Полный текст (1 408 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
منها وبالنص ولا بد أن تكون الإجارة إلى أجل معلوم أو إلى غير أجل ولا سبيل إلى قسم
ثالث بوجه من الوجوه وقد بطل أحد القسمين المذكورين فوجب ضرورة إذ قد جاء النص بإباحة الإجارة أن يصح القسم الآخر فصح وجوب ذكر الأجل المسمى في الإجارة ضرورة بالنص وبمقدمتي الإجماع اللتين ذكرنا فإذ قد صح ذلك فذكر الأجل في عقد الإجارة شرط صحيح وإذا كان ذلك فقد ثبت عقده وما ثبت عقده الآن فلا يبطل في ثان إلا بنص فصح أن لا رجوع للمؤاجر ولا للمستأجر فيما عقدوه ما داموا أحياء وما لم ينتقل ملك الشيء المستأجر عن المؤاجر له وما كانت عين ذلك الشيء قائمة فإن انتقل الملك أو مات أحدهما بطل عقد الإجارة لقول الله ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وليس صحة عقد الإجارة مانعا من إخراج المؤاجر عن ملكه الشيء الذي أجر وإن أدى ذلك إلى بطلان العقد لأن البيع مباح له بالنص وليس بيعه ماله نقضا لعقده وإنما ينقض ذلك العقد ملك غير العاقد للشيء المعقود فيه قال أبو محمد وقال بعضهم أنتم إذا منعتم من نقض عقد الإجارة والكتابة والتدبير والعتق بصفة ثم أجزتم للعاقدين أن يخرجوا عن ملكهم الأعيان التي عقدوا فيها هذه العقود وذلك مبطل للعقود فقد تناقضتم وأجزتم إبطالها قيل لهم وبالله تعالى التوفيق لم نمنع قط من أن يفعل الإنسان في ماله ما أبيح له قبل العقد الذي عقد فيه وليس ذلك العقد بمحرم عليه ما كان له حلالا من إخراج ذلك الشيء عن ملكه ومدعي هذا متحكم في الدين قائل بغير بيان من الله تعالى وإذا منعنا أن يفسخ بقوله ما عقد بقوله مما أبيح له عقده أو أمر به فقط وإنما
يلزم هذا التعقب القائلين بالقياس الذي يحرمون به المسكوت عنه لتحريم المأمور بتحريمه والرهن وغيره سواء فيما ذكرنا إذا لم يمنع من إخراجه من الرهن بالبيع والعتق
стр. 737
نص وأما المنكرون لهذا فقد تناقضوا فيه أقبح تناقض وقالوا بما أنكروه علينا يعني أصحاب مالك فقالوا لا تقبل شهادة النساء في عتق أصلا ثم قالوا إن شهدت امرأتان بدين على زيد لعمرو حلف عمرو معهما ورد عتق زيد لعبد الذي أعتقه ودين عمرو محيط بماله فقد أجازوا في رد العتق شهادة النساء وكذلك قالوا لو شهدت امرأتان
بابتياع زيد وعمرو لأمة كانت تحت زيد قبلتا مع يمين البائع وفسخ نكاح الأمة ومثل هذا لهم كثير جدا قال أبو محمد ومن استؤجر على عمل معلوم فهو عقد قد جاء النص بإباحته واتفق القائلون بالإجارة على لزومه في حين عقده واختلفوا هل ينفسخ في ثانية أو لا فوجب أن يبقى على ما جاء الدليل به من صحته ما لم يأت نص بفسخه وهكذا القول في المدبر وفي الموصي بعتقه وفي المعتق بصفه وفي المكاتب أنها عقود قد اتفق الناس على ما جاءت به النصوص من صحتها في حين عقدها وعلى القضاء بها ما لم يرجع العاقد لها فيها ثم اختلفوا هل لعاقدها فسخها في ثاني عقده إياها أو لا فوجب ألا يكون له في شيء منها رجوع إلا بنص ولا نص ولا إجماع في إباحة الرجوع في ذلك لا بتراضيها ولا بغيره فلا يجوز أصلا بخلاف المؤاجرة وكان إخراجه لكل ما ذكرنا عن ملكه جائزا ويبطل بذلك العقد لانتقال الملك كما قلنا في الشيء المؤاجر ولا فرق وأما المكاتب فإنما يخرج عن الملك منه ما لم يؤد خاصة وفي ذلك المقدار يبطل العقد لا فيما أدى وهو قول علي وروايته عن النبي ﷺ وقد جاء النص ببيع المدبر وبيع المكاتب ما لم يؤد فوجب إباحة ذلك وممن رأى للمؤجر والمستأجر أن يفسخ الإجارة أيهما شاء متى شاء قبل الأجل وإن كره الآخر مسروق وشريح والشعبي وممن رأى ألا رجوع لموصي في العتق خاصة الأوزاعي والثوري وأما العارية فبخلاف ما ذكرنا لأن العارية المطلقة التي ليست إلى أجل هي التي صحت بالنصوص وبالإجماع وأما
стр. 738
شرط التأجيل فيها فهو باطل لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى ولا جاء به نص ولا إجماع فهو باطل وجمهور الفقهاء يقولون إن العارية التي يشترط التأجيل فيها ليست شيئا وهو شرط لا يلزم فلم يتفق على صحته فهو باطل وكذلك الوعد بالعارية لا يلزم لما ذكرنا وهكذا القول في ضمان ما لم يلزم بعد من المال وفي ضمان الوجه أن كل ذلك باطل لأنها شروط لم يأت بصحتها نص ولا إجماع ويبطل بما ذكرنا
ضمان النفقة على زيد وعلى من لم يأت نص ولا إجماع بإيجاب النفقة عليه وهكذا ضمان الصداق عمن لم يتزوج بعد ووجب بما ذكرنا الرجوع في الشركة والقراض لأيهما شاء
متى شاء وإن كره الآخر لأن شرط التأجيل فيها باطل إذ لم يأت بإباحته نص ولا إجماع وهكذا القول في كل شرط شرطه المحبس في الحبس من أجل محدود أو من بيعه إن احتيج كل ذلك باطل لما ذكرنا وكذلك إن شرط في الهبة والعمرى والرقبى استرجاع شيء منها فهو باطل كله لما ذكرنا بخلاف وجوب ذكر الأجل في الإجارة وبخلاف وجوب الرجوع في العارية وأما ضمان ما قد وجب من الأموال فهو عقد مجمع على صحته وقد جاء النص به وكذلك الحوالة وإذ هما كذلك فلا رجوع لأحد فيها لما ذكرنا من أن ما صح في أول لم يبطل في ثان إلا بنص أو إجماع وكذلك الحبس والهبات والصدقات والعمرى كل ذلك قد بان عن الملك فالرجوع فيه كسب على غيره وقد جاء النص ببطلان ذلك قال الله تعالى ﴿قل أغير لله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ وأما القرض المؤجل فقد صح النص فيه بالأجل وإذا صح بالنص فهو ثابت فلا رجوع لأحد فيه إذا كان شرط الأجل في حيز القرض لقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فكتبوه وليكتب بينكم كاتب بلعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه لله فليكتب وليملل لذي عليه لحق وليتق لله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان لذي عليه لحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بلعدل وستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ومرأتان ممن ترضون من لشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما لأخرى ولا يأب لشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند لله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا
تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم وتقوا لله ويعلمكم لله ولله بكل شيء عليم﴾ فإن انعقد حالا ثم شرط على نفسه أجلا فهو شرط فاسد لا يلزمه والدين حال كما كان لأنه شرط ليس في كتاب الله ولا أجمع على لزومه فهو باطل وأما المزارعة والمساقاة المعقودتان إلى أجل فقد
стр. 739
ادعى قوم أن كل من أجازهما وهم أهل الحق قد أجازوهما إلى أجل مسمى فالأجل فيهما شرط صحيح وإذا كان صحيحا في حين العقد فهو لازم وإذا كان لازما في وقته لم يبطل في ثانية إلا بنص أو إجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك إلا بتراضيهما معا للإجماع على ذلك قال أبو محمد وهذا خطأ بل قد صح الإجماع على عقدهما بغير أجل ولم يأت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين تجويزهما إلى أجل فعقدهما إلى أجل لا يجوز البتة لأنه لم يوجد نص ولا إجماع فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل بحكم النبي ﷺ
وليس تراضي المتعاقدين عقدا صحيحا أو المتشارطين شرطا صحيحا بنص أو إجماع ثم تراضيا معا على فسخه أو تأجيله مجيزا لهما ذلك بل رضاهما بفسخه أو تأجيله باطل والعقد والشرط باق كما كان إلا أن يبيح لهما النص أن يتراضيا على فسخه فيكون لهما ذلك حينئذ وإلا فلا لأنه ليس لأحد أن يوجب ولا أن يحرم ولا أن يحلل إلا بنص ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله تعالى وشرع من الدين ما لم يأذن به الله قال الله تعالى ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ والكل عبيد لا أمر لهم ولا حكم إلا ما حكم به عليهم ولهم خالقهم ومولاهم وأما النكاح والبيع فقد جاء النص بصفة عقدهما وبصفة فسخهما فليس لأحد أن يعقدها بغير تلك الصفة فإن فعل فليس نكاحا ولا بيعا وهو مردود مفسوخ أبدا ومن عقدهما كما أمر فليس له فسخهما إلا بالصفة التي أتى النص بفسخهما بها وإلا كان فسخه باطلا مردودا وثبت عقدهما كما كان وقد حرم بيع أم الولد بالنص الوارد في ذلك مما قد ذكرناه في كتاب الإيصال وفي المحلى فلم يلتفت إلى الخلاف في ذلك وقد صح النص بجواز الهبة ووجوب قبولها وتحريم الرجوع فيها فلم يجز الرجوع في شيء من الهبة ولا الصدقة من ذلك حاشا العطية للولد فقط للنص في ذلك ولم يأت نص ولا إجماع
стр. 740
على رد الحبس لا بتراض ولا بغير تراض فلم يجز أصلا قال أبو محمد فإن قال قائل أنتم لا تلزمون أحدا الوفاء بعهده ووعده إلا أن يوجب ذلك عليه نص ومن مذهبكم أن وعد الله تعالى ووعيده نافذان لا سبيل إلى دخول خلف فيهما فالجواب أن هذا الذي نقول هو الذي لا يجوز تعديه لأننا متعبدون ليس لنا أن نلتزم شيئا إلا ما ألزمنا خالقنا تعالى فإلزامنا فعل شيء لم يأتنا نص ولا إجماع بأن نفعله باطل والله تعالى ليس كذلك لأنه ليس فوقه أمر فكل ما قضى به نافذ وكل ما قاله فحق وأيضا فوعدنا نحن ليس خبرا لأنه لا علم لنا بما يكون في المستأنف والله تعالى ليس كذلك لأنه عليم بما يكون قبل أن يكون فكل ما أخبر تعالى أنه
يفعله فلا بد أن
يفعله ومن أجاز غير ذلك أجاز على الله تعالى الكذب في خبره تعالى الله عن ذلك قال الله ﴿قال فلحق ولحق أقول﴾ ما خالف الحق فهو باطل تعالى الله عن الباطل فوعد الله تعالى ووعيده خبر لا بد من كونه لأنه حق وصدق وعلم منه تعالى بما يكون من ذلك وعلمه صادق لا يخيس أصلا ولا يظن ظان أننا نقول بالوعيد كقول المعتزلة من إبطال سيئة واحدة للحسنات ومن الخلود على المصر على الكبائر ومعاذ الله من ذلك ولكنا نقول بما جاء به النص من الموازنة وذهاب السيئات بالحسنات بمعنى أن الحسنات تذهب السيئات وبأن من استوت حسناته وسيئاته أو رجحت حسناته لم ير نار أصلا ولكن من رجحت سيئاته وكبائره ممن مات مصرا فهؤلاء الذين يخرجون من النار بالشفاعة ولا خلود على مسلم في النار ولا يدخل الجنة كافر أبدا وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل
стр. 741
الباب الرابع والعشرون وهو باب الحكم بأقل ما قيل
قال أبو محمد ﵀ ادعى قوم أن هذا أيضا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه وقالوا لأنه قد صح إلزام الله لنا اتباع الإجماع والنص وحرم علينا القول بلا برهان فإذا اختلف الناس في شيء فأوجب قوم فيه مقدارا ما وذلك نحو النفقات والأروش والديات وبعض الزكوات وما أشبه ذلك وأوجب آخرون أكثر من ذلك واختلفوا فيما زاد على ذلك فالإجماع فرض علينا أن نأخذ به وأما الزيادة فدعوى من موجبها إن أقام على وجوبها برهانا من النص أخذنا به والتزمناها وإن لم يأت عليها بنص فقوله مطرح وهو مبطل عند الله بيقين لا شك فيه ونحن محقون في الأخذ بأقل ما قيل عند الله بيقين لأنه أمر مجتمع عليه والاتفاق من عند الله ولزوم ما اجتمع عليه فرض لا شك فيه والاختلاف ليس من عند الله قال الله تعالى ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ قال أبو محمد كان يكون هذا حقا صحيحا لو أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام في كل عصر وإذ لا سبيل إلى هذا فتكلفه عناء لا معنى له ولا بد من ورود النص في كل حكم من أحكام الشريعة لكن إذا ورد نص بإيجاب عمل ما فبأقل ما يقع عليه اسم فاعل لما أمر به يسقط عنه الفرض كمن أمر بصدقة فبأي شيء تصدق فقد أدى ما أمر به ولا يلزمه زيادة لأنها دعوى بلا نص ولا غاية لذلك فهو باطل ولا سبيل إلى أن يكون الله تعالى
стр. 742
حكم في الشريعة يلزمنا لم يجعل عليه دليلا من نص وقال الله تعالى ﴿وما من دآبة في لأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في لكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ فما لم يكن في الكتاب
فليس من الدين في شيء وهو ساقط عنا بيقين ومنهم من قال بل نأخذ بأكثر ما قيل لأنه لا يخرج من لزمه فرض عما لزمه إلا بيقين ولا يقين إلا بعد أن يستوعب كل ما قيل قال أبو محمد وهذا باطل لأنه صار بهذا القول قافيا ما ليس له به علم ومثبتا حكما بلا برهان وهذا حرام بنص القرآن وإجماع الأمة وكل من خالفنا في هذا الأصل فإنه يتناقض ضرورة ويرجع إلى القول به ألا ترى أننا اتفقنا كلنا على إيجاب خمس صلوات وادعى قوم أن الوتر فرض فوجب الانقياد لما اجتمعوا عليه وترك ما اختلفوا فيه إلا أن يأتوا بدليل على ما زادوا وكذلك اتفقنا على أن في خمسين من البقر بقرة وقال قوم في كل خمس بقرات شاة وقال قوم في الثلاثين تبيع وفي الأربعين وقال قوم فيما زاد على الأربعين بحساب ذلك بجزء من بقرة فوجب الأخذ بما اتفقوا عليه وترك ما اختلفوا فيه إذا لم يأتوا بدليل على ما ادعوا من ذلك ووجب أن يلزم أحدا إلا البقرة في خمسين وهي المتفق عليه منهم ومن غيرهم لا ما زاد في إيجاب الغرامة في ذلك ثم نقول لمن خالفنا في هذا الأصل أرأيت إن اجتمع الناس على مقدار ما ثم قال قوم بأزيد منه ولم يأتوا على صحة قولهم بدليل هل لك بد من ثلاثة أوجه لا رابع لها إما أن تقول بما أجمعوا عليه وبترك ما اختلفوا فيه وهو قولنا هذا الذي خالفتنا فيه أو تأخذ بأكثر ما قيل بلا دليل فتصير قافيا ما ليس لك به علم ومثبتا حكما بلا برهان فهذا حرام بنص القرآن وبإجماع الأمة لم يقل به أحد ويصير قائله منتهكا إما عرضا حراما وإما مالا حراما وإما موجبا شرعا لم يأذن به الله تعالى وكل ذلك حرام لا يحل أصلا وإما أن يترك هذين القولين فيفارق الإجماع جملة ويأتي أيضا بقول لم يقله
стр. 743
أحد فإذ قد سقط هذان القولان بالضرورة البرهانية صح القول الأول ضرورة بيقين لا بد منه وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل لا يجوز أن يخلو أحد القولين من دليل عليه إما أن يقوم الدليل على صحة القول بالمقدار الأقل
وإما أن يقوم الدليل على صحة الزيادة عليه
قال أبو محمد لسنا نحتاج إلى التطويل معه ههنا لكنا نقول وبالله تعالى التوفيق لسنا ننازعك فيما قام الدليل عليه وإنما نسألك عن مسألة قال فيها قوم بمقدار ما وقال آخرون بزيادة لا دليل عليها بأيديهم شرط أن تكون المسألة من مسائل الإجماع المجرد التي قد أحال النص فيها على طاعة أولي الأمر منا على اتباع سبيل المؤمنين فإن قلت إن عدم الدليل على صحة الزيادة على أقل ما قيل هو دليل على صحة القول بأقل ما قيل فهذا هو نفس قولنا شئت أم أبيت وبالله تعالى التوفيق وقد احتج بعض من ضغط هذا الباب ممن اضطر إلى الشغب بمثل ما نذكره وشبهه إلى أن قال ما الفرق بينكم وبين من قال هذه قصة قد لزم فيها حكم بإجماع فلا يخرج المرء عما لزم بإجماع إلى سقوطه عنه إلا بإجماع آخر فالواجب أن يقال بأكثر ما قيل فيقال له هذا تمويه فاسد لأنهما أمران أردت مزجهما وتصييرهما أمرا واحدا ولا يصح ذلك لأن كون وجوب الحكم في مسألة ما هو شيء آخر غير وجوب مقدار ما في ذلك الحكم فليس اتفاق الأمة على أن ههنا حكما واجبا مما يوجب في ذلك مقدارا محدودا بل هذا هو باب آخر فإذا وجب الحكم نظرنا حينئذ في قدر الحكم فيه بنص وارد فإن لم يرد نص صرنا فيه إلى الإجماع فالعدد المتفق عليه واجب قبوله بإجماع ومن ادعى زيادة كلف الدليل فإن أتى به لزم اتباعه وإلا سقط قوله بقول الله تعالى ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ ومن هذا النوع هو علمنا أن علينا دينا وشرائع إلا أنه
стр. 744
من ادعى وجوب شيء ما يدخله في الشرع لم يلتفت إليه ولم يجب قبوله إلا بنص أو إجماع وهكذا علمنا بوجوب حكم ما علينا ليس يوجب قبولنا من كل من حد لنا ذلك الحكم بحد ما إلا أن يأتي على حده بنص أو إجماع وهذا كله باب واحد والأصل أن لا حكم على أحد ولا شيئا حراما على أحد بقوله تعالى ﴿هو لذي خلق لكم ما في
لأرض جميعا ثم ستوى إلى لسمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم﴾ وبقوله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل لقرآن تبد لكم عفا لله عنها ولله غفور حليم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾
وبقوله ﷺ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فلا يحل لأحد من مال أحد ولا من دمه ولا من عرضه ولا من بشرته إلا ما أباحه نص أو إجماع وما عدا ذلك فباطل بالنصوص التي ذكرنا فأقل ما قيل في كل ما ذكرنا هو واجب بالإجماع على وجوبه وكل زيادة على ذلك فباطل إلا أن يأتينا مدعيها بنص يصحح قوله وصح بالنص المذكور أنه إن اتفق الناس أو جاء نص بإيجاب مقدار منا من عرض مسلم أو بشرته أو ماله فهو وجوبه ثم إن ادعى مدع وجوب زيادة في ذلك ولم يأت على صحة دعواه بنص فهو باطل بيقين لأنه لا محل ما قد حرم الله تعالى وكذلك القول فيمن حرم شيئا مما في الأرض حاشا ما جاء في تحريمه نص أو إجماع وكذلك من فرض شيئا زائدا على ما أوجب أنه فرض نص أو إجماع وكفى بهذا بيانا ويلزمنا من قال بخلاف هذا إن كان مالكيا أو شافعيا أن يوجب الزكاة في العسل لأن الأمة مجمعة على أن في الأموال زكاة بقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ولله سميع عليم﴾ فيلزمهم ألا يسقط هذا الحق اللازم بإجماع إلا بإجماع آخر
стр. 745
ولزمه إن كان حنفيا أن يوجب الزكاة في الحلي والعوامل بما ذكرنا ومثل هذا كثير جدا مسقط أكثر مذاهبهم ومفسد لجمهور أقوالهم في الصلاة والطهارة والحج وسائر أبواب الفقه كلها وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل إذا قلتم لو كان هذا القول الزائد واجبا لجاء به دليل فماذا تقولون لمن قال لكم لو كان ساقطا لجاء بإسقاطه دليل فالواجب أن هذا قول صحيح وقد نصصنا على الدلائل الواردة بإسقاط كل قول بتحريم أو بتحليل أو إيجاب حكم
لم يأت بصحته نص أو إجماع وهي الآيات التي تلوناها آنفا فوجب بها أن كل مقدار اتفق على وجوبه أو أخذه فهو واجب ومن زاد على ذلك بدعواه شيئا فهو مفتر مبطل بتلك النصوص ما لم يأت على صحة دعواه بنص وهذا أمر جلي لا إشكال فيه ولا يذهب عنه إلا مخذول أو معاند وإنما هذا فيما لم يرد فيه نص وأما ما جاء فيه نص فلا نراعي فيه ما اتفق عليه منه ولا نبالي بمن خالفنا حينئذ ولا نراعي فيه استصحاب حال ولا أقل ما قيل فيه
ولكن نأخذ بالنص زائدا كان على ما اتفق عليه أو ناقصا عنه أو موافقا له لأن الدليل قد قام حينئذ والبرهان صح على وجوب الانتقال إلى ما جاء به النص وصح بذلك الأخذ بالزائد على أقل ولو لم ينفرد بالرواية للزائد إلا إنسان واحد ثقة وخالفه جميع أهل الأرض لكان القول بما رواه ذلك الواحد واجبا لأنه محق ولكان فرضا علينا خلاف كل من خالف رواية ذلك الواحد ولو أنهم جميع أهل الأرض سواء لأنهم كلهم حينئذ مبطلون يلزمهم قبول رواية ذلك الواحد الحق أكثر من كل من خالفه وأولى أن يتبع قال الله تعالى ﴿يأيها لذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم إلى لله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ فعم تعالى ولم يخص وقال تعالى ﴿فقاتل في سبيل لله لا تكلف إلا نفسك وحرض لمؤمنين عسى لله أن يكف بأس لذين كفروا ولله أشد بأسا وأشد تنكيلا﴾ فإن قال قائل فما تقولون في شاهدين شهد أحدهما لزيد على عمرو
стр. 746
بدينار وشهد له الآخر عليه بدينارين أتقولون بأقل ما اتفقنا عليه قال أبو محمد هذا قد قام البرهان من النص على وجوب القضاء له بالدينار بشهادتهما ومن نص آخر ثان يقضي له بالدينار الباقي إن حلف المدعى له ما شاهده فهذا من باب ما قام الدليل على وجوب الحكم بالزيادة فيه وقد قال بعض من خالفنا إن القائل بما أخذتم به من أقل ما قيل لم يقل به لأنه أقل ما قيل وإنما قال به لدليل ما أوجبه عنده فقولوا بدليله حتى نناظركم عليه قال أبو محمد فيقال من قال بهذا وبالله تعالى التوفيق إنا لا نتعنى باستدلال المستدلين لأنه قد يستدل المرء بدليل غير واجب فيخرجه البحث إلى قول صحيح كما عرض لابن مسعود إذ سئل عن امرأة توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها وقبل أن يفرض لها صداقا فقال بعد شهر أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان خطأ فالله ورسوله بريئان ثم أفتى بما وافق الحق من فعل رسول الله ﷺ دون أن يكون علمه فنحن لا نبالي
باستدلال ابن مسعود بل لا نقول به أصلا لكنا نقول بما أخرجه إليه
السعد لأنه وافق قضاء رسول الله ﷺ فإذا وجدنا القائل قد أوجب مقدارا ما ووافقه على إيجابه جميع العلماء أولهم عن آخرهم فقد أوجب الله تعالى علينا اتباع الإجماع وألا نخالف سبيل المؤمنين وأولي الأمر منا ولا نبالي باستدلاله في ذلك إذ لم يأمر الله تعالى باتباع استدلال الواحد أو الطائفة من العلماء وإنما أمرنا تعالى باتباع ما اتفقوا عليه وترك ما تنازعوا فيه حتى نرده فنحكم فيه القرآن والسنة فقد فعلنا ذلك فأخذنا بما أجمعوا عليه وهو أقل ما قيل لقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فلا يحل لمسلم خلاف هذا وكلفنا من زاد على ذلك المقدار زيادة يتورع فيها أن يأتي ببرهان من النص إن كان صادقا بقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فإن جاء ببرهان من القرآن والسنة
стр. 747
قبلنا منه وإلا تركنا قوله لأن من لم يأت ببرهان فليس صادقا لقوله تعالى ﴿وقالوا لن يدخل لجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ وقد علم كل ذي حس صحيح من الناس أن الاستدلال على القول شيء آخر غير القول المستدل عليه فقد أدى التقليد أقواما إلى أقوال صحاح والتقليد فاسد لكن البحث أوقعهم عليها فصادفوا أقوالا فيها أحاديث صحاح لم تبلغهم قط ولا استدلوا بها ومن علم كيفية المقدمات علم أن من المقدمات الفاسدة تنتج إنتاجا صحيحا في بعض الأوقات ولكن ذلك لا يصحب بل يخون كثيرا وقد بينا هذا في كتابنا الموسوم بكتاب التقريب بيانا كافيا والحمد لله رب العالمين كثيرا فقد صح بما ذكرنا أنه قد
يخطىء في كيفية الاستدلال من يصيب في القول المستدل عليه وقد صح أيضا أنه قد يصيب المرء في ابتداء الاستدلال ثم لا يوفيه حقه فيخطىء في القول المستدل عليه فقد استدل قوم بنصوص صحاح ثم تأولوا فيها ما ليس فيها وقاسوا عليها ما لم يذكر فيها وأصابوا في الاستدلال بالنص وأخطؤوا في الحكم به فيما ليس موجودا في ذلك النص وقد استدل سعد ﵁ على تحريم البيضاء جملة بنهي النبي ﷺ عن الرطب
بالتمر فصح بهذا أنه ليس علينا اتباع استدلال القائلين بالفتيا وإنما علينا اتباع الفتيا إن أيدها نص أو إجماع ولا نبالي أخطأ قائلها في استدلاله عليها أم أصاب وكذلك يلزمنا ترك الفتيا إذا لم يقم عليها برهان من النص أو الإجماع وإن استدل قائلها بنص صحيح إلا أنه ظن أن ذلك النص يوجب ما أفتى به وذلك النص في الحقيقة غير موجب لتلك الفتيا وأيضا فإن من المسائل مسائل ليس يروى فيها نص وإنما هي إجماع مجرد على أمر أمره النبي ﷺ كإجماع الناس على القراض وكإجماع طوائف من الناس على الإيجاب في دية الذمي إذا قتله ذمي ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثي بعير واختلف آخرون في الزيادة على ذلك إلى أن ساواه قوم
стр. 748
بدية المسلم وقال آخرون نصف دية المسلم وقال آخرون ثلث دية المسلم فاحتج الموجبون في ذلك ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثي بعير بأن قالوا هذا مجمع على وجوبه وما زاد على ذلك فمختلف فيه وذكروا ما رويناه من طريق يونس بن عبيد أن الحسن البصري قال دية اليهودي والنصراني ثمانمائة درهم وقال بهذا المقدار في دية المجوسي خاصة مالك والشافعي ورووه عن عثمان ﵁ واحتج من أوجب في ذلك نصف الدية بروايات عن بعض الصحابة وآثار من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي صحيفة لا تصح وقد اختلف الصحابة في هذا فبطل هذا القول واحتج من أوجب في ذلك ثلث الدية وهم الشافعي وأصحابه بأن رووا ذلك عن بعض الصحابة وقد قلنا إن الصحابة مختلفون في ذلك فليس بعضهم في ذلك حجة دون بعض واحتج في ذلك بعض أصحاب الشافعي بأن ادعى أنه أقل ما قيل وهذا باطل لما أوردناه من قول الحسن آنفا وقال بعضهم ممن يعرف الاختلاف لم نقل ذلك لشيء من هذا كله لكن لقوله تعالى ﴿أعنده علم لغيب فهو يرى * أم لم ينبأ بما في صحف موسى﴾ فوجب ألا يساوى به المسلم ولا المسلمة فوجب حطه إلى ثلث الدية
وقال أبو محمد وهذا احتجاج فاسد البتة لأنهم يساوون بينهما في أنه إن غصب المسلم مال ذمي أن يغرمه الذمي ما غصب وفي قطعهما في السرقة ويحلف كل واحد منهما للآخر في الدعوى وأيضا فقد جعلوا دية الذمي أكثر من دية يد المسلمة ومن دية عينها وساووه بمأمومة الحر المسلم ولا شك في أن حرمة شعرة من مسلم أعظم من حرمة كل ذمي في الأرض فكيف عضو من أعضاء المسلم ونجدهم قد فضلوا على المسلم في بعض المواضع فقالوا لا يقتل الكافر الحر إذا قتل عبدا مسلما فجعلوه ههنا أعظم حرمة من المسلم وهذا قول سوء تقشعر منه الجلود ويلزمهم على هذا أن أبا جهل وأبا لهب
стр. 749
كانا أعظم حرمة من زيد بن حارثة وبلال بعد إسلامهما وقبل عتقهما ومعاذ الله من هذا وإنما يجب استعمال قوله ﴿أعنده علم لغيب فهو يرى﴾ في ألا يساوى بينهما في القود أصلا وأما في الحقوق الواجبة فيما دون الأجسام والكرامة والحرمة فليس التساوي فيها تساويا في القدر لأنه لا خلاف بين أحد من أن أحكام الأموال يستوي فيها أبو بكر والصحابة وأهل الذمة وبالله تعالى التوفيق فكان الواجب ألا يكلف الذمي غرما بعد الجزية إلا ما أوجبه نص أو إجماع وقد أوجب الإجماع المذكور عليه إما ثمانمائة درهم وإما ستة أبعرة وثلثي بعير ووقع التنازع في الزيادة فلما لم يأت بشيء من ذلك نص صحيح وجب أن يطرح ولا يلتفت إليه فإن قالوا بتقليد صاحب في ذلك قيل لهم ليس الصاحب الذي قلدتم بأولى من صاحب آخر خالفه في ذلك مع أن التقليد كله باطل على ما سنبينه في بابه من ديواننا هذا إن شاء الله تعالى فإن قال قائل أنتم متناقضون في قولكم بأقل ما قيل في المقادير اللازمة في الأموال والحدود وفي الأعداد كلها وترككم الزيادة إلا أن يوجبها نص مع قولكم إن من اتفق عليه من زمان ما ثم ادعى قوم ارتفاعه فإن الواجب التمادي عليه والثبات على ما قد
اتفق على وجوبه حتى يأتي مدعي ارتفاعه ببرهان على ما ادعى من ذلك فهلا قلتم إنه لا يلزم هذا الحكم إلا مدة الزمان الذي اتفق على لزومه فيها دون الأزمان والأعيان التي اختلف في لزوم ذلك فيها ولها كما قلتم لا نأخذ في المقادير اللازمة في الأموال والحدود والأعداد إلا بما اتفق عليه دون ما اختلف فيه قال أبو محمد فيقال له وبالله تعالى التوفيق إن هذا شغب ضعيف وتمويه فاسد ولا تناقض بين القولين أصلا بل هما شيء واحد وباب واحد لأن الإجماع على وجوب الحكم وورود النص كالإجماع على أقل المقادير والأعداد
стр. 750
كلاهما قد صح فيه الإجماع ثم إن الدعوى لانتقال الحكم عما كان علمه وللزوم النص بعض ما يقتضيه لفظه دون بعض الدعوى للزيادة على أقل ما قيل من المقادير والأعداد ولا فرق وكلا الأمرين إيجاب شرع وحكم بلا نص وذلك لا يحل اتباعه وثباتنا على ما اتفقنا على أنه واجب أو أنه مباح أو أنه حرام وتركنا من فارق ما اتفقنا على وجوبه من المقادير والأعداد ولا فرق ومسقط الحق بعد وجوبه كالزائد فيه أو الناقص منه وكالشارع غيره ولا فرق بين كل ذلك أصلا فهو كله باب واحد كما ترى ولا شغب من أراد التمويه بالفرق بين الأمرين وإنما موه من موه في ذلك وغلط من غلط لأنه رأى أحد الأمرين زيادة على ما اتفق عليه ورأى الآخر خروجا عما اتفق عليه فظن أنهما بابان مختلفان فأخطأ في ذلك بل هو كله باب واحد لأنه كله ممن خالفنا خروج عما اتفق عليه بلا دليل ومفارقة ما أجمع عليه بلا برهان وهو كله في مذهبنا نحن باب واحد لأنه كلها منا ثبات على ما اتفق عليه ولزوم لما صح الإجماع فيه وامتناع من مفارقته وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإنه لم يقل قط مسلم أن النبي ﷺ إذا حكم اليوم بحكم ما أن هذا الحكم لا يلزم الناس غدا إلا باستئناف برهان مجدد بل الأمة كلها مجمعة على وجوب حكم النص وتماديه إلى يوم القيامة وكذلك حكمه ﵇ على زان أو سارق هو حكم منه
على كل زان أو سارق إلى يوم القيامة وهكذا كل ما حكم به النص في عين ما هو حكم في نوع تلك العين أبدا ولو كان
خلاف ذلك ونعوذ بالله من هذا الظن لبطلت لوازم نبوته ﷺ في الزمان الآتي بعده وهذا كفر من معتقده فصح أن حكمه ﷺ في زمانه حكم باق في كل زمان أبد الأبد ولم يقل قط مسلم إنه ﷺ إذا حكم بأخذ درهم أو ضرب عشرة أسواط أو إيجاب ركعتين أو صوم يوم إنه يجب بذلك أخذ درهمين وضرب عشرين
стр. 751
سوطا أو إيجاب أربع ركعات وصوم يومين بل هذه حدود الله تعالى التي حرم تعديها وأخبر أن متعديها من الظالمين بقوله تعالى ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ فهذا فرق أوضح من الشمس لا يراها العميان وقد تغيب عن بعض الأماكن في بعض الأوقات وهذا برهان لا يغيب نوره أبدا ويراه كل ذي عقل وحس سليم ممن خوطب بالديانة وأيضا فإن أقل ما قيل حق ويقين لأنه إجماع وخصمنا موافق لنا على وجوبه والزيادة عليه شك ودعوى وظن ولا يحل رفع اليقين بالشك ولا ترك الحق بالظن ولا مفارقة الواجب بالدعوى وقد حرم الله تعالى ذلك إذ يقول ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا لظن وإن لظن لا يغني من لحق شيئا﴾ وفيما ذكرنا كفاية لمن له عقل ونصح نفسه وبالله تعالى التوفيق فإن قال قائل أنتم تقولون إن الإجماع والنص أصلان والعمل بهما فرض وأنتم تأخذون في النص بالزائد أبدا ولا تأخذون بالمتيقن عليه وتأخذون في الإجماع بأقل ما قيل وهو المتفق عليه فكيف هذا فالجواب وبالله تعالى التوفيق إن الإجماع راجع إلى النص وإلى التوقيف كما بينا في أول الكلام في الإجماع وإنما أخذنا به لأنه نقل العمل أو إقرار على أمر معلوم علمه ﵇ فأقره ولم ينكره
وليس اختلاف الموجبين للمقادير المختلفة في الأحكام نقلا لشيء من ذلك وإنما هو أن ما عدم أن يقوم عليه دليل نص فإما رأى من قائله أو قياس أو تقليد وكل ذلك باطل ودعوى بلا دليل فلذلك لزم تركه وأما الزيادة في النص من أحد الرواة فهو نقل صحيح والأخذ بالنقل الصحيح واجب والسبب الموجب لقبول الزيادة من العدل في الرواية هو السبب نفسه الموجب
لقبول أقل ما قيل في الإجماع إنما ذلك قبول ما صح من النقل فقط وأما ما اختلف فيه ولم يأت أحد من المختلفين فيه بنص فليس نقلا والسبب المانع من قبول التقليد
стр. 752
هو السبب المانع من قبول ما زاده قائل على ما اتفق عليه هو وغيره من العلماء بأجمعهم دون دليل يأتي به يوجب زيادته ما زاد وهو كله تقليد وقد قال بعض الشافعيين محتجا في أخذ الشافعي ﵀ في دية اليهودي والنصراني بأنها ثلث دية المسلم بأن ذلك أقل ما قيل قال أبو محمد وليس كذلك وقد روينا عن يونس بن عبيد عن الحسن أن دية النصراني واليهودي ثمانمائة درهم وقد صح عن بعض المتقدمين أنه لا دية له فليس ثلث الدية أقل ما قيل وأما نحن فإنا نقول إنه لا دية لذمي أصلا لا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي إذا قتله مسلم خطأ أو عمدا وإن قتله عندنا يهوديا كان أو نصرانيا أو مجوسيا أقل ما قيل وهو ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثا بعير وبرهاننا على ذلك أن الله تعالى إنما ذكر قبل الخطأ والدية فيه إن كان المقتول مؤمنا هذا هو نص الآيات الواردات في ذلك فلم يذكر الله تعالى لذمي دية وقال ﵇ من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إما أن يأخذوا الدية وإما أن يستقيدوا أو كما قال ﵇ ونهى ﵇ أن يقتل مؤمن بكافر فبطلت الدية إن قتله مسلم لأنه ﵇ إنما جعل الدية في العمد حيث يكون الخيار فيها أو في القود وليس ذلك بين المؤمن والكافر لكنه بين الكفار فيما بينهم وبين المؤمنين فيما بينهم فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق وحرام أخذ شيء من مال مسلم إلا بنص أو إجماع وأما إن قتل ذمي مسلما عمدا فقد بطلت ذمته ولا بد من قتله وأخذ ماله كله ولا رأي في ذلك لولي المقتول ولا دية وحديث عبد الله بن سهل ثابت العمل وليس فيه ذكر أن الدية التي ذكر ﵇ كانت في عمد إذ قد يقتلونه خطأ ولا في قوله ﵇ في ذلك الحديث أتقسمون على رجل فيسلم برمته أنه لو أسلم لكان فيه
لولي المقتول خيار فلا يجوز
التزيد في الحديث ما ليس فيه وسورة براءة مبينة لأحكام أهل الذمة التي
стр. 753
لا يجوز تعديها وهي ناسخة لكل ما كان قبلها وقد احتج بعض الموافقين لنا في هذا الفصل بأن قال يقال لمن قال قد اتفق على وجوب حكم ما في هذه المسألة فلا تبرأ من ذلك الحكم إلا بإجماع آخر على البراءة منه قال فيقال له لو شهد عدلان على أن زيدا غصب مالا من عمرو ولم يثبت قدر ذلك المال للزم على قولكم أن يقال للمشهود عليه قد ثبت عليك حق فلا تبرأ حتى يقر المغصوب منه ببراءتك من كل حق له عندك فلما أجمع الناس بلا خلاف على أنه لا يقال له ذلك لكن يقال له قد ثبت قبلك حق ما فأقر بما شئت واحلف على ما أنكرت ولا يلزمك غير ذلك صح قولنا بأقل ما قيل وبطل اعتراضكم وبالله تعالى التوفيق واحتج أيضا بأن قال من الدليل على الأخذ بأقل ما قيل إن شاهدين لو شهدا على زيد أنه سرق وقال أحدهما ربع دينار وقال آخر بل سدس دينار فإنه يؤخذ بأقل ما اتفقا عليه فلا يقطع ولا يغرم إلا سدس دينار فقط قال أبو محمد وهاتان حجتان تلزم أصحاب القياس وليس مما نرضى أن نحتج به وإنما اعتمادنا على البراهين الضرورية التي قدمنا وبالله تعالى نعتصم وقال هذا القائل أيضا إن المقدرين إذا اختلفا في تقدير السلعة فإننا نأخذ بما اتفقا عليه قال فإن قال لنا قائل فلم تأخذون بالزيادة في الخبر عن النبي ﷺ وتقولون عند هذا الزائد علم لم يكن عند من لم يأت بتلك الزيادة فهلا قلتم وعند هذا المقدار الزائد علم زائد بقيمة هذه السلعة فهلا أخذتم به قال أبو محمد وهذا الذي اعترض به على القائل بما ذكرنا اعتراض فاسد لكنا نقول الجواب عن هذا أن تقدير المقدار ليس من باب الخبر في الدين لأن الخبر نقل عن مشاهدة يوجب حكما على الناس كلهم وتقدير المقدار إنما هو من باب الشهادة التي لا يقبل فيها إلا اثنان أو واحد مع يمين الطالب فلو
стр. 754
كان مع هذا المقدار الزائد آخر عدل يشهد
بتلك الزيادة لأخذنا بها وإن كان ذلك فيما يؤخذ فيه باليمين مع الشاهد حلف المشهود له مع ذلك المقدر الزائد واستحق الزيادة وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق إن الله تعالى قال ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ ثم أوجب تعالى الدية في قتل المؤمن خطأ فهي لازمة للمؤمن والذمي بعموم الخطاب ولزوم الدين لكل إنسي وجني ولم يأت نص بإيجاب دية لذمي إن قتل خطأ فهو معفو عنه جملة أصابه مسلم أو ذمي وصح عن النبي ﷺ أنه قال من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين وإما أن يودى وإما أن يقاد أو كلام هذا معناه وصح أنه ﵇ قال لا يقتل مسلم بكافر فصح أن الدية لا تجب في العمد إلا حيث يجب التخيير فيها بين الدية وبين القود وليس ذلك في قتل المسلم الذمي أصلا فبطل أن يكون على المسلم دية في الذمي لا في عمد ولا في خطأ فإن قتل الذمي ذميا فهو داخل في هذا الخطاب والقود بينهما أو الدية وليس إلا أحد القولين إما ما اتفق على وجوبه كما قال الحسن وإما الدية التي قضى بها رسول الله ﷺ في المسلم فنظرنا في قول الحسن فوجدناه لا ينسند أصلا ولا وجه له فسقط ولا ندري أيضا هل أجمع على مقدار ذلك أو لا بل لعل من العلماء من قال لا دية لذمي أصلا ولعل في العلماء من يقول بأقل مما قال الحسن فسقط هذا القول ووجدنا الله يقول ﴿وأن حكم بينهم بمآ أنزل لله ولا تتبع أهوآءهم وحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل لله إليك فإن تولوا فعلم أنما يريد لله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من لناس لفاسقون﴾ فصح أن دية الذمي على الذمي كدية المسلم على المسلم ولسنا في ذلك جاعلين لهم كالمسلمين حاشا لله من ذلك نحكم بينهم بالحكم بين المسلمين كما أمر الله تعالى ونحن وهم نقتل الذمي
بالذمي كما نقتله بالمسلم وليس هذا مساواة المسلم بالمجرم وبالله تعالى حسبنا
стр. 755
الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف
قال أبو محمد قال قوم هذا مما يسع فيه الاختلاف قال أبو محمد وهذا باطل والاختلاف لا يسع البتة ولا يجوز لما نذكره بعد هذا وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام وما صح عن رسول الله ﷺ الذي أمره الله تعالى ببيان الدين فقال تعالى ﴿بلبينات ولزبر وأنزلنا إليك لذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ ولا مزيد وقال تعالى ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ فما صح في النصين أو أحدهما فهوالحق ولا يزيده قوة أن تجمع عليه أهل الأرض ولا يوهنه ترك من تركه فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا وقد غلط قوم فقالوا الاختلاف رحمة واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم قال أبو محمد وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا هذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية أحدها أنه لم يصح من طريق النقل والثاني أنه ﷺ لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو ﵇ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره وكذب عمر في تأويل تأوله في الهجرة وكذب أسيد بن حضير في تأويل تأوله فيمن رجع عليه سيفه وهو يقاتل وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة
وقد ذكرنا هذا المعنى في باب إبطال التقليد من كتابنا هذا مستوعبا فأغنى عن إيراده ههنا
стр. 756
وفيما ذكرنا كفاية فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون ﷺ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ فيكون حينئذ أمر بالخطأ تعالى الله عن ذلك وحاشا له ﷺ من هذه الصفة وهو ﵇ قد أخبر أنهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطىء إلا أن يكون ﷺ أراد نقلهم لما رووا عنه فهذا صحيح لأنهم ﵃ كلهم ثقات فعن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل والثالث أن النبي ﷺ لا يقول الباطل بل قوله الحق وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر لأنه من أراد جهة مطلع الجدي قام جهة مطلع السرطان لم يهتد بل قد ضل ضلالا بعيدا وأخطأ خطأ فاحشا وخسر خسرانا مبينا وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق فبطل التشبيه المذكور ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحا ضروريا قال أبو محمد وقد ذم الله تعالى الاختلاف في غير ما موضع من كتابه قال الله ﴿ذلك بأن لله نزل لكتاب بلحق وإن لذين ختلفوا في لكتاب لفي شقاق بعيد﴾ وقال تعالى ﴿كان لناس أمة واحدة فبعث لله لنبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم لكتاب بلحق ليحكم بين لناس فيما ختلفوا فيه وما ختلف فيه إلا لذين أوتوه من بعد ما جآءتهم لبينات بغيا بينهم فهدى لله لذين آمنوا لما ختلفوا فيه من لحق بإذنه ولله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم﴾ وقال تعالى مفترضا للاتفاق وموجبا رفض الاختلاف ﴿يأيها لذين آمنوا تقوا لله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾
إلى قوله تعالى ﴿وعتصموا بحبل لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ وقال تعالى ﴿ولا تكونوا كلذين تفرقوا وختلفوا من بعد ما جآءهم لبينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ فصح أنه لا هدى في الدين إلا ببيان الله تعالى لآياته وأن التفرق في الدين حرام لا يجوز وقال تعالى ﴿وأطيعوا لله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وصبروا إن لله مع لصابرين﴾ وقال تعالى ﴿شرع لكم من لدين ما وصى به نوحا ولذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا لدين
стр. 757
ولا تتفرقوا فيه كبر على لمشركين ما تدعوهم إليه لله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب﴾ وقال تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فتبعوه ولا تتبعوا لسبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ وقال تعالى ﴿إن لذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى لله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ وقال تعالى ﴿أفلا يتدبرون لقرآن ولو كان من عند غير لله لوجدوا فيه ختلافا كثيرا﴾ حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدوي نا أحمد بن زيد ثنا أبو عمران الجوني قال كتب إلى عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله نا أبو إسحاق البلخي نا الفربري نا البخاري حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي نا شعبة أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال سمعت النزال بن سبرة قال سمعت عبد الله بن مسعود قال سمعت رجلا قرأ
آية سمعت من رسول الله ﷺ خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ فقال كلاكما محسن قال شعبة أظنه قال لا تختلفوا فإن من قبلكم اختلفوا فهلكوا حدثنا محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ أنبأنا محمد بن عبد السلام الخشني نا بندار نا غندر نا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بهذا الحديث وذكر شعبة في آخره قال حدثني مسعر عنه فرفعه إلى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ قال ولا تختلفوا حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم نا عبيد الله بن معاذ نا أبي نا شعبة عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم
стр. 758
بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وبه إلى مسلم نا يحيى بن يحيى وإسحاق بن منصور وأحمد بن سعيد بن صخر الدارمي قال يحيى أنا أبو قدامة الحارث بن عبيد وقال إسحاق نا عبد الصمد هو ابن عبد الوارث التنوري ثنا همام وقال أحمد نا حبان نا أبان قالوا كلهم نا أبو عمران الجوني عن جندب بن عبد الله البلخي عن النبي ﷺ أنه قال اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا وبه إلى مسلم حدثني زهير بن حرب نا جرير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال قال أبو محمد ففي بعض ما ذكرنا كفاية لأن الله تعالى نص على أن الاختلاف شقاق وأنه بغي ونهى عن التنازع والتفرق في الدين وأوعد على الاختلاف بالعذاب العظيم وبذهاب الريح وأخبر أن الاختلاف تفريق عن سبيل الله ومن عاج عن
سبيل الله تعالى فقد وقع في سبيل الشيطان قال تعالى ﴿لا إكراه في لدين قد تبين لرشد من لغي فمن يكفر بلطاغوت ويؤمن بلله فقد ستمسك بلعروة لوثقى لا نفصام لها ولله سميع عليم﴾
وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به وإنما أراده تعالى إرادة كون كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي فإن قال قائل إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس أفيلحقهم هذا الذم قيل له وبالله تعالى التوفيق كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا لأن كل امرىء منهم تحرى سبيل الله ووجهة الحق فالمخطىء منهم مأجور أجرا واحدا لنيته الجميلة في إرادة الخير وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم
стр. 759
والمصيب مأجور منهم أجرين وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي ﷺ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدا عامدا للاختلاف داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية قاصدا للفرقة متحريا في دعواه برد القرآن والسنة إليها فإن وافقها النص أخذ به وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي ﷺ فهؤلاء هم المختلفون المذمومون وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ فإن قال قائل فإذ لا بد من مواقعة الاختلاف فكيف التخلص من هذا الذم الوارد في المختلفين قيل له وبالله تعالى التوفيق قد علمنا الله تعالى الطريق في ذلك ولم يدعنا في لبس وله الحمد فقال تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فتبعوه ولا تتبعوا لسبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ وقال تعالى ﴿وعتصموا بحبل
لله جميعا ولا تفرقوا وذكروا نعمة لله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من لنار فأنقذكم منها كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ وقال تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فإذا وردت الأقوال فاتبع كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ الذي هو بيان عما أمرنا الله تعالى به وما
أجمع عليه جميع المسلمين فهذا هو صراط الله تعالى وحبله الذي إذا تمسكت به أخرجك من الفرقة المذمومة ومن الاختلاف المكروه إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى وهذا هو الذي أجمع عليه جميع أهل الإسلام قديما وحديثا فإن لم يكن قط مسلم إلا ومن عقده وقوله إن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵇ فرض قبوله وأنه لا يحل لأحد معارضته بشيء من ذلك ولا مخالفته وبقيت سائر الأقوال
стр. 760
المأخوذة من تقليد فلان وفلان ومن القياس ومن الاستحسان وهي الاختلاف المذموم الذي لا يحل اتباعه فمن تركها فقد ترك الاختلاف وأصحاب أولئك الأقوال كلها مأمورون بتركها والرجوع إلى حبل الله تعالى وصراطه فإذا تركوها فقد تركوا الاختلاف والفرقة ورجعوا إلى الفرض عليهم من الاتفاق اللازم ولهذا قلنا بفسخ قضاء كل قاضي قضى به بخلاف النص وسواء قال به طوائف من العلماء أو لا قال الله ﴿ولو شآء ربك لجعل لناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين﴾ فاستثنى تعالى من رحم من جملة المختلفين وأخرج المرحومين من جملة المختلفين وعديدهم ومن ظن أن قوله تعالى ﴿إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين﴾ أنه يعني وللرحمة خلقهم وأرادوا بذلك استباحة الاختلاف فهو في غاية الفساد ببرهانين ضروريين أحدهما أن الله تعالى استثنى من رحم فأخرجهم من جملة المختلفين فلو أنه تعالى خلق المختلفين للرحمة لاستثنى المرحومين من أنفسهم ولأخرجهم من جملة أنفسهم وهذا باطل لا يجوز ومحال في الكلام لا يفهم والبرهان الثاني أن المختلفين موجودون وكل موجود عن حالة ما فلا شك عند كل مسلم أنه تعالى إنما خلقه ليكون على تلك الحالة وصح يقينا بلا مرية أنه الاختلاف الذي هم عليه بالعيان خلقهم إلا أن يقول قائل إن الضمير الذي في خلقهم وهو الهاء والميم راجع إلى من رحم
فيكون المراد حينئذ استثناء المرحومين من جملة المختلفين وأن أولئك الذين اعتصموا بحبل الله تعالى للرحمة فهذا صحيح لا شك فيه وذم الاختلاف وخروجه من الرحمة باق بحسبه وممن قال بهذا من السلف الصالح
عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس كما كتب إلى المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى أخبرني ابن وهب أخبرني عبد الله بن يزيد عن المسعودي قال سمعت عمر بن عبد العزيز قرأ هذه الآية ﴿ولو شآء ربك لجعل لناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من لجنة ولناس أجمعين﴾ قال خلق أهل رحمته ألا
стр. 761
يختلفوا قال ابن وهب وسمعت مالكا يقول فيها الذين ﵏ لم يختلفوا قال أبو محمد معنى قولنا الاختلاف في الدين غير جائز إنما هو أن طاعة أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ لا يجوز خلافها البتة وليس فيما جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله ﷺ تخالف إنما هو محكم أو خاص من جملة مخصوصة منها أو ناسخ ومنسوخ فقط وإذ لا حق إلا فيما جاء من عند الله على لسان رسول الله ﷺ فخلاف الحق لا يحل هذا أمر لا يخفى صوابه على أحد كما أن الثلاثة أكثر من الاثنين وبالله تعالى التوفيق
الباب السادس والعشرون في أن الحق في واحد وسائر الأقوال كلها باطل
قال أبو محمد علي بن أحمد ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد مصيب وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده واحتجوا بما روي عن عثمان ﵁ إذ سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية قال أبو محمد ولا حجة لهم في ذلك لوجوه أحدها أن قول عثمان وقول كل أحد دون النبي ﷺ لا يلزم قبوله إلا بموافقة نص قرآن أو سنة له أو إجماع والثاني أن كل ما يأتي بعد هذا إن شاء الله من البراهين في إثبات أن الحق في واحد مبطل لتأويلهم الفاسد وهي دلائل كثيرة جمة والثالث أن عثمان لم يرد ما ذهبوا إليه من كون الشيء حراما حلالا معا في وقت واحد على إنسان واحد فهذا غاية المحال الممتنع وإنما أراد أنه لم يلح له فيها حكم يقف عليه لأنه رأى قوله تعالى ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت
стр. 762
أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ ورأى قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات لأخ وبنات لأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من لرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم للاتي في حجوركم من نسآئكم للاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم لذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين لاختين إلا ما قد سلف إن لله كان غفورا رحيما﴾ فلم يبن له أي الأمرين تغلب فأخبر عن ظاهر الآية الواحدة أنها قد تحتمل أن تكون محللة لهما مخصوصة من الأخرى وأن ظاهر الثانية قد يحتمل أن يكون محرما لهما مخصصا من الأخرى فوقف في ذلك واحتجوا بقوله ﵇ إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر قال أبو محمد وهذا من طريق ما احتج به من لا يعقل ولا يحل له الكلام في العلم لأن نص الحديث بكلامه ﷺ أن المجتهد يخطىء وإذا أخطأ فهذا قولنا لا قولهم وليس مأجورا على خطأه والخطأ لا يحل الأخذ به ولكنه مأجور على اجتهاده الذي هو حق لأنه طلب
للحق وليس قول القائل برأيه اجتهادا وأما خطأه فليس مأجورا
عليه لكنه مرفوع في الإثم بقوله تعالى ﴿دعوهم لآبآئهم هو أقسط عند لله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في لدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما﴾ واحتجوا بالصواب في اختلاف القراءات وبالأشياء المباحات في الكفارات وأنها كلها حق على اختلافها قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأن القراءات المختلفة ليست متنافية ونحن لم ننكر الصواب فيما لا يتنافى ولا فيما أمر به تعالى وإنما أنكرنا أن يكون قول القائل لحم السبع على غير المضطر حلال حقا ويكون قال القائل لحم السبع على غير المضطر حرام حقا فيكون الشيء حراما حلالا طاعة معصية مأمورا به منهيا عنه في وقت واحد لإنسان واحد من وجه واحد فهذا الذي نفينا وأبطلنا وهذا لا يسع في عقل من له مسكة من عقل لأنه غاية الامتناع الذي لا يتشكل في النفس فضلا عن أن يطلق استعماله واختلاف القراءات التي ذكروا مثل ﴿بسم الله لرحمن لرحيم﴾ يقرأ بها بعض القراء في أوائل السور ويسقطها بعضهم فكل ذلك مباح من أسقطها فقد أبيح له ومن قرأها فقد أبيح له وكذلك المخبر في كفارة الأيمان هي العتق والإطعام
стр. 763
والكسوة فليس شيء من ذلك متنافيا وأيها فعل المرء فقد فعل ما أبيح له ولم يقل أحد إنه لو فعل الوجه الذي ترك لكان مخطئا وهذا غير ما اختلفنا فيه لأنه قد تكون أشياء كثيرة مباحة وغير ممكن أن يكون شيء واجبا تركه وواجبا فعله على إنسان واحد في وقت واحد وهذا فرق لا يشكل إلا على جاهل واحتجوا أيضا بأن قالوا قد روي أن النبي ﷺ أمر أثر غزوة الخندق ألا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم العصر إذ دخل وقتها قبل أن يبلغوا بني قريظة وقالوا لم يرد منا هذا وأخرها آخرون حتى صلوها في بني قريظة مع الليل فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم يعنف إحدى الطائفتين قال أبو محمد وهذا لا
حجة لهم فيه لأن المجتهد المخطىء لا يعنف وكانت صلاة من صلى أمرا قد فات فلا وجه لتعنيفهم ولكن الصواب بلا شك في فعل إحدى الطائفتين ولو كنا معه ما صلينا العصر إلا في بني قريظة معه ولو نصف الليل
وقد ذكرنا أيضا الكلام في هذا الحديث في باب الكلام في الأوامر الواردة في القرآن والحديث وحملها على ظاهرها وعلى الوجوب والفور في قرب آخر ذلك الباب قبل فصل ترجمته كيفية ورود الأوامر حدثنا النباتي نا ابن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني نا بندار ثنا ابن أبي عدي ثنا شعبة عن طارق بن عبد الله عن طارق بن شهاب قال جاء رجل إلى النبي ﷺ قال إني أجنبت فلم أصل قال أصبت وأتاه رجل فقال إني أجنبت فتيممت وصليت فقال أصبت قال أبو محمد وهذا كالأول سواء بسواء لأن كل مجتهد معذور ومأجور لأن الذي سأل أولا لم يكن عنده أمر التيمم بلا شك ومن هذه صفته فحكمه ألا يصلي أصلا وهو جنب حتى يتطهر والثاني كان عالما بالتيمم فأدى فرضه كما يلزمه وكان حكمهما مختلفا لا متفقا وكلاهما أصاب
стр. 764
وجه العمل فيما عليه بقدر علمه ولم ننكر هذا إنما أنكرنا أن يكون الشيء حقا باطلا من وجه واحد في وقت واحد وقالوا إن كان مخالفكم مخطئا ففسقوه كما يفسق الخوارج قال أبو محمد فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لا نفسق الخوارج ولا غيرهم ولكننا نقول من قامت عليه الحجة بحديث لا معارض له أو آية لا معارض لها أو برهان ضروري فتمادى على قوله المخالف للحق أو تناقض فاحتج في مكان مما لا يصح مثله في غير ذلك المكان وبنى عليه ذلك فتمادى على قوله الفاسد في فتيا في شيء من الفقه أو في اعتقاد فهو فاسق وكل ذلك سواء وهذا ابن عباس يقول بتخليد القائل فمن فسق القائلين بإنفاذ الوعيد فليبدأ بتفسيق ابن عباس ومن فسق ابن عباس فهو والله الفاسق حقا وابن عباس البر ابن البر الفاضل ابن الفاضل ﵄ واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أصحابي كالنجوم
قال أبو محمد وقد تقدم إبطالنا لهذا الحديث وبينا أنه كذب في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فأغنى عن ترداده واحتجوا باختلاف الصحابة وأنهم لم ينقض بعضهم أحكام بعض ولا منعوا مخالفهم من الحكم بخلافهم قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنهم قد أنكر بعضهم على بعض الاختلاف في الفتيا كإنكارهم غير ذلك وقد قال ابن عباس من شاء باهلته عند
الحجر الأسود في العول في الفرائض وفي تخليد القاتل وقال أما تخافون أن يخسف الله بكم الأرض أقول لكم قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر وقال ابن عباس أأنتم أعلم أم الله تعالى يقول ﴿لذين آمنوا يقاتلون في سبيل لله ولذين كفروا يقاتلون في سبيل لطاغوت فقاتلوا أولياء لشيطان إن كيد لشيطان كان ضعيفا﴾ فقلتم أنتم لها نصف ما ترك وإن كان له ولد وهذا ابن عمر يقول إذ أمر بالمتعة في الحج فقيل له أبوك نهى عنها فقال أيهما أولى أن يتبع كلام الله
стр. 765
أو كلام عمر وهذا عمران بن الحصين يقول في نهي عمر عن المتعة في الحج نزل بها القرآن وعملناها مع النبي ﷺ قال فيها رجل برأيه ما شاء وهذا ابن الزبير يقول لابن عباس في متعة النساء لئن فعلتها لأرجمنك فجرب إن شئت وهذا عمر قد فسخ بيع أمهات الأولاد وردهن حبالى من تستر وفسخ فعل أبي بكر في استرقاق نساء المرتدين وكان يضرب على الركعتين بعد العصر وكان طلحة وأبو أيوب وعائشة يصلونهما وتستر بها أبو أيوب وأبو طلحة مدة حياة عمر فلما مات عاوداهما وقال ابن مسعود إذ سمع فتيا أبي موسى الأشعري في ابنة وابنة وابن أخت ثم قال عن ابن مسعود إنه سيوافقني في هذا فقال ابن مسعود لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين فجعل الفتيا بالخطأ ضلالا وخلافا للهدى وهذا أكثر من أن يحاط به إلا في سفر ضخم جدا فبطل ما احتجوا به من ذلك وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بقوله ﵇ إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما سمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار أو كما قال ﵇ قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن النبي ﷺ فعل ما أمر به من الحكم الظاهر من البينة أو اليمين وأخبر الناس أن ذلك لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ولا يحيل شيئا عن وجهه فلو كان
حكم أحد من الحكام حقا وإن كل ما خالفه حقا لكان ذلك حكم النبي ﷺ ولكان هذا بيان واضح في أن
الحق في واحد وأن ما خالفه خطأ وحكم النبي ﷺ في الظاهر بأن المال لزيد هو غير وجوب كون ذلك المال ملكا على الحقيقة لزيد فهما شيئان متغايران وإذا كانا كذلك فمن الممكن أن يكون أحدهما حقا والآخر باطلا فبطل احتجاجهم بذلك في قول الحق في وجهين مختلفين بل قد أخبر ﵇ أن الحق حق
стр. 766
وأن حكمه لا يحيله عن وجهه ولا يوجب إحلال المقضي به لغير صاحبه فإن قالوا مشاغبين أحكم رسول الله ﷺ في ظاهر الأمر بما نهى عن أخذه في الباطن حكم بحق أو حكم بباطل فإن قلتم بباطل كفرتم وإن قلتم بحق فهو قولنا قلنا لهم وبالله تعالى التوفيق لا يحل لمسلم أن يظن أن النبي ﷺ يحكم بباطل وهو يعلم أنه باطل ومن أجاز هذا أو ظن جوازه فهو كافر حلال الدم والمال ولكن القول أنه ﷺ ما حكم بشهادة الشهود واليمين إلا بحق مقطوع على أنه حق كما أمره الله وأمر المحكوم له بخلاف ما هو في باطنه حق بألا يأخذه ثم نقول إنه قد صح يقينا أنه ﵇ يحكم بما هو عنده حق فيوافق خلاف ما أمر الله تعالى به وهذا لا يسمى باطلا ومن سمى هذا باطلا فهو كافر وذلك نحو سلامه ﷺ في الظهر أو العصر بالمدينة من ركعتين أو ثلاث وإعراضه عن الأعمى فنزل في ذلك من القرآن ما نزل ورسول الله ﷺ إنما قصد في كل ذلك ما هو حق عنده ولم يكن ذلك عند الله تعالى كذلك فصح أن الحق في واحد ولا بد فمن خالفه ناسيا أو هو يرى أنه حق فليس آثما ولكنه مأجور أجرا واحدا ومن خالفه عامدا عالما فهو إما فاسق وإما كافر إن كان خلافا للإسلام وبالله تعالى التوفيق ويسألون عن فقيهين رأى أحدهما إباحة دم إنسان ورأى الآخر تحريمه ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا ولم يره الآخر كافرا ورأى
أحدهما الساحر كافرا ولم يره الآخر كافرا فإن أطلقوا أن كل ذلك حق عند الله لحقوا بالمجانين وجعلوا إنسانا واحدا كافرا في جهنم مخلدا أبد الأبد مؤمنا في الجنة مخلدا أبد الأبد وهذا غاية الجنون وليس هذا الباب من نوع ما أمرنا بإعطائه وحرم على الآخذ أخذه فهذان حكمان على إنسانين مختلفين كسائل سأل وهو غني فأعطاه المسؤول فالمعطي محسن مأجور والآخذ
стр. 767
فاسق عاص آكل سحتا وكذلك فادي الأسير ومعطي الرشوة في دفع مظلمة وقد جاء النص بذلك في نهي النبي ﷺ عن المسألة
وقالوا أيضا ما تقولون فيمن صلى أربعا وشك أصلى ثلاثا أم أربعا فأنتم تأمرونه بأن يصلي حتى يكون على يقين من أنه صلى أربعا فقد أمرتموه بركعة خامسة فأنتم قد أمرتموه بالخطأ فالجواب وبالله تعالى التوفيق إننا لم نأمره قط بأن يصلي خامسة وإنما أمرناه أن يصلي أربعا لا أكثر والخامسة التي زاد فيها هو فيها مخطىء بلا شك عند الله وما أمر بها قط وهو يدري أنها خامسة ولكن أمر بها يقينا إذا لم يدر أنها خامسة والإثم عنه مرفوع فيها ولسنا ننكر رفع المأثم وإنما ننكر رفع الخطأ في الباطن فلو لم يصل الخامسة وهو غير موقن بأنه صلى أربعا لكان مفسدا لصلاته لأنه لم يصل الخامسة التي أمر بصلاتها ومن باب إقدامه على ترك إتمام صلاته قبل أن يوقن بتمامها فهما شيئان متغايران دخل الغلط على من أراد مزجهما وهكذا القول في الاجتهاد في القبلة إنما هو مأمور بمقابلة المسجد الحرام فقط وغير مأمور بالصلاة إلى جهة غيرها لكن الإثم عنه مرتفع إن وافق غيرها باجتهاده وهو مخطىء وغير مأجور في ذلك وإنما يؤجر على اجتهاده لا على ما أداه إليه الاجتهاد إلا أن يكون يؤديه إلى حق فحينئذ يؤجر أجرين أجرا على الطلب وأجرا على الإصابة ولسنا نقول إن كل مجتهد فهو مأمور بما أداه إليه اجتهاده بل هذا عين الخطأ ولكنا نقول كل مجتهد فهو مأمور بالاجتهاد وبإصابة الحق والاجتهاد فعل المجتهد وهو غير الشيء المطلوب فإذا أمرنا بالطلب لا بالشيء الذي وجد ما لم يكن عين الحق والاجتهاد كله حق وهو طلب الحق وإرادته وإنما غلط من غلط لأنه توهم أن الاجتهاد هو فعل المجتهد للشيء الذي أداه إليه اجتهاده فسقطوا سقوطا فاحشا وقال تعالى ﴿وما كان لمؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في لدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ فأوجب تعالى التفقه وهو طلب الحقائق في
стр. 768
واجبات الشريعة وقال ﵇ أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ففي هذا
إيجاب إصابة الحق وفي نهيه تعالى عن الكلام بغير علم إيجاب لإصابة الحق حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي نا ابن مفرج ثنا الصموت ثنا
البزار وهو أحمد بن عمر بن عبد الخالق نا الحسين بن مهدي نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإن حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر وقد شغب بعضهم في قوله ﷺ في هذا الخبر إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فقال معناه فتخطى صاحب الحق قال أبو محمد وهذا عليهم لا لهم لأنه ليس إلا خطأ أو صواب فإذا تخطى صاحب الحق فقد حصل في الخطأ ولم يأمر الله تعالى قط الحاكم بإصابة صاحب الحق لأنه تكليف ما ليس في وسعه إنما أمره بالحكم بالبينة العدلة عنده أو اليمين أو بالإقرار أو بعلمه فما حكم به من ذلك في موضعه فقد حكم بيقين الحق أصاب صاحب الحق أو لم يصب فإن قال قائل بل تخطى الخطأ قيل له هذا خروج عن المعقول لأنه إذا تخطى الخطأ قيل له هذا خروج عن المعقول لأنه إذا تخطى الخطأ فقد أصاب وإذا أصاب فمن الذي أعطي أجرا واحدا على صوابه ومن الذي أعطي أجرين على صوابه وهذا وسواس ورقة في الدين ودليل على فساد الاعتقاد وقال بعضهم لو كان الحق في واحد لكان ما خالفه ضلالا قال أبو محمد ونعم هو ضلال ولكن ليس كل ضلال كفرا ولا فسقا إلا إذا كان عمدا وأما إذا كان عن غير قصد فالإثم مرفوع فيه كسائر الخطأ ولا فرق وقال بعضهم لو كان الحق في واحد لنص الله على ذلك نصا لا يحتمل التأويل
стр. 769
قال أبو محمد فالجواب أن الله تعالى قد فعل والآيات التي تلونا في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا وهو قبل هذا الباب الذي نحن فيه فإن تلك الآيات ناصة نصا جليا على أن الحق في واحد وأن سائر الأقوال كلها فاسدة وخطأ وأمره تعالى بالرد عند التنازع إلى
القرآن والسنة بيان جلي أن القول الذي يشهد له النص هو الحق وهو من عند الله تعالى وما عداه باطل ليس من عنده وقد أخبر تعالى أن الاختلاف ليس من عنده فصح أن ما لم يكن من عنده تعالى فهو باطل فصح أن الحق في واحد ضرورة وبالله تعالى التوفيق واحتج بعضهم في ذلك بأن الحاكم مأمور بإنفاذ ما يشهد به الشاهدان العدلان عنده وقد يشهدان على باطل فهو مأمور بما هو في الباطن باطل
قال أبو محمد وهذا تمويه شديد ونعم قد أمره الله بإنفاذه شهادة هذين الشاهدين اللذين يشهدان بالباطل بل نهاه عن ردهما لأنه لا يدري أنهما فاسقان على الحقيقة أو مغفلان لا عدلان ولكن لما لم يعلمهما كذلك رفع عنه الإثم في الباطن وأمره بالحكم فهما في الظاهر وليس يدخل بهذا في جملة المجتهدين بل قد حكم بالحق المقطوع على أن الله تعالى أمره بالحكم به ولو رده لكان عاصيا لله تعالى فهذا بمنزلة ما أمرنا به من فك الأسير ففكه بالمال فرض علينا وأخذ العدو ذلك المال حرام عليه وقد بين رسول الله ﷺ هذا بقوله فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فقد نهى النبي ﷺ من علم الحقيق عن أن ينفذ بخلاف ما يدرك أنه حق وسألت بعضهم فقلت له ما تقول فيمن لقي أجنبية فظنها زوجته فوطئها أمصيب هو محق أم مخطىء فقال لي ما حرمها الله قط عليه مع جهله بأنها أجنبية فقلت له لقد أقدمت على عظيمة في قولك إن الله تعالى لم يحرم عليه الأجنبية مع
стр. 770
بلوغ التحريم إليه وخرقت الإجماع والنص بكذبك في قوله تعالى ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن بتغى ورآء ذلك فأولئك هم لعادون﴾ وهذه ليست بزوجة له ولا ملك يمين فهو عاد مخطىء واطىء حرام إلا أن الإثم عنه ساقط لجهله فقط وأيضا فإذا لم تكن حراما عليه فهي بلا شك حلال له إذ ليس في العالم إلا حلال أو حرام وقال ابن عباس ما بعث محمد ﷺ إلا محرما ومحللا قال ذلك لإنسان سمعه يقول إن النبي ﷺ قال في الضب لا أحله ولا أحرمه فقال له ابن عباس ما ذكرنا أو كلاما هذا معناه فانقطع واحتج بعضهم باستخلاف أبي بكر على القضاء زيد بن ثابت وهو مخالفه في أقضية كثيرة قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأننا لا نقلد أبا بكر ولا غيره وهم يخالفون أبا بكر في عدة قضايا بلا دليل فلا ينكروا علينا خلافه حيث قام
الدليل على خلاف قوله وقال بعضهم لو كان الله تعالى كلفنا إصابة الحق وإدراك الصواب لكان تعالى قد كلفنا ما لا نطيق
قال أبو محمد وهذا تمويه ضعيف وكذب القائل ما ذكرنا وما كلفنا من ذلك إلا ما نطيق لأنه قد أدرك الصواب كثير من الناس ووجدوه وجودا صحيحا أيقنوا فيه أنهم محقون وما أمكن بعضنا فهو لسائرنا ممكن وما توفيقنا إلا بالله تعالى وقال بعضهم لو كان الناس مكلفين عين الصواب لكان على من خالفه الإعادة لكل ما عمل بغير الحق قال أبو محمد أما ما كان من الشرائع مرتبطا بوقت محدود الأول والآخر فلا إعادة على من تركه أصلا إلا حيث جاء النص بإعادته لأنه لا سبيل إلى رجوع وقت تلك الشريعة وهي لم نؤمر بها إلا في ذلك الوقت فلا سبيل إلى أدائها إذ لا سبيل إلى الوقت الذي لا تؤدى إلا فيه كالصلاة وما أشبهها والصيام ونحوه فلا يقضي شيئا من ذلك لا جاهل ولا عامد
стр. 771
ولا متأول حاشى الناسي والنائم للصلاة وحاشا المريض والمسافر والمتقيىء عمدا للصوم فقط وأما ما كان مرتبطا بوقت محدود الأول غير محدود الآخر أو كان غير مرتبط بوقت فهو مؤدى أبدا ومعاد ولا بد كإنسان جهل الزكاة في البر فبقي سنين مسلما مالكا لمقدار تجب فيه الزكاة منه ثم علم بعد ذلك فعليه الزكاة للسنين الخالية وكإنسان لم يعلم أن السلم في غير المكيل والموزون لا يجوز فسلم سنين جمة في حيوان أو فيما لا يكال ولا يوزن ثم علم فعليه فسخ كل ما أخذ من ذلك ورده إلى أربابه والحكم فيه كحكم الغاصب فيما بيده إذا تاب ولا فرق وكإنسان أداه اجتهاده إلى أنه لا نفقة لموروثه وذي رحمه المحرمة عليه فأقام كذلك عشرات سنين ثم علم فهي دين عليه يؤديها إليهم أبدا ويخرج من رأس ماله إن مات وهكذا في كل شيء وبالله تعالى التوفيق وشغب بعضهم بأن العامي إذا اختلف عليه الفقهاء فإنه مخير في أقوالهم قال أبو محمد وهذا خطأ ولسنا نقول به وقد بينا هذه المسألة في باب التقليد من كتابنا هذا فأغنى عن
إعادته وموه بعضهم بأن قال الميتة عين واحدة وهي حلال للمضطر حرام على غير المضطر قال أبو محمد وهذا عين الشغب والتمويه لأننا لم ندفع نحن اختلاف حكم العين الواحدة على إنسانين متغايرين أو في وقتين مختلفين بل هذا لازم في كل عين فمال زيد حلال لزيد حرام على عمرو والأكل في شوال حلال للبالغين العقلاء وحرام عليهم في رمضان وهكذا جميع الشرائع أولها عن آخرها
وهكذا كل أحد مرة تلزمه الصلاة إذا دخل وقتها ومرة تحرم عليه قبل دخول وقتها ومرة يحرم دم زيد ومرة يحل وإنما أنكرنا أن تكون الميتة حلالا لزيد حراما عليه في وقت واحد وأن يكون البيع تاما قبل التفرق بالأبدان غير تام قبل التفرق بالأبدان والقصاص من القاتل واجبا
стр. 772
حراما في وقت واحد فمثل هذا الجنون أنكرنا لأنه لا يصدقه ذو عقل ولا من به طباخ ولأنه شيء لا يقدر عليه أحد لأنه يؤدي إلى الوسواس وإلى أن يقال لزيد إن فعلت هذا الفعل فأنت مأجور عليه وفي الجنة وأنت آثم عليه وفي النار وفي وقت واحد ولا سبيل إلى أن يكون أحد في النار وفي الجنة في وقت واحد ولا أن يكون بفعل واحد عاصيا لله بذلك الفعل مطيعا له في وقت واحد فهذا الوسواس أبطلنا لا غيره مما يعقل وقال بعضهم لو كنا مكلفين إصابة الحق لكان تعالى قد نصب عليه دليلا من أصابه علم أنه أصابه ومن أخطأه علم أنه أخطأه قال أبو محمد والجواب عن هذا أن أوائل مذاهبنا كلها نحن نقول فيها بذلك وأصل مذهبنا أن الأخذ بظاهر القرآن والحديث الصحيح حق ونحن على يقين من أننا مصيبون في ذلك وفي كل قول أدانا إليه أخذنا بظاهر القرآن والحديث الصحيح وأن من خالفنا مخطىء عند الله ونحن على يقين من ذلك لا نشك فيه ولا يكن خلافه وإنما يخفى علينا الحق في بعض الجزئيات مثل بناء حديثين بأعيانهما لا ندري أيهما الناسخ من المنسوخ ولسنا ننكر خفاء الحق علينا في بعض هذه المواضع وقد علم غيرنا بلا شك وجه الحق فيما خفي علينا كما علمناه نحن فيما خفي على غيرنا ومن شاهد النبي ﷺ وورود الأوامر منه علم اليقين فيما غاب عنا بلا شك وقال بعضهم قد يكون الإنسان على مذهب يعضده ويقاتل عنه ويعتقد الحق فيه ثم ينتقل إلى غيره
стр. 773
قال أبو محمد لو قال هذا من يبطل الحقائق لكان أشبه بقوله وهذا لا معنى له لأن كل من كان على مذهب ثم تركه لآخر فإنه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما البتة إما
أن يكون على حق ثم دخلت عليه شبهة لم ينعم فيها النظر ولا تقصي البرهان
على شرائطه فترك الحق للباطل وأخطأ في ذلك أو كان على مذهب لم يقم له على صحته برهان وإنما اعتقده بشبهة لم يتقص فيها طرائق البرهان فتركه لشبهة أخرى دخلت عليه فانتقل من باطل إلى مثله أو تركه لشيء يقوم عليه برهان صحيح فانتقل من باطل إلى حق فهو لا بد مغفل ضرورة ومخطىء بلا شك ومضرب عن طلب البرهان الصحيح إما أنه لم يبلغه وإما لأنه لم يتقصه ولا تأمله فلا بد له من الخطأ كما قلنا إما في اعتقاده الأول الذي انتقل عنه وإما في اعتقاده الثاني الذي انتقل إليه أو في كليهما ونحن لم ننف الخطأ عن الناس بل أثبتناه وإنما نفينا التضاد على الحق وأن ينتقل من حق غير منسوخ إلى حق مضاد لذلك الحق الذي انتقل عنه فهذا هو المحال الذي لا سبيل إليه البتة وقد بينا وجوه البراهين الصحاح الذي لا يصح شيء إلا بها والبرهان الذي لا يكون أبدا إلا صحيحا وبينا ما يظن أنه برهان وليس ببرهان في كتابنا الموسوم بالتقريب لحدود المنطق وهو كتاب جليل المنفعة عظيم الفائدة لا غنى لطالب الحقائق عنه فمن أحب أثلج وأن يقف على علم الحقائق فليقرأه ثم ليقرأ كلامنا في وجوه المعارف من كتابنا الموسم بكتاب الفصل ثم ليقرأ كتابنا هذا فإنه يلوح له الحقائق دون إشكال وبالله تعالى التوفيق فإذا بطل كل ما شغبوا به بحمد الله فلنقل في إقامة البرهان على إبطال قولهم الفاسد وبالله تعالى نعتصم فمن ذلك أن القائلين بهذه المقالة إنما يقولون بها باتفاق منهم حيث لا يوجد نص من قرآن أو سنة صحيحة على حسب اختلافهم في صفة ما يجب قبوله
стр. 774
من السنن وأما حيث يوجد نص قرآن أو سنة فلا يسع أحدا عندهم اجتهد في خلافها بل هو مخطىء مخالفها عندهم قال أبو محمد فإذا كان هذا قولهم فقد كفينا بحمد الله تعالى مؤونتهم لأنه لا نازلة إلا وفيها نص موجود ولو لم يكن كذلك لكان ذلك الحكم شرعا في الدين ليس من الدين وهذا
تناقض وموهوا أيضا بلفظه الاجتهاد فقالوا هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد وهذا مما لا يسوغ فيه الاجتهاد قال أبو محمد حقيقة الأمر هي أنهم إن كانوا يعنون بالاجتهاد اجتهاد المرء نفسه في طلب
حكم دينه في مظان وجوده ولا مظان لوجود الدين إلا القرآن والسنن فقد صدقوا والاجتهاد المذكور فرض على كل أحد في كل شيء من الدين فهو قولنا وإن كانوا يعنون بالاجتهاد أن يقول برأيه ما أداه إليه ظنه فهذا باطل لا يحل أصلا في شيء من الدين وإيقاع لفظه الاجتهاد على هذا المعنى باطل في الديانة وباطل في اللغة وتحريف للكلم عن مواضعه ونعوذ بالله من هذا ومما يبطل قولهم وإن كان فيما أوردنا كفاية أنهم يقولون إن كل قائل مجتهد فهو حق محق مصيب ونحن نقول إنهم في قولهم هذا مخطئون عند الله بلا شك وإنهم فيه على باطل فإذا حكموا لنا بالصواب والصدق في قولنا فقد أقروا ببطلان قولهم لأننا محقون في قولنا أنهم مخطئون بإقرارهم وفي هذا كفاية لمن عقل ويقال لهم أفي المتكلمين في الفتيا أحد أخطأ أم لا فإن قالوا لا كابروا لأن الحس يشهد بأن الخطأ موجود وإن قالوا نعم تركوا قولهم الفاسد إن كل مجتهد مصيب ويسألون عن نهيه تعالى عن التفرق أنهي عن حق أم عن باطل فإن قالوا عن حق كفروا وإن قالوا نهي عن باطل تركوا قولهم الفاسد وكل آية تلوناها في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فهي مبطلة لقولهم الفاسد في هذا الباب
стр. 775
وبالله تعالى التوفيق ومن ذلك قوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فلم يطلق لنا تعالى البقاء على التنازع وأمرنا بالرد إلى النص والأخذ به وأيضا فإن الدين ليس موكولا إلى ما أراد القائلون أن يقولوه وقائل هذا كافر وإنما الدين مردود إلى نص إجماع فمن خالف الوجه في ذلك فهو مخطىء وأيضا فإن الله تعالى يقول ﴿لا يكلف
لله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على لذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وعف عنا وغفر لنا ورحمنآ أنت مولانا فنصرنا على لقوم لكافرين﴾ وليس في الوسع أن يعتقد أحد كون شيء واحد حراما حلالا في وقت واحد على إنسان واحد ولا أن الدين ينتقل حكمه من تحليل إلى تحريم إذا حرم الشي مفت ما وحلله مفت آخر
وأيضا فإن المفتي ليس له أن يشرع ولا أن يحلل ولا أن يحرم وإنما عليه أن يخبر عن الله تعالى بحكمه في هذه النازلة ومن المحال أن يكون حكم الله تعالى فيها غير مستقر إما بتحليل وإما بتحريم وإما بوجوب قوله تعالى ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ مبين أن الحكم قد استقر في كل نازلة إما بتحريم وإما بتحليل وإما بإيجاب ومن حلل وحرم باختلاف الفقهاء فقد أقر أنهم يحرمون ويحللون ويوجبون فهذا كفر ممن اعتقده وقوله تعالى ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم لكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على لله لكذب إن لذين يفترون على لله لكذب لا يفلحون﴾ مبطل لقول من قال إن الشيء يكون حراما حلالا باختلاف الفقهاء فيه ومخبر أن قائل ذلك كاذب وأنه ما حرم الله تعالى فهو حرام لا حلال وما أحله تعالى فهو حلال لا حرام وكذلك القول فيما أوجب تعالى وقال ﷺ إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فلو لم يكن علينا إصابة الحق وكنا لا يلزمنا شيء إلا الاجتهاد فقط لكان كل أحد من الناس عالما بحكم تلك المشتبهات بل كانوا ناقلين بأقوالهم للحرام البين إلى التحليل وللحلال البين إلى التحريم وهذا كفر وتكذيب للنبي صلى
следующие страницы →