← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أموالنا وكما قال الشاعر فإن قومي لم تأكلهم الضبع يريد لم تفنهم وأما قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ فإنما حرم قتلهم جملة لغير الإملاق من آيات أخر وهي قول الله تعالى ﴿قد خسر لذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم لله فترآء على لله قد ضلوا وما كانوا مهتدين﴾ وبقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا لنفس لتي حرم لله إلا بلحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في لقتل إنه كان منصورا﴾ وبقوله تعالى ﴿وإذا لموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت﴾ وبقول رسول الله ﷺ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام وأما قوله تعالى ﴿يولج لليل في لنهار ويولج لنهار في لليل وسخر لشمس ولقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم لله ربكم له لملك ولذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ فإنما أخبر في موضع آخر على أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع وما كان هذا فبالضرورة نعلم أنها لا تملك شيئا وهكذا الحكم في كل ما موهوا به فإن الله تعالى قد بين لنا مراده ولو لم يرد غير النصوص التي ذكرنا لوجب ألا نتعدى البتة إلى ما لم يذكر بها وللزم ألا نحكم بها أصلا إلا فيما وردت فيه ومن تعدى هذا فإنه متعد لحدود الله تعالى ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ نعوذ بالله من ذلك وأما قول الناس لا تعط فلانا حبة فإنما يعلم مراد القائل في ذلك أمجدا قال ذلك أم هازلا أم مقتصرا على الحبة أم لأكثر منها بما يشهده من حال الأمر في امتناعه وتسهله وأكثر ذلك فهذا القول من قائله لا يتأتى مجردا البتة ولا بد ضرورة من أن يقول لا تعطه البتة شيئا ولا حبة وربما زاد لا قليلا ولا كثيرا فهذا هو المعهود من تخاطب الناس فيما بينهم ومن ادعى غير هذا فهو مجاهر مدع على العقل ما ليس فيه بل هو مخالف لموجب العقل ولمقتضى اللغة على الحقيقة وبالله تعالى نعتصم فإن ذكروا قول الله تعالى ﴿أم لهم نصيب من لملك فإذا لا يؤتون لناس نقيرا﴾ فقد قال تعالى في آية أخرى ﴿قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية لإنفاق وكان لإنسان قتورا﴾ فنص تعالى على الإمساك والإمساك على عمومه يقتضي النقير

стр. 1122

وغير النقير وأقل من النقير وأكثر منه واحتجوا في ذلك أيضا بقول الله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بلمعروف وتنهون عن لمنكر وتؤمنون بلله ولو آمن أهل لكتاب لكان خيرا لهم منهم لمؤمنون وأكثرهم لفاسقون﴾ وبقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ قالوا فلم يخص الله تعالى ما قال أولو الأمر منا بتوقيف من النبي ﷺ مما قالوه بقياس قال أبو محمد هذا الاحتجاج منهم جمع الشناعة والإثم لأن الله تعالى لم يأمر قط أولي الأمر منا أن يقولوا بآرائهم ولا بقياساتهم ولا أن يقولوا ما شاؤوا وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى على نبيه ﷺ وينذروا بذلك قومهم وهذا بين في قوله تعالى ﴿وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ وفي قوله تعالى ﴿لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون﴾ وفي قوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن لسمع ولبصر ولفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وفي قوله تعالى ﴿إنما يأمركم بلسوء ولفحشآء وأن تقولوا على لله ما لا تعلمون﴾ قال أبو محمد ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله وقفا ما لا علم به وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى إلا بإخبار من الله تعالى بذلك وإلا فهو باطل وقد بينا فيما خلا أن قول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ إنما هو جميع أولي الأمر لا بعضهم ولم يجمعوا قط على القول بالقياس فكيف نكون نحن مأمورين باتباعهم فيما افترقوا فيه وهذا ضد أمر الله تعالى في القرآن وبرهان قاطع وهو أن الله تعالى قال ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ وحدود الله تعالى هي كل ما حد وبين فصح أنه ليس لأحد أن يتعدى في شيء من الدين ما حده الله تعالى في القرآن وعلى لسان رسوله صلى الله

стр. 1123

عليه وسلم بالوحي فبطل أن يحمل أولوا الأمر على تعدي حدود الله تعالى لأنه باطل فقد اتفقنا أنهم لا يجمعون على باطل وكل ما لم يكن من حدود الله تعالى ووحيه فهو من عند الله ضرورة لا بد من ذلك وقد قال تعالى ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ فصح بهذه الآية أنه لا يمكن أن يكون إجماع أبدا إلا على ما جاء من عند الله تعالى بالوحي الذي لا يعلم ما عند الله تعالى إلا به والذي قد انقطع بعد رسول الله ﷺ فبطل بهذه النصوص يقينا أن يجمعوا على غير نص صحيح واحتجوا بقول الله تعالى في آية الكلالة ﴿يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ثنتين فلهما لثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ لأنثيين يبين لله لكم أن تضلوا ولله بكل شيء عليم﴾ قالوا فأنتم تقولون إن الميراث ههنا إنما هو بعد الدين والوصية قالوا وليس هذا في الآية فإنما قلتموه قياسا على سائر آيات المواريث التي فيها أنها بعد الوصية والدين قال أبو محمد وهذا خطأ عظيم ونعوذ بالله تعالى من أن نثبت الميراث في مواريث الإخوة بعد الوصية والدين من طريق القياس وما أثبتنا ذلك إلا بنص النبي ﷺ إذ كان يقدم إلى الجنازة فيسأل ﷺ أعليه دين فإن قيل له لا صلى عليه وإن قيل له نعم سأل صلى الله عليه وسلم أعليه وفاء فإن قيل له نعم صلى عليه وإن قالوا لا قال ﷺ صلوا على صاحبكم ولم يصل هو عليه وبقوله ﷺ إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين أو كلاما هذا معناه وقوله ﷺ إن صاحبكم مرتهن بدينه وبأمره ﷺ جملة بالوصية لمن عنده شيء يوصي فيه وبأمره ﷺ بالوصية بالثلث فدون وقال ﷺ في الوصية بالثلث والنهي عن

стр. 1124

الوصية بأكثر إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة أو كما قال ﷺ فعم ﷺ الورثة كلهم ولم يخص أخا ولا أختا من غيرهما فصح ضرورة ألا ميراث لأحد إلا بعد الدين ثم الوصية فسقط تمويههم بذكر الآية المذكورة ثم نعكس عليهم هذا السؤال المذكور بعينه فنقول لهم إذا فعلتم أنتم ذلك في آية الكلالة قياسا على سائر المواريث فيلزمكم أن توجبوا الإطعام في كفارة القتل لمن عجز عن الصيام والرقبة قياسا على كفارة الظهار وقياسا على كفارة الواطىء في نهار رمضان ولا تفرقوا بين الأمرين فقد ذكر الله تعالى في كلتا الآيتين عتق الرقبة ثم الصيام لشهرين متتابعين ثم ذكر تعالى في أحدهما تعويض الإطعام من الصيام فافعلوا ذلك في المسكوت عنه من الآية الأخرى لا سيما وأنتم قد قستم أو بعضكم المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار على المنصوص عليه من أن تكون مؤمنة في قتل الخطأ فما الذي جعل قياس الرقبة في الظهار على التعويض في القتل حقا وجعل قياس التعويض بالإطعام من الصيام في كفارة قتل الخطأ على التعويض بالإطعام من الصيام في كفارة الظهار باطلا ولولا التخليط والموق ونعوذ بالله من الخذلان واحتج بعضهم بأن قال إن ثبات العشرين منا للمائتين من الكفار منسوخ بالقياس على نسخ ثبات المائة منا للألف من الكفار قال أبو محمد وهذا تخليط وكذب وعكس الخطأ على الخطأ وما نسخ قط ثبات المائة للألف ولا ثبات العشرين للمائتين وقد بينا هذه المسألة في باب الكلام في النسخ من ديواننا هذا وبالجملة لا يحل لمسلم أن يقول في آية ولا حديث بالنسخ إلا عن نص صحيح لأن طاعة الله

стр. 1125

وطاعة رسوله ﷺ واجبة فإذا كان كلامهما منسوخا فقد سقطت طاعته عنا وهذا خطأ ومن ادعى سقوط طاعة الله تعالى وسقوط طاعة نبيه ﷺ في مكان ما من الشريعة فقوله مطروح مردود ما لم يأت على صحة دعواه بنص ثابت فإن أتى به فسمعا وطاعة وإن لم يأت به فهو كاذب مفتر إلا أن يكون ممن لم تقم عليه الحجة فهو مخطىء معذور باجتهاده وبالله تعالى التوفيق واحتجوا أيضا بقول الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تقتلوا لصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من لنعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ لكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا لله عما سلف ومن عاد فينتقم لله منه ولله عزيز ذو نتقام﴾ وهذا عمدة ما موهوا به في إثبات القياس مع آية الاعتبار ومع قوله تعالى ﴿فقلنا ضربوه ببعضها كذلك يحيي لله لموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ قال أبو محمد وهذا من أطرف ما شغبوا به من الجرأة على التمويه بكلام الله تعالى ووضعه في غير موضعه فهذا عظيم جدا نعوذ بالله من الخذلان وما فهم أحد قط له عقل أن للقياس في هذه الآية مدخلا أو طريقا أو نسبة بوجه من الوجوه وما هذه الآية إلا نص جلي أمر تعالى ذوي عدل من المؤمنين أن يحكما في الصيد المقتول بما يشبهه من النعم فهذا نص لا قياس وإنما كان يكون قياسا لو قالوا كما أمرنا تعالى إذا قتلنا الصيد المحرم علينا قتله أن نجزيه بمثله من النعم فكذلك إذا قتلنا شيئا من النعم حراما علينا لملك غيرنا له فواجب علينا أن نجزيه بمثله من الصيد وأيضا فكما قاسوا ملك الله تعالى الصيود فأوجبوا الجزاء على قاتلها مخطئا وخالفوا القرآن في ذلك قياسا على ملك الناس فواجب عليهم على أصلهم الفاسد أن يقيسوا ملك الناس من النعم ومن الصيد إذا قتله فيلزموه أن يجزيه بمثله إن كان

стр. 1126

صيدا فمن النعم وإن كان من النعم فمثله من الصيد فهذا حقيقة القياس الذي إن قالوه كفروا وإن تركوا القياس وتناقضوا ووفقوا في تركهم له وأيضا فإن كانت هذه الآية متيحة للقياس فينبغي ألا يكون إلا حتى يحكم فيه ذوا عدل منا أو يكون عدل ذلك صياما فهكذا هو الحكم في الآية وأما الآية المذكورة فلا نسبة بينها وبين القياس البتة وإنما فيها أن الصيد يكون مثلا للنعم وهذا أمر لا ننكره فالعالم كله متماثل في بعض أوصافه وإنما أنكرنا أن نحكم في الديانة شيء لم يأت فيه ذلك الحكم من الله تعالى بمثل الحكم المنصوص فيما يشبهه فهذا هو الباطل والخطأ والحرام الذي لا يحل وبالله تعالى نتأيد واحتج أيضا بعضهم بقول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تقربوا لصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغآئط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن لله كان عفوا غفورا﴾ وبقوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ قالوا فقستم واجد الثمن للماء والثمن للرقبة وإن لم يكن عنده رقبة ولا ماء على من عنده الرقبة والماء فلم تجيزوا لهما التيمم ولا الصيام قال أبو محمد وهذا من ذلك التمويه المعهود ويعيذنا الله تعالى أن نقول بالقياس في شيء من الدين وليس ما ذكروا قياسا ولكنه نص جلي بلا تأويل فيه البتة لأن الله تعالى إنما قال في آية كفارة قتل الخطأ والعود للظهار بعد إيجاب الرقبة ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ ولم يقل تعالى فمن لم يجد رقبة ولكنه تعالى أطلق الوجود فكل وجود يتوصل به إلى عتق الرقبة فإنه مانع من الصيام فالواجب اتباعه لأنه موافق لظاهر الآية الذي لا يجوز خلافه وهكذا القول في كفارة الواطىء في نهار رمضان وأما التيمم لمن لم يكن له ماء وعنده ثمن يبتاع به الماء فإن أصحابنا قالوا ما ذكر هؤلاء ورأوا واجبا على من وجد ماء للشراء أن يبتاعه بقيمته في الوقت لا بأكثر وقال غيرهم بأكثر من قيمته ما لم يجحف به وقال الحسن البصري

стр. 1127

يبتاعه بكل ما يملك إن لم يبع منه بأقل قال أبو محمد ولعل من حجة أصحابنا أن يقولوا إن قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ يقتضي بعموم هذا اللفظ واجده بالابتياع والاستيهاب كما يقول القائل أمر كذا موجود في السوق فيقولوا إن واجده بالابتياع والاستيهاب واجد للماء قال أبو محمد وأما نحن فلا يجوز عندنا بيع الماء البتة بوجه من الوجوه ولا بحال من الأحوال لنهي النبي ﷺ عن بيع الماء فهذا عندنا على عمومه وقولنا هذا هو قول إياس بن عبد الله المزني صاحب رسول الله ﷺ وغيره فلا يجوز ابتياع الماء للوضوء البتة ولا للغسل لأنه منهي عن ابتياعه وهو غير واجد للماء فحكمه التيمم إلا أن يتطوع عليه صاحب الماء بأن يهبه إياه فذلك جائز وهو حينئذ واجد للماء مالك له ففرضه التطهر به وأما من اضطر إلى شرب الماء وخشي الهلاك من العطش ولم يجد من يتطوع له بماء يحيي به رمقه ففرض عليه إحياء نفسه كيف أمكن بغلبة أو بأخذه سرا مختفيا بذلك أو بابتياعه فإذا لم يقدر على غير البيع فابتاعه فهو حينئذ جائز له والثمن حرام على البائع وهو باق على ملك المبتاع المضطر وهو بمنزلة من اضطر إلى ميتة أو لحم خنزير فلم يجده مع ذلك إلا بثمن ففرض عليه أن يبتاعه لإحياء نفسه وكذلك ما يبذل من المال في فدى الأسرى وفي الرشوة لدفع المظلمة فهذا كله باب واحد وهو مباح للمعطي وحرام على الآخذ لأن المعطي مضطر والآخذ آكل مال بالباطل عاص لله تعالى نعوذ بالله ثم نعكس عليهم اعتراضهم هذا فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق إن كان هذا عندهم قياسا فيلزمهم أن يقولوا بقول الحسن في ابتياع الماء بكل ما يملك لأنه واجد له فلا يسعه التيمم مع وجود الماء كما يقولون فيمن لم يجد رقبة

стр. 1128

إلا بكل ما يملك وهو قادر على اكتساب ما يقوم بقوته وقوت عياله بعد ذلك فإنه لا يجزيه عندهم إلا ابتياع الرقبة بملكه كله فإن لم يقولوا في الماء كذلك فقد تناقضوا وتركوا القياس الذي يزعمون أنه دين وهذا ما لا انفكاك منه واحتجوا بقوله تعالى ﴿ليس على لأعمى حرج ولا على لأعرج حرج ولا على لمريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند لله مباركة طيبة كذلك يبين لله لكم لآيات لعلكم تعقلون﴾ قالوا ولم يذكر تعالى بيوت الأولاد فوجب إباحة الأكل من بيوت الأولاد قياسا على الإباحة من بيوت الآباء قال أبو محمد وهذا في غاية الفساد والكذب ومعاذ الله أن تكون الإباحة للأكل من بيوت الأولاد قياسا على إباحة ذلك من بيوت الآباء والأقارب وما أبحنا الأكل من بيوت الأولاد إلا بنص جلي وهو قول رسول الله ﷺ إن أطيب ما أكل أحدهم من كسبه وإن ولد أحدكم من كسبه فبهذا أبحنا الأكل من بيوت الأولاد ولكن يلزمهم إذا فعلوا ذلك قياسا بزعمهم على بيوت الآباء أن يسقطوا الحد على الابن الواطىء أمة أبيه كما أسقطوا الحد عن الأب إذا وطىء أمة ولده ولزمهم أن يسووا في جميع الأحكام بين الأبناء والآباء وسائر القرابات كما فعلوا ذلك قياسا على الأكل وإلا فقد تناقضوا وتركوا القياس واحتجوا بقول الله تعالى ﴿لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن وتقين لله إن لله كان على كل شيء شهيدا﴾ بقوله تعالى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو لتابعين غير أولي لإربة من لرجال أو لطفل لذين لم يظهروا على عورات لنسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى لله جميعا أيها لمؤمنون لعلكم تفلحون﴾ قالوا فأدخلتم من لم يذكر في الآيتين المذكورتين من الأعمام والأخوال في حكم من ذكر فيهما قال أبو محمد وهذا ليس قياسا بل هو نص جلي لأن النبي ﷺ قال لعائشة إنه عمك فليلج عليك وقال ﷺ لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم فأباح لكل ذي محرم أن يسافر

стр. 1129

معها وإذا سافر معها فلا بد له من رفعها ووضعها ورؤيتها فدخل ذو المحارم كلهم بهذا النص في إباحة رؤية المرأة فبطل ظنهم أن ذلك إنما هو قياس وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بقول الله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ قالوا فأدخلتم بنات البنين وإن سفلن وبنات البنات وإن سفلن والجدات وإن علون وعمات الآباء والأجداد وخالاتهم وعمات الأمهات والجدات وخالاتهن وإن بعدن في التحريم وإن لم يذكرن في آية التحريم قالوا وهذا قياس وكذلك أدخلتم تحريم ما نكح الأجداد وإن علوا وبنو البنين وإن سفلوا قياسا على تحريم ما نص عليه من نكاح نساء الآباء وحلائل الأبناء قال أبو محمد وهذه دعوى فاسدة بل هذا نص جلي وبنو البنين وبنو البنات وإن سفلوا وبنات البنين وبنات البنات وإن سفلن فإنه يقع عليهن في اللغة بنص القرآن اسم البنين والبنات وإن سفلن قال الله تعالى ﴿يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس لتقوى ذلك خير ذلك من آيات لله لعلهم يذكرون﴾ فجعلنا بنين له وبنو البنين بنون بالنص والجد والجدة وإن بعدا فاسم الأب والأم يقع عليهما كما قال تعالى ﴿يابني آدم لا يفتننكم لشيطان كمآ أخرج أبويكم من لجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا لشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون﴾ يعني آدم وحواء وهكذا القول فيمن سفل من أولاد الإخوة والأخوات ومن علا من الأعمام والأخوال والعمات والخالات فمن كنت من ولد أخيه فهو عمك وعمتك وأنت ابن أخيه وأخيها ومن كنت من ولد أخته فهو خالك وخالتك وأنت ابن أخته وأختها وإنما فرقنا بين أحكام بعض من يقع عليه الاسم الواحد في المواضع التي فوق النص أو الإجماع المنقول المتيقن بينهم فيها وهذا أيضا الذي ذكروا إجماع والإجماع لا يجوز خلافه ثم نقول لهم إذا فعلتم ذلك بزعمكم قياسا فيلزمكم أن تسووا أيضا قياسا بين كل من ذكرنا في الإنكاح والمواريث ووجوب الإنفاق

стр. 1130

وهم لا يفعلون ذلك فقد نقضوا أصلهم وأقروا بترك القياس وهكذا تكون الأقوال الفاسدة وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بقول الله تعالى في المطلقة ثلاثا ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود لله وتلك حدود لله يبينها لقوم يعلمون﴾ قالوا فقستم وفاة هذا الزوج الثاني وفسخ نكاحه عنها على علاقة لها في كونها إذا مسها في ذلك حلالا المطلق ثلاثا قالوا لنا بل لم تقنعوا بذلك حتى قلتم إن كانت ذمية طلقها مسلم ثلاثا فتزوجها ذمي فطلقها بعد أن وطئها لم تحل بذلك لمطلقها ثلاثا ولا تحل إلا بموته عنها أو بفسخ نكاحه منها قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق أننا أبحنا لها الرجوع إليه بالوفاة وبالفسخ لوجهين أحدهما الإجماع المتيقن والثاني النص الصحيح الذي عنه تم الإجماع وهو قول رسول الله ﷺ للقرظية المطلقة ثلاثا أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك قال علي فهذا الحديث أعم من الآية وزائد على ما فيها فوجب الأخذ به ووجب أن كل ما كان بعد ذوق العسيلة مما يبطل به النكاح فهي به حلال رجوعها إلى الزوج المطلق ثلاثا لأنه ﷺ إنما جعل الحكم الرافع للتحريم ذوق العسيلة في النكاح الصحيح فإذا ارتفع بذلك التحريم فقد صارت كسائر النساء فإذا خلت من ذلك الزوج بفسخ أو وفاة أو طلاق كان لها أن تنكح من شاءت من غير ذوي محارمها ولم يشترط النبي ﷺ بعد ذوق العسيلة طلاقا من فسخ من وفاة وأيقنا أنه ﷺ لم يبحها للزوج الأول وهي بعد في عصمة الزوج الثاني ولا خلاف بين أحد في ذلك وأما طلاق الذمي وسائر الكفار فليس طلاقا لأن كل ما فعل الكافر وقال غير اللفظ بالإسلام فهو باطل مردود إلا ما أوجب إنفاذه النص

стр. 1131

أو الإجماع المتيقن المنقول أو أباحه له النص أو الإجماع كذلك فإذا لفظ بالطلاق فهو لغو لأنه لا نص ولا إجماع في جواز طلاقه فليس مطلقا وهو بعد في عصمته لصحة نكاحهم بالنص من إقرار النبي ﷺ للكفار لما أسلموا مع نسائهم على نكاحهم معهن ولأنه ﷺ من ذلك النكاح خلق وقد علمنا أنه ﷺ مخلوق من أصح نكاح ولا يحل لمسلم أن يمر بباله غير هذا ولم يمنع تعالى في الآية من إباحة رجعتها بعد وفاة الزوج أو فسخ نكاحه وإنما ذكر تعالى الطلاق فقط وعم رسول الله ﷺ بإجمال لفظه الطلاق وغيره وقد كان يلزم من قال بذلك الخطاب منهم ألا يبيحها إلا بعد الطلاق لا بعد الفسخ والوفاة فهذه الآية حجة عليهم لا لهم وبالله تعالى التوفيق واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا نكحتم لمؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ قالوا فقستم الكافرات في ذلك على المؤمنات قال أبو محمد وهذا خطأ وقد بينا في باب مفرد من كتابنا هذا لزوم شريعة الإسلام لكل كافر ومؤمن مستويا بقوله تعالى ﴿وأن حكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم وحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل لله إليك فإن تولوا فعلم أنما يريد لله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من لناس لفاسقون﴾ فهذا لازم في كل حكم حاشا ما فرق النص والإجماع المتيقن فيه بين أحكامنا وأحكامهم وما كان كرامة لنا فإنه ليس لهم فيه حظ لقول الله تعالى ﴿قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون﴾ والصغار لا يجتمع مع الكرامة أصلا وأيضا فالأمة كلها مجمعة على أن حكم العدة في الطلاق وسقوطها على الذمية كحكمها على المسلمة والإجماع لا يجوز خلافه وأيضا فإن الآيات التي أوجب الله تعالى فيها العدد على المطلقات معلومة محصورة لا خلاف بين المسلمين أن المراد بها الممسوسات وأصل الناس كلهم على البراءة من وجوب الأحكام عليهم حتى يلزمهم الحكم نص أو إجماع وإلا فلا يلزم

стр. 1132

أحدا حكم إلا أن يلزمه إياه نص أو إجماع فبقيت الذمية المطلقة غير الممسوسة لم يأت قط بإيجاب عدة عليها فلم يجز لأحد أن يلزمها عدة لم يأت بها نص ولا إجماع ووجب المتعة لها ونصف الصداق بإيجاب الله تعالى ذلك لكل مطلقة فرض لها صداق المتعة خاصة لكل مطلقة وهي إحدى المطلقات فبطل ظن هؤلاء القوم والحمد لله رب العالمين واحتجوا بما في القرآن من الآيات التي فيها خطاب النبي ﷺ وحده مثل قوله تعالى ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم لصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود لذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن لله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾ ومثل قوله تعالى ﴿وآخرون عترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى لله أن يتوب عليهم إن لله غفور رحيم﴾ وما أشبه ذلك قالوا فقلتم هي لازمة لنا ومباحة كلزومها النبي ﷺ وإباحتها له قال أبو محمد وهذا من التخليط ما هو لأن النص حكم علينا بذلك إذ يقول ﴿لقد كان لكم في رسول لله أسوة حسنة لمن كان يرجو لله وليوم لآخر وذكر لله كثيرا﴾ وبقوله ﷺ عليكم بسنتي وبغضبه ﷺ على من تنزه عن أن يفعل مثل فعله فبطل تمويههم بأن هذا قياس وصح وجوب كل شريعة خوطب بها ﷺ علينا ما لم ننه عن ذلك كقول النبي ﷺ في الوصال لست كهيئتكم فلو قال قائل إن الذين تعلقوا به مما ذكروا هو حجة عليهم في إبطال القياس لكان حقا لنص النبي ﷺ على أنه ليس كهيئتنا ولا كأحدنا ولا مثلنا وإذ ليس مثلنا والقياس عند القائلين به إنما هو قياس الشيء على مثله لا على ما ليس مثله فقد بطل القياس ههنا فيلزمهم ألا يحكموا على الناس بشيء خوطب به النبي ﷺ وحده وإن فعلوا ذلك خرجوا من الإسلام فصح أنه لا مدخل لهذه الآيات ولا لهذا المعنى في القياس البتة وبالله تعالى التوفيق واحتجوا أيضا بقول الله تعالى ﴿هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار﴾

стр. 1133

قال أبو محمد وهذه هي قاعدتهم بظنهم في القياس وما كانوا أبعد قط من القياس منهم في هذه الآية وما فهم قط ذو عقل من قول الله ﵎ ﴿هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار﴾ تحريم مد بلوط بمدي بلوط وما للقياس مجال على هذه الآية أصلا بوجه من الوجوه ولا علم أحد قط في اللغة التي بها نزل القرآن أن الاعتبار هو القياس وإنما أمرنا تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته في خلق السموات والأرض وما أحل بالعصاة كما قال تعالى في قصة إخوة يوسف ﵇ ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي لألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق لذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ فلم يستح هؤلاء القوم أن يسموا القياس اعتبارا وعبرة على جاري عادتهم في تسمية الباطل باسم الحق ليحققوا بذلك باطلهم وهذا تمويه ضعيف وحيلة واهية وقد قال تعالى ﴿إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل لله بها من سلطان إن يتبعون إلا لظن وما تهوى لأنفس ولقد جآءهم من ربهم لهدى * أم للإنسان ما تمنى﴾ فأبطل الله تعالى كل تسمية قام بصحتها برهان إما من لغة مسموعة من أهل اللسان وإما منصوصة في القرآن وكلام النبي ﷺ وما عدا ذلك فباطل وهل هذه الطريقة التي سلكوا من التمويه والغش بقلع الأسماء عن مواضعها وتحريف الكلم عن مواضعه إلا كمن سمى من النخاسين أواريهم بأسماء المدن ثم يحلف بالله لقد جاءت هذه الدابة أمس من بلد كذا تدليسا وغشا وأهل القياس جارون على هذه الطريقة في تسميتهم القياس عبرة واعتبارا ونسألهم في أي لغة وجدوا ذلك وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي لألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق لذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ فليت شعري أي قياس في قصة يوسف ﵇ أترى أنه أبيح لنا بيع إخوتنا كما باعه إخوته أو ترى

стр. 1134

أن من باعه إخوته يكون ملكا على مصر ويغلو الطعام في أيامه أو ترى إذ قال الله تعالى ﴿هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار﴾ أنه أمرنا قياسا على ذلك أن نخرب بيوتنا بأيديهم وأيدينا قياسا على ما أمرنا الله تعالى أن نعتبر به من هدم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين أما سمعوا قول الله تعالى ﴿وإن لكم في لأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين * ومن ثمرات لنخيل ولأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ أفيجوز لذي مسكة عقل أن يقول إن العبرة ههنا القياس وإن معنى هذه الآية ﴿وإن لكم في لأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين﴾ لقياسا أما يرى كل ذي حس سليم أن هذه الآية مبطلة للقياس لما قص تعالى عليه أنه يخرج من بين فرث حرام ودم لبنا حلالا وأننا نتخذ من تمر النخيل والأعناب مسكرا حراما خبيثا ورزقا حلالا وهما من شيء واحد فظهر أن تساوي الأشياء لا يوجب تساوي حكمها وصح أن معنى العبرة التعجب فقط هذا أمر يدريه النساء والصبيان والجهال حتى حدث من كابر الحس وادعى أن الاعتبار القياس مجاهرة بالباطل تالله ما قدرنا أن عاقلا يرضى لنفسه بهذه الخساسة وبهذا الكذب في الدين وبعاجل هذه الفضيحة نعوذ بالله والقوم كالفريق يتعلق بما وجد ولو لم يكن في إبطال القياس إلا هذه الآية لكفى لأن أولها قوله تعالى ﴿هو لذي أخرج لذين كفروا من أهل لكتاب من ديارهم لأول لحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من لله فأتاهم لله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم لرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي لمؤمنين فعتبروا يأولي لأبصار﴾ فنص الله تعالى كما نسمع على أنه أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم وأن المؤمنين لم يظنوا قط ذلك وأن الكفار لم يحتسبوا قط ذلك فثبت يقينا بالنص في

стр. 1135

هذه الآية أن أحكام الله جارية على خلاف ما يحتسب الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم والقياس إنما هو يحتسبه القائسون لا نص فيه ولا إجماع كظن المالكي أن علة الربا الإدخار في المأكولات في الجنس وظن الحنفي أنها الوزن أو الكيل في الجنس وظن الشافعي أنها الأكل في الجنس وهذه كلها ظنون واحتسابات فصح أن أحكام الله تعالى تأتي بخلاف ما يقع في النفوس فهذه الآية أبين شيء في إبطال القياس والحمد لله رب العالمين وقد قوى بعضهم احتجاجهم بما ذكرنا في قوله ﴿لمؤمنين﴾ بما روي عن ابن عباس من قوله في دية الأصابع ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان عقلها سواء وإن اختلفت منافعها قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن ابن عباس إنما أراد بقوله هلا اعتبرتم أي هلا تبينتم ذلك بالأصابع فاستبنتم لأن العبارة عن الشيء هو ما يتبين به الشيء أي هلا تبينتم أن اختلاف المنافع لا يوجب اختلاف الدية أو هلا فكرتم وعجبتم في الأصابع ورأيتم أن اختلاف منافعها لا يوجب اختلاف دياتها ولا اختلاف أحكامها كما أن الأسنان أيضا كذلك وهذا نص جلي من ابن عباس على إبطال القياس والعلل الموجبة عند القائلين بالقياس لاستواء الأحكام لأنهم يقولون إن الدية إنما هي عوض عن الأعضاء المصابة فيقيسون فقد السمع على فقد البصر في الدية لأن المنفعة بذلك متساوية فأبطل ابن عباس ذلك ورد إلى نص ولم يجد الأصابع أصلا للأسنان يقاس عليه ولا جعل الأسنان أصلا للأصابع يقاس عليه بل سوى بين كل ذلك تسوية واحدة وهذا هو ضد القياس لأن القياس عند القائلين به إنما هو رد الفرع إلى الأصل وليس ههنا أصل وفرع بل

стр. 1136

النص ورد أن الأصابع سواء وأن الأسنان سواء ورودا مستويا فبطل تمويههم الذي راموا به تصحيح أن القياس يسمى عبرة ولقد ناظرني كبيرهم في مجلس حافل بهذا الخبر فقلت له إن القياس عند جميع القائلين به وأنت منهم إنما هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه أو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع بل الخلاف موجود في كليهما وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع وبين دية الأضراس وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك فبطل ههنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه والنص في الأصابع والأسنان سواء ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن النبي ﷺ في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس ثم يفتي هو بذلك قياسا فقال لي وأين النص بذلك عن ابن عباس فذكرت له الخبر الذي حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ثنا محمد بن بكر ثنا سليمان بن الأشعث السجستاني ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا شعبة بن الحجاج ثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الأصابع سواء الأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر فانقطع وسكت وزاد بعضهم جنونا فاحتج في إثبات القياس بقول الله تعالى ﴿وقال لملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يأيها لملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ قال أبو محمد وهذا من الجنون ما هو لأن العبارة إنما هي في اللغة البيان عن الشيء تقول هذا الكلام عبارة عن كذا وعبرت عن فلان إذا بينت

стр. 1137

عنه ولا مدخل للحكم في شيء من ذلك لشيء لم يذكر اسمه في الشريعة بالحكم في شيء ذكر فيها اسمه فعارضوا بأن قالوا العبور هو الجواز والتجاوز من شيء إلى شيء تقول عبرت النهر قالوا والقياس تجاوز شيء منصوص إلى شيء لا نص فيه قال أبو محمد هذا من المكابرة القبيحة لأن هذا من الأسماء المشتركة التي هي مثل ضرب من ضراب الجمل وهو سفادة الناقة وضرب بمعنى الإيلام بإيقاع جسم على جسم المضروب بشدة والضرب العمل وهكذا عبرت الرؤيا فسرتها وعبرت النهر أي تجاوزته فهذان معنيان مختلفان ليس أحدهما من الآخر في ورد ولا صدر ومصدر عبرت النهر إنما هو العبور ومصدر عبرت الرؤيا إنما هو العبارة ومصدر اعتبرت في الشيء إذا فكرت فيه الاعتبار والعبرة الاسم والعبرة والاستعبار التأهب للبكاء والأخذ فيه والعبرى نبات يكون على شطوط الأنهار والعبرانية لغة بني إسرائيل والعبير ضرب من الطيب فإذا قلنا إن معنى عبرت النهر إنما هو تجاوزته ومعنى عبرت الرؤيا إنما هو فسرتها فقد وضح أن هذا غير هذان ولو أن المعبر للرؤيا تجاوزها لما كان مبينا لها بل يكون تاركا لها آخذا في غيرها كما فعل عابر النهر إذا تجاوزه إلى البر والاعتبار أيضا معنى ثالث غير هذين بلا شك فخلط هؤلاء القوم وأتوا بالسفسطة المجردة وهو أن يأتي بألفاظ مشتركة تقع على معاني شتى فيخلط بها على الناس ليوهم أهل العقل أشياء تخرجهم عن نور الحق إلى ظلمة الباطل وقد حذر الأوائل من هذا الباب جدا وأخبروا أنه أقوى الأسباب في دخول الآفات على الأفهام وفي إفساد الحقائق وقد نبهنا نحن عليه في مواضع كثيرة من كتابنا هذا ومن سائر كتبنا وقد بينا ذلك في كتاب التقريب ولم نبق فيه غاية وبالله تعالى التوفيق

стр. 1138

ثم مع ذلك لم يقنعوا بهذا الباب من الباطل حتى زادوا عليه زيادة كثيرة وهو أنهم سموا القياس عبرة جرأة وتمويها والتسمية في اللغة والكلام المستعمل بيننا كله لا تخلو من وجهين لا ثالث لهما أحدهما اسم سمع من العرب والعرب لا تعرف القياس في الأحكام في جاهليتها لأنهم لم يكن لهم شريعة كتابية قبل محمد ﷺ فبطل أن يكون للقياس عندهم اسم والقسم الثاني اسم شرعي أوقعه الله تعالى ورسوله ﷺ على بعض أحكام الشريعة كالصلاة والزكاة والإيمان والكفر والنفاق وما أشبه ذلك وتعالى الله ورسوله عن أن يقيسا فبطل أن يكون الله تعالى ورسوله ﷺ سميا القياس عبرة فهذان القسمان من الأسماء لازمان لكل متكلم بهذه اللغة ولكل مسلم وأما الأسماء التي يتفق عليها أقوام من الناس التفاهم في مرادهم فلذلك لهم مباح بإجماع إلا أنهم ليس لهم أن يلبسوا بذلك على الناس وهم في أعظم إثم وحرج إن سموا ما يخالفهم فيه غيرهم باسم واقع على معنى حقيقي ليلزموا خصومهم قبول ما خالفهم فيه تمويها على الضعفاء وعدوانا كمن سمى الخمر عسلا يستحلها بذلك لأن العسل حلال فبطل أن يسمي القياس عبرة أو اعتبارا وعلمنا أن أصحاب القياس الذي أحدثوا هذه البدعة هم الذين أحدثوا له هذا الاسم كما أنذر النبي ﷺ بقوم يأتون في آخر الزمان يسمون الخمر بغير اسمها ليستحلوها بذلك فقد فعل أصحاب القياس ذلك بعينه وسموا الباطل عبرة واعتبارا لهم ليصبح لهم باطلا بذلك لأن العبرة حق ﴿يريدون أن يطفئوا نور لله بأفواههم ويأبى لله إلا أن يتم نوره ولو كره لكافرون﴾ وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بآبدة أنست ما قبلها وهو أن بعضهم استدل على صحة القياس

стр. 1139

بقول الله تعالى واصفا لأمر آدم ﵇ إذ تكشفت عورته عند أكل الشجرة فقال تعالى ﴿فدلاهما بغرور فلما ذاقا لشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق لجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما لشجرة وأقل لكمآ إن لشيطآن لكما عدو مبين﴾ قال أبو محمد إنما شرطنا أن نتكلم فيما يعقل وأما الهذيان فلسنا منه في شيء ولا ندري وجه القياس في تغطية آدم عورته بورق الجنة وليت شعري لو قال لهم خصمهم مجاوبا لهم بهذا الهذيان إن هذه حجة في إبطال القياس بماذا كانوا ينفكون منه وهل كان يكون بينه وبينهم فرق واحتجوا أيضا بقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم ﵇ إذ قال ﴿إن لله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما لذين آمنوا فيعلمون أنه لحق من ربهم وأما لذين كفروا فيقولون ماذآ أراد لله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا لفاسقين﴾ قال أبو محمد وهذه كالتي قبلها وما يعقل أحد من إحياء الله الطير قياسا ولا أنه يوجب أن يكون الأرز بالأرز متفاضلا حراما وأن الاحتجاج بمثل هذا مما ينبغي المسلم أن يخاف الله فيه وما بين هذا وبين من احتج في إثبات القياس وفي إبطاله بقول الله تعالى ﴿قل أعوذ برب لناس﴾ فرق ولكن من لم يبال بما تكلم سهلت عليه الفضائح وليس العار عارا عند من يقلده واحتجوا بقول الله تعالى ﴿مثل ما ينفقون في هذه لحياة لدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم لله ولكن أنفسهم يظلمون﴾ وبقوله تعالى ﴿كأنهن لياقوت ولمرجان﴾ قال أبو محمد وهذا من نحو ما أوردناه آنفا من العجائب المدهشة بينما نحن في تحريم شيء لم يذكر تحريمه في القرآن والسنة ولا في الإجماع من أجل شبهه لشيء آخر حرم في النص حتى خرجنا إلى تشبيه الحور العين بالياقوت والمرجان فكل ذي عقل يدري أن الياقوت والمرجان يباع ويدق ويسرق ويخرج من البحر الملح وأنه لا يعقل ولا هو حيوان أفترى الحور العين يفعل بهن هذا كله تعالى الله عن ذلك وقد علم كل مسلم أن الحور العين عاقلات أحياء ناطقات يوطأن ويأكلن ويشربن فهل الياقوت

стр. 1140

والمرجان كذلك وإنما شبه الله تعالى الحور العين بالياقوت والمرجان في الصفاء فقط ونحن لا ننكر تشابه الأشياء وإنما ننكر أن نحكم المتشابهات بحكم واحد في الشريعة بغير نص ولا إجماع فهذا هو الزور والإفك والضلال وأما تشابه الأشياء فحق يقين وكذلك شبه الله تعالى بطلان أعمال الكفار ببطلان الزرع بالريح التي فيها الصر فأي مدخل للقياس ههنا أترى من بطل زرعه خالدا في جهنم كما يفعل بالكافر أو ترى الكافر إذا حبط عمله ذهب زرعه في فدانه كما يذهب زرع من أصاب زرعه ريح فيها صر هذا ما لا يقوله أحد ممن له طباخ وأما الحقيقة فإن هاتين الآيتين تبطلان القياس إبطالا صحيحا لأن الله تعالى مثل الحور العين بالياقوت والمرجان ومثل أعمال الكفار بزرع أصابته ريح فيها صر ولم يكن تشبيه الحور بالياقوت والمرجان يوجب للياقوت والمرجان الحكم أحكام الحور العين ولا للحور العين الحكم بأحكام الياقوت والمرجان ولا كان شبه عمل الكفار بالزرع الذاهب يوجب للزرع الحكم بأحكام أعمال الكفار من اللعين والبراءة والوعيد ولا لأعمال الكفار بأحكام الزرع من الانتفاع بتبنه في علف الدواب وغير ذلك فصح أن تشابه الأشياء لا يوجب لها التساوي في أحكام الديانة ولا شيء أقوى شبها من شيئين شبه الله بعضها ببعض فإذا كان الشبه الذي أخبرنا الله تعالى به لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه فبالضرورة تعلم أن الشبه لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه فبالضرورة تعلم أن الشبه المكذوب المفترى من دعاوى أصحاب القياس أبعد عن أن يوجب لما شبهوا بينهما حكما واحدا وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بقول الله تعالى ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي

стр. 1141

لعظام وهي رميم * قل يحييها لذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم * لذي جعل لكم من لشجر لأخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون * أوليس لذي خلق لسماوات ولأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو لخلاق لعليم﴾ قال أبو محمد وهذا من عجائبهم وطوامهم ليت شعري ما في هذه مما يوجب القياس أو أن يحكم في ألا يكون الصدق أقل مما يقطع فيه اليد وأن يرجم اللوطي كما يرجم الزاني المحصن ولكاد احتجاجهم بهذه الآية أن يخرجهم إلى الكفر لأنه تعالى لم يوجب أنه يعيد العظام من أجل أنه أنشأها أول مرة ولا أخبر تعالى أن إنشاءه لها أول مرة يوجب أن يعيدها ومن ظن هذا فقد افترى ومع ذلك فلو كان إنشاء الله تعالى للعظام أو لا يوجب أن يحييها ثانية لوجب ضرورة إذا أفناها أيضا بعد أن أنشأها أولا أن يفنيها ثانية بعد أن أنشأها ثانية وهذا ما لا يقولونه ولا يقول به أحد من المسلمين إلا جهم بن صفوان وحده ولو كان ذلك أيضا لوجب أن يعيدهم إلى الدنيا ثانية كما ابتدأهم ونشأهم فيها أول مرة وهذا كفر مجرد لا يقول به إلا أصحاب التناسخ فقبح الله كل احتجاج يفر صاحبه من الانقطاع والإذعان للحق إلى ما يؤدي إلى الكفر فبطل تمويههم بهذه الآية وصح أن معناها هو اقتضاء ظاهرها فقط وهو أن القادر على خلق الأشياء ابتداء قادر على إحياء الموتى وقد بين الله تعالى نصا إذ يقول ﴿ومن آياته أنك ترى لأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت إن لذي أحياها لمحى لموتى إنه على كل شيء قدير﴾ فبين أنه إنما بين ذلك قدرته على كل شيء وإنما عارض الله تعالى بهذا قوما شاهدوا إنشاء الله تعالى للعظام من مني الرجل والمرأة أقروا بذلك وأنكروا قدرته تعالى على إنشائها ثانية وإحيائها

стр. 1142

فأراهم الله تعالى فساد تقسيمهم لقدرته كما قال في أخرى ﴿أولم يروا أن لله لذي خلق لسماوات ولأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي لموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ فهذه كتلك وليس في شيء منها أن نحكم لما لا نص فيه بالحكم بما فيه نص من تحريم أو إيجاب أو إباحة أصلا وأن هذا كله باب واحد ليس بعضه مقيسا على بعض ولا أصلا والآخر فرعا وإقدام أصحاب القياس وجرأتهم متناسبة في مذاهبهم وفيما يؤيدونها نعوذ بالله من الخذلان واحتجوا أيضا بقول الله تعالى ﴿وهو لذي يرسل لرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به لمآء فأخرجنا به من كل لثمرات كذلك نخرج لموتى لعلكم تذكرون﴾ وبقوله

стр. 1143

تعالى ﴿يأيها لناس إن كنتم في ريب من لبعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في لأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى لأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ ولقوله تعالى ﴿ولله لذي أرسل لرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به لأرض بعد موتها كذلك لنشور﴾ وبقوله تعالى ﴿ونزلنا من لسمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب لحصيد﴾ إلى قوله ﴿ونزلنا من لسمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب لحصيد﴾ وبقوله تعالى ﴿أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل لذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا﴾ قال أبو محمد وهذا كله من جنس ما ذكرناه آنفا والمحتج بهذه الآيات في إثبات القياس في الأحكام إما جاهل أعمى لا يدري ما القياس وإما مموه لا يبالي ما قال ولا ما أطلق به لسانه في استدامة حاله ولو كان هذا قياسا لوجب أن يحيي الله الموتى كل سنة في أول الربيع ثم يموتون في أول الشتاء كما تفعل الثمار وجميع النبات وهذا مما لا يقوله إلا ممرو وإنما أخبر تعالى في كل هذه الآيات بأنه يحيي الموتى ويقدر على كل ذلك لا على أن بعض ذلك مقيس على بعض البتة وذكروا أيضا في ذلك قول الله تعالى ﴿ويقول لإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ وبقوله تعالى ﴿يأيها لناس إن كنتم في ريب من لبعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في لأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى لأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ ﴿يأيها لناس إن كنتم في ريب من لبعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في لأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل لعمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى لأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها لمآء هتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ قال أبو محمد هذا هو إبطال القياس على الحقيقة لأنه لا سبيل إلى أن يخلق ثانية من نطفة ولا من علقة ولا من مضغة فإنما معنى هذه الآية من الله تعالى علينا وتذكيره لنا بقدرته على ما يشاء لا إله إلا هو وكذلك الآية التي قبلها أن الإنسان لم يك شيئا ثم خلق ولا سبيل إلى أن يعود لا شيء أبدا بل نفسه عائدة إلى حيث رآها النبي ﷺ ليلة أسري به ويعود الجسم ترابا ثم يجمعان يوم القيامة فيخلد حيا باقيا أبد الأبد بلا نهاية ولا فناء في نعيم أو عذاب فبطل القياس ضرورة من حيث راموا إثباته تمويها على اغترابهم وهذه الآيات كلها هي بمنزلة قوله تعالى ﴿أأنتم أشد خلقا أم لسمآء بناها * رفع سمكها فسواها﴾ فإنما بين قدرته على ما شاهدنا وعلى ما أخبرنا به مما لم نشاهد وهذا إبطال للقياس ولظنون الجهال لأن الله تعالى نص على تشابه الأشياء كلها بعضها لبعض ولم يوجب من أجل ذلك التشابه أن تستوي في أحكامها وهذا هو نفس قولنا في إبطال القياس في تسوية الأحكام بين الأشياء المشتبهات وبالله التوفيق ومثل ذلك قوله تعالى ﴿وضرب لهم مثل لحياة لدنيا كمآء أنزلناه من لسماء فختلط به نبات لأرض فأصبح هشيما تذروه لرياح وكان لله على كل شيء مقتدرا﴾ وكقوله تعالى ﴿إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب لجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون﴾ الآيات إلى قوله تعالى ﴿كذلك لعذاب ولعذاب لآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ قال أبو محمد ولا شبه أقوى من شبه شهد الله تعالى بصحبته فإذا كان

стр. 1144

الله تعالى قد شبه الحياة الدنيا بالنبات النابت من الماء النازل من السماء فهي أشبه الأشياء به وشبه تلف جثث أولئك العصاة بالعدل وذلك لا يوجب استواءهما في شيء من الحكم في الشريعة غير الذي نص الله تعالى عليه من البلى بعد الجدة فقط فبطل ظنهم الفاسد والحمد لله رب العالمين وكذلك أيضا قوله تعالى ﴿محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ قال أبو محمد وذلك الزرع يرعى وليس متعبدا ولا جزاء عليه في الآخر والقوم الذين شبهوا به ولا شك أنهم خلاف ذلك وأنهم متعبدون مجازون بالجزاء التام في الآخرة وأن العجب ليكثر من عظيم تمويههم في الدين وتدليسهم فيه باحتجاجهم بهذه الآيات في القياس وما عقل قط ذو مسكة عقل أنه يجب في هذه الآيات تحريم بيع التبن بالتبن متفاضلا إذا حرم بيع التمر بالتمر متفاضلا وما قائل هذا قريب من الاستخفاف بالقرآن والشرائع ونعوذ بالله من هذا واحتج بعضهم في إثبات القياس بآبدة أنست ما تقدم وهو أنه قال من الدليل على صحة القياس قول الله تعالى ﴿ولمرسلات عرفا﴾ قال فأشار إلى العرف قال أبو محمد وهذا دليل على فساد عقل المحتج به في إثبات القياس وقلة حيائه ولا مزيد وبالله تعالى نعوذ من الخذلان ونسأله التوفيق ولا عرف إلا ما بين الله تعالى نصا أنه عرف وأما عرف الناس فيما بينهم فلا حكم له ولا معنى وما عرف الناس مذ نشؤوا إلا الظلم والمكوس واحتجوا أيضا بأن قالوا قال الله ﴿ولبلد لطيب يخرج نباته بإذن ربه ولذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف لآيات لقوم يشكرون﴾ قالوا

стр. 1145

فإذا جاء النص بجلد قاذف المحصنات وأنتم تجلدون قاذف الرجال المحصنين كما تجلدون قاذف المحصنات من النساء وهذا قياس قال أبو محمد وهذا ظن فاسد منهم وحاشا لله أن يكون قياسا ونحن نبدأ فنبين بحول الله وقوته من أين أوجبنا جلد قاذف الرجال من نص القرآن والسنة فإذا ظهر البرهان على ذلك لائحا بحول الله وقوته وأنه من النص عدنا إلى بيان أنه لا يجوز أن يكون قياسا وأنه لو استعمل ههنا القياس لكان حكمه غير ما قالوا وبالله تعالى التوفيق فنقول وبالله تعالى نتأيد إن قول الله ﴿ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون﴾ عموم لا يجوز تخصيصا إلا بنص أو إجماع فممكن أن يريد الله تعالى النساء المحصنات كما قلتم وممكن أن يريد الفروج المحصنات وهذا غير منكر في اللغة التي بها نزل القرآن وخاطبنا بها الله تعالى قال الله ﴿وأنزلنا من لمعصرات مآء ثجاجا﴾ يريد من السحاب المعصرات فقلنا نحن إنه أراد الفروج المحصنات وقلتم أنتم إنه أراد النساء المحصنات فوجب علينا ترجيع دعوانا بالبرهان الواضح فقلنا إن الفروج أعم من النساء لأن الاقتصار بمراد الله تعالى على النساء خاصة تخصيص لعموم اللفظ وتخصيص العموم لا يجوز إلا بنص أو إجماع وأيضا فإن الفروج هي المرمية لا غير ذلك من الرجال والنساء برهان ذلك ما قاله تعالى ﴿ولذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ وقال تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن لله خبير بما يصنعون﴾ ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن لله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو لتابعين غير أولي لإربة من لرجال أو لطفل لذين لم يظهروا على عورات لنسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى لله جميعا أيها لمؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وقال تعالى ﴿إن لمسلمين ولمسلمات ولمؤمنين ولمؤمنات ولقانتين ولقانتات ولصادقين ولصادقات ولصابرين ولصابرات ولخاشعين ولخاشعات ولمتصدقين ولمتصدقات ولصائمين ولصائمات ولحافظين فروجهم ولحافظات ولذاكرين لله كثيرا ولذاكرات أعد لله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ وقال

стр. 1146

تعالى ﴿ومريم بنة عمران لتي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من لقانتين﴾ فصح أن الفرج هو المحصن وصاحبه هو المحصن له بنص القرآن حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد بن نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه أنا عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ما رأيت أن شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ﷺ قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وبه إلى مسلم ثنا إسحاق بن منصور أنا هشام المخزومي هو ابن سلمة ثنا وهيب بن خالد ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه قال أبو محمد فصح يقينا أن المرمية هي الفروج خاصة وأن المحصنة على الحقيقة هي الفروج إلا ما عداها وصح أن الزنى الواجب فيه الحد هو زنى الفروج خاصة لا زنى سائر الأعضاء ولا زنى النفس دون الفرج فلا حد في النص كما أوردنا في زنى العينين ولا في الرجلين ولا في زنى اللسان ولا في زنى الأذنين ولا في زنى القلب الذي هو مبعث الأعمال وصح أن

стр. 1147

من رمى العينين بالزنى أو رمى الرجلين بالزنى أو رمى القلب بالزنى أو رمى الأذنين بالزنى أو رمى اليدين بالزنى أو رمى أي عضو كان بالزنى ما عدا الفرج فليس راميا ولا حد عليه بالنص لأن الفرج إن كذب فهو كله لغو فصح يقينا أن الرمي الذي يحد فيه الحدود ورد الشهادة والتفسيق إنما رمي الفروج بلا شك بيقين لا مرية فيه فإذ ذلك كذلك فقد صح أن مراد الله تعالى بالحدود ورد الشهادة في الآية المتلوة إنما هي رمي الفروج فقط فصح قولنا بيقين لا مجال للشك فيه وهذا إذ هو كذلك ففروج الرجال والنساء داخلات في الآية دخولا مستويا ثم نسألهم فنقول لهم أخبرونا عن قول الله تعالى ﴿ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون﴾ إذ قلتم أنه تعالى أراد بهذه اللفظة ههنا النساء فقط هل أراد الله أن يحد قاذف الرجل أم لا ولا بد من إحداهما فإن قالوا لم يرد بقوله تعالى فقد حكموا على أنفسهم أنهم يحكمون بخلاف ما أراد الله تعالى وكفونا أنفسهم وإن قالوا إن الله تعالى أراد أن يحد قاذف الرجل قلنا لهم إن هذا عجب أن يكون تعالى يريد في دينه وعلمه من عباده أن يحد قاذف الرجل ثم لا يأمرنا إلا بحد قاذف النساء فقط حاشا لله من ذلك فإنه تلبيس لا بيان فإن قالوا اقتصر على النساء ونبهنا بذلك على حكم قاذف الرجال قلنا له هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ولم تأتوا بأكثر من الدعوى الكاذبة التي فيها خالفناكم فإن كانت عندكم حجة من نص جلي على صحة هذه الدعوى وإلا فهي كذب بحت ولستم بصادقين فيها بنص القرآن قالوا الإجماع قد صح على وجوب حد قاذف الرجل قلنا لهم وأي دليل لكم في الإجماع والإجماع لنا لا لكم لأن الإجماع إنما كان من هذا النص المذكور فهاتوا دليلا على أنه كان عن قياس ولا سبيل لهم إلى دليل ذلك أصلا لا برهاني ولا إقناعي ولا شغبي وظهر بطلان قولهم

стр. 1148

والحمد لله رب العالمين ثم نعود إلى إبطال أن يكون حد قاذف الرجل قياسا جملة ولا بد فنقول وبالله تعالى نتأيد إننا وجدنا أحكام الرجال والنساء تختلف في مواضع فالرجال عليهم الجمعات والجماعات فرضا والنساء لا تلزمهن جمعة ولا جماعة فرضا وقد استووا في حكم سائر الصلاة والزكاة والمرأة لا تسافر في غير واجب إلا مع زوج أو ذي محرم والرجل يسافر حيث شاء دون زوجة ودون ذي محرم والخوف عليه من أن يزني كالخوف عليها من أن تزني ولا فرق لأن زناها لا يكون إلا مع رجل وحكمهن في اللباس مخالف لحكم الرجل فلا يجوز للرجل لباس القمص والعمائم والسراويل في الإحرام وهذا مباح للنساء واستووا في تحريم الطيب عليهم وعليهن في الإحرام والرجال عليهم الصلاة مع الإمام بمزدلفة صلاة الصبح ومباح للنساء السفر قبل ذلك فاستووا فيما عدا ذلك والجهاد على الرجال ولا جهاد على النساء وشهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل وخصومنا ههنا لا يقبلون النساء أصلا إلا في الأموال مع رجل ولا بد وفي عيوب النساء والولادات فقط ويقبلون الرجال فيما عدا ذلك ولا يقيسون الرجال عليهن ولا يقيسوهن على الرجال وليس هذا إجماعا ودية المرأة نصف دية الرجل وكثير من الحاضرين من خصومنا ههنا يسوون بينهن وبين الرجال في مقدور محدود من الديات ويفرقون بين أحكامهم وأحكامهن في سائر ذلك ولا يقيسون النساء على الرجال ولا الرجال على النساء وحد المرأة كحد الرجل في القذف والخمر والزنى والقتل والقطع في السرقة وفرق بين الحاضرين من خصومنا في التغريب في الزنى بين الرجال والنساء وفرق آخرون منهم في حد الردة بين الرجال والنساء فرأوا قتل الرجل في الردة ولم يروا قتل المرأة في الردة وتركوا القياس ههنا وللرجل أن ينكح أربعا ويتسرى ولا يحل

стр. 1149

للمرأة أن تنكح إلا واحدا ولا تتسرى ولم يقيسوا عليهن إلى كثير مثل هذا اكتفينا منه بهذا المقدار فلما وجدنا أحكام الرجال وأحكام النساء تختلف كثيرا وتتفق كثيرا على حسب ورود النص في ذلك فقط بطل أن يقاس حكم الرجال على النساء إذا اقتصر النص عن ذكرهن أو أن تقاس النساء على الرجال إذا اقتصر النص على ذكرهم إذ ليس الجمع بين أحكامهن وأحكام الرجال حيث لم يأت النص بالتفريق قياسا على ما جاء النص فيه متساويا بين أحكامهن وأحكامهم أولى من التفريق بين أحكامهن وأحكام الرجال حيث لم يأت النص بالجمع قياسا على ما جاء النص فيه مفرقا بين أحكامهن وأحكامهم وهذا في غاية الوضوح والحقيقة بلا شك فيها فلو كان القياس حقا لكان قياس قاذف الرجل في إيجاب الحد عليه على قاذف المرأة باطلا متيقنا لا يجوز الحكم به أصلا فارتفع توهمهم جملة والحمد لله رب العالمين ومن أوضح برهان على أن حد قاذف الرجل ليس عن قياس على قاذف المرأة بالزنى أن بعد أمر الله بجلد قاذف المحصنات بسطر واحد فقط قوله تعالى ﴿ولذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بلله إنه لمن لصادقين﴾ الآيات فلا خلاف بين أحد من الأمة أنه لا يقاس قاذفة زوجها أن تلاعن على قاذف زوجته أن يلاعن فلو كان القياس حقا لما كان قياس قاذف الرجل على قاذف المرأة أن يجلد الحد أولى ولا أصح من قياس قاذف زوجته أن تلاعنه أيضا ولا يجد أحد فرق بين الأمرين أصلا فصح أن القياس باطل إذ لو كان حقا لاستعمله الناس في الملاعنة وصح أن جلد قاذف الرجل ليس عن قياس وأنه عن نص كما ذكرنا وبالله التوفيق

стр. 1150

واحتج بعضهم بقول الله تعالى ﴿هو لذي أنزل عليك لكتاب منه آيات محكمات هن أم لكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله ولراسخون في لعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا لألباب﴾ قال أبو محمد وجمجم هذا المحتج ولم يصرح على ههنا أشياء من القرآن مفتقرة إلى القياس قال أبو محمد وهذا كلام يسيء الظن بمعتقد قائله ولا قول أسوأ من قول من قال إن الله تعالى شبه على عباده فيما أراد منهم وفيما كلفهم وإن رسول الله ﷺ لم يبين تلك الأشياء وتركها مهملة واحتاجوا فيها إلى قياسهم الفاسد وقد بينا الكلام في باب مفرد في ديواننا هذا وأخبرنا أنه لا يحل لأحد أن يتبع متشابه القرآن ولا أن يطلب معنى ذلك المتشابه وليس إلا الإقرار به وأنه من عند الله تعالى كما قال في آخر الآية المذكورة ﴿هو لذي أنزل عليك لكتاب منه آيات محكمات هن أم لكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله ولراسخون في لعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا لألباب﴾ وأخبر تعالى فيها فقال ﴿هو لذي أنزل عليك لكتاب منه آيات محكمات هن أم لكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه بتغاء لفتنة وبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا لله ولراسخون في لعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا لألباب﴾ فنص تعالى على أن من طلب تأويل المتشابه فهو زائغ القلب مبتغي فتنة ونحن نبرأ إلى الله من هذه الصفة فثبت بالنصوص ضرورة أن تأويل المتشابه لا يعلمه أحد إلا الله وحده فقط لأن ابتغاء معرفته حرام وما حرم ابتغاء معرفته فقد سد الباب دون معرفته ضرورة إذ لا يوصل إلى شيء من العمل إلا بعد ابتغائه فما حرم ابتغاؤه فلا سبيل إلى الوصول إليه وهذا بين لا خفاء فيه وطرق المعارف معروفة محصورة وهي الحواس والعقل اللذان ركبهما الله في المتعبدين من الحيوان وهم الملائكة والجن ومن وضع من ذلك فيه شيء من الإنس ثم ما أمر الله بتعرفه وتعرف حكمه فيه مما جاء من عنده وهو القرآن والسنة فقط وهذه كلها طرق أمرنا بسلوكها والاستدلال بها وقد نهينا عن طلب معنى المتشابه فصح أنه لا يوصل إلى معرفة معناه من جهة

стр. 1151

شيء من الحواس ولا من المعقول ولا من القرآن ولا من السنة فإذا كان الأمر كذلك فلا سبيل لمخلوق إلى معرفته إلا أن الذي صح في الآي المحكمات التي أمرنا الله بتدبرها وبتعلمها وبطلب تأويلها والتفقه فيها فطاعة القرآن فيما أمر الله تعالى فيه ونهى وطاعة الرسول ﷺ في الذي أمر فيه ونهى وترك التعدي لهذه الحدود وبطلان ما عداها فبطل القياس ضرورة لأنه غير هذه الحقائق والحمد لله رب العالمين واحتجوا فقالوا حرم الله تعالى لحم الخنزير فحرمتم شحمه والأنثى منه وهذا قياس قال أبو محمد وهذا ظن فاسد منهم ومعاذ الله أن نحرم شحم الخنزير وأنثاه بقياس بل بالإجماع الصحيح وبالنص في القرآن ولو كان الشحم كحكم اللحم لوجب إذ حرم على بني إسرائيل الشحم أن يحرم عليهم اللحم فإذا لم يكن ذلك فقد صح أن الشحم لم يحرم من الخنزير قياسا على اللحم ومن الطرائف أن المحتجين بهذا يقولون أو أكثرهم إن الشحم جنس غير اللحم ويجيزون رطل لحم برطلي شحم حتى إن جمهورهم وهم صحاب أبي حنيفة يرون شحم الظهر غير شحم البطن فيجيزون رطل شحم بطن برطلي شحم الأوز فأين هذيانهم إنه إنما حرم شحم الخنزير قياسا على لحمه والشافعيون والحنفيون والمالكيون يقولون من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما فإنه لا يحنث ولا خلاف بينهم أن من قال لآخر ابتع لي بهذا الدرهم لحما فابتاع له به شحما فإنه ضامن فبطل قياسهم البارد إن الشحم من الخنزير مقيس على لحمه ولا خلاف بينهم أن العظم لا نسبة بينه وبين اللحم ولا يجوز أن يقاس عليه ونحن وهم مجمعون على أن من سحق عظم الخنزير فاستفه فقد عصى الله تعالى فصح ضرورة أنه لم يحرم

стр. 1152

شحمه قياسا على لحمه ولا أنثاه قياسا على ذكره وبطل تمويههم والحمد لله وإنما حرم شحم الخنزير وغضروفه ودماغه ومخه وعصبه وعروقه وجلده وشعره وعظمه وعضله وسنه وظلفه وملكه والأنثى منه ولبنها بقول الله تعالى ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ والضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب مذكور وقد أفردنا لذلك بابا في كتابنا هذا وأقرب مذكور إلى الضمير الذي في ﴿يأيها لذين آمنوا إنما لخمر ولميسر ولأنصاب ولأزلام رجس من عمل لشيطان فجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ هو الخنزير لا اللحم فالخنزير كله بالنص رجس والرجس كله خبيث محرم بقول الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إنما لخمر ولميسر ولأنصاب ولأزلام رجس من عمل لشيطان فجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ فرجع الضمير في قوله تعالى إلى الرجس لأنه تعالى لو أراد الأربعة المذكورة في أول الآية لقال فاجتنبوها فلما لم يقل تعالى ذلك ولم يجز أن يكون الضمير راجعا في قوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إنما لخمر ولميسر ولأنصاب ولأزلام رجس من عمل لشيطان فجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ إلى الشيطان لأننا غير قادرين على اجتنابه صح ضرورة أنه راجع إلى الرجس وعمل الشيطان فكان الرجس كله محرما وهو من عمل الشيطان محرم مأمور باجتنابه فكل ما كان رجسا فهو باجتنابه والخنزير رجس فكله محرم مأمور باجتنابه وكذلك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وكل رجس بالنص المذكور وبالله تعالى التوفيق وإنما قلنا هذا حسما للأقوال وإنما فالضمير راجع إلى عمل الشيطان والرجس بنص الآية من عمل الشيطان فهو مأمور باجتنابه بيقين والخنزير رجس بنص القرآن والخنزير كله حرام والخنزير في لغة العرب التي بها

стр. 1153

خوطبنا اسم للجنس يقع تحته الذكر والأنثى والصغير والكبير فبطل ما ظنوا أن تحريم الشحم إنما هو جهة القياس وبالله تعالى التوفيق ثم نقول لهم أخبرونا عن قول الله تعالى ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ ماذا أراد به عندكم اللحم وحده دون الشحم فإن قلتم ذلك فقد أباح الشحم على قولكم وهذا خلاف الإسلام وخلاف قولكم أم أراد به الشحم واللحم والعظم واللبن فهذا باطل لأن كل ذلك يقع عليه عند أحد اسم لحم فقد حصل قولكم بين كذب وكفر لا بد من إحداهما فإن قالوا حرم اللحم ودل بذلك على الشحم قلنا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين وفي هذا خالفناكم وكذبنا دعواكم فحصلوا في ضلال محض واحتج بعضهم بأن قال يلزمكم ألا تبيحوا قتل الكفار إلا بضرب الرقاب فقط لقول الله تعالى ﴿فإذا لقيتم لذين كفروا فضرب لرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا لوثاق فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع لحرب أوزارها ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ولذين قتلوا في سبيل لله فلن يضل أعمالهم﴾ قال أبو محمد والجواب بأن الله تعالى إنما قال هذا في المتمكن منهم من الكفار وهذا فرض بلا شك ولا يحل خلافه فمن أراد الإمام قتله من الأسارى لم يحل قتله إلا بضرب الرقبة خاصة لا بالتوسيط ولا بالرماح ولا بالنبل ولا بالحجارة ولا بالخنق ولا بالسم ولا بقطع الأعضاء وأما من لا يتمكن منه فقد قال تعالى ﴿إذ يوحي ربك إلى لملائكة أني معكم فثبتوا لذين آمنوا سألقي في قلوب لذين كفروا لرعب فضربوا فوق لأعناق وضربوا منهم كل بنان﴾ وقال تعالى ﴿فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ فقتل هؤلاء واجب كيف ما أمكن بالنص المذكور وهذا لا نعلم فيه خلافا وهو ظاهر الآيات المذكورات ويبين أن المراد بالآية التي فيها ضرب رقاب الأسرى فقط قوله تعالى في تلك الآية بعينها ﴿هو لذي أنزل لسكينة في قلوب لمؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود لسماوات ولأرض وكان لله عليما حكيما﴾ فاستثنى الأسرى من جملة قوله تعالى ﴿إذ يوحي ربك إلى لملائكة أني معكم فثبتوا لذين آمنوا سألقي في قلوب لذين كفروا لرعب فضربوا فوق لأعناق وضربوا منهم

стр. 1154

كل بنان﴾ و ﴿فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ وقال بعضهم أيضا يلزمكم ألا تجيزوا أن يبدأ في غسل الذراعين في الوضوء إلا من الأنامل لقول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا إذا قمتم إلى لصلاة فغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى لمرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى لكعبين وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من لغائط أو لامستم لنسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فمسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد لله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ قال أبو محمد وهذا خطأ وقول فاسد لأن الله تعالى لم ينص على أن يبدأ في ذلك من مكان من اليدين بعينه وإنما جعل المرافق نهاية موضع الغسل لا نهاية عمل الغسل فكيف ما غسل الغاسل ما بين أطراف الأنامل إلى نهاية المرافق فقد فعل ما أمر به في النص ولا مزيد واحتج بعضهم بقول الله تعالى ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا لشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بلله وليوم لآخر ومن يتق لله يجعل له مخرجا﴾ قالوا وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة يعني اشتراط العدالة واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط فكان ذلك في سائر الأحكام قياسا على الطلاق والرجعة قال أبو محمد وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم فأول ذلك أن المحتج بهذا إن كان مالكيا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة وهم غير موصوفين بعدالة ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب وإن كان حنفيا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول والأقارب العدول وأما نحن فلم نأخذ قبول شهادة العدول فيما عدا الطلاق والرجعة والديون قياسا على ذلك ونعوذ بالله من هذا وإنما لزم قبول العدول في كل موضع حاشا ما استثناه النص من قبول شهادة الكفار في الوصية في السفر فقط في قول الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ فنهانا الله تعالى عن قبول الفاسق ليس في البالغين العقلاء وإلا فاسق أو عدل فوجب علينا التبين في كل شاهد وكل مخبر حتى نعلم أفاسق هو فلا نعمل

стр. 1155

بخبره ولا بشهادته إذا أنبأنا بها أو نعلم أهو عدل فنعمل بخبره وشهادته فبطل ظن هذا الجاهل وأما قبول عدلين في سائر الأحكام فقد كان يلزم هذا الجاهل إن التزم القياس أن يقيس جميع الشهادات في السرقة والقذف والخمر والقصاص والقتل على الشهادة في الزنى فلا يقبل في شيء مما ذكرنا إلا أربعة شهداء لا أقل لأن الحدود بالحدود أشبه من الحدود بالطلاق والرجعة والديون والزنى حد وكل ما ذكرناه في السرقة والقذف والخمر حد وكان يلزمه أيضا أن يقيس على الديون فيقبل في سائر الأشياء رجلا وامرأتين كما جاء النص في الأموال وإلا فلأي معنى وجب أن يقاس على الرجعة والطلاق دون أن يقاس على الديون فإن ادعى الإجماع قيل له كذبت وجهلت فالحسن البصري لا يقبل في القتل إلا أربعة شهداء عدول وهذا عمر بن الخطاب وعطاء بن أبي رباح يقبلان في الطلاق النساء دون الرجال وعطاء يقبل في الزنى ثماني النسوة وأبو حنيفة يقبل في الطلاق والرجعة والنكاح رجلا وامرأتين ولا يقبل ذلك في الحدود وقول الحسن أدخل في القياس لأن القتل أشبه بالزنى الذي يكون فيه القتل في الإحصان فهو قتل وقتل فالقتل بالقتل أشبه من القتل بالطلاق وقول عمر وعطاء أشبه بالقياس لأنهما جعلا مكان كل رجل امرأتين وجلد الزنى جلد وجلد القذف والخمر جلد فالجلد بالجلد أشبه من الجلد بالرجعة في النكاح وهذا ما لا يحل يخيل على من له أدنى حس سليم لا سيما المالكيين الذين يقولون بقياس القتل على الزنى أنه إن عبر عن القاتل أن يجلد مائة سوط ويغرب سنة قياسا على الزاني غير المحصن فهلا قلدوه عليه فيما يقبل عليه من عدد الشهود ولكن هكذا يكون من سلك السبل

стр. 1156

فتفرقت به عن سبيل الله تعالى والعجب أن مالكا أجاز في القتل شاهدا واحدا وأيمان الأولياء وهذا قياس على الشاهد واليمين في الأموال فلا أجاز ذلك في الطلاق والنكاح والعتق وغير ذلك وأي فرق بين هذه الوجوه نعوذ بالله من التخليط والآراء والمقاييس الفاسدة في دين الله تعالى واحتج بعضهم في ذلك بالآية الواردة في تعبير الرؤيا وهذا تخليط ما شئت والرؤيا قتل كل كلام لا يقطع بصحتها وقد تكون أضغاثا والحكم في الدين استباحة للدماء والفروج والأموال وإيجاب العبادات وإسقاط لكل ذلك ولا يجوز الحكم في شيء من ذلك برؤيا أحد دون رؤيا النبي ﷺ وإذا كانت هذه الرؤيا التي جعلها هذا المحتج أصلا لتصحيح القياس لا يجوز القطع بها في دين الله تعالى فالقياس الذي هو فرعها أبعد من ذلك على قضيته الفاسدة التي رضيها لنفسه وأيضا فإن كثيرا من الرؤيا يفسر فيها الشيء بضده فيحمد القيد والسواد ويذم العرس وليس هذا من القياس في ورود ولا صدر ولو كان ذلك في القياس لوجب إذا جاء النص بالأمر أن يفهم منه النهي أو بالنهي أن يفهم منه ضده وهذا عكس الحقائق وبالجملة فهذا شغب فاسد ضعيف لأن الحكم بالقياس عندهم إنما هو أن يحكم المسكوت عنه بحكم المنصوص عليه وهذا هو غير العمل في الرؤيا جملة ومن شبه دينه بالرؤيا وفيها الأضغاث وما تتحدث به النفس فقد كفى خصمه مؤنته وبالله تعالى التوفيق وذكروا أيضا قول الله تعالى ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا لقرآن من كل مثل فأبى أكثر لناس إلا كفورا﴾ وقوله تعالى ﴿وتلك لأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا لعالمون﴾ قال أبو محمد صدق الله تعالى وكذب أصحاب القياس وما أنكر ضرب

стр. 1157

الله تعالى الأمثال إلا كافر بل قد ضرب الله الأمثال في إدبار الدنيا بالزرع وفي أعمال الكفار بسراب بقيعة وفي الظالمين بالأمم السالفين فهذا لا يعقله فيغبط به إلا العالمون ولعمري إن من صرف هذا الأمثال عما وضعها الله تعالى له إلى تحريم القديد بالقديد إلا مثل بمثل أو البتة وإلى أن على المرأة الموطوءة في نهار رمضان عتق رقبة وإلى أن الصداق لا يكون إلا عشرة دراهم أو ربع دينار وإلى أن من لاط حد حد الزنى لجريء على القول على الله تعالى بغير علم وليت شعري لو ادعى خصمهم عليهم واستحل ما يستحلونه فادعى في هذه الآيات أنها تقتضي ضد مذاهبهم فيما ذكرنا أكان بينه وبينهم فرق ونعوذ بالله من الخذلان وكما نقول إن الله تعالى ضرب لنا الأمثال وإن أمثاله المضروبة كلها حق لأنه تعالى قال ذلك فيها فكذلك نقول لا يحل لنا ضرب الأمثال لله تعالى لأنه قال تعالى ﴿فلا تضربوا لله لأمثال إن لله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ والقياس ضرب أمثال الله تعالى بيقين منا ومنهم فهو حرام وباطل لنهي الله تعالى عنا نصا وبالله تعالى التوفيق فهذا كل ما شغبوا به من القرآن ووضعهوه في غير مواضعه وقد أوردناه وبينا ذلك لكل ذي حس سليم أنه لا حجة لهم في شيء منه وأن أكثره مانع من القول في الدين بغير نص من الله تعالى واحتجوا من الحديث بما كتب به إلي يوسف بن عبد الله النمري حدثنا سعيد ابن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة بن سوار المدائني عن الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري عن جابر بن عبد الله عن عمر بن

стр. 1158

الخطاب قال هششت إلى المرأة فقبلتها وأنا صائم فأتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أتيت أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ أرأيت لو مضمضت بماء وأنت صائم قلت لا بأس قال ففيم قال أبو محمد لو لم يكن في إبطال القياس إلا هذا الحديث لكفى لأن عمر ظن أن القبلة تفطر الصائم قياسا على الجماع فأخبره ﷺ أن الأشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها وأن المضمضة لا تفطر ولو تجاوز الماء الحلق عمدا لأفطر وأن الجماع يفطر والقبلة لا تفطر وهذا هو إبطال القياس حقا ولا شبه بين القبلة والمضمضة فيمكنهم أن يقولوا إنه ﷺ قاس القبلة على المضمضة لأنهم لا يرون القياس إلا بين شيئين مشتبهين وبضرورة العقل والحس نعلم أن القبلة من الجماع أقرب شيئا لأنهما من باب اللذة فهما أقرب شبها من القبلة إلى المضمضة ثم إن الحديث عائد للمالكيين لأنهم يستحبون المضمضة للصائم في الوضوء ويكرهون له القبلة فقد فرقوا بإقرارهم بين ما زعموا أنه ﵇ سوى بينهما وفي هذا ما فيه فبطل شغبهم بهذا الحديث وعاد عليهم حجة والحمد لله رب العالمين واحتجوا بما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا إبرهيم بن نصر ثنا الفضل بن دكين ثنا طلحة بن عمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى

стр. 1159

الله عليه وسلم قال إذا كنت إماما فقس الناس بأضعفهم قال أبو محمد طلحة بن عمرو ركن من أركان الكذب متروك الحديث قاله أحمد ويحيى وغيرهما وهذا حديث مشهور من طريق أبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ليس في شيء منه هذه اللفظة البتة إلا من هذه الطريق الساقطة ولو صحت ما كانت لهم فيه حجة أصلا لأنه ليس هنا شيء مسكوت قيس بمنصوص عليه وإنما أمر ﷺ الإمام أن يخفف الصلاة على قدر احتمال أضعف من خلفه وليس يخرج من هذا تحريم البلوط بالبلوط متفاضلا والنص قد جاء بإيجاب أن يخفف الإمام الصلاة رفقا بالناس كلهم فكيف وإنما جاء هذا الخبر بلفظين اقتد بأضعفهم واقدر الناس بأضعفهم كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا أحمد بن سليمان ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة ثنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب نا قتيبة نا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء وهكذا رواه أيضا

стр. 1160

أبو سلمة عن أبي هريرة واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر نا أبو داود نا قتيبة عن الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين قال أبو محمد وقد قلنا مرارا إننا لا ننكر نقل لفظ إلى معنى آخر إذا صح ذلك بنص آخر أو إجماع ولكن إذا كان عندهم هذا قياسا فإنه يلزمهم أنه متى سمعوا ذكر جحر في أي شيء ذكر أن يقيسوا عليه كل ما في العالم كما جاء النهي عن البول في الجحر فلم يقيسوا عليه غيره فإذا لم يفعلوا فلا شك أنه إنما انتقل إلى ههنا لفظ الجحر إلى كل ما عداه بالإجماع وبالله تعالى التوفيق واحتجوا أيضا بقوله ﷺ للخثعمية وللمستفتية التي ماتت وعليها صوم وهو حديث مشهور رويناه من طرق ومن بعضها ما حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني أحمد بن عمر الوكيعي ثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن سليمان الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها قال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى قال الأعمش فقال الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل جميعا ونحن جلوس حين حدث مسلم هذا الحديث فقال سمعنا مجاهدا يذكر هذا الحديث عن ابن عباس
следующие страницы →