← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10432

الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 408 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الباب الرابع عشر في أقل الجمع قال علي اختلف الناس في أقل الجمع فقالت طائفة أقل الجمع اثنان فصاعدا وهو قول جمهور أصحابنا وقالت طائفة أقل الجمع ثلاثة وهو قول الشافعي وبه نأخذ واحتج أصحابنا لقولهم بأن قالوا الجمع في اللغة ضم شيء إلى شيء آخر فلما ضم الواحد إلى الواحد كان ذلك جمعا صحيحا قال علي هذا خطأ ولا حجة فيه لأنه يلزمهم على ذلك أن يكون الجسم الواحد مخبرا عنه بالخبر عن الجمع واقعا عليه اسم الجمع لأنه جمع جزء إلى جزء وعضو إلى عضو وليس المراد باسم الجمع الذي اختلفنا فيه هذا المعنى من معاني الضم وإنما المقصود به ما عدا الإفراد والتثنية وليس ذلك إلا ثلاثة أشخاص متغايرة فصاعدا بلا خلاف من أهل اللغة وحفاظ ألفاظها وضباط إعرابها واحتجوا أيضا بأن قالوا روي عن النبي ﷺ الاثنان فما فوقهما جماعة قال علي لا حجة لهم فيه لأنه حديث لم يصح حدثني أحمد بن عمر بن أنس بن عبد الله بن حسين بن عقال ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري ثنا محمد بن أحمد بن الجهم ثنا بشير بن موسى ثنا يحيى بن إسحاق ثنا عليلة بن بدر هو الربيع

стр. 457

بن بدر عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله ﷺ الاثنان فما فوقهما جماعة وبه إلى ابن الجهم قال ثنا عبد الكريم بن الهيثم حدثنا أبو توبة ثنا مسلمة بن علي عن يحيى بن الحارث عن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال اثنان فما فوقهما جماعة وقال أبو محمد ﵀ عليلة ساقط بإجماع وأبوه مجهول ومسلمة بن علي ضعيف بلا خلاف وكذلك القاسم عن أبي أمامة فسقط الحديثان وإنما المعتمد عليه في حكم الصلاة قوله ﵇ لمالك بن الحويرث وابن عمه فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وبإمامته في النافلة ﷺ ابن عباس وحده واحتجوا أيضا بأن قالوا خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الكثير عن أنفسهم ولا فرق فيقول الاثنان فعلنا وصنعنا كما يقول الجماعة سواء بسواء

стр. 458

قال علي لا حجة لهم في ذلك في إيجابهم بهذا أن يكون الخبر عن الاثنين كالخبر عن الجماعة لأن ذلك قياس والقياس فاسد وأيضا فإن الخبر عن الاثنين بخلاف الخبر عن الجماعة فنقول عن الاثنين فعلا وعن الجماعة فعلوا وأيضا فإن المرأتين تخبران عن أنفسهما كما يخبر الرجلان عن أنفسهما فتقول المرأتان فعلنا وصنعنا وليس ذلك بموجب أن يخبر عنهما كما يخبر عن الرجلين فيقال فعلا بمنزلة فعلنا ولا يجوز في اللغة قياس بإجماع عن أهلها وإنما هي مسموعة والضمائر مختلفة عن الغائب والحاضر والمخبر عن نفسه والتثنية والجمع والمؤنث والمذكر وقد تتفق الضمائر أيضا في مواضع فليس اتفاقها فيها بموجب لاتفاقها في كل موضع ولا اختلافها في بعض المواضع بموجب اختلافها في كل موضع بل كل ذلك مأخوذ عن أهل اللغة كما سمعوه عن العرب وقد يخبر الواحد عن نفسه كما يخبر الاثنان وكما يخبر الجماعة فيقول فعلنا وصنعنا ونفعل ونصنع ونحن نقول وهذا عندنا وليس ذلك بموجب أن يكون الواحد جمعا فبطل احتجاجهم بأن خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الجمع وهو حجة في كون الاثنين جمعا واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ وإنما كان لهما قلبان قال علي ولا حجة لهم في هذا لأن هذا باب محفوظ في الجوارح خاصة وقد نقل النحويون هذا الباب وقالوا إن كل اثنين من اثنين فإنه يخبر عنهما كما يخبر عن الجمع كأن العرب عدت الشيئين المخبر عنهما ثم أضافتهما إلى الشيئين اللذين هما منهما فصارت أربعة فصح الجمع وأنشدوا في ذلك ومهمهين فدفدين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين وهذا باب لا يتعدى فيه مسموعه من العرب فقط ولا يجوز أن يقاس عليه واحتجوا أيضا بقوله ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث

стр. 459

إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾ قال علي وهذا لا حجة لهم فيه لأن الضمير في حكم العربية أن يكون راجعا إلى أقرب مذكور إليه وأقرب مذكور إلى الضمير قوله تعالى ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين﴾ فالقوم وداود وسليمان جماعة بلا شك فكأنه تعالى قال وكنا لحكم القوم في ذلك أي للحكم عليهم كما تقول هذا حكم أمر كذا أي الحكم فيه وعليه واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط﴾ وبين تعالى أنهما اثنان بقوله ﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب﴾ ويقول أحدهما ﴿إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب﴾ قال علي لا حجة لهم فيه لأن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة وقوعا مستويا وكذلك الزور على الزائر الواحد والاثنين والجماعة وكذلك الإلب والحرب تقول هو إلب علي وهو حرب علي وهما حرب علي وإلب علي وهم حرب علي وإلب علي فلا يسوغ لأحد أن يقول إن المتسورين على داود ﷺ كانا اثنين دون أن يقول بل كانوا جماعة وقد قال ذلك بعض المفسرين وقال تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم﴾ وإنما نزلت في ستة نفر علي وحمزة وعبيد بن الحارث ﵃ وفي عتبة وشيبة والوليد بن عتبة إذ تبارزوا يوم بدر وقد أخبر تعالى في آخر الآية بما يبين أنهم جماعة يقول تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم﴾ إلى منتهى قوله ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير﴾ حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن محمد بن عيسى عن إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم بن الحجاج ثنا عمرو بن زرارة

стр. 460

ثنا هشام عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذر يقسم قسما ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير﴾ إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة ﵃ وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وإذا لم يأت نص بين في أن الخصمين المختصمين إلى داود ﷺ كان إذ تسورا اثنين فقط لا ثالث لهما فليس لأحد أن يحتج بذلك في إبطال ما قد صح في اللغة ولا في إثبات أمر لم يثبت بعد واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ قال علي ولا حجة لهم في ذلك وليس كما ظنوا بل هذا جمع صحيح لأن لكل واحد من السارقين يدان فهي أربع أيد بيقين وقطع يدي السارق جميعا واجب يدا بعد يد إذا سرق سرقة بعد سرقة بنص القرآن واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بهآ أو دين آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما﴾ قال علي وهذا عليهم لا لهم أنه لا يجوز أن تحط الأم عن الثلث إلى السدس عندنا إلا بثلاثة من الإخوة لا باثنين وقولنا في ذلك هو قول ابن عباس وهو في اللغة بحيث لا يجهل محله إلا جاهل وإنما حكم من حكم برد الأم إلى السدس باثنين من الإخوة إما بقياس وإما بتقليد وكل ذلك فاسد فإن قيل قد قال بذلك عثمان قيل له قد خالفه ابن عباس وأنكر عليه ذلك وبين عليه أن اللغة خلاف ما يحكم به فلم يقدر عثمان على إنكار ذلك ولم نرد على أن قال لا أقدر أن أرد ما قد توارث به الناس واحتجوا بقوله تعالى حاكيا عن يعقوب ﵇ في قوله ﴿قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم﴾ قالوا وإنما كان يوسف وأخاه قال علي هذا خطأ بل ما كانوا إلا ثلاثة يوسف وأخاه الذي حبس

стр. 461

من أجل الصواع الذي وجد في رحله والأخ الكبير الذي قال ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين * ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين﴾ فلما فقد يعقوب ثلاثة من بنيه تمنى رجوعهم كلهم واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ والطائفة تقع على الواحد وعلى الاثنين وعلى الأكثر فأخبر تعالى عن الطائفتين مرة بلفظ الجمع بقوله ﴿وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ ومرة بلفظ الاثنين ﴿وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ وقال تعالى في الآية التالية لها ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ فأمر بالإصلاح بين الاثنين كما أمر بالإصلاح بين الجماعة قال علي وهذا لا حجة لهم فيه لأن الطائفة كما ذكروا تقع على الواحد والاثنين والأكثر فإذا أخبر عنهما بلفظ الجمع فالمراد بهما الجمع والمراد بالطائفتين في أول الآية المذكورة الكثير منهم ومعنى قوله تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ أي بين الجماعتين المقتتلتين ثم علمنا تعالى وجوب الإصلاح بين الاثنين كوجوبه بين الكثيرين بقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ وحمل الآية على ما نقول هو الذي لا يجوز غيره لأنه عموم لكيفية الإصلاح بين الكثير والقليل ولو كان ما ظن مخالفنا لما علمنا فيها الإصلاح بين الاثنين فقط وهذا خطأ واحتجوا بقوله تعالى لموسى وهارون ﵉ ﴿قال كلا فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون﴾ ولم يقل معكما قال علي وهذا لا حجة لهم فيه لأنهم ثلاثة بلا شك المرسلان وفرعون المكلم المرسل إليه فالمستمعون ثلاثة بيقين قال علي فإن قد بطل احتجاجهم بكل ما احتجوا به فلنقل في بيان صحة مذهبنا وبالله تعالى التوفيق

стр. 462

فنقول إن الألفاظ في اللغة إنما هي عبارات عن المعاني ولا خلاف بين القرب في أن الاثنين لهما صيغة في الإخبار عنهما غير الصيغة التي للثلاثة فصاعدا وإن للثلاثة فصاعدا إلى ما لا نهاية له من العدد صيغة غير صيغة الخبر عن الاثنين وهي صيغة الجمع ولا خلاف بين أحد من أهل اللسان في أنه لا يجوز أن يقال قام الزيدون وأنت تريد اثنين ولا جاءني الهندات وأنت تريد اثنتين وضمير الغائب موضوع بلا خلاف بين أحد من أهل اللسان في موضع اسم الغائب ومبدل منه فلا يجوز أن يبدل ضمير الجماعة إلا من الجماعة ولا ضمير الاثنين إلا من الاثنين ولو كان ذلك لوقع الإشكال وارتفع البيان وكذلك المخاطبات لا يجوز البتة أن نقول لاثنين قمتم وقعدتم وإنما يقال قمتما وقعدتما ولا يقال لاثنين قمتن ولا يقال للنساء قمتما وإنما قال قمتن فصح ما قلنا بحكم ظاهر اللغة التي بها نزل القرآن وبها تكلم النبي ﷺ وإلى مفهومها نرجع في أحكام الديانة إلا ما نقلنا عنه نص جلي وبالله تعالى التوفيق وهذا ما لا يجوز خلافه والله الموفق للصواب فصل من الخطاب الوارد بلفظ الجمع قال علي وإذا ورد لفظ بصورة جمع وقدر على استيعابه فلا بد من استيعابه ضرورة وإلا فقد صحت المعصية وخلاف الأمر فإن لم يقدر على ذلك ولم يكن إلى استيعابه سبيل فللناس قولان أحدهما أنه واجب أن يؤدي من ذلك ما أمكن وما انتهى إليه الوسع ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه أو ما قام نص أو إجماع بسقوطه وبهذا نأخذ وقالت طائفة لا يلزم

стр. 463

من ذلك إلا أقل ما يقع عليه اسم ذلك الجمع وهو ثلاثة فصاعدا وما زاد على ذلك فليس فرضا قال علي والحجة للقول الأول هي حجتنا على القائلين بالخصوص أو الوقف وقد لزم عموم ذلك الجمع بيقين فلا يسقط بشك ولا بدعوى فأما ما عجز عنه فساقط وأما ما لم يعجز عنه فباق على وجوب الطاعة له ويبين ذلك قول رسول الله ﷺ وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم قال علي فمن ذلك قول الله ﴿إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ الآية وقوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ فنقول إن الإمام القادر على استيعاب جميع مساكين المسلمين وفقرائهم وغازيتهم وسائر الأصناف المسماة ففرض عليه استيعابهم وأما من عجز عن ذلك فمن دونه فقد أجمعت الأمة بلا خلاف على أن له أن يقتصر على بعض دون بعض ودل على ذلك قوله ﷺ لزينب امرأة عبد الله بن مسعود إذ سألته أيجزي عني أن أتصدق على زوجي وولدي منه من الصدقة فقال ﵇ نعم قال علي فبهذه النصوص صرنا إلى هذا الحكم والاستيعاب والعموم معناهما واحد وهذا كله من باب استعمال الظاهر والوجوب وقد رام قوم أن يفرقوا بين الاستيعاب والعموم وهذا خطأ ولا يقدرون على ذلك أبدا وقال هؤلاء القوم العموم لبعض ما يقع عليه الاسم عموم ذلك الجزء الذي عم به قال علي فيقال لهم وكذلك الاستيعاب لبعض ما يقع عليه الاسم استيعاب لذلك الجزء الذي استوعب به ولا فرق قال علي والجمع بلفظ المعرفة والنكرة سواء في اقتضاء الاستيعاب كقوله تعالى ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ فهذا عموم

стр. 464

لكل قوم لا يؤمنون وهو بلفظ النكرة كما ترى وقد ظن قوم أن الجمع إذا جاء بلفظ النكرة فإنه لا يوجب العموم فقالوا قولك جاء رجال لا يفهم منه العموم كما يفهم من قولك جاء الرجال قال علي وهذا ظن فاسد لا دليل عليه وإنما هو ألفه لما وقع في أنفسهم في عادات سواء استعملوها في تخاطبهم وبخلاف معهود اللغة في الحقيقة وقد أبطلنا ذلك بالآية التي ذكرنا آنفا وبالله تعالى التوفيق الباب الخامس عشر في الاستثناء قال علي قد بينا في باب الأخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية الاستثناء ونحن الآن متكلمون إن شاء الله بتأييده لنا في ماهية الاستثناء وأنواعه فنقول وبالله تعالى التوفيق إن الاستثناء هو تخصيص بعض الشيء من جملته أو إخراج شيء ما مما أدخلت فيه شيء آخر إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان من ذلك بلفظ حاشا وخلا وإلا وما لم يكن وما عدا وما سوى وأن يجعلوا ما كان خبرا من خبر كقولك اقتل القوم ودع زيدا مسمى باسم التخصيص لا استثناء وهما في الحقيقة سواء على ما قدمنا قال علي واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء فقالت طائفة لا يجوز أن يستثنى الشيء من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه وقالت طائفة جائز أن يستثنى الشيء من غير جنس أو المخبر عنه وبكلا هذين القولين قالت طوائف من أصحابنا الظاهرين ومن إخواننا القياسيين قال علي ونحن نقول إن استثناء الشيء من غير جنسه ونوعه المخبر عنه

стр. 465

جائز واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع وهو حينئذ ابتداء خبر آخر كقائل قال أتاني المسلمون إلا اليهود فهذا جائز كأنه قال إلا اليهود فإنهم لم يأتوني وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلا إذا كان على الوجه الذي ذكرناه قال علي والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى ﴿فسجد لملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ستكبر وكان من لكافرين﴾ وقال تعالى ﴿وإذا قلنا للملائكة سجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من لجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾ فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالا إلا بينه وأخبر أن إبليس كان من الجن وقد حمل التهور قوما راموا نصر مذهبهم ههنا فقالوا إن الملائكة يسمون جنا لاجتنانهم قال علي وهذا قول فاحش من وجوه أحدها وأوضحها قول الله إذ سأل الملائكة ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ فقالت الملائكة ﴿قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون لجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ ففرق تعالى بين الملائكة والجن فرقا كما ترى والوجه الثاني إخباره ﵇ إن الملائكة خلقت من نور والجن خلقت من نار ففرق بين النوعين فرقا من خالفه كفر حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح عن عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم والثالث إجماع الأمة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيا فقد كفر فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد وكان أقصى ما احتج له القائلون به أن قالوا الاجتنان هو الاستتار ومن ذلك يسمى المجن مجنا والجنة جنة فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن

стр. 466

قال علي وهذا هذيان لبعض أهل اللغة وفي كل قوم جنون فلو أن عاكسا عكس عليهم فقال ما اشتق الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن بماذا كانوا ينفصلون وأيضا فيقال لهم حتى لو صح قولكم إن الجن اشتقوا من الاجتنان فمن أي شيء اشتق الاجتنان فإن جروا هكذا إلى غير غاية وهذا يوجب أشياء موجودات لا أوائل لها ولا نهاية لعددها وهذا محال ممتنع وموافقة أهل الكفر وإن قالوا ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق قيل لهم فما الذي جعل تلك اللفظة بأن تكون مبتدأة أولى من هذه الثانية وقد سقط في هذا كبار النحويين منهم أبو جعفر النحاس فإنه ألف كتابا في اشتقاق أسماء الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذا يلزمهم القول بحدوث أسماء الله لأن كل شيء مشتق فهو مأخوذ مما اشتق منه وكل مأخوذ فقد كان قبل أن يوجد غير مأخوذ فقد كانت الأسماء على أصلهم غير موجودة والكلام ههنا يطول ويتشعب ويخرجنا عن غرض كتابنا وأسماء الله إنما هي أسماء أعلام كقولك زيد وعمرو والمراد بها الله تعالى الذي لم يزل وحده لا شريك له ولا يزال خالق كل شيء لا إله إلا هو رب العرش العظيم وأما الأصوات المسموعة المعبر بها فمخلوقة لم تكن ثم كانت ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي فإنه قال في نوادره العشقة نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقا أو ما علم هذا الرجل أن كل نبت في الأرض فهذه صفته فهلا يسمى العاشق باقلا مشتقا من البقل الذي يخضر ثم يصفر ثم يهيج فإن ركب هذا الطريق اتسع له جدا وأخرجه ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون وأدخله

стр. 467

في باب المضاحك والمطايب والمجون والذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء الفاعلين من أفعالهم فقط وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية والنفسانية وهذا أيضا لا ندري هل أخذت الأسماء من الصفات أو أخذت الصفات من الأسماء إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه مثل ضارب من الضرب ومثل آكل من الأكل ومثل أبيض من البياض وغضبان من الغضب وما أشبه ذلك وأما سائر الأسماء الواقعة على الأجناس والأنواع كلها فلا اشتقاق لها أصلا وليس بعضها قبل بعض بل كلها معا وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده حسان بن مالك ﵀ وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها وثقته وتحريه في نقلها فكان يقول لي قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة قديم وسماه لي وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه وكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنا وهو يسمع قول الله ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق لقول مني لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين﴾ وما علمنا مسلما يقول إن أحدا من الملائكة يدخل جهنم وقد قال تعالى ﴿قل أعوذ برب لناس * ملك لناس * إله لناس * من شر لوسواس لخناس * لذى يوسوس في صدور لناس * من لجنة ولناس﴾ أفتراه تعالى أمر نبيه ﷺ بأن يستعيذ من شر الملائكة هذا ما لا يظنه ذو عقل وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى ﴿وجعلوا بينه وبين لجنة نسبا ولقد علمت لجنة إنهم لمحضرون﴾ وقال إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن قال علي وهذا ليس بشي لأنه قد روي عن ابن عباس أن قريشا كانت تقول سروات الجن هم بنات الرحمن فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا المكان لا الملائكة ونسأل من ذهب إلى هذا أيجوز أن يقول قائل والجن

стр. 468

حافون من حول العرش وهذا ما لا يجيزه مسلم وقد أخبر تعالى أن الجن عن السمع لمعزولون ودون السماء بالشهب مقذوفون وأن الملائكة بخلاف ذلك ويلزم من سمى الجن جنا من أجل اجتنانهم أن يسمي دماغه جنيا ويسمي مصيره جنيا لأن كل ذلك مجتن وقد اعترض بعضهم بأن إبليس دخل مع الملائكة في الأمر بالسجود لآدم ﷺ قال علي وهذا باطل لأن الله تعالى أخبر أنه كان من الجن ولا تدخل الجن مع الملائكة فيما خصت به الملائكة فلا بد أنه تعالى أمر إبليس أيضا بالسجود وقد جاء النص بذلك فقال تعالى ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من لعالين﴾ فقد أيقنا أن الله تعالى أمره بالسجود كما أمر الملائكة فقد وجدنا الله تعالى استثنى إبليس من غير نوعه فلا مجال للشك في هذا المعنى بعد هذا ووجدناه تعالى قد قال أيضا ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ أي لكن خطأ وقال تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بلباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن لله كان بكم رحيما﴾ وقال تعالى ﴿لا يذوقون فيها لموت إلا لموتة لأولى ووقاهم عذاب لجحيم﴾ فاستثنى الموتة الأولى وليست الموتة فيما يذاق أصلا في الجنة واستثنى تعالى التجارة وهي حق من الباطل واستثنى تعالى الخطأ من القتل المحرم وليس المخطىء قاتلا من العمد الحرم واستثنى تعالى القول الطيب سلاما سلاما من قول الإثم ومن هذا الباب لا إله إلا الله واستثنى الله تعالى من جملة الآلهة التي عبدها من سوانا وليس تعالى من جنسها ولا نوعها ولا له نوع ولا جنس أصلا وقد قال تعالى ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا بتغآء وجه ربه لأعلى﴾ وقال النابغة الذبياني ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فاستثنى الفخر من المعائب وقال أيضا

стр. 469

وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فاستثنى الأثافي والنؤى من الأحدين وقال آخر وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال تعالى ﴿ولئن شئنا لنذهبن بلذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا * إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا﴾ فاستثنى رحمته من الوكيل عليه الذي لا سبيل إليه فأي شيء قاله من أبى استثناء الشيء من غير جنسه في هذه الآيات وفي هذه الآي فهو قولنا وهو أنه استثناء منقطع وعطف خبر على خبر بمعنى لكن أو حتى وقد صح بلا ضرورة أن يخبر بخبر إيجاب عن واحد وبخبر نفي عن آخر ولا فرق بين أن يرد أحد الخبرين على الآخر بحرف العطف وبين أن يرد بحرف الاستثناء وقد جاء كل ذلك كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق فصل من الاستثناء قال علي واختلفوا في نوع من أنواع الاستثناء وهو أن يستثنى من الجملة أكثرها ويبقى الأقل فأجازه قوم وهو قول جميع أصحابنا أهل الظاهر وبه نأخذ وبه قال جمهور الشافعيين وأباه قوم وهو قول جمهور المالكيين ولا نعلم لهؤلاء القوم حجة أصلا في المنع من ذلك إلا أن يقول بعضهم إنكم قد وافقتمونا على جواز استثناء ولا نوافقكم على جواز استثناء الأكثر قال علي وهذه حجة إنما تصح فيما لا نص فيه أو فيما لم يقم عليه برهان

стр. 470

وأما كل ما قام فيه برهان عقلي أو شرعي فلا نبالي من وافقنا فيه ولا من خالفنا وقد قامت البراهين على جواز استثناء الأكثر من جملة لا يبقى منها بعد ذلك إلا الأقل قال الله ﴿قم لليل إلا قليلا * نصفه أو نقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل لقرآن ترتيلا﴾ فأبدل تعالى النصف من القليل وهو بدل البيان ولم يختلف قط أحد أنه لم يفرض عليه قيام الليل كله وإنما فرض عليه القيام في الليل وهذا البدل يحل محل المبدل منه فالمفهوم أنه قال تعالى قم الليل إلا نصفه ثم زادنا الله تعالى فائدة عظيمة وهي أن النصف قليل بالإضافة إلى الكل قال علي فإن قال قائل كيف تحتجون بهذا وأنتم تقولون إن قيام أكثر من ثلث الليل لا يجوز لقول النبي ﷺ إنه لا قيام فوق داود وكان يقوم ثلث الليل بعد أن ينام نصفه ثم ينام سدسه قيل له وبالله تعالى التوفيق معنى قوله تعالى ﴿نصفه أو نقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل لقرآن ترتيلا﴾ إنما هو والله أعلم إعلام بوقت القيام لا بمقدار القيام ليتفق معنى الآية والحديث فكل من عند الله تعالى وما كان من عنده تعالى فلا اختلاف فيه قال الله ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ فصح أن معنى قوله تعالى ﴿قم لليل إلا قليلا﴾ قم في الليل إلا في قليل في نصفه وهكذا قوله تعالى ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي لليل ونصفه وثلثه وطآئفة من لذين معك ولله يقدر لليل ولنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فقرءوا ما تيسر من لقرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في لأرض يبتغون من فضل لله وآخرون يقاتلون في سبيل لله فقرءوا ما تيسر منه وأقيموا لصلاة وآتوا لزكاة وأقرضوا لله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند لله هو خيرا وأعظم أجرا وستغفروا لله إن لله غفور رحيم﴾ إنما معناه في أدنى وقوله تعالى ﴿كانوا قليلا من لليل ما يهجعون﴾ مع نهيه على لسان نبيه عن قيام أكثر من ثلث الليل بيان أن الثلثين قبل الإضافة إلى الكل لأنهم كانوا يهجعون قليلا وهو الثلثان ويخرج أيضا على أن ما ههنا جحد محقق فيكون معناه كانوا ما يهجعون قليلا من الليل وهو الثلث فأقل فيكون هذا أيضا حسنا موافقا لما صح عن النبي ﷺ في قيام الثلث وكلا القولين متفق لأنه إذا هجع الثلثين وقام الثلث فإن الثلثين قليل بالإضافة إلى الكل والثلث أيضا كذلك وبالله تعالى التوفيق

стр. 471

فإن اعترض معترض بقول رسول الله ﷺ الثلث كثير قيل له صدق رسول الله ﷺ الثلث كثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه وهكذا كل عدد من العالم فألف ألف كثيرا بالإضافة إلى عشرة آلاف وألف ألف قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف ألف قال علي ونقدر أن الذي أقحم هؤلاء القوم في هذه الورطة تجويزهم للمحتبس استثناء أقل من الثلث ولم يجوزوا له استثناء الأكثر من ذلك فقادهم الخطأ إلى ما هو أشد خطأ منه وإن أولى الناس بالتقنع إذا ذكر هذا الحديث الذي اعترضوا به من قول رسول الله ﷺ الثلث كثير فالمالكيون لأنهم يجعلون الثلث كثيرا في الاستثناء من الحبس كما ذكرنا ثم يجعلونه في حكم المرأة ذات الزوج في مالها قليلا فيجوزون لها الثلث دون رأي زوجها ويمنعونها من أكثر من الثلث إلا برأيه ثم يجعلون الثلث كثيرا في الجائحة إذا أصابت من الثمرة ثلثها فصاعدا ويجعلون ما دون الثلث قليلا لا حكم له ثم يجعلون الثلث قليلا في استثناء البائع من حائطه المبيع أو زرعه المبيع مكيلة تبلغ الثلث فأقل ويجعلون ما زاد على الثلث في ذلك كثيرا ممنوعا ثم يجعلون الثلث كثيرا في الشاة تباع ويستثنى منها أرطال فمنعوا من ذلك إن كانت الأرطال مقدار الثلث وأجازوه إن كانت أقل من الثلث ثم يجعلون الثلث قليلا في الدار تكترى وفيها نخل لم يظهر بعد فيه ثمرة أو ظهرت ولم يبد صلاحها فأجازوا دخول تلك الثمرة في الكراء قالوا فإن كانت أكثر من الثلث لم يجز ذلك ويجعلون العشر قليلا وما زاد عليه كثيرا فيمن أمر آخر أن يشتري له جارية بثلاثين فاشترى له جارية بثلاثة وثلاثين قالوا هي لازمة للآمر فإن كان أكثر فهي غير لازمة للآمر وقد قالوا أيضا إن ما زاد على نصف العشر كثير فيمن أمر آخر أن يشتري له عبدا بمائة دينار فاشتراه له بمائة وخمسة دنانير أنه يلزمه

стр. 472

ولا يلزمه إن اشتراه بأكثر ومرة يجعلون النصف قليلا فيمن كان له عند آخر دينارا فصارفه في نصفه بدراهم فأخذ بالنصف الثاني طعاما أن ذلك جائز فإن صارفه بأكثر من النصف وأخذ بالباقي لم يجز ذلك لأنه كثير وقالوا من ابتاع سلعا فوجد بعضها فاسدة لا يجوز بيعها كشاة ميتة بين مذكيات ونحو ذلك فإن كان وجه الصفقة والذي يرجى فيه الربح فسخت الصفقة كلها وإن كان أقل من ذلك فسخ الحرام ونفذ العقد في الحلال وحدوا الكثير في ذلك بالسبعين من المائة فجعلوا ما دون الثلاثة الأرباع قليلا وجعلوا نقص النصف من الأذن والذنب مانعا من جواز التضحية ونرجح في الثلث فما فوقه إلى النصف ثم يجعلون الثلث قليلا في الحلي والسيف والمصحف يكون فيه فضة تقع في ذلك قيمته ما هي فيه فيجيزون بيعه كله أو بعضه أو يكون فيه ذهب يقع في ثلث قيمة ما هو فيه فيباع بالذهب قالوا فإن كان مقدار ذلك أكثر من الثلث مما هو فيه لم يجز بيعه إن كان فضة بفضة أصلا وإن كان ذهبا بذهب أصلا قالوا والسكين بخلاف الحلي والسيف المصحف في ذلك قال علي فمرة كما ترى يجعلونه الثلث قليلا ومرة يجعلونه كثيرا ومرة يجعلون النصف قليلا ومرة يجعلون ما زاد على العشر كثيرا تحكما بآرائهم الفاسدة بلا دليل وإن سماع هذه القضايا الفاسدة التي لم يأذن بها الله لعبرة لمن اعتبر وآية لمن تفكر والعجب يتضاعف من قوم قبلوا ذلك ودانوا به كما ترى وتركوا له دلائل القرآن والسنة ونصوصهما وحسبنا الله ونعم الوكيل قال علي وقد جاء في نص القرآن استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل بعد ذلك فبطل كلام كل من خالفه قال الله لإبليس ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من تبعك من لغاوين﴾ وقد أخبر رسول

стр. 473

الله ﷺ أنا في الأمم التي تدخل النار كالشعرة السوداء في الثور الأبيض وأنه ﵇ يرجو أن يكون نصف أهل الجنة وأن بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار واحد إلى الجنة هذا حكم جميع ولد آدم ﵇ ويكفي من ذلك قوله تعالى ﴿ومآ أكثر لناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ فقد استثنى الغاوين من جملة الناس وهم أكثر الناس فاستثنى كما ترى ألفا غير واحد من ألف قال علي وأيضا فإن الاستثناء إنما هو إخراج للشيء المستثنى مما أخبر به المخبر عن الجملة المستثنى منها ولا فرق بين إخراجك من ذلك الأكثر وبين إخراجك الأقل وكل ذلك خبر يخبر به فالخبر جائز عن الأكثر كجوازه عن الأقل ولا يمنع من ذلك إلا وقاح معاند أو جاهل وأيضا فلا شك بضرورة التمييز أن عشرة آلاف أكثر من عشرة آلاف حاشا واحدا فإذا كان ذلك فعشرة آلاف غير واحد قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف كاملة وإذا كان ذلك فاستثناء القليل من الكثير جائز لا تمانع فيه وأيضا فإنه لا فرق بين قول القائل ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين وبين قوله واحد ولا فرق بين قول القائل سبعمائة وثلاثمائة وبين قوله ألف وهذا كله من المتلائمات وهي ألفاظ مختلفة معناها واحد وإذا كان ذلك فلا فرق بين استثناء ثلاثمائة من ألف لأنها بعض الألف وبين استثناء تسعة وتسعمائة وتسعين من الألف أيضا لأنها بعض الألف ولا فرق فإن قال قائل إن ربك ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين إذا كان ذلك بمعنى واحد قيل له وبالله تعالى التوفيق لو عقلت معنى تسمية ربك تعالى لم تسمنا هذا ونحن لا يحل عندنا أن نقول إن الله تعالى فرد ولا أنه

стр. 474

فذ ولا نقول إلا واحد وتر كما جاء النص فقط لأن كل ذلك تسمية ولا يحل تسمية الباري تعالى بغير ما سمى به نفسه ومن فعل ذلك فقد ألحد في أسمائه وهو تعالى ليس عددا وإنما يسمى ما دونه واحدا على المجاز وإلا فليس في العالم واحد أصلا لأن الواحد الذي لا يتكثر البتة وليس هذا في العالم البتة حاشا الله تعالى وحده وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل فأخر استثناء الجملة كلها قيل له هذا لا يجوز لأنه كان يتكون أحد الخبرين مبطلا للآخر ومكذبا له كله لأنه إذا قال أتاني إخوتك إلا إخوتك كأن قد قال إتاني إخوتك لم يأتني إخوتك وهذا تناقض وتكاذب وخلف من الكلام ومحال لا يجوز أصلا وليس هذا المحال موجودا في استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل ولا في استثناء الشيء من غير جنسه ألا ترى أنك إذا قلت أتاني إخوتك ولم يأتني بنو عمك وأتاني إخوتك ولم يأتوني كلهم لكن بعضهم فهذان الخبران صدق إذا صدق فيهما والإخبار بهما صحيح حسن فهذا فرق ما بين استثناء الجملة كلها وبين استثناء أكثرها واستثناء الشيء من غير جنسه وقد قال قائلون إن من لفظ بعموم في خبره فلا بد له أن يبقي إن استثنى من جنس تلك الجملة ما يقع عليه اسم عموم ولم يجوزوا أن يقول القائل أتاني إخوتك لم يأتني كلهم ولكن أتاني واحد منهم وقالوا إن الآتي ليس إخوة ولكنه أخ فلا يستثنى إلا بأن يبقى ثلاثة فصاعدا قال علي وهذا لا معنى له لأن ألف سنة ليس مطابقا لتسعمائة فإن قال هو مطابق لتسعمائة وخمسين قيل له ومجيء الأخ الواحد مطابق لعدم مجيء جميعهم حاشاه ولا فرق فإن قال قائل فإذا لا تجوزون استثناء الجملة كلها فكيف قلتم إن من قال لفلان عندي مائة دينار إلا عبدا قيمته مائة دينار أو قال لفلان عندي مائة دينار إلا مائة دينار إن هذا الإقرار

стр. 475

لا يحكم عليه بشيء منه ولا يقضى لذلك لفلان عليه بشيء قيل له وبالله تعالى التوفيق وهذا موافق لأصلنا لأنه لما كان استثناء جميع الجملة محالا وكان الناطق بذلك ناطقا بمحال لا يجوز فكان كلامه ذلك باطلا وإقراره فاسدا والإقرار لا يجوز إلا صحيحا مجردا من كل ما يبطله فلذلك لم نحكم عليه بهذا الإقرار لأنه متناقض وقد وافقنا خصومنا في ذلك على أن رجلا لو قال بحضرة عدول إني زنيت الساعة أمامكم بامرأة كانت معنا وقتلت الساعة بحضرتكم رجلا مسلما حرام الدم بلا سبب وكذلك لو قال رفعت رجلا مسلما إلى السحاب ثم أرسلته فسقط في البحر فمات أو قال أخذت عصا موسى ﵇ وطعنت بها رجلا فقتلته فإنه لا يؤخذ بشيء من ذلك ولا يحكم عليه إلا بالهوس والجنون ولا فرق بين ما ذكرنا وبين ما حكمنا نحن به من إسقاط كل إقرار فاسد متناقض يسقط آخره أوله ويبطله ولا فرق بين إسقاط بعض الجملة المقر بها الاستثناء وبين إسقاط جميعها بالتناقض أو بذكر البراء منها وبالله تعالى التوفيق فصل من الاستثناء قال علي وإذا وردت أشياء معطوفات بعضها على بعض ثم جاء الاستثناء في آخرها فإن لم يكن في الكلام نص بيان على أن ذلك الاستثناء مردود على بعضها دون بعض فواجب محله على أنه مردود على جميعها والبرهان على ذلك أنه ليس بعضها أولى بها من بعض فإن قال قائل فهلا قلتم إنه مردود عن أقربها منه لأن الألفاظ التي تقدمت قد حصلت على عمومها فواجب ألا ينتقل عنه إلا بنص أو إجماع فالجواب وبالله تعالى التوفيق

стр. 476

إن كل ألفاظ جمعت في حكم واحد فلم يكمل بعد أمرها حتى ينقضي الكلام فإذا جاء بعقبها استثناء فقد صح الاستثناء يقينا وإذا صح يقينا فقد حصل التخصيص بالنص وصار الاقتصار به على بعض ما قبله دون بعض دعوى مجردة لا دليل عليه فإن قال قائل فإن رده على أقرب ما يليه يقين ورده على كل ما قبله شك قيل له وبالله تعالى التوفيق ليس شكا إذا قام الدليل على صحته بل هو يقين وأيضا فظاهر اللفظ رده على كل ما قبله وتخصيص الظاهر بلا دليل لا يجوز قال علي وكذلك نقول في آية القذف في قوله تعالى ﴿ولذين يرمون لمحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم لفاسقون * إلا لذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن لله غفور رحيم﴾ راجع إلى كل ما تقدم ومسقط للفسق عنهم وموجب لقبول شهادتهم فإن قال قائل فهلا أسقطتم به الحد قلنا منع من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لقاذف امرأته البينة وإلا فحد في ظهرك لأنه ﵇ لم يسقط الحد إلا ببينة لا بالتوبة وقد حد حمله ومسطحا في قذفهم عائشة أم المؤمنين ﵂ ولا شك في توبتهم حين نزول الآية ببراءتها ولو لم يتوبوا لارتدوا وكفروا ولحلت دماؤهم فصح أنهم حدوا بعد يقين توبتهم وكذلك قلنا في قوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من لله وكان لله عليما حكيما﴾ فلولا بيان الاستثناء أنه مردود إلى الأهل فقط لسقطت به الرقبة ولكن لا حق للأهل في الرقبة ولا صدقة لهم فيها وقد قال تعالى ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وكذلك قلنا في قوله ﴿وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا﴾ فهذا الاستثناء مردود على المخاطبين أنفسهم وهذا القليل عندنا مستثنى من الفضل والرحمة لا من اتباع الشيطان والآية على ظاهرها دون تكلف تأويل ومعناها أن الله رحمكم وتفضل عليكم حاشا قليلا منكم لم يرحمهم ولا تفضل عليهم وهم الكفار

стр. 477

منكم والمنافقون الذين فيكم فلم تتبعوا الشيطان بفضل الله تعالى ورحمته وأما الذين لم يتفضل الله عليهم ولا رحمهم فاتبعوا الشيطان وهذا الذي قلنا هو العيان المشهود والنص المسموع فإن الأقل من المخاطبين الحاضرين مع الصحابة ﵃ كانوا منافقين خارجين عن الفضل والرحمة متبعين الشيطان فهم القليل المستثنون بقوله تعالى ﴿وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا﴾ واستثنوا من جملة المتفضل عليهم والمرجومين والممتنعين بذلك من اتباع الشيطان فهو راجع على كل من ذكر في الآية وبالله تعالى التوفيق وللناس في هذه الآية أقوال فقوم قالوا هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى ﴿وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا﴾ ﴿وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا﴾ قال علي وهذا خطأ لأن رد الاستثناء إلى أبعد مذكور دعوى ساقطة فاسدة لم يقل بها قط أحد من النحويين وأهل اللغة الذين إليهم يرجع في مثل هذا وإنما الناس على قولين كما قدمنا قوم قالوا الاستثناء مردود إلى أقرب مذكور وقوم قالوا إلى الجملة كلها فإن وجد استثناء راجع إلى أبعد مذكور فلا يحمل غيره على حكمه لأنه بمنزلة ما خرج عن معهود أصله وكلفظ نقل عن موضوعه وقال بعضهم ﴿وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا﴾ راجع إلى قوله تعالى ﴿وإذا جآءهم أمر من لأمن أو لخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى لرسول وإلى أولي لأمر منهم لعلمه لذين يستنبطونه منهم ولولا فضل لله عليكم ورحمته لاتبعتم لشيطان إلا قليلا﴾ أي أذاعوا به إلا قليلا قال علي ويبطل قول هؤلاء بما بطل به قول من ذكرنا قبلهم ولا فرق وقال بعضهم فضل الله ورحمته المذكوران في الآية هما محمد ﷺ والقرآن أي لولاهما لكنتم كفارا متبعين الشيطان إلا قليلا ممن هديناه قبل ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة قال علي وهذا تأويل فاسد النية لأن زيدا وقسا لولا فضل الله ورحمته لهما لاتبعا الشيطان والاستثناء إنما هو مخرج لما استثنى من جملة ما استثنى منه فلا يجوز أن يكون هذا الاستثناء إلا من الفضل والرحمة والامتناع

стр. 478

من اتباع الشيطان الذي ذكر كل ذلك في الآية وبالله تعالى التوفيق قال علي وحتى لو لم يجز في الاستثناء إلا رده إلى أقرب مذكور لما كان في ذلك ما يوجب ألا نقبل شهادة القاذف إذا تاب لأن الفسق مرتفع عنه بالتوبة بنص الآية بإجماع الأمة وإذا ارتفع الفسق ثبتت العدالة ضرورة لأنه ليس في العالم من المخاطبين إلا فاسق أو عدل وإذا ثبتت العدالة وجب قبول الشهادة لقوله تعالى ﴿جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها لأنهار خالدين فيهآ أبدا رضى لله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه﴾ فحرام علينا ألا نرضى عمن ﵁ وإذا كان حراما علينا ففرضنا الرضا عنه وإذا كان الرضا عنه فرضا ففرض علينا قبول شهادته لأنه ممن نرضى من الشهداء بنص القرآن في إيجاب شهادة ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ فقد صح أن سقوط الفسق عنه موجب لقبول شهادته والعجب من أصحاب أبي حنيفة في تركهم ظاهر الآية وميلهم إلى رأيهم الفاسد فإن نص الآية إنما يوجب ألا تقبل شهادته بنص القذف وليس في ذلك أن شهادته لا تسقط إلا بعد أن يحد وقالوا هم إن شهادته لا تسقط إلا أن يحد فزادوا في رأيهم ما ليس في القرآن وخالفوا الآية في كل حال فقبلوا شهادته أفسق ما كان قبل أن يحد وردوها بعد أن ظهر الحد وقد أخبر ﵇ في كثير من الحدود أن إقامتها كفارة لفاعليها وهم أهل القياس بزعمهم فهلا قاسوا المحدود في القذف على المحدود في السرقة والزنى وقد شاركهم المالكيون في بعض ذلك فردوا شهادة المحدود فيما حد فيه وأجازوها فيما لم يحد فيه وهذا كله افتراء على الله لم يأذن به وحكم في الدين بغير نص وبالله تعالى التوفيق قال علي وكذلك قوله ﴿ولذين لا يدعون مع لله إلها آخر ولا يقتلون لنفس لتي حرم لله إلا بلحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له لعذاب يوم لقيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل لله سيئاتهم حسنات وكان لله غفورا رحيما﴾ إلى قوله تعالى فإن الاستثناء الذي في آخرها راجع بإجماع إلى كل ما تقدم

стр. 479

قال علي والاشتراط هو معنى الاستثناء في كل ما قلنا من ذلك قوله تعالى ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح لمحصنات لمؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم لمؤمنات ولله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بلمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على لمحصنات من لعذاب ذلك لمن خشي لعنت منكم وأن تصبروا خير لكم ولله غفور رحيم﴾ فهذا كما تراه استثناء صحيح لمن خشي العنت مع كل ما تقدم من الشروط دون ذكر من لم يخش العنت وكذلك قوله تعالى ﴿وأتموا لحج ولعمرة لله فإن أحصرتم فما ستيسر من لهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ لهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بلعمرة إلى لحج فما ستيسر من لهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في لحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري لمسجد لحرام وتقوا لله وعلموا أن لله شديد لعقاب﴾ في كفارات الأيمان فكان هذا الشرط عن عدم كل مذكور في الآية من رقبة وكسوة وإطعام لا على أقرب مذكور فيها وكذلك قوله تعالى في آية المحاربة ﴿إلا لذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فعلموا أن لله غفور رحيم﴾ فكان ذلك راجعا على سقوط كل ما ذكر في الآية من قتل وصلب ونفي وقطع وخزي وعذاب لا على بعض ذلك دون بعض بإجماع فإن اعترض معترض بقوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ وأننا نقول إنه راجع إلى أقرب مذكور قال علي وإنما وجب ذلك لضرورة بينة في تلك الآية فإنه لا يجوز البتة في نصها أن يرد الشرط على كل مذكور فيها لأنه تعالى قال ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ فكان ذكر الدخول من صلة وصف النساء اللواتي هن أمهات الربائب لا بوصف أمهات النساء إذ من المحال الممتنع أن يقول تعالى وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لأنه كلام فاسد البتة لا يفهم فلما صح أن الدخول المذكور إنما هو مراد به أمهات ربائبنا ضرورة لأنه من صلة اللاتي واللاتي صفة للنساء اللواتي هن أمهات ربائبنا ضرورة كان قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ مردودا إليهن ضرورة أيضا لأنه أحد قسميهن اللذين هما دخول ولا دخول وهو صلة الكلام المتصل به لا مما قبله فإن قال قائل أنتم تجيزون أن يستثنى الشيء من خير جنسه فكيف تقولون فيمن باع بدينار إلا درهما أو إلا قفيز قمح أو ما أشبه هذا

стр. 480

قلنا له وبالله تعالى التوفيق هذا عندنا ممتنع في البيع حرام لأنه يرجع إلى بيعتين في بيعة لأن الدرهم والعرض لا يستثنى من غير جنسه عندنا إلا على معنى الاستثناء المنقطع كما بينا في أول هذا الباب فإن كان ذلك فإنما مرجعه إلى القيمة فإن كان ذلك في البيع فقد وجب أنه باعه بدينار إلا ما قابل صرف الدرهم من الدينار وهذه بيعة أو ثمن مجهول وكلاهما حرام في البيوع وهو جائز في الإقرار لأنه أقر له بدينار وذكر أن له عنده درهما فخرج الدرهم أو قيمته مما أقر به وكذلك لو قال مقر له عندي دينار ولي عنده ديناران أو إلا دينارين لي عنده لم يحكم عليه بشيء أصلا لأنه بعد أن أقر له أتى بما سقط به عند الإقرار جملة ولو كان ذلك في البيع لم يجز عند أحد من المسلمين وبالله تعالى التوفيق الباب السادس عشر في الكناية بالضمير قال علي والضمير راجع إلى أقرب مذكور لا يجوز غير ذلك لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه فلو رجع إلى أقرب مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم وإنما وضعت اللغات للبيان فإذا كانت الأشياء المحكوم فيها أو المخبر عنها كثيرة وجاء الضمير يعقبها ضمير جمع فهو راجع إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء ولا فرق ألا ترى أنك لو قلت أتاني زيد وعمرو وخالد فقتلته أنه لا خلاف بين أحد من أهل اللغة في أن الضمير راجع إلى خالد وأنه لا يجوز رده إلى زيد أو إلى عمرو فإن وجد يوما ما في شيء من النصوص رجوع ضمير إلى أبعد مذكور فهو بمنزلة ما ذكرنا من نقل اللفظ عن موضوعه في اللغة ولو قال أتاني زيد وعمرو وخالد

стр. 481

وعبد الله ويزيد فقتلتهم لكان راجعا بلا خلاف بين أحد من أهل اللغة إلى جميعهم وكلهم قال علي وما يبين أن الشرط في آية التحريم إنما هو في الربائب لا في أمهات النساء ما ذكرنا من أن الضمير راجع إلى أقرب مذكور والضمير بجمع المؤنث في قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما﴾ راجع لما قدمنا إلى أقرب مذكور إليه لا يجوز غير ذلك وأقرب مذكور إليه أمهات ربائبنا فوجب أن يكون راجعا إليهن على ما قدمنا وبالله تعالى التوفيق الباب السابع عشر في الإشارة قال علي والإشارة بخلاف الضمير وهي عائدة إلى أبعد مذكور وهذا حكمها في اللغة إذا كانت الإشارة بذلك أو تلك أو هو أو أولئك أو هم أو هي أو هما فإن كانت بهذا أو هذه فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل اللغة ولا يعرف نحوي أصلا غير ما ذكرنا ولذلك أوجبنا أن يكون القرء في حكم العدة هو الطهر خاصة دون الحيض وإن كان القرء في اللغة واقعا على الحيض كوقوعه على الطهر ولا فرق ولكن لما قال رسول الله ﷺ مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء فكان قوله ﵇ تلك إشارة تقتضي بعيدا وأبعد مذكور في الحديث قوله ﵇ تطهر فلما صح أن الطهر بهذا الحديث هو العدة المأمور أن تطلق لها النساء صح أنه هو العدة المأمور بحفظها لإكمال العدة وبالله تعالى التوفيق

стр. 482

الباب الثامن عشر في المجاز والتشبيه قال علي اختلف الناس في المجاز فقوم أجازوه في القرآن والسنة وقوم منعوا منه والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن الاسم إذا تيقنا بدليل نص أو إجماع أو طبيعة أنه منقول عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر وجب الوقوف عنده فإن الله تعالى هو الذي علم آدم الأسماء كلها وله تعالى أن يسمي ما شاء بما شاء وأما ما دمنا لا نجد دليلا على نقل الاسم عن موضوعه في اللغة فلا يحل لمسلم أن يقول إنه منقول لأن الله تعالى قال ﴿ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل لله من يشآء ويهدي من يشآء وهو لعزيز لحكيم﴾ فكل خطاب خاطبنا الله تعالى به أو رسوله ﷺ فهو على موضوعه في اللغة ومعهوده فيها إلا بنص أو إجماع أو ضرورة حس نشهد بأن الاسم قد نقله الله تعالى أو رسوله ﷺ عن موضوعه إلى معنى آخر فإن وجد ذلك أخذناه على ما نقل إليه قال علي وهذا الذي لا يجوز غيره ومن ضبط هذا الفضل وجعله نصب عينيه ولم ينسه عظمت منفعته به جدا وسلم من عظائم وقع فيها كثير من الناس قال علي فكل كلمة نقلها تعالى عن موضوعها في اللغة إلى معنى آخر فإن كان تعالى تعبدنا بها قولا وعملا كالصلاة والزكاة والحج والصيام والربا وغير ذلك فليس شيء من هذا مجازا بل هي تسمية صحيحة واسم حقيقي لازم مرتب من حيث وضعه الله تعالى وأما ما نقله الله تعالى عن موضوعه في اللغة إلى معنى تعبدنا بالعمل به دون أن يسميه بذلك الاسم فهذا هو المجاز

стр. 483

كقوله تعالى ﴿وخفض لهما جناح لذل من لرحمة وقل رب رحمهما كما ربياني صغيرا﴾ فإنما تعبدنا تعالى بأن نذل للأبوين ونرحمهما ولم يلزمنا تعالى قط أن ننطق ولا بد فيما بيننا بأن للذل جناحا وهذا لا خلاف فيه وليس كذلك الصلاة والزكاة والصيام لأنه لا خلاف في أن فرضا علينا أن ندعو إلى هذه الأعمال بهذه الأسماء بأعيانها ولا بد وبالله تعالى التوفيق واحتج من منع من المجاز بأن قال إن المجاز كذب والله تعالى ورسوله ﷺ يبعدان عن الكذب قال علي فيقال له صدقت وليس نقل الله تعالى الاسم عما كان علقه عليه في موضع ما إلى موضع آخر كذبا بل هو الحق بعينه لأن الحق هو ما فعله تعالى والباطل هو ما لم يأمر به أو لم يفعله ومن ظن أن هنا حقا هو عيار على الله تعالى وزمام على أفعاله يلزمه أن يجري أفعاله عليه فقد كفر وقد تكلمنا في هذا في باب إثبات حجج العقول ونستوعب الكلام فيه إن شاء الله تعالى في باب إبطال العلل من كتابنا هذا وقد تكلمنا على ذلك أيضا في كتابينا الموسومين بالتقريب والفصل كلاما كافيا وبالله تعالى التوفيق وليست الأسماء موضوعة على المسميات إلا إما بتوقيف وإما باصطلاح ولا موقف إلا الله فإذا أوقع الموقف الأول جل وعز اسما ما على مسمى ما في مدة ما أو في معنى ما ثم نقل ذلك الاسم إلى معنى آخر في مكان آخر فلا كذب في ذلك ولا للكذب ههنا مدخل وإنما يكون كاذبا من نقل منا اسما عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر يلبس به بلا برهان فهذا هو الكاذب الآفك الأثيم وكذلك لو اصطلح اثنان على أن يسميا شيئا ما اسما ما مخترع من عندهما أو منقول عن شيء آخر يتفاهما به لا ليلبسا به فلا كذب في ذلك فإذا جاز هذا فيما بيننا فهو للذي يلزم للجميع أن يعبدوه ويطيعوه ما أمكن وهو بذلك تعالى أولى

стр. 484

والتلبيس في هذا هو من قال العسل حلال والمسكر من مصراة عسل فهو حلال فهذا كاذب فإنه أتى إلى عين سماها الله خمرا والخمر حرام فسماها بغير اسمها ليستحلها بذلك وقد أنذر بذلك رسول الله ﷺ حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي عن محمد بن إسحاق القاضي عن ابن الأعرابي عن سليمان بن أشعث عن أحمد بن حنبل ثنا زيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم ثنا عبد الرحمن بن غنم قال أنبأ أبو مالك الأشعري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ثنا عبد الله بن ربيع عن محمد بن معاوية المرواني عن أحمد بن شعيب ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا خالد هو ابن الحارث عن شعبة سمعت أبا بكر بن حفص يقول سمعت ابن محيريز يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ بمثله قال علي فقد بينا وجه الحقيقة في هذا ثم نذكر إن شاء الله تعالى طرفا من الآي التي تنازعوا فيها فإن الشيء إذا مثل سهل فهمه فمن ذلك قوله ﴿وسأل لقرية لتي كنا فيها ولعير لتي أقبلنا فيها وإنا لصادقون﴾ فقال قوم معناه واسأل أهل القرية واسأل أهل العير وقال آخرون يعقوب نبي فلو سأل العير أنفسها والقرية نفسها لأجابته قال علي وكلا الأمرين ممكن ومنه قوله تعالى ﴿فنطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية ستطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾ فقد علمنا بضرورة العقل أن الجدار لا ضمير له والإرادة لا تكون إلا بضمير الحي هذه هي الإرادة المعهودة التي لا يقع اسم إرادة في اللغة

стр. 485

على سواها فلما وجدنا الله تعالى وقد أوقع هذه الصفة على الجدار الذي ليس فيه ما يوجب هذه التسمية علمنا يقينا أن الله قد نقل اسم الإرادة في هذا المكان إلى ميلان الحائط فسمى الميل إرادة وقد قدمنا أن الله تعالى يسمي ما شاء بما شاء إلا أن ذلك لا يوجب نقل الحقائق التي رتب تعالى في عالمه عن مراتبها ولا نقل ذلك الاسم في غير المكان الذي نقله فيه الخالق ولولا الضرورة التي ذكرنا ما استجزنا أن نحكم على اسم بأنه منقول عن مسماه أصلا وقد أنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في نقل اسم الإرادة عن موضوعها في اللغة إلى غيره قول الراعي قلق الفؤوس إذا أردن نضولا وذكر أبو بكر الصولي ﵀ أن ابن فراس الكاتب وكان دهريا سأله في هذه الآية فأجاب أبو بكر بهذا البيت وقد قال قوم إنه تعالى قادر على أن يحدث في الجدار إرادة وبلى هو قادر على ما يشاء وكل ما يتشكل في الفكر ولكن كل ما لم يأتنا نص أنه خرق تعالى فيه ما قد تمت به كلماته من المعهودات فهو مكذب كما أن لكل مدع ما لم يأت بدليل فهو مبطل وكذلك قوله تعالى ﴿وهي تجري بهم في موج كلجبال ونادى نوح بنه وكان في معزل يبني ركب معنا ولا تكن مع لكافرين﴾ فإنه تعالى سمى حركة السفينة جريا وحركة السفينة اضطرارية وهذا مما قلنا من أنه تعالى يسمي ما شاء بما شاء فهو خالق الأسماء والمسميات كلها حاشاه لا إله إلا هو وأما قوله تعالى ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم لطور خذوا مآ آتيناكم بقوة وسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم لعجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ فإنما عنى تعالى حب العجل على ما ذكرنا من الحذف الذي أقيم لفظ غيره مقامه وأما قوله تعالى ﴿يوم نقول لجهنم هل متلأت وتقول هل من مزيد﴾ وهو عندنا حقيقة وإنطاق لها وقد احتج علينا قوم بقول الله تعالى ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات

стр. 486

والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ قال علي وهذا أيضا عندنا على الحقيقة وأن الله تعالى وضع فيها التمييز إذ خيرها فلما أبت حمل الشرائع وأشفقت من تحمل الأمانة سلبها إياه وسقطت الكلف عنها وممكن أن يكون على نقل اللفظ أيضا والمراد بذلك أنها لم يحملها إذا لم يركب تعالى فيها قوة الفهم والعقل ولا النفس المختارة المميزة وهذا موجود في كلام العرب وأشعارها فإن العرب تقول إذا أرادت أن تمدح أبى ذلك سؤددك وإذا أرادت الذم أبى ذلك لؤمك أي إن سؤددك غير قابل لهذه الفعلة لمضادتها له وكذلك في الذم أي إن لؤمك غير قابل لهذه المكرمة لمضادتها له فعلى هذا كانت إباية السموات والأرض لا على ما سواه إلا أن الأول أصح وبه نقول وإنما فرقنا بين هذا في هذا الوجه وبين ما قلنا آنفا في إنطاق جهنم لأن كلام الله كله عندنا بيان لنا وجار على معهود ما أوجبه فهمنا بإدراك عقولنا وحواسنا وإنما قلنا ذلك لقول الله ﴿ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم لسمع ولأبصار ولأفئدة قليلا ما تشكرون﴾ وحضنا تعالى على التفكير والتدبر للقرآن وأخبرنا بأنه بيان لنا وكل ذلك يكون إلا بما تميزه عقولنا لا بما يضادها فلما صح ذلك كله وأدانا التدبير والبصر والسمع والعقل إلى أن السموات جمادات لا تعقل وأن الأرض كذلك وأن حد النطق هو التمييز للأشياء وأن التمييز لا يكون إلا في حي وأن الحي هو الحساس المتحرك بإرادة وأن المميز هو بعض الحي لا كله وأن حد التمييز هو إمكان معرفة الأشياء على ما هي عليه وإمكان التصرف في الصناعات والأعمال المختلفة بإرادة وأيقنا أن كل هذه الصفات ليست الأرض ولا الأفلاك ولا الجبال له حاملة علمنا أن هذه اللفظة التي أخبرنا بها تعالى عن هذه التي ليست أحياء لفظة منقولة عن معهودها عندنا إلى معان أخر

стр. 487

من صفات هذه الأشياء المخبر عنها الموجودة فيها على الحقيقة ومن تعدى هذه الطريقة فقد لبس الأشياء ورام إطفاء نور الله تعالى الموضوع فينا وبالجملة فمن أراد إخراج الأمور عن حقائقها في المبادىء ثم عن حقائقها في المعاهد فينبغي أن يتهم في دينه وسوء أغراضه فإن سلم من ذلك فلا بد من وصمة في عقله أو قوة في جهله إلا أن هذا كله لا يعترض على الوجه الأول لأن الإنطاق الذي كان وضعه الله تعالى فيها حينئذ قد سلبها إياه إذ أبت قبول الأمانة وإنما يعترض بهذا كله على من يقول إنها باقية على نطقها إلى اليوم فهذا باطل لا شك فيه بما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق وقد ذكر رجل من المالكيين يلقب خويز منداذ أن للحجارة عقلا ولعل تمييزه يقرب من تمييزها وقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالأنعام وصدق تعالى إذ قضى أنهم أضل سبيلا منها فإن الأنعام لا تعدوا ما رتبها ربها لها من طلب الغذاء وإرادة بقاء النوع وكراهة فسادها بعد كونها وهؤلاء رتبهم خالقهم ليعرفوا قدرته وإنها بخلاف قدرة من خلق وليعرفوا رتبة ما خلق على ما هي عليه فبعدوا ذلك فمن مشبه قدرة ربه تعالى حكم عقله فيصرفه به تعالى الله عما يقول أهل الظلم علوا كبيرا ومن مفسد رتب المخلوقات وساع في إبطال حدودها وإفساد الاستدلال بها على التوحيد ﴿من لذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ وسيرد الجميع إلى عالم الغيب

стр. 488

والشهادة فيحكم بيننا فيما فيه نختلف وتالله لتطولن ندامة من لم يجعل حظه من الدين والعلم إلا نصر قول فلان بعينه ولا يبالي ما أفسد من الحقائق في تلك السبيل العضلة وبالله تعالى نعوذ من الخذلان فقال هذا الجاهل إن من الدليل على أن الحجارة تعقل قوله تعالى ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كلحجارة أو أشد قسوة وإن من لحجارة لما يتفجر منه لأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه لمآء وإن منها لما يهبط من خشية لله وما لله بغافل عما تعملون﴾ قال فقد أخبر تعالى أن منها ما يهبط من خشية الله فدل ذلك على أن لها عقلا أو كلاما هذا معناه قال علي ونحن نقول إن من العجب العجيب استدلال هذا الرجل بعقله على أنه لا يخشى الله تعالى إلا ذو عقل فهلا استدل بذلك العقل نفسه على ما شاهد بحسه من أن الحجارة لا عقل لها وكيف يكون لها تمييز وعقل والله تعالى قد شبه قلوب الكفار التي لم تنقد إلى معرفته بالحجارة في أنها لا تذعن للحق الوارد عليها فكذب الله تعالى في نفيه المعرفة عن الحجارة نصا إذ جعلها تعالى بمنزلة قلوب الكفار في عنود تلك القلوب عن الطاعة له فكيف يكون للحجارة عقل أو تمييز بعد هذا فإن قال قائل فما وجه إضافة الخشية إلى الحجارة قلنا له وبالله تعالى التوفيق قد قدمنا أن الله تعالى رتب الأسماء على المسميات وجعل ذلك سببا للتفاهم ولولا ذلك ما كان تفاهم أبدا ولا فهمنا عنه تعالى شريعة ولا علمنا مراده في أمر ولا نهي ولا في خبر أخبرنا به وعرفنا تعالى بذلك التمييز الذي وضع فينا من صفات المخلوقات ما قد عرفناه وجعل لتلك الصفات أسماء نعبر بها عنها ونفاهم بها الأخبار عنها فكان مما رتب لنا من ذلك في اللغة العربية إن سمينا تمييزا حال من رأيناه يفهم ويتكلم ويسأل عن وجوه الأشياء المشكلة فيجاب فيفهم ويسأل عما علم منها فيجب

стр. 489

ويحدث بما رأى وشاهد وسمع ويؤمر بالكلام وينهى عن ضروب مختلفة من الأفاعيل فيفهم ما يزاد منه كل ذلك وكان مما رتب لنا أيضا أن لم تكن فيه هذه الصفات سميناه غير مميز فإن كان من الحيوان مما سوى الملائكة والجن والإنس سميناه حيا غير مميز وإن كان من غير الحيوان سميناه جمادا غير حي إن كان من الشجر أو الحجارة أو الأرض أو الماء أو النار أو الهواء أو غير ذلك وأقر تعالى هذه الرتب في أنفسنا بما وضع فيها من التمييز إقرارا صار من أنكر شيئا منه ربما آل به إلى أن نسقط عنه الحدود ولا يقتص منه إن قتل وتسقط عنه الشرائع ويصير في محل من لا يخاطب لعدم عقله وتمييزه فإن زاد ذلك لم يؤمن عليه أن يغل ويداوي دماغه الذي هو منبعث الحس والحركة بأنواع كريهة من العلاج فلما أيقنا أن تلك الصفات المسماة برتبة الله تعالى تمييزا ليست في الحجارة وجب ضرورة أن تسمى مميزة وأيضا فقد قال تعالى مصدقا لإبراهيم خليله ﵇ في قوله ﴿إذ قال لابيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ وإنما كان يعبد الحجارة فصح بالنص أنها لا تفهم ولا تعقل فلما رأيناه تعالى قد أوقع عليها خشية له علمنا أن هذه اللفظة هنالك منقولة عن موضعها عندنا إلى صفة أخرى من صفات الحجارة وهي تصريفه لها تعالى كيف شاء لا تخرج تلك الخشية عن هذه الجملة التي فسرنا البتة فهذا وجه إضافة الخشية إلى الحجارة إذ الخشية المعهودة عندنا هي الخوف من وعيد الله والائتمار لأمره تعالى والحجارة خالية بيقين من كل ذلك وكيف يخشى من لم يؤمر ولا ينهى ولا كلف ولا وعد أم أي شيء يخشى غير العقاب ولا عقاب إلا على عاص ولا عاصي إلا مأمور والحجارة ليست بمأمورة فليست عاصية فلا عقاب عليها ولا خشية عليها نعني الخشية المعهودة فيما بيننا ولا مميز إلا حي والحجارة

стр. 490

ليست حية فليست مميزة ومما ذكرنا من نقل بعض الأسماء إلى غير معهودها قول رسول الله ﷺ في الفرس إن وجدناه لبحرا فأوقع ﵇ لفظة بحر على الفرس الجواد وكذلك لما قال رسول الله ﷺ ارفق بالقوارير يعني النساء كان ذلك نقلا لاسم القوارير عن موضوعه في اللغة عن الزجاج إلى النساء وكذلك قوله تعالى ﴿قواريرا من فضة قدروها تقديرا﴾ هو نقل أيضا للقوارير عن موضوعه في اللغة عن الزجاج إلى الفضة إلا أنه لا يحل لمسلم أن يقول في لفظه لم يأت نص ولا ضرورة حس بأنها منقولة عن موضوعها إنها منقولة ولا يتعدى بكل ذلك ما جاء في نص أو ضرورة حس ولا يصرف لفظ عن موضوعه إلا بأحد هذين الوجهين وإلا فهي باقية في مرتبتها في اللغة وليس لأحد أن يصرف عنه وجهه إذ لم يصرفه الله تعالى ولا رسوله ﷺ وإن العجب ليكثر ممن يقول إن الشحم يسمى ندى فإذا سئل من أين قلت ذلك أنشد قول أعرابي جلف كثوب العداب الفرد يضربه الندى تعلى الندى في متنه وتحدرا فيكون ذلك قاطعا لخصمه يستشهد أن الجواري يسمين القوارير وأن الفرس الجواد يسمى بحرا وأن الخشية قد يسمى بها الوقوع تحت التدبير بأن خالق اللغات والمتكلمين أوقع هذا الاسم على هذا المعنى وبأن أفصح العرب سمى النساء قوارير والفرس بحرا ولعمري لو أنه عليه السلام

стр. 491

يقول ذلك قبل بلوغه أربعين عاما وقبل أن ينبأ لكان قوله أعظم حجة لفصاحته وعلمه بلغة قومه وأنه من وسيطة قريش ومسترضع في بني سعد بن أبي بكر بن هوازن فجمع فصاحة الحيين خندف وقيس أهل تهامة والحجارة العالية الذين إليهم انتهت الفصاحة في اللغة العربية الإسماعيلية والذي لا شك فيه فهو أنه ﵇ أفصح من امرىء القيس ومن الشماخ ومن حسن البصري وأعلم بلغة قومه من الأصمعي وأبي عبيدة وأبي عبيد فما في الضلال أبعد من أن يحتج في اللغة بألفاظ هؤلاء ولا يحتج بلفظة فيها ﵇ فكيف وقد أضاف ربه تعالى فيه إلى ذلك العصمة ومن الخطأ فيها القول والتأييد الإلهي والنبوة والصدق المقطوع على غيبه الذي صحبه خرق العادات والآيات والمعجزات وفي أقل من هذا كفاية لمن كانت فيه حشاشة فكيف أن يظن به ﵇ أن يخبر عن ربه تعالى خبرا يكلفنا فهمه وهو بخلاف ما يفهم ويعقل ويشاهد ويحس ما ينسب هذا إليه ﷺ إلا ملحد في الدين كائد وأعجب العجب أن هؤلاء القوم يأتون إلى الألفاظ اللغوية فينقلونها عن موضوعها بغير دليل فيقولون معنى قوله تعالى ﴿وثيابك فطهر﴾ ليس للثياب المعهودة وإنما هو القلب ثم يأتون إلى ألفاظ قد قام البرهان الضروري على أنها منقولة عن موضعها في اللغة إلى معنى آخر وهو إيقاع الخشية على الحجارة فيقولون ليس هذا اللفظ ههنا منقولا عن موضوعه مكابرة للعيان وسعيا في طمس نور الحق وإقرارا لعيون الملحدين الكائدين لهذا الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره وبالله تعالى التوفيق

стр. 492

فصل في التشبيه قال علي التشبيه بين الأشياء المشتبهة حق مشاهد فإذا شبه الله أو رسوله ﷺ شيئا بشيء فهو صدق وحق وتنبيه على قدرة عظيمة لأنه ليس في العالم شيئان إلا وهما مشتبهان من وجه ما وغير مشتبهين من وجه آخر وقد قال الله تعالى ﴿لذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق لرحمن من تفاوت فرجع لبصر هل ترى من فطور﴾ فهذا الذي قلنا هو ارتفاع التفاوت لأن التماثل هو ضد التفاوت وإذا بطل التفاوت صح التماثل ولذلك افتقر الناس إلى معرفة حدود الكلام وضبط الصفات التي تتفق فيها الموصوفات التي سعى قوم من النوكى في إبطالها وهيهات من إبطال الحقائق فإن قال قائل إنه ﵇ قد شبه ديون الله تعالى بديون الناس في وجوب قضائها وأنتم لا تقولون بقضاء الصلاة عن الميت فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا بتوفيق الله لنا أهل الطاعة لهذا الحديث وغيره وقد نسب إلينا الباطل من ظن أننا نخص هذا الحديث أو غيره بلا نص فنقول يقضى الصوم والحج والصلاة المنذورة والمنسية والتي نيم عنها وأما الصلاة المفروضة المتروكة عمدا والصوم المفروض في رمضان المتروك عمدا فإن الذي فرط فيها لا يقدر على قضائها أبدا وليس عليه صيام يقضيه ولا صلاة يقضيها وإنما عليه إثم أمره فيه إلى ربه تعالى فلا يقضى عنه ذلك وبالله تعالى التوفيق قال علي وهذه أيضا من عجائب هؤلاء القوم فإنهم يأتون إلى أشياء لم يشبه الله تعالى ولا رسوله ﷺ بعضها ببعض فيحكون لها بحكم واحد لادعائهم أنها مشتبهة فيقولون لا يجوز للنكاح بأقل مما يقطع

стр. 493

في اليد في السرقة وقد علم كل ذي عقل أنه لا شبه بين السرقة والنكاح ثم يأتون إلى ما أكد الله تعالى شبهه وساوى بينهما فيبطلون التساوي فيهما فيقولون إن ديون الناس تقضى عن الميت وديون الله تعالى لا تقضى عنه فهل في تقحم الباطل أعظم من هذا قال علي وهذا الذي قلنا في المجاوز والتشبيه هو عين الحقيقة بالبراهين التي ذكرنا لم نترك فيه علقة لمتعقب منصف وبالله تعالى التوفيق فأما أهل الشغب فهم بمنزلة التائه في الفلوات وإنما علينا بعون الله تعالى نهج الطريق القصد وإيضاحه حتى لا يوجد بحول الله تعالى وقوته طريق أنهج ولا أخصر منه والحمد لله رب العالمين ويوفق الله تعالى من يشاء بما يشاء وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل الباب التاسع عشر في أفعال رسول الله ﷺ وفي الشيء يراه ﵇ أو يبلغه فيقره صامتا عليه لا يأمر به ولا ينهى عنه قال علي بن أحمد ﵀ قال قوم من المالكيين أفعاله ﵇ على الوجوب وهي آكد من أوامره وقال آخرون منهم من الحنفيين الأفعال كالأوامر وقال آخرون من كلتا الطائفتين ومن الشافعيين الأفعال موقوفة على دليلها فما قام منها على أنه واجب صير إليه وما قام دليل أنه منها ندب أو إباحة صير إليه وممن قال بهذا من الشافعيين أبو بكر الصيرفي وابن فورك وقال سائر الشافعيين وجميع أصحاب الظاهر ليس شيء من أفعاله ﵇ واجبا وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به ﵇ فيها فقط وألا نتركها على معنى

стр. 494

الرغبة عنها ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما إن فعلناه أجرنا وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر إلا ما كان من أفعاله بيانا لأمر أو تنفيذا لحكم فهي حينئذ فرض لأن الأمر قد تقدمها فهي تفسير الأمر قال علي وهذا هو القول الصحيح الذي لا يجوز غيره واحتج من قال إنها على الوجوب وإنها أوكد من الأوامر بما حدثنا سعيد الجعفري قال ثنا أبو بكر بن الأدفوي ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن النحاس النحوي عن أحمد بن شعيب النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن حدثنا سفيان هو ابن عيينة عن الزهري قال وثبتني معمر بعد عن الزهري عن عروة بن الزبير أن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قالا خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية فذكر الحديث وفيه طول فلما فرغ من قصة الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا رسول الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم منهم أحدا حتى تنحر وتحلق فخرج ﵇ فنحر بدنة ودعا بحالقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما قال علي وما نعلم حجة أشنع عليهم من هذا الحديث الذي احتجوا به

стр. 495

لأن الذي أوجب الله علينا طاعته وأمرنا باتباعه هو النبي ﷺ الذي أنكر عليهم التأخر عما أمرهم به ولم يأمر باتباع الذين خالفوه حتى فعل ما أمرهم به والذين أوهموه حتى جعلوه يشكوا ما لقي منهم ومن أخذ بفعل الناس وترك أمر نبيه ﷺ وعمل بما أنكره ﵇ ولم يلتفت إلى أمر نبيه ﷺ وصوب فعل من أغضبه وتعمد ذلك فقد ضل ضلالا ولم نأمن عليه مفارقة الإسلام وليعلم كل ذي لب أن ذلك الفعل من أهل الحديبية ﵃ خطأ ومعصية ولكنهم مغفور لهم بيقين النص في أنه لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية وليس غيرهم كذلك ولا يحل لمسلم أن يقتدي بهم في ذلك فلا بد لكل فاضل من زلة وكل عالم من وهلة وكل أحد من الخيار فإنه يؤخذ من قوله وفعله ويترك ويرغب من كثير من قوله وفعله إلا أن رسول الله ﷺ ومن اقتدى بأهل الحديبية في هذا الفعل الذي أنكره رسول الله ﷺ فقد هلك ﵃ مضمون لهم المغفرة في ذلك وغيره ولم يضمن ذلك لغيرهم وقد أقر بعضهم ﵃ على نفسه الخطأ العظيم في هذا الباب كما حدثنا عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح قال ثنا عبد الوهاب بن عيسى عن أحمد بن محمد عن أحمد بن علي عن مسلم ثنا أبو كريب محمد بن العلاء ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا أنبأنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول اتهموا رأيكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع رد أمر رسول الله ﷺ قال الأعمش عن أبي وائل عن سهل لرددته قال علي ويوم أبي جندل هو يوم الحديبية فقد أقر سهل ﵃ أنهم أساؤوا الرأي يوم الحديبية حتى لو استطاعوا رد أمر رسول
следующие страницы →