Полный текст (1 408 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قال خرج النبي ﷺ زمن الحديبية فذكر الحديث وفيه ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير برجل من قريش يعني أرسلوا في طلبه فدفعه إلى رجلين فخرجا به فلما بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله إني لأرى سيفك يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل قد جربت به فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمسكه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال النبي ﷺ لقد رأى هذا ذعرا فقال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم قد نجاني الله منهم فقال له رسول الله ﷺ ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر وتفلت أبو جندل
فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن الفتح نا عبد الوهاب نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا أبو أسامة عن الوليد بن جميع نا أبو الطفيل نا حذيفة بن اليمان قال ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا ما نريده ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم
حدثني محمد بن سعيد نا نبات ثنا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد ابن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتيبة أن حذيفة بن الحسيل بن اليمان وأباه أسرهما المشركون فأخذوا عليهما ألا يشهدا بدرا فسألا النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 702
فرخص لهما ألا يشهدا حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك الخولاني نا محمد بن بكر نا سليمان بن الأشعث نا قبيصة نا الليث عن محمد بن عجلان أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيع العدوي حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال دعتني أمي يوما ورسول الله ﷺ قاعد في بيتها فقالت ها تعال أعطك فقال لها رسول الله ﷺ ما أردت أن تعطيه قالت أعطيه تمرا فقال لها رسول الله أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني نا إبراهيم بن أحمد البلخي نا الفربري نا البخاري نا بشربن مرحوم نا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال قال الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا مسدد نا يحيى بن سعيد هو القطان نا شعبة حدثني أبو حمزة نا زهد بن مضرب قال سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي ﷺ قال خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون ويخونون ولا يؤتمنون وذكر باقي الخبر وبه إلى البخاري نا محمد بن مقاتل أنا عبد الله بن المبارك أنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال أوف بنذرك حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق نا ابن
الأعرابي نا أبو داود السجستاني نا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب حدثني سليمان بن بلال ثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 703
وسلم المسلمون على شروطهم
حدثنا المهلب الأسدي نا ابن مناس نا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب نا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال وأي المؤمن واجب وبه إلى ابن وهب أخبرني إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق أن رسول الله ﷺ كان يقول ولا تعد أخاك عدة وتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة وبه إلى ابن وهب أخبرني الليث بن سعيد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من قال لصبي تعال هاه لك ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة قالوا فهذه نصوص توجب ما ذكرنا إلا أن يأتي نص بتخصيص شيء من عمومها فيخرج ويبقى ما عداه على الجواز قال أبو محمد ووجدنا من قال ببطلان كل عقد وكل شرط وكل عهد وكل وعد إلا ما جاء نص بإجازته باسمه ويقولون قال الله ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ وقال تعالى ﴿لطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود لله فإن خفتم ألا يقيما حدود لله فلا جناح عليهما فيما فتدت به تلك حدود لله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود لله فأولئك هم لظالمون﴾ وقال تعالى ﴿ومن يعص لله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ حدثنا عبد الرحمن بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد
بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني ثنا أبو أسامة أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرتني عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ خطب عشية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني ثنا أبو إسحاق البلخي حدثنا الفربري
стр. 704
نا البخاري نا علي بن عبد الله نا سفيان عن يحيى هو ابن سعيد الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت قام رسول الله
ﷺ على المنبر فقال ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شروطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط قالوا فهذه الآيات وهذا الخبر براهين قاطعة في إبطال كل عهد وكل عقد وكل وعد وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به أو النص على إباحة عقده لأن العقود والعهود والأوعاد شروط واسم الشرط يقع على جميع ذلك قال أبو محمد وأيضا فيقال لمن أوجب الوفاء بعقد أو عهد أو شرط أو وعد ليس في نص القرآن أو السنة الثابتة إيجاب عقد وإنفاذه إننا بالضرورة ندري أنه لا يخلو كل عقد وعهد وشرط ووعد التزمه أحد لأحد وجهين لا ثالث لهما إما أن يكون في نص القرآن أو السنة إيجابه وإنفاذه فإن كان كذلك فنحن لا نخالفكم في إنفاذ ذلك وإيجابه وإنما أن يكون ليس في نص القرآن ولا في السنة إيجابه ولا إنفاذه ففي هذا اختلفنا فنقول لكم الآن فإن كان هكذا فإنه ضرورة لا ينفك من أحد أربعة أوجه لا خامس لها أصلا إما أن يكون فيه إباحة ما حرم الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله ﷺ فهذا عظيم لا يحل قال تعالى ﴿قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ونسألهم حينئذ عمن التزم في عهده وشرطه وعقده ووعده إحلال الخنزير والأمهات وقتل النفس فإن أباح ذلك كفر وإن فرق بين شيء من ذلك تناقض وسخف وتحكم في الدين بالباطل وإما أن يكون التزم فيه تحريم ما أباحه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ فهذا عظيم لا يحل قال تعالى
стр. 705
﴿يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ ونسألهم حينئذ عمن حرم الماء والخبز والزواج وسائر المباحات وقد صح أن محرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق وإما أن يكون التزم ما أوجبه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله صلى الله عليه
وسلم فهذا عظيم لا يحل ونسألهم حينئذ عمن التزم في عهده وعقده وشرطه إسقاط الصلوات
وإسقاط صوم شهر رمضان وسائر ذلك فمن أجاز ذلك فقد كفر وإما أن يكون أوجب على نفسه ما لم يوجبه الله تعالى عليه فهذا عظيم لا يحل ونسألهم عمن التزم صلاة سادسة أو حج إلى غير مكة أو في غير أشهر الحج وكل هذه الوجوه تعد لحدود الله وخروج عن الدين والمفرق بين شيء من ذلك قائل في الدين بالباطل نعوذ بالله من ذلك فإن قد صح ما ذكرنا فلم يبق إلا الكلام على الآيات التي احتج بها أهل المقالة الأولى وعلى الأحاديث التي شغبوا بإيرادها وبيان حكمها حتى يتألف بعون الله تعالى ومنه مع هذه فإن الدين كله واحد لا تخالف فيه قال الله ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ فنقول وبالله تعالى نتأيد إن كل ما ذكروا من ذلك فلا حجة لهم في شيء منه أما قول الله ﴿ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن لعهد كان مسؤولا﴾ و ﴿كبر مقتا عند لله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ ﴿ولذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ ﴿أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ ﴿ليس لبر أن تولوا وجوهكم قبل لمشرق ولمغرب ولكن لبر من آمن بلله وليوم لآخر ولملائكة ولكتاب ولنبيين وآتى لمال على حبه ذوي لقربى وليتامى ولمساكين وبن لسبيل ولسآئلين وفي لرقاب وأقام لصلاة وآتى لزكاة ولموفون بعهدهم إذا عاهدوا ولصابرين في لبأسآء ولضراء وحين لبأس أولئك لذين صدقوآ وأولئك هم لمتقون﴾ و ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾ و ﴿إن لذين يبايعونك إنما يبايعون لله يد لله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه لله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ و ﴿وذكروا نعمة لله عليكم وميثاقه لذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا وتقوا لله إن لله عليم بذات لصدور﴾ و ﴿يوفون بلنذر ويخافون يوما كان
شره مستطيرا﴾ و ﴿ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن لله يعلمه وما للظالمين من أنصار﴾ و ﴿وذكر في لكتاب إسماعيل إنه كان صادق لوعد وكان رسولا نبيا﴾ والحديثان اللذان فيهم أوف بنذرك وذم الذين ينذرون ولا يوفون والخبر فيم أعطى بي ثم غدر
فإنها جمل قد جاء نص آخر يبين أنها كلها ليست على عمومها ولكنها في بعض العهود وبعض العقود وبعض النذور وبعض الشروط وهي قول رسول الله
стр. 706
صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله تعالى ولا فيما يملك العبد وقوله ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه مع ما ذكرنا من قوله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل فصح بهذه النصوص أن تلك الآيات والخبرين إنما هي فيمن شرط أو نذر أو عقد أو عاهد على ما جاء القرآن أو السنة بإلزامه فقط وقد وافقنا المخالفون ههنا على أن من نذر أو عقد أو عاهد أو شرط أن يزني أو يكفر أو يقتل مسلما ظلما أو أن يأخذ مالا بغير حق أو أن يترك الصلاة فإنه لا يحل له الوفاء بشيء من ذلك لأنه معصية ولا فرق بين هذا وبين شرط وعاهد وعقد أن يضيع حدا أو أن يبطل حقا أو أن يمنع مباحا والمفرق بين ذلك مبطل متناقض متحكم في الدين بالباطل فارتفع الإشكال في هذا الباب جملة والحمد لله رب العالمين وكذلك قول الله ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم لكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على لله لكذب إن لذين يفترون على لله لكذب لا يفلحون * متاع قليل ولهم عذاب أليم﴾ فهذا غاية البيان في صحة قولنا والحمد لله رب العالمين وباليقين ندري أن من حرم على نفسه أن يتزوج على امرأته أو أن يتسرى عليها أو ألا يرحلها أو ألا يغيب عنها فقد حرم ما أحل الله تعالى له وما أمره تعالى به إذ يقول ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في ليتامى فنكحوا ما طاب لكم من لنسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾
وقال تعالى ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ وقال ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ وقال تعالى ﴿عندها جنة لمأوى﴾ وقال تعالى ﴿هو لذي يسيركم في لبر ولبحر حتى إذا كنتم في لفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم لموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا لله مخلصين له لدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من لشاكرين﴾ وكذلك من عاهد على تأمين من لا يحل تأمينه وعلى إبقاء مال في
ملك من لا يحل له تملكه وعلى اسقاط حد الله تعالى أو قود فإنه قد عقد على معصية وسمى الحلال حراما
стр. 707
والقرآن قد جاء بتكذيب من فعل ذلك وبنهيه عن ذلك وهكذا ما لم يذكر ما ليس في القرآن أو السنة إمضاؤه ومن عجائب الدنيا احتجاج من احتج بالخبر الذي فيه أوف بنذرك وهو أو مخالف لهذا الخبر لأنه ورد في معنيين أحدهما الوفاء بما نذره المرء في جاهليته وكفره وهم لا يقولون بإنفاذ ذلك والثاني أنه ورد في اعتكاف ليلة وهم لا يقولون بذلك فمن أعجب شأنا ممن يحتج بخبر عن النبي ﷺ فيما ليس فيه منه شيء أصلا وهو قد عصى ذلك الخبر في كل ما فيه ونعوذ بالله من هذه الأحوال فليس في عكس الحقائق أكثر من هذا وأما نحن فنلزم من نذر في كفره طاعة الله ثم أسلم أن يفي بما نذر من ذلك اتباعا لأمر رسول الله ﷺ بذلك وكذلك من نذر اعتكاف ليلة فإنه يلزمه الوفاء به أيضا ومما قدمنا قبل من نذر الباطل وعقده من شرط لامرأته إن نكح عليها فالداخلة بنكاح طالق وإن تسرى عليها فالسرية حرة وإن غاب عنها مدة كذا أو أرحلها فأمرها بيدها تطلق نفسها أو تمسك فكل هذا معاص وخلاف لأمر الله تعالى وتعد لحدود الله لأن الله تعالى لم يجعل قط أمر امرأة بيدها إلا المعتقة ولها زوج فقط بل جعل أمر النساء إلى الرجال وبأيديهم فقال تعالى ﴿لرجال قوامون على لنسآء بما فضل لله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم فلصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ لله وللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن وهجروهن في لمضاجع وضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لله كان عليا كبيرا﴾ وجعل الطلاق إلى الرجال لا إلى النساء فقال تعالى ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ ولم يجعل
طلاقا قبل نكاح ولا عتقا قبل ملك فمسمى كل حكم مما ذكرنا حلالا مفتر على الله تعالى منهي عن كل ذلك فصح أنها عقود باطل لا يصح شيء منها وكذلك بين الله تعالى حكم الطلاق فجعله في كل حال واقعا إذا وقع حيث أطلق الله تعالى إيقاعه وغير واقع حيث لم يطلق الله تعالى إيقاعه فمن طلق إلى أجل أو
أخرج طلاقه أو عتاقه مخرج
стр. 708
اليمين فقد تعدى حدود الله تعالى وليس شيء من ذلك طلاقا واقعا ولا عتاقا واقعا أصلا لا حين يوقعه مخالفا لأمر الله تعالى ولا حيث لا يوقعه أصلا وهذا بيان لا يحيل على من نصح نفسه وبالله التوفيق قال أبو محمد ثم نظرنا فيما احتجوا به من قوله ﴿لذين ينقضون عهد لله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر لله به أن يوصل ويفسدون في لأرض أولئك هم لخاسرون﴾ و ﴿وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ ﴿ولا تشتروا بعهد لله ثمنا قليلا إنما عند لله هو خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ ﴿ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا لكيل ولميزان بلقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد لله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ فوجدنا هذه الآيات في غاية البيان في صحة قولنا ﴿لحمد لله رب لعالمين﴾ لأن عهد الله إنما هو مضاف إلى الله تعالى ولا يضاف إلى الله إلا ما أمر به لا ما نهى عنه وما كان خلاف هذا فهو عهد إبليس لا عهد الله تعالى ومن أضافه إلى الله تعالى فقد كذب عليه ثم نظرنا في احتجاجهم بقول الله تعالى ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فنبذ إليهم على سوآء إن لله لا يحب لخائنين﴾ فوجدنا حجة لنا عليهم لأن الله تعالى لم يأمره ﵇ بالتمادي على عهد من خاف منه خيانة بل ألزمه تعالى أن ينبذ إليهم عهدهم فصح أن كل عهد أمر الله بنبذه وطرحه فهو عهد منقوض مرفوض لا يحل التمادي عليه ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول الله ﴿ومنهم من عاهد لله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من لصالحين * فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا لله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ فوجدناه لا حجة لهم فيه لأن هؤلاء قوم عاهدوا الله لئن رزقهم مالا ليصدقن وليكونن من الصالحين وهذا فرض على كل أحد لأن
الصدقة اسم يقع على الزكاة وعلى التطوع فواجب حمله على عمومه ما لم يمنع من شيء منه نص فدخل في ذلك مانع الزكاة وهذه كبيرة وكذلك سائر فروض المال
وخرج منه صدقة التطوع
стр. 709
لأنه نذر فيما لا يملك بعد وكذلك كون المرء من الصالحين فرض عليه نذره أو لم ينذره وقد قال تعالى ﴿ولا يحسبن لذين يبخلون بمآ آتاهم لله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم لقيامة ولله ميراث لسماوات ولأرض ولله بما تعملون خبير﴾ فهذا حكم من بخل بفرائض المال من الزكاة وغيرها مما جاءت بإيجابه النصوص حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية ثنا أيوب هو السختياني عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ قال لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما النبي ﷺ يخطب إذا برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه وبه إلى البخاري ثنا أبو عاصم وأبو نعيم كلاهما عن مالك عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت قال النبي ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا ابن أبي عمر العدني ثنا مروان بن معاوية الفزاري ثنا حميد حدثني ثابت عن أنس أن نبي الله ﷺ رأى سخيا يتهادى بين ابنيه فقال ما بال هذا قالوا نذر أن
يمشي قال إن الله عن تعذيب
стр. 710
هذا لنفسه لغني وأمره أن يركب ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله ﷺ إن إخلاف الوعد خصلة من خصال النفاق فوجدناهم لا حجة لهم فيه أول ذلك الحنفيين والمالكيين المخالفين لنا
في كثير من هذا الباب مع عظيم تناقضهم في ذلك مجمعون على أن من قال لآخر لأهبن لك غدا دينارا أو سأهبك اليوم هذا الثوب وما أشبه هذا فإنه لا يقضي عليه بشيء من ذلك عندهم فهم أول تارك لما احتجوا به وأما نحن فإننا رأينا الله قد أسقط الحكم عمن وعد آخر أن يعطيه شيئا سماه وأكد ذلك باليمين بالله تعالى ثم لم يفعل فلم يلزمه الله إلا كفارة اليمين فقط لا الوفاء بما وعد ولم يجعل عليه في ذلك ملامة ثم وجدنا الله تعالى يقول ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء لله وذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا﴾ فصح بهذا أن من وعد وعدا ولم يقل إن شاء الله فهو عاص لله مخالف لأمره وإذا كان قوله ذلك معصية لله تعالى فهو مردود غير نافذ ثم إننا وجدناه إن وعد وقال إن شاء الله فقد استثنى مشيئة الله تعالى وبالضرورة ندري أن كل ما شاء الله تعالى كونه فهو واقع لا محالة قال الله ﴿إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ وأن كل ما لم يكن فإن الله تعالى لم يشأ كونه فإذا لم يفت هذا الواعد بما وعد ولو يوجبه إلا أن يشاءه الله تعالى فقد أيقنا ضرورة أن الله تعالى لم يشأ كونه فلم يخالفه عقده لأنه لم يوجبه إلا بمشيئة الله تعالى لم يشأها فصح بهذا يقينا أن الوعد الذي يكون إخلافه خصلة من خصال النفاق إنما هو الوعد بما افترض الله تعالى الوفاء به وألزم فعله وأوجب كونه كالديون الواجبة والأمانات الواجب أداؤها والحقوق المفترضة فقط لا ما عدا ذلك فإن هذه الوجوه قد أوجب الله تعالى الوعيد على العاصي في ترك أدائها وأوقع الملامة على المانع منها وأمر
стр. 711
بأدائها وإن كان لم يرد كون ما لم يكن منها ولا حجة لنا على الله تعالى بل لله الحجة البالغة فلو شاء الله لهداكم أجمعين ووجدناهم أيضا قد أجمعوا على أن الوصايا أوعاد يعدها الموصي ثم يختلفوا أن له الرجوع عنها إن شاء إلا العتق فإنهم قد اختلفوا في جواز الرجوع عنه
وهذا كله رجوع منهم إلى قولنا وتناقض في قولهم وأما نحن فلم نجز الرجوع في العتق في الوصية لأنه عقد حض الله تعالى عليه وغبط به وما كان هكذا فلا يجوز الرجوع فيه لأنه عقد قد لزم إذا التزمه فلا يسقط إلا بنص ولا نص في جواز الرجوع فيه والعتق المؤجل جائز بخلاف الهبات المؤجلة وسائر العقود المؤجلة لأن التأجيل شرط فلا يجوز إلا ما في كتاب الله تعالى فلما صح أن النبي ﷺ باع المدبر ولم ينكر التدبير صح أن العتق إلى أجل شرط في كتاب الله تعالى فهو نافذ لازم لا رجوع فيه بخلاف سائر العقود المؤجلة التي لا نص في إجازتها وأما الكلام في قوله ﷺ كان منافقا خالصا وكانت فيه خصلة من النفاق فإن رسول الله ﷺ لم يقل فيه إنه يكون كافرا والمنافق أصله من نافقاء اليربوع وهو باب يعده اليربوع في جحره مخفيا مغطى بالتراب فلما كان المسر للكفر المظهر للإيمان يبطن غير ما يظهر سمي منافقا لما ذكرناه فليس كل منافق كافرا إنما المنافق الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان وأما من أسر شيئا ما وأظهر غيره ففعله نفاق وليس كفرا وهو بذلك الفعل منافق لا كافر فلما كان من إذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان يسرون خلاف ما يظهرون
стр. 712
ويقولون ما لا يفعلون كان فعلهم ذلك نفاقا وكانوا بذلك منافقين ومما يصح هذا أن المرتد عن الإسلام إلى الكفر حكمه القتل وهؤلاء المذكورون من المخاصم الفاجر والواعد المخلف والمعاهد الغادر والمؤتمن الخائن والكذاب في حديثه لا قتل عليهم لأنه لا نص في قتلهم ولا قال به أحد فضلا عن أن يكون
فيه إجماع فصح ما قلناه والحمد لله رب العالمين ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله ﷺ أن لكل غادر لواء يوم القيامة فهو داخل في هذا الخبر المتقدم وكذلك قوله ﷺ عن الله تعالى أنه خصم من أعطى به تعالى ثم غدر وإنما ذلك كله فيمن عاهد على حق واجب عهدا أمر الله تعالى به نصا في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ ثم غدر فهذا عظيم جدا وكذلك من وعد بأداء دين واجب عليه وأداء أمانة قبله ثم أخلف فهي معصية نعوذ بالله تعالى منها وليس كذلك من عاهد أو وعد على معصية أو بمعصية كمن عاهد آخر على الزنى أو على هذم الكعبة أو على قتل مسلم أو على ترك الصلاة أو على ما ذكرنا قبل من إيجاب ما لم يجب أو اسقاط ما يجب أو تحريم ما أحل الله
تعالى أو إحلال ما حرم الله تعالى أو وعد بشيء من ذلك فهذا كله هو الحرام المفسوخ المردود وبالله تعالى التوفيق وهكذا القول فيما احتجوا به من قول رسول الله ﷺ أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج فإنما هذا بلا شك في الشروط التي أمر الله تعالى أن يستحل بها الفروج من الصداق المباح ملكه الواجب إعطاؤه والنفقة والكسوة والإسكان والمعاشرة بالمعروف وتدك المضارة أو التسريح بإحسان لا بما نهى الله تعالى عن أن يستحل به الفروج من الشروط المفسدة من تحليل حرام أو تحريم حلال أو إسقاط واجب أو إيجاب ساقط حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد
стр. 713
البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبيد الله بن موسى عن زكريا بن أبي زائدة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يحل لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدر لها وبه إلى البخاري ثنا محمد بن عرعرة عن شعبة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال نهى رسول الله ﷺ عن التلقي وأن يبتاع المهاجر للأعرابي وأن تشترط المرأة طلاق أختها وذكر باقي الحديث فصح أن اشتراط المرأة في نكاحها طلاق غيرها ممن هي في عصمة الناكح لها أو طلاق من يتزوجها بعد أن تزوجها باطل وحرام منهي عنه وشرط مفسوخ فاسد لا يحل عقده ولا إمضاؤه وصح أن كل نكاح عقد على ما لا يحل فإنه لا يحل وهو مفسوخ أبدا ولو ولدت فيه عشرات من الأولاد لأنه عقد بصحة ما لا صحة له وعلى أنه لا يصح إلا بصحة ما لا يصح فهو لا يصح وهذا في غاية البيان والحمد لله رب العالمين وقد صح عن رسول الله ﷺ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ثم نظرنا فيما احتجوا به من حديث حذيفة فوجدناه ساقطا لا يصح سنده أما من طريق شعبة فهو مرسل ولا حجة في مرسل وأما الطريق الأخرى فمن
رواية الوليد بن جميع وهو ساقط مطرح وأيضا فإن الله تعالى يأبى إلا أن يفضح الكاذبين والكذب في هذا الخبر ظاهر متيقن لأن حذيفة مدني الدار هو وأبوه قبله
حليف لبني عبد الأشهل من الأنصار ولم يكن له طريق إلى النبي ﷺ يؤديه إلى قريش
стр. 714
أصلا لأن طريق المدينة إلى رسول الله ﷺ إذ خرج إلى بدر خلفه لطريق قريش من مكة إلى بدر فوضع كذب ذلك الحديث يقينا وبالله تعالى التوفيق ثم لو صح وهو لا يصح لكان منسوخا بلا شك لما سنذكره إن شاء الله تعالى في خبر أبي جندل بعد هذا وبالله تعالى نتأيد ثم نظرنا في الحديث الذي فيه المسلمون عند شروطهم فوجدناه أيضا قد ثناه أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا محمد بن يحيى بن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا عمرو بن علي ثنا محمد بن خالد ثنا كثير بن عبد الله بن زيد بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ المسلمون عند شروطهم وبه إلى البزار ثنا محمد بن المثنى نا محمد بن الحارث نا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ الناس على شروطهم ما وافقوا الحق قال علي وكل هذا لا يصح منه شيء أما الطريق الأول ففيها كثير بن زيد وهو هالك تركه أحمد ويحيى والثاني عن الوليد بن رباح وهو مجهول والأخرى كثير بن عبد الله وهو كثير بن زيد نفسه مرة نسب إلى أبيه ومرة إلى جده ثم أبوه أيضا نحوه والثالثة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف ثم لو صح وهو لا يصح لكان حجة لنا عليهم لأن فيه إضافة النبي ﷺ الشروط إلى المسلمين ولا شروط للمسلمين إلا الشروط التي أباح الله تعالى في القرآن أو السنة الثابتة عقدها لا شروط للمسلمين غيرها لأن المسلمين لا يستجيزون إحداث شروط لم يأذن الله تعالى
стр. 715
بها هذه شروط الشيطان وأتباعه لا شروط المسلمين
لقول رسول الله ﷺ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة والضلالة في النار والعجب كله من احتجاج الحنفيين والمالكيين بهذه الأخبار وهم أول مخالف لها فيقولون كل شرط في نكاح فهو باطل ما لم يعقده بيمين ثم يتناقضون في اليمين فيجعلون يمينا ما لم يجعل الله تعالى قط يمينا ولا رسول الله ﷺ فأي تناقض أكثر من هذا وأيضا ففي الخبر المذكور الناس على شروطهم ما وافقوا الحق ولعمري لو صح
هذا لكان من عظيم حجتنا عليهم لأنه أبطل كل شرط لم يوافق الحق ولا يوافق الحق شيء إلا أن يكون في القرآن أو في حكم النبي ﷺ وهكذا القول فيما روي عن عمر الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا فعاد كل ما شغبوا فيه من صحيح ثابت أو باطل زائف حجة لنا عليهم والحمد لله رب العالمين ثم نظرنا في حديث أبي جندل فوجدناه لا حجة لهم فيه لوجوه ستة أولها أنه لم يكن عقد للنبي ﷺ بعد رده من جاء من قريش إليه إذ جاء أبو جندل كما ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد حدثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن محمد هو المسندي نا عبد الرزاق حدثنا معمر أخبرني الزهري أنا عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه فذكر حديث الحديبية وفيه فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما فبينما هو كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال ﷺ إنا لم نفض
стр. 716
الكتاب بعد قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا فقال النبي ﷺ فأجزه لي فقال ما أنا بمجيز ذلك لك قال بلى فافعل ما أنا بفاعل قال مكرز بلى قد أجزناه لك فهذا أمر لا يقول به المخالفون لنا أن يرد إليهم من جاء منهم قبل أن يتم التعاقد على ذلك فكيف يحتجون بما لا يحل عندهم أليس هذا من البلايا والفضائح والوجه الثاني أنه كما ترى لم يرده ﵇ إلا حتى أجازه من لا تقدر قريش على معارضته وهو من رهط سهيل بن عمرو لأنه سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي والذي أجار أبا جندل هو مكرز بن حنفص بن الأخيف بن علقمة بن عبد الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي من سادات بني عامر بن لؤي
فبطل تعلقهم برد النبي ﷺ
أبا جندل إذ لم يرده إلا بجوار وأمان والوجه الثالث أن النبي ﷺ لم يرد إلى الكفار أحدا
стр. 717
من المسلمين في تلك المدة إلا وقد أعلمه الله أنهم لا يفتنون في دينهم ولا في دنياهم وأنهم سينجون ولا بد كما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبي شيبة نا عفان نا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فاشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاء منا رددتموه علينا قالوا يا رسول الله أتكتب هذا قال نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا قال أبو محمد قد قال الله واصفا لنبيه ﷺ ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ فأيقنا أن إخبار النبي ﷺ بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلما فسيجعل الله له فرجا ومخرجا وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي ﷺ ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط ولا أن يفي به إن شرطه إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله وبالله تعالى التوفيق والوجه الرابع أن رسول الله ﷺ لم يرد من رد المسلمين إلى المشركين إلا أحرارا إلى أهلهم وآبائهم وقومهم والمخالفون في هذا لا يردون المسلمين الأحرار إلا عبيدا إلى الكفار الذين يعذبونهم
стр. 718
أشد العذاب ويأتون الفاحشة المحرمة في النساء وربما قتلوهم فما ندري كيف يستسهل مثل هذا مسلم والوجه الخامس أن أبا سعيد الجعفري حدثنا قال نا محمد بن علي بن الأدفوي نا أبو
جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس عن أحمد بن شعيب
عن سعيد بن عبد الرحمن نا سفيان عن الزهري قال سفيان وثبتني معمر بعد ذلك عن الزهري عن عروة بن الزبير قال إن المسور بن مخرمة ومروان أخبراه بخبر الحديبية فذكر الحديث وفي آخره خروج أبي بصير وهو عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني نوفل بن عبد مناف إلى سيف البحر وانفلات أبي جندل بن سهيل إليه قال فجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير لقريش تخرج إلى الشام إلا اعترضوا لهم فيقتلونهم ويأخذون أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ يناشدونه بالله وبالرحم إلا أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم قال أبو محمد فهذا أبو بصير وأبو جندل ومن معهما من المسلمين قد سفكوا دماء قريش المعاهدين لرسول الله ﷺ وأخذوا أموالهم ولم يحرم ذلك عليهم ولا كانوا بذلك عصاة ولا شك في أن رسول الله ﷺ كان قادرا على منعهم من ذلك لو نهاهم فلم يفعل فصح يقينا أنه عهد منسوخ بخلاف ما يقوله المخالفون اليوم وإنه إنما لزم من كان بالمدينة فقط دون من كان خارجا عنها والوجه السادس وهو القاطع لكل شغب والحاسم لكل علقة وهو صحة اليقين بأن ذلك العهد منسوخ ممنوع منه محرم عقده في الأبد
стр. 719
مما في سورة براءة من قول الله تعالى ﴿فإذا نسلخ لأشهر لحرم فقتلوا لمشركين حيث وجدتموهم وخذوهم وحصروهم وقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا لصلاة وآتوا لزكاة فخلوا سبيلهم إن لله غفور رحيم﴾ وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة ﴿قاتلوا لذين لا يؤمنون بلله ولا بليوم لآخر ولا يحرمون ما حرم لله ورسوله ولا يدينون دين لحق من لذين أوتوا لكتاب حتى يعطوا لجزية عن يد وهم صاغرون﴾ وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة ﴿وإن أحد من لمشركين ستجارك فأجره حتى يسمع كلام لله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم
قوم لا يعلمون﴾ وبقوله تعالى أيضا في سورة براءة ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند لله وعند رسوله إلا لذين عاهدتم عند لمسجد لحرام فما ستقاموا لكم فستقيموا لهم إن لله يحب لمتقين﴾
وسورة براءة آخر سورة أنزلت كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري نا أبو الوليد هو الطيالسي ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال آخر آية أنزلت ﴿يستفتونك قل لله يفتيكم في لكلالة إن مرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ثنتين فلهما لثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ لأنثيين يبين لله لكم أن تضلوا ولله بكل شيء عليم﴾ وآخر سورة نزلت براءة قال أبو محمد وبها عهد النبي ﷺ آخر عهده إلى الكفار عام حجة أبي بكر الصديق بالناس وبعد الحديبية التي كانت فيها قصة أبي جندل بثلاثة أعوام وشهر لأن الحديبية كانت في ذي القعدة عام ست من الهجرة قبل خيبر فلما كان ذو القعدة المقبل بعد الحديبية بعام كامل اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة ثم كان فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة بعد عمرة القضاء بعام غير شهرين وحج تلك السنة عتاب بن أسيد بالمسلمين ثم حج أبو بكر في ذي الحجة سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام وشهرين كما ثنا حمام ثنا الأصيلي ثنا
стр. 720
المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا سعيد بن عفير نا الليث نا عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة وذكر الحديث وفيه ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا علي ﵁ يوم النحر في أهل منى ببراءة وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فصح باليقين أنه لا يحل أن يعاهد مشرك عهدا ولا يعاقد عقدا إلا على الإسلام
فقط أو على غرم بالجزية والصغار إن كان كتابيا وصح يقينا أن كل عهد أو عقد أو شرط عقد معهم أو عوهدوا عليه أو شرط لهم بخلاف ما ذكرنا فهو باطل مردود لا يحل عقده ولا الوفاء به إن عقد بل يفسخ ولا بد وأول ما نسخ الله من العهد الذي كان يوم الحديبية فرد النساء كما حدثنا حمام بن أحمد ثنا الأصيلي ثنا المروزي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن
محمد ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال أخبرني الزهري أخبرني عروة عن المسور بن مخرمة ومروان فذكر حديث الحديبية وشرط سهيل الذي ذكرنا وفيه ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله ﴿يأيها لذين آمنوا إذا جآءكم لمؤمنات مهاجرات فمتحنوهن لله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى لكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم لكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم لله يحكم بينكم ولله عليم حكيم﴾ إلى قوله ﴿يأيها لذين آمنوا إذا جآءكم لمؤمنات مهاجرات فمتحنوهن لله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى لكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم لكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم لله يحكم بينكم ولله عليم حكيم﴾ حدثنا محمد بن سعيد بن نبات حدثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا عبد الله بن جعفر بن الورد ثنا عمرو بن أحمد بن سرح وأحمد بن زغبة قالا حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير ومروان بن الحكم عن أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ
стр. 721
يعني يوم الحديبية فذكر الحديث وفيه فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿يأيها لذين آمنوا إذا جآءكم لمؤمنات مهاجرات فمتحنوهن لله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى لكفار لا هن حل لهم ولا
هم يحلون لهن وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم لكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم لله يحكم بينكم ولله عليم حكيم﴾ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله نا أبو إسحاق البلخي نا الفربري نا البخاري نا إسحاق ثنا يعقوب ثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يخبران خبر من رسول الله ﷺ في الحديبية وذكر الحديث وفيه أن سهيلا كاتب النبي ﷺ على ألا يأتيه من المشركين أحد وإن كان على دين الإسلام إلا رده إلى المشركين قالا وجاءت المؤمنات مهاجرات فكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله أن يرجعها إليهم حتى أنزل الله في المؤمنات ما أنزل
حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثهم عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة قال خرج النبي ﷺ من الحديبية فذكر الحديث وشرط قريش في رد من جاء مسلما إليهم وفيه ثم جاء نسوة مهاجرات مؤمنات فنهاهم الله أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق قال أبو محمد فإذا نسخ الله تعالى عهد نبيه ﵇ وعقده وشرطه
стр. 722
فمن هذا الجاهل الذي يجيز هذا الشرط لأحد بعده تبرأ إلى الله من ذلك قال أبو محمد وهكذا القول في حديث أبي رافع أنه منسوخ ببراءة على أنه حديث ننكره وإن كنا لا نعلم في سنده علة ولكنا نعجب منه لأن أبا رافع كان مولى النبي ﷺ مولى عتاقة فكيف صار مع مشركي قريش رسولا إلى النبي ﷺ ونزول براءة كان بعد إسلام جميع قريش وبعد حديث أبي رافع بلا شك قال أبو محمد فلما لاح بكل ما ذكرنا أنه لا حجة في شيء مما ذكرنا لمن أجاز النذور والعقود والشروط والعهود على الجملة إلا ما عين بنص أو إجماع على أنه لا يجوز منها رجعنا إلى القول الثاني فوجدناه صحيحا ووجدنا النصوص التي احتجوا بها مبينة مفسرة قاضية على هذه الجملة التي احتج بها خصومهم وجدنا النصوص شاهدة بصحة قولهم فمن ذلك نص النبي ﵇ وهو الذي قال فيه الله تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ فقال ﵇ ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله كل شرط في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط شرط الله أوثق وكتاب الله أحق فصح بهذا النص وقد ذكرنا في هذا الباب بسنده أن كل شرط اشترطه إنسان على نفسه أو لها على غيره فهو باطل لا يلزم من التزمه أصلا إلا أن يكون النص أو الإجماع قد ورد أحدهما بجواز التزام ذلك الشرط بعينه أو بإلزامه وليس ذلك إلا في شروط يسيرة قد ذكرناها في كتابنا
المرسوم بذي القواعد
وأما النذور فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال حدثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة بن منصور عن عبد الله بن مرة عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال
стр. 723
إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل قال ابن المثنى وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور عن عبد الله بن مرة عن ابن عمر عن النبي ﷺ به وبه إلى مسلم نا قتية نا عبد العزيز يعني الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل حدثنا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود ثنا مسلم بن إبراهيم نا هشام هو الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية قال إن الله لغني عن نذرها مرها أن تركب فبطلت بهذين النصين النذور كلها ولم يلزم منها شيء إلا ما أتى به النص إما بإيجابه وإما بإباحة التزامه وليس ذلك إلا فيما كان طاعة لله فقط على ما بينه ﵇ إذ يقول من نذر أن يطيع الله فليطعه وقد ذكرناه بسنده في هذا الباب وما عدا ذلك فلا يلزم من التزامه أصلا وأما العقود فإن عبد الله بن يوسف حدثنا قال نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم نا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد كلاهما عن أبي عامر العقدي نا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم أن القاسم بن محمد قال له أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه إلا ما صح أن يكون عقدا جاء
النص أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه وكذلك حكم رسول الله ﷺ بإبطال صلح الذين صالح الذي زنى ابنه بامرأته وأما وأي المؤمن واجب فمرسل وفيه أيضا هشام بن سعد وهو
стр. 724
ضعيف وكذلك لا تعد أخاك وتخلفه مرسل أيضا والمحتجون بذلك أشد الناس خلافا
له فلا يقضون على من وعد بإنجازه وأما إذا قلت لصبي تعال هاه لك فمنقطع لأن ابن شهاب لم يلق أبا هريرة ولو صح لم يكن لهم فيه حجة لأن ذلك اللفظ هبة صحيحة لازمة وأما العهود فإن الله يقول في سورة براءة التي هي آخر سورة أنزلها آخر عهد عهد به إلى المسلمين والمشركين نسخ به جميع ما تقدم فقال تعالى ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند لله وعند رسوله إلا لذين عاهدتم عند لمسجد لحرام فما ستقاموا لكم فستقيموا لهم إن لله يحب لمتقين﴾ فأبطل كل عهد يعهده أحد لمشرك إلا على ما نص في السورة المذكورة من غرم الجزية مع الصغار لأهل الكتاب خاصة واستثنى تعالى الذين عاهد رسول الله ﷺ عند المسجد الحرام خاصة وهم الذين ذكروا في أول السورة إذ يقول تعالى ﴿برآءة من لله ورسوله إلى لذين عاهدتم من لمشركين * فسيحوا في لأرض أربعة أشهر وعلموا أنكم غير معجزي لله وأن لله مخزي لكافرين﴾ فلما انقضت تلك الأربعة الأشهر لم يبق لمشرك على مسلم عهد إلا السيف أو الإسلام إلا أن يكون كتابيا فيرضى بغرم الجزية مع الصغار فيجاب إلى ذلك وإلا فالسيف فصح بهذا النص أن كل عهد عاهده مسلم مشركا على غير الجزية مع الصغار فهو عهد الشيطان مفسوخ مردود لا يحل الوفاء به ولا فرق بين من أخذ بحديث أبي جندل وبين من صلى إلى بيت المقدس وترك الكعبة لأن النبي ﷺ فعل كلا الأمرين ثم نسخا والعجب كل العجب ممن لا يراعي حدود الله تعالى فيعقد عقودا بخلافها ويراعي عهد كافر قد أمر الله ورسوله بفسخه والعجب كل العجب من المالكيين القائلين إنه إن نزل عندنا كفار
стр. 725
حربيون
بأمان وعندهم أسارى رجال ونساء مسلمون ومسلمات أنهم لا ينتزعون منهم ويتركون ويردونهم إلى بلادهم ولا يمنعون من الوطء قال أبو محمد ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول الملعون الذي تقشعر أجساد المسلمين من سماعه فكيف من اعتقاده فليت شعري لو عاهدوهم على
نبش قبر النبي ﷺ أو على قلب المساجد كنائس أو على تعليق النواقيس في المآذن أتراهم كانوا يرون الوفاء لهم بهذه العهود مع ما يسمعون من قوله تعالى ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند لله وعند رسوله إلا لذين عاهدتم عند لمسجد لحرام فما ستقاموا لكم فستقيموا لهم إن لله يحب لمتقين﴾ ثم يتعلقون بحديث أبي جندل وهو منسوخ لما نص الله تعالى في براءة مما قد تلوناه في هذا الباب فإن تعلقوا بقول الله تعالى ﴿وإن أحد من لمشركين ستجارك فأجره حتى يسمع كلام لله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ فهذه حجة عليهم لا لهم لأن الله تعالى لم يبح في هذه الآية أن يطلقوا على مسلم ولا على ماله ولا على إذلاله وإنما أباح حقن دمائهم فقط ولا مزيد أما سمعوا قوله تعالى ﴿محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ ومن أباح لكافر تملك مسلم فقد انقلبت صفتهم فصاروا رحماء على الكافرين أشداء بينهم نعوذ بالله من هذه الصفة القبيحة وقوله تعالى ﴿ما كان لأهل لمدينة ومن حولهم من لأعراب أن يتخلفوا عن رسول لله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل لله ولا يطأون موطئا يغيظ لكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن لله لا يضيع أجر لمحسنين﴾ حدثنا حمام ثنا الأصيلي نا
المروزي نا الفربري نا البخاري نا محمد بن العلاء أنبأنا أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني نا أبو إسحاق البلخي نا الفربري حدثناالبخاري نا سعيد بن الربيع نا شعبة عن الأشعث سمعت معاوية بن سويد يقول سمعت البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع فذكر فيها نصر المظلوم
стр. 726
حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم نا قتيبة نا الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه
ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وبه إلى مسلم نا عبد الله بن مسلمة بن قعب نا داود بعني ابن قيس عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله وبه إلى مسلم ثنا محمد بن عبد الله بن نمير نا أبي نا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وبه إلى محمد بن عبد الله بن نمير نا حميد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن خيثمة عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله قال أبو محمد فأعرضوا عن هذا كله وقد علمنا أنه لا ظلم للمسلم ولا إسلام له ولا خذلان له ولا تضييع لحاجته ولا أتم لكربته ولا فضيحة له ولكل مسلم ولا أشد خلافا على الله تعالى وعلى رسول ﷺ من ترك المسلم والمسلمة عند المشرك يذلها ويطؤها ووجب بهذا ضرورة أن الإمام إذا تعاصى عليه خارج عن طاعته ظالم طالب دنيا فلم يراجع الطاعة إلا بأمان وعهود وعقود على ألا يتعرض في شيء من حاله ولا مما بيده فإنه أمان فاسد وعقد باطل وعهود ساقطة وشروط مفسوخة كلها ولا يسقط عنه شيء إلا حد المحاربة فقط بنص القرآن إذ يقول تعالى ﴿إلا الذين
стр. 727
تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فعلموا أن لله غفور رحيم﴾ ولا يسقط بذلك قود لمسلم في نفس فما دونها ولا حد من حدود الله تعالى ولا حق لمسلم في مال أخذه بغير حق بل يقام عليه الحكم في كل ذلك بما أوجبه القرآن أو السنة وإلا فالإمام عاص لله تعالى إن أغفل ذلك قال أبو محمد وهم يقولون فيمن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق
فتزوجها
إنها تطلق عليه ويحتجون ب ﴿يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد﴾ ويرون في رسول الله أتى من دار الحرب فأسلم أنه يرد إلى الكفار ثم يقولون في رجل كان له شريك مسلم في دار فعرض عليه شريكه أن يأخذ الشقص بما يعطى فيه أو يترك فيبيعه ممن يريده فأباح له شريكه أن يبيع وعقد معه وأشهد الناس طائعا على ترك شفعته وأنه لا يقوم بها فباع الشريك قالوا فذلك العهد وذلك العقد ساقطان لا يلزمان وله الأخذ بالشفعة قال أبو محمد أفيكون في عكس الحقائق أشنع من هذا وهذا شرط قد جاء النص بإلزامه فأبطلوه وهو حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ وأجازوا شروطا منسوخة لا يحل عقدها الآن أصلا حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي نا مسلم نا أبو الطاهر نا ابن وهب عن ابن جريج أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه وبه إلى مسلم نا محمد بن عبد الله بن نمير نا عبد الله بن إدريس نا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعه أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه
стр. 728
فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به فهذا حديث قد صح سماع أبي الزبير من جابر ولم يجعل النبي ﷺ الأخذ أم الترك للشريك إلا قبل بيع شريكه ولم يجعل له بعد البيع حقا إلا إن كان الشريك لم يؤذنه قبل البيع فعكس هؤلاء القوم الحقائق كما ترى فيتركون احتجاجهم ب ﴿يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما
يريد﴾ حيث شاؤوا فيبطلونه العقود لا يحل لمسلم القرار على سماعها فكيف إمضاؤها مما قد جاء النص بإبطاله التي أمر الله تعالى بإمضائها ويحتجون ب ﴿يا أيها لذين آمنوا أوفوا بلعقود أحلت لكم بهيمة لأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي لصيد وأنتم حرم إن لله يحكم ما يريد﴾ حيث شاؤوا فيمضون عقودا ويبطلون من النذور ما قد أمر النبي ﷺ بإنفاذه باسمه كالنذر في الجاهلية الذي أمر ﵇ عمر بالوفاء به
فعكس هؤلاء القوم في أقوالهم الحق عكسا ويقولون من باع بيعا فاشترط شروطا تفسده فقال أنا أسقط الشرط جاز ذلك وصح البيع قالوا فإن باع بيعا إلى أجل مجهول فقال أنا أعجل الثمن وأسقط الأجل قالوا فذلك لا يجوز والبيع فاسد قالوا ومن اشترى عبدا بشرط أن يعتقه فذلك جائز لازم له ولا يرده بعيب يجده فيه لكن يأخذ أرش العيب قالوا فإن أعتقه بشرط ألا يفارقه لم يجز ذلك قالوا ومن قال لآخر بعني عبدك للعتق بأربعين دينارا فقال لا بل بخمسين دينارا فأبى المشتري فقال العبد لسيده يعني منه بأربعين دينارا وأنا أعقد لك وأشرط لك على نفسي بالعشرة الدنانير الزائدة وأشهد لك بذلك فأجاب السيد إلى ذلك والتزم العبد العشرة الدنانير طائعا وأشهد البينة على نفسه بذلك فاشترى المشتري العبد فأعتقه قالوا لا يلزم العبد مما عقد على نفسه وأشهد عليها به شيء أصلا قالوا فلو قال لعبده أنت حر وعليك خمسون دينارا جاز ذلك ولزم العبد أن يؤديها شاء أم أبى قالوا ومن شارط عبده على أن يخدمه هذه السنة التي أولها شهر كذا
стр. 729
ثم أنت حر والتزم العبد ذلك فأبقى العبد تلك السنة كلها قالوا فهو حر ولا يلزمه من شرط الخدمة شيء وقد ذكرنا قولهم في الشفعة وقالوا فيمن باع ثمر حائطه وشرط للمشتري على نفسه ألا يقوم بالجائحة إن أجيح فأجيح قالوا لا يلزمه ذلك الشرط وله القيام بالجائحة ثم قالوا في مريض شاور ورثته في أن يوصي بأكثر من ثلثه وهم في غير كفالته فأجازوا له ذلك فأوصى بأكثر من الثلث ثم مات قالوا يلزمهم ما التزموا ولا قيام لهم عليه قال أبو محمد وهذا عكس الحقائق وإجازة ما لا يجوز وتحليل ما حرم الله تعالى وإبطال ما لا يجوز سواه وقالوا لو تراضى المكاتب وسيده وتشارطا أن المكاتب متى فعل أمرا كذا فمحو كتابته بيد سيده ففعل المكاتب ذلك الشيء وأقر بفعله أو قامت عليه بذلك بينة قالوا هذا شرط لا يلزم ولا يكون محو كتابته إلى سيده لكن إلى السلطان ثم قالوا إن حكم خصمان
بينهما رجلا من عرض المسلمين لا سلطان له
فحكم بينهما برضاهما ثم امتنع أحد الخصمين قالوا ذلك الحكم لازم لهما ورضاهما به أو لا جائز عليهما وهذا كله ينقض بعضه بعضا قالوا فإن شرط على مكاتبه وصفاء غير موصوفين قالوا ذلك شرط جائز لازم قالوا فإن تشارطا برضا منهما أن ما ولد للمكاتب بل تمام أداء كتابته من ولد فإنهم غير داخلين في الكتابة قالوا هذا شرط لا يلزم ولا يجوز هذا هو قولهم إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وأنه إن عجز عاد رقيقا قالوا فإن شرط على مكاتبه أضاحي مسماة وعملا معروفا وخدمة محدودة وكسوة ثم أدى بالمكاتب نجومه مجموعة قبل حلول الأجل المشترط أجبر السيد على قبضها وعجل العتق للمكاتب وبطلت شروطهما في الآجال التي اتفقت الأمة على أنها شروط جائزة لازمة قالوا وسقط شرط الخدمة والعمل والسفر بلا عوض يكلفه المكاتب ولم
стр. 730
يسقط شرط الأضحية والكسوة ولا يلزم أيضا لكن يقول كل ذلك ويدفع قيمته مع ما عجل من نجوم كتابته فأبطلوا شرط الآجال الذي صححه الله تعالى بلا دليل وتكلموا في سائر الشروط فأبطلوا بعضها وعوضوا من بعضها كل ذلك تحكم بلا دليل ولكن تناقض لا معنى له فإذا تعلقوا في إسقاط أجل المكاتب بعمر بن الخطاب إذ أجبر أنسا على تعجيل عتق مكاتبه إذ عجل له النجوم كلها قيل لهم هذا عجب من العجب هذه قضيتان اختلف فيهما عمر وأنس فخالفتم عمر حيث لا يحل خلافه واتبعتم أنسا في إحدى القضيتين ثم خالفتم أنسا حيث لا يحل خلافه في القضية الثانية وتعلقتم بعمر وذلك أن عمر أجبر أنسا على مكاتبة سيرين فكان القرآن يشهد لعمر في هذه القضية بالصواب بقوله تعالى ﴿وليستعفف لذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم لله من فضله ولذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال لله لذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على لبغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض لحياة لدنيا ومن يكرههن فإن لله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ فخالفتم
عمر وقلتم لا يجوز أن يجبر السيد على مكاتبة عبده وإن علم فيه كل خير ثم أجبر عمر أنسا على إسقاط الآجال في المكاتب وتعجيل عتقه إذا عجل المكاتب كل ما عليه وأنس يأبى
ذلك والنص يشهد لأنس في هذه القضية بالصواب لأن هذا العقد في الآجال المشترطة في الكتابة داخلة في العقود التي اجتمعت الأمة على جوازها فهي داخلة في عموم قوله تعالى ﴿ولا تقربوا مال ليتيم إلا بلتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن لعهد كان مسؤولا﴾ وكل عقد صح بنص أو إجماع فلا يجوز إبطاله إلا بنص آخر أو إجماع ولا نص ولا إجماع على إسقاط آجال المكاتب بتعجيل ما عليه فخالفتم أنسا في هذه القضية وخالفتم عمر في الأولى فلو قيل لكم اجتهدوا في الخطأ ما أمكنكم أكثر من هذا قالوا ومن وطىء مكاتبته فحملت خيرت بين التمادي على المكاتبة وبين إسقاطها ويذهب الشرط والعقد ضياعا قالوا ومن كان له على آخر دين إلى أجل من طعام وذهب إلى أجل مسمى فأتاه بهما قبل الأجل قالوا يجبر على قبض الذهب قبل الأجل ولا يجبر على قبض الطعام إلا حتى يحين الأجل فمرة يثبتون الشروط ويحتجون ب ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾
стр. 731
والمسلمون عند شروطهم ومرة يبطلون كل ذلك كيفما وافقهم قالوا ومن كان له على آخر دين إلى أجل مسمى أو حال فقال له أنا أنظرك بالدين الذي لي عليك إلى عشرة أيام بعد الأجل الذي هو إليه وأهبك غدا دينارا قالوا يقضى عليه بالتأخير شاء أم أبى ولا يقضى عليه بالهبة الدينار الذي ذكر أصلا قالوا ولو قال لغريمه جئني بحقي قبلك والحق حال لا مؤجل وأنا أهبك نصفه فأتاه به لزمه ما وعده أن يهبه وقضى عليه بذلك قالوا ولو قال مالي في المساكين صدقة لزمه ثلث ماله ولم يقض عليه به أن يتصدق بالثلث فإن فرط حتى تلف الثالث ولم يؤمر أن يتصدق منه بشيء قالوا فلو تصدق على إنسان معين بدار قضي عليه
بذلك قالوا فلو قال داري هذه صدقة على زيد أو قال على المساكين إن دخلت دار عمرو فدخلها عامدا ذاكرا ليمينه قالوا لا يقضى عليه بشيء ولا يحكم عليه بإمضاء ما تصدق به لا للمعين ولا للمساكين قالوا ولو قال ذلك في غير يمين قضي عليه بإمضاء ما تصدق به على المعين
قالوا فلو قال عبدي حر إن دخلت دار عمرو فدخلها قضي عليه بعتق العبد قالوا ولو قال في نذر إن جاء أبي سالما فعلي أن أعتق عبدي هذا حرا لله فجاء أبوه سالما لم يقض عليه بعتق ذلك العبد فلو قال إن اشتريت عبد فلان فهو حر فاشتراه قالوا يقضى عليه بعتقه وهذا ضد النص وضد حكم النبي ﷺ إذ يقول من نذر أن يطيع الله فليطعه وإذ يقول ﵇ إنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم فقضوا هم عليه بإمضاء النذر فيما لم يملك إذ نذره ولم يقضوا عليه بالطاعة التي ألزمه الله تعالى إمضاءها والوفاء بها قالوا فلو قال أنا أهبك غدا درهما لم يقض عليه بذلك قالوا ولو قال له إن تبع هذا الثوب أنا أقويك بثمنه وبدرهم أهبه لك قالوا يقضى عليه بذلك قالوا ومن شرط لامرأته أن لا يرحلها ولا يتسرى عليها ولا يتزوج عليها لم
стр. 732
يلزمه شيء من ذلك وجاز له النكاح وله أن يرحلها ويتسرى عليها ويتزوج قالوا فلو زاد في كل ذلك فإن فعل فأمرها بيدها أو قال فالسرية حرة والداخلة بنكاح طالق فإن كل ذلك يلزمه ويقضى عليه به قال أبو محمد وليس في التلاعب أكثر من هذا قالوا ومن شرط على نفسه نفقة امرأة ولده الناكح ولم يلزمه في الكبير وثبت النكاح واختلفوا في لزوم ذلك في امرأة الصغير قالوا فإن تزوج امرأة على أنه إن جاء بصداقها المسمى إلى أجل مسمى فذلك وإلا فلا نكاح بينهما فسخ أبدا جاء بالصداق إلى ذلك الأجل أو لم يجىء هذا مع قولهم إن من شرط في البيع شرطا يفسده فرضي إسقاط الشرط صح البيع وهم يقولون إن البيوع تشبه النكاح حتى إنهم أبطلوا النكاح حين النداء إلى الجمعة قياسا على بطلان البيع حينئذ ثم
قالوا فإن تزوجها بصداق مسمى إلى الميسرة فإن رضي بإسقاط الشرط عجل الصداق جاز النكاح وإن أبى من إسقاط الشرط فسخ النكاح قالوا ومن قال لآخر إن جئتني بأمر كذا في وقت كذا فقد زوجتك ابنتي فلانة فأتى بذلك الشيء في ذلك الوقت قالوا لا يجوز له أن يفي بهذا الشرط فإن أنكحه بذلك الشرط فسخ النكاح أبدا قالوا ومن زوج أمته عبد غيره وتشارطا أن ما ولدت فهو حر فسخ النكاح ولزم سيدها تحرير ما ولدت بالشرط قالوا فلو تشارطا
أن ما ولدت فهو رقيق بينهما قالوا ينفذ النكاح ويثبت والولد رقيق لسيد الأمة ويبطل الشرط ففي الأول بطل النكاح وثبت الشرط وفي الثانية عكس ذلك وهو ثبات النكاح وبطلان الشرط قالوا فلو تزوج المرأة على أن لها من النفقة كذا وكذا فدخل بها قالوا بطل الشرط وينفذ النكاح ولها نفقة أمثالها قالوا فلو تزوجها على أن أمرها بيدها إن تزوج عليها قالوا يثبت النكاح ويثبت الشرط ويكون أمرها بيدها إن تزوج قالوا إن تزوجها على ألا ينفق عليها ورضيت بذلك وأشهدت على نفسها فدخل بها ثم بدا لها قالوا ذلك لها ولا يلزم ذلك الشرط ويقضى لها
стр. 733
عليه بالنفقة قالوا فلو تزوج امرأة على مائة فلما هموا بالفراغ قالوا يضع لك خمسين على ألا تخرجها من دارها أو قالوا من ولدها فقال نعم فزوجوه على ذلك الشرط وهو راض وهي راضية وتشاهدوا ثم بدا له فأراد إرحالها قالوا ذلك له ويوفيها المائة الكاملة ولا يلزم واحدا منهما ما تشارطاه فلو قالت له أتزوجك بمائة وأضع عنك خمسين على أن تخرجني فقال نعم وتشاهدا على ذلك فلما تزوجها أراد أن يرحلها قالوا فذلك له شرط على نفسه في ألا يرحلها مفسوخ وشرطها على نفسها فيما أسقطت عنه من الخمسين لازم لها لا ترجع عليه بشيء قالوا فلو قال لها إن رحلتك فأمرك بيدك فذاك لازم له قالوا ولو قال لها إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك فله أن يطأها قبل أن يغيب ولا يسقط بذلك ما جعل لها من الشرط قالوا فلو قال لها وهي حامل إذا وضعت حملك فأمرك بيدك قالوا فإن وطئها بعد هذا القول وقبل أن تضع حملها فقد سقط ما جعل من لها الشرط وقالوا من خالع امرأته على أن عليها نفقة ولدها ست سنين لم يلزمها من ذلك إلا رضاع سنتين فقط ثم تعود النفقة على الأب ويسقط عنها ما شرطت على نفسها قالوا فإن طلقها طلقة سنة فأعطته مالا على أن لا رجعة له عليها قالوا ذلك لازم لها وله وكأنه خلع قالوا فلو تشارطا في الخلع إنك إن خاصمتني فأنت امرأتي فخاصمته فإن لها ذلك والشرط
باطل لا يلزم
قال أبو محمد فهلا قالوا هو لازم وكأنه رجعة كما قالوا في التي قبلها وكأنه خلع قالوا ومن كان لامرأته عليه دين فخالعها على أن يجعل لها نصف الدين وتبرئه من الباقي قالوا فالطلاق نافذ والإبراء جائز لازم وتجير على أن ترد إليه ما عجل فيبقى إلى أجله هذا وهم يجبرون سيد المكاتب والغريم على قبض ما عجل لها بضد ما فعلوه في المرأة قالوا وإن قالت أمة تحت عبد إن أعتقت فقد تخيرت نفسي أو قالت فقد تخيرت زوجي وأشهدت على
стр. 734
نفسها بذلك قالوا فليس ذلك بشيء ولا يلزمها ولها استئناف الخيار إن أعتقت وهم يقولون في عبد أو حر قال إن تزوجت فلانة فهي طالق أو قال كظهر أمي فتزوجها القائل ذلك فهي طالق وكظهر أمه ويقولون في قائل قال إن وكلني زيد بطلاق امرأته فلانة فهي طالق فوكله زيد بطلاق تلك المرأة إنها لا تكون طالقا إلا أن يحدث لها الوكيل طلاقا إن شاء وإلا فلا ويقولون في قائل قال متى طلقت زوجتي أو قال إن طلقت زوجتي هذه فهي مراجعة مني فطلقها قالوا لا تكون مراجعة بذلك إلا أن يحدث لها رجعة إن شاء قالوا ومن باع جارية على أن تعتق فذلك جائز لازم قالوا فإن باعها على أن لا تباع قالوا لا يجوز ويفسخ البيع إلا أن يرضى البائع إسقاط الشرط فيتم البيع ويسقط الشرط وقالوا ومن باع بثمن مجهول فسخ البيع فإن باع نصف جارية له من زيد واشترط على المشتري نفقتها سنة قالوا إن كان ذلك ثابتا في الحياة والموت جاز الشرط وليس في الثمن المجهول أكثر من هذا لاختلاف الشبع وتناول النفقة في الصحة والمرض قالوا ومن باع سلعة بثمن مسمى على أن يتجر له في ثمنها سنة فلا بأس بذلك إذا كان ذلك ثابتا عليه إن تلف الثمن أخلف مكانه غيره وهم لا يجيزون القراض إلى أجل قالوا من عرف كيل صبرة له من طعام فابتاعها منه مبتاع جزافا وقال له المشتري ما أبالي عرفت أنت أيها البائع كيلها أم لم تعرف فتبايعنا على ذلك قالوا فلا يلزم هذا الشرط المشتري وله أن يرد إن
شاء قالوا فلو لم يعلم البائع كيلها فباعها جزافا قالوا فذلك للمشتري لازم ولا رد له
وتناقضهم فيما يلزمونه من العقود والشروط وما لا يلزمونه منها أكثر من أن يحصى أو يحاط به إلا في المدة الطويلة وفيما ذكرنا كفاية لمن عقل والحنفيون مثلهم في ذلك وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد فلما قام البرهان بكل ما ذكرنا وجب أن كل عقد أو
стр. 735
شرط أو عهد أو نذر التزمه المرء فإنه ساقط مردود ولا يلزمه منه شيء أصلا إلا أن يأتي نص أو إجماع على أن ذلك الشيء الذي التزمه بعينه واسمه لازم له فإن جاء نص أو إجماع بذلك لزمه وإلا فلا والأصل براءة الذمم من لزوم جميع الأشياء إلا ما ألزمنا إياه نص أو إجماع فإن حكم حاكم بخلاف ما قلنا فسخ حكمه وورد بأمر النبي ﷺ إذ يقول من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد قال أبو محمد أبو محمد فإذ قد ثبت كل ما ذكرنا بالبراهين الضرورية فقد ثبت أن كل ما لا يصح بصفة ما وشرط ما وعقد ما ففسدت تلك الصفة وذلك الشرط وذلك العقد في حين التعاقد فإن ذلك الشيء لا يصح أبدا ويبطل ذلك العقد ويفسخ أبدا لأن ما تعلقت صحته بما لا يجوز فلا صحة له إذ لم يصح ما لا تمام له إلا به وهذا أمر يعم بالضرورة وبذلك وجب إبطال كل نكاح انعقد بشرط فاسد أو بصفة فاسدة وكذلك كل بيع انعقد على ما لا يجوز فإن كل ذلك يفسخ أبدا ووجب بذلك بطلان كل صلاة صليت في مكان مغصوب يعلم المصلي فيه أنه مغصوب وكل صلاة فعل فيها المرء ما لا يجوز له وبذلك حرمت ذبيحة الغاصب والسارق والمعتدي وبسكين مغصوبة وبالله تعالى التوفيق وصح بهذا كله أن كل عقد أو عهد أو نذر أو شرط أوجبها أو أباح إيجابها نص فإنها نافذة لازمة فمن ادعى سقوط شيء من ذلك فقوله باطل وكل ذلك باق بحسبه لازم كما كان إلا أن يأتي مدعي بطلانه بنص على بطلانه فيجب الوقوف حينئذ عند ما أوجبه النص مثال ذلك أن الإجارة عقد قد جاء النص بجوازه وإباحة التزامه وصح الدليل من النص
والإجماع على أن الإجارة إلى غير أجل وعلى غير عمل محدود باطل مردودة لا تجوز لأنها أكل مال بالباطل والإجارة على ما ذكرنا حرام مردودة بإجماع الأمة كلها من مجيز لها ومن مانع
стр. 736
منها وبالنص ولا بد أن تكون الإجارة إلى أجل معلوم أو إلى غير أجل ولا سبيل إلى قسم
ثالث بوجه من الوجوه وقد بطل أحد القسمين المذكورين فوجب ضرورة إذ قد جاء النص بإباحة الإجارة أن يصح القسم الآخر فصح وجوب ذكر الأجل المسمى في الإجارة ضرورة بالنص وبمقدمتي الإجماع اللتين ذكرنا فإذ قد صح ذلك فذكر الأجل في عقد الإجارة شرط صحيح وإذا كان ذلك فقد ثبت عقده وما ثبت عقده الآن فلا يبطل في ثان إلا بنص فصح أن لا رجوع للمؤاجر ولا للمستأجر فيما عقدوه ما داموا أحياء وما لم ينتقل ملك الشيء المستأجر عن المؤاجر له وما كانت عين ذلك الشيء قائمة فإن انتقل الملك أو مات أحدهما بطل عقد الإجارة لقول الله ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وليس صحة عقد الإجارة مانعا من إخراج المؤاجر عن ملكه الشيء الذي أجر وإن أدى ذلك إلى بطلان العقد لأن البيع مباح له بالنص وليس بيعه ماله نقضا لعقده وإنما ينقض ذلك العقد ملك غير العاقد للشيء المعقود فيه قال أبو محمد وقال بعضهم أنتم إذا منعتم من نقض عقد الإجارة والكتابة والتدبير والعتق بصفة ثم أجزتم للعاقدين أن يخرجوا عن ملكهم الأعيان التي عقدوا فيها هذه العقود وذلك مبطل للعقود فقد تناقضتم وأجزتم إبطالها قيل لهم وبالله تعالى التوفيق لم نمنع قط من أن يفعل الإنسان في ماله ما أبيح له قبل العقد الذي عقد فيه وليس ذلك العقد بمحرم عليه ما كان له حلالا من إخراج ذلك الشيء عن ملكه ومدعي هذا متحكم في الدين قائل بغير بيان من الله تعالى وإذا منعنا أن يفسخ بقوله ما عقد بقوله مما أبيح له عقده أو أمر به فقط وإنما
يلزم هذا التعقب القائلين بالقياس الذي يحرمون به المسكوت عنه لتحريم المأمور بتحريمه والرهن وغيره سواء فيما ذكرنا إذا لم يمنع من إخراجه من الرهن بالبيع والعتق
стр. 737
نص وأما المنكرون لهذا فقد تناقضوا فيه أقبح تناقض وقالوا بما أنكروه علينا يعني أصحاب مالك فقالوا لا تقبل شهادة النساء في عتق أصلا ثم قالوا إن شهدت امرأتان بدين على زيد لعمرو حلف عمرو معهما ورد عتق زيد لعبد الذي أعتقه ودين عمرو محيط بماله فقد أجازوا في رد العتق شهادة النساء وكذلك قالوا لو شهدت امرأتان
بابتياع زيد وعمرو لأمة كانت تحت زيد قبلتا مع يمين البائع وفسخ نكاح الأمة ومثل هذا لهم كثير جدا قال أبو محمد ومن استؤجر على عمل معلوم فهو عقد قد جاء النص بإباحته واتفق القائلون بالإجارة على لزومه في حين عقده واختلفوا هل ينفسخ في ثانية أو لا فوجب أن يبقى على ما جاء الدليل به من صحته ما لم يأت نص بفسخه وهكذا القول في المدبر وفي الموصي بعتقه وفي المعتق بصفه وفي المكاتب أنها عقود قد اتفق الناس على ما جاءت به النصوص من صحتها في حين عقدها وعلى القضاء بها ما لم يرجع العاقد لها فيها ثم اختلفوا هل لعاقدها فسخها في ثاني عقده إياها أو لا فوجب ألا يكون له في شيء منها رجوع إلا بنص ولا نص ولا إجماع في إباحة الرجوع في ذلك لا بتراضيها ولا بغيره فلا يجوز أصلا بخلاف المؤاجرة وكان إخراجه لكل ما ذكرنا عن ملكه جائزا ويبطل بذلك العقد لانتقال الملك كما قلنا في الشيء المؤاجر ولا فرق وأما المكاتب فإنما يخرج عن الملك منه ما لم يؤد خاصة وفي ذلك المقدار يبطل العقد لا فيما أدى وهو قول علي وروايته عن النبي ﷺ وقد جاء النص ببيع المدبر وبيع المكاتب ما لم يؤد فوجب إباحة ذلك وممن رأى للمؤجر والمستأجر أن يفسخ الإجارة أيهما شاء متى شاء قبل الأجل وإن كره الآخر مسروق وشريح والشعبي وممن رأى ألا رجوع لموصي في العتق خاصة الأوزاعي والثوري وأما العارية فبخلاف ما ذكرنا لأن العارية المطلقة التي ليست إلى أجل هي التي صحت بالنصوص وبالإجماع وأما
стр. 738
شرط التأجيل فيها فهو باطل لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى ولا جاء به نص ولا إجماع فهو باطل وجمهور الفقهاء يقولون إن العارية التي يشترط التأجيل فيها ليست شيئا وهو شرط لا يلزم فلم يتفق على صحته فهو باطل وكذلك الوعد بالعارية لا يلزم لما ذكرنا وهكذا القول في ضمان ما لم يلزم بعد من المال وفي ضمان الوجه أن كل ذلك باطل لأنها شروط لم يأت بصحتها نص ولا إجماع ويبطل بما ذكرنا
ضمان النفقة على زيد وعلى من لم يأت نص ولا إجماع بإيجاب النفقة عليه وهكذا ضمان الصداق عمن لم يتزوج بعد ووجب بما ذكرنا الرجوع في الشركة والقراض لأيهما شاء
متى شاء وإن كره الآخر لأن شرط التأجيل فيها باطل إذ لم يأت بإباحته نص ولا إجماع وهكذا القول في كل شرط شرطه المحبس في الحبس من أجل محدود أو من بيعه إن احتيج كل ذلك باطل لما ذكرنا وكذلك إن شرط في الهبة والعمرى والرقبى استرجاع شيء منها فهو باطل كله لما ذكرنا بخلاف وجوب ذكر الأجل في الإجارة وبخلاف وجوب الرجوع في العارية وأما ضمان ما قد وجب من الأموال فهو عقد مجمع على صحته وقد جاء النص به وكذلك الحوالة وإذ هما كذلك فلا رجوع لأحد فيها لما ذكرنا من أن ما صح في أول لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وكذلك الحبس والهبات والصدقات والعمرى كل ذلك قد بان عن الملك فالرجوع فيه كسب على غيره وقد جاء النص ببطلان ذلك قال الله تعالى ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وأما القرض المؤجل فقد صح النص فيه بالأجل وإذا صح بالنص فهو ثابت فلا رجوع لأحد فيه إذا كان شرط الأجل في حيز القرض لقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا
تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ فإن انعقد حالا ثم شرط على نفسه أجلا فهو شرط فاسد لا يلزمه والدين حال كما كان لأنه شرط ليس في كتاب الله ولا أجمع على لزومه فهو باطل وأما المزارعة والمساقاة المعقودتان إلى أجل فقد
стр. 739
ادعى قوم أن كل من أجازهما وهم أهل الحق قد أجازوهما إلى أجل مسمى فالأجل فيهما شرط صحيح وإذا كان صحيحا في حين العقد فهو لازم وإذا كان لازما في وقته لم يبطل في ثانية إلا بنص أو إجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك إلا بتراضيهما معا للإجماع على ذلك قال أبو محمد وهذا خطأ بل قد صح الإجماع على عقدهما بغير أجل ولم يأت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين تجويزهما إلى أجل فعقدهما إلى أجل لا يجوز البتة لأنه لم يوجد نص ولا إجماع فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل بحكم النبي ﷺ
وليس تراضي المتعاقدين عقدا صحيحا أو المتشارطين شرطا صحيحا بنص أو إجماع ثم تراضيا معا على فسخه أو تأجيله مجيزا لهما ذلك بل رضاهما بفسخه أو تأجيله باطل والعقد والشرط باق كما كان إلا أن يبيح لهما النص أن يتراضيا على فسخه فيكون لهما ذلك حينئذ وإلا فلا لأنه ليس لأحد أن يوجب ولا أن يحرم ولا أن يحلل إلا بنص ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى وشرع من الدين ما لم يأذن به الله قال الله تعالى ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ والكل عبيد لا أمر لهم ولا حكم إلا ما حكم به عليهم ولهم خالقهم ومولاهم وأما النكاح والبيع فقد جاء النص بصفة عقدهما وبصفة فسخهما فليس لأحد أن يعقدها بغير تلك الصفة فإن فعل فليس نكاحا ولا بيعا وهو مردود مفسوخ أبدا ومن عقدهما كما أمر فليس له فسخهما إلا بالصفة التي أتى النص بفسخهما بها وإلا كان فسخه باطلا مردودا وثبت عقدهما كما كان وقد حرم بيع أم الولد بالنص الوارد في ذلك مما قد ذكرناه في كتاب الإيصال وفي المحلى فلم يلتفت إلى الخلاف في ذلك وقد صح النص بجواز الهبة ووجوب قبولها وتحريم الرجوع فيها فلم يجز الرجوع في شيء من الهبة ولا الصدقة من ذلك حاشا العطية للولد فقط للنص في ذلك ولم يأت نص ولا إجماع
стр. 740
على رد الحبس لا بتراض ولا بغير تراض فلم يجز أصلا قال أبو محمد فإن قال قائل أنتم لا تلزمون أحدا الوفاء بعهده ووعده إلا أن يوجب ذلك عليه نص ومن مذهبكم أن وعد الله تعالى ووعيده نافذان لا سبيل إلى دخول خلف فيهما فالجواب أن هذا الذي نقول هو الذي لا يجوز تعديه لأننا متعبدون ليس لنا أن نلتزم شيئا إلا ما ألزمنا خالقنا تعالى فإلزامنا فعل شيء لم يأتنا نص ولا إجماع بأن نفعله باطل والله تعالى ليس كذلك لأنه ليس فوقه أمر فكل ما قضى به نافذ وكل ما قاله فحق وأيضا فوعدنا نحن ليس خبرا لأنه لا علم لنا بما يكون في المستأنف والله تعالى ليس كذلك لأنه عليم بما يكون قبل أن يكون فكل ما أخبر تعالى أنه
يفعله فلا بد أن
يفعله ومن أجاز غير ذلك أجاز على الله تعالى الكذب في خبره تعالى الله عن ذلك قال الله ﴿قال فلحق ولحق أقول﴾ ما خالف الحق فهو باطل تعالى الله عن الباطل فوعد الله تعالى ووعيده خبر لا بد من كونه لأنه حق وصدق وعلم منه تعالى بما يكون من ذلك وعلمه صادق لا يخيس أصلا ولا يظن ظان أننا نقول بالوعيد كقول المعتزلة من إبطال سيئة واحدة للحسنات ومن الخلود على المصر على الكبائر ومعاذ الله من ذلك ولكنا نقول بما جاء به النص من الموازنة وذهاب السيئات بالحسنات بمعنى أن الحسنات تذهب السيئات وبأن من استوت حسناته وسيئاته أو رجحت حسناته لم ير نار أصلا ولكن من رجحت سيئاته وكبائره ممن مات مصرا فهؤلاء الذين يخرجون من النار بالشفاعة ولا خلود على مسلم في النار ولا يدخل الجنة كافر أبدا وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل
следующие страницы →