Полный текст (1 408 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فقط لا قبول رأي غيرهما وهذا خلاف عمل أهل الرأي كلهم اليوم ثم فيه قبولهما إلا في لبس حلة وهذا مباح لا يمنع من قبول رأي خادم أو عبد أو جار إن شاء الذي أشير عليه بذاك ثم فيه اختلافهما فبطل التعلق برأي خالفه رأي آخر وأما احتجاجهم بوجوب طاعة أولي الأمر منا فقد قلنا في ذلك قبل بما أغنى وإنه لا يخلو رأيهم من أن يوجد فيه اختلاف بينهم أو لا يوجد فإن وجد اختلاف منهم فليس بعضهم يقول رأيه أولى من بعض وإن لم يوجد فيه اختلاف فقد قلنا إن القطع بأنه إجماع أولي الأمر باطل ممتنع لا سبيل إليه مع أن قول الله تعالى ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾
مبطل لدعوى من ادعى أنه تعالى أمرنا بطاعتهم فيما ليس فيه نص أو في خلاف النص لأنه شرع شريعة لم يشرعها الله تعالى أو إبطال شريعة شرعها الله تعالى وكلا الأمرين كفر لا يجوز البتة إجماع العلماء عليه وقد يجوز الوهم في هذا على الطائفة فصح أننا إنما أمرنا بطاعتهم فيما بلغوه إلينا عن رسول الله ﷺ فقط وأما ما قالوه في الإمامة فقد نص ﷺ على أن الأئمة من قريش وأمرنا بأن نفي ببيعة الأول فالأول وأن نتعاون على البر والتقوى وأن نسمع ونطيع لمن قادنا بكتاب الله فهذه صفة إذا وجدت في أي عين وجدت فطاعته واجبة بالنص لأنه ﷺ بعث إلى كل من يأتي إلى يوم القيامة فلا معنى للأسماء المعلقة على أعيان الرجال في ذلك أصلا وهذا كالعتق في الكفارات والصدقة على المساكين وكالضحايا وغير ذلك من سائر الشريعة وكأمره تعالى في بني إسرائيل بذبح بقرة ولم يميز بقرة بعينها وإنما نرد الأحكام في الأنواع الجامعة للأشخاص ثم في أي شخص نفذ الحق فقد أجزأ وهذا لا خلاف فيه من أحد وكالنص على الماء فبأي ماء تطهر أجزأ وإنما يبطل الرأي في شرع الشريعة بما لا نص فيه فظهر تمويههم بهذا في الرأي
стр. 912
وأما خبر معاذ فإنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه وذلك أنه لم يرو قط إلا من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو حدثني أحمد بن محمد العذري ثنا أبو ذر الهروي نا زاهر بن أحمد الفقيه نا زنجويه بن محمد النيسابوري نا محمد بن إسماعيل البخاري هو مؤلف الصحيح فذكر سند هذا الحديث وقال رفعه في اجتهاد الرأي قال البخاري ولا يعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح هذا نص كلام البخاري ﵀ في تاريخه الأوسط ثم هو عن رجال من أهل حمص لا يدري من هم ثم لا يعرف قط في عصر الصحابة ولا ذكره أحد منهم ثم لم يعرفه أحد قط في عصر التابعين حتى أخذه أبو عون وحده عمن لا يدري من هو فلما وجده أصحاب الرأي عند شعبة طاروا به كل
مطار وأشاعوه في الدنيا وهو باطل لا أصل له ثم قد رواه أيضا أبو إسحاق الشيباني عن أبي عون فخالف فيه شعبة وأبو إسحاق أيضا ثقة كما حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي قال حمام نا أبو محمد الباجي نا عبد الله بن يونس نا بقي نا أبو بكر بن أبي شيبة وقال الطلمنكي نا ابن مفرج نا
إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور ثم اتفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير نا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي هو أبو عون قال لما بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى اليمن قال يا معاذ بما تقضي قال أقضي بما في كتاب الله قال فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله قال أقضي بما قضي به نبيه ﷺ قال فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه قال أقضي بما قضى به الصالحون قال فإن
стр. 913
جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولا قضى به الصالحون قال أؤم الحق جهدي فقال رسول الله ﷺ الحمد لله الذي جعل رسول رسول الله يقضي بما يرضى به رسول الله فلم يذكر أجتهد رأيي أصلا وقوله أؤم الحق هو طلبه للحق حتى يجده حيث لا توجد الشريعة إلا منه وهو القرآن وسنن النبي ﷺ على أننا قد حدثنا أحمد بن محمد الله الطلمنكي نا أحمد بن عون الله نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري قال نا إسحاق بن راهويه قال قال سفيان بن عيينة اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول برأيه وأيضا فإنه مخالفون لما فيه تاركون له لأن فيه أنه يقضي أولا بما في كتاب الله فإن لم يجد في كتاب الله فحينئذ يقضي بسنة رسول الله ﷺ وهم كلهم على خلاف هذا بل يتركون نص القرآن إما لسنة صحيحة وإما لرواية فاسدة كما تركوا مسح الرجلين وهو نص القرآن لرواية جاء بالغسل وكما تركوا الوصية للوالدين والأقربين لرواية جاءت لا وصية لوارث وكما تركوا جلد
المحصن وهو نص القرآن لظن كاذب في تركه ومثل هذا كثير فكيف يجوز لذي دين أن يحتج بشيء هو أول مخالف له وبرهان وضع هذا الخبر وبطلانه هو أن من الباطل الممتنع أن يقول رسول الله فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله وهو يسمع قول ربه تعالى ﴿تبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون﴾ وقوله تعالى ﴿حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ وقوله تعالى ﴿يأيها لنبي إذا طلقتم لنسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا لعدة وتقوا لله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود لله ومن يتعد حدود لله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ مع الثابت عنه ﷺ من تحريم القول بالرأي في الدين من قوله ﷺ فاتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا
بالرأي فضلوا وأضلوا ثم لو صح لكان معنى قوله أجتهد رأيي إنما معناه أستنفذ جهدي حتى
стр. 914
أرى الحق في القرآن والسنة ولا أزال أطلب ذلك أبدا وأيضا فلو صح لكان لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون ذلك لمعاذ وحده فيلزمهم ألا يتبعوا رأي أحد إلا رأي معاذ وهم لا يقولون بهذا أو يكون لمعاذ وغيره فإن كان ذلك فكل من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به وإذ الأمر كذلك فإن كل من فعل ما أمر به فهم كلهم محقون ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر فصار الحق على هذا في المتضادات وهذا خلاف قولهم وخلاف المعقول بل هذا المحال الظاهر وليس حينئذ لأحد أن ينصر قوله بحجة لأن مخالفه أيضا قد اجتهد رأيه وليس في الحديث الذي احتجوا به أكثر من اجتهاد الرأي ولا مزيد فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث وأيضا فليس أحد أولى من أحد مع هذا فلكل واحد منا أن يجتهد برأيه فليس من اتبعوا أولى من غيره ومن المحال البين أن يكون ما ظنه الجهال في حديث معاذ لو صح من أن يكون ﷺ يبيح لمعاذ أن يحلل برأيه ويحرم برأيه ويوجب الفرائض برأيه ويسقطها برأيه وهذا ما لا يظنه مسلم وليس في الشريعة شيء غير ما ذكرنا البتة وقد بين لنا رسول الله ﷺ ما تقع فيه المشورة منه وفرق بينه وبين الدين كما حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي نا أبو بكر بن مفرج القاضي نا محمد بن أيوب الصموت الرقي نا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار نا عمرو بن علي نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ سمع أصواتا فقال ما هذه الأصوات قالوا النخل يؤبرونه فقال لو لم يفعلوا لصلح فأمسكوا عنه فصار شيصا فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم وإن كان شيئا من أمر دينكم فإلي وبه إلى البزاز نا هدبة بن خالد نا جهاد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس
стр. 915
أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم سمع صوتا في النخل فقال ما هذا قال يؤبرون النخل قال لو تركوها أصلحت فتركوها فصارت شيصا فأخبروه بذلك فقال أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم وأما آخرتكم فإلي
قال أبو محمد فهذه عائشة وأنس لم يدعا في روايتها إشكالا وأخبرا أنه ﷺ أعلمنا أننا أعلم بما يصلحنا في دنيانا منه ففي هذا كان يشاور أصحابه وأخبرا أنه ﷺ جعل أمر آخرتنا إليه لا إلى غيره وأمر الآخرة هو الدين والشريعة فقط فلم يجعل ذلك ﷺ إلى أحد سواه وبطل بذلك رأي كل أحد وحرم القول بالرأي جملة في الدين وبالله تعالى التوفيق وهذا يبين معنى قول الله ﴿وما ينطق عن لهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ إنما هو في أمر الدين فكل ما تكلم به النبي ﷺ في شيء من تحريم أو تحليل أو إيجاب فهو عن الله تعالى بيقين وما كان من غير ذلك فكما قلنا لقوله ﷺ إذ قيل له حاضت صفية فقال عقري حلقي وكقوله ﷺ إني اتخذت عند الله عهدا أيما امرىء سببته أو لعنته في غير كنهه أو جلدته فاجعلها له طهرة أو كما قال ﷺ ومثل قوله ﷺ لذي اليدين لم تقصر ولا نسيت وهذا يبين فساد قول من اعترض بمثل هذا على سائر أوامره ﷺ ليردها ناطقا في ذلك بلسان أهل الإلحاد المعترضين في الإسلام ونعوذ بالله من الخذلان حدثنا أحمد بن عمرو العذري ثنا أبو ذر الهروي ثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار قال عبد وحدثناه أيضا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم وأبو سفيان الثوري
стр. 916
عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال من قال في القرآن بغير
علم فليتبوأ مقعده من النار حدثنا حمام بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن مسلم نا أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله
ﷺ لا ينزع الله العلم من صدور الرجال ولكن ينزع العلم بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني نا أبو إسحاق البلخي نا محمد بن يوسف الفربري نا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا سعيد بن تليد نا ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن شريح وغيره وعن أبي الأسود عن عروة قال حج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول سمعت النبي ﷺ يقول إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون وأما ما رووه عن أبي مسعود من قوله فليجتهد رأيه فهو خبر لا يصح لأن محمد بن سعيد بن نبات حدثناه قال ثنا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن أبي عدي ثنا شعبة نا الأعمش عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير قال الأعمش أحسبه قال قال ابن مسعود لقد أتى علينا حين وما نسأل وما نحن هناك ثم ذكر بنصه فصح أن الأعمش شك فيه أهو عن ابن مسعود أم لا ثم لو صح لكان معناه فليجتهد رأيه أي ليجهد نفسه حتى يرى السنة في ذلك يبين هذا قوله في الخبر نفسه ولا يقل إني أخاف وأرى فنهاه عن أن يقول أرى وهذا نهي عن الفتيا بالرأي وكذلك قوله فيه نفسه
стр. 917
فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات فإنما أمره بالتورع والطلب فقط وأما الرواية عن عمر فإن فيها نصا تخييره بين اجتهد رأيه أو الترك ورأى الترك خيرا له فصح أنه لم ير القول بالرأي حقا لأن الحق
لا خيار في تركه لأحد ثم هم مخالفون لما فيه أيضا مما ذكرنا من أنهم لا يبدؤون بالطلب في القرآن كما في ذلك الخبر ثم بالسنن بل يتركون القرآن لما يصح من السنن ولما لا يصح وهذا خلاف أمر عمر في ذلك الخبر فكيف يحتجون بشيء هم أول مخالف له هذا مع أن ظاهر ذلك الخبر الانقطاع وأما خبر عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس فليس فيه أن ابن عباس أخبر
بذلك عن نفسه ولا أنه أمر به فإذا هو ظن من عبيد الله والثابت عن ابن عباس النهي عن تقليد أبي بكر وعمر ثم قصة خالفوا فيها ابن مسعود وعمر وابن عباس فلو صح هذا عنهم لكان كبعض ما خالفوهم فيه فليس بعض حكمهم أولى بالتقليد من بعض مثل ما صح عن عمر وابن مسعود وابن عباس من القول بأن من تسحر يرى أنه ليل فإذا به نهار فصومه تام ومثل قضائهم ثلاثتهم في اليربوع جفرة ومثل هذا كثير وأما ما رووه عن بعض الصحابة من الفتيا بالرأي فإنما أفتى منهم من أفتى برأيهم على سبيل الإخبار بذلك أو الصلح لا على أنه حكم بات ولا على أنه لازم لأحد فقال خصومنا إنما ذموا الرأي الذي يحكم به على غير أصل وأما الذي حكموا به فهو الرأي المردود إلى ما يشبه من قرآن أو سنة فقلنا لهم هذه دعوى منكم فإن وجدتم عن أحد منهم تصحيحا فلكم مقال وإلا فقد كذبتم عليهم فنظرنا فلم نجد قط عن أحد من الصحابة كلمة تصح تدل على الفرق بين رأي مأخوذ عن شبه لما في القرآن والسنة وبين غيره من
стр. 918
الآراء إلا في رسالة مكذوبة عن عمر ووجدنا قولهم في ذمهم الرأي جملة وأنهم حكموا به على ما قلنا كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب قال جاء ناس من أهل الشام إلى عمر بن الخطاب فقالوا إنا أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور فقال عمر ما فعله صاحباي قبل فأفعله فاستشار أصحاب محمد ﷺ فقال له علي هو حسن إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعد راتبة قال أبو محمد فهذا نص ما قلنا من أنهم لا يرون ما حكموا فيه برأيهم أمرا راتبا وأيضا فقد روينا عنهما وعن غيرهما في إبطال الرأي آثارا أصح مما شغبوا به ولسنا نوردها احتجاجا بها إذ لا حجة في أحد إلا في رسول الله ﷺ أو في إجماع متيقن لا
خلاف فيه وإنما نوردها لتلزمهم ما أرادوا إلزامنا وهو لازم لهم لأنهم يحتجون بمثله ومن جعل شيئا ما حجة في مكان ما لزمه أن يجعله حجة في كل مكان وإلا فهو متناقض متحكم في الدين بلا دليل
حدثنا أحمد بن عمر ثنا أبو ذر الهروي نا عبد الله بن أحمد السرخسي نا إبراهيم بن خزيم نا عبد بن حميد ثنا أبو أسامة عن نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال قال أبو بكر الصديق أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد حدثنا محمد بن سعيد النباتي نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا ابن أبي عدي عن شعبة عن
стр. 919
الأعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر عن أبي بكر الصديق قال أية أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم حدثنا المهلب عن ابن مناس نا محمد بن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر يا أيها الناس إنما الرأي إنما كان من رسول الله مصيبا لأن الله كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف وبه إلى ابن وهب حدثنا عبد الله بن عياش عن ابن عجلان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال اتقوا الرأي في دينكم كتب إلي النمري حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي وعبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي القاضي قال أحمد نا أبي وقال القاضي نا سهل بن إبراهيم قال عبد الله الباجي وسهل ثنا أحمد بن فطيس نا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي نا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن مجالد عن الشعبي عن عمرو بن حريث قال قال عمر بن الخطاب إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا كتب إلي النمري أخبرنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين البغدادي نا أبو بكر بن أبي داود نا محمد بن عبد الملك القزاز نا أبو مريم نا نافع بن يزيد عن ابن الهاد عن
محمد بن إبراهيم قال
стр. 920
قال عمر بن الخطاب إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلت منهم أن يحفظوه فقالوا في الدين برأيهم حدثنا المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى
عن وهب أخبرني ابن لهيعة عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عمر بن الخطاب قال أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت أن يرووها فاستقوها بالرأي حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق بن السليم نا ابن الأعرابي ثنا أبو داود السجستاني ثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا حفص بن غياث ثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي بن أبي طالب قال لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخفين حدثنا عبد الله بن ربيع عن عبد الله بن محمد بن عثمان عن أحمد بن خالد عن علي بن عبد العزيز عن الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن قتادة قال قال علي القضاء ثلاثة رجل حاف فهو في النار ورجل اجتهد برأيه فأخطأ فهو في النار ورجل أصاب فهو في الجنة حدثنا حمام بن أحمد ثنا أبو محمد الباجي ثنا عبد الله بن يوسف ثنا بقي بن مخلد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة قال سمعت رفيعا أبا العالية يقول قال علي بن أبي طالب القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل جار متعمدا فهو في النار ورجل أراد الحق فأخطأ فهو في النار ورجل أراد الحق فأصاب فهو في الجنة قال قتادة قلت
стр. 921
لأبي العالية أرأيت هذا الذي أراد الحق فأخطأ قال كان حقه إذا لم يعلم القضاء أن يكون قاضيا حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس ثنا محمد بن علي بن زيد نا سعيد بن منصور نا فرج بن فضالة عن مالك بن زياد قال سمعت عراك بن مالك وقال له عمر بن عبد العزيز يا عراك ما قولك في القضاة فقال يا أمير المؤمنين القضاة ثلاثة رجل
ولي القضاء ولا علم له بالقضاء فأحل حراما وحرم حلالا فهو في النار على أم رأسه ورجل ولي القضاء وله علم بالقضاء فاتبع الهوى وترك الحق فهو في النار على أم رأسه ورجل ولي القضاء وله علم بالقضاء فاتبع الحق وترك الهوى فهو يستقام به ما استقام وإن هو مال سلك مسلك أصحابه
قال أبو محمد وقد روي هذا عن رسول الله ﷺ كما روينا بالسند الصحيح المذكور إلى سعيد بن منصور نا خلف بن خليفة ثنا أبو هاشم قال لولا حديث ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار ورجل عرف الحق فخار فهو في النار لقلنا إن القاضي إذا اجتهد فليس عليه شيء نعم وعن عمر بن الخطاب كما روينا بالسند المذكور إلى سعيد بن منصور نا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري نا موسى بن عقبة قال خطب عمر بن الخطاب بالجابية فذكر الخطبة وفيها أن عمر قال ليس لهالك هلك معذرة في تعمد ضلالة حسبها هدى ولا في ترك حق حسبه ضلالا قال أبو محمد ليس هذا مخالفا لقول النبي ﷺ إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر لأن هذا فيمن لم يعرف بالحق وسائر ما ذكرنا
стр. 922
قيل فيمن عرف بالحق فلج مقدرا أنه على صواب مغلبا لظنه الكاذب على يقين ما جاءه من الهدى والنور ويه إلى سعيد بن منصور حدثنا خالد بن عبد الله عن أبي سنان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من أفتا فتيا يعمى بها فإنهما عليه يعني يخطىء فيها فيخطىء آخذها منه حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن أحمد بن مفرج نا سعيد بن السكن نا الفربري نا البخاري نا موسى بن إسماعيل نا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل قال قال سهل بن حنيف يا أيها الناس اتهموا آراء على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا
أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي نا مسلم بن الحجاج حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري نا أبو أسامة عن مالك بن مغول عن أبي حصين عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول اتهموا آراءكم على دينكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته
стр. 923
حدثنا أحمد بن عمر ثنا أبو ذر نا عبد الله بن أحمد نا إبراهيم بن خزيم ثنا عبد بن حميد حسن بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من جهنم حدثنا المهلب نا ابن مناس نا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب أخبرني بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عباس قال من أحدث رأيا ليس في كتاب الله لم تمض به سنة من رسول الله ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله حدثنا يونس بن عبد الله القاضي نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد الله الخشني نا محمد بن بشار نا يونس نا عبيد العمري ثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال يا أيها الناس اتهموا آراءكم على الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله ﷺ برأي أجتهد والله ما آلو وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا نكتب باسمك اللهم فرضي رسول الله ﷺ وأبيت فقال يا عمر تراني قد رضيت وتأبى قال أبو محمد أما الرواية عن أبي بكر وعلي وسهل وابن عباس والتي تورد بعد هذا عن عمر وابن مسعود فصحاح ولا سبيل لهم إلى أن يأتوا برواية عن صاحب يثبت فيها التصويب للفتيا بالرأي فأن وجد يوما ما فتيا عن أحدهم برأي فلا بد من أن يوجد عنه التبرؤ من ذلك كما حدثنا عبد الله بن ربيع حدثنا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا علي بن حجر نا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أتاه قوم فقالوا إن رجلا منا تزوج امرأة ولم يفرض صداقا ولم يجمعها إليه حتى مات فقال عبد الله ما سئلت عن شيء مذ فارقت رسول الله ﷺ أشد علي من هذا فأتوا غيري فاختلفوا إليه فيها شهرا
стр. 924
ثم قالوا له في آخر ذلك من نسأل وأنت أخيه أصحاب
رسول الله ﷺ بهذا البلد ولا نجد عندك قال سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن أتاه الله وحده لا شريك له وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله
ورسوله بريء فقد ذكر الحديث وفي آخره أنه ﵁ إذ أخبر بالسنة عن النبي ﷺ في ذلك بوفاق ما أفتى به فما رئي عبد الله فرح فرحه يومئذ إلا بإسلامه وبه إلى أحمد بن شعيب أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله عن زائدة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا أتى عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها فتوفي قبل أن يدخل بها فقال عبد الله سلوا هل تجدون فيها أثرا وذكر باقي الحديث حدثنا محمد بن سعيد بن نبات عن عبد الله بن محمد بن قاسم القلعي
стр. 925
نا محمد بن أحمد الصواف نا بشر بن موسى بن صالح الأسدي نا عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش عن مسلم بن صبيح هو أبو الضحى عن مسروق قال قال ابن مسعود يا أيها الناس من علم منكم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل لم لا يعلم لا أعلم فإن الله علم المرء وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من لمتكلفين﴾ قال أبو محمد هذا في غاية الصحة وكل ما رويناه الآن من ابن عمر وابن مسعود وابن عباس يبين مرادهم بقولهم فليجتهد رأيه لو صح ذلك عنهم وأنه ليس على القول في الدين بالرأي أصلا لكن بأن يجتهد حتى يرى الحق في القرآن والسنة حدثنا حمام نا الباجي نا عبد الله بن يونس نا بقي بن مخلد نا أبو بكر بن أبي شيبة نا يزيد بن هارون نا حماد بن سلمة عن قتادة أن أبا موسى الأشعري قال لا ينبغي لقاض أن يقضي حتى يتبين له الحق كما يتبين له الليل عن النهار فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال صدق قال أبو محمد هذا يبين أنهم لم يجيزوا القول بالرأي الذي إنما هو ظن وبين أنهم كانوا يرون خبر الواحد يوجب العلم والقطع
به ولا بد
أخبرني محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا مؤمل بن إسماعيل الحميري نا سفيان الثوري نا أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق قال كتب كاتب لعمر بن الخطاب هذا ما رأى الله ورأى عمر فقال عمر بئس ما قلت إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر
стр. 926
حدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد القطان نا مجالد عن الشعبي عن مسروق قال قال عبد الله بن مسعود يذهب العلماء ويبقى قوم يقولون برأيهم قال الشعبي لعن الله أرأيت قال أبو محمد والله ما أفتى قط أحد من الصحابة ﵃ باجتهاد رأيه إلا كما ترى بعد أن يبحث عن السنة فتغيب عنه وهي عند غيره بلا شك ثم لا يجعل رأيه ذلك إلا مما يخاف الله تعالى فيه ويشفق منه ويتبرأ من التزامه وكذلك كان التابعون ﵏ فأتى اليوم ناس يجعلونه دينا يبطلون به كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ نعوذ بالله من الخذلان وقد روينا أيضا عن ابن عمر كما نا المهلب نا ابن مناس أنا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث أن عمرو بن دينار أخبره أن عبد الله بن عمر كان إذا لم يبلغه شيء في الأمر يسأل عنه قال إن شئتم أخبرتكم بالظن قال عمرو بن دينار أخبرني بذلك طاوس عنه قال أبو محمد وهذا سند في غاية الصحة وحدثنا يونس بن عبد الله نا يحيى بن مالك بن عائذ عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عيسى الخشاب نا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي نا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهب أنا عمر بن الحارث قال قال لي عمرو بن دينار أخبرني طاوس عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن أمر لم يبلغه فيه شيء قال إن شئتم أخبرتكم بالظن قال أبو محمد كتب إلي يوسف بن عبد البر النمري قال ذكر أبو يوسف يعقوب
بن شيبة نا محمد بن حاتم بن ميمون حدثني يعقوب بن
стр. 927
إبراهيم بن سعد الزهري نا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عبد
الله بن الزبير قال أنا والله لمع عثمان بن عفان بالجحفة ومعه رهط من أهل الشام منهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج أن أتموا الحج وخلصوه في أشهر الحج فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فإن الله قد أوسع في الخير فقال له علي عمدت إلى سنة رسول الله ﷺ ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها وتنتهي عنها وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار ثم أهل بعمرة وحج معا فأقبل عثمان على الناس فقال وهل نهيت عنها إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذه ومن شاء تركه كتب إلي النمري حدثنا أحمد بن سعيد نا ابن أبي دليم نا ابن وضاح نا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي نا ضمرة بن ربيعة عن عثمان بن عطاء هو الخراساني عن أبيه قال أضعف العلم علم النظر أن يقول الرجل رأيت فلانا يفعل كذا ولعله قد فعله ساهيا كتب إلي النمري قال ذكر الحسن بن علي الحلواني نا عامر نا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلمأهيب لما لا يعلم مع أبي بكر ولم يكن أحد أهيب لما لا يعلم بعد أبي بكر من عمر وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله تعالى منها أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد رأيه ثم قال هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله تعالى
стр. 928
كتب إلي النمري قال قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ أخبرهم قال نا بكر بن حماد نا مسدد بن مسرهد نا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج حدثني سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا
هلك المتنطعون كتب إلي النمري حدثنا عبد الله بن محمد نا عبد الله بن محمد القاضي بالقلزم نا محمد بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله الرازي نا الحارث بن عبد الله بهمدان نا عثمان بن عبد الرحمن الوقاص عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
قال قال رسول الله ﷺ تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله ﷺ ثم يعملون بالرأي فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا كتب إلي النمري حدثنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين الآجري نا محمد بن الليث نا جبارة بن المغلس نا حماد بن يحيى الأبح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله ﷺ ثم تعمل بعد ذلك بالرأي فإذا أعملوا بالرأي ضلوا كتب إلي النمري أنا أبو زيد العطار نا علي بن محمد بن مسرور نا أحمد بن داود نا سحنون نا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر قال قال عمر بن الخطاب السنة ما سنه الله تعالى ورسوله ﷺ لا تجعلونه خطأ الرأي سنة للأمة
стр. 929
كتب إلي النمري حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي الباجي نا الحسن بن إسماعيل المهندس ثنا عبد الملك بن بحر نا محمد بن إسماعيل نا سنيد داود نا يحيى بن زكريا هو ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي قال أتى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فكتبوها ثم قالوا لو أخبرناه قال فأتوه فأخبروه فقال أغدرا لعل كل شيء حدثتكم خطأ إنما أجتهد لكم رأيي وبه نصا إلى سنيد نا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال قال لجابر بن زيد إنهم يكتبون ما يسمعون منك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبون رأيا أرجع عنه غدا حدثنا عبد الله بن ربيع نا ابن مفرج نا قاسم بن أصبغ نا بن وضاح نا ابن وهب عن الليث بن سعد قال إن ربيعة كتب إليه يقول أرى أن كل محبوسة منتظرة
زوجا في غيبة إن نفقتها لها ورب من يكون لو حمل ذلك عليه لكانت فيه هلكة دنياه وذمته فالمرأة ذات الزوج في نفقتها حتى يقع ميراثها ويتبين هلاك زوجها وإن قائلا ليأثر عن بعض الناس بالمدينة غير ذلك وهذا رأينا والسنة أملك بذلك
حدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم نا أحمد نا خالد نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار بندار نا يحيى بن سعيد القطان نا صالح بن مسلم أن عامرا الشعبي قال له في مسألة من النكاح سأله عنها في حديث إن أخبرتك برأيي فبل عليه كتب إلي النمري حدثنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين الأجري نا جعفر بن محمد الفريابي نا العباس بن الوليد بن مزيد أنا أبي سمعت الأوزاعي
стр. 930
يقول عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول قال الفريابي وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول سمعت حماد بن زيد يقول قيل لأيوب السختياني ما لك لا تنظر في الرأي فقال أيوب قيل للحمار ما لك لا تجتر فقال أكره مضغ الباطل كتب إلي النمري حدثنا عبد الوارث بن سفيان نا قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير نا الحوطي نا إسماعيل بن عياش عن سوادة بن زياد وعمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ وبه إلى قاسم حدثنا ابن وضاح نا يوسف بن عدي نا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال قال الربيع بن خيثم إياكم أن يقول الرجل لشيء إن الله حرم هذا أو نهى عنه فيقول الله كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه أو يقول إن الله تعالى أحل هذا وأمر به فيقول الله تعالى كذبت لم أحله ولم آمر به وكتب إلي النمري حدثنا محمد بن خليفة نا محمد بن الحسين الأجري نا أبو بكر بن أبي داود السجستاني نا أحمد بن سنان قال سمعت الشافعي يقول مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي قد عولج حتى برأ فأغفل ما يكون قد هاج
به وبه إلى ابن أبي داود السجستاني قال سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول لا تكاد ترى أحدا نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل كتب إلي النمري حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني نا يوسف بن
يعقوب النجيرمي بالبصرة أنا العباس بن الفضل سمعت سلمة بن
стр. 931
شبيب يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة الآثار كتب إلي النمري قال ذكر محمد بن حارث الخشني أنا أبو عبد الله محمد بن عثمان النحاس سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد بن الحداد يقول سمعت سحنون بن سعيد يقول ما أدري ما هذا الرأي سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق غير أنا رأيناه رجلا صالحا فقلدناه كتب إلي النمري أنا عبد الرحمن بن يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى أنه كان يأتي بن وهب فيقول له من أين فيقول له من عند ابن القاسم فيقول له اتق الله فإن أكثر هذه المسائل رأي قال أبو محمد فقد ثبت أن الصحابة ﵃ لم يفتوا برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه حق لكن على أنه ظن يستغفرون الله تعالى منه أو على سبيل صلح بين الخصمين فلا يحل لمسلم أن يحتج بشيء أتى عنهم على هذه السبيل وأما التابعون فقد ذكرنا منهم طرفا صالحا وحدثنا أيضا يونس بن عبد الله القاضي قال ثنا يحيى بن عائذ ثنا هشام بن محمد بن قرة عن أبي جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبو عقيل ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة أنه قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول للحسن بن أبي الحسن البصري وقد قصدته أنا والحسن فقال أبو سلمة للحسن بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفتي برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله ﷺ أو كتابا منزلا وبه إلى الطحاوي حدثنا سليمان بن شعيب ثنا خالد بن عبد الرحمن ثنا
стр. 932
مالك بن مغول عن الشعبي قال ما
جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ فخذوا به وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش حدثنا أحمد بن عمر ثنا أبو ذر ثنا زاهر بن أحمد نا زنجويه بن محمد ثنا محمد بن إسماعيل البخاري نا محمد بن محبوب نا عبد الواحد نا الزبرقان بن عبد
الله الأسدي أن أبا وائل شقيق بن سلمة قال له إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت قال أبو محمد وقد روينا عن الشعبي أنه قال قد ترك هؤلاء الأرأيتيون المسجد أبغض إلي من كناسة أهلي حدثنا عبد الرحمن بن سلمة صاحب لنا ثنا أحمد بن خليل نا خالد بن سعد أخبرني محمد بن عمر بن لبابة أخبرني أبان بن عيسى بن دينار وكان فاضلا عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب قال دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي قال أبان وكان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي وأحب الفتيا بما روي من الحديث فأعجلته المنية عن ذلك حدثنا المهلب ثنا بن مناس نا ابن مسرور نا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة قال سمعت عروة بن الزبير يقول ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم وبه إلى ابن وهب حدثني أبي لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال لم أسمع في هذا شيئا فقال له الرجل فأخبرني أصلحك الله برأيك قال لا ثم عاد عليه فقال إني أرضى برأيك فقال
стр. 933
له سالم إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأوى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن محمد القلعي ثنا أبو علي محمد بن أحمد الصواف عن بشر بن موسى الأسدي ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي قال قال سفيان بن عيينة ما زال أمر الناس معتدلا حتى غير ذلك أبو حنيفة بالكوفة والبتي بالبصرة وربيعة بالمدينة قال أبو محمد هؤلاء النفر غفر الله لنا ولهم أول من فتح باب الرأي وعول عليه واعترض بالقياس على حديث
رسول الله ﷺ وتلك زلة عالم ووهلة فاضل سمح الله للجميع بمنه آمين كتب إلى النمري يوسف بن عبد الله أنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن هو ابن الزيات ثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي البصري ثنا موسى بن
إسحاق نا إبراهيم بن المنذر نا معن بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس يقول أنا بشر أخطىء وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه أخبرني بعض أصحابنا محمد بن أبي نصر عن أبي عمر وعثمان بن أبي بكر حدثني أبو نعيم بأصبهان ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الكريم ثنا الحسن بن منصور ثنا الحنيني قال قال مالك بن أنس إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن وحدثني ابن أبي نصر نا عثمان بن أبي بكر نا أبو نعيم إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق قال سمعت عثمان بن صالح يقول جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له قال رسول الله ﷺ كذا فقال الرجل أرأيت فقال مالك ﴿لا تجعلوا دعآء لرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم لله لذين يتسللون منكم لواذا فليحذر لذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾
стр. 934
حدثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن خليل ثنا خالد بن رسول ثنا عبد الله بن يونس المرادي نا بقي بن مخلد نا سحنون والحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك أنه كان يكثر أن يقول ﴿وإذا قيل إن وعد لله حق ولساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما لساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ ويه إلى خالد قال سمعت محمد بن عمر لبابة يقول أخبرني أبو خالد مالك بن علي القرشي القطني الزاهد وكان فاضلا خيرا مجتهدا في العبادة قال أخبرني القعنبي قال دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت ثم جلست فرأيته يبكي فقلت يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك فقال لي يا ابن قعنب وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت
بها برأيي سوطا سوطا وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفت بالرأي أو كما قال
وبه إلى خالد حدثنا أحمد بن خالد أنا يحيى بن عمر أنا الحارث بن مسكين أنا ابن وهب قال قال لي مالك كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء قال أبو محمد أفيحل لأحد صح هذا عنده عن النبي ﷺ الذي عنه أخذنا ديننا ثم يفتي بعد ذلك بغير ما أتاه به الوحي ويستعمل الرأي والقياس معاذ الله من ذلك أخبرنا أحمد بن عمر ثنا أحمد بن محمد بن عيسى نا محمد بن غندر نا خلف بن قاسم نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو نا أبو مسهر نا سعيد بن عبد العزيز قال كان إذا سئل لا يجيب حتى يقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هذا رأيي والرأي يخطىء ويصيب قال أبو محمد ويقال لمن يقضي بالرأي في الدين فحلل به وحرم وأوجب
стр. 935
أخبرنا عنك في قولك بالرأي هذا حرام أو هذا واجب عمن تخبر بأنه حرم هذا أو أوجب هذا أعنك أم عن الله تعالى ورسوله ﷺ لله فإن كنت تخبر بذلك عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ كنت كاذبا عليهما لأنك تقول عنهما ما لم يقله الله تعالى ولا نبيه ﷺ وإن كنت تقول ذلك عن نفسك فقد صرت محللا ومحرما وشارعا وفي هذا ما فيه نعوذ بالله منه وأيضا فإنك تصير قاضيا على الباري تعالى ومتحكما عليه أن تلزم في دينه الذي لم يشرعه سواه أحكاما تشرعها أنت وفي هذا البرهان كفاية وبالله تعالى نتأيد حدثنا أحمد بن عمر بن أنس نا الحسين بن يعقوب نا سعيد بن فحلون نا يونس بن يحيى المفامي نا عبد الملك بن حبيب أخبرني بن الماجشون أنه قال قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة لأن الله تعالى يقول ﴿
حرمت عليكم لميتة ولدم ولحم لخنزير ومآ أهل لغير لله به ولمنخنقة ولموقوذة ولمتردية ولنطيحة ومآ أكل لسبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على لنصب وأن تستقسموا بلأزلام ذلكم فسق ليوم يئس لذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم وخشون ليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم لأسلام دينا فمن ضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن لله غفور رحيم﴾ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا وقد ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال علمنا هذا رأي فمن أتانا بخير منه قبلناه حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا إسماعيل بن إسحاق البصري نا خالد بن
سعد نا محمد بن إبراهيم بن حيون الحجاري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول الحديث الضعيف أحد إلينا من الرأي حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب رأي فتنزل به النازلة من يسأل فقال أبي يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي ضعيف الحديث أقوى من رأي أبي حنيفة قال أبو محمد صدق أحمد ﵀ لأن من أخذ بما بلغه عن رسول
стр. 936
الله ﷺ وهو لا يدري ضعفه فقد أجر يقينا على قصده إلى طاعة رسول الله ﷺ كما أمره الله تعالى وأما من أخذ برأي أبي حنيفة أو رأي مالك أو غيرهما فقد أخذ بما لم يأمره الله تعالى قط بالأخذ به وهذه معصية لا طاعة وقد تبرأ كل من ترى من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء من الرأي وندموا على ما قد قدموا منه وتبرؤوا ممن قلدهم في شيء منه فمن أضل ممن دان ربه تعالى برأي قد تمنى الذي رآه أن يضرب عن كل مسألة منه سوطا ولعلها أزيد من عشرة آلاف مسألة ومن أضل ممن دان ربه تعالى برأي من قال من أتانا بخير من رأينا قبلناه ولا شك عند كل ذي مسكة عقل من المسلمين أن كلام الله تعالى وكلام محمد ﷺ خير من رأي أبي حنيفة ومالك هذا مع ما قد أوردناه في هذا الباب من الأحاديث الصحاح عن رسول الله ﷺ في تحريم الفتيا بالرأي ومن البراهين القاطعة في ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل
الباب السادس والثلاثون في إبطال التقليد
قال أبو محمد علي علي بن أحمد علي اعتقاد المرء قولا من قولين فصاعدا ممن اختلف فيه أهل التمييز المتكلمون في أفانين العلوم فإنه لا يخلو في اعتقاده ذلك من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده ببرهان صح عنده أو يكون اعتقده بغير برهان صح عنده فإن كان اعتقده ببرهان صح عنده يخلو أيضا من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده ببرهان حق صحيح في ذاته وإما أن يكون اعتقده بشيء يظن أنه برهان وليس ببرهان لكنه شغب وتمويه موضوع وضعا غير مستقيم وقد بينا كل برهان حق صحيح في ذاته في كتابنا الموسوم بالتقريب وبينا في كتابنا هذا أن البرهان في الديانة
стр. 937
إنما هو نص القرآن أو نص كلام صحيح النقل مسند إلى النبي ﷺ أو نتائج مأخوذة من مقدمات صحاح من هذين الوجهين وأما القسم الثاني الذي هو شغب يظن أنه برهان وليس برهانا فمن أنواعه القياس والأخذ بالمرسل والمقطوع والبلاغ وما رواه الضعفاء والمنسوخ والمخصص وكل قضية فاسدة قدمت بالوجوه المموهة التي قد بيناها في كتاب التقريب وأما ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده فإنه لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون اعتقده لشيء استحسنه بهواه وفي هذا القسم يقع الرأي والاستحسان ودعوى الإلهام وإما أن يكون اعتقده لأن بعض من دون النبي ﷺ قال وهذا هو التقليد وهو مأخوذ من قلدت فلانا الأمر أي جعلته كالقلادة في عنقه وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم فقالوا نقلد بل نتبع قال أبو محمد ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم لأن الحرم إنما هو المعنى فليسموه بأي اسم شاؤوا فإنهم ما داموا آخذين بالقول لأن فلانا قاله دون النبي ﷺ فهم عاصون لله تعالى لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى باتباعه
ويكفي من بطلان التقليد أن يقال لمن قلد إنسانا بعينه ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدته بل قلد من هو بإقرارك أعلم منه وأفضل منه فإن قال بتقليد كل عالم كان قد جعل الدين هملا وأوجب الضدين معا في الفتيا هذا ما لا انفكاك منه لكن شغبوا وأطالوا فوجب تقصي شغبهم إذ كتابنا هذا كتاب تقص لا كتاب إيجاز وبالله تعالى نتأيد قال أبو محمد ونحن ذاكرون إن شاء الله ما موه به المتأخرون لنصر قولهم في التقليد ومبينون بطلان كل ذلك بحول الله وقوته ثم نذكر البراهين الضرورية الصحاح على إبطال التقليد جملة وبالله تعالى التوفيق
стр. 938
فمما شغبوا به أن قال بعضهم روي أن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر قال أبو محمد وهذا باطل لأن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وإنما وافقه كما يتوافق أهل الاستدلال فقط وما نعرف رواية أن ابن مسعود رجع إلى قول عمر إلا رواية ضعيفة لا تصح في مسألة واحدة وهي في مقاسمة الجد الأخوة مرة إلى الثلث ومرة إلى السدس ولعل نظائر هذه الرواية لو تقصيت لم تبلغ أربع مسائل وإنما جاء فيها أيضا أن ابن مسعود أنفذها بقول عمر لأن عمر كان الخليفة وابن مسعود أحد عماله فقط وأما اختلافهما فلو تقصي لبلغ أزيد من مائة مسألة وقد ذكرنا بعد هذا بنحو ورقتين سند الحديث المذكور من اتباع ابن مسعود عمر وبينا وهي تلك الرواية وسقوطها ومما حضرنا ذكره من خلاف ابن مسعود لعمل في أعظم قضاياه وأشهرها ما حدثناه محمد بن سعيد النباتي نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن زيد بن وهب قال انطلقت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود نسأله عن أم الولد وإذا هو يصلي ورجلان قد اكتنفاه عن يمينه وعن يساره فلما صلى سألاه الخطاب فقال لأحدهما من أقرأك قال أقرأنيها أبو عمرة أو أبو حكم المزني وقال الآخر أقرأنيها عمر بن الخطاب فبكى حتى بل الحصا بدموعه
وقال له اقرأ كما
أقرأك عمر فإنه كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه فلما أصيب عمر انثلم الحصن فخرج الناس من الإسلام قال سألته عن أم الولد فقال تعتق من نصيب ولدها
стр. 939
قال أبو محمد فهذا ابن مسعود بهذا السند العجيب الذي لا مغمز فيه بعد موت عمر على ما في نص هذا الحديث من ذكره موت عمر يخالفه في أمهات الأولاد فلا يراهن حرائر من رأس مال سادتهن ولكن من نصيب أولادهن كما تعتق على كل أحد أمه إذا ملكها ومع ذلك أن ابن مسعود إلى أن مات كان يطبق في الصلاة وعمر كان يضع اليدين على الركبتين وينهى عن التطبيق وكان ابن مسعود يضرب الأيدي لوضعها على الركب وابن مسعود يقول في الحرم هي يمين وعمر يقول هي طلقة واحدة وكان ابن مسعود يقول في رجل زنى بامرأة ثم تزوجها لا يزالان زانيين ما اجتمعا وعمر يأمر الزاني أن يتزوج التي زنى بها وابن مسعود يقول بيع الأمة طلاقها وعمر لا يرى بيعها طلاقا ويخالفه في قضايا كثيرة جدا والعجب كله ممن يحتج بالكذب من أن ابن مسعود كان يقلد عمر وهم لا يرون تقليد عمر ولا ابن مسعود في كل أقوالهما وإنما يقلدون من لم يقلده قط ابن مسعود ولا رآه كأبي حنيفة ومالك والشافعي وحسبك بمقدار من يحتج بمثل هذا في الغباوة والجهل وقوله مخالف لما احتج به وكيف يجوز أن يقلد ابن مسعود عمر وقد حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن علي حدثنا مسلم بن الحجاج نا إسحاق بن راهويه نا عبدة بن سليمان نا الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي عن عبد الله بن مسعود قال لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله ولو أعلم
стр. 940
أن أحدا أعلم به مني لرحلت إليه قال شقيق فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ فما سمعت أحدا يرد ذلك عليه ولا يعيبه وبه إلى مسلم نا أبو كريب نا يحيى بن آدم نا قطبة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد
الله بن مسعود قال والذي لا إله غيره ما من كتاب
الله تعالى سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لركبت إليه قال أبو محمد وكان ابن مسعود من الملازمة لرسول الله ﷺ بحيث قال أبو موسى الأشعري كنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم ولزومهم له وقال ابن مسعود البدري وقد قام عبد الله بن مسعود ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله تعالى من هذا القائم فقال أبو موسى لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا حججنا روينا هذا السند المذكور إلى مسلم قال حدثناه أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني نا يحيى بن آدم نا قطبة عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبي الأحوص أنه سمع أبا مسعود وأبا موسى يقولان ذلك قال أبو محمد فمن كانت هذه صفته وهو يخبر أنه ما من آية في القرآن إلا وهو يعلم فيما أنزلت أيجوز أن يظن به ذو عقل أنه يقلد أحدا من الناس
стр. 941
هذا محال ممتنع لا سبيل إليه وإنما يقلد من يجهل الحكم في النازلة فيأخذ بقول من يقدر أنه يعلمه وكيف يمكن أن يقلد ابن مسعود عمر وقد كان كما حدثنا محمد بن سعيد نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار بندار نا محمد بن عدي وأبو داود الطيالسي كلاهما عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن مسعود عن مسروق قال ما شهدت أصحاب النبي ﷺ إلا بالإخاذ فالإخاذة تكفي الواحد والاثنين والثلاثة والإخاذة تكفي الفئام من الناس وإني أتيت عبد الله بن مسعود وعمر وعثمان فوجدت عبد الله كفاني فلزمت عبد الله قال أبو محمد فقد بين مسروق أنه جربهم فوجد ابن مسعود لا يقصر عن عمر في العلم بل كلام مسروق يدل على تقدم ابن مسعود عنده على عمر في العلم ولذلك اكتفى به عنه وقد
ذكرنا في باب الإجماع من كتابنا هذا في باب من ادعى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة صفة منزلة ابن مسعود عند عمر في العلم في كتابه إلى أهل الكوفة
واحتج بعضهم بأن قال لا بد من التقليد لأنك تأتي الجزار فتقلده في أنه سمى الله وممكن أن يكون لم يسم وهكذا في كل شيء قال أبو محمد المحتج بهذا إما كان بمنزلة الحمير في الجهل وإما كان رقيق الدين لا يستحي ولا يتقي الله فيقال له إن كان ما ذكرت عندك تقليدا فقلد كل فاسق وكل قائل وقلد اليهود والنصارى فاتبع دينهم لأنا كذلك نبتاع اللحم منهم ونصدقهم أنهم سموا الله تعالى على ذبائحهم كما نبتاعه من المسلم الفاضل ولا فرق ولا فضل بين ابتياعه من زاهد عابد وبين
стр. 942
ابتياعه من يهودي فاسق ولا أثرة ولا فضيلة لذبيحة العالم الورع على ذبيحة الفاسق الفاجر فقلد كل قائل على ظهر الأرض وإن اختلفوا كما نأكل ذبيحة كل جزار من مؤمن أو ذمي فإن قال بذلك خرج عن الإسلام وكفى مؤونته ولزمه ضرورة ألا يقلد عالما بعينه دون من سواه كما أنه لا يقلد جزارا بعينه دون من سواه وإن أبى من ذلك فقد أبطل احتجاجه بتقليد الجزار وغيره وسقط تمويهه ولكن ليعلم الجاهل أن هذا الذي شغب به هذا المموه من تصديقنا الجزار والصانع وبائع سلعة بيده ليس تقليدا أصلا وإنما صدقناهم لأن النص أمر بتصديقهم وقد سأل أصحاب رسول الله ﷺ عن هذه بعينها فقالوا يا رسول الله إنه يأتي قوم حديثو عهد بالكفر بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها فقال ﷺ سموا الله أنتم وكلوا أو كما قال ﷺ وأمر تعالى بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم فإن أتونا في تقليد رجل بعينه بنص على إيجاب تقليده أو بإجماع على إيجاب تقليده صرنا إليه واتبعناهم ولم يكن ذلك تقليدا حينئد لأن البرهان كان يكون حينئذ قد قام على وجوب اتباعه واحتج بعضهم بأن قال روي عن عمر أنه قال إني لأستحي من الله أن
أخالف أبي بكر قال أبو محمد وهذا يبطل من خمسة أوجه أولها أن هذا حديث مكذوب محذوف لا يصح منفردا هذا اللفظ كما أوردوه وإنما جاء بلفظ إذا حقق فهو حجة عليهم وسنورده عند الفراغ بذكر حججهم ثم الابتداء بالاحتجاج عليهم في هذا الباب إن شاء الله تعالى
والثاني أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يجهله من له أقل علم
стр. 943
بالروايات فمن ذلك خلافه إياه في سبي أهل الردة سباهم أبو بكر وبلغ الخلاف عن عمر له أن نقض حكمه في ذلك وردهن حرائر إلى أهليهن إلا من ولدت لسيدها منهن ومن جملتهن كانت خولة الحنفية أم محمد بن علي وخالفه في قسمة الأرض المفتتحة فكان أبو بكر يرى قسمتها وكان عمر يرى إيقافها ولم يقسمها وخالفه في المفاضلة أيضا في العطاء فكان أبو بكر يرى التسوية وكان عمر يرى المفاضلة وفاضل ومن أقرب ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا سليمان بن الأشعث حدثنا محمد بن داود بن سفيان وسلمة بن شبيب قالا ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال قال عمر إني إن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف قال ابن عمر فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله ﷺ أحدا وأنه غير مستخلف قال أبو محمد فهذا نص خلاف عمر لأبي بكر فيما ظن أنه فعل النبي ﷺ وقد خالفه في فرض الجد وفي غير ذلك كثيرا بالأسانيد الصحاح المبطلة لقول من قال إنه كان لا يخالفه والثالث أن هذا لو صح كما أوردوه وموهوا به وهو لا يصح كذلك لكان غير موجب لتقليد مالك وأبي حنيفة ولا يتمثل في عقل ذي عقل
стр. 944
إن في تقليد عمر لأبي بكر ما يوجب تقليد أهل زماننا لمالك وأبي حنيفة فبطل تمويههم بما ذكروا والرابع أن المحتج بما ذكرنا عن عمر ينبغي أن يكون أوقح الناس وأقلهم حياء لأنه احتج بما يخالفه وانتصر
بما يبطله لأنه لا يستحي مما استحى منه عمر لأن المحتجين بهذا يخالفون أبا بكر وعمر في أكثر أقوالهم وقد ذكرنا خلاف المالكيين لما رووا في الموطأ عن أبي بكر وعمر فيما خلا من كتابنا فأغنى عن ترداده وبينا أنهم رووا عن أبي بكر ست قضايا خالفوه منها من خمس وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ فقط
فهلا استحيا هذا المحتج مما استحيا منه عمر ويلزمه أن يقلد أبا بكر وعمر وإلا فقد أقر على نفسه بترك الحق إذ ترك قول عمر وهو يحتج بقوله في إثبات التقليد والخامس أنه لو صح أن عمر قلد وقد أعاذه الله من ذلك لكان هو وسائر من خالفه من الصحابة وأبطلوا التقليد راجيا أن ترد أقوالهم إلى النص فلأيها شهد النص أخذ به والنص يشهد لقول من أبطل التقليد واحتجوا بما حدثناه محمد بن سعيد ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا بندار ثنا غندر ثنا شعبة عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي أن جندبا ذكر له قول في مسألة من الصلاة لابن مسعود فقال جندب إنه لرجل ما كنت لأدع قوله لقول أحد من الناس وبه إلى الشعبي عن مسروق قال كان ستة من أصحاب النبي ﷺ يفتون الناس ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة كان عبد الله يدع قوله لقول عمر وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب
стр. 945
قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه أحدها أن راوي هذين الخبرين جابر الجعفي وهو كذاب فسقط الاحتجاج به والثاني أنه كذب هذا الحديث الأخير بين ظاهر بما هو في الشهرة والصحة كالشمس وهو أن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده وخلاف أبي موسى لعلي كذلك ومن جملة خلافه إياه امتناعه من بيعته ومن حضور مشاهده وليس في الخلاف أعظم من هذا وكذلك خلاف زيد لأبي في القراءات والفرائض وغير ذلك أشهر من كل مشتهر فوضح كذب جابر في روايته هذه والثالث أنه لو صح كل هذا لكان عليهم لا لهم لأن الذين كان هؤلاء المذكورون يقلدون بزعمهم هم غير الذين يقلد هؤلاء المتأخرون اليوم فلا حجة لمن قلد مالكا وأبا حنيفة والشافعي فيمن قلد عمر وعليا وأبيا بل هو حجة عليهم لأنه إن كان تقليد هؤلاء حقا فتقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة باطل وإن كان تقليد من تقدم
باطلا
فتقليد من تأخر أبطل فمن المحال الباطل أن يقلد ابن مسعود عمر أو غيره مع ما حدثناه المهلب عن ابن مناس عن ابن مسرور عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب قال سمعت سليمان يحدث عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول اغد عالما أو متعلما ولا تغدون إمعة قال ابن وهب فذكر لي سفيان عن أبي الزعراء عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إنه الإمعة فيكم الذي يحقب دينه الرجال
стр. 946
واحتجوا أيضا بالأعمى يدل على القبلة وبالراكب في السفينة يدله الملاحون على القبلة وعلى الوقت قال أبو محمد وهذا لا حجة لهم فيه لأنه من باب قبول الخبر لا من باب قبول الفتيا في الدين بلا دليل ولا من باب تحريم أمر كان مباحا أو إيجاب فرض لم يكن واجبا أو إسقاط فرض قد وجب وهذا الذي ذكروا ليس تقليدا وإنما هو إخبار والناس مجمعون على قبول خبر الواحد في أشياء كثيرة منها الهدية وحال إدخال الزوج على الزوجة وقبول قول المرأة الذمية والمسلمة إنها طاهر فيستباح وطؤها بعد تحريمه بالحيض وغير ذلك فقبول الأعمى لخبر المخبر له عن الوقت والقبلة إذ وقع به تصديقه أمر قد قام الدليل على صحته بل أكثر هذه الأمور توجب العلم الضروري بالجبلة وبطل أن يكون ما ذكروا تقليدا واحتج بعضهم بقول الله تعالى ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا وتخذ لله إبراهيم خليلا﴾ قال أبو محمد وهذا من القحة ما هو لأن الشيء الذي يأمر به الله ليس تقليدا ولكنه برهان ضروري والتقليد إنما هو اتباع من لم يأمرنا باتباعه وإنما التقليد الذي نخالفهم فيه أخذ قول رجل ممن دون
стр. 947
النبي ﷺ لم يأمرنا ربنا باتباعه بلا دليل يصحح قوله لكن فلانا قاله فقط فهذا هو الذي يبطل ولكن من لا يتقي الله ممن قد بهره الحق وعجز عن نصره الباطل وأراد استدامة سوقه ولا يبالي إلى ما أداه ذلك أوقع على اعتقاد الحق الذي قد ثبت برهانه اسم
التقليد فسمى الانقياد لخبر الواحد تقليدا وسمى الإجماع تقليدا وسمى اتباع النبي ﷺ فيما أمر باتباعه من ملة إبراهيم ﵇ تقليدا
فإن أرادوا منا تصحيح هذه المعاني فهي صحاح لقيام النص بوجوبها وإن أرادوا أن يتطرقوا بذلك إلى تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة فذلك حرام وباطل وليس في اتباع ملة إبراهيم ما يوجب اتباع مالك وأبي حنيفة والشافعي لأنهم غير إبراهيم المأمور باتباعه ولم نؤمر قط باتباع هؤلاء المذكورين وإنما هذا بمنزلة من سمى الخنزير كبشا وسمى الكبش خنزيرا فليس ذلك مما يحل الخنزير ويحرم الكبش وكذلك إنما نحرم اتباع من دون النبي ﷺ بغير دليل ونوجب اتباع ما قام الدليل على وجوب اتباعه ولا نلتفت إلى من مزج الأسماء فسمى الحق تقليدا وسمى الباطل اتباعا وقد بينا قبل وبعد أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم فمن قبل اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها ولذلك دعونا في كتبنا إلى تمييز المعاني وتخصيصها بالأسماء المخلفة فإن وجدنا في اللغة اسما مشتركا حققنا المعاني التي تقع تحته وميزنا كل معنى منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني حتى يلوح البيان فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة والله تعالى يلبس على من على الناس وبالله تعالى التوفيق واحتجوا بما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا
стр. 948
قاسم بن أصبغ ثنا الخشني ثنا بندار ثنا غندر ثنا شعبة ثنا عمرو بن مرة عن حصين عن ابن أبي ليلى قال حدثنا أصحابنا أنهم كانوا إذا صلوا مع النبي ﷺ فدخل الرجل أشاروا إليه فقضى ما سبق به فكانوا من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله ﷺ حتى جاء معاذ فقال لا أراه على حال إلا كنت معه فقال رسول الله ﷺ إن معاذا قد سن لكم
سنة فكذلك فافعلوا
стр. 949
قال أبو محمد وهذا حديث كما ترى لم يذكر ابن أبي ليلى من حدثه به والضمير الذي في كانوا لا بيان فيه أنه راجع إلى المحدثين لابن أبي ليلى بل لعله راجع إلى الصحابة غير المحدثين لابن أبي ليلى ولا تؤخذ الحقائق بالشكوك وحتى لو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة لوجهين أحدهما أن الذين يقلدونهم غير معاذ فلو صح تقليد معاذ ما كان ذلك
إلا مبطلا لتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي والثاني أن فعل معاذ لم يصر سنة إلا حيث أمر به رسول الله ﷺ وحين أمر به لا بفعل معاذ ويكون حينئذ معنى أن معاذا سن سنة أي فعل فعلا جعله الله لكم سنة فإنما صار سنة حين أمر به ﵇ فقط مع أنه حديث مرسل لا يحتج به وقد روينا عن معاذ ما يبطل ظن الظان في هذا الحديث وما يبطل به التقليد وهو ما حدثنا محمد بن سعيد النباتي ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار بندار ثنا غندر ثنا شعبة قال أنبأني عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن سليمة يقول قال معاذ بن جبل يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال المنافق بالقرآن فسكتوا فقال معاذ أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم فإن المؤمن أو قال المسلم يفتتن ثم يتوب وأما القرآن فإن له منارا كمنار الطريق لا يخفى
стр. 950
على أحد فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدا وما لم تعلموا فكلوه إلى عالمه وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه قال أبو محمد رحم الله معاذا لقد صدع بالحق ونهى عن التقليد في كل شيء وأمر باتباع ظاهر القرآن وألا يبالي من خالف فيه وأمر بالتوقف فيما أشكل وهذا نص مذهبنا وبالله تعالى التوفيق ومن العجب احتجاجهم بهذا الخبر ولا يدري أحد لماذا فإن كانوا أرادوا بذلك تقليد معاذ وأنه كان يسن السنن فقد جاء عنه أنه كان يورث المسلم من الكافر فيقلدوه وإلا فقد لعبوا بدينهم وإن كانوا يحتجون به في إيجاب تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي فهذا حمق ما سمع بأظرف منه وأين تقليد معاذ من تقليد هؤلاء واحتج بعضهم بقوله تعالى ﴿محمد رسول لله ولذين معه أشدآء على لكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من لله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر لسجود ذلك مثلهم في لتوراة ومثلهم
في لإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فستغلظ فستوى على سوقه يعجب لزراع ليغيظ بهم لكفار وعد لله لذين آمنوا وعملوا لصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ وبقوله تعالى ﴿لقد رضي لله عن لمؤمنين إذ يبايعونك تحت لشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل لسكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ وبقوله تعالى ﴿لا يستوي لقاعدون من لمؤمنين غير أولي لضرر ولمجاهدون في سبيل لله بأموالهم وأنفسهم فضل لله لمجاهدين بأموالهم وأنفسهم على لقاعدين درجة وكلا وعد لله لحسنى وفضل لله لمجاهدين على لقاعدين أجرا عظيما﴾
وبقوله ﴿ولسابقون لأولون من لمهاجرين ولأنصار ولذين تبعوهم بإحسان رضي لله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها لأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك لفوز لعظيم﴾ فقالوا من أثنى الله تعالى عليه فقوله أبعد من الخطأ وأقرب من الصواب واحتجوا بقوله ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبما روي عنه ﷺ من الحديث الذي فيه اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وقالوا إن الصحابة ﵃ شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا وقال بعضهم قول الخلفاء من الصحابة حكم وحكمهم لا يجب أن ينقض واحتجوا بقوله تعالى ﴿يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي الأمر
следующие страницы →