← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 10437

مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ط دار الحديث

ابن الجوزي

Полный текст (465 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ ثَبَتَ وُجُوبُ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَالْحَجُّ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: الْقَصْدُ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: فَتْحُ الْحَاءِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الأَكْثَرِينَ، وَكَسْرُهَا، وَهِيَ: قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ النَّحْوِيُّونَ: مَنْ بَدَلٌ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ. وَالسَّبِيلُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ، وَتُذَكَّرُ السَّبِيلُ وَتُؤَنَّثُ، وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ، وَالْمُوسَى، وَالذِّرَاعُ، وَالشَّوْقُ، وَالْعَانِقُ، وَالْعُنُقُ، وَالْخَمْرُ، وَالسُّلْطَانُ، وَالْقَلْبُ فِي حُرُوفٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَعُثْمَانَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ سُئِلَ: مَا السَّبِيلُ؟ فَقَالَ: «مَنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ» . أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا الْقَطِيعِيُّ، أَنْبَانَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ

стр. 2

ابْنِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: " لا وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ

стр. 3

بَابُ بَيَانِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَجُّ الْحَجُّ يَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: شَرَائِطَ، وَأَرْكَانٍ، وَوَاجِبَاتٍ، وَمَسْنُونَاتٍ، وَهَيْئَاتٍ. فَأَمَّا الشَّرَائِطُ: فَقَدِ اشْتُرِطَ فِي مَحَلِّ الْوُجُوبِ وُجُودُ خَمْسَةِ شَرَائِطَ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالإِسْلامُ، وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ. وَأَمَّا شَرَائِطُ الأَدَاءِ عَلَى الْعُمُومِ فَثَلاثَةٌ: الْأَوَّلُ: تَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنْ لا يَكُونَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِمَّا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُمَكَّنَ الأَدَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْفِعْلِ وَالْمُسَافَرَةِ إِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَاشْتُرِطَ فِي حَقِّ الضَّرِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَائِدٌ يُلائِمُهُ. وَاشْتُرِطَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ: الْمَحْرَمُ، وَالْمَحْرَمُ الزَّوْجُ أَوْ مَنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْمُنَاسِبِينَ. وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَحْرَمِ، هَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ الأَدَاءِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْأَرْكَانُ فَفِيهَا ثَلاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالسَّعْيُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا ثَلاثَةٌ، وَالسَّعْيُ سُنَّةٌ إِذَا تَرَكَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ دَمٌ.

стр. 4

وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمَا رُكْنَانِ: الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ وَزَارَ الْبَيْتَ: عَلَيْهِ دَمٌ وَحَجَّتُهُ صَحِيحَةٌ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَسَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى فِي لَيَالِي مِنًى إِلا لأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرِّعَاءِ وَالرَّمْيِ وَالْحَلاقِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَسْنُونَاتُ فَهِيَ: الاغْتِسَالُ، وَصَلاةُ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ عَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي عَرَفَاتٍ مَا لَمْ يَكُنْ بَدَأَ بِالْوُقُوفِ نَهَارًا؛ لَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ وَبَيْنَ إِفْرَادِ اللَّيْلِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ. وَالتَّلْبِيَةُ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَاسْتِلامُ الرُّكْنَيْنِ، وَالتَّقْبِيلُ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ إِنْ كَانَ خَارِجًا إِلَى عَرَفَاتٍ وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى غَدَاةِ عَرَفَةَ، وَسَائِرُ الأَذْكَارِ فِي الْحَجِّ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْهَيْئَاتُ: فَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ لِلرِّجَالِ، وَالدُّخُولُ إِلَى مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَالاضْطِبَاعُ فِي الطَّوَافِ، وَالسَّعْيُ وَالإِسْرَاعُ فِي مَوْضِعِ الإِسْرَاعِ، وَالْمَشْيُ فِي مَوْضِعِ الْمَشْيِ، وَالْعُلُوُّ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُشَاهِدَ الْبَيْتَ، وَشِدَّةُ السَّعْيِ عِنْدَ تَحَسُّرِهِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ. فَصْلٌ فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً أَوْ هَيْئَةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَصْلٌ وَإِذَا تَكَامَلَتِ الشُّرُوطُ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَجَبَ الْبَدَاءُ إِلَى الْحَجِّ، وَهَذَا قَوْلُ: الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالدَّاوُدِيَّةِ، وَابْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي. وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ: هَلِ الأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَمْ لا؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَنَا أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ يُنْتَخَبُ مِنْهَا هَاهُنَا ثَلاثَةٌ:

стр. 5

أَحَدُهَا: مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] . وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى التَّرَاخِي لَمَا حَسُنَ الْبَدَاءُ إِلَيْهِ بِالْعِتَابِ. وَالثَّانِي: مِنَ النَّقْلِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَلَمْ يُجِبْ، فَعَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] . وَالَثَّالِثُ: مِنَ اللُّغَةِ، وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى الأَمْرِ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ أَصْلِ اللُّغَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: قُمْ، فَتَوَقَّفَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ لَوْمُهُ وَعِقَابُهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» . وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهُ. وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ نَبِيَّهُ حَتَّى يَحُجَّ، فَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الإِدْرَاكِ، وَهَذَا عُذْرٌ يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى نَقْلٍ وَلا يَجِدُونَ فِي ذَلِكَ نَقْلا، وَإِنَّمَا أَقَامُوا الاحْتِمَالَ مَقَامَ النَّقْلِ، فَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ مُرْتَضًى لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ خَمْسَةُ أَعْذَارٍ: أَحَدُهَا: الْفَقْرُ.

стр. 6

وَالثَّانِي: الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا كَانَ يُحْرَسُ إِلَى أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . وَالثَّالِثُ: الْخَوْفُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْجِهَادِ أَوْلَى. وَالْخَامِسُ: اسْتِيلاءُ الْكُفَّارِ عَلَى مَكَّةَ وَإِظْهَارُهُمُ الشِّرْكَ هُنَاكَ، وَمَا كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَوِيَ الإِسْلامُ وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَادَى أَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، حَجَّ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، فَتَأْخِيرُهُ ﵊ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ، فَلا تُؤَثِّرُ فِي الْأَمْرِ الصَّرِيحِ.

стр. 7

بَابُ ذَمِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَتَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَّا، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَمَّةَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَاذَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ، أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» أَخْبَرَنَا الْكَرْخِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَزْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ، قَالا: أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ، أَنْبَأَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، أَنْبَأَنَا التِّرْمِذِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]

стр. 8

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا بَكْرُ بْنُ قُتَيْبَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالا: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «مَنْ كَانَ ذَا مَيْسَرَةٍ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» . وَبِهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ رُومِيٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " رَجُلٌ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. وَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ "، وَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، فَقَالَ: مَاتَ عَاصِيًا لِلَّهِ "

стр. 9

بَابُ ذِكْرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بَعْدَ الْعَجْزِ، إِمَّا لِزَمَنٍ أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوَالُهُ، بِكِبَرٍ فِي السِّنِّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، وَتَقَعُ الْحَجَّةُ مُجَزِئَةً عَنْهُ وَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ الَّذِي كَانَ لا يُرْجَى زَوَالُهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَمَاتَ وَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَيَبْدَأُ بِالاسْتِخْلافِ مِنْ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْوُجُوبُ إِنْ كَانَ مِنْ دُوَيْرَتِهِ فَمِنْ هُنَاكَ، وَإِنْ كَانَ قَطَعَ بَعْضَ الْمَسَافَةِ فَمِنْ حَيْثُ انْتَهَى سَعْيُهُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَّهُ إِذَا حَجَّ النَّائِبُ عَنْ هَذَا الْمَعْذُورِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا، وَلا يَقَعُ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ إِلا ثَوَابُ النَّفَقَةِ. وَيَدُّلُ عَلَى مَذْهَبِنَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَحُجِّي عَنْهُ» .

стр. 10

بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] ، إِلَى قَوْلهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁: هِيَ منَافِعُ الْآخِرَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنَافِعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] : إِنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ، وَالْمَعْنَى أَصُدُّهُمْ عَنِ الْحَجِّ. أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُمَيٌّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَتَانِ، أَوِ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ يُكَفَّرُ مَا بَيْنَهُمَا» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سِيَاوُوشَ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، أَنْبَأَنَا الْعَبَاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ النَّقُورِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَرْدَكٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 11

عَمْرٍو، أَنْبَأَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، كِلاهُمَا عَنِ الْمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَاكِمُ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: أَنْبَأَنَا ابْنُ النَّقُورِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حُبَابَةَ، أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ، أَنْبَأَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، أَنْبَأَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ الْجَرِيرِيُّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ الْجَرِيرِيِّ، أَنْبَأَنَا مَاعِزٌ ﵁، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، ثُمَّ أُرْعِدَتْ فَخِذُ السَّائِلِ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عَمَلٌ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ إِلا كَمِثْلِهِ، حَجَّةٌ بَارَّةٌ، حَجَّةٌ بَارَّةٌ» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الزَّوْزَنِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ النَّسَّابِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ » ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ» ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

стр. 12

وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَكِنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ حَجٌّ مَبْرُورٌ» . وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ» . وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ قَالَ: أَنْ يَرْجِعَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا لِحَجٍّ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» . وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةَ مَا بَيْنَهُمَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالرِّزْقِ، وَتَنْفِي الذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ

стр. 13

الْحَدِيدِ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «دَعْوَةُ الْحَاجِّ لا تُرَدُّ حِينَ يَرْجِعُ» . وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ دُنْيَا وَآخِرَةً فَلْيَؤُمَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَا أَتَاهُ عَبْدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ دُنْيَا إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَلا آخِرَةً إِلا ادُّخِرَ لَهُ مِنْهَا وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ سَأَلُوا أُعْطُوا، وَإِنْ أَنْفَقُوا أُخْلِفَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ، مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ عَلَى شَرَفٍ إِلا أَهَلَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ بِتَهْلِيلِهِ وَتَكْبِيرِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ مُنْقَطَعَ التُّرَابِ» قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَهْمِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَاءَ هَذَا الْبَيْتَ حَاجًّا فَطَافَ بِهِ

стр. 14

أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْ مَائِهَا، أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ: «لَكَ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا رَاحِلَتُكَ حَسَنَةٌ، وَتُحَطُّ عَنْكَ بِهَا سَيِّئَةٌ، وَتُرْفَعُ لَكَ بِهَا دَرَجَةٌ» . أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ السَّمْنَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيَهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ تُضَاعَفُ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الدِّرْهَمُ بِسَبْعِ مِائَةٍ» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ النَّرْسِيِّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا زَيْدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَاجِبٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيُّ، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعُكَّاشِيُّ، أَنْبَأَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ مَكْحُولٍ، وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَبَا أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ ﵄، يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَرْبَعَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْغَازِي، وَالْمُتَزَوِّجُ، وَالْمُكَاتِبُ، وَالْحَاجُّ "

стр. 15

وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَإِذَا الصَّلاةُ تُجْهِدُ الْبَدَنَ دُونَ الْمَالِ، وَالصِّيَامُ كَذَلِكَ، وَالْحَجُّ يُجْهِدُهُمَا، فَرَأَيْتُهُ أَفْضَلَ. وَكَانَ أَبُو الشَّعْثَاءِ لا يُمَاكِسُ فِي الْكِرَاءِ إِلَى مَكَّةَ، وَلا فِي الرَّقَبَةِ يَشْتَرِيهَا لِلْعِتْقِ، وَلا فِي الْأُضْحِيَةِ، وَقَالَ: لا يُمَاكَسُ فِي شَيْءٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ . فَصْلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: تَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ الْقَلْبِ، وَتَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ، وَتَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، وَلَيْسَ فِي التَّكْلِيفِ قِسْمٌ رَابِعٌ. فَالصَّلاةُ وَالصَّوْمُ يَجْمَعَانِ سَبَبَيْنِ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، عَقْدُ الْقَلْبِ وَفِعْلُ الْبَدَنِ، وَالزَّكَاةُ تَجْمَعُ سَبَبَيْنِ، عَقْدُ الْقَلْبِ وَإِخْرَاجُ الْمَالِ، وَالْحَجُّ يَجْمَعُ الْأَرْكَانَ الثَّلاثَةَ، فَبَانَ فَضْلُهُ، ثُمَّ إنْهَاكُهُ لِلْبَدَنِ أَشَدُّ، وَإِجْهَادُهُ لِلْمَالِ أَكْثَرُ، وَيَجْمَعُ مُفَارَقَةَ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ، وَالْمَأْلُوفَاتِ وَاللَّذَّاتِ، وَلِقَاءَ الشَّدَائِدِ، وَهُوَ زِيَارَةُ الْحَقِّ ، ثُمَّ هُوَ حُضُورُ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُ فَضْلِهَا، وَيَتَضَمَّنُ الدُّخُولَ فِي جُمْلَةِ الْمُخْلِصِينَ، وَالاخْتِلاطَ بِالْأَبْدَالِ وَالصَّالِحِينَ، وَالانْغِمَاسَ فِي دُعَاءِ الْمَقْبُولِينَ. أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ الدَّيْنَوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤي، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلا، قَالَ: كُنْتُ فِي البَحْرِ

стр. 16

فَانْكَسَرَتِ الْمَرْكَبُ وَغَرِقَ كُلُّ مَا فِيهِ، وَكَانَ فِي وِطَائِي لُؤْلُؤٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ. وَقَرُبَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ وَخِفْتُ الْفَوَاتَ، فَلَمَّا سَلَّمَ اللَّهُ بِرُوحِي وَنَجَاتِي مِنَ الْغَرَقِ مَشَيْتُ، فَقَالَ لِي جَمَاعَةٌ كَانُوا فِي الْمَرْكَبِ: لَوْ وَقَفْتَ عَسَى يَجِيءُ مَنْ يُخْرِجُ شَيْئًا فَيُخْرِجُ لَكَ مِنْ رَحْلِكَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا مَرَّ مِنِّي، وَكَانَ فِي وِطَائِي شَيْءٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ، وَمَا كُنْتُ بِالَّذِي أُوثِرُهُ عَلَى وَقْفَةٍ بِعَرَفَةَ. فَقَالُوا: وَمَا الَّذِي وَرَّثَكَ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا رَجُلٌ مُولَعٌ بِالْحَجِّ، أَطْلُبُ الرِّبْحَ وَالثَّوَابَ، حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَعَطِشْتُ عَطَشًا شَدِيدًا، فَأَجْلَسْتُ عَدِيلِي فِي وَسَطِ الْمَحْمَلِ، وَنَزَلْتُ أَطْلُبُ الْمَاءَ وَالنَّاسُ عَطِشُوا، فَلَمْ أَزَلْ أَسْأَلُ رَجُلا رَجُلا وَمَحْمَلا مَحْمَلا: مَعَكُمْ مَاءٌ؟ وَإِذَا النَّاسُ شَرْعٌ وَاحِدٌ، حَتَّى صِرْتُ فِي سَاقَةِ الْقَافِلَةِ بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، فَمَرَرْتُ بِمَصْنَعٍ مُصَهْرَجٍ، فَإِذَا رَجُلٌ فَقِيرٌ جَالِسٌ فِي أَرْضِ الْمَصْنَعِ وَقَدْ غَرَزَ عَصَاهُ فِي أَرْضِ الْمَصْنَعِ، وَالْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ مَوْضِعِ الْعَصَا وَهُوَ يَشْرَبُ، فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ، وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ، وَجِئْتُ إِلَى الْقَافِلَةِ وَالنَّاسُ قَدْ نَزَلُوا، فَأَخْرَجْتُ قِرْبَةً وَمَضَيْتُ فَمَلَأْتُهَا، فَرَآنِيَ النَّاسُ، فَتَبَادَرُوا بِالْقِرَبِ، فَرَوَوْا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمَّا رَوِيَ النَّاسُ وَسَارَتِ الْقَافِلَةُ جِئْتُ لِأَنْظُرَ وَإِذَا الْبِرْكَةُ مَلْأَى يَلْتَطِمُ مَوَاجُهَا، فَمَوْسِمٌ يَحْضُرُهُ مِثْلُ هَؤُلاءِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حَضَرَ الْمَوْقِفَ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، أُوثِرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ؟ لا وَاللَّهِ وَلا الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، وَتَرَكَ اللُّؤْلُؤَ وَجَمِيعَ قُمَاشِهِ قَالَ الشَّيْخُ فَبَلَغَنِي أَنَّ قِيمَةَ مَا كَانَ غَرِقَ لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ

стр. 17

بَابُ سَبَبِ تَوَقَانِ النَّفْسِ إِلَى مَكَّةَ التَّائِقُونَ إِلَى مَكَّةَ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَنْ تَكُونُ وَطَنًا لَهُ فَيَخْرُجُ عَنْهَا فَيَتُوقُ إِلَى وَطَنِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَالثَّانِي: مَنْ يَذُوقُ فِي تَرَدُّدِهِ إِلَيْهَا حَلاوَةَ رِبْحِ الدُّنْيَا، فَذَاكَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَى رِبْحِهِ لا إِلَيْهَا، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا تَاقَ إِلَيْهَا. وَالثَّالِثُ: مَنْ يَكُونُ مَحْصُورًا فِي بَلَدِهِ فَيُحِبُّ النُّزْهَةَ وَالْفُرْجَةَ وَيَرَى مَا يَطْلُبُهُ فِي طَرِيقِهَا، فَيَنْسَى شِدَّةً يَلْقَاهَا لِلَّذَّةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَتُبَهْرِجُ نَفْسُهُ عَلَيْهِ: إِنِّي أُحِبُّ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ الرِّحْلَةَ. وَالرَّابِعُ: مَنْ تُبْطِنُ نَفْسُهُ الرِّيَاءَ وَتُخْفِيهِ عَنْهُ حَتَّى لا يَكَادَ يُحِسُّ بِهِ، وَذَلِكَ حُبُّهَا لِقَوْلِ النَّاسِ: قَدْ حَجَّ فُلانٌ، ولِتَلَقُّبِهِ وَتَسَمِّيهِ بِالْحَاجِّ، فَهُوَ يَتُوقُ إِلَى ذَلِكَ، وَتُبَهْرِجُ عَلَيْهِ بِحُبِّ الْحَجِّ، وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ الْغُرُورِ فَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ رَجُلا جَاءَهُ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ. قَالَ: كَمْ مَعَكَ؟ قَالَ: أَلْفَا دِرْهَمٍ. قَالَ: أَحَجَجْتَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى أَفْضَلَ مِنَ الْحَجِّ، اقْضِ دَيْنَ مَدِينٍ، فَرِّجْ عَنْ مَكْرُوبٍ. فَسَكَتَ. فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: مَا تَمِيلُ نَفْسِي إِلا إِلَى الْحَجِّ. فَقَالَ: إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَرْكَبَ وَتَجِيءَ، وَيُقَالَ: قَدْ حَجَّ. وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَنْ يَعْلَمُ فَضْلَ الْحَجِّ، فَيَتُوقُ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ ، لِأَنَّ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنَ يَزِيدُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ. وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: تَوَقَانٌ عَامٌّ، لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلا أَنَّ فِيهِ شَائِبَةً مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ، وَهُوَ أَنَّ أَقْوَامًا يَتُوقُونَ وَيَجِدُونَ قَلَقًا لا يَبْعَثُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْمَكَانُ مُسْتَلَذًّا فِي

стр. 18

نَفْسِهِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الْقَلَقَ، فَهَذَا السِّرُّ الْغَامِضُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ. وَلِهَذَا التَّوَقَانِ ثَلاثَةُ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: دُعَاءُ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، حِينَ قَالَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَحِنُّ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَأَرَادَ حُبَّ سُكْنَى مَكَّةَ، وَلَوْ قَالَ: اجْعَلْ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ؛ لَحَجَّهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، لَكِنَّهُ قَالَ: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . وَالثَّانِي: أَنَهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَتَحِنُّ الْقُلُوبُ إِلَيْهَا» . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تُنْسَخُ فِيهَا الْآجَالُ، وَيُكْتَبُ فِيهَا الْحَاجُّ» . وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ بِأَرْضِ نَعْمَانَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ، يَعْنِي: عَرَفَةَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قَبْلا، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى ". وَهَذَا الْحَدِيثُ

стр. 19

يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ أَوَّلُ وَطَنٍ، وَالنَّفْسُ أَبَدًا تُنَازِعُ إِلَى الْوَطَنِ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ لا تَتَخَايَلُهُ النَّفْسُ، فَكَيْفَ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ؟ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ كَانَتْ فِي أَحْوَالٍ وَتَقَلُّبٍ فَنَسِيَتْ، كَمَا أَنَّ الَإِنْسَانَ قَدْ يَمِيلُ إِلَى شَخْصٍ وَلا يَدْرِي، ثُمَّ يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا تَشَاكُلٌ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَمُنَاسَبَةٌ، ثُمَّ لَيْسَ نِسْيَانُ النَّفْسِ لِذَلِكَ الْعَهْدِ بِأَعْجَبَ مِنْ نِسْيَانِهَا لِلْعَهْدِ، وَالْأَوْطَانُ أَبَدًا مَحْبُوبَةٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَذَكَّرَ مَكَّةَ فِي طَرِيقِهِ، فَاشْتَاقَ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: " أَتَشْتَاقُ إِلَى بَلَدِكَ وَمَوْلِدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] ". أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا يُونُسُ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ فَمَرِضَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى، يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ قَالَتْ: وَكَانَ بِلالٌ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى، يَقُولُ: أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ؟ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟ اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ مَكَّةَ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لَقُوا، قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ» . قَالَتْ: فَكَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ بِالْجُحْفَةِ فَمَا يَبْلُغُ الْحُلُمَ حَتَّى تَصْرَعَهُ

стр. 20

الْحُمَّى. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي الصَّقْرِ، أَنْبَأَنَا مَكِّيُّ بْنُ أَبِي نَظِيفٍ، أَنْبَأَنَا طَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ زَيْدٍ، أَنْبَأَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، أَنَّ أُصَيْلا الْهُذَلِيَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: «يَا أُصَيْلُ، كَيْفَ تَرَكْتَ مَكَّةَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: تَرَكْتُهَا وَقَدِ ابْيَضَّتْ بَطْحَاؤُهَا وَاخْضَرَّتْ مِسَلاتُهَا، يَعْنِي: شِعَابَهَا، وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا، وَالْإِمْشَارُ: ثَمَرٌ لَهُ حُمْرَةٌ، وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا، وَالْإِعْذَاقُ: اجْتِمَاعُ أُصُولِهِ، وَأَحْجَنَ ثُمَامُهَا، وَالْإِحْجَانُ: تَعَقُّفُهُ. فَقَالَ: «يَا أُصَيْلُ! دَعِ الْقُلُوبَ تَقِرُّ، لا تُشَوِّقْهُمْ إِلَى مَكَّةَ» وَمِمَّا يُؤَكِّدُ دَلِيلَ حُبِّ الْوَطَنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] . فَسَوَّى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْأَوْطَانِ. وَأَوْصَى الْإِسْكَنْدَرُ إِذَا مَاتَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى بَلَدِهِ حُبًّا لِوَطَنِهِ.

стр. 21

وَاعْتَلَّ اسْفِنْدِيَارْدُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَشْتَهِي؟ فَقَالَ: شَمَّةً مِنْ تُرْبَةِ بَلْخٍ، وَشَرْبَةً مِنْ مَاءِ وَادِيهَا. وَاعْتَلَّ سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ بِالرُّومِ، وَكَانَ مَأْسُورًا بِهَا، وَكَانَتْ بِنْتُ مَلِكِهِمْ قَدْ عَشِقَتْهُ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا تَشْتَهِي؟ فَقَالَ: شَرْبَةً مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ، وَشَمِيمًا مِنْ تُرَابِ إِصْطَخَرَ، فَغَابَتْ عَنْهُ أَيَّامًا ثُمَّ أَتَتْهُ بِمَاءٍ مِنَ الْفُرَاتِ، وَقَبْضَةٍ مِنْ شَاطِئِهِ، وَقَالَتْ: هَذَا مِنْ دِجْلَةَ وَهَذِهِ تُرْبَةُ أَرْضِكَ، فَشَرِبَ بِالْوَهَمِ، وَاشْتَمَّ مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ، فَنَقِهَ مِنْ عِلَّتِهِ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا سَافَرَتْ حَمَلَتْ مَعَهَا مِنْ تُرْبَةِ بَلَدِهَا تَسْتَشْفِي بِهِ عِنْدَ مَرَضٍ يَعْرِضُ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضُبَيَّةَ: نَسِيرُ عَلَى عِلْمٍ بِكُنْهِ مَسِيرِنَا ... وَعِدَّةِ زَادٍ فِي بَقَايَا الْمَزَاوِدِ ونَحْمِلُ فِي الأَسْفَارِ مِنَّا قُبَيْضَةً ... مِنَ الْبَلَدِ النَائِي لِحُبِّ الْمَوَالِدِ ولَمَّا حُمِلَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فَكَرِهَتْ فِرَاقَ أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لِأَخِيهَا ضَبٍّ: أَلَسْتَ تَرَى بِاللَّهِ يَا ضَبُّ أَنَّنِي ... مُوَافِقَةٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ أَرْكَبَا

стр. 22

أَمَا كَانَ فِي أَوْلادِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ... لَكَ الْوَيْلُ مَا يُغْنِي الْخِبَاءَ الْمُحْجِبَا أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ تَمُوتِي غَرِيبَةً ... بِيَثْرِبَ لا تَلْقَيْنَ أُمًّا وَلا أَبَا وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ: أَرْضُ الرَّجُلِ ظِئْرُهُ، وَدَارُهُ مَهْدُهُ، وَالْغَرِيبُ كَالْفَرَسِ الَّذِي زَايَلَ أَرْضَهُ، فَهُوَ ذَاوٍ لا يَنْمَى، وَذَابِلٌ لا يَنْضُرُ. وَفِطْرَةُ الرَّجُلِ مَعْجُونَةٌ بِحُبِّ الْوَطَنِ، ثُمَّ إِنَّ الْإِبِلَ تَحِنُّ إِلَى أَوْطَانِهَا، وَالطَّيْرُ إِلَى أَوْكَارِهَا. وَكَانَ بَعْضُ الْمُلُوكِ قَدِ انْتَقَلَ عَنْ وَطَنِهِ، فَنَزَلَ دِيَارًا أَعْمَرَ مِنْ دِيَارِهِ وَأَخْصَبَ، وَدَانَتْ لَهُ الْمَمَالِكُ، ثُمَّ كَانَ إِذَا ذَكَرَ الْوَطَنَ يَحِنُّ حَنِينَ الْإِبِلِ إِلَى الْأَوْطَانِ. وَأَنْشَدُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى: مَا مِنْ غَرِيبٍ وَإِنْ أَبْدَى تَجَلُّدَهُ ... إِلا تَذَكَّرَ بَعْدَ الْغُرْبَةِ الْوَطَنَا وَمَا يَزَالُ حَمَامٌ بِاللِّوَا ... غَرِدٌ يُهَيِّجُ مِنِّي فُؤَادًا طَالَمَا سَكَنَا وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، فَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِذَا مَا ذَكَرْتُ النَّفَرَ فَاضَتْ مَدَامِعِي ... وَأَضْحَى فُؤَادِي نَهْبَةً لِلْهَمَاهِمْ حَنِينًا إِلَى أَرْضٍ بِهَا اخْضَرَّ شَارِبِي ... وَحُلَّتْ بِهَا عَنِّي عُقُودُ التَّمَائِمِ وَقَالَ آخَرُ: يَقَرُّ بِعَيْنَيَّ أَنْ أَرَى فِي مَكَانَةٍ ... ذَرَى عَطَفَاتِ الْآرِجِ الْمُتَعَاوِدِ وَأَنْ أَرِدَ الْمَاءَ الَّذِي عَنْ شِمَالِهِ ... طَرُوقًا إِذَا مَلَّ السُّرَى كُلُّ وَاحِدٍ وَأُلْصِقُ أَحْشَائِي بِبُرْدِ تُرَابِهِ ... وَإِنْ كَانَ مَمْزُوجًا بِسُمِّ الْأَسَاوِدِ وَأَنْشَدَ أَبُو النَّصْرِ الْأَسَدِيُّ: أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ مَا بَيْنَ صَارَةَ ... إِلَى قِفْوَانَ أَنْ يَسِحَّ سَحَابُهَا بِلادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِي ... وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا

стр. 23

وَقَالَ الطَّائِيُّ: كَمْ مَنْزَلٍ فِي الْأَرضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى ... وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى ... مَا الْحُبُّ إِلا لِلْحَبِيبِ الَأَوَّلِ وَقَالَ آخَرٌ: أَقُولُ لِصَاحِبِي وَالْعِيسُ تَحْدُو ... بِنَا بَيْنَ الْمَنِيفَةِ فَالضِّمَارِ تَزَوَّدْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ ... وَرِيَّا رَوْضِهِ غِبَّ الْقِطَارِ وَعَيْشُكَ إِذَ يَحِلُّ الْقَوْمُ نَجْدًا ... وَأَنْتَ عَلَى زَمَانِكَ غَيْرُ زَارِي شُهُورٌ انْقَضَيْنَ وَمَا شَعُرْنَا ... بِإِنْصَافٍ لَهُنَّ وَلا سِرَارِ وَالْعَرَارُ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ. وَالْقِطَارُ: مِنَ الْقَطْرُ، وَهُوَ الْمَطَرُ. وَالزَّارِي: الْغَائِبُ. وَفِي السِّرَارِ لُغَتَانِ: يُقَالُ: هُوَ سِرَارُ الشَّهْرِ وَسِرَارُهُ، وَالسِّرَارُ: الْلَيْلَةُ الَّتِي يُسْتَسَرُّ فِيهَا الْقَمَرُ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَلا يُرَى وَرُبَّمَا اسْتَسَرَّ لَيْلَتَيْنِ. وَلابْنِ الرُّومِيِّ: وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إلَيْهِمْ ... مَآرِبُ قَضَاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَّرَتْهُمْ ... عُهُودُ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا وَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ غُمُوضٌ يَحْتَاجُ إِلَى ذِي ذَوْقٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِ مَا يَكْشِفُهُ فِي أَوَّلِهِ، وَأَعْلَمْتُ أَنَّ لِلنَّفْسِ عِلْمًا قَدْ تَنَاسَتْهُ، فَهِيَ تَنْزِعُ بِالطَّبْعِ إِلَى حُبِّ الْوَطَنِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ أَنَّهُ كَانَ، وَيَقْوَى شَوْقُهَا إِلَيْهِ بِقَدْرٍ حَظِّهَا الْأَوَّلِ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ زَادَ شَوْقُ الْقَوِيِّ الْإِيمَانِ عَلَى مَنْ ضَعُفَ إِيمَانُهُ، فَكَأَنَّ الْإِيمَانَ ذَكَّرَهُ مَا هُنَاكَ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: لا يَذْكُرُ الرَّمْلَ إِلا حِنٌّ مُغْتِرِبٌ ... لَهُ بِذِي الرَّمْلِ أَوْطَارٌ وَأَوْطَانُ تَهْفُو إِلَى الْبَانِ مِنْ قَلْبِي نَوَازِعُهُ ... وَمَا بِيَ الْبَانُ بَلْ مَنْ دَارُهُ الْبَانُ أَسُدُّ سَمْعِيَ إِذَا غَنَّى الْحَمَامُ بِهِ ... أَنْ لا يُهَيِّجَ سِرَّ الْوَجْدِ إِعْلانُ وَرُبَّ دَارٍ أَوَّلِيهَا مُجَانَبَةٍ ... وَلِي إِلَى الدَّارِ إِطْرَابٌ وَأَشْجَانُ إِذَا تَلَفَّتُّ فِي أَطْلالِهَا ابْتَدَرَتْ ... لِلْقَلْبِ وَالْعَيْنِ أَمْوَاهٌ وَنِيرَانُ

стр. 24

وَقَالَ أَيْضًا: وَأَسْتَشْرِفُ الْأَعْلامَ حَتَّى يَدُلَّنِي ... عَلَى طِيبِهَا مُرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ وَمَا أَنْسُمُ الْأَرْوَاحَ إِلا لِأَنَّهَا ... تَمُرُّ عَلَى تِلْكَ الرُّبَى وَالْمَعَالِمِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَالَ ذُو النُّونِ، وَقَدْ سُئِلَ: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؟ فَقَالَ: كَأَنَّهُ الْآنَ فِي أُذُنِي.

стр. 25

بَابُ التَّهَيُّؤِ لِلْحَجِّ يَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَظَالِمِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَيَنْزِعَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ، لِيَسْتَقْبِلَ الزِّيَارَةَ نَظِيفًا عَنْ قَاذُورَاتِ الْخَطَايَا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْبَرْمَكِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَنْبَانَا أَبُو ذَرٍّ البَصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهَبٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَدُّ دَانِقٍ مِنْ حَرَامٍ يَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ سَبْعِينَ حَجَّةً» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُفِيدُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ الدُّولابِيُّ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بُنِ السَّكَنِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارَثِ، أَنْبَأَنَا دُجَيْنُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا حَجَّ الرَّجُلُ بِمَالٍ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ

стр. 26

اللَّهُ : لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْكَ " أَخْبَرَنَا عَالِيًا ظَفَرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُطِيعٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا دُجَيْنُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنْبَأَنَا أَسْلَمُ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ اللَّهُ : لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ، وَحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ " فَصْلٌ وَيُصَلِّي صَلاةَ الاسْتِخَارَةِ أَخْبَرَنَا بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخْيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ، وَتُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ، خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ ثُمَّ بَارِكَ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرًّا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ ".

стр. 27

انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ. وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَحِّحَ قَصْدَهُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ أَرَادَ التِّجَارَةَ فَلْيَكُنْ ضِمْنًا وَتَبَعًا، وَلا تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَكْبَرَ فَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ السَّرْخَسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، أَنْبَأَنَا مُغِيثُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَعْفَرٍ يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَحُجُّ أَغْنِيَاءُ أُمَّتِي لِلنُّزْهَةِ، وَأَوْسَاطُهُمْ لِلتِّجَارَةِ، وَقُرَّاؤُهُمْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَفُقَرَاؤُهُمْ لِلمَسْأَلَةِ» فَصْلٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْوَدَائِعِ، وَأَنْ يَلْتَمِسَ رَفِيقًا صَالِحًا، فَإِنَّ الرَّفِيقَ الصَّالِحَ تُفِيدُ رُؤْيَتُهُ وَتَعُودُ بَرَكَتُهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنْبَأنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيطِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ دُوَسْتَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ صَفْوَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي مُخَوَّلٌ، قَالَ: جَاءَنِي بَهِيمٌ، يَعْنِي:

стр. 28

الْعِجْلِيَّ، فَقَالَ لِي: أَتَعْلَمُ لِي رَجُلا مِنْ جِيرَانِكَ أَوْ إِخْوَانِكَ يُرِيدُ الْحَجَّ تَرْضَاهُ وَيُرَافِقُنِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْحَيِّ لَهُ صَلاحٌ وَدِينٌ فَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا، وَتَوَاطَآ عَلَى الْمُرَافَقَةِ. ثُمَّ انْطَلَقَ بَهِيمٌ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ أَتَانِيَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا هَذَا أُحِبُّ أَنْ تَزْوِيَ عَنِّي صَاحِبَكَ وَتَطْلُبَ رَفِيقًا غَيْرِي. فَقُلْتُ: لِمَ؟ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ بِالْكُوفَةِ لَهُ نَظِيرًا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ وَالاحْتِمَالِ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! حُدِّثْتُ أَنَّهُ طَوِيلُ الْبُكَاءِ لا يَكَادُ يَفْتُرُ، فَهَذَا يُنَغِّصُ عَلَيْنَا الْعَيْشَ. فَقُلْتُ: وَيْحَكَ! إِنَّمَا يَكُونُ الْبُكَاءُ أَحْيَانًا عِنْدَ التَّذْكِرَةِ، أَوَ مَا تَبْكِي أَنْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ كَثْرَةِ بُكَائِهِ، قُلْتُ: اصْحَبْهُ فَلَعَلَّكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِهِ. فَقَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ. فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَا فِيهِ جِيءَ بِالْإِبِلِ وَوُطِّئَ لَهُمَا، فَجَلَسَ بَهِيمٌ فِي ظِلِّ حَائِطٍ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ لِحْيَتِهِ وَجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ عَلَى صَدْرِهِ، حَتَّى وَاللَّهِ رَأَيْتُ دُمُوعَهُ عَلَى الْأَرْضِ. فَقَالَ لِي: يَا مُخَوَّلُ، قَدِ ابْتَدَأَ صَاحِبُكَ، لَيْسَ هَذَا لِي بِرَفِيقٍ. فَقُلْتُ: ارْفُقْ، لَعَلَّهُ ذَكَرَ عِيَالَهُ وَمُفَارَقَتَهُ إِيَّاهُمْ. وَسَمِعَهَا بَهِيمٌ، فَقَالَ: يَا أَخِي وَاللَّهِ مَا هُوَ ذَاكَ وَمَا هُوَ إِلا أَنِّي ذَكَرْتُ بِهَا الرِّحْلَةَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَعَلا صَوْتُهُ بِالنَّحِيبِ. فَقَالَ لِي صَاحِبِي: مَا هِيَ بِأَوَّلِ عَدَاوَتِكَ لِي، مَالِي وَلِبَهِيمٍ؟ إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُرَافِقَ بَيْنَ بَهِيمٍ وَبَيْنَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ وَسَلامٍ أَبِي الْأَحْوَصِ؛ حَتَّى يَبْكِيَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَيُشْفَوْنَ أَوْ يَمُوتُونَ. فَلَمْ أَزَلْ أَرْفُقُ بِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! لَعَلَّهَا خَيْرُ سَفْرَةٍ سَافَرْتَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُ بِهِ بَهِيمٌ، وَلَوْ عَلِمَ مَا صَاحَبَهُ. فَخَرَجَا وَحَجَّا وَرَجَعَا، فَلَمَّا جِئْتُ أُسَلِّمُ عَلَى جَارِي، قَالَ لِي: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَخِي عَنِّي خَيْرًا، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي الْخَلْقِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ، كَانَ وَاللَّهِ يَتَفَضَّلُ عَلَيَّ فِي النَّفَقَةِ وَهُوَ مَعْدُومٌ وَأَنَا مُوسِرٌ، وَفِي الْخِدْمَةِ وَأَنَا شَابٌّ وَهُوَ شَيْخٌ،

стр. 29

وَيَطْبَخُ لِي وَأَنَا مُفْطِرٌ وَهُوَ صَائِمٌ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُكَ مَعَهُ فِي الَّذِي كُنْتَ تَكْرَهُهُ مِنْ طُولِ بُكَائِهِ؟ قَالَ: أَلِفْتُ وَاللَّهِ ذَلِكَ الْبُكَاءَ، وَسُرَّ قَلْبِي حَتَّى كُنْتُ أُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَأَذَّى بِنَا الرُّفُقَةُ ثُمَّ أَلِفُوا ذَلِكَ، فَجَعَلُوا إِذَا سَمِعُونَا نَبْكِي يَبْكُونَ، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: مَا الَّذِي جَعَلَهُمْ أَوْلَى بِالْبُكَاءِ مِنَّا وَالْمَصِيرُ وَاحِدٌ؟ فَيَبْكُونَ وَنَبْكِي. ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَيْتُ بَهِيمًا وَقُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَ صَاحِبَكَ؟ قَالَ: كَخَيْرِ صَاحِبٍ، كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، طَوِيلَ التِّلاوَةِ، سَرِيعَ الدَّمْعَةِ، جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا

стр. 30

بَابُ الْإِفْضَالِ عَلَى الْإِخْوَانِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّفَرِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: «صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْدِمَهُ فَكَانَ يَخْدِمُنِي أَكْثَرَ» أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ إِذَا كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ إِخْوَانُهُ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، فَيَقُولُونَ: نَصْحَبُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَيَقُولُ لَهُمْ: هَاتُوا نَفَقَاتِكُمْ، فَيَأْخُذُ نَفَقَاتِهِمْ فَيَجْعَلُهَا فِي صُنْدُوقٍ، وَيَقْفِلُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَكْتَرِي لَهُمْ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ مَرْوَ إِلَى بَغْدَادَ، فَلا يَزَالُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَيُطْعِمُهُمْ أَطْيَبَ الطَّعَامِ وَأَطْيَبَ الْحَلْوَاءِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْ بَغْدَادَ بِأَحْسَنِ زِيٍّ وَأَكْمَلِ مُرُوءَةٍ، حَتَّى يَصِلُوا إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَإِذَا صَارُوا إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، قَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: مَا أَمَرَكَ عِيَالُكَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طُرَفِهَا؟ فَيَقُولُ: كَذَا، فَيَشْتَرِي لَهُمْ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَقَضَوْا حَجَّهُمْ، قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مَا أَمَرَكَ عِيَالُكَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ؟ فَيَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَيَشْتَرِي لَهُمْ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ مَكَّةَ. فَلا

стр. 31

يَزَالُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا إِلَى مَرْوَ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى مَرْوَ جصَصَّ أَبْوَابَهُمْ وَدُورَهُمْ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ صَنَعَ لَهُمْ وَلِيمَةً وَكَسَاهُمْ، فَإِذَا أَكَلُوا وَشَرِبُوا، دَعَا بِالصُّنْدُوقِ فَفَتَحَهُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ صُرَّتَهُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا اسْمَهُ. قَالَ أَبِي: أَخْبَرَنِي خَادِمُهُ أَنَّهُ عَمِلَ فِي آخِرِ سَفْرَةٍ سَافَرَهَا دَعْوَةً، فَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ خِوَانَ فَالَوْذَجٍ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ لِلفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: لَوْلاكَ وَأَصْحَابُكَ مَا اتَّجَرْتُ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ

стр. 32

بَابُ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِهِ إِذَا أَرَادَ الْحَاجُّ الْخُرُوجَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي، وَمَالِي وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، وَالْمَالِ، وَالْوَلَدِ. فَصْلٌ فَإِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلْيَقُلْ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الْحُصَيْنُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَن ّالنَّبِيَّ ﷺ : " كَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، يَعْنِي: لِلسَّفَرِ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣-١٤] ". ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِي هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، وَاطْوِ لَنَا الْبُعْدَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا» . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ فَصْلٌ فَإِذَا وَدَّعَهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.

стр. 33

بَابُ انْزِعَاجِ مُوَدِّعِي الْحَاجِّ شَوْقًا إِلَى الْحَجِّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَرْدَسْتَانِيُّ، أَنْبَأَنَا السُّلَمِيُّ، قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجَتْ أُمُّ الْيَمَنِ بِنْتُ عَلِيٍّ امْرَأَةُ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ وَقْتَ خُرُوجِ الْحَاجِّ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَالْجِمَالُ تَمُرُّ بِهَا وَهِيَ تَبْكِي، وَتَقُولُ: وَاضَعْفَاهُ، وَتُنْشِدُ عَلَى أَثَرِ قَوْلِهَا: فَقَلْتُ دَعُونِي وَاتِّبَاعِي رِكَابَكُمْ ... أَكُنْ طَوْعَ أَيْدِيكُمْ كَمَا يَفْعَلُ الْعَبْدُ وَمَا بَالُ رَغْمِي لا يَهُونُ عَلَيْهِمُ ... وَقَدْ عَلِمُوا أَنْ لَيْسَ لِي مِنْهُمُ بُدُّ وَتَقُولُ: هَذِهِ حَسْرَةُ مَنِ انْقَطَعَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، فَكَيْفَ تَكُونُ حَسْرَةُ مَنِ انْقَطَعَ عَنْ رَبِّ الْبَيْتِ؟ وَقَالَ الرَّضِيُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: أَيُّهَا الرَّائِحُ الْمُغَذُّ تَحَمَّلْ ... حَاجَةً لِلْمُعَذَّبِ الْمُشْتَاقِ أَقْرِئْ عَنِّي السَّلامَ أَهْلَ الْمُصَلَّى ... فَبَلاغُ السَّلامِ بَعْضُ التَّلاقِ

стр. 34

وَإِذَا مَا مَرَرْتَ بِالْخَيْفِ فَاشْهَدْ ... أَنَّ قَلْبِي إِلَيْهِ بِالْأَشْوَاقِ وَإِذَا مَا سُئِلْتَ عَنِّي فَقُلْ ... نِضْوُ هَوًى مَا أَظُنُّهُ الْيَوْمَ بَاقِ ضَاعَ قَلْبِي فَانْشُدْهُ لِي بَيْنَ جَمْعٍ ... وَمِنًى عِنْدَ بَعْضِ تِلْكَ الْحِدَاقِ وَابْكِ عَنِّي فَإِنَّنِي كُنْتُ مِنْ ... قَبْلُ أُعِيرُ الدُّمُوعَ لِلْعُشَّاقِ وَلَهُ: أَلا هَلْ إِلَى ظِلِّ الْأَثِيلِ تَخَلُّصٌ ... وَهَلْ لِثَنِيَّاتِ الْغُوَيْرِ طُلُوعُ وَهَلْ لِلَيَالِينَا الطِّوَالِ تَصَرُّمٌ ... وَهَلْ لِلَيَالِينَا الْقِصَارِ رُجُوعُ وَلَهُ: حَيِّ بَيْنَ النَّقَا وَبَيْنَ الْمُصَلَّى ... وَقَفَاتِ الرَّكَائِبِ الْأَنْضَاءِ وَرَاجَ الْحَجِيجِ لَيْلَةَ جَمْعٍ ... وبِجَمْعِ مَجَامِعُ الْأَهْوَاءِ وَتَذَكَّرْ عَنِّي مَنَاخَ مَطِيَّتِي ... بِأَعَالِي مِنًى وَمَرْسَى خِبَائِي وَلَهُ فِي أَبْيَاتٍ: تَعَجَّبَ صَحْبِي مِنْ بُكَائِي وَأَنْكَرُوا ... جَوَابِي لِمَا لَمْ تَسْمَعِ الْأُذُنَانِ فَقُلْتُ: نَعَمْ مَا تَسْمَعُ الْأُذُنُ دَعْوَةً ... بَلَى! إِنَّ قَلْبِي سَامِعٌ وَجِنَانِي وَيَا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْيَمَانُونَ خَبِّرُوا ... طَلِيقًا بِأَعْلَى الْخَيْفِ أَنَّى عَانِي وَيَا صَاحِبَي رَحْلِي أَقِلا، فَإِنَّنِي ... رَأَيْتُ بِقَلْبِي غَيْرَ مَا تَرَيَانِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِ جَمْعٍ إِلَى مِنًى ... إِلَى مَوْقِفُ التَّجْمِيرِ، غَيْرُ أَمَانِي يُعَلَّلُ دَائِي بِالْعِرَاقِ طَمَاعَةٌ ... وَكَيْفَ شِفَائِي، وَالطَّبِيبُ يَمَانِي!

стр. 35

وَلَهُ فِي أَبْيَاتٍ قَالَهَا وَالنَّاسُ قَدْ تَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ: أَقُولُ لِرَكْبٍ رَائِحِينَ: لَعَلَّكُمْ ... تَحِلُّونَ مِنْ بَعْدِي الْعَقِيقَ الْيَمَانِيَا خُذُوا نَظْرَةً مِنِّي فَلاقُوا بِهَا الْحِمَى ... وَنَجْدًا وَكُثْبَانَ اللِّوَى وَالْمَطَالِيَا وَمُرُّوا عَلَى أَبْيَاتِ حَيٍّ بِرَامَةَ ... فَقُولُوا: لَدِيغٌ يَبْتغِي الْيَوْمَ رَاقِيَا عَدِمْتُ دَوَائِي بِالْعِرَاقِ فَرُبَّمَا ... وَجَدْتُمْ بِنَجْدَ لِيَ طَبِيبًا مُدَاوِيَا وَقُولُوا لِجِيرَانٍ عَلَى الْخَيْفِ مِنْ مِنًى ... تُرَاكُمْ مَنِ اسْتَبْدَلْتُمْ بِجِوَارِيَا؟ وَمَنْ وَرَدَ الْمَاءَ الَّذِي كُنْتُ وَارِدًا بِهِ ... وَرَعَى الْعُشْبَ الَّذِي كُنْتُ رَاعِيَا فَوَالَهْفَتِي كَمْ لِي عَلَى الْخَيْفِ شَهْقَةً ... تَذُوبُ عَلَيْهَا قِطْعَةٌ مِنْ فُؤَادِيَا تَرَحَّلْتُ عَنْكُمْ وَلِي أَمَامِيَ نَظْرَةٌ ... وَعَشْرٌ بَعْدَكُمْ مِنْ وَرَائِيَا ولَهُ فِي أَبْيَاتٍ: مَنْ مُعِيدٌ لِي أَيَّا ... مِي بِجِزْعِ السَّمُرَاتِ وَلَيَالِي بِجَمْعٍ ... وَمِنًى وَالْجَمَرَاتِ

стр. 36

يَا وُقُوفًا مَا وَقَفْنَ ... فِي ظِلالِ السَّلَمَاتِ تَتَشَاكَى مَا عَنَانَا ... بِكَلامِ الْعَبَرَاتِ آهٍ مِنْ جِيدٍ إِلَى الدَّارِ ... طَوِيلُ اللَّفَتَاتِ وغَرَامٌ غَيْرُ مَاضٍ ... بِلِقَاءٍ غَيْرِ آتِ فَسَقَى بَطْنَ مِنًى ... وَالْخَيْفَ صَوْبَ الْغَادِيَاتِ وَلَهُ أَيْضًا: غَرَسَتْ عِنْدِي غَرْسَ ... الشَّوْقِ مَمَرُورَ الْجَنَاةِ أَيْنَ رَاقٍ لِغَرَامِي ... وَطَبِيبٌ لِشِكَاتِي وَلَهُ أَيْضًا: خُذِي نَفْسِي يَا رِيحُ مِنْ جَانِبِ الْحِمَى ... فَلاقِي بِهَا لَيْلا نَسِيمَ رُبَى نَجْدِ فَإِنَّ بِذَاكَ الْحَيِّ حَيًّا عَهَدْتُهُ ... وَبِالرُّغْمِ مِنِّي أَنْ يَطُولَ بِهِ عَهْدِي وَلَوْلا تَدَاوِي الْقَلْبِ مِنْ أَلَمِ الْجَوَى ... بِذِكْرِ تَلاقِينَا قَضَيْتُ مِنَ الْوَجْدِ وَيَا صَاحِبَيَّ الْيَوْمَ عُوجَا لِتَسْأَلا ... رُكَيْبًا مِنَ الْغَوْرَينِ أَنْضَاؤُهُمْ تَخَدِي عَنِ الْحَي بِالْجَرْعَاءِ جَرْعَاءِ مَالِكٍ ... هَلِ ارْتَبَعُوا وَاخْضَرَّ وَادِيهِمْ بَعْدِي

стр. 37

عَلِمْتُ بِنَجْدٍ شَيْحَةً حَاجِرِيَّةً ... فَأَمْطَرْتُهَا دَمْعِي وَأَفْرَشْتُهَا خَدِّي ذَكِّرَا بِهَا رَيَّا الْحَبِيبِ عَلَى النَّوَى ... وَهَيْهَاتَ ذَا يَا بُعْدُ بَيْنَهُمَا عِنْدِي وَإِنِّي لَمَجْلُوبٌ إِلَى الشَّوْقِ كُلَّمَا ... تَنَفَّسَ شَاكٍ أَوْ تَأَلَّمَ ذُو وَجْدِ تُعْرِضُ رُسُلُ الشَّوْقِ وَالرَّكْبُ هَاجِدُ ... فَتُوقِظُنِي مِنْ بَيْنِ نُوَّامِهِمْ وَحْدِي وَمَا شَرِبَ الْعُشَّاقُ إِلا بَقِيَّتِي ... وَمَا وَرَدُوا فِي الْحُبِّ إِلا عَلَى وِرْدِي وَلِمِهْيَارٍ: أَلا فَتًى يَسْأَلُ قَلْبِي مَا لَهُ ... يَنْزُو إِذَا بَرِقَ الْحِمَى بَدَا لَهُ؟ أَرَادَ نَجْدًا مَعَهُ بِبَابِلَ ... إِرَادَةً هَاجَتْ لَهُ بَلْبَالُهُ فَهُوَ يَرْجُو خَبَرًا مِنَ الْغَضَا ... يُسْنِدُهُ عَنْهُ فَمَا رَوَى لَهُ وَانْتَسَمَ الرِّيحُ الصَّبَا وَمَنْ لَهُ ... بِنَفْحَةٍ مِنَ الصَّبَا طُوبَى لَهُ وَيَوْمُ ذِي الْبَانِ وَمَا أَسَأَرْتُ مِنْ ... ذِي الْبَانِ إِلا أَنْ أَقُولَ: يَا لَهُ

стр. 38

وَلَهُ أَيْضًا: وَمَا أَتْبَعْتُ ظَعْنَ الْحَيِّ طَرْفِي ... لِأَغْنَمَ نَظَرَةً فَتَكُونُ زَادِي وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِلَحْظِ عَيْنِي ... وَرَاءَ الرَّكْبِ يَسْأَلُ عَنْ فُؤَادِي وَلَهُ أَيْضًا: سَلْ أَبْرَقَ الْحَنَّانَ وَاحْبِسْ بِهِ ... أَيْنَ لَيَالِينَا عَلَى الْأَبْرَقِ؟ وَكَيْفَ بِأَنَّاتٍ بِسَقْطِ اللِّوَى ... مَا لَمْ يَجِدْهَا الدَّهرُ لَمْ تُوَرَّقِ؟ هَلْ حَمَلَتْ، لا حَمَلَتْ، بَعْدَنَا ... عَنْكَ الصَّبَا عَرْفًا لِمُسْتَنْشِقِ؟ أَغْنَاكَ صَوبُ الدَّمْعِ عَنْ ... مِنَّةٍ أَحْمِلُهَا لِلْمُرْعِدِ الْمُبْرِقِ دَمْعٌ عَلَى الْخَيْفِ جَنَى مَا جَنَى ... بُكَاءُ حَسَّانٍ عَلَى جِلَّقِ للَّهِ دَرُّهُنَّ لَكَ يَوْمَ النَّقَا ... لَوْلا وَفَاءُ الْحُبِّ لَمْ يُغْلَقِ يَا سَائِقَ الْأَظْعَانِ رِفْقًا وَإِنْ ... لَمْ يُغْنِ قَوْلِي لِلَعُسُوفِ: ارْفُقِ لَوْلا زَفِيرِي خَلْفَ أَجْمَالِهِمْ ... وَحَرُّ أَنْفَاسِي لَمْ تَنْسَقِ لا تَبْدَءُوا بِالْعَزَلِ قَلْبِي فَمَا ... اسْتَنْجَدَ الدَّمْعُ عَلَى مَحْرَقِ سَمَّيْتَ لِي نَجْدًا عَلَى بُعْدِهَا ... يَا وَلَهَ الْمَشْئَمِ بِالْمَعْرَقِ دَاوِ بِهَا حُبِّي فَمَا مُهْجَتِي ... أَوَّلَ مَخْبُولٍ بِنَجْدٍ رُقِي

стр. 39

وَلَهُ أَيْضًا: يَا لَلْهَوَى لَمَّا أَطَعْتُ حَمُولَهُ ... يَوْمَ النَّخِيلِ سَامَنِي مَا لَمْ أُطِقْ فَارَقْتُ حَوْلا أَهْلَ نَجْدٍ وَالْهَوَى ... ذَاكَ الْهَوَى وَحُرَقِي تِلْكَ الْحُرَقْ فَقُلْ لِمَنْ ظَنَّ الْبِعَادَ سَلْوَةً ... لا تَنْتَحِلَ طَعْمَ شَيْءٍ لَمْ تَذُقِ آهٍ لِقَلْبٍ شُقَّ عَنْهُ أَضْلُعِي ... مِنَ الْحُمَّى تُخَالِجُ البَرْقِ الشَّفِقْ ثَارَ بِهِ الشَوْقُ فَهَبَّ فَهَفَا ... تَطَلُّعًا ثُمَّ نَزَا ثُمَّ مَرَقْ وَلِأَبِي غَالِبِ بْنِ بِشْرَانَ: وَلَمَّا أَثَارُوا الْعِيسَ بِالْبَيْنِ بَيَّنَتْ ... غَرَامِي لِمَنْ حَوْلِي دُمُوعٌ وَأَنْفَاسُ فَقُلْتُ لَهُمْ لا بَأَسَ بي فَتَعَجَّبُوا ... وَقَالُوا الَّذِي أَبْدَيْتَهُ كُلَّهُ بَاسُ تَعَوَّضْ بِأُنْسٍ الصَّبْرِ عَنْ وَحْشَةِ الْأَسَى ... فَقَدْ فَارَقَ الْأَحْبَابَ مِنْ قَبْلِكَ النَّاسُ وَلِبَعْضِ الْمُحْدَثِينَ: يَا سَائِقَ الْعِيسِ تَرَفَّقْ وَاسْتَمِعْ ... مِنِّي وَبَلِّغْ إِنْ وَصَلْتَ عَنِّي وَقِفَ بِأَكْنَافِ الْحِجَازِ نَاشِدًا ... قَلْبِي فَقَدْ ضَاعَ الْغَدَاةَ مِنِّي وَقُلْ إِذَا وَصَلْتَ مِنْ أَرْضِهِمْ: ... ذَاكَ الْأَسِيرُ مُوثَقٌ بِالْحُزْنِ عَرِّضْ بِذِكْرِي عِنْدَهُمْ عَسَاهُمْ ... إِنْ سَمِعُوكَ سَائَلُوكَ عَنِّي قَلْ ذَلِكَ الْمَحبُوُسُ عَنْ قَصْدِكُمْ ... مُعَذَّبُ الْقَلْبِ بكِلِّ قِنِّ يَقُولُ: أَمَّلْتُ بِأَنْ أَزُورَكُمْ ... فِي جُمْلَةِ الْوَفْدِ فَخَابَ ظَنِّي أَقْعَدَنِي الْخُذْلانُ عَنْ قَصْدِكُمْ ... وَرُمْتُ أَنْ أسْعَى فلَمْ يَدَعْنِي

стр. 40

وَقَالَ آخَرُ: شَيَّعْتُهُمْ فَاسْتَرَابُوا بِي فَقُلْتُ لَهُمْ: ... إِنِّي بُعِثْتُ مَعَ الْأَجْمَالِ أَحْدُوهَا قَالُوا: فَمَا نَفَسٌ يَعْلُو كَذِي صَعَدَا ... وَمَا لِعَيْنِكَ لا يَرْقَا مَاءُ مَآقِيهَا قُلْتُ: النَّفْسُ مِنْ إِدْمَانِ سَيْرِكُمْ ... وَالْعَيْنُ تَذْرِفُ دَمْعًا مِنْ قَذًى فِيهَا وَوَصَلَنِي كِتَابٌ مِنْ بَعْضِ إِخْوَانِي مِنَ الْحَاجِّ يَتَضَمَّنُ الاسْتِحْيَاشَ لِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَهَيَّجَ شَوْقِي إِلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أَبِيَاتًا مِنْهَا: أَنَرَاكُمْ فِي النَّقَا فَالْمُنَحَنَى ... يَوْمَ سَلْعٍ تَذْكُرُونَ ذِكْرَنَا انْقَطَعْنَا فَوَصَلْتُمْ فَاعْلَمُوا ... وَاشْكُرُوا الْمُنْعِمَ يَا أَهْلَ مِنَى قَدْ رَبِحْتُمْ وَخَسِرْنَا فَصِلُوا ... بِفُضُولِ الرِّبْحِ مَنْ قَدْ غَبُنَا يَا سَقَى اللَّهُ حِمًى أَنْتُمْ بِهِ ... وَرَعَى تِلْكَ الرُّبَا وَالدِّمَنَا سَارَ قَلْبِي خَلْفَ أَجْمَالِكُمْ ... غَيْرَ أَنَّ الْوَهَنَ عَاقَ الْبَدَنَا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا قَدْ ... جِئْتُهُ أَسْعَى بِأَقْدَامِ الْمُنَى إِنْ سَقَتْكُمْ دِيمَةٌ هَاطِلَةٌ ... فَدُمُوعِي قَدْ جَرَتْ لِي أَعْيُنَا وَأُنَادِي كُلَّمَا لَبَّيْتُمُ ... فِي بَوَادِي أَسَفَى وَاحَزَنَا بَدَنِي نِضْوٌ لِأَبْدَانِكُمْ ... وَالَّذِي أَقْلَقَنِي أَنِّي هُنَا آهٍ وَأَشْوَاقِي إِلَى ذَاكَ الْحَيِّ ... شَوْقُ مَحْرُومٍ وَقَدْ ذَاقَ الْجَنَا سَلِّمُوا عَنِّي عَلَى أَرْبَابِهِ ... أَخْبِرُوهُمْ أَنَّنِي حِلْفُ الضَّنَا أَنَا مُذْ غِبْتُمْ عَلَى تِذَكَارِكُمْ ... أَتُرَاكُمْ عِنْدَكُمْ مَا عِنْدَنَا عَرْفُكُمْ تَعْرِفُهُ رِيحُ الصَّبَا ... كُلَّمَا هَبَّتْ بِهِ مَرَّتْ بِنَا دَرَّ دَرُّ الْوَصْلِ مَا أَعْذَبَهُ ... لَيْتَهُ يَرْضَى بِرُوحِي ثَمَنَا زَمَنًا مُذْ زَالَ أُولَى زَمَنَا ... فَأَعَادَ اللَّهُ ذَاكَ الزَّمَنَا
следующие страницы →