب لكن من هذا الباب اغتساله ﷺ بين وطئه المرأتين من نسائه ﵅ وتركه الاغتسال بينهما حتى يغتسل من آخرهن غسلا واحدا فهذا كله مباح وهذا إنما هو في الأفعال منه ﵇ لا في الأوامر المتدافعة ومثل ذلك ما روي عن نهيه ﵇ عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها مع قوله تعالى وقد ذكر ما حرم من
следующие страницы →