Полный текст (1 408 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فتفرقت به عن سبيل الله تعالى والعجب أن مالكا أجاز في القتل شاهدا واحدا وأيمان الأولياء وهذا قياس على الشاهد واليمين في الأموال فلا أجاز ذلك في الطلاق والنكاح والعتق وغير ذلك وأي فرق بين هذه الوجوه نعوذ بالله من التخليط والآراء والمقاييس الفاسدة في دين الله تعالى واحتج بعضهم في ذلك بالآية الواردة في تعبير الرؤيا وهذا تخليط ما شئت والرؤيا قتل كل كلام لا يقطع بصحتها وقد تكون أضغاثا والحكم في الدين استباحة للدماء والفروج والأموال وإيجاب العبادات وإسقاط لكل ذلك ولا يجوز الحكم في شيء من ذلك برؤيا أحد دون رؤيا النبي ﷺ وإذا كانت هذه الرؤيا التي جعلها هذا المحتج أصلا لتصحيح القياس لا يجوز القطع بها في دين الله تعالى فالقياس الذي هو فرعها أبعد من ذلك على قضيته
الفاسدة التي رضيها لنفسه وأيضا فإن كثيرا من الرؤيا يفسر فيها الشيء بضده فيحمد القيد والسواد ويذم العرس وليس هذا من القياس في ورود ولا صدر ولو كان ذلك في القياس لوجب إذا جاء النص بالأمر أن يفهم منه النهي أو بالنهي أن يفهم منه ضده وهذا عكس الحقائق وبالجملة فهذا شغب فاسد ضعيف لأن الحكم بالقياس عندهم إنما هو أن يحكم المسكوت عنه بحكم المنصوص عليه وهذا هو غير العمل في الرؤيا جملة ومن شبه
دينه بالرؤيا وفيها الأضغاث وما تتحدث به النفس فقد كفى خصمه مؤنته وبالله تعالى التوفيق وذكروا أيضا قول الله تعالى ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا لقرآن من كل مثل فأبى أكثر لناس إلا كفورا﴾ وقوله تعالى ﴿وتلك لأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا لعالمون﴾ قال أبو محمد صدق الله تعالى وكذب أصحاب القياس وما أنكر ضرب
стр. 1157
الله تعالى الأمثال إلا كافر بل قد ضرب الله الأمثال في إدبار الدنيا بالزرع وفي أعمال الكفار بسراب بقيعة وفي الظالمين بالأمم السالفين فهذا لا يعقله فيغبط به إلا العالمون ولعمري إن من صرف هذا الأمثال عما وضعها الله تعالى له إلى تحريم القديد بالقديد إلا مثل بمثل أو البتة وإلى أن على المرأة الموطوءة في نهار رمضان عتق رقبة وإلى أن الصداق لا يكون إلا عشرة دراهم أو ربع دينار وإلى أن من لاط حد حد الزنى لجريء على القول على الله تعالى بغير علم وليت شعري لو ادعى خصمهم عليهم واستحل ما يستحلونه فادعى في هذه الآيات أنها تقتضي ضد مذاهبهم فيما ذكرنا أكان بينه وبينهم فرق ونعوذ بالله من الخذلان وكما نقول إن الله تعالى ضرب لنا الأمثال وإن أمثاله المضروبة كلها حق لأنه تعالى قال ذلك فيها فكذلك نقول لا يحل لنا ضرب الأمثال لله تعالى لأنه قال تعالى ﴿فلا تضربوا لله لأمثال إن لله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ والقياس ضرب أمثال الله تعالى بيقين منا ومنهم فهو حرام وباطل لنهي الله تعالى عنا نصا وبالله تعالى التوفيق فهذا كل ما شغبوا به من القرآن ووضعهوه في غير مواضعه وقد أوردناه وبينا ذلك لكل ذي حس سليم أنه لا حجة لهم في شيء منه وأن أكثره مانع من القول في الدين بغير نص من الله تعالى واحتجوا من الحديث بما كتب به إلي يوسف بن عبد الله النمري حدثنا سعيد ابن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة بن سوار المدائني عن الليث بن سعد عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عبد الملك
بن سعيد الأنصاري عن جابر بن عبد الله عن عمر بن
стр. 1158
الخطاب قال هششت إلى المرأة فقبلتها وأنا صائم فأتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله أتيت أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ أرأيت لو مضمضت بماء وأنت صائم قلت لا بأس قال ففيم قال أبو محمد لو لم يكن في إبطال القياس إلا هذا الحديث لكفى لأن عمر ظن أن القبلة تفطر الصائم قياسا على الجماع فأخبره ﷺ أن الأشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها وأن المضمضة لا تفطر ولو تجاوز الماء الحلق عمدا لأفطر وأن الجماع يفطر والقبلة لا تفطر وهذا هو إبطال القياس حقا ولا شبه بين القبلة والمضمضة فيمكنهم أن يقولوا إنه ﷺ قاس القبلة على المضمضة لأنهم لا يرون القياس إلا بين شيئين مشتبهين وبضرورة العقل والحس نعلم أن القبلة من الجماع أقرب شيئا لأنهما من باب اللذة فهما أقرب شبها من القبلة إلى المضمضة ثم إن الحديث عائد للمالكيين لأنهم يستحبون المضمضة للصائم في الوضوء ويكرهون له القبلة فقد فرقوا بإقرارهم بين ما زعموا أنه ﵇ سوى بينهما وفي هذا ما فيه فبطل شغبهم بهذا الحديث وعاد عليهم حجة والحمد لله رب العالمين واحتجوا بما حدثناه أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا إبرهيم بن نصر ثنا الفضل بن دكين ثنا طلحة بن عمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى
стр. 1159
الله عليه وسلم قال إذا كنت إماما فقس الناس بأضعفهم قال أبو محمد طلحة بن عمرو ركن من أركان الكذب متروك الحديث قاله أحمد ويحيى وغيرهما وهذا حديث مشهور من طريق أبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ليس في شيء منه هذه اللفظة البتة إلا من هذه الطريق الساقطة ولو صحت ما كانت لهم فيه حجة أصلا لأنه ليس هنا شيء مسكوت قيس بمنصوص عليه وإنما أمر ﷺ الإمام أن يخفف الصلاة على قدر
احتمال أضعف من خلفه وليس يخرج من هذا تحريم البلوط بالبلوط متفاضلا والنص قد جاء بإيجاب أن يخفف الإمام الصلاة رفقا بالناس كلهم
فكيف وإنما جاء هذا الخبر بلفظين اقتد بأضعفهم واقدر الناس بأضعفهم كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا أحمد بن سليمان ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة ثنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب نا قتيبة نا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء وهكذا رواه أيضا
стр. 1160
أبو سلمة عن أبي هريرة واحتجوا أيضا بما حدثناه عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر نا أبو داود نا قتيبة عن الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين قال أبو محمد وقد قلنا مرارا إننا لا ننكر نقل لفظ إلى معنى آخر إذا صح ذلك بنص آخر أو إجماع ولكن إذا كان عندهم هذا قياسا فإنه يلزمهم أنه متى سمعوا ذكر جحر في أي شيء ذكر أن يقيسوا عليه كل ما في العالم كما جاء النهي عن البول في الجحر فلم يقيسوا عليه غيره فإذا لم يفعلوا فلا شك أنه إنما انتقل إلى ههنا لفظ الجحر إلى كل ما عداه بالإجماع وبالله تعالى التوفيق واحتجوا أيضا بقوله ﷺ للخثعمية وللمستفتية التي ماتت وعليها صوم وهو حديث مشهور رويناه من طرق ومن بعضها ما حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني أحمد بن عمر الوكيعي ثنا حسين
بن علي الجعفي عن زائدة عن سليمان الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها
قال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى قال الأعمش فقال الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل جميعا ونحن جلوس حين حدث مسلم هذا الحديث فقال سمعنا مجاهدا يذكر هذا الحديث عن ابن عباس
стр. 1161
ومنها ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب حدثنا خشيش بن أصرم النسائي عن عبد الرزاق أنا معمر عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رجل يا نبي الله إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين كنت قاضيه قال نعم قال فدين الله أحق أخبرني محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر غندر نا شعبة عن أبي بشر هو جعفر بن أبي وحشية قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء قال أبو محمد وهذا من أعجب ما احتجوا به وأشده فضيحة لأقوالهم وهتكا لمذاهبهم الفاسدة أما الشافعيون والحنفيون والمالكيون فينبغي لهم أن يستحوا من ذكر حديث الصوم الذي صدرنا به لأنهم عاصون له مخالفون لما فيه من قضاء الصيام عن الميت فكيف يسوغ لهم أو تواتيهم ألسنتهم بإيجاب القياس من هذا الحديث وليس فيه للقياس أثر البتة ويقدمون على خلافه فيقولون لا يصوم أحد عن أحد وأما المالكيون والحنفيون فإنهم زادوا إقداما فلا يقولون بقضاء ديون الله تعالى من الزكاة والنذور والكفارات من رأس مال أحد ويقولون ديون الناس أحق بالقضاء من ديون الله تعالى واقضوا الناس فهم أحق بالوفاء وإن ديون الناس من رأس المال
وديون الله تعالى من الثلث إن أوصى بها وإلا فلا تؤدى البتة لا من الثلث ولا من غيره والله إن الجلود لتقشعر من أن
стр. 1162
يكون الرسول ﷺ يقول
اقضوا الله فهو أحق بالوفاء ودين الله أحق أن يقضى فيقول هؤلاء المساكين بآرائهم المخذولة تقليدا لمن لم يعصم من الخطأ ولا أتته براءة من الله تعالى بالصواب من أبي حنيفة ومالك وأصحابهما دعوا كلام نبيكم ﷺ ولا تلتفتوه وخذوا قولنا فاقضوا ديون الناس فدينهم أحق من دين الله تعالى قال أبو محمد ما نعلم في البدع أقبح من هذا ولا أشنع منه لأن أهل البدع لم يصححوا الأحاديث فهم أعذر في تركها وهؤلاء يقولون بزعمهم بخبر الواحد العدل وأنه حق لا يجوز خلافه وليس لهم في هذه الأسانيد مطعن البتة ثم يقدمون على المجاهرة بخلافها والذي لا يشك فيه أن من بلغته هذه الآثار وصحت عنده ثم استجاز خلاف ما صح عن رسول الله ﷺ إتباعا لقول أبي حنيفة ومالك فهو كافر مشرك حلال الدم والمال لاحق باليهود النصارى وأما من صحح مثل هذا الإسناد وحكم به في الدين ثم قال في هذه لا يصح فهو فاسق وقاح قليل الحياء بادي المجاهرة نعوذ بالله من كلتي الخطتين فهما خطتا خسف ثم تركهم كلهم أن يقيسوا الصوم عن الميت وإن أوصى به على الحج عنه إذا أوصى به وهم يدعون أنهم أصحاب قياس فهم أول من ترك القياس في الحديث الذي احتجوا به مع تركهم لحديث الصوم وقياسهم عليه
стр. 1163
وهم لا يأخذون به ثم نقول وبالله تعالى التوفيق إنه ليس في هذا الحديث قياس أصلا ولا دلالة على القياس ولكنه نص من الله تعالى أخبر في آية المواريث فقال ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم لربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن لربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن لثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو مرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد
منهما لسدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في لثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير مضآر وصية من لله ولله عليم حليم﴾ فعم الله الديون كلها وبضرورة العقل علمنا أن ما أوجبه الله علينا في أموالنا فإنه يقع عليه اسم دين بلا شك ثم بالنصوص علمنا وبضرورة العقل أن أمر الله أولى بالانقياد له وأحق بالتنفيذ وأوجب علينا من أمر الناس وكان السائل والسائلة للنبي ﷺ مكتفين بهذا النص لو حضرهما ذكره فأعلمها للنبي ﷺ بأن كل ذلك دين وزادهم علما بأن دين الله تعالى أحق بالقضاء من ديون
الناس وهذا نص جلي فأين للقياس ههنا أثر أو طريق لو أن هؤلاء القوم أنصفوا أنفسهم ونظروا لها ولكن ما في المصائب أشنع من قول من قال إذا أمر النبي ﷺ بأن يصام عن الميت ويحج عنه وأخبر أنه دين الله تعالى وهو أحق بالقضاء من سائر ديون الناس فترك ذلك واجب فلا يجوز أن يصام عن ميت ولا يستعمل هذا الحديث فيما جاء فيه لكن منه استدللنا على أن بيع العسل في قيره بعسل في قيره لا يجوز أو أن بيع رطل لحم تيس برطلي لحم أرنب لا يجوز أو أن رطل قطن برطلي قطن لا يجوز تبارك الله ما أقبح هذا وأشنعه لمن نظر بعين الحقيقة ونعوذ بالله من الخذلان واحتجوا بما روى الحديث المشهور أن رجلا قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله إن امرأتي ولدت ولدا أسود وهو يعرض لنفيه فقال رسول الله ﷺ هل لك من إبل قال
стр. 1164
نعم قال ما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال إن فيها لورقا فقال رسول الله ﷺ أنى ترى ذلك أناه أو كلاما هذا معناه فقال له الرجل لعل عرقا نزعه فقال ﷺ لعل هذا عرقا نزعه قالوا وهذا قياس وتعليم للقياس قال أبو محمد وهذا من أقوى الحجج عليهم في إبطال القياس وذلك لأن الرجل جعل خلاف ولده في شبه اللون علة لنفيه عن نفسه فأبطل رسول الله ﷺ حكم الشبه وأخبره أن الإبل الورق قد تلدها الإبل الحمر فأبطل ﷺ أن تتساوى المتشابهات في الحكم ومن المحال الممتنع أن يكون من له مسكة عقل يقيس ولادات الناس على ولادات الإبل والقياس عندهم إنما هو رد فرع إلى أصله وتشبيه ما لم ينص بمنصوص وبالضرورة نعلم أنه ليس الإبل أولى الولادة من الناس ولا الناس أولى من الإبل وأن كلا النوعين في الإيلاء والإلقاح سواء فأين ههنا مجال للقياس وهل من قال إن توالد الناس مقيس على توالد الإبل إلا بمنزلة من قال إن صلاة المغرب إنما وجبت فرضا لأنها قيست على صلاة
الظهر وإن الزكاة إنما وجبت قياسا على الصلاة وهذه حماقة لا تأتي بها عضاريط أصحاب القياس لا يرضون بها لأنفسهم فكيف أن يضاف هذا إلى رسول الله ﷺ الذي آتاه الله الحكمة والعلم دون معلم
للناس وجعل كلامه على لسانه ما أخوفنا أن يكون هذا استخفافا بقدر النبوة وكذبا عليه ﷺ ولقد كنا نعجب من إقدام أصحاب القياس في نسبتهم إلى
стр. 1165
عمر وعلي وعبد الرحمن ﵃ قياس حد الشارب على حد القاذف ونقول إن هذا استنقاص للصحابة إذ ينسب مثل هذا الكلام السخيف إليهم حتى أتونا بالثالثة الأثافي والتي لا شوى لها فنسبوا إلى رسول الله ﷺ أنه قاس ولادة الناس على ولادة الإبل فأذكرنا هذا الفعل منهم قول بشر بن أبي حازم الأسدي غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعقبوا بالصيلم هذا مع أن بعضهم لا يأخذ بهذا الحديث فيما ورد فيه ويروى في التعريض الحد وهو يسمع فيه أن الأعرابي كان يعرض بنفي ولده فلم يزده النبي ﷺ على أن أراد بطلان ظنه ووجوب الحكم بظاهر المولد والفراش ولم ير عليه حدا أفيكون أعجب ممن يترك الحديث فيما ورد فيه ويطلب فيه ما لا يجده أبدا ومن أن القاتل إذا عفي عنه ضرب مائة سوط ونفي سنة قياسا على الزاني إن هذا العجب ونسأل الله العصمة والتوفيق واحتجوا أيضا بقول النبي ﷺ إذ سئل عن الإبل تكون في الرسل كأنها الظباء فيدخل فيها البعير الأجرب فتجرب كلها فقال ﷺ ومن أعدى الأول قال أبو محمد وهذا كما قبله وأطم وما فهم قط أحد أن هذا القياس وجها بل فيه إبطال القياس حقا لأنهم أرادوا أن يجعلوا الإبل إنما جربت
стр. 1166
من قبل الأجرب الذي انتقل حكمه إليها فأبطل رسول الله ﷺ هذا الظن الفاسد وأخبر أن كل وارد من قبل الله وأنه فعل ذلك بالإبل والنعم ولا فرق وذكروا ما حدثناه أحمد بن قاسم ثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم ثنا
جدي قاسم بن أصبغ ثنا إسماعيل هو ابن إسحاق ثنا علي هو ابن المديني ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثنا هشام هو ابن حسان عن الحسن عن عمران ابن الحصين قال
أسرينا مع رسول الله ﷺ في غزاة فلما كان من آخر السحر عرسنا فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس فجعل الرجل يثب دهشا فزعا فقال رسول الله ﷺ اركبوا فركب وركبنا فسار حتى ارتفعت الشمس ثم نزل فأمر بلال فأذن قضى حاجاتهم وتوضؤوا فصلينا ركعتين قبل الغداة ثم أقام فصلى بنا فقلنا يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد فقال لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم قالوا فقاس ﷺ حكم قضاء صلاتين مكان صلاة على الربا قال أبو محمد وهذا باطل من وجوه أحدها أنه قد تكلم في سماع الحسن بن عمران بن الحصين فقيل سمع منه وقيل لم يسمع منه وأيضا فإنه قد صح من طريق جابر عن النبي ﷺ قال جابر كان على رسول الله ﷺ دين فقضاني وزادني فهذا أشبه بالربا من صلاتين مكان صلاة إلا أن هذا حلال والربا حرام وأيضا فقد صح عن
стр. 1167
النبي ﷺ فيمن جامع عامدا في يوم رمضان أن يصوم مكانه ستين يوما أو ثمانية وخمسين يوما أو تسعة وخمسين يوما فلو كان القياس كما ذكروا لكان هذا عين الربا على أصلهم وأيضا فإن هذا الحديث لا يقول به المالكيون والشافعيون لأنهم لا يرون أن يؤذن للصلاة الفائتة ولا يصلي ركعتا الظهر قبل صلاة الصبح إذا فاتت ولا أقبح من قول من يحتج بخبر ثم هو أول مخالف لنصه وحكمه والقول الصحيح هو أن هذا الخبر حجة في إبطال القياس لأنهم ﵃ أرادوا أن يصلوا مكان صلاة صلاتين وقد نهاهم الله تعالى عن تعدي حدوده ومن تعدي الحدود أن يزيد أحد شرعا لم يأمر الله تعالى به والربا في لغة العرب الزيادة فصح بهذا الخبر نهي النبي ﷺ عن ربه تعالى عن الزيادة على ما أمر به فقط وبيقين يدري كل ذي
حس أن القول بالقياس زيادة في الشرع على ما أمر الله تعالى به فلما حرم الله تعالى الأصناف الستة متفاضلة في ذاتها زادوا هم ذلك في المأكولات أو المكيلات أو الموزونات أو المدخرات فزيادتهم هذه هي الربا حقا والله تعالى قد نهى عنه فهذا الخبر حجة لو صح في إبطال القياس وإلا فلا نسبة بين الصلاة والبيع وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فإن هذا الخبر نص جلي لا مدخل للقياس فيه أصلا ولا بينه وبين شيء من القياس نسبة لأنه اسم الربا يجمع الزيادة في الدين والزيادة في الصلاة بنص هذا الخبر فتحريم الربا مقتضى لتحريم الأمرين وكل ما جاء به النص فصحيح وكل ما أرادوا هم أن يريده مما ليس منصوصا عليه فهو باطل فظهر أن من احتج بهذا الخبر فموه بما ليس مما يريد في شيء بل هو حجة عليه والحمد لله رب العالمين
стр. 1168
ثم لو صح لهم نصوصا من القرآن والسنن ووردت باسم القياس وحكمه وهذا لا يوجد أبدا لما كان لهم في شيء من ذلك حجة لأنه كان يكون الحكم حينئذ أن ما قاله الله تعالى ورسوله ﷺ فهو الحق وإنما ما يقولونه هم مما لم يقله الله تعالى ولا رسوله ﷺ فهو الباطل الذي لا يحل القول به وفي هذا كفاية لمن عقل وقد أوجب الله تعالى وحرم على لسان رسوله ﷺ وفي كتابه ولم يحل لأحد أن يحرم ولا أن يوجب ولا أن يحل ما لم يحله الله تعالى ولا أوجبه ولا حرمه لأن الله تعالى حرم وأوجب وأحل وكل ذلك تعد لحدود الله تعالى وموهوا أيضا بأن قالوا لو كان العلم كله جلي لاستوى العالم والجاهل في البيان ولو كان العلم كله خفيا لاستوى العالم والجاهل في الجهل به فصح أن بعضه جلي وبعضه خفي فوجب أن يقاس الخفي على الجلي قال أبو محمد وهذا كلام في غاية الفساد لأنه إذا كان بعضه جليا وبعضه خفيا فالواجب على أصلهم هذا الفاسد أن يستوي العالم والجاهل في تبين الجلي منه وأن يستوي الجاهل والعالم في خفاء الخفي منه عليهما أيضا فبطل العلم على أصلهم الخبيث الظاهر الفساد وأما نحن فنقول إن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة قال تعالى ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا عليك لكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ وقال تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾
فصح أن رسول الله ﷺ قد بين للناس ما نزل إليه والمبين بين والحمد لله رب العالمين لمن يعلم اللغة التي بها خوطبنا
وإنما خفي ما خفي من علم الشريعة على من خفي عليه لإعراضه عنه وتركه النظر فيه وإقباله على وجود الباطل التي ليست طريقة إلى فهم الشريعة أو لنظره في ذلك بفهم
стр. 1169
كليل إما لشغل بال أو مرض أو غفلة ولو لم يكن علم الدين جليا كله ما أمكن الجهل فهم شيء منه أبدا نعني مما يدعون أنه خفي فلما صح أن العالم ممكن له إقامة البرهان وإيضاح ما خفي على الجاهل حتى يفهمه ويتبين له صح أن العلم كله جلي بين نعني علم الديانة والحمد لله رب العالمين وموهوا أيضا بما روي من قول نسب إلى رسول الله ﷺ وهو ما حدثناه عن عبد الله بن ربيعة التميمي ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا سليمان بن الأشعري ثنا حفص بن عمر العوضي عن شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله ﷺ قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال اجتهد رأيي ولو آلو قال فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله قال أبو محمد وحدثنا أيضا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ثنا محمد بن بكر ثنا داود ثنا مسدد ثنا يحيى هو القطان عن شعبة بن أبي عون عن الحارث بن عمر عن ناس من أصحاب معاذ عن معاذ
стр. 1170
بن جبل أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فذكر معناه قال أبو محمد هذا حديث ساقط لم يروه أحد من غير هذا الطريق وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يسموا فلا حجة فيمن لا يعرف من هو وفيه الحارث
بن عمر وهو مجهول لا يعرف من هو ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه أخبرني أحمد بن عمر العذري ثنا أبو ذر الهروي ثنا زهر بن أحمد الفقيه زنجويه بن النيسابوري ثنا محمد بن إسماعيل البخاري هو جامع الصحيح قال فذكر سند هذا الحديث وقال رفعه في اجتهاد الرأي قال البخاري ولا يعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح هذا كلام البخاري ﵀
وأيضا فإن هذا الحديث ظاهر الكذب والوضع لأن من المحال البين أن يكون الله تعالى يقول ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ و ﴿وما من دآبة في لأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في لكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ و ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا عليك لكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ ثم يقول رسول الله ﷺ إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن ومن المحال البين أن يقول الله تعالى مخاطبا لرسوله ﷺ ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ ثم يقول رسول الله ﷺ إنه يقع في الدين ما لم يبينه ﷺ ثم من المحال الممتنع أن يقول رسول الله ﷺ فاتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا جاء هذا بالسند الصحيح الذي لا اعتراض فيه وقد ذكرنا في باب الكلام في الرأي ثم يطلق الحكم في الدين بالرأي فهذا كله كذب ظاهر لا شك فيه وقد كان في التابعين الراوين عن الصحابة ﵃ خبث كثير وكذب ظاهر كالحارث الأعور وغيره ممن شهد
стр. 1171
عليه بالكذب فلا يجوز أن تؤخذ رواية عن مجهول لم يعرف من هو ولا ما حاله ولقد لجأ بعضهم إلى أن ادعى في هذا الحديث أنه منقول نقل الكافة قال أبو محمد ولا يعجز أحد عن أن يدعي في كل حديث مثل هذا ولو قيل له بل الحديث الذي جاء من طريق ابن المبارك إن أشد الفرق فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون
الحلال ويحلون الحرام هو من نقل الكافة أكان يكون بينه وبين فرق ولكن من لم يستح قال ما شاء ولكن الذي لا شك فيه أنه من نقل الكواف كلها نقل تواتر يوجب العلم الضروري فقول الله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾
فهذا هو الذي لا شك في صحته وليس فيه الرد عند التنازع إلا إلى الله تعالى وهو القرآن وإلى الرسول وهو كلامه ﷺ ولا أذكر القياس في ذلك فصح أن ما عدا القرآن والحديث لا يحل الرد إليه عند التنازع والقياس أصلا ليس قرآنا ولا حديثا فلا يحل الرد إليه أصلا وبالله تعالى التوفيق مع أن هذا الحديث الذي ذكرنا من طريق معاذ لا ذكر للقياس فيه البتة بوجه من الوجوه ولا بنص ولا بدليل وإنما فيه الرأي والرأي غير القياس لأن الرأي إنما هو الحكم بالأصلح والأحوط والأسلم في العاقبة والقياس هو الحكم بشيء لا نص فيه بمثل الحكم في شيء منصوص عليه وسواء كان أحوط أو لم يكن أصلح أو لم يكن كان أسلم أو أقتل استحسنه القاتل له أو استشنعه وهكذا القول في قوله ﷺ إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران ليس فيه للقياس أثر لا بدليل
стр. 1172
ولا بنص ولا للرأي أيضا لا يذكر ولا بدليل بوجه من الوجوه وإنما فيه إباحة الاجتهاد فقط والاجتهاد ليس قياسا ولا رأيا وإنما الاجتهاد إجهاد النفس واستفراغ الوسع في طلب حكم طلب النازلة في القول والسنة فمن طلب القرآن وتقرأ آياته وطلب في السنن وتقرأ الأحاديث في طلب ما نزل به فقد اجتهد فإن وجدها منصوصة فقد أصاب فله أجران أجر الطلب وأجر الإصابة وإن طلبها في القرآن والسنة فلم يفهم موضعا منهما ولا وقف عليه وفاتت إدراكه فقد اجتهد فأخطأ فله أجر ولا شك أنها هنالك إلا أنه قد يجدها من وفقه الله لها ولا يجدها من لم يوفقه الله تعالى لها كما فهم جابر وسعد وغيرهما آية الكلالة ولم يفهمها عمر وكما قال عثمان في الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية فأخبر أنه لم يقف على موضع حقيقة حكمهما ووقف غيره على ذلك بلا شك ومحال أن يغيب حكم الله تعالى عن جميع المسلمين وبالله تعالى التوفيق واحتجوا أيضا بما حدثناه أحمد بن قاسم ثنا أبي قاسم بن محمد ثنا جدي قاسم ابن أصبغ نا
محمد بن إسماعيل الترمذي نا سعيد بن أبي مريم أنا سلمة بن علي حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال حض رسول الله ﷺ على تعلم العلم قبل ذهابه
قال صفوان بن عسال وكيف وفينا كتاب الله ونعلمه أولادنا فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك فيه ثم قال أليست التوراة والإنجيل في أيدي اليهود والنصارى فما أغنت عنهم حين تركوا ما فيهما قال أبو محمد هذا الحديث من أعظم الحجج عليهم في وجوب إبطال القياس لأنه ﷺ أخبر أن من ترك القرآن والعمل به فقد
стр. 1173
ترك العلم أو سلك سبيل اليهود والنصارى وأصحاب القياس أهل هذه الصفة لأنهم تركوا القرآن والعمل به وأقبلوا على قياساتهم الفاسدة ونعوذ بالله من الخذلان ثم يقال لهم إنما تعلقتم بتشبيه النبي ﷺ فعل من حرم التوفيق من أمته في ذلك بفعل اليهود والنصارى إذ نبذوا كتابهم ونحن نقر بصحة هذا التشبيه وإنما ننكر أن يكون حكم من فعل ذلك من المسملين كحكم من أشبه فعله من اليهود والنصارى وأما أهل القياس فيلزمهم لزوما ضروريا إذ حكموا للمشتبهين بحكم واحد أن يحكموا فيمن ترك أحكام القرآن منا بما نحكم به في اليهود والنصارى من القتل والسبي للذراري والنساء وأخذ الجزية إن سالموا فإن تمادوا على قياسهم لحقوا بالصفرية الأزارقة وعاد هذا من الحكم عليهم في تركهم لأحكام القرآن والعمل بالقياس وإن جحدوا عن ذلك تناقضوا وتركوا القياس وبالله تعالى التوفيق فهذا كل ما موهوا به من إيراد الحديث الذي قد أوضحنا بحول الله تعالى وقوته أنه كله حجة عليهم وموجب لإبطال القياس وكل من له أدنى حس يرى أن إيرادهم ما أوردوا لا طريق للقياس فيه ولأنهم يوهمون الضعفاء أننا ننكر تشابه الأسماء ونحن ولله الحمد أعلم بتشابه الأسماء منهم وأشد إقرارا به منهم وإنما ننكر أن نحكم في الدين للمتشابهين في بعض الصفات بحكم واحد
من إيجاب أو تحريم أو تحليل بغير إذن من الله تعالى أو من رسوله ﷺ فهذا أنكرنا وفي هذا خالفنا لا في تشابه الأشياء فلو تركوا التمويه الضعيف لكان أولى بهم وادعى بعضهم دون مراقبة إجماع الصحابة ﵃ على القول بالقياس وهذه مجاهرة لا يعدلها في القبح شيء أصلا وباليقين نعلم أن
стр. 1174
ما روي قط عن أحد من الصحابة القول بأن القياس حق بوجه من الوجوه لا من طريق تصح ولا من طريق ضعيفة إلا حديثا واحدا نذكره إن شاء الله تعالى بعد فراغنا من ذكر تمويههم بدلائل الإجماع وهو لا يصح البتة
ولو أن معارضا يعارضهم فقال قد صح إجماع الصحابة على إبطال القياس أكان يكون بينه وبينهم فرق في أنها دعوى ودعوى بل إن قائل هذا من إجماعهم على إبطال القياس يصح قوله ببرهان نذكره إن شاء الله تعالى وهو أنه قد صح بلا شك عند كل أحد من ولد آدم يدري الإسلام والمسلمين من مؤمن أو كافر أن جميع الصحابة مجمعون على إيجاب ما قال الله تعالى في القرآن مما لم يصح نسخه وعلى إيجاب ما قال رسول الله ﷺ وعلى أنه لا يحل لأحد أن يحرم ولا يحلل ولا أن يوجب حكما لم يأت به الله تعالى ولا رسوله ﷺ في الديانة وعلى أن رسول الله لم يلبس على أمته أمر دينها وأنه ﷺ قد بينه كله للناس وهذا كله مجمع عليه من جميع الصحابة أولهم عن آخرهم بلا شك ولولا ذلك ما كانوا مسلمين فإن هذا مجمع عليه بلا شك فهذه المقدمات مبطلة للقياس لأنه عند القائلين به حوادث في الدين لم ينزل الله تعالى فيها حكما في القرآن بينا ولا بين رسول الله ﷺ ما حكمها بنصه عليها وهذا ما لا يشك مسلم أن الصحابة لو سمعوا قائلا يقول بهذا لبرئوا منه وأيضا فالصحابة عشرات ألوف روى الحديث منهم ألف وثلاثمائة ونيف مذكورون بأسمائهم وروى الفقه والفتيا منهم عن نحو مائة ونيف وأربعين مسمين بأسمائهم حاشا الجمل المنقول عن أكثرهم أو جميعهم
стр. 1175
كإقامة الصلاة وأداء الزكاة والسجود فيما سجد بهم إمامهم فيه من سجود القرآن والاشتراك في الهدى والصلاة الفريضة خلف التطوع ومثل هذا كثير وإنما أوردنا بنقل الفتيا من ذكر عنه باسمه أنه أجاز أمر كذا أو نهى عن أمر كذا أو أوجب كذا أو عمل كذا فما منهم أحد روي عنه إباحة القياس ولا أمر به البتة بوجه من الوجوه حاشا الحديث الواحد الذي ذكرنا آنفا وسنذكره إن شاء الله تعالى بإسناده ونبين وهيه وسقوطه وروي أيضا نحو عشر قضايا فيها العمل بما يظن أنه قياس فإذا حقق لم يصح أنه قياس منها صحيح
السند ومنها ساقط السند ويروى عنهم أكثر من ذلك وأصح في إبطال القياس نصا وأما القول بالعمل التي يقول بها حذاق القياسيين عند أنفسهم ولا يرون القياس جائزا إلا عليها فباليقين ضرورة تعلم أنه لم يقل قط بها أحد من الصحابة بوجه من
الوجوه ولا أحد من التابعين ولا أحد تابعي التابعين وإنما هو أمر حدث في أصحاب الشافعي واتبعهم عليه أصحاب أبي حنيفة ثم تلاهم فيه أصحاب مالك وهذا أمر متيقن عندهم وعندنا وما جاء قط في شيء من الروايات عن أحد من كل من ذكرنا أصلا لا في رواية ضعيفة ولا سقيمة أن أحدا من تلك الأعصار علل حكما بعلة مستخرجة يجعلها علامة للحكم ثم يقيس عليها ما وجد تلك العلة فيه مما لم يأت في حكمه نص وإذا لا يجوز القياس عند جمهور أصحاب القياس إلا على علة جامعة بين الأمرين هي سبب الحكم وعلامته وإلا فالقياس باطل ثم أيقنوا هم ونحن على أن ليس أحد من الصحابة ولا من تابعيهم ولا من تابعي تابعيهم نطق بهذا اللفظ ولا نبه على هذا المعنى ولا دل
стр. 1176
عليه ولا علمه ولا عرفه ولو عرفوه ما كتموه فقد صح إجماعهم على إبطال القياس بلا شك وقد اضطر هذا الأمر وهذا البرهان طائفة من أصحاب القياس إلى الفرار من ذكر العلل وتعليل الأحكام جملة وعن لفظ القياس ولجؤوا إلى التشبيه والتمثيل والتنظير وهو المعنى الذي فروا منه بعينه لأنه لا بد لهم من التعريف بالشبه بين الأمرين الموجب تسوية حكم ما لم ينص عليه مع ما نص عليه منهما فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار وكمحلل الخمر باسم النبيذ وأكثر ما هي هذه الطائفة فمن أصحاب مالك وأحمد ومن لم يقلد أحدا من علماء أصحاب الحديث ومنهم نبذ من أصحاب مالك ويسير من أصحاب أبي حنيفة فكيف يستحل من له علم وورع وفرار عن الكذب أن يدعي الإجماع فيما هذه صفته وفي أمر قد روي عن أصحابه أزيد من عشرين ألف قضية ليس فيها ما يدل على القياس إلا قضية واحدة لا تصح ونحو عشر قضايا يظن أنها قياس وليست عند التحقيق
قياسا وهم مجمعون معنا على أنه لم يحفظ قط عن أحد من الصحابة قياس في حياة النبي ﷺ فإذ ذلك كذلك فنحن نبرأ إلى الله تعالى من كل دين حدث بعده ﷺ ولو كان القياس حقا لما أغفل رسول الله ﷺ بيانه العمل به ثم من الباطل المتيقن أن يكون القياس مباحا في الدين ثم لا يعلمنا رسول الله ﷺ أي شيء نقيس ولا على ما نقيس ولا أين نقيس ولا كيف نقيس فصح أن القياس باطل لا شك فيه وأما القول والرأي والاستحسان والاختيار فكثير عنهم ﵃ جدا ولكنه لا
سبيل إلى أن يوجد لأحد منهم أن جعل رأيه دينا أوجبه حكما وإنما قالوا إخبارا منهم بأن هذا الذي يسبق إلى قلوبهم وهكذا
стр. 1177
يظنون على سبيل الصلح بين المختصمين ونحو هذا مع أن أصحاب القياس قد كفونا ولله الحمد التعلق بهذا الباب لأنهم نعني حذاقهم ومتكلميهم مبطلون للرأي والاستحسان إلا أن يكون قياسا على علة جامعة وقد أصفق على هذا أكابر المتأخرين من الحنفيين المالكيين وسلكوا في ذلك مسلك الشافعيين وتركوا طرائق أسلافهم في الاعتماد على الرأي والاستحسان وقياس التمثيل المطلوب والتشبيه ولو لم يفعلوا لكان أمرهم أهون مما يظن لأنه لم يبق إلا بالرأي وحده مجردا والاستحسان المطلق فليس رأي زيد أولى من رأي عمرو ولا استحسان زيد أولى من استحسان رأي عمرو فحصل الدين وأعوذ بالله لو كان ذلك هملا غير حقيقة وحراما حلالا معا وحقا باطلا معا وتخليطا فاسدا وهذا أبين من أن يغلط فيه من له حس وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بإجماع الأمة على تقديم أبي بكر إلى الخلافة وأن ذلك قياس على تقديم النبي ﷺ له إلى الصلاة وأن عمر قال للأنصار ارضوا لإمامتكم من رضيه رسول الله ﷺ لصلاتكم وهي عظم دينكم قال أبو محمد وهذا من الباطل الذي لا يحل ولو لم يكن في تقديم أبي بكر حجة إلا أن رسول الله ﷺ قد استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك وهي آخر غزواته ﵇ فقياس الاستخلاف على الاستخلاف اللذين يدخل فيهما الصلاة والأحكام أولى من قياس الاستخلاف على الصلاة وحدها
стр. 1178
فإن قالوا إن استخلاف النبي ﷺ أبا بكر هو آخر فعله قيل لهم وبالله تعالى التوفيق إن عليا لم ينحط فضله بعد أن استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزوة تبوك بل زاد خيرا بلا شك فلم يكن استخلاف النبي ﷺ أبا بكر على الصلاة لأجل نقيصة حدثت في علي لم تكن فيه إذا استخلفه على تبوك كما لم يكن
استخلافه ﵇ عليا على المدينة في عام تبوك لأنه كان أفضل من أبي بكر فليس استخلاف أبي بكر على الصلاة حاطا لعلي وإنما العلماء في خلافة أبي بكر على قولين أحدهما أن النبي ﷺ نص عليه وولاه
خلافته على الأمة وأقامه بعد موته مقامه ﷺ في النظر عليه ولها وجعله أميرا على جميع المؤمنين بعد وفاته ﷺ وهذا هو قولنا الذي ندين الله تعالى به ونلقاه إن شاء الله تعالى عليه مقرونا منا بشهادة التوحيد وحجتنا الواضحة في ذلك إجماع الأمة حينئذ جميعا على أن سموه خليفة رسول الله ﷺ ولو كانوا أرادوا ذلك أنه خليفة على الصلاة لكان أبو بكر مستحقا لهذا الاسم في حياة النبي ﷺ والأمة كلها مجمعة على أنه لم يستحق أبو بكر هذا الاسم في حياة النبي ﷺ وأنه إنما استحقه بعد موت النبي ﷺ إذ ولي خلافته على الحقيقة وأيضا فلو كان المراد بتسميتهم إياه خليفة رسول الله ﷺ على الصلاة لا على الأمة لما كان بهذا الاسم في ذلك الوقت أولى من أبي زهم وابن أم مكتوم وعلي فكل هؤلاء فقد استخلفه النبي صلى
стр. 1179
الله عليه وسلم على المدينة ولا من عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس وقد استخلفه ﷺ على مكة ولا من عثمان بن أبي العاص الثقفي فقد استخلفه ﷺ على الطائف ولا من خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس فقد استخلفه ﷺ على صنعاء فلما اتفقت الأمة كلها على أنه لا يسمى أحد ممن ذكرنا خليفة رسول الله لا في حياة النبي ﷺ ولا بعد موته يسمى بذلك علي إذ ولي الخلافة علمنا ضرورة أنه سمي أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ لأنه استخلفه على الخلافة التامة بعد موته في ولاية جميع أمور الأمة وهذا بين وبالله تعالى التوفيق ومعنى خليفة فعيلة من
مخلوف وهذا الهاء للمبالغة كقولك عقير وعقيرة منقول عن معقورة فهذا قول والقول الثاني أنه إنما قدمه المسلمون لأنه كان أفضلهم وحكم الإمامة أن يكون في الأفضل واحتجوا بامتناع الأنصار في أول الأمر وبقول عمر إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يعني النبي ﷺ قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل بعضه عائد عليهم لأن الأنصار
стр. 1180
لم يكونوا
ليتركوا رأيهم وهم أهل الدار والمنعة السابقة الذين لم يبالوا بمخالفة أهل المشرق والمغرب وحاربوا جميع العرب حتى أدخلوهم في الإسلام طوعا وكرها إلا لنص من النبي ﷺ لا لرأي أضافهم النزاع إليهم من المهاجرين وأما قول عمر فظن منه وقد قال ﵁ إذ بشره ابن عباس عند موته بالجنة والله إن علمك بذلك يا ابن عباس لقليل فخفي عليه شهادة النبي ﷺ بالجنة مع ما في القرآن من ذلك لأهل الحديبية وهم منهم فهكذا خفي عليه نص النبي ﷺ على أبي بكر وهذا من عمر مضاف إلى ما قلنا آنفا ومضاف إلى قول يوم مات النبي ﷺ والله ما مات رسول الله وإلى قوله يوم أراد رسول الله ﷺ أن يكتب في مرضه الذي مات فيه كما حدثنا حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن إبراهيم ثنا أبو زيد المروزي ثنا محمد بن يوسف ثنا البخاري ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قال ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي فقال عمر إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط فقال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس يقول إن الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه وحدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور عن سفيان الثوري سمعت سليمان هو الأحول عن سعيد
стр. 1181
بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث وفيه إن قوما قالوا عن النبي ﷺ في ذلك اليوم ما شأنه هجر قال أبو محمد هذه زلة العالم التي حذر منها الناس قديما وقد كان في سابق علم الله تعالى أن يكون بيننا الاختلاف وتضل طائفة وتهتدي بهدى الله أخرى فلذلك نطق عمر ومن وافقه بما نطقوا به مما كان سببا إلى حرمان الخير بالكتاب الذي لو
كتبه لم يضل بعده ولم يزل أمر هذا الحديث مهما لنا وشجى في نفوسنا وغصة نألم لها وكنا على يقين من أن الله تعالى لا يدع الكتاب الذي أراد نبيه ﷺ أن يكتبه فلن يضل بعده دون بيان ليحيا من حي عن بينة إلى أن من الله تعالى بأن أوجدناه
فانجلت الكربة والله المحمود وهو ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عبيد الله بن سعيد ثنا يزيد بن هارون ثنا إبراهيم بن سعد ثنا صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال لي رسول الله ﷺ في مرضه ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر قال أبو محمد هكذا في كتابي عن عبد الله بن يوسف وفي أم أخرى ويأبى الله والمؤمنون
стр. 1182
وهكذا حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسي ثنا يزيد بن هارون ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ بمثله وفيه إن ذلك كان في اليوم الذي بدىء فيه ﵇ بوجعه الذي مات فيه بأبي هو وأمي قال أبو محمد فعلمنا أن الكتاب المراد يوم الخميس قبل موته ﷺ بأربعة أيام كما روينا عن ابن عباس يوم قال عمر ما ذكرنا إنما كان في معنى الكتاب الذي أراد ﷺ أن يكتبه في أول مرضه قبل يوم الخميس المذكور بسبع ليال لأنه ﷺ ابتدأه وجعه يوم الخميس في بيت ميمونة أم المؤمنين وأراد ﷺ يوم الاثنين وكانت مدة علته ﷺ اثني عشر يوما فصح أن ذلك الكتاب كان في استخلاف أبي بكر لئلا يقع ضلال في الأمة بعده ﷺ فإن ذكر ذاكر معنى ما روي عن عائشة إذ سئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف فإنما
معناه لو كتب الكتاب في ذلك قال أبو محمد فهذا قول ثان وقالت الزيدية إنما استخلف أبو بكر استيلانا للناس كلهم لأنه كان هنالك قوم ينافرون عليا فرأى علي أن قطع الشغب أن يسلم الأمر إلى أبي بكر وإن كان دونه في الفضل قال أبو محمد وأما أن يقول أحد من الأمة إن أبا بكر إنما قدم قياسا على تقديمه إلى
الصلاة فيأبى الله ذلك وما قاله أحد قط يومئذ وإنما تشبث بهذا القول الساقط المتأخرون من أصحاب القياس الذين لا يبالون بما نصروا به أقوالهم مع أنه أيضا في القياس فاسد لو كان القياس حقا لما بينا قبل
стр. 1183
ولأن الخلافة ليست علتها علة الصلاة لأن الصلاة جائز أن يليها العربي والمولى والعبد والذي لا يحسن سياسة الجيوش والأموال والأحكام والسير الفاضلة وأما الخلافة فلا يجوز أن يتولاها إلا قرشي صليبة عالم بالسياسة ووجوهها وإن لم يكن محكما للقراءة وإنما الصلاة تبع للإمامة وليست الإمامة تبعا للصلاة فكيف يجوز عند أحد من أصحاب القياس أن تقاس الإمامة التي هي أصل على الصلاة التي هي فرع من فروع الإمامة هذا ما لا يجوز عند أحد من القائلين بالقياس وقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم أكابر المهاجرين وفيهم عمرو وغيره أيام النبي ﷺ ولم يكن ممن تجوز له الخلافة فكان أحقهم بالصلاة لأنه كان أقرأهم وقد كان أبو ذر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وابن مسعود أولى الناس بالصلاة إذا حضرت إذا لم يكونوا بحضرة أمير أو صاحب منزل لفضل أبي ذر وزهده وورعه وسابقته وفضل سائر من ذكرنا وقراءتهم ولم يكونوا من أهل الخلافة ولا كان أبو ذر من أهل الخلافة ولا كان أبو ذر من أهل الولايات ولا من أهل الاضطلاع بها وقد قال له رسول الله ﷺ يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي وإنك ضعيف فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وقد أمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأسامة بن زيد على من هو أفضل منهم وأقرأ وأقدم هجرة وأفقه وأسن وهذه هي شروط الاستحقاق للإمامة في الصلاة وليست هذه شروط الإمارة وإنما شروط الإمارة حسن السياسة ونجدة النفس والرفق في غير مهانة والشدة في غير عنف والعدل والجود بغير إسراف وتمييز صفات الناس في أخلاقهم وسعة الصدر مع
стр. 1184
البراءة من المعاصي والمعرفة بما يخصه في نفسه في
دينه وإن لم يكن صاحب عبارة ولا واسع العلم ولو حضر عمرو وخالد وأسامة مع أبي ذر وهم غير أمراء ما ساغ لهم أن يؤموا تلك الجماعة ولا أن يتقدموا أبا ذر ولا أبي بن كعب ولو حضروا في مواضع يحتاج فيها إلى السياسة في السلم والحرب لكان عمرو وخالد وأسامة أحق بذلك من أبي ذر وأبي
ولما كان لأبي ذر وأبي من ذلك حق مع عمرو وخالد وأسامة وبرهان ذلك استعمال رسول الله ﷺ خالدا وأسامة وعمرا دون أبي ذر وأبي وأبو ذر وأبي أفضل من عمرو وأسامة وخالد بدرج عظيمة جدا وقد حضر الصحابة يوم غزوة مؤتة فقتل الأمراء وأشرف المسلمون على الهلكة فما قام منهم أحد مقام خالد بن الوليد كلهم إلا الأقل أقدم إسلاما وهجرة ونصرا وهو حديث الإسلام يومئذ فما ثبت أحد ثباته وأخذ الراية ودبر الأمر حتى انحاز بالناس أجمل انحياز فليست الإمامة والخلافة من باب الصلاة في ورد ولا صدر فبطل تمويههم بأن خلافة أبي بكر كانت قياسا على الصلاة أصلا فإن قالوا لو كانت خلافة أبي بكر منصوصا عليه من النبي ﷺ ما اختلفوا فيها قال أبو محمد فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق هذا تمويه ضعيف لا يجوز إلا على جاهل بما اختلف فيه الناس وهل اختلف الناس إلا في المنصوصات والله العظيم قسما برا ما اختلف اثنان قط فصاعدا في شيء من الدين إلا في منصوص بين في القرآن والسنة فمن قائل ليس عليه العمل ومن قائل هذا تلقى بخلاف ظاهره ومن قائل هذا خصوص ومن قائل هذا منسوخ ومن قائل هذا تأويل وكل هذا منهم بلا دليل في أكثر دعواهم
стр. 1185
كاختلافهم في وجوب الوصية لمن لا يرث من الأقارب والإشهاد في البيع وإيجاب الكتابة وقسمة الخمس وقسمة الصدقات وممن تؤخذ الجزية والقراءات في الصلوات والتكبير فيها والاعتدال والنيات في الأعمال والصوم ومقدار الزكاة وما يؤخذ فيها المتعة في الحج والقرآن والفسخ وسائر ما اختلف الناس فيه وكل ذلك منصوص في القرآن والصحيح عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم فعلى هذا وعلى النسيان للنص كان اختلاف من اختلف في خلافة أبي بكر وأما الأنصار فإنهم لما ذكروا وكان قبل ذلك قد نسوا حتى قال قائلهم منا أمير ومنكم أمير ودعا بعضهم إلى المداولة وبرهان ما قلنا أن عبادة بن الصامت الأنصاري روى عن رسول الله ﷺ أن الأنصار بايعوه على ألا ينازعوا الأمر أهله وأنس بن مالك الأنصاري روى عن رسول الله ﷺ أن الأئمة من قريش فبهذا ونحوه رجعت الأنصار عن رأيهم ولا ذلك ما رجعوا إلى رأي غيرهم ومعاذ
الله أن يكون رأي المهاجرين أولى من رأي الأنصار بل النظر والتدبير بينهم سواء وكلهم فاضل سابق وقد قال عمر يوم مات النبي ﷺ والله ما مات رسول الله وهو يحفظ قول الله ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ فلما ذكر بها خر مغشيا عليه وهكذا عرض للأنصار وقد روينا ذلك نصا كما حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان الأسدي نا أحمد بن خالد نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري فذكر حديث وفاة رسول الله ﷺ قال فقال رجال أدركناهم فذكر باقي الحديث وفيه أن أبا بكر قال وقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد إن الأئمة من قريش والناس برهم تبع
стр. 1186
لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم قال صدقت أو قال نعم قال أبو محمد ومن أعاجيب أهل القياس أنهم في هذا المكان يحتجون بأن إمامة أبي بكر كانت قياسا لا نصا ثم نسوا أنفسهم أو تناسوا عمدا فإذا أرادوا إثبات التقليد للمصاحب قالوا قال رسول الله ﷺ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر قال أبو محمد وهذا اعجب ما شئت منه فإن كان هذا الحديث صحيحا فقد صح النص من رسول الله ﷺ على خلافة أبي بكر بعده ثم على خلافة عمر بعد أبي بكر وبطل قولهم إن بيعة أبي بكر كانت قياسا على صلاته بالناس وإن كان هذا الحديث لا يصح فلم احتجوا به في تقليد الإمام من الصحابة أفيكون أقبح من هذه المناقضات بما يبطل بعضه بعضا ولكن إنما شأن القوم نصر المسألة التي يتكلمون فيها بما أمكن من حق أو باطل أو ضحكة أو بما يهدم عليهم سائر مذاهبهم ليوهموا من بحضرتهم من المغرورين بهم أنهم غالبون فقط فإذا تركوها وأخذوا في غيرها لم يبالوا أن ينصروها أيضا بما يبطل قولهم في المسألة التي تركوا وهكذا أبدا ونعوذ بالله من الخذلان
واحتجوا بأن أبا بكر قاتل أهل الردة مع جميع الصحابة قياسا على منع الصلاة واحتجوا في ذلك بما روي من قوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة حتى إن بعض أصحاب القياس قال على هذا عول أبو بكر لا على الآية التي في براءة قال أبو محمد وهذا من الجرأة واستحلال الكذب ونسب الضلال إلى أبي بكر بحيث لا مرمى وراءه ومن نسب هذا إلى أبي بكر فقد نسب إليه
стр. 1187
الضلالة وقد أعاذه الله من ذلك وبيان كذبهم في هذا الاعتراض أوضح من كل واضح لأن أبا بكر لم يقل لأقاتلنهم لأنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة وإنما قال لأقاتلن المفرقين بين الصلاة والزكاة وإنما فعل ذلك بلا شك وقوفا عند إلزام الله تعالى لنا وللمسلمين قديما وحديثا إذ يقول تعالى ﴿فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ فلم يبح الله تعالى لنا ترك سبيلهم إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فهذا الذي حمل أبا بكر على قتالهم لا ما يدعونه من الكذب المفضوح من القياس الذي لا طريق له ههنا وصدق أبو بكر في إيجابه قتال من فرق بين الصلاة والزكاة لأن نص الله تعالى عليهما سواء وليست إحداهما أصلا والأخرى فرعا فيجب قياس الفرع على الأصل وهذا تخليط ما شئت منه ولو اتعظوا بهذا القول من أبي بكر فلم يفرقوا ما ساوى النص بينه لكان أولى بهم لكنهم لم يفعلوا بل قالت طائفة منهم الزكاة تجزىء إلا بنية والصلاة تلزم العبد والزكاة لا تلزمه وإن كان ذا مال وأما في سائر النصوص فلا يبالون أن يقولوا في بعض النص هذا مخصوص وفي بعضه هذا عموم وفي بعضه هذا واجب وفي بعضه هذا ندب ومثل هذا لهم كثير وقد عارض الصحابة أبا بكر بقول النبي ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
قال أبو محمد ونسبوا ﵃ الآية التي ذكرنا آنفا في براءة وكلهم قد سمعها لأنها في سورة براءة التي قرئت على الناس كلهم في الموسم في حجة أبي بكر سنة تسع
стр. 1188
وفي الجملة أيضا أبو هريرة وابن عمر وكلاهما قد روى عن رسول الله ﷺ الأمر بقتال الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة كما حدثنا ابن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي ثنا عبد الملك بن الصباح عن شعبة عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله قال مسلم وحدثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع نا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله قال أبو محمد فلولا هذه النصوص من القرآن وكلام النبي ﷺ ما ترك الصحابة الحديث الذي تعلقوا به ولكن ليس كل أحد يحضره في كل حين ذكر كل ما عنده واحتجوا بإجماع الأمة على استخلاف إمام إذا مات إمام ولا نص على المستخلف قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن النص قد صح بطاعة أولي الأمر منا وجاءت الآثار الصحاح عن النبي ﷺ بوجوب
стр. 1189
الطاعة للأئمة ولزوم البيعة وهذا ما يوجب استخلاف إمام إذا مات الإمام فهو نص صحيح على وجوب الاستخلاف لمن يوثق بدينه ويقوم بأمور المسلمين من قريش نصوصا بينة على وجوب العدل على الإمام والرفق بالرعية والنصح لهم فصفات الإمام منصوصة عن رسول
الله ﷺ بينة واضحة فمن كانت فيه تلك الصفات فقد نص على تقديمه وإفراده بالأمر ما عدل كالأمر بالعتق ولا حاجة بنا إلى تسمية المعتق وإيجاب الأضحية والنسك ولا حاجة بنا إلى
صفة لونها وهكذا جمع الشريعة وليت شعري أي مدخل للقياس في هذا إن هذا الأمر كان ينبغي لكل ذي عقل أن يستحي من الاحتجاج بمثله واحتجوا بقول رسول الله ﷺ لا نبي بعدي قالوا لنا فقولوا إنه يكون بعده رسول لأنه أخبر بأنه لا يكون بعده نبي ولم يقل لا رسول بعدي قال أبو محمد وهذا جهل مظلم ممكن أتى بهذا لأن هذا من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله ﷺ وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فلو قال ﵇ لا رسول بعدي لأمكن أن يقول بعده نبي لكن إذ قال لا نبي بعدي فقد صح أنه لا رسول بعده لأن كل رسول فهو نبي بلا شك ولا سبيل إلى وجود رسول ليس نبيا فبطل هذا التمويه الضعيف على أن هذا كله لو صح لهم كما ادعوه ومعاذ الله من ذلك لما كان من شيء منه دليل على قياس التين على البر ولا على وجوب القياس في الشرائع فكيف وكل ما أوتوا به عليهم هو لا لهم والحمد لله رب العالمين وقد حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي عن المختار بن فلفل عن أنس قال قال النبي ﷺ إن النبوة والرسالة قد انقطعت
стр. 1190
فجزع الناس فقال قد بقيت مبشرات وهن جزء من النبوة قال أبو محمد واحتجوا بأن الحائض إنما أمرت بالتيمم إذ عدمت الماء في السفر قياسا على الجنب قال أبو محمد هذا تمويه ضعيف ومعاذ الله أن نأمر الحائض بذلك قياسا بل بالنص وهو قوله تعالى إذ أمر باعتزال الحيض حتى يطهرن ﴿ويسألونك عن لمحيض قل هو أذى فعتزلوا لنسآء في لمحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم لله إن لله يحب لتوابين ويحب لمتطهرين﴾ فأمرهن الله تعالى بالطهور
جملة وقال رسول الله ﷺ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فالتراب طهور والماء طهور بالنص وفسر الإجماع أن التراب لا يستعمل ما دام يوجد الماء لغير المريض أو من أوجبه له النص فدخلت الحائض في هذا النص ولقد كان ينبغي لمن فرق بين الحائض والجنب فيما أباح لها من قراءة القرآن ومنعه الجنب من ذلك أن يعلم أنه ترك القياس
واحتجوا أيضا بإيجاب الزكاة في الجواميس وأنه إنما وجب ذلك قياسا على البقر قال أبو محمد وهذا شغب فاسد لأن الجواميس نوع من أنواع البقر وقد جاء النص بإيجاب الزكاة في البقر والزكاة في الجواميس لأنها بقر واسم البقر يقع عليها ولولا ذلك ما وجدت فيها زكاة وكذلك البخت والمهاري والفوالج هي أنواع من الإبل وكذا الضأن والماعز يقع عليها اسم
стр. 1191
الغنم وقد قال بعض الناس البخت ضأن الإبل والجواميس ضأن البقر وقد رأينا الحمر المريسية وحمر الفجالين وحمر الأعراب المصامدة نوعا واحدا وبينها من الاختلاف أكثر مما بين الجواميس وسائر البقر وكذلك جميع الأنواع واحتجوا بأن الناس قاسوا على ذي الحليفة وأنهم قاسوا ذات عرق على قرن قال أبو محمد وهذا كذب وباطل لأن الحديث في توقيت ذات عرق لأهل العراق مشهور ثابت مسند لا يجهله من له بصر بالحديث حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم القاضي ومحمد بن معاوية قال ابن إسحاق ثنا أبو سعيد الأعرابي ثنا سليمان بن الأشعث ثنا هشام بن بهرام وقال ابن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن عبد الله عمار ثنا أبو هاشم محمد بن علي قال بهرام ثنا المعافى بن عمران وقال أبو هاشم عن المعافى بن عمران ثم اتفقا عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق قال أبو محمد هشام بن بهرام ثقة والمعافى ثقة جليل وأفلح بن حميد كذلك
стр. 1192
وأما قياسهم على ذي الحليفة فهذيان لا يدرى ما هو ولا ماذا قيس عليه والمواقيت مختلفة فمنها ذو الحليفة على عشر ليال ومنها الجحفة على ثلاث ليال ومنها قرن على أكثر من ليلة ومنها يلملم على ليلة فعلى أي هذا يقاس إن هذا الأمر لا يفهمه إلا ذو لب واحتجوا بما روي من قول ابن عمر فعدل الناس بصاع من شعير مدين من بر قال أبو محمد وهذا من طرائف ما احتجوا به لأن المحتج بهذا إن كان مالكيا أو شافعيا فهو مخالف لهذا
الإجماع عنده ومن أقر على نفسه بأنه مخالف للإجماع فأقل ما عليه اعترافه بأنه مخالف للحق ثابت على الباطل غير تائب عنه وهذا فسق مجرد
ومن أعجب العجب احتجاج المرء بما لا يراه حجة ولكن هذا غير بديع منهم فهذا أبو حنيفة يحتج أن الخيار لا يكون إلا ثلاثة أيام لا أكثر بحديث المصراة فإذا قيل له فهذا الذي تحتج به أتأخذ به قال لا وهذا مالك احتج في تضمين القائد والسائق ما تجنيه الدابة المسوقة والمقودة بأن عمر غرم بني سعد بن ليث نصف دية رجل من جهينة أصاب أصبعه رجل من بني سعد بن ليث كان يجري فرسه فمات الجهني فإذا سئل أتبدي المدعى عليهم في هذا المكان كما فعل عمر قال لا يجوز ذلك وإذا قيل له أتغرم المدعى عليهم بغير أن يحلف المدعون كما فعل عمر في هذا المكان قال لا يجوز ذلك وإذا قيل له أتقتصر في هذا المكان على نصف
стр. 1193
الدية كما فعل عمر قال يجوز ذلك وإذا قيل له أتجعل ما جنى الذي يجري فرسه على عاقلته في هذا المكان كما فعل عمر قال لا يجوز ذلك ثم يجعل هذا الحديث نفسه حجة في تضمين القائد والسائق قياسا على الراكب وهذا عجب عجيب ثم تلاه في ذلك ابن الجهم فاحتج أنه لا يجزئه من ذبح الهدي أو الأضحية ليلا بالنهي عن حصاد الليل وجذاذه فإذا قيل له أتمنع من حصاد الليل وجذاذه قال لا فهو يخالف ما أقر أنه حجة فيما ورد فيه ويحتج به فيما ليس منه في ورد ولا صدر ثم تلاه في ذلك ابن أبي زيد فاحتج في مخالفته نهي النبي ﷺ عن الصلاة على القبر بصلاته ﷺ على قبر المسكينة السوداء ﵂ فإذا سئل أتأخذ بصلاته ﷺ على قبر المسكينة السوداء قال لا قال أبو محمد وهذا كثير منهم جدا كاحتجاج المالكيين في شق زقاق الخمر وكسر أوانيها بالحديث الوارد في إحراق رجل الغال فإذا قيل لهم
стр. 1194
أتحرقون رجل الغال قالوا لا وقد رأيت لرجل منهم يدعى الأبهر ويكنى بأبي جعفر احتجاجا أن الصداق لا يكون أقل من
ثلاثة دراهم بحديث رواه إن الصداق لا يكون أقل من عشرة دراهم ومثل هذا من نوادرهم كثير وحسبنا الله ونعم الوكيل ثم نرجع إلى ما احتجوا به من قول ابن عمر فعدل الناس بصاع من شعير نصف صاع بر فأول ذلك أن ابن عمر الذي يروون عنه هذا القول لا يرضى به ولا يقول به
حدثنا أحمد بن محمد الجسور ثنا أحمد بن مطرف نا عبد الله بن يحيى نا أبي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر الزاهد نا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع بن عمران بن حدير عن أبي مجلز قال قلت لابن عمر إن الله تعالى قد أوسع والبر أفضل من التمر قال إن أصحابي سلكوا طريقا فأنا أحب أن أسلكه حدثنا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن حسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا ابن اجهم نا معاذ بن المثنى نا مسدد نا إسماعيل بن إبراهيم نا محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن سعد قال ذكرت لأبي سعيد الخدري صدقة الفطر فقال لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاع زبيب أو صاع أقط فقلت له
стр. 1195
أو مدين من قمح قال لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها قال أبو محمد أفيكون أعجب ممن يدعى الإجماع على قول يقول به ابن عمر إن الصحابة على خلاف ذلك الإجماع كما ذكرنا وإنه لا يخرج البر أصلا اتباعا لطريق أصحابه ثم يقول أبو سعيد تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها فأين الإجماع لولا الجنون وقلة الدين ومن طرائف الدهر قول الطحاوي ههنا إنما أنكر أبو سعيد المقوم لا القيمة فيكون أعجب من هذه المهاجرة وهو يذكر أنه قال أبو سعيد وقد ذكر القيمة لا أقبلها ولا أعمل بها فهل ضمير المؤنث راجع إلى القيمة وهذا ما لا يشك فيه ذو بصر بشيء من مخاطبات الناس ولكن الهوى يعمي ويصم
حدثنا أحمد بن عمر العذري ثنا عبد الله بن حسين بن عقال ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري ثنا محمد بن أحمد بن الجهم ثنا موسى بن إسحاق الأنصاري ثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أم المؤمنين قالت كان الناس يعطون زكاة رمضان نصف صاع فأما إذا وسع الله تعالى على الناس فإني أرى أن يتصدق بصاع
فصح بما ذكرنا أن قول ابن عمر وعائشة فعدل الناس بذلك مدين من بر إنما هو على الإنكار لفعل من فعل ذلك وبرهان هذا ثبات ابن عمر وعائشة على صاع صاع لا على ما ذكروا من عمل الناس فلو كان عمل
следующие страницы →