Полный текст (1 408 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
له في فعل كذا إرادة كذا ﴿لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون﴾ قال أبو محمد ويقال لمن قال بالعلل وجعلها صفات في أشياء توجد فتشتبه بها فيوجب ذلك أن يحكم لها بحكم واحد إنك لا تعدم معارضا بصفات أخر توجب غير الأحكام التي أوجبتم فإن أنتم أبطلتم حكم التشابه الذي يعارضكم به خصومكم فقد أقررتم أن الأتباع لا معنى له ولا يوجب حكما وليس قول خصومكم فيما أتى به من ذلك بأولى بالسقوط من قولكم ومثال ذلك أن تقولوا لما أشبه النبيذ الخمر في أنه شديد ملذ مسكر وجب له التحريم من أجل ذلك فيعارضكم خصومكم فيقولون
لما أشبه النبيذ المسكر العصير في أنه لا يفكر مستحله وجب له التخليل من أجل ذلك فإن أبطلتم التشبيه الذي أتى به خصومنا فقد أقررتم أن التشبيه لا يوجب حكما وهذا عائدا على تشبهكم الذي شبهتم ولا فرق وقال بعضهم علة تحريم البر بالبر متفاضلا أنه مطعوم وقال بعضهم العلة في ذلك أنه مكيل
وقال بعضهم العلة في ذلك أنه مدخر قال أبو محمد وكل واحد من هذه الطوائف مبطلة لما عدت به الأخرى فكلهم قد اتفق على إبطال التعليل بلا خلاف بينهم فليس ما أثبتت هذه الطائفة من التعليل بأثبت مما أثبتت الأخرى ولا بعض هذه العلل أولى بالسقوط من سائرها بل كلها دعوى زائفة ساقطة لا برهان عليها وهكذا جميع عللهم وليت شعري كيف يسهل على من يخاف سؤال الله تعالى يوم القيامة أن يأتي بعلة لم يجدها قط لا لله تعالى ولا لرسوله ﷺ فيثبتها في الدين فإنما ينسبها إلى الله تعالى فيكذب عليه أو إلى رسوله ﷺ فيقوله ما لم يقل أو لا ينسب ذلك إلى الله تعالى ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 1367
فيحصل في أن يحدث دينا من عنده نفسه ولا بد من إحداهما وهما خطتا خسف نعوذ بالله منهما وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد ومنهم طوائف يمنعون من تخصيص العلل ثم يجعلون علة الربا في التمر بالرطب مخصوصة يحدث العرايا فيقرون أن النص أبطل علتهم ولو كانت حقا ما أبطلها لأن الحق لا يبطل الحق وكذلك لا يمكن أن يبطل حديث صحيح حديثا صحيحا إلا على سبيل النسخ فقط وأما على معنى ألا يقبل فلا سبيل إلى ذلك البتة والحق لا يكذب بعضه بعضا أبدا قال أبو محمد وقد سألهم من سلف من أصحابنا فقالوا لو كانت العلة التي تدعون في الشرائع موجبة لما ادعيتم من تحليل أو تحريم لكانت غير مختلفة أبدا كما أن العلل العقلية لا تختلف أبدا مثال ذلك أن الشدة والإسكار لو كانا علة لتحريم لكانت الخمر حراما مذ خلقها الله تعالى فالخمر لم تزل مذ خلقها الله تعالى شديدة مسكرة
وقد كانت حلال في الإسلام سنين وهي على الصفة هي الآن لم تبدل ولا حدثت لها حال لم تكن قبل ذلك فبطل بهذا أن تكون الشدة علة التحريم كما أن الباري تعالى جعل النارية علة الإحراق وتصعيد الرطوبات فلا تزال كذلك أبدا حاشا ما خص منها من نار إبراهيم الخليل ﵇ ولم تزل كذلك مذ خلقها تعالى حتى في جهنم أعاذنا الله تعالى منها قال الله تعالى ﴿إن لذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا لعذاب إن لله كان عزيزا حكيما﴾
قال أبو محمد فتفسخوا تحت هذا السؤال وتضوروا منه لأنه صحيح لا مخرج منه البتة فقال بعضهم إنما تكون العلة علة إذا جعلها الله تعالى علة
стр. 1368
قال أبو محمد وهذا ترك منهم لقولهم في العلل جملة وترك منهم للقياس ورجوع إلى النص وإذ قد راجعوا إلى هذا فلم يبق بيننا وبينهم إلا تسميتهم الحكم علة فقط فلو قالوا لا يجب الحكم إلا إذا نصه الله لوافقونا البتة ولكنهم تعلقوا باسم العلة لأنه مشترك ليرجعوا من قريب إلى تخليطهم وليتعدوا النص إلى ما لا نص فيه وهذا ما لا يسوغونه وبالله تعالى التوفيق وقال بعضهم هذا خبر الواحد هو حجة في إيجاب العمل وليس حجة في إيجاب العلم فلا تنكروا علينا كون الشيء علة في مكان وغير علة في مكان آخر فيقال له وبالله تعالى التوفيق هذا تمويه منكم لا تتخلصون به مما ألزمناكم إياه لأننا لم ننكر نحن عليكم أن يكون الشيء حجة في مكانه وبابه وغير حجة فيما ليس بمكانه ولا ببابه وإنما أنكرنا عليكم أن يكون ما ادعيتموه علة حجة موجبة للحكم في بعض مكانها وبابها بغير نص وغير حجة في سائر بابها وبعض أماكنها من غير نص أيضا فهذا الذي أنكرنا عليكم لا ما سواه وأما خبر الواحد المسند من طريق العدول فهو حجة في إيجاب العمل أبدا إذا كان عن النبي ﷺ عند جميعنا ثم اختلفنا فقالت طائفة منهم ومنه ما لا يضطر إلى العلم فهو غير موجب للعلم أبدا وما كان منه يضطر إلى العلم بأسباب معروفة فيه فهو موجب للعلم أبدا وقالت طائفة هو موجب للعلم أبدا إذا كان عن رسول الله ﷺ فبطل تشبيههم للعلة بالخبر قال أبو محمد واحتج عليهم من سلف من أصحابنا فقالوا ما تقولون في إنسان قال في حياته أو عند موته أعتقوا عبدي ميمونا لأنه أسود وله عبيد سود كثير أتعتقونهم لعلة السواد الجامعة لهم والتي جعلها علة في عتق ميمون قياسا على ميمون أم لا تعتقون منهم أحدا حاشا ميمون وحده
стр. 1369
فإن قلتم نعتقهم نقضتم فتاويكم
وخالفتم الإجماع وإن قلتم لا نعتقهم تركتم القول بإجراء العلل وبالقياس وعدتم إلى قولنا
قال أبو محمد وهذا إلزام صحيح ونحن نزيده بيانا فنقول وبالله تعالى التوفيق إن رسول الله ﷺ قال لأمراء سراياه إذا نزلتم بأهل حصن أو مدينة أرادوا أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تفعلوا فإنكم لا تدرون أتوافقون حكم الله تعالى فيهم أم لا ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم ما شئتم فإذا سألوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله ﷺ فلا تعطوهم ذمة الله ولا ذمة رسوله ﷺ ولكن أعطوهم ذمتكم فإن تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله أو كلاما هذا معناه فهذا نص جلي من رسول الله ﷺ على أن الإقدام على نسبة شيء إلى الله تعالى بغير يقين لا يحل وأن نسبة ذلك إلى الإنسان أهون وإن كان كل ذلك باطلا وقد قال رسول الله ﷺ إن كان كذبا علي ليس ككذب على أحد فلو جاز أن يقال بالقياس وبالفعل لكان الإقدام به على كلام الناس وأحكامهم أولى من الإقدام به على الله ورسوله ﷺ فلما اتفقوا على أن من قال اعتقوا عبدي سالما لأنه أسود وله عبيد سود أنه لا يعتق غير سالم وحده الذي نص عليه اتقاء أن يعتقه وخوفا من تبديل أمر الموصي وكلامه فإن الأولى بهم أن يتقوا الله في قوله ﷺ في النهي عن الذبح بالسن فإنه عظم وفي أمره ﷺ بهرق السمن إذا مات فيه
стр. 1370
الفأر فلا يتعدوا ذلك إلى كل عظم وكل زيت وكل دهن وكل كلب وكل سنور وفي أمره ﷺ البائل في الماء الراكد الذي لا يجزي ألا يتوضأ منه ولا يغتسل فلا يتعدوه إلى المحدث في الماء ولا إلى ما لم يبل فيه أصلا فإن الأوجب عليهم ألا ينسبوا إلى الله تعالى ولا إلى رسوله ﷺ تعليلا لم ينصا عليه وأحكاما لم يأذنا بها ولا ذكراها أصلا ولا
في كلامهما ما يوجبهما البتة ولكنهم اتقوا أن ينسبوا إلى الناس ما لا يقولون ولم يتقوا أن ينسبوا إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ما لم يقولا وحسبك بهذا عظيمة نعوذ بالله منها وقد شغب بعضهم في هذا السؤال بأن قال كنا نعتق سائر عبيده السودان لو أن الموصي يقول لنا بعقب قوله اعتقوا عبدي سالما لأنه أسود واعتبروا فكنا حينئذ نعتق كل عبد له أسود قال أبو محمد وهذا جواب فاسد من وجهين
أحدهما أنه حتى لو قال ذلك ما جاز أن يعتق كل عبد له أسود لأنه ليس قوله اعتبروا أولى بأن يكون معناه قيسوا منه بأن يكون معناه واعتبروا بحالي التي أنا فيها فبادروا إلى طاعة ربكم ولا تخالفوا وصيتي وأيضا فيلزم من أجاب بهذا الجواب الفاسد ألا يقيس على شيء من الأحكام إلا حتى يكون إلى جنب كل حديث فيه حكم أو كل آية فيها حكم واعتبروا واعتبروا وهذا غير موجود في شيء من الأحكام ولا في الحديث ولا في صلة شيء من الآيات فبطل القياس جملة بنص قوله هذا المجيب والله تعالى الحمد قال أبو محمد والسؤال باق بحسبه عليهم ونزيدهم فيه فنقول حتى لو قال فاعتبروا ثم لما كان نهارا آخر قال اذبحوا كبشي الفلاني لأنه أعرج وله كباش عرج أيذبحون كل كبش له أعرج من أجل قوله بالأمس في أمر
стр. 1371
عتق عبد واعتبروا أم لا يقدمون على ذلك إلا حتى يكون عند وصيته به واعتبروا فإن قالوا نكتفي بقوله واعتبروا مرة واحدة خرقوا الإجماع وهذا أمر لا يقولونه ولو قالوه لكانوا حاكمين بلا دليل ومدعين بلا برهان وإن لم يقولوا بذلك فقد تركوا القياس جملة ولزمهم طلب هذه اللفظة إلى جنب كل آية وحديث وهذا لا يجدونه أبدا قال أبو محمد وقد قال بعضهم في جواب هذا السؤال إذ تتبعنا عليهم إدخالهم في أحكام الله تعالى وحكم رسوله ﷺ ما لم يأت به نص لكن تعليلا منهم وقياسا ثم يتحرون تجنب مثل هذا في أقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي فلا يتعدون نصوص أقوالهم فقالوا خطاب الآدميين وقد يكون فاسدا ولا حكمة فيه وخطاب الله تعالى حكمة قال أبو محمد وهذا تمويه لا ينفك به من السؤال المذكور ويقال له أي فساد في خطاب امرىء موص في ماله بما أباحه له الله تعالى والرسول ﷺ وإجماع الأمة ولم يتعد إلى مكروه فلو جاز ألا يحمل كلامه على موجبه ومفهومه خوف فساده لما جاز تنفيذ تلك الوصية جملة خوف فسادها فلما اتفقوا معنا على تجويز تلك الوصية وحملها على ظاهرها صح أنها
حق وبطل تمويه من رام الفرق بين ما سألناهم عنه من حملهم كلام الناس على ظاهره ومفهومه وحملهم كلام ربهم تعالى على الكهانات بالدعاوى والظنون وما ليس فيه
ولا مفهوما منه وقلنا لهم فيم غلبتم ما لم يؤمن فساده وما لا حكمة فيه من أقوال أبي حنيفة المتخاذلة وأقوال مالك المتناقضة وأقوال الشافعي المتعارضة على المضمون فيه الحكمة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ حتى صرتم لا تأخذون من النصوص إلا ما وافق كلام أحد المذكورين ولا تزالون تتحيلون في إبطال حكم ما خالف قولهم من القرآن السنة بأنواع الحيل الباردة الغثة والسؤال يعد لهم لازم لا انفكاك
стр. 1372
عنه أصلا وبالله تعالى التوفيق ومما احتج به عليهم أصحابنا في إبطال العلل والقياس نهي الله تعالى الناس عن سؤالهم النبي ﷺ وأمرهم الاقتصار على ما يفهمون مما يأمرهم به فقط فلو كان المراد من النص غير ما سمع منه لكان السؤال لهم لازما ليتبينوا ويتعلموا فلما منعوا من السؤال أيقنا أنهم إنما لزمهم ما أعلموا به فقط فأجاب بعض أصحاب القياس فقال إنما نهوا عن سؤال من سأل عن أبيه قال أبو محمد وهذا الكذب بعينه لأن نص الآية يكذب هذا القائل في قوله تعالى بعقب النهي عن السؤال ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾ وبين ذلك طلحة ﵁ في قوله كنا نهينا أن نسأل النبي ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يأتي بالرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونسمع وقال النواس بن سمعان أقمت بالمدينة سنة لا أهاجر يريد لا أبايع على الهجرة لأننا كنا إذا هاجر أحدنا لم يجز له أن يسأل النبي ﷺ عن شيء أو كلاما هذا معناه وقد قال النبي ﷺ أعظم الناس جرما في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته وقد قال ﷺ اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ولكن إذا
نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم فبطل اعتراض هذا المعترض
فصل فيما ورد في القرآن من النهي عن القول بالعلل قال أبو محمد ونحن موردون إن شاء الله تعالى ما في القرآن من النهي عن القول بالعلل في أحكام الله وشرائعه فكتاب الله تعالى
стр. 1373
هو الحق الذي يقذف بالحق عن الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ومن أبى ذلك ختمنا له الآية وهو قوله تعالى ﴿بل نقذف بلحق على لباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم لويل مما تصفون﴾ قال أبو محمد قال الله تعالى ﴿وما جعلنآ أصحاب لنار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن لذين أوتوا لكتاب ويزداد لذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب لذين أوتوا لكتاب ولمؤمنون وليقول لذين في قلوبهم مرض ولكافرون ماذآ أراد لله بهذا مثلا كذلك يضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر﴾ فأخبر تعالى أن البحث عن علة مراده تعالى ضلالا لأنه لا بد من هذا أو من أن تكون الآية نهيا عن البحث عن المعنى المراد وهذا خطأ لا يقوله مسلم بل البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم وعلى كل مسلم فيما يخصه فصح القول الثاني ضرورة ولا بد وقال الله تعالى ﴿خالدين فيها ما دامت لسماوات ولأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ وقال تعالى ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ودعوا شهدآءكم من دون لله إن كنتم صادقين﴾ قال أبو محمد وهذه كافية في النهي عن التعليل جملة فالمعلل بعد هذا عاص لله وبالله نعوذ من الخذلان وقال تعالى ﴿ويا آدم سكن أنت وزوجك لجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه لشجرة فتكونا من لظالمين * فوسوس لهما لشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه لشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من لخالدين * وقاسمهمآ إني لكما لمن لناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا لشجرة
بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق لجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما لشجرة وأقل لكمآ إن لشيطآن لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من لخاسرين﴾
قال أبو محمد وقال الله تعالى حاكيا عن إبليس إذ عصى وأبى عن السجود أنه قال ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ فصح أن خطأ آدم ﵇ إنما كان من وجهين أحدهما تركه حمل نهي ربه تعالى عن الوجوب والثاني قبوله قول إبليس أن نهي الله عن الشجرة إنما هو لعلة كذا فصح يقينا بهذا النص البين أن تعليل أوامر الله تعالى معصية
стр. 1374
وأن أول ما عصى الله تعالى به في عالمنا هذا القياس وهو قياس إبليس على أن السجود لآدم ساقط عنه لأنه خير منه إذ إبليس من نار وآدم من طين ثم بالتعليل للأوامر كما ذكرنا وصح أن أول من قاس في الدين وعلل في الشرائع فإبليس فصح أن القياس وتعليل الأحكام دين إبليس وأنه مخالف لدين الله تعالى نعم ولرضاه ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين ومن إثبات علة لشيء من الشريعة وبالله تعالى التوفيق وقال الله حاكيا عن قوم من أهل الاستخفاف أنهم قالوا إذا أمروا بالصدقة ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم لله قال لذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء لله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ قال أبو محمد فهذا إنكار منه تعالى للتعليل لأنهم قالوا لو أراد الله تعالى إطعام هؤلاء لأطعمهم دون أن يكلفنا نحن إطعامهم وهذا نص لا خفاء به على أنه لا يجوز تعليل شيء من أوامره وإنما يلزم فيها الانقياد فقط وقبولها على ظاهرها وقال تعالى ﴿فبظلم من لذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل لله كثيرا﴾ فهم ظلموا فحرمت عليهم ونحن نظلم فلم تحرم علينا الطيبات التي أحلت
لنا وقال ﷺ إننا سنركب سنن أهل الكتاب لو دخلوا جحر ضب لدخلناه فصح أننا ظلمنا كظلمهم ولم يحرم علينا ما حرم عليهم فبطل التعليل جملة إذ لو كان ظلمهم علة التحريم لوجب أن يكون ظلمنا علة فينا لمثل ذلك فلما لم يكن هذا كذلك علمنا أن الله تعالى جعل ظلمهم سببا لأن حرم عليهم ما حرم ولم يجعل ظلمنا سببا لأن يحرم علينا مثل ذلك فصح أنه يفعل ما يشاء في مكان ما من أجل شيء ما ولا يفعل ذلك في مكان آخر من أجل مثل ذلك الشيء بعينه وهذا بطلان ما ادعاه خصومنا من العلل القياس نصا
стр. 1375
وقال تعالى لموسى ﵇ ﴿إني أنا ربك فخلع نعليك إنك بلواد لمقدس طوى﴾ فكان كون موسى ﵇ بالوادي المقدس سببا لخلع نعليه ونحن نكون بذلك الوادي وبكل مكان مقدس كمكة والمدينة وبيت المقدس ولا يلزمنا خلع نعالنا ولو كان دخول الوادي المقدس علة للخلع للزمنا ذلك وقال تعالى ﴿إن لله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما لذين آمنوا فيعلمون أنه لحق من ربهم وأما لذين كفروا فيقولون ماذآ أراد لله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا لفاسقين﴾ قال أبو محمد هذه آية كافية إنه لا يحل التعليل في شيء من الدين ولا أن يقول قائل لم حرم هذا وأحل هذا فقد صح قولنا إن قول القائل حرم البر بالبر لأنه مكيل أو أنه مدخل أو أنه مأكول بدعة نعوذ بالله منها فصل في تناقض قولهم في التعليل والقياس قال أبو محمد ونحن نورد إن شاء الله تعالى طرفا يسيرا من تناقضهم في التعليل لندل بذلك عن إفساد مذهبهم وإلا فتناقضهم لو تتبع لدخل في أزيد من ألف ورقة ولعل الله تعالى يعيننا على تقصي ذلك في كتاب الإعراب إن شاء الله تعالى فمن ذلك أن رسول الله ﷺ قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها فكان يلزمهم أن يجعلوا ما حرم أكله محرما بيعه لكنهم لم يفعلوا ذلك بل
كثير منهم يبيحون بيع الزبول ولا خلاف أن أكل الحيوان حيا كما هو محرم ولا خلاف في جواز بيع أكثره وكذلك فعلوا في قوله ﷺ في الاستحاضة فإنه عرق فكان يلزمهم أن يجعلوا كل عرق يسيل من الجسد في مثل حكم المستحاضة كما جعلوا
стр. 1376
الميعان في الزيت علة لتحريمه إن مات فيه فأر قياسا على السمن لكنهم تناقضوا في ذلك وهذا إجماع منهم على ترك الحكم بالعلل والقياس وهكذا يكون الباطل مرة مصحوبا ومرة متروكا وصح قولنا إن ما كان سببا في مكان نص عليه لحكم ما فلا يكون سببا في مكان آخر لم ينص عليه لمثل ذلك الحكم فقالوا معنى التعليل هو إجراء صفة الأصل في فروعه قال أبو محمد وهذا قول فاسد لأن جميع أحكام الشريعة كلها أصول فإن كانوا عنوا بذلك أن الصلاة جملة أصل جامع ثم النوازل فيها فروع إنما هي أجزاء من الصلاة ولا تسمى أجزاء الشيء فروعا له لأن الفرع غير الأصل والأجزاء ليست غير الكل فبطل ما موهوا به من تقسيمهم الشريعة على فروع وأصول وصح أن جميع أحكام الشريعة كلها سواء وأصول ولا يوجد شيء منها إلا عن قرآن أو عن الرسول ﷺ أو عن إجماع ونص تعالى عن ألا يقرب المشركون المسجد الحرام فقال بعضهم إن علة ذلك تطهير المسجد الحرام منهم فأجروا ذلك في كل مسجد فكان يلزمهم وإذا لزم الحج إلى مكة أن يلزم إلى المدينة لأن مسجد المدينة والمدينة عند القائلين بما ذكرنا أفضل من مسجد مكة ومن مكة وهذا إن طردوا فيه أصولهم كفروا فإذا ادعوا الإجماع المانع لهم من ذلك قيل لهم لا عليكم قيسوا إيجاب جزاء الصيد بالمدينة وحرمه فقد قال بذلك بعض التابعين من الأئمة وقيسوا الجزاء فيما حرم قطعة من شجر الحرم على الجزاء فيما حرم صيده من صيد الحرم فإن لم يفعلوا فقد تناقضوا وتركوا إجراء العمل وتركوا القياس وتركوا أن يتعدوا النص ولو فعلوا هذا في كل مسائلهم لاهتدوا ولنجوا من ضلال القياس وفتنته
стр. 1377
وقالوا إن علة الحدود الزجر والردع
قال أبو محمد كذبوا في ذلك إذا كان ذلك لما جاز العفو في قتل النفس ولم يجز العفو في الزنى بالأمة وفي السرقة ولو كان ذلك لما كانت السرقة أولى بوجوب حد محدود فيها من الغضب ولا كانت الخمر أولى بذلك من لحم الخنزير ومن الربا ولا كان الزنى أولى بذلك من القذف بالكفر أو بترك الصلاة ولا كان الزنى بذلك أولى من ترك الصلاة فظهر كذب دعواهم في ذلك والحمد لله رب العالمين وقالوا إن علة القصر في الصلاة في السفر إنما هي المشقة فلذلك حدت بيوم ويومين وثلاثة أيام على اختلافهم في ذلك قال أبو محمد وهذا أمر كان ينبغي لأهل التقوى ألا يمروه على خواطرهم فكيف أن يحلوا به ويحرموا ويتركوا له قول ربهم تعالى فأول ذلك الكذب البحث أن أصل القصر المشقة ولو كان ذلك لكان المريض المدنف المثبت العلة كالمبطون والذي به ناقض الحمى والموم والسل ممن تثقل عليه الكلمة يسمعها ويصعب عليه رد الجواب بكلمة فما فوقها أولى بالقصر العظيم مشقة الصلاة عليه وتكلف القراءة فيها والإيماءة والتشهد صرف ذهنه إليها من المراكب في عمارية ومعه مائة عبد يتمشى في أيام الربيع على ضياعه من روضة إلى نهر ومن نهر إلى صيد ومن صيد إلى نزهة ومن كل منظر بديع إلى منظر حسن ينزل إذا شاء ويرجل إذا شاء إلا أنه من ذلك قاصد مسافة أكثر من ثلاثة أيام من وطنه وهذا ما لا يحيل على صبي له أدنى فهم فكيف على من يتعاطى التحريم والتحليل ويستدرك على
стр. 1378
ربه تعالى أشياء لم يذكرها ربه تعالى ولا رسوله ﷺ إن هذا لهو الضلال المبين هذا والمريض والمسافر قد سوى الله بينهما في الفطر في رمضان وفي إباحة متيمم فهلا ساوى القياسيون المعللون بينهما في قصر الصلاة للذي المريض أحوج عليه من المسافر لأنه أكثر مشقة منه وأحوج إلى الراحة فأين قياسهم وعللهم ثم هلك لو صح ما قالوه إن العلة في قصر الصلاة مشقة السفر وأعوذ بالله من ذلك فأي تمام للمشقة في ثمانية وأربعين ميلا في
سهل وأمن وظلال أشجار وفي أيام الربيع في آذار وفي نيسان ولفارس مريح قوي على سبعة وأربعين ميلا في أوعار وشعار وفي حمارة القيظ في تموز وفي خوف شديد لراجل مكدود كبير السن ضعيف الجسم
فأباحوا للفارس الذي ذكرنا أن يفطر في رمضان ويقصر الصلاة ومنعوا الرجل المكدود في الوعر والحر من ذلك وقالوا لا بد له من الصيام والإتمام أفترى الميل الواحد هو الذي حصلت فيه المشقة أو ترى نصف اليوم الذي به تمت الثلاثة هو الذي حصلت المشقة دون اليومين ونصف يوم هذا لا يحتمل مثله إلا من الله تعالى الذي لا يسأل عما يفعل وأما نحن فنسأل أو من رسوله ﷺ المبين مراد ربه تعالى ثم لم يكفهم إلا أن ادعوا على العقل هذا البهتان لأنهم عند أنفسهم أهل الحكمة في الشريعة بما توجبه عقولهم وقد موه بعضهم بأنه إنما تعلق في ذلك الحديث عن النبي ﷺ لا تسافر امرأة يوما وليلة إلا مع ذي محرم قال أبو محمد إن احتجاجهم بهذا الحديث في إيجاب الفطر والقصر والقريب من تحديدهم المذكور فليت شعري أي شيء في منع المرأة من السفر
стр. 1379
يوما وليلة مما يوجب القصر في يوم وليلة ومشي يوم وليلة يختلف ففي أيام كانون الأول لا يكمل الراحل ثلاثين ميلا إلى الليل وفي أيام صدر حزيران في طيب الهواء وطول الأيام والشمس في آخر الجوزاء وأول السرطان يكمل أربعين ميلا والركبان كذلك والسير يختلف فمن أين لهم أن يجدوا اليوم والليلة بأربعة برد وقد علمنا أن بين مشي شيخ ضعيف وحمار أعرج وبين مشي العساكر وبين مشي الرفاق وبين مشي المسافر الراكب دابة مطيقة وبين مشي البريد في اختلاف الأزمان أشد الاختلاف وأعظم التباين فكيف يستجيز ذو لب أن يجد ما يقصر فيه ويفطر بثلاثة أيام اتو اليوم التام ولا خلاف أن ما تمشيه العساكر في أربعة أيام الشتاء يمشيه البريد في يوم واحد في آخر الربيع وأول الصيف وهذا معروف بالمشاهدة وأيضا فإن ذلك الحديث قد جاء بألفاظ شتى ففي
بعضها أكثر من ثلاثة أيام وفي بعضها ثلاثة أيام وفي بعضها ليلتين وفي بعضها يوم وليلة وفي بعضها يوم وفي بعضها بريد وفي بعضها لا تسافر على الإطلاق دون تحديد شيء أصلا فبطل احتجاجهم به
فإن تعلقوا بابن عمر وابن عباس فقد خالفهم ابن مسعود وعائشة ودحية بن خليفة وشرحبيل بن السمط وغيرهم من الصحابة نعم وابن عمر نفسه فقد صح عنه القصر في الأميال اليسيرة جدا وفي الميل وفي سفر ساعة وعللوا الشفعة في الأرضين والحكم على الشريك يعتق شقصه في العبد والأمة يعتق الباقي بأن ذلك الضرر بالشريك
стр. 1380
وتناقضوا في ذلك في قولهم لا شفعة في الجوهر ولا في العبيد ولا في الحيوان ولا في الثياب ولا في السيوف وقد علم كل ذي عقل أن الضرر في ذلك بالشركة وانتقال الملك بالصدقة أو البيع أعظم من الضرر في الأرضين فهلا قاسوا ههنا كما قاس المالكيون الشفعة في التين والرطب على الشفعة في الأرضين خوف الضرر الداخل على الشريك وهلا قاسوا هبة الشريك على بيعه فيقولوا شريكه أولى بالهبة لئلا يدخل عليه ضرر فإن قالوا لم يرد أن يهبه قيل لهم وكذلك لم يرد أن يبيع منه فإن رجعوا إلى النص فقد امتدوا ولزمهم ألا يقيسوا أصلا ولا يتعدوا حدود الله في النصوص ولا يقيسوا الشفعة في التين والثمار دون سائر العروض على وجوبها في الأرضين والأشجار عندهم وهلا قاسوا من حبس شقصا له في أرض مشارعه على من أعتق شقصا له في عبد لاجتماعهما في الضرر ولكن هكذا يفضح الباطل أهله وكذلك يكون تناقض أهله وهل قاسوا المعسر بعتق شقصه على الموسر بعتق شقصه لأن الضرر في ذلك واحد وهم يقيسون عليه كل من أتلف شيئا فيوجبون عليه فيما عدا المكيلات والموزونات القيمة لا المثل قالوا نفعل ذلك قياسا على تقويم الشقص على المعتق فهلا قوموا على المعسر إذا أعتق كما يقومون عليه فيما أتلف ويتبعه به دينا قال أبو محمد وفيما ذكرنا كفاية وقلما تخلو لهم مسألة من مثل ما أوردنا وبالله تعالى التوفيق وقال بعض
حذاقهم قد تكون علة الخصم علة لخصمه عليه في إبطال قوله مثال ذلك أن يقول الحنفي والمالكي لما كان الوقوف بعرفة لا يصح
стр. 1381
إلا بمعنى آخر
يقترن إليه وهو الإحرام وجب ألا يصح الاعتكاف إلا بمعنى آخر يقترن إليه وهو الصيام فيقول الشافعي لما كان الوقوف بعرفة لا يقتضي الصيام وجب أن يكون الاعتكاف لا يفتقر إلى الصيام وعلتهم كلهم فيما ذكروا أن الوقوف بعرفة والاعتكاف لبث وإقامة في موضع مخصوص قال أبو محمد ومثل هذا لا يعجز أن يأتي به من استجاز الهذيان في حال صحته من البرسام ولو تتبعنا ترجيحاتهم العلل لأوردنا من ذلك مضاحك تغني عن كل ملهى وحسبنا الله ونعم الوكيل ومن تأمل كتب متأخريهم ومناظراتهم وتكلفهم إخراج العلل لكل حكم مختلف فيه أو مجتمع عليه في الشريعة كان فيه نص يعرفونه أو لم يعرفوا فيه نصا رأى كلاما لا يأتي بمثله سالم لدماغ أصلا إلا أن يكون سالكا سبيل المجون والسخافة ونعوذ بالله من الخذلان فصل الحكيم إلا لعلة قال أبو محمد وقالوا الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلة صحيحة والسفيه هو الذي يفعل لا لعلة فقاسوا ربهم تعالى على أنفسهم وقالوا إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده وراموا بذلك إثبات العلل في الديات قال أبو محمد وتكاد هذه القضية الفاسدة التي جعلوها عمدة لمذهبهم وعقدة تنحل عنها فتاويهم تكون أصلا لكل كفر في الأرض وأما على التحقيق فهي أصل لقول الدهرية الذين جعلوا برهانهم في إبطال الخالق لما رأوا الأمور لا تجري على المعهود فيما يحسن في عقولهم وأنه لا بد من علة للمفعولات وإذ لا بد من علة فلا بد لتلك العلة من علة وهكذا أبدا حتى يوجبوا كون أشياء لا أوائل لها وهي أيضا أصل لقول من قال إن الفاعل للعالم إنما هو النفس وأما
стр. 1382
الله تعالى فيحل عن أن يحدث هذه الأقذار في العالم وهذا الظلم الظاهر من استطالة بعض الحيوان على بعض
وهي أيضا أصل لقول من قال إن للعالم لم يزل وخالقه تعالى لم يزل لأنهم جعلوا علة الخلق وجوده تعالى ووجوده لم يزل فخلقه لم يزل وهي أيضا أصل لقول من قال بأن العالم له خالقان من المانية والديصانية لأنهم قالوا تعالى الله عن أن يفعل شيئا من غير الحكمة ولغير مصالح عباده فصح بذلك عندهم أن خالق السفه والشر ومضار العباد خالق آخر تعالى عن ذلك علوا كبيرا وهي أيضا أصل لقول من قال بالتناسخ لأنهم قالوا محال أن يعذب الحكيم من لم يذنب وأن يفعل شيئا إلا لعلة ومحال أن يعذب أقواما ليعظ آخرين أو ليجازي بذلك آخرين أو ليجازيهم بذلك وهو قادر على المجازاة بلا أذى ذلك هذا عبث فيما بيننا فلما رأيناه تعالى يعذب الأطفال بالجدري والقروح والجوع ويسلط بعض الحيوان على بعض علمنا أن ذلك لذنوب تقدمت لأنفس ذلك الحيوان وأولئك الصبيان وأنهم قد كانوا بالغين عصاه قبل أن تنسخ أرواحهم في أجسام الصبيان والحيوان وهي أيضا أصل لقول من أبطل النبوات كالبراهمة ومن اتبعها فإنهم قالوا ليس من الحكمة أن يبعث الله تعالى نبيا إلى من يدري أنه لا يؤمن به قال أبو محمد ثم حسدتهم المعتزلة على هذه القضية فأخرجوا على حكم الله تعالى وعن خلقه وقدرته وجميع أفعال العباد فضلوا ضلالا بعيدا وأثبتوا خالقين كثيرا غير الله تعالى وسلم الله تعالى من هذه البلية أهل الإثبات فنفس عليهم إبليس اللعين عدو الله السلامة فبغي لهم الغوائل ونصب لهم الحبائل ووسوس
стр. 1383
لهم القول بالعلل في الأحكام فوقعوا في القضية الملعونة التي ذكرنا وأصحب الله تعالى عصمته منها أصحاب الظاهر فثبتوا على الجادة المثلى وتبرؤوا إلى الله تعالى من أن يتعقبوا عليه أحكامه أو أن يسألوه لم فعل كذا أو أن يتعدوا حدوده أو أن يحرموا غير ما حرم ربهم أو أن يوجبوا غير ما أوجب تعالى أو أن يحلوا غير ما أحل ولم يتجاوز ما أخبرهم به نبيهم ﷺ فاهتدوا بنور الله التام الذي هو العقل الذي
به تعرف الأمور على ما هي عليه ويمتاز الحق من الباطل ثم بنص القرآن وبيان رسول الله ﷺ للدين إذ لا سبيل إلى السلامة في الآخرة إلا بهذين السبيلين والحمد لله رب العالمين وهو المسؤول أصحاب الهداية حتى نلقاه على أفضل أحوالنا آمين
قال أبو محمد وكل هذه المقالات الفاسدة التي ذكرنا قد بينا بطلانها بالبراهين الضرورية في كتابنا المرسوم بكتاب الفصل في الملل والنحل والحمد لله رب العالمين ونقول في ذلك ههنا قولا كافيا يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى فنقول وبالله تعالى التوفيق إن أول ضلال هذه المسألة قياسهم الله تعالى على أنفسهم في قولهم إن الحكم بيننا لا يفعل شيئا إلا لعلة فوجب أن يكون الحكيم كذلك قال أبو محمد وهم متفقون على أن القياس هو تشبيه الشيء بالشيء فوجب أنهم مشبهون الله تعالى بأنفسهم وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله ﴿فاطر لسماوات ولأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن لأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو لسميع لبصير﴾ ولو أن معارضا عارضهم فقال لما كنا نحن لا نفعل إلا لعلة وجب أن يكون تعالى بخلافنا فوجب ألا يفعل شيئا لعلة لكان أصوب حكما
стр. 1384
وأشد اتباعا لقوله ﴿فاطر لسماوات ولأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن لأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو لسميع لبصير﴾ وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإنهم بهذه القضية الفاضحة قد أدخلوا ربهم تحت الحدود والقوانين وتحت رتب متى خالفها لزمه السفه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا كفر مجرد دون تأويل ولزمهم إن طردوا هذا الأصل الفاسد أو يقولوا لما وجدنا الفعل منا لا يكون إلا جسما مركبا ذا ضمير وفكرة وجب أن يكون الفعال الأول جسما مركبا ذا ضمير وفكرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال أبو محمد فهذا يلزمهم كما ذكرنا ثم نبين بالبرهان الضروري بطلان قضيتهم من غير طريق إلزامهم طردها فنقول بالله تعالى التوفيق إن الحكيم منا إنما
صار حكيما لأنه انقاد لأوامر ربه تعالى ولتركه نواهيه فهذا هو السبب الموجب على الحكيم منا ألا يفعل شيئا إلا لمنفعة ينتفع بها في معاده أو لمضرة يستدفعها في معاده وأما الباري تعالى فلم يزل وحده ولا شيء معه ولا مرتب قبله فلم يكن على الله تعالى رتبة توجب أن يقع الفعل منه على صفة ما دون غيرها بل فعل ما فعل
كما شاء ولم يفعل ما لم يفعل كما لم يشأ فبطل تشبيههم أفعال الحكيم منا بأفعال الباري تعالى وأيضا فإنا لم نسم الله تعالى حكيما من طريق الاستدلال أصلا ولا لأن العقل أوجب أن يسمى تعالى حكيما وإنما سميناه حكيما لأنه سمى بذلك نفسه فقط وهو اسم علم له تعالى لا مشتق ويلزم من سمى ربه تعالى حتما من طريق الاستدلال أن يسميه عاقلا من طريق الاستدلال وقد بينا فساد هذه الطريقة وبطلانها وضلالها في كتاب الفصل فبطلت قضيتهم الفاسدة جملة وصح أنها دعوة فاسدة منتقضة وأما قولهم إنه تعالى يفعل الأشياء لمصالح عباده فإن الله تعالى أكذبهم
стр. 1385
بقوله ﴿وإما تعرضن عنهم بتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾ فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا خسارا بل ما عليهم في ذلك إلا أعظم الضرر وأشد المفسدة ولقد كان أصلح لهم لو ينزل وما أراد الله تعالى بهم مصلحة قط ولكنهم من الذين قال تعالى فيهم ﴿وترى لشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ليمين وإذا غربت تقرضهم ذات لشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات لله من يهد لله فهو لمهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾ قال أبو محمد ويقال لهم المصلحة جميع عباده فعل تعالى ما فعل أم لمصلحة بعضهم فإن قالوا لمنفعة جميعهم كابروا وأكذبهم العيان لأن الله تعالى لم يبعث قط موسى ﵇ لمنفعة فرعون ولا لمصلحته ولا بعث محمدا ﷺ لمنفعة أبي جهل ولا لمصلحته بل لمضرتهما ولفساد آخرتهما ودنياهما وهكذا القول في كل كافر لو لم يبعث الله من كذبوه من الأنبياء لكان أصلح لدنياهم وآخرتهم وأيضا فلا شيء في العالم فيه مصلحة لإنسان إلا وفيه مضرة لآخر فليت شعري ما الذي جعل الصلاح على زيد بفساد عمرو حكمه وكل من فعل هذا بيننا فهو سفيه بل هو أسفه السفهاء والله تعالى يفعل كل ذلك وهو أحكم الحكماء فيلزمهم على قياسهم الفاسد وأصلهم الفاضح أن يسفهوا ربهم تعالى لأنه يفعل ما هو
سفه بيننا لو فعلناه نحن وقد وجدنا من أعرى بين الحيوانات بيننا حتى تتقابل كالديكة والكباش والقبج
وقتلها لغير أكل أنه غاية السفه والباري تعالى يفعل كل ذلك ويقتل الحيوانات لغير أكل ويسلط بعضها دون مثوبة للقاتل
стр. 1386
منهما ولا المقتول وهو أحكم الحاكمين وهذا خلاف الرتبة بيننا فبطل قوله إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده وصح بالضرورة أنه يفعل ما يشاء لصلاح ما شاء ولفساد ما شاء ولنفع من شاء ولضر من شاء ليس ههنا شيء يوجب إصلاح من صلح ولا إفساد من أفسد ولا هدي من هدى ولا إضلال من أضل ولا إحسان إلى من أحسن إليه ولا الإساءة إلى من أساء إليه لكن فعل ما شاء ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ وهم دائبا يسألون ربهم لم فعلت كذا كأنهم لم يقرؤوا هذه الآية نعوذ بالله من الخذلان ونجده قد حبب بين زوجين حتى أطاعاه وحبب بين آخرين حتى عصياه واشتغلا بما هما فيه عن الصلاة في أوقاتها وجذم صالحا وطالحا وسلم صالحا وطالحا وابتلى قوما فصبروا وابتلى قوما فكفروا وعافى قوما فصبروا وشكروا وعافى آخرين فبطروا وكفروا وعمر صالحا وصالحا أقصى العمر واخترم صالحا وطالحا في حداثة السن وجعل عيسى ﵇ نبيا حين سقوطه من بطن أمه وآتى يحيى الحكم صبيا وبسط لفرعون أنواع الغرور حتى قال أنا ربكم الأعلى وخلق قوما ألباء فهماء كفارا كالفيومي اليهودي وأبي ريطة اليعقوبي وقوما ألباء فهماء مسلمين وقوما بلداء كفارا وقوما بلداء مسلمين فبأي شيء استحق عنده هؤلاء أن يرزقهم الفهم وهؤلاء أن يمنعهم إياه فإن قالوا لو رزق بلداء الكفار الفهم لكانوا ضررا على المسلمين أريناهم من ذكرنا ممن كان ضررا عليهم فصح تناقضهم وأكذبهم الباري بقوله إنما نملى لهم ليزدادوا إثما وبقوله تعالى أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات فأخبر تعالى أنه إنما أملى لهم لضررهم لا لنفهم ولا لمصلحتهم وكذلك يكذبهم أيضا إنما يريد الله أن يعذبهم
стр. 1387
في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون
وكذلك قال تعالى أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فأبان الله تعالى كذبهم في قولهم إن الله تعالى إنما يفعل الشرائع لمصالح عباده وأيضا فقد كان أصلح لهم أن يدخلهم الجنة دون تكليف عمل ولا مشقة واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننساأها نأت بخير منها أو مثلها قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن الناسخة إنما صارت خيرا لنا معشر المؤمنين بها خاصة إذ جعلها الله تعالى خيرا لنا لا قبل ذلك ولم يكن قط هنا سبب يوجب أن تكون خيرا لنا إلا أنه تعالى شاء ذلك بلا سبب ولا علة أصلا ويقال لهم وبالله تعالى التوفيق متى كانت الناسخة خيرا لنا إذ نسخ بها ما تقدم أو قد كنت خيرا لنا قبل أن يسنخ ما تقدم قإن قالوا كانت خيرا قبل أن يخاطبنا بها فقضوا أصلهم وأثبتوا أنه تعالى قد منعنا ما هو خير لنا مدة طويلة وإن قالوا بل صارنت خيرا لنا إذا نسخت هبا ما تقدم وإذ خاطبنا وأبطل بها الرتبة الأولى قيل لهم وما الذي أوجب أن تصير حينئذ خيرا لنا وما الذي أوجب أن تنتقل الرتبة الأولى عن كونها خيرا لنا أعلة متقدمة حكمت على البارى تعالى بذلك أم أنه شاء ذلك فقط فإن قالوا بل علة أوجبت ذلك على البارى كفروا بإجماع الأمة وجعلوا الله تعالى مدبرا مصرفا تعالى الله عن ذلك
стр. 1388
فإن قالوا بل إنه شاء ذلك فقط رجعوا إلى أنه تعالى شاء ما فعل بلا علة أصلا ولم يشأ ما لم يفعل وأنه تعالى يريد ضلال من ضل ولم يرد به الهدى ولا المصلحة أصلا وبالله تعالى التوفيق وقد بين تعالى ذلك بقوله وفي آذانهم وقرا وبقوله تعالى ختم الله على قلوبهم فليت شعرى أي صلاح إرادة الله تعالى لمن ختم على قلبه وجعل في أذنيه وقرا عن قبول الحق نعوذ بالله من أن يريد منا ما أراد بهؤلاء ونقول لمن قال إنه تعالى أراد صلاحهم أن يدعو ربه أن يريد به من الصلاح ما أراد بهم
ونجده تعالى خلق الكلب مضروبا به المثل في الرذالة والخنزير رجسا وخلق الخيل في نواصيها الخير فأي علة وأي سبب أوجب على هذه الحيوانات أن يرتبها هكذا وما الذي أوجب أن يخترع بعضها نجسا وبعضها مباركا وبأي شيء استحقت ذلك قبل أن يكون منها فعل أو قبل أن توجد وأي علة أوجبت أن يخلق ما خلق من الأشياء على عدد ما دون ان يخلق أكثر من ذلك العدد أو أقل وأن يخلق الخلد أعمى والسرطان صارفا بصره أمام ووراء أي ذلك شاء والأفعى أضر من الخلد ولها بصر حاد فإن قالوا خلقها لتعتبر بها وعذب الأطفال بالأمراض ليعوضهم أو ليأخر آباءهم فهذا كله فاسد لأنه قد كان يعتبر ببعض ما خلق كالاعتبار بكله ولو زاد في الخلق لكان الاعتبار أكثر فلزم التقصير على قولهم تعالى الله على ذلك ولا فساد فيما بيننا أعظم من فعل من عذب آخر ليعطيه
стр. 1389
على ذلك مالا أو من فعل من عذب إنسانا لا ذنب له يعظ به آخر أو ليثبت على ذلك آخر وكل هذا يفعله البارى تعالى وهو أحكم الحاكمين فبطل قولهم إن الحكيم لا يفعل شيئا إلا لعلة قياسا على ما بيننا وأي فرق بين ذبح صغار الحيوان لمنافعنا وبين ذبح صغارنا لمنافعنا فيذبح ولد عمرو لمصلحة زيد إلا أن الله تعالى شاء فأباحه ولم يشأ هذا فحرمه ولو أحل هذا وحرم ذلك لكان عدلا وحكمة وإذا لم يفعله تعالى فهو سفه ولا علة لكل ذلك أصلا وقد أباح تعالى سبى نساء المشركين وأطفالهم واسترقاقهم قهرا وتملكنا رقابهم وأخذنا أموالهم غصبا لذنوب وقعت من آبائهم والدليل على أن ذلك لذنوب آبائهم أن آبائهم لو أسلموا لحرم علينا سبى أولادهم وتملكهم فما الذي جعل الأبناء مؤاخذين بذنوب غيرهم أو ما الذي جعل مصلحة أولى من مصلحة ابائهم وكل لا ذنب له لو فعل ذلك فاعل بيننا بغير نص من الله تعالى أما كان يكون أظلم الظالمين وأسفه السفهاء
стр. 1390
الباب الأربعون وهو باب الكلام في الاجتهاد ما هو وبيانه ومن هو معذور باجتهاده ومن ليس معذورا به ومن يقطع على أنه خطأ عند الله تعالى فيما أراد إليه اجتهاده ومن لا يقع على أنه مخطىء عند الله وإن خالفناه قال أبو محمد علي بن أحمد ﵀ لفظة الاجتهاد مما يجب معرفة تفسيرها لأن أكثر المتكلمين في الاجتهاد وحكمه لا يعلمون معنا فنقول وبالله تعالى التوفيق إن حقيقة بناء لفظة الاجتهاد أنه افتعال من الجهد وحقيقة معناها أنه استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إدراكه حيث يرجى وجوده فيه أو حيث يوقن بوجوده فيه هذا مالا خلاف بين أهل اللغة فيه والجهد بضم الجيم الطاقة والقوة تقول هذا جهدي أي طاقتي وقوتي والجهد بفتح الجيم سوء الحال وضيقتها تقول القوم في جهد أي في سوء حال فإذ ذلك كذلك فالاجتهاد في الشريعة هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم ما لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالديانة فيه قال أبو محمد وإنما قلنا في تفسير الاجتهاد العام حيث يرجى وجوده فعلقنا الطلب بمواضع الرجاء وقلنا في تفسير الاجتهاد في الشريعة حيث يوجد ذلك الحكم فلم نعلقه بالرجاء لأن احكام الشريعة كلها متيقن أن الله تعالى قد بينها بلا خلاف ومن قال إن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يبن لنا الشريعة التي أراها الله تعالى منا وألزمنا إياها فلا خلاف في أنه كافر فأحكام الشريعة كلها مضمونة الوجود لعامة العلماء وإن تعذر وجود بعضها على بعض الناس فمحال ممتنع أن يتعذر وجوده على كلهم لأن الله تعالى لا يكلفنا ما ليس في وسعنا ما نعذر وجوده على الكل فلم يكلفنا الله تعالى إياه
стр. 1391
قط قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقال تعالى
وما جعل عليكم في الدين من حرج وبالضرورة ندرى أي تكليف أصابه مالا سبيل إلى وجوده حرج فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق ثم اتفق العلماء على أن القرآن وما حكم به رسول الله ﷺ أو قاله أو فعلعه أو أقره وقد علمه مواضع لوجود أحكام النوازل واختلفوا في نقل السنن على ما ذكرناه قبل وبينا البرهان هنالك بحول الله تعالى وقوته على وجوب قبول الخبر المسند بنقل العدول ثم اختلفوا فقالت طائفة لا موضع البتة لطلب حكم النوازل من الشريعة ولا وجود إلا هذه المعادن التي ذكرنا أما نص على اسم تلك النازلة وأما دليل منها على حكم تلك النازلة لا يحتمل إلا وجها واحدا وهذا قول جميع أهل الإسلام قطعا وإن اختلفوا في الطرق التي توصل إلى معرقة السنن وهو قول جميع اصحابنا الظاهريين وبه نأخذ وقد بينا أقسام الدليل المذكور فيما سلف من ديواننا هذا وحضرناها هنالك والحمد لله رب العالمين وقال آخرون بل ههنا مواضع أخر يطلب فيها حكم النازلة وهي الخبر المرسل وقال الصاحب الذي لا يعرف له مخالف من الصحابة إذا اشتهر وقال آخرون وإن لم يشتهر وقول الإمام الوالي منهم ودليل الخطاب والقياس والرأى المجرد والاستحسان وقول أكثر العلماء وعمل أهل المدينة والأخذ بقول عالم وإن كان له مخالف مثله وقد شرحنا معانى هذه الأسماء وأبطلنا الحكم بكلها أو بشيء منها بالبراهين الضرورية فيما سلف من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين فأما تعلق قوم فيما اعتقدوه من أحكام بعض النوازل بقول صاحب له مخالفون أو بقول تابع أو بقول فقيه من الفقهاء المتقديم وإن خالفه غيره من أهل العلم فهذا هو التقليد الذي قد تكلمنا في إبطاله فيما سلف
стр. 1392
من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين قال أبو محمد وليس للمتكلمين في الديانة اليوم قول يكون عندهم اجتهادا غير ما ذكرنا وقد كانت أقوال في ذلك لقوم من أهل الكلام قد درست مثل قول
بعضهم إن ما وقع في النفس من أول الفكر فهو الواجب ان يقال به وقال بعضهم الواجب أن يقال بالأثقل لأنه خلاف الهوى وقال بعضهم بل الأخف منها لقول الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر قال أبو محمد وهذه أقوال فاسده لأنها كلها دعاوى يعارض بعضها بعضا وكل ما ألزمنا الله تعالى فهو يسر وإن نقل علينا وكل شريعة تتكلف فهى خلاف الهوى لأن تركها كان موافقها للهوى لأنه قد يقع في أوائل الفكر الوسواس وقال تعالى ذاما لقوم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ومن قطع بشيء مما يقع في نفسه من الدين فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى وقال تعالى قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين فنص تعالى على أن من لا برهان له فليس بصادق وقال تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم فهذا يدفع قول من قال بالأخف وقال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وهذا يدفع قول من قال بالأثقل وصح أنه لا لازم إلا ما ألزمنا الله تعالى وسواء وقع في النقس أو لم يقع وسواء كان أخف أو أثقل قال أبو محمد وإذ قد انحصرت وجوه الاجتهاد إلى ما قد وضحنا براهينه من القرآن أو الخبر المسند بنقل الثقات إلى النبي ﷺ أما
стр. 1393
نصا على الإسم وإما ليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا وسقط كل ما عداها من الوجوه التي قد حصرت فالواجب أن ننظر في أقسام المجتهدين فنظرنا في ذلك فوجدنا أقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا وأما عند الله تعالى فقسمان لا ثالث لهما فالقسمان اللذان عند الله تعالى إما مصيب أو مخطىء لا بد أن يكون كل مجتهد عند الله تعالى واقعا في التعيين إما مصيب وإما مخطىء فقد أوضحنا فيما سلف من كتابنا هذا البراهين الضرورية على أن الحق لا يكون في قولين مختلفين في حكم واحد في إنسان واحد في وجه واحد
وأما الثلاثة أقسام التي عندنا فمصيب تقطع على صوابه عند الله أو مخطىء نقع على خطئه عند الله أو متوقف فيها لا ندري أمصيب عند الله تعالى أو مخطىء وإن أيقنا أنه في أحد الحيزين عند الله بلا شك لأن الله تعالى لا يشك بل عنده علم حقيقة كل شيء ولكنا نقول مصيب عندنا أو مخطىء عندنا والله أعلم أو نتوقف فلا نقول إنه مخطىء ولا مصيب وإنما هذا فيما لم يقم على حكمه عندنا دليل أصلا وما كان من هذه الصفة فلا تحل الفتيا فيه لمن لم يلح له وجهه إذ لا شك في أن عند غيرنا بيان ما جهلناه كما أن عندنا بيان كثيرا مما جهله غيرنا ولم يعر بشر من نقص أو نسيان أو غفله فإذا قال البرهان عند المرء على صحة قوله ما قياما صحيحا فحقه التدين به والعمل به والدعاء إليه والقطع أنه الحق عند الله لما ذكرنا قبل وليس من هذا الحكم بالشهادة من العدلين وقد يكونان في باطن أمرهما عند الله تعالى كاذبين أو مغفلين وإذ لم يكلفنا الله تعالى معرفة باطن ما شهدا به ولكن كلفنا الحكم بشهادتهما
стр. 1394
وقد عملنا أنه لا يمكن أن يخفى الحق في الدين على جميع المسلمين بل بل لا بد أن تقع طائفة من العلماء على صحة حكمه بيقين لما قدمنا في كتابنا في هذا من أن الدين مضمون بيانه ورفع الإشكال عنه بقول الله تعال تبيانا لكل شيء وبقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم ولكن قد قال الله تعالى وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم فصح بالنص أن الخطأ مرفوع عنا فمن حكم بقول ولم يعرف أنه خطأ وهو عند الله تعالى خطأ فقد أخطأ ولم يتعمد الحكم بما يدري أنه خطأ فهذا لا جناح عليه في ذلك عند الله تعالى وهذه الآية عموم دخل فيه المفتون والحكام والعاملون والمعتقدون فارتفع الجناح عن هؤلاء بنص القرآن فيما قالوه أو عملوا به مما هم مخطئون فيه وصح أن الجناح إنما هو على من تعمد بقلبه الفتيا أو التدين أو الحكم أو العمل بمن يدرى أنه ليس حقا أو
بما لم يقدم إليه دليل أصلا وصح بهذه الآية أن من قام عنده برهان على بطلان قول فتمادى عليه فهو في جناح لأنه قد تعمد بقلبه ذلك
وكذلك قول رسول الله ﷺ إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران وقد ذكرناه بإسناده فيما سلف من كتابنا هذا فأغنى عن إعادته فنص رسول الله ﷺ على أن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده فله أجر فيما أداه اجتهاده إلى أنه حق عنده وأسقط عنه بذلك الإثم وإن كان مخطئا في الحقيقة عند الله تعالى قال أبو محمد واعتقاد الشيء والعمل به والفتيا به حكم به فدخل هؤلاء تحت لفظ الحديث المذكور وعمومه فصح ما ذكرناه وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد ثم ينقسم المخطىء المجتهد قسمين لا ثالث لهما إما مخطىء
стр. 1395
معذور كما قلنا وإما مخطىء غير معذور على ما شهد به قول الله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم أن المخطىء المعذور هو الذي يتعمد الخطأ وهو الذي يقدر أنه على حق اجتهاده وأن المخطىء وغير المعذور هو من تعمد بقلبه ما صح عنده أنه خطأ أو قطع بغير اجتهاده
стр. 1396
فإن قال قائل فإنكم على هذا يلزمكم أن كل من قال من الصحابة أو من التابعين وفقهاء الأمة وخيارها بقول يخالف قولكم في كل مسألة فإنه داخل فيما ذكرتم من التكفير أو التفسيق أو الكذب وفي هذا ما فيه قلنا هذه دعوى منكم كاذبة بل هو اللازم لكم ولكل من قال إن الحق في واحد من الأقوال لأنكم في قوله لكم تزعمون في نصركم إياها أنها موافقة لما جاءه من عند الله تعالى إما لقرآن أو لسنة مسندة أو
стр. 1397
مرسلة وهما عندكم سواء في أمر الله تعالى بقبوله أو لقياس بل هو عندكم مما أمر الله تعالى به فيلزمكم أن كل من خالفكم فيها من صاحب أو تابع أو فقيه مخالف لما جاء من عند الله تعالى والمخالف لما جاء من عند الله تعالى عندكم إما كافر وإما فاسق فإن قال لا يكون كافرا ولا فاسقا ولا عاصيا إلا أن يعاند الحق الذي جاء
من عند الله تعالى وهو يدري أنه حق قلنا هذا نفس قولنا ولله الحمد فإن كل من خالف قرآنا أو سنة صحيحة أو إجماعا متيقنا وهو لا يلوح له أنه مخالف لشيء من ذلك فليس كافرا ولا عاصيا ولا فاسقا بل هو مأجور أجرا واحدا كما قال رسول الله ﷺ فيمن اجتهد فأخطأ ولا خطأ في شيء من الشريعة إلا في خلاف قرآن أو سنة صحيحة فهذا برهاننا من السنة
وأما من القرآن فقوله تعالى للمسلمين ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ ومن الإجماع أنه لا خلاف بين أحد من الأمة أن من قرأ فبدل من القرآن بلفظ آخر أو أسقط كلاما أو زاد ساهيا مخطئا فإنه لا يكفر ولا يبتدع ولا يفسق ولا يعصي وإنما الشأن فيمن قامت عليه الحجة فعند وخالف الآية بعد أن وقف عليها مقلدا أو متبعا لهواه أو خالف السنة بعد أن عرفها كذلك فهؤلاء هم الذين يقع عليهم التكفير والتفسيق على حسب خلافهم لذلك إن استحلوا خلاف ذلك كفروا وإن خالفوه معاندين غير مستحلين فسقوا وهكذا القول في الشريعة كلها ووطء الفرج الحرام وأكل الحرام واستباحة العرض الحرام والبشرة الحرام ونحو ذلك كل هذا من فعله مخطئا غير عالم أنه خالف ما جاء من عند الله تعالى على لسان نبيه ﷺ فلا يكفر ولا يفسق ولا يعصي ومن فعله عامدا غير معتقد لإباحة ما حرم الله تعالى من ذلك فهو فاسق ومن فعله عامدا مستحلا
стр. 1398
خلاف الله تعالى فهو كافر وقد نزه الله تعالى كل صاحب وكل فاضل عن هاتين المنزلتين وأوقع فيهما كل فاسق متبع هواه قاصدا إلى نصر الباطل والثبات عليه وهو يدري أنه باطل وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد فإذا قد صح كل ما قلناه فلنبين بحول الله تعالى وقوته وجوه الاجتهاد التي قدمنا وحكم من أخذ بوجه منها وفي أي خبر يقع عندنا من القطع بصوابه أو القطع بخطئه أو التوقف في أمره وبالله تعالى نعتصم فأول ذلك من تعلق بآية منسوخة فهذا لا يخلو من أحد وجهين إما أن تكون تلك الآية قد جاء نص منقول نقل تواتر بأنها منسوخة أو قال دليل متيقن النص أو الحال بأنها منسوخة فإن كان نسخها ثبت أحد هذه الوجوه فحكمها الثبات على ما بلغه من المنسوخ عند الله بلا شك ما لم يثبت البرهان عنده بنسخها معذور مأجور مرتين فإذ قام
عليه البرهان المذكور بأنها منسوخة فتمادى على ذلك من الأخذ بالمنسوخ معتقدا لصوابه في ذلك فهو كافر مشرك حلال الدم كمن تمادى على القول بأن المتوفى عنها وصية إلى الحول أو على القول بالصلاة إلى بيت المقدس وما أشبه ذلك
وأما إن قام الدليل عنده على أنها منسوخة من النص المتيقن كما ذكرنا إلا أنها مما اختلف الناس في نسخها فتمادى على القول بالمنسوخ وهو يعلم خلاف ذلك فهو فاسق عاص لله تعالى لتعمد قلبه القول بمخالفة الحق الصحيح فهو عامد كبيرة وبالله تعالى التوفيق
стр. 1399
فإن كانت تلك الآية مما قام الدليل على نسخها من نقل الآحاد وهو ممن يصحح مثل ذلك النقل فتمادى على القول بها فهو فاسق بتعمده مخالفة ما هو الحق عنده وإن كنا لا نقطع على أنه مخطىء وليس هذا فيما لم يأت من جهة الثقات مسندا فقط لكن من جهة من اختلف في توثيقه ولا بد ولا مزيد وهذا كمن رد شهادة العدلين من الحكام فيما يقبلان فيه بغير شيء يوجب رد شهادتهما فهذا فاسق لرده ما هو الحق عنده ولعله في باطن الأرض مصيب في ردها إذ لعلهما كاذبان أو مغفلان أو غاب عنهما سر تلك الشهادة فهذا أفضل وفصل ثان وهو أن يتعلق بآية مخصوصة مثل قوله ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ فهذه خاصة فيمن مات كافرا ببرهان نص آخر فهذه أيضا ما لم يقم عنده برهان بأنها مخصوصة فحكمه الثبات على المخصوص الذي بلغه وهو مأجور مرتين حتى إذا قام عليه الدليل البرهاني بأنها مخصوصة فكما قلنا في الفصل الذي قبل هذا وفصل ثالث وهو أن يتعلق بآية قد خص منها بعضها كقوله تعالى ﴿قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير لله به فمن ضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ وكقوله تعالى ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن
فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ إلى قوله ﴿ولمحصنات من لنسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب لله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد لفريضة إن لله كان عليما حكيما﴾ وكقوله تعالى ﴿ولسارق ولسارقة فقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من لله ولله عزيز حكيم﴾ فهذا أيضا حكمه الثبات على ما بلغه وهو مأجور مرتين فإن قام عليه البرهان فتمادى فإن كان صحيحا عنده
стр. 1400
فهو كافر كمن أحل الخمر بعموم هذه الآية أو أحل العبيد بملك اليمين
وفصل رابع وهو أن يتعلق بآية مزيد عليها نص آخر كمن تعلق بقوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية إلى قوله ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ وقد زيد في هذه الآية تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ومثل هذا كثير فهذا أيضا حكمه الثبات على ما بلغه وهو مأجور مرتين ما لم يقل عليه دليل بالزيادة فإن كان الدليل صحيحا عنده فخالفه معتقدا خلاف النص فهو كافر وفصل خامس وهو أن يتعلق بآية فيصرفها عن وجهها كمن ادعى في قول الله ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ وقوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ أنهما مخالفان لما صح عن النبي ﷺ من الحكم باليمين مع الشاهد وموجبان ألا يحكم بأقل من الشاهدين أو شاهد وامرأتين قال أبو محمد وهذا تمويه تعمدوه أو جاز عليهم بغفلة أو صرف للآيتين عن وجههما وتمويه بوضعهما في غير موضعهما لأنه ليس في الآيتين المذكورتين أمر بالحكم بالشاهدين أو الشاهد والمرأتين أصلا ولا دليل على ذلك بوجه من الوجوه وإنما فيهما الأمر باستشهاد الشاهدين أو الشاهد والمرأتين المداينة والطلاق والرحمة فقط مع ما فيهما من قوله تعالى ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ دون ذكر عدد إشهاد واحد يقع عليه اسم إشهاد وقوعا صحيحا في اللغة بلا شك فهو جائز بنص القرآن وكمن تعلق في إيجاب الزكاة بقوله تعالى ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وهذا خطأ لأن إيتاء حق الزكاة فيما أنبتت الأرض لا يمكن يوم الحصاد وهي أيضا مكية والزكاة مدنية فصح أن من احتج بهذه الآية في أحكام الزكاة
стр. 1401
فصارف للآية عن وجهها فمن جهل هذه النكتة واحتج بهاتين الآيتين فيما ذكرنا فهو مخطىء لأنه لم يأمره الله تعالى قط بما ذهب إليه لكنه بجهله مأجور مرة معذور فإن وقف على ما ذكرنا فتمادى على قوله فهو فاسق أو كافر على ما قسمنا قبل مخطىء عند الله تعالى بيقين لما ذكرنا قبل قال أبو محمد وهذه الفصول كلها داخلة على من تعلق بالأحاديث
كما ذكرنا قبل سواء بسواء كمن تعلق بحديث منسوخ أو مخصوص أو مخصوص منه أو مزيد عليه فهذا كما
قلنا في الآيات سواء بسواء إلا أنه لا يكفر إلا برد حديث ثبت عنده وإن كان مختلفا في الأخذ به فكما قلنا في الآيات إن خالف في ذلك ما هو الحق عنده معتقدا لذلك فهو كافر مخطىء عند الله تعالى وإن خالف ذلك بلسانه دون قلبه فهو فاسق ومما ذكرنا أيضا قول من احتج في إباحة الصلاة في المقبرة بصلاة النبي ﷺ على قبر المسكينة السوداء وهو لا يبيح الصلاة على القبر وأما لو اتخذ بهذا لكان هذا منه قياسا لا صرفا للخبر عن وجهه وكمن احتج بقوله ﷺ إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث في رد الحج عن الميت وترك للصيام عنه وترك كشف رأسه إن مات محرما ومنها أن يدعي المرء في عموم آية نسخا أو تخصيصا أو تخصيصا منها أو ندبا فإن حق له دعواه في ذلك بنص صحيح فقوله حق مقطوع على صحته عند الله ومن قال إن هذه الآية أو الخبر قد نسخها الله أو خصهما أو خصص منهما أو يلزمنا ما فيهما أو أراد بهما غير ما يفهم منهما ولم يأت على دعواه بنص صحيح فقد قال الله ما لم يعلم قال أبو محمد وليس هؤلاء كمن تقدم ذكرنا لهم لأن من تعلق بنص لم يبلغه ناسخه ولا ما خصه ولا ما زيد به عليه فقد أحسن ولزم ما بلغه
стр. 1402
وليس عليه غير ذلك حتى يبلغه خلافه من نص آخر ومن ذكرنا في هذا الفصل فلم يتعلق بشيء أصلا بل تحكم في الدين كما اشتهى وهذا عظيم جدا فمن قال بهذا ممن نشاهده ساهيا غير عارف بما اقتحم فيه من الدعوى فهو معذور بجهله ما لم ينبه على خطئه فإن نبه عليه فثبت على خلاف ما بلغه عامدا فهذا غير معذور لأنه خالف الحق بعد بلوغه إليه وأما من روي عنه شيء من ذلك من الصحابة أو التابعين أو ممن سلف ممن يمكن أن يظن به أنه سمع في ذلك نصا شبه له فيه فهؤلاء معذورون لأننا لا نظن بهم إلا أحسن الظن وقد حضنا الله تعالى على أن نقول ﴿ولذين
جآءوا من بعدهم يقولون ربنا غفر لنا ولإخواننا لذين سبقونا بلإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف رحيم﴾ قال أبو محمد ولا يقين عندنا أنهم تحكموا في الدين بلا شبهة دخلت عليهم ولا شك أنهم لم يتبين لهم الحق في ذلك
وأما من نشاهده أو لم نشاهده ممن صح عندنا بيقين حاله ومقدار عمله فنحن على يقين أنه ليس عنده في ذلك أكثر من الدعوى والقول على الله تعالى بما لا يعلم فهؤلاء فساق راكبون أعظم الكبائر ونعوذ بالله من الخذلان
стр. 1403
ومنها أن يتعلق بدليل الخطاب أو بالقياس فهذا أيضا معذور مأجور مخطىء عند الله تعالى بيقين إلا أنه لا يفسق ما لم تقم عليه الحجة في بطلان هذين العلمين فإن قام بذلك عنده البرهان من النصوص الثابتة المتظاهرة فتمادى على القول بالقياس أو بدليل الخطاب فهو فاسق لأنه ثابت على ما لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله ﷺ كما قدمنا
ومنها أن يتعلق بالرأي والاستحسان وهذا أضعف من كل ما تقدم إذ الشبهة المتعلق بها في هذين الوجهين في غاية الوهاء لأنه دليل على صحتهما بل البرهان قائم على بطلانهما إلا أنهم قد تعلقوا في ذلك بأثرين واهيين ساقطين مصروفين أيضا عن وجههما أحدهما الحديث المنسوب إلى معاذ إلا أن من شبه عليه فظن أنه مصيب في ذلك فهو معذور مأجور فإن قامت عليه الحجة بطلان الرأي والاستحسان فثبت على القول بهما فهو فاسق لحكمه في الدين بما لم يأذن به الله تعالى
стр. 1404
ومنها أن يتعلق بقول صاحب قد خالفه غيره من الصحابة أو بقول عالم ممن دونه ممن قد خالفه غيره من العلماء فهذا هو التقليد بعينه وليس من فعل هذا مجتهدا أصلا وهو حرام لا يحل فمن قد رأته معذور في ذلك ولم يبلغه المنع منه ولا بلغه أن ههنا عالما آخر مخالفا لهذا الذي تعلق به فهو معذور لأنه يظن أن هذا هو الحق وأما إذا بلغه أن عالما آخر مخالفا للذي تعلق هو به فهو فاسق لأنه ليس بيده شبهة أصلا يتعلق بها في اتباع رجل بعينه دون غيره بل هو ضلال مبين ونعوذ بالله من الخذلان وأما الوجوه التي لا تقع فيها على تفسيق المخالف لنا ولا على أنه مخطىء عند الله تعالى بل نقول نحن على الحق عند أنفسنا ومخالفنا عندنا مخطىء مأجور والله أعلم فأدق ذلك وأغمضه أن ترد آيتان عامتان أو حديثان صحيحان عامان أو آية عامة وحديث صحيح وفي كل واحدة من الآيتين أو في كل واحد من الحديثين أو في كل واحد من الآية والحديث تخصيص لبعض ما في عموم النص الآخر منهما وذلك مثل قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ مع قوله تعالى ﴿حرمت
عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ وكقول رسول الله ﷺ لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن مع قوله ﷺ وقد ذكر الإمام وإذا قرأ القرآن فأنصتوا ومثل قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ مع قول رسول الله ﷺ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم فإن خصومنا يقولون ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ وقد خص منه الأختين بملك اليمين قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ وقلنا نحن إن قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ خص منه الأختين بملك
стр. 1405
اليمين قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾
وقال خصومنا لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن خص منه المأموم قوله ﷺ إذا قرأ القرآن فأنصتوا وقلنا نحن قوله ﷺ وإذا قرأ القرآن فأنصتوا خص أم القرآن منه قوله لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن وقال خصومنا قول الله تعالى خص النساء منه قوله ﷺ لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم وقلنا نحن إن قوله ﷺ لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم خص سفر الحج قوله تعالى ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على لناس حج لبيت من ستطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن لله غني عن لعالمين﴾ قال أبو محمد فهذا وإن رجعنا استعمالنا للحديثين بدليل لازم صحيح فإن متعلق خصومنا هنا قوي ووجه خطأ من أخطأ ههنا خفي جدا دقيق البتة لا يؤمن في مثله الغلط على أهل العلم الواسع والفهم البارع والإنصاف الشائع وليس كسائر ما قدمنا مما تقود إليه العصبية ولا يخفى وجه الخطأ فيه على من أنصف أو تورع هذا ما لم يوجد فيه نص يشهد لأحد الاستعمالين فإن وجد نص صحيح بذلك عاد الأمر إلى ما قد ذكرناه في الفصول المتقدمة ولا بد من وجوده لأن الله تعالى قد ضمن لنا بيان الدين بقوله تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فلا يجوز البتة أن يبقى في الدين شيء مشكل بل هو كله مقطوع على أنه بين بيانا جليا والحمد لله رب العالمين
الوجه الثاني أن يرد حديثان صحيحان متعارضان أو آيتان متعارضتان أو آية معارضة لحديث صحيح تعرضا مقاوما في أحد النصين منع وفي
следующие страницы →