Полный текст (465 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يَا وُقُوفًا مَا وَقَفْنَ ... فِي ظِلالِ السَّلَمَاتِ
تَتَشَاكَى مَا عَنَانَا ... بِكَلامِ الْعَبَرَاتِ
آهٍ مِنْ جِيدٍ إِلَى الدَّارِ ... طَوِيلُ اللَّفَتَاتِ
وغَرَامٌ غَيْرُ مَاضٍ ... بِلِقَاءٍ غَيْرِ آتِ
فَسَقَى بَطْنَ مِنًى ... وَالْخَيْفَ صَوْبَ الْغَادِيَاتِ
وَلَهُ أَيْضًا:
غَرَسَتْ عِنْدِي غَرْسَ ... الشَّوْقِ مَمَرُورَ الْجَنَاةِ
أَيْنَ رَاقٍ لِغَرَامِي ... وَطَبِيبٌ لِشِكَاتِي
وَلَهُ أَيْضًا:
خُذِي نَفْسِي يَا رِيحُ مِنْ جَانِبِ الْحِمَى ... فَلاقِي بِهَا لَيْلا نَسِيمَ رُبَى نَجْدِ
فَإِنَّ بِذَاكَ الْحَيِّ حَيًّا عَهَدْتُهُ ... وَبِالرُّغْمِ مِنِّي أَنْ يَطُولَ بِهِ عَهْدِي
وَلَوْلا تَدَاوِي الْقَلْبِ مِنْ أَلَمِ الْجَوَى ... بِذِكْرِ تَلاقِينَا قَضَيْتُ مِنَ الْوَجْدِ
وَيَا صَاحِبَيَّ الْيَوْمَ عُوجَا لِتَسْأَلا ... رُكَيْبًا مِنَ الْغَوْرَينِ أَنْضَاؤُهُمْ تَخَدِي
عَنِ الْحَي بِالْجَرْعَاءِ جَرْعَاءِ مَالِكٍ ... هَلِ ارْتَبَعُوا وَاخْضَرَّ وَادِيهِمْ بَعْدِي
стр. 37
عَلِمْتُ بِنَجْدٍ شَيْحَةً حَاجِرِيَّةً ... فَأَمْطَرْتُهَا دَمْعِي وَأَفْرَشْتُهَا خَدِّي
ذَكِّرَا بِهَا رَيَّا الْحَبِيبِ عَلَى النَّوَى ... وَهَيْهَاتَ ذَا يَا بُعْدُ بَيْنَهُمَا عِنْدِي
وَإِنِّي لَمَجْلُوبٌ إِلَى الشَّوْقِ كُلَّمَا ... تَنَفَّسَ شَاكٍ أَوْ تَأَلَّمَ ذُو وَجْدِ
تُعْرِضُ رُسُلُ الشَّوْقِ وَالرَّكْبُ هَاجِدُ ... فَتُوقِظُنِي مِنْ بَيْنِ نُوَّامِهِمْ وَحْدِي
وَمَا شَرِبَ الْعُشَّاقُ إِلا بَقِيَّتِي ... وَمَا وَرَدُوا فِي الْحُبِّ إِلا عَلَى وِرْدِي
وَلِمِهْيَارٍ:
أَلا فَتًى يَسْأَلُ قَلْبِي مَا لَهُ ... يَنْزُو إِذَا بَرِقَ الْحِمَى بَدَا لَهُ؟
أَرَادَ نَجْدًا مَعَهُ بِبَابِلَ ... إِرَادَةً هَاجَتْ لَهُ بَلْبَالُهُ
فَهُوَ يَرْجُو خَبَرًا مِنَ الْغَضَا ... يُسْنِدُهُ عَنْهُ فَمَا رَوَى لَهُ
وَانْتَسَمَ الرِّيحُ الصَّبَا وَمَنْ لَهُ ... بِنَفْحَةٍ مِنَ الصَّبَا طُوبَى لَهُ
وَيَوْمُ ذِي الْبَانِ وَمَا أَسَأَرْتُ مِنْ ... ذِي الْبَانِ إِلا أَنْ أَقُولَ: يَا لَهُ
стр. 38
وَلَهُ أَيْضًا:
وَمَا أَتْبَعْتُ ظَعْنَ الْحَيِّ طَرْفِي ... لِأَغْنَمَ نَظَرَةً فَتَكُونُ زَادِي
وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِلَحْظِ عَيْنِي ... وَرَاءَ الرَّكْبِ يَسْأَلُ عَنْ فُؤَادِي
وَلَهُ أَيْضًا:
سَلْ أَبْرَقَ الْحَنَّانَ وَاحْبِسْ بِهِ ... أَيْنَ لَيَالِينَا عَلَى الْأَبْرَقِ؟
وَكَيْفَ بِأَنَّاتٍ بِسَقْطِ اللِّوَى ... مَا لَمْ يَجِدْهَا الدَّهرُ لَمْ تُوَرَّقِ؟
هَلْ حَمَلَتْ، لا حَمَلَتْ، بَعْدَنَا ... عَنْكَ الصَّبَا عَرْفًا لِمُسْتَنْشِقِ؟
أَغْنَاكَ صَوبُ الدَّمْعِ عَنْ ... مِنَّةٍ أَحْمِلُهَا لِلْمُرْعِدِ الْمُبْرِقِ
دَمْعٌ عَلَى الْخَيْفِ جَنَى مَا جَنَى ... بُكَاءُ حَسَّانٍ عَلَى جِلَّقِ
للَّهِ دَرُّهُنَّ لَكَ يَوْمَ النَّقَا ... لَوْلا وَفَاءُ الْحُبِّ لَمْ يُغْلَقِ
يَا سَائِقَ الْأَظْعَانِ رِفْقًا وَإِنْ ... لَمْ يُغْنِ قَوْلِي لِلَعُسُوفِ: ارْفُقِ
لَوْلا زَفِيرِي خَلْفَ أَجْمَالِهِمْ ... وَحَرُّ أَنْفَاسِي لَمْ تَنْسَقِ
لا تَبْدَءُوا بِالْعَزَلِ قَلْبِي فَمَا ... اسْتَنْجَدَ الدَّمْعُ عَلَى مَحْرَقِ
سَمَّيْتَ لِي نَجْدًا عَلَى بُعْدِهَا ... يَا وَلَهَ الْمَشْئَمِ بِالْمَعْرَقِ
دَاوِ بِهَا حُبِّي فَمَا مُهْجَتِي ... أَوَّلَ مَخْبُولٍ بِنَجْدٍ رُقِي
стр. 39
وَلَهُ أَيْضًا:
يَا لَلْهَوَى لَمَّا أَطَعْتُ حَمُولَهُ ... يَوْمَ النَّخِيلِ سَامَنِي مَا لَمْ أُطِقْ
فَارَقْتُ حَوْلا أَهْلَ نَجْدٍ وَالْهَوَى ... ذَاكَ الْهَوَى وَحُرَقِي تِلْكَ الْحُرَقْ
فَقُلْ لِمَنْ ظَنَّ الْبِعَادَ سَلْوَةً ... لا تَنْتَحِلَ طَعْمَ شَيْءٍ لَمْ تَذُقِ
آهٍ لِقَلْبٍ شُقَّ عَنْهُ أَضْلُعِي ... مِنَ الْحُمَّى تُخَالِجُ البَرْقِ الشَّفِقْ
ثَارَ بِهِ الشَوْقُ فَهَبَّ فَهَفَا ... تَطَلُّعًا ثُمَّ نَزَا ثُمَّ مَرَقْ
وَلِأَبِي غَالِبِ بْنِ بِشْرَانَ:
وَلَمَّا أَثَارُوا الْعِيسَ بِالْبَيْنِ بَيَّنَتْ ... غَرَامِي لِمَنْ حَوْلِي دُمُوعٌ وَأَنْفَاسُ
فَقُلْتُ لَهُمْ لا بَأَسَ بي فَتَعَجَّبُوا ... وَقَالُوا الَّذِي أَبْدَيْتَهُ كُلَّهُ بَاسُ
تَعَوَّضْ بِأُنْسٍ الصَّبْرِ عَنْ وَحْشَةِ الْأَسَى ... فَقَدْ فَارَقَ الْأَحْبَابَ مِنْ قَبْلِكَ النَّاسُ
وَلِبَعْضِ الْمُحْدَثِينَ:
يَا سَائِقَ الْعِيسِ تَرَفَّقْ وَاسْتَمِعْ ... مِنِّي وَبَلِّغْ إِنْ وَصَلْتَ عَنِّي
وَقِفَ بِأَكْنَافِ الْحِجَازِ نَاشِدًا ... قَلْبِي فَقَدْ ضَاعَ الْغَدَاةَ مِنِّي
وَقُلْ إِذَا وَصَلْتَ مِنْ أَرْضِهِمْ: ... ذَاكَ الْأَسِيرُ مُوثَقٌ بِالْحُزْنِ
عَرِّضْ بِذِكْرِي عِنْدَهُمْ عَسَاهُمْ ... إِنْ سَمِعُوكَ سَائَلُوكَ عَنِّي
قَلْ ذَلِكَ الْمَحبُوُسُ عَنْ قَصْدِكُمْ ... مُعَذَّبُ الْقَلْبِ بكِلِّ قِنِّ
يَقُولُ: أَمَّلْتُ بِأَنْ أَزُورَكُمْ ... فِي جُمْلَةِ الْوَفْدِ فَخَابَ ظَنِّي
أَقْعَدَنِي الْخُذْلانُ عَنْ قَصْدِكُمْ ... وَرُمْتُ أَنْ أسْعَى فلَمْ يَدَعْنِي
стр. 40
وَقَالَ آخَرُ:
شَيَّعْتُهُمْ فَاسْتَرَابُوا بِي فَقُلْتُ لَهُمْ: ... إِنِّي بُعِثْتُ مَعَ الْأَجْمَالِ أَحْدُوهَا
قَالُوا: فَمَا نَفَسٌ يَعْلُو كَذِي صَعَدَا ... وَمَا لِعَيْنِكَ لا يَرْقَا مَاءُ مَآقِيهَا
قُلْتُ: النَّفْسُ مِنْ إِدْمَانِ سَيْرِكُمْ ... وَالْعَيْنُ تَذْرِفُ دَمْعًا مِنْ قَذًى فِيهَا
وَوَصَلَنِي كِتَابٌ مِنْ بَعْضِ إِخْوَانِي مِنَ الْحَاجِّ يَتَضَمَّنُ الاسْتِحْيَاشَ لِي فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَهَيَّجَ شَوْقِي إِلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أَبِيَاتًا مِنْهَا:
أَنَرَاكُمْ فِي النَّقَا فَالْمُنَحَنَى ... يَوْمَ سَلْعٍ تَذْكُرُونَ ذِكْرَنَا
انْقَطَعْنَا فَوَصَلْتُمْ فَاعْلَمُوا ... وَاشْكُرُوا الْمُنْعِمَ يَا أَهْلَ مِنَى
قَدْ رَبِحْتُمْ وَخَسِرْنَا فَصِلُوا ... بِفُضُولِ الرِّبْحِ مَنْ قَدْ غَبُنَا
يَا سَقَى اللَّهُ حِمًى أَنْتُمْ بِهِ ... وَرَعَى تِلْكَ الرُّبَا وَالدِّمَنَا
سَارَ قَلْبِي خَلْفَ أَجْمَالِكُمْ ... غَيْرَ أَنَّ الْوَهَنَ عَاقَ الْبَدَنَا
مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا قَدْ ... جِئْتُهُ أَسْعَى بِأَقْدَامِ الْمُنَى
إِنْ سَقَتْكُمْ دِيمَةٌ هَاطِلَةٌ ... فَدُمُوعِي قَدْ جَرَتْ لِي أَعْيُنَا
وَأُنَادِي كُلَّمَا لَبَّيْتُمُ ... فِي بَوَادِي أَسَفَى وَاحَزَنَا
بَدَنِي نِضْوٌ لِأَبْدَانِكُمْ ... وَالَّذِي أَقْلَقَنِي أَنِّي هُنَا
آهٍ وَأَشْوَاقِي إِلَى ذَاكَ الْحَيِّ ... شَوْقُ مَحْرُومٍ وَقَدْ ذَاقَ الْجَنَا
سَلِّمُوا عَنِّي عَلَى أَرْبَابِهِ ... أَخْبِرُوهُمْ أَنَّنِي حِلْفُ الضَّنَا
أَنَا مُذْ غِبْتُمْ عَلَى تِذَكَارِكُمْ ... أَتُرَاكُمْ عِنْدَكُمْ مَا عِنْدَنَا
عَرْفُكُمْ تَعْرِفُهُ رِيحُ الصَّبَا ... كُلَّمَا هَبَّتْ بِهِ مَرَّتْ بِنَا
دَرَّ دَرُّ الْوَصْلِ مَا أَعْذَبَهُ ... لَيْتَهُ يَرْضَى بِرُوحِي ثَمَنَا
زَمَنًا مُذْ زَالَ أُولَى زَمَنَا ... فَأَعَادَ اللَّهُ ذَاكَ الزَّمَنَا
стр. 41
بَابٌ آدَابُ السَّيْرِ فِي السَّفَرِ
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ عَنْ سَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؟ فَقَالَ: «كَانَ سَيْرُهُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» ، وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ أَنْ يَسِيرَ وَحْدَهُ، وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ أَحَدٌ وَحْدَهُ بِلَيْلٍ أَبَدًا» .
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ الْجَرَسُ، وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ» .
وَفِي لَفْظٍ: «لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رُفَقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» .
стр. 42
فَصْلٌ
فَإِذَا عَلا نَشَزًا كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الشَّرَفُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ» .
стр. 43
بَابُ ذِكْرِ حَنِينِ الْإِبِلِ فِي السَّيْرِ وَخِطَابِ الْوَاجِدِينَ لَهَا وَلِحَادِيهَا وَالْإِخْبَارِ عَنْهَا وَالْقَسَمِ بِهَا
رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ نَاقَةً فَأَسْرَعَتْ بِهِ، فَأَنْشَدَ:
كَأَنَّ رَاكِبَهَا غُصْنٌ بِمَرُوحةٍ ... إِذَا تَدَلَّتْ بِهِ أَوْ شَارِبٌ ثَمِلُ
وَقَالَ الْحَرْثُ بْنُ خَالِدٍ:
إِنِّي وَمَا نَحَرُوا غَدَاةَ مِنًى ... يَوْمَ الْجِمَارِ يَؤُودُهَا الْعَقْلُ
لَوْ بُدِّلَتْ أَعْلَى مَسَاكِنِهَا ... سَفْلا فَأَصْبَحَ سَفْلُهَا يَعْلُو
فَيَكَادُ يَعْرِفُهَا الْخَبِيرُ بِهَا ... فَيَرُدُّهُ الْأَقْوَادُ وَالْمَحَلُّ
لَعَرَفْتَ مَعْنَاهَا لِمَا احْتَمَلَتْ ... مِنِّي الضُّلُوعُ لِأَهْلِهَا قَبْلُ
وَقَالَ ابْنُ الدُّمَيْنَةِ:
أَمَا وَالرَّاقِصَاتُ بِذَاتِ عِرْقٍ ... وَمَنْ صَلَّى بِنَعْمَانِ الْأَرَاكِ
لَقَدْ أَضْمَرْتُ حُبَّكِ فِي فُؤَادِي ... وَمَا أَضْمَرْتُ حُبًّا مِنْ سِوَاكِ
وَلِلصِّمَّةِ الْقُشَيْرِيِّ:
وَحَنَّتْ قَلُوصِي آخِرَ الْلَيْلِ حَنَّةً ... فَيَا رَوْعَةَ مَا رَاعَ قَلْبِي حَنِينُهَا
فَقُلْتُ لَهَا: حِنِّي فَكُلُّ قَرِينَةٍ ... مُفَارِقُهَا لا بُدَّ يَوْمًا قَرِينُهَا
وَقُلْتُ لَهَا: حِنِّي رُوَيْدًا فَإِنَّنِي ... وَإِيَّاكِ يُخْفِي عَوْلَهُ سَفِينُهَا
وَلِإِبْرَاهِيمَ بْنِ صُورٍ الْكَاتِبِ:
بَاتَتْ تُشَوِّقُنِي بِرَجْعِ حَنِينِهَا ... وَأَزِيدُهَا شَوْقًا بِرَجْعِ حَنِينِي
نِضْوَيْنِ مُغْتَرِبَيْنِ بَيْنَ تِهَامَةَ ... طَوَيَا الضُّلُوعَ عَلَى هَوًى مَكْنُونِ
стр. 44
لَوْ سُئِلَتْ عَنْهَا الْقَلُوصُ لَأَخْبَرَتْ ... عَنْ مُسْتَعْرِ صَبَابَةٍ وَشُجُونِ
وَقَالَ الرَّضِيُّ:
يَا نَاقُ أَدَّاكَ الْمُؤَدِّي، يَا نَاقْ ... مَاذَا الْمُقَامُ، وَالْفُؤَادُ قَدْ تَاقْ
هَلْ حَاجَةُ الْمَأْسُورِ إِلا الْإِطْلاقْ ... أَلْهَاكِ عَنْ لَيْلِ السُّرَى وَالْإِعْنَاقْ
وَلَهُ:
أَقُولُ وَقَدْ حَنَّتْ بِذِي الْأَثْلِ نَاقَتِي: ... قَرِّي لا يَنَلْ مِنْكِ الْحَنِينُ الْمُرَجِّعُ
تَحِنِّينَ إِلا أَنَّ بِي لا بِكِ الْهَوَى ... وَلِي لا لَكِ الْيَومَ الْخَلِيطُ الْمُودِّعُ
وَبَاتَتْ تَشْكِي تَحْتَ رِجْلِي ضَمَانَةً ... كِلانَا إِذًا يَا نَاقُ نِضْوٌ مُفَجَّعُ
أَحَسَّتْ بِنَارٍ فِي ضُلُوعِي فَأَصْبَحَتْ ... يَخِبُّ بِهَا حَرُّ الْغَرَامِ وَيُوضَعُ
وَلِلمُتَنَبِّي:
أَيَا رِكَابَ الْأَخْيَارِ إِنَّ الْأَدْمُعَا ... تَطُسُّ الْخُدُودَ كَمَا تَطُسُّ الْبُرْمُعَا
وَاعْرِفْنَ مَنْ حَمَلَتْ إِلَيْكُنَّ النَّوَى ... وَامْشِينَ هَوْنًا فِي الْأَزِمَّةِ خُضَّعَا
وَلِمِهْيَارٍ:
إِلَى كَمْ حَبْسُهَا تَشْكُو الْمَضِيقَا ... أَثَرَهَا رُبَّمَا وَجَدَتْ طَرِيقَا
أُجُلُهَا تَطْلُبُ الْقُصْوَى وَدَعْهَا ... سُدًى تَرْمِي الْغُرُوبُ بِهَا الشُّرُوقَا
وَلَهُ:
يَا سَائِقَ الْبَكَرَاتِ اسْتَبِقْ فَضْلَتَهَا ... عَلَى الرُّوَيْدِ فَظَهْرُ الْعُفْرِ مَعْقُورُ
стр. 45
جَلَسَا وَلَوْ سَاعَةً يَرْوِي بِهَا مُقَلٌ ... هَيْمٌ وَأَنْتَ عَلَيْهَا الدَّهْرَ مَشْكُورُ
فَالْعِيسُ طَائْعَةٌ وَالْأَرْضُ وَاسِعَةٌ ... وَإِنَّمَا هُوَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرُ
تَغَلَّسُوا مِنْ زَرُودَ وَجْهَ يَوْمِهِمْ ... وَحَطَّهُمْ لِظِلالِ الْبَانِ تَهْجِيرُ
وَلَهُ:
صَدَّتْ بِنَعْمَانَ عَلَى طُولِ الصَّدَى ... دَعْهَا فَلَيْسَ كُلُّ مَاءٍ مَوْرِدَا
لِحَاجَةٍ أَمَسَّ مِنْ حَاجَاتِهَا ... تَخَطَّأَتْ أَرْزَاقَهَا تَعَمُّدَا
تَرَى وَفِي شُرُوعِهَا ضَرَاعَةً ... حَرَارَةً عَلَى الْكُبُودِ أَبْرَدَا
عَادَةُ عِزٍّ جَذَبَتْ بِخِطْمِهَا ... وَكُلُّ ذِي إِلْفٍ وَمَا تَعَوَّدَا
لا حَمَلَتْ ظُهُورُهَا إِنْ حَمَلَتْ ... رِجْلا عَلَى الضَّيْمِ تَقَرُّ أَوْ يَدَا
وَلَهُ:
يَا سَائِقَ الْأَظْعَانِ أَوْ رِدْ ... بَعْضَ مَا تَعْتَسِفُ
فَإِنَّ بَيْنَ سُوقِهَا ... أَفْئِدَةً تُخْتَطَفُ
يَا زَمَنِي عَلَى الْغَضَا ... مَا أَنْتَ إِلا الْأَسْلَفُ
لَهَفِي عَلَيْكَ مَاضِيًا ... لَوْ رَدَّكَ التَّأَسُّفُ
وَلَهُ:
لَيْلُ السُّرَى مِثْلُ نَهَارِ الْمُقَامِ ... مَا خِفْتُ أَنْ تُظْلَمَ أَوْ أَنْ تُضَامِ
رَامِ بِهَا الْلَيْلَ فَمَا يُسْفِرُ النَّجْحُ ... إِلا عَنْ نِقَابِ الظَّلامِ
стр. 46
مَوَارِقًا عَنْ عُقُلٍ أَشْطَانُهَا ... مُرُوقٌ فُوِقَ السَّهْمِ عَنْ قَوْسِ رَامٍ
وَلَهُ:
إِذَا فَاتَهَا رَوْضُ الْحِمَى وَجَنُوبُهُ ... كَفَاهَا النَّسِيمُ الْبَابِلِيُّ وَطِيبُهُ
فَدَعْهَا تَلُسُّ الْعَيْشَ طَوْعَ قُلُوبِهَا ... فَأَمْرَعُ مَا تَرْعَاهُ مَا تَسْتَطِيبُهُ
وَإِنَّ الثُّمَادَ الْبَرَضَ فِي عِزِّ قَوْمِهَا ... لَأَنْفَعُ مِنْ جَمٍّ يُذِلُّ غَرِيبُهُ
يَلُومُ عَلَى نَجْدٍ ضَنِينٌ بِدَمْعِهِ ... إِذَا فَارَقَ الْأَحْبَابَ حَنَّتْ غُرُوبُهُ
وَمَا النَّاسُ إِلا مَنْ فُؤَادِي فُؤَادُهُ ... لِأَهْلِ الْغَضَا أَوْ مَنْ حَبِيبِي حَبِيبُهُ
وَلَهُ:
لِمَنِ الْحُمُولُ سَلَكْنَ فَلَجَا ... يُطْلُعْنَهُ فَجَّا فَفَجَّا؟
يَخْلِطْنَ بِالْأَيْدِي الطَّريِقَ ... فَمَا يَكَدْنَ يَجِدْنَ نَهْجَا
سُودٌ بِمَا صَبَغَ الْهَجِيرُ ... جُلُودَهُنَّ الْحُمُرَ وَهْجَا
مِنْ كُلِّ حَامِلَةِ الْهِلالِ ... بَنَى عَلَيْهَا الْبَيْنُ بُرْجَا
стр. 47
وَلَهُ:
أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِنَعْمَانَ نَاصِحًا ... وَقُلْتُ: احْبِسُوهَا تَلْحَقُ الْحَيَّ رَائِحًا
فَمَارَيْتُمُونِي تُخْبِرُونَ اجْتِهَادَهَا ... فَأُبْتُمْ بِلا حَاجٍّ وَأَيْنَ طَلائِحَا
وَقَدْ صَدَقَتْنِي فِي الصَّبَا عَنْ مَكَانِهَا ... أَخَابِيرُ أَرْوَاحٍ سَبَتْنِي نَوَافِحَا
لِقَاءٌ عَلَى نَعْمَانَ كَانَ غَنِيمَةً ... وَهَيْهَاتَ يَدْنُو بَعْدَ مَا فَاتَ نَازِحًا
دَعُونِي وَنَعْمَانَ الْأَرَاكَ أَرُودُهُ ... يُجَاوِبُ صَوْتِي طَيْرُهُ الْمُتَنَاوِحَا
عَسَى سَارِحٌ مِنْ دَارِ مَيَّةَ يَا مَنْ ... يُقَيَّضُ لَهُ عَنْ شَائِمٍ طَارَ بَارِحَا
وَلَهُ:
هَلِ السَّابِقُ الْغَضْبَانُ يَمْلِكُ أَمْرَهُ؟ ... فَمَا كَلِّ سَيْرِ الْيَعْمَلاتِ وَحِيدُ
رُوَيْدًا بِأَخْفَافِ الْمَطِيِّ فَإِنَّمَا ... تُدَاسُ جِبَاهٌ تَحْتَهَا وَخُدُودُ
стр. 48
وَلَهُ:
يَقُودُهَا الْحَادِي إِلَى حَاجَتِهِ ... وَهَمَا أُخْرَى إِلَيْهَا لَمْ تُقَدْ
وَإِنَّمَا تَيَّمَهَا بِحَاجِرٍ ... أَيَّامُهَا بِحَاجِرٍ لَوْ تُسْتَرَدْ
لَوْ كَانَ لِي عَلَى الزَّمَانِ إِمْرَةٌ ... مُطَاعَةٌ قُلْتُ: أَعِدْهَا لِي أَعِدْ
وَكَمْ عَلَى وَادِ الْغَضَا مِنْ كَبِدٍ ... يَحْكُمُ فِيهَا بِسِوَى الْعَدْلِ الْكَمَدْ
وَلَهُ:
مَتَى رُفِعَتْ لَهُ بِالْغَوْرِ نَارٌ ... وَقَرَّ بِذِي الْأَرَاكِ لَهَا قَرَارُ
فَكُلُّ دَمٍ أَرَاقَ السَّيْرُ مِنْهَا ... بِحُكْمِ الشَّوْقِ مَطْلُولٌ جَبَارُ
وَلَهُ:
تَمُدُّ بِالْآذَانِ وَالْمَنَاخِرِ ... لِحَاجِرٍ كَيْفَ لَهَا بِحَاجِرِ؟
تَعْرُهَا عَنْهُ أَحَادِيثُ الصِّبَا ... وَلامِعَاتٌ فِي السَّحَابِ الْبَاكِرِ
أَرْضٌ بِهَا السَّابِعُ مِنْ رَبِيعِهَا ... وَشَوْقُهَا الْمَكْنُونُ فِي الضَّمَائِرِ
وَحَيْثُ دَبَّتْ وَرَبَتْ فِصَالُهَا ... وَبَرَكَتْ تَفْحَصُ بِالْكَرَاكِرِ
стр. 49
فَهَلْ لَهَا وَهَلْ لِمَنْ تَحْمِلُهُ ... مِنْ عَائِفٍ بِخَاطِرٍ أَوْ زَاجِرِ؟
فَإِنَّهَا مِنْ حُبِّهَا نَجْدًا تَرَى ... بِكُثْبِ الْغَوْرِ شِفَارَ الْجَازِرِ
وَلَهُ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى تَعِلَّةٌ! ... هَلْ بِمِنًى لِعَهْدِنَا مِنْ ذَاكِرِ؟
وَفِي الضُّيُوفِ الْغُرَبَاءِ عِنْدَكُمْ ... قَلْبٌ يُضَامُ مَا لَهُ مِنْ نَاصِرِ
إِمَّا قِرَى النَّادِي الْكَرِيمِ أَوْ فَرَدُّوهُ ... عَلَى أَرْبَابِهِ بِالْخَاطِرِ
وَلَهُ:
هَوِّنْ فِي الْلَيْلِ عَلَيْهَا الْغَرَرَا ... أَنَّ الْعُلا مُقيَّدَاتٌ بِالسُّرَى
فَرُكِّبَتْ بِسُوقِهَا رُءُوسُهَا ... حَتَّى تَخَيَّلْنَا الْحُجُولَ الْغُرَرَا
عَلَّمَهَا النَّوْمُ عَلَى رِبَاطِهَا ... ذَلِيلَةً أَنْ تَسْتَطِيبَ السَّهَرَا
وَلَهُ:
لِمَنِ الظَّعْنُ تَهْتَدِي وَتَجُورُ؟ ... سَائِقٌ مُنْجِدٌ وَشَوْقٌ يَغُورُ!
يُتْبِعُ الْخَطْوَ قَاهِرًا بَيْنَ أَيْدِيهَا ... وَمِنْ خَلْفِهَا هَوًى مَقْهُورُ
فَهِيَ فِي طَاعَةِ التَّلَفُّتِ حَيَّاتٌ ... وَفِي طَاعَةِ الْحِبَالِ سُطُورُ
وَوَرَاءَ الْحُدُوجِ فِي الْبِيدَ ... أَرْوَاحُ الْمُقِيمِينَ فِي الدِّيَارِ تَسِيرُ
стр. 50
يَا عَقِيدِي عَلَى الْغَرَامِ بِلَيْلٍ ... قُمْ وَفِيًّا وَغَيْرُكَ الْمَأْمُورُ
فَأَعِرْنِي، إِنْ كَانَ مِمَّا يُعَارُ ... الْقَلْبَ أَوْ كُنْتَ أَنْتَ مِمَّنْ يُعِيرُ
وَخُذِ الْآنَ كَيْفَ شِئْتَ بِحَبْلِي ... قَدْ كَفَاكَ الْجَذَابَ أَنِّي أَسِيرُ
وَلَهُ:
نَفَّرَهَا عَنْ وَرْدِهَا بِحَاجِرِ ... شَوْقٌ يَعُوقُ الْمَاءَ فِي الْحَنَاجِرِ
وَرَدَّهَا عَلَى الطَّوَى سَوَاغِبًا ... ذُلُّ الْغَرِيبِ وَحَنِينُ الذَّاكِرِ
مَغْرُورَةُ الْأَعْيُنِ مِنْ أَحْبُلِهَا ... بِحَالِبِ الْإِيمَاضِ غَيْرِ مَاطِرِ
وَلَهُ:
أَوْلَى لَهَا أَنْ يَرْعَوِي نِفَارُهَا ... وَأَنْ يَقَرَّ بِالْحِمَى قَرَارُهَا
تَرْعَى وَتَرْوِي مَا ضَفَا وَمَا صَفَا ... وَلِلرُّعَاةِ بَعْدَهَا أُسَارُهَا
حَتَّى تَرُوحَ ضَخْمَةً جُنُوبُهَا ... بِخِصْبِهَا شَاكِرَةٌ أَوْبَارُهَا
وَكَيْفَ لا وَمَاءُ سَلْعٍ مَاؤُهَا ... مَقْلُوةً وَالْعَلَمَانِ دَارُهَا
وَلَهُ:
دَعُوهَا تَرِدُ بَعْدَ خَمْسٍ شُرُوعَا ... وَأَرْخُوا أَزِمَّتَهَا وَالنُّسُوعَا
وَقُولُوا دَعَاءً لَهَا: لا عُقِرَتْ ... وَلا امْتَدَّ دَهْرُكِ إِلا رَبِيعَا
حَمَلْنَ نَشَاوَى بِكَأْسِ الْغَرَامِ ... وَكُلٌّ غَدًا لِأَخِيهِ رَضِيعَا
стр. 51
أَحَبُّوا فُرَادَى وَلَكِنَّهُمْ ... عَلَى صَيْحَةِ الْبَيْنِ مَاتُوا جَمِيعَا
حَرَمُوا رَاحَةَ النَّوْمِ أَجْفَانَهُمْ ... وَلَغَوْا عَلَى الزَّفَرَاتِ الضُّلُوعَا
أَسُكَّانَ رَامَةَ هَلْ مِنْ قِرَى ... فَقَدْ دَفَعَ الْلَيْلُ ضَيْفًا قَنُوعَا؟
كَفَاهُ مِنَ الزَّادِ أَنْ تُمَهِّدُوا ... لَهُ نَظَرًا وَحَدِيثًا وَسِيعَا
وَلَهُ:
حُبِّبَ إِلَيْهَا بِالْغَضَا مُرْتَبِعَا ... وَبِالنَّخِيلِ مَوْرِدًا وَمَشْرَعًا
وَبِأَثِيلاتِ النَّقَا طَلائِلا ... تَفْرِشُهَا كَرَاكِرًا وَأَذْرُعَا
مِنِّي لَهَا لَوْ جَعَلَ الدَّهْرُ لَهَا ... أَنْ تَأْمَنَ الطَّارِدَ الْمُزَعْزِعَا
عَزَّتْ فَمَا زَالَ بِهَا جَوْرُ الْهَوَى ... وَالْبِيدِ حَتَّى أَذْعَنَتْ أَنْ تَخْضَعَا
اللَّهُ يَا سَائِقُهَا فَإِنَّهَا ... جَرْعَةٌ حَتْفٌ أَنْ تَجُوزَ الْأَجْرُعَا
أَسِلْ بِهَا الْوَادِي رَفِيقًا إِنَّهَا ... تَسِيلُ مِنْهَا أَنْفُسًا وَأَدْمُعَا
وَلَهُ:
يَا سَائِقَ الْأَظْعَانِ إِنَّ مَعَ الصَّبَا ... خَبَرًا لَوْ أَنَّكَ لِلصَّبَا تَتَوَقَّفُ
هَبَّتْ لِعَارِفَةٍ تَسُوقُ مِنَ الْحِمَا ... أُرُجًا بِرِيَّا أَهْلِهِ يُتَعَرَّفُ
فَبَرُدَتْ بَيْنَ عُنَيْزَتَيْنِ وَصَارَتْ ... كَبِدًا إِلَى زَمَنِ الْحِمَى يَتَلَهْفُ
стр. 52
وَلَهُ:
رَعَتْ مِنْ تَبَالَةٍ جَوَرًا لَفِيفًا ... وَسَبْطًا يَرِفُّ عَلَيْهَا رُفُوفَا
وَسَاقَ لَهَا حَارِسُ الانْتِجَاعِ ... مِنْ حَيْثُ حَنَتْ نَمِيرًا وَرِيفَا
وَحَنَّتْ لِأَيَّامِهَا بِالْبِطَاحِ ... فَمَدَّتْ وَرَاءَ صَلِيفٍ صَلِيفَا
تُرَاوِدُ أَيْدِيهَا بِالرُّوَيْدِ ... وَيَأْبَى لَهَا الشَّوْقُ إِلا الْوَجِيفَا
فَهَلْ فِي الْخِيَامِ عَلَى الْمَأَزُمِينَ ... قَلْبٌ يَكُونُ عَلَيْهَا عَطُوفَا؟
وَهَلْ بَانُ سَلْعٌ عَلَى الْعَهْدِ مِنْهُ ... يَحْلُو ثِمَارًا وَيَدْنُوا قُطُوفَا
وَلَهُ:
مَدَّ لَهَا خِلْفُ الْغَمَامِ فَسَقَى ... وَمَدَّ مَنْ ظِلٍّ عَلَيْهَا مَا وَقَى
تَغَنَّ بِالْجَرْعَاءِ يَا سَائقَهَا ... فَإِنْ وَنَتْ شَيْئًا فَزِدْهَا الْأَبْرَقَا
وَاغْنِ عَلَى السِّيَاطِ فِي أُرْجُوزَةٍ ... بِحَاجِرٍ تَرَى السِّهَامَ الْمُرَّقَا
وَكَلَّمَا تَزْجُرُهَا حُدَاتُهَا ... رَعَى الْحِمَى رَبُّ الْغَمَامِ وَسَقَا
حَوَامِلا مِنَّا هُمُومًا ثَقُلَتْ ... وَأَنْفُسًا لَمْ تُبْقِ إِلا رَمَقَا
تَحْمِلُنَا وَإِنْ عَرِينَ قِصَبًا ... وَإِنْ دَمَيْنَ أَذْرُعَا وَأَسْوُقَا
стр. 53
دَامَ عَلَيْهَا الْلَيْلُ حَتَّى أَصْبَحَتْ ... تَحْسَبُ فَجْرَ ذَاتِ عِرْقٍ شَفَقَا
وَرَامِيَاتٍ لا يُؤَدِينَ دَمًا ... وَلا يُبَالِينَ أَسَالَ أَمْ رَقَا
وَقَفْنَ صَفًا فَرَأَيْنَ شَرَكًا ... مِنَ الْقُلُوبِ فَرَمَيْنَ طَلَقَا
عَرِّجْ عَلَى الْوَادِي فَقُلْ عَنْ كَبِدِي ... لِلْبَانِ مَا شِئْتَ الْجَوَى وَالْحُرُقَا
وَاحْجُرْ عَلَى عَيْنَيْكَ حِفْظًا أَنْ تَرَى ... غُصْنَيْنِ مِنْهُ دَنَيَا فَاعْتَنَقَا
فَطَالَمَا اسْتَظَلَلْنَهُ مُصْطَبِحًا ... سُلافَةَ الْعَيْشِ بِهِ مُغْتَبِقَا
وَلَهُ:
يَا لَزَمَانِي عَلَى الْحِمَى عَجَبًا ... أَيُّ زَمَانٍ مَضَى وَأَيُّ حِمَى؟
حَلَفْتُ بِالرَّاقِصَاتِ تُجْهِدُ أَعْنَاقًا ... خَفُوضًا وَأَظْهُرًا أَسُنُمَا
تَحْسَبُ أَشْخَاصَهَا إِذَا اخْتَلَطَتْ ... بِالْأَكَمِ الْوُقْصِ فِي الدُّجَى أَكَمَا
تَحْمِلُ شُعْثًا إِذَا هُمْ ذَكَرُوا ... ذَخِيرَةَ الْأَجْرِ غَالَطُوا السَّأَمَا
غَدَوْا سِرًّا مِنْ عَامِهِمْ وَبَقِيَ ... أَيَّامُ جُمَعٍ وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمَا
حَتَّى أَنَاخُوا بِذِي السُّتُورِ مُلَبِينَ ... بِأَرْضٍ كَادَتْ تَكُونُ سَمَا
وَلَهُ:
أُجَاذِبُهَا لَوْ أَمْكَنْتُ مِنْ زِمَامِهَا ... أُرِيدُ وَرَاءً وَالْهَوَى مِنْ أَمَامِهَا
فَمَا الْحَرْبُ إِلا بَيْنَ حِلْمِي وَخُرُقِهَا ... وَبَيْنَ زَفِيرِي خَائِفًا وَبُغَامِهَا
يَعِزُّ عَلَيْهَا نَوْمُهَا تَحْتَ كُورِهَا ... بِمَا فَاتَ مِنْ أَيَّامِهَا فِي مَسَامِهَا
стр. 54
فَلَنْ يَعْلِفَ الرَّطْبَ الْخَلِيطَ بِبَابِلٍ ... مَكَانَ أَرَاكِ حَاجِرَ وَبَشَامِهَا
فَلَيْتَ بِلادًا شَرُّهَا فِي قُصُورِهَا ... فِدَاءُ بُيُوتٍ خَيْرُهَا فِي خِيَامِهَا
وَلَهُ:
رُدُّوا لَهَا أَيَّامَهَا بِالْغَمِيمِ ... إِنْ كَانَ مِنْ بَعْدِ شَقَاءٍ نَعِيمِ
وَلا تُذِلُّوهَا فَقُدَّامُهَا ... أَدِلَّةُ الشَّوقِ وَهَادِي السَّمِيمِ
وَلَهُ:
أَمِنْ خُفُوقِ الْبَرْقِ تُرْزَمِينَا؟ ... حِنِّي فَمَا أَمْنَعُكِ الْحَنِينَا! !
سِرِي يَمِينًا وَسُرَاكِ شَأَمَةً ... فَضْلَةٌ مَا تَتَلَفَّتِينَا
نَعَمْ تَشْتَاقِينَ وَنَشْتَاقُ لَهُ ... وَنُعْلِنُ الْوَجْدَ وَتَكْتُمِينَا
فَأَيْنَ مِنْكِ الْيَوْمَ وَمِنَّا الْهَوَى؟ ... وَأَيْنَ نَجْدٌ وَالْمُغْوَرِينَا؟
وَلَهُ:
أَثَرُهَا عَلَى حُبِّ الْوَفَاءِ وَحُسْنِهِ ... تَصْعُبُ فِي أَشْطَانِهَا وَتَلِينُ
جَوَافِلُ مِنْ طَرْدِ الرِّيَاحِ قَرِيبَةٌ ... عَلَيْهَا فِجَاجُ الْأَرْضِ وَهِيَ شُطُونُ
لَهَا وَهِيَ خُرْسٌ تَحْتَ عَضِّ رِحَالِهَا ... تَشَكٍّ إِذَا جَدَّ السُّرَى وَأَنِينُ
وَلَهُ:
أَيْنَ تُرِيدُ يَا مُثِيرَ الظُّعُنِ؟ ... أَوَطَنٌ مِنْ رَامَةٍ بِوَطَنِ؟
стр. 55
حَبِسًا وَلَوْ زَادَكَ مِنْ مَضْمَضَةٍ ... بَيْنَ الْغِرَارِ خَائِفًا وَالْوَسَنِ
لَعَلْهَا أَنْ تَشْتَفِي بَائِحَةً ... بِالْعَبَرَاتِ أَعْيُنٌ مِنْ أَعْيُنٍ
كَمْ كَبَدٍ كَرِيمَةٍ فِي بُرَّةٍ ... خِزْمَتُهَا وَمُهْجَةٌ فِي رَسْنِ
يَا قَاتِلَ الْعُذَيْبِ مَوْقِفًا ... عَلَى ثُبُوتِ قَدَمِي أَزَلَّنِي
يَا زَمَنِي بِالْخَيْفِ بَلْ يَا جِيرَتِي ... فِيهِ وَأَيْنَ جِيرَتِي وَزَمَنِي؟
لَيْتَ الَّذِي كَانَ فُطَارَ شَعْثًا ... بِهِ الْفُرَاقُ بَيْنَنَا لَمْ يَكُنِ
وَلِأَبِي مَنْصُورِ بْنِ الْفَضْلِ:
تَزَاوَرُنَّ عَنْ أَذْرُعَاتٍ يَمِينَا ... نَوَاشِزُ لَسْنَ يُطِعْنَ الْبُرِينَا
كَلَفْنَ بِنَجْدٍ كَانَ الرِّيَاضَ ... أَخَذْنَ لِنَجْدٍ عَلَيْهَا يَمِينَا
وَأَقْسَمْنَ يَحْمِلْنَ إِلا نَحِيلا ... إِلَيْهِ وَيُبَلِّغْنَ إِلا حَزِينًا
стр. 56
وَلَمَّا سَمِعْنَ زَفِيرَ الْمَشُوقِ ... وَنَوْحَ الْحَمَامِ تَرَكْنَ الْحَنِينَا
إِذَا جِئتُمَا بَانَةَ الْوَادِيَيْنِ ... فَأَرْخُوا النُّسُوعَ وَحُلُّوا الْوَضِينَا
فَثَمَّ عَلائِقٌ مِنْ أَجْلِهِنَّ ... مُلاءُ الدُّجَى وَالضُّحَى قَدْ طُوِينَا
وَلَهُ:
لِأَيِّ مَرْمَى تَزْجُرُ الْأَيَانِقَا ... إِنْ جَاوَزْتَ نَجْدًا فَلَسْتَ عَاشِقَا
وَإِنَّمَا كَانَ بُكَائِي حَادِيًا ... رَكِبَ الْغَرَامَ وَزَفِيرِي سَائِقَا
وَلِأَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبَيَاضِ:
نُوقٌ تَرَاهَا كَالسُّفُنِ ... إِذَا رَأَيْتَ إِلا لَهُ بَحْرَا
كَتَبَ الْوَجَا بِدِمَائِهَا ... فِي مَهْرِقِ الْبَيْدَاءِ سَطْرَا
فَكَانَ أَرْجُلَهَا تَطْلُبُ ... عِنْدَ أَيْدِيَهُنَّ وِتْرَا
يَحْمِلْنَ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى ... شُعْثًا عَلَى الْأَكْوَارِ غُبْرَا
لاحَ الْهَجِيرُ وُجُوهَهُمْ ... فَأَحَالَ مِنْهَا الْبِيضَ سُمْرَا
стр. 57
وَلِلوَزِيرِ بْنِ الْمُغْزَى:
لِمَنْ نُوَيْقَتِي شَوْقِي وَوَجْدِي ... حَزِينٌ فَارَقَ الْإِلْفَ الْحَزِينَا
إِذَا خَضَعَتْ أَذِنْتُ لَهَا مَلِيًّا ... فَقُلْتُ: سَجَعَهَا قَلْبِي فُنُونَا
وَلَوْ وَجَدْتُ بِصَاحِي الْقَلْبِ سَالَ ... لِجَاذِبِهَا الَأَزِمَّةُ وَالْبُرِينَا
وَلابْنِ الْخَفَاجِي:
فِي كُلِّ يَوْمٍ نَشْطَةٌ وَوِثَاقُ ... فَمَتَى يَكُونُ لِدَائِهَا إِفْرَاقُ
فَاسْتَبْقِ فَضْلَتَهَا إِذَا دَبَّ الْوَنَا ... فِيهَا فَمَا كُلُّ السُّرَى أَعْنَاقُ
وَلَهُ:
ثُوَرُهَا نَاشِطَةٌ عِقَالَهَا ... قَدْ مَلَأَتْ مِنْ بَدَنِهَا جِلالَهَا
فَلَمْ تَزَلْ أَشْوَاقُهُ تَسُوقُهَا ... حَتَّى رَمَتْ مِنَ الْوَجْيِ رِحَالُهَا
مَاذَا عَلَى النَّاقَةِ مِنْ غَرَامِهِ ... لَوْ أَنَّهُ أَنْصَفَ أَوْ رَثَى لَهَا
أَرَادَ أَنْ تَشْرَبَ مَاءَ حَاجِرٍ ... أَرِيَّهَا يُطْلَبُ أَمْ كَلالُهَا
إِنَّ لَهَا عَلَى الْقُلُوبِ ذِمَّةً ... لِأَنَّهَا قَدْ عَرَفَتْ بِلْبَالَهَا
كَانَ لَهَا عَلَى الصَّبَا تَحِيَّةٌ ... أَعْجَلَهَا السَّائِقُ أَنْ تَنَالَهَا
كَمْ تَسَأَلُ الْبَارِقَ عَنْ ... سُوَيْقَةٍ فَلا يُجِبْ عَامِدًا سُؤَالَهَا
خَوْفًا عَلَى قُلُوبِهَا إِنْ عَلِمَتْ ... أَنَّ الْغَوَادِي دَرَسَتْ أَطْلالُهَا
وَامْتَدَّتِ الْغُلاةُ دُونَ حُظُوظِهَا ... كَأَنَّهَا قَدْ كَرِهَتْ زَوَالَهَا
فَعَلَّلُوهَا بِحَدِيثِ حَاجِرٍ ... وَلِتَصْنَعِ الْغُلاةُ مَا بَدَا لَهَا
стр. 58
وَلَهُ:
أَمُبِيحَهَا فَضْلَ الْأَزِمَّةِ شُمَّرِ ... فَمَعَ النَّسِيمِ تَحِيَةً مِنْ عَرْعَرِ
يَا بَانَتِي إِضْمٍ وَمِنْ دَيْنِ الْهَوَى ... بَثَّ السُّؤَالَ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يُخْبَرِ
أَعَلِمْتُمَا قَلْبِي أَقَامَ مَكَانَهُ ... أَمْ سَارَ فِي طَلَبِ الصَّبَاحِ الْمُسْفِرِ
وَلَهُ:
دَعُوهَا تُنَاضِلُ بِالْأَذْرُعِ ... فَأَيْنَ الْعَوَاصِمُ مِنْ لَعْلَعِ
وَقُودُوا أَزِمَّتَهَا بِالْحَنِينِ ... فَلَوْلا الصَّبَابَةُ لَمْ تَتْبَعِ
وَلِشَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِعِ:
دَعِ الْمَطَايَا تَنَسَّمُ الْجَنُوبَا ... إِنَّ لَهَا لَنَبَأً عَجِيبَا
حَنِينُهَا وَمَا اشْتَكَتْ لُغُوبَا ... يَشْهَدُ أَنْ قَدْ فَارَقَتْ حَبِيبَا
شَامَتْ بِنَجْدٍ بَارِقًا كَذُوبًا ... أَذْكَرَهَا عَهْدَ هَوًى قَرِيبَا
فَغَادَرَ الشَّوْقُ لَهَا حَنِينَا ... يُضَرِّمُ فِي فُؤَادِهَا لَهِيبَا
تَرُومُ إِذَا مَا اسْتَشْرَفَتْ كَثِيبَا ... كَانَ بِالرَّمْلِ لَهَا سُقُوبَا
يُمْسِي إِذَا حَنَّتْ لَهَا مُجِيبَا ... لَوْ غَادَرَ الشَّوْقُ لَنَا قُلُوبَا
إِذًا لَآثَرْنَا لَهُنَّ النِّيبَا ... إِنَّ الْغَرِيبَ يُسْعِدُ الْغَرِيبَا
وَلَهُ:
مَا عَلَى حَادِي الْمَطَايَا لَوْ تَرَفَّقَ ... رَيْثَمَا أَسْكُبُ دَمْعِي ثُمَّ أُعْتَقَ
هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي يَعْرِفُهَا بِالْهَوَى ... مِنْ أَهْلِهِ مَنْ كَانَ أَشْوَقَ
стр. 59
وَلِعَلِيِ بْنِ أَفْلَحٍ:
دَعْهَا لَكَ الْخَيْرُ وَمَا بَدَا لَهَا ... مِنَ الْحَنِينِ نَاشِطًا عِقَالَهَا
وَلا تُعِقْهَا عَنْ عَقِيقِ رَامَةَ ... فَإِنَّهَا ذَاكِرَةٌ إِفَالَهَا
وَلا تُعَلِّلُهَا نَحْوَ بَابِلَ ... فَهُوَ أَهَاجَ بِالْجَوَى بِلْبَالَهَا
نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِذَا جِئْتَ الرُّبَى ... فَرُدَّ أَضَالَّهَا وَاسْتَطِلْ ضَالَّهَا
وَنَاوِحِ الْوَرَقَ بِشَجْوِ ثَاكِلٍ ... أَطْغَى لَهَا رَيْبُ الرَّدَى أَطْفَالَهَا
وَلِي مِنْ قَصِيدَةٍ:
وَحُرْمَةُ شُعْثٍ عَلَيَّ فَكُلُّ نِضْوٍ ... بَرَاهُنَّ مِنْ أَلَمٍّ مَا بَرَانِي
إِذَا ذَكَّرْنَهَا الْحَداةُ الْهَوَى ... قَطَعْنَ الثَّرَى قَطْعَ وَجْدٍ عَنَانِي
تَطَايَرْنَ وَالشَّوْقُ يَدِّنُ مِنِّي ... وَكُلُّ الْمُنَى عِنْدَ ذَاكَ الْمَكَانِ
فَلَمَّا عَلَوْنَ فُوَيْقَ الْكُثْبِ ... تَرَاءَيْنَ ذَاكَ الْبَرِيقَ الْيَمَانِي
وَلِي فِي أُخْرَى:
لا وَشُعْثٍ فَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ ... يَسْتَكِينُونَ الطَّرِيقَ الْأَوْعَرَا
كُلَّمَا غَنَّى بِهِمْ حَادِيهِمْ ... أَجَدَّتْ عِيسُهُمْ تُغْرِي الْبُرَا
أَعْصَفَتْ فِي سَيْرِهَا إِذْ طَرِبَتْ ... أَمِنًى ذِكْرُهَا وَالْأَجْفَرَا
وَافَقَتْ مَنْ حَمَلَتْ فِي شَوْقِهِمْ ... فَتَنَاسَتْ بِالْهَوَى طُولَ السُّرَى
стр. 60
بَابُ حَجِّ الْمَاشِي
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعَدَّلُ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَحَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، أَنْبَأَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ مِنْ أُمَّتِي إِلَى عَرَفَاتٍ مَاشِيًا كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: «الْحَسَنَةُ بِأَلْفِ حَسَنَةٍ»
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْوَرَّاقُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَدْرٍ، أَنْبَأَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَا أَجِدُنِي آسَى عَلَى شَيْءٍ لَمْ أَعْمَلْهُ إِلا أَنَّنِي لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا.
فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ؟ فَقَالَ: مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَةَ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لِلرَّاكِبِ سَبْعُونَ حَسَنَةً، وَلِلمَاشِي سَبْعُ مِائَةِ حَسَنَةٍ»
стр. 61
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالا: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَنْبَأَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ سَوَادَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: مَرِضَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَرَضًا شَدِيدًا، فَدَعَا وَلَدَهُ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَ مِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» ، قِيلَ لَهُ: " وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ "
قَرَأْتُ عَلَى الْحَرِيرِيِّ، عَنِ الْعُشَارِيِّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُصَيْنِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَالِمٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَاجِّ وَتَعْتَنِقُ الَمُشَاةَ»
وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ سَاجٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، أَنَّ آدَمَ ﵇ «حَجَّ عَلَى رِجْلَيْهِ سَبْعِينَ حَجَّةً» .
стр. 62
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَجَّ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ﵉ مَاشِيَيْنِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيْوَةَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَعْرُورٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ خَلادِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «حَجَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ، وَخَرَجَ مِنْ مَالِهِ لِلَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَقَاسَمَ اللَّهَ تَعَالَى مَالَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَيُعْطِي نَعْلا وَيُمْسِكُ نَعْلا»
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي ابْنُ كَيْلُونَه، حَدَّثَنِي سَمْنُونٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ السَّقَّا، «وَكَانَ قَدْ حَجَّ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْ نَيْسَابُورَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدَّلُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ صَفْوَانٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: «سَافَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ إِلَى مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَفَرًا حَافِيًا مُحْرِمًا صَائِمًا»
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيُّ، يَقُولُ: «حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حَجَّةً عَلَى قَدَمِي»
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي طَالبٍ الْعُشَارِيِّ، حَدَّثَنَا مُبَادِرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَزْهَرِ عَبْدَ الْوَاحَدِ بْنَ مُحَمَّدٍ
стр. 63
الْفَارِسِيَّ، قَالَ: لَقِيتُ إِبَرَاهِيمَ الْجَبَلِيَّ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ وَتَزْوِيجِهِ بِابْنَةِ عَمِّهِ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْبَادِيَةَ حَافِيًا، فَحَدَّثَنِي " أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَتَزَوَّجَ، شُغِفَ بِابْنَةِ عَمِّهِ شَغَفًا شَدَيدًا حَتَّى مَا كَانَ يُفَارِقُهَا لَحْظَةً، قَالَ: فَتَفَكَّرْتُ لَيْلَةً فِي كَثْرَةِ مَيْلِي إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: مَا يَحْسُنُ بِي أَنْ أَرِدَ الْقِيَامَةَ وَفِي قَلْبِي هَذَه! ، فَتَطَهَّرْتُ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَقُلْتُ: رَبِّ رُدَّ قَلْبِي إِلَى مَا هُوَ أَوْلَى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى، وَتُوُفِّيَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَنَوَيْتُ الْخُرُوجَ حَافِيًا مِنْ وَقْتِي إِلَى مَكَّةَ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَيَّاشَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: " خَرَجَ أَبُو حَمْزَةَ الصُّوفِيُّ مِنْ قَزْوِينَ مُحْرِمًا رَاجِلا، فَحَجَّ وَرَجَعَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا خَرَجْتُ إِلا لِأَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ لا يَرْزُقَنِي مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ قُوَّتِي "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ، أَنْبَأَنَا الْخَوَّاصُ، قَالَ: سَمِعْتُ حَسَنًا أَخَا سِنَانٍ الدَّيْنَوَرِيَّ، يَقُولُ: «حَجَجْتُ سِتَّ عَشْرَةَ حَجَّةً رَاجِلا حَافِيًا بِغَيرِ زَادٍ»
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ
стр. 64
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَجَّ سَعِيدُ بْنُ وَهْبٍ مَاشِيًا، فَبَلَغَ مِنْهُ وَجَهِدَ، فَقَالَ:
قَدَمَيَّ اعْتَوِرَا رَمْلَ الْكَثِيبِ ... وَاطْرُقَا الْآجَنَ مِنْ مَاءِ الْقَلِيبِ
رُبَّمَا يَوْمٌ رُحْتُمَا فِيهِ عَلَى ... زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَفِي وَادٍ خَصِيبِ
وَسَمَاعٍ حَسَنٍ مِنْ حَسَنٍ ... صَخِبَ الْمُزْهِرُ كَالظَّبْيِ الرَّبِيبِ
فَاحْسِبَا ذَاكَ بِهَذَا وَاصْبِرَا ... وَخُذَا مِنْ كُلِّ فَنٍ بِنَصِيبِ
إِنَّمَا أَمْشِي لِأَنِّيَّ مُذْنِبٌ ... فَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ ذُنُوبِي
стр. 65
بَابٌ ذِكْرُ الْمَنَازِلِ وَمَا يُقَالُ فِيهَا
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، أَنْبَأَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَ أَنَّهُ سَمِعَ بِشْرَ بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ، تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: " مَنْ نَزَلَ مَنْزِلا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنزِلِهِ ذَلِكَ ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ لِخَوْلَةَ ﵂ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُهُ
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَزَا أَوْ سَافَرَ، فَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ، قَالَ: «يَا أَرْضُ! رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ أَسَدٍ وَأَسْودَ، وَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ، وَمِنْ شَرِّ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ شَرِّ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ بِسَاكِنِ الْبَلَدِ: الْجِنَّ.
وَالْبَلَدَ: مَا كَانَ
стр. 66
مَأْوَى الْحَيَوَانِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْوَالِدِ: إِبْلِيسَ، وَمَا وَلَدَ: الشَّيَاطِينَ.
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ «كَانَ إِذَا سَافَرَ فَنَزَلَ مَنْزِلا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»
стр. 67
بَابُ ذِكْرِ بَعْضِ الْمَنَازِلِ الْمَشْهُورَةِ وَبَعْضِ مَا جَرَى فِيهَا
ذِكْرُ الْكُوفَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ النَّرْسِيِّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَاجِبِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَجْيَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحُلْوَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيُّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَمَرَرْنَا بِالْكُوفَةِ، فَإِذَا بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ يَهْذِي، فَقُلْتُ: اسْكُتْ، فَقَدْ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَكَتَ، فَلَمَّا حَاذَاهُ الْهَوْدَجُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَدَّثَنِي أَيْمَنُ بْنُ نَائِلٍ، أَنْبَأَنَا قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِنًى عَلَى جَمَلٍ وَتَحْتَهُ رَحْلٌ رَثٌّ فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَرْدٌ وَلا ضَرْبٌ وَلا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» .
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ.
قَالَ: قَدْ عَرَفْتُهُ، قُلْ يَا بُهْلُولُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ:
هَبْ أَنَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الْأَرْضَ طُرًّا ... وَدَانَ لَكَ الْعِبَادُ فَكَانَ مَاذَا؟
أَلَيْسَ غَدًا مَصِيرُكَ جَوْفُ قَبْرٍ ... وَيَحْثُو التُّرْبَ هَذَا ثُمَّ هَذَا؟
فَقَالَ: أَجَدْتَ يَا بُهْلُولُ، أَفَغَيْرُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ جَمَالا وَمَالا فَعَفَّ فِي جَمَالِهِ، وَوَاسَى فِي مَالِهِ، كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْأَبْرَارِ.
قَالَ: فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ شَيْئًا، قَالَ: فَإِنَّا قَدْ أَمَرْنَا بِقَضَاءِ دَيْنِكَ، قَالَ: لا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا تَقْضِ دَيْنًا بِدَيْنٍ، ارْدُدِ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، فَاقْضِ دَيْنَ نَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ.
стр. 68
قَالَ: إِنَّا قَدْ أَمَرْنَا أَنْ يُجْرَى عَلَيْكَ.
قَالَ: لا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لا يُعْطِيكَ وَيَنْسَانِي، أَجْري عَلَى الَّذِي أَجْرَى عَلَيْكَ، لا حَاجَةَ لِي فِي جِرَايَتِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَفَاجِيُّ:
وَدَعِ النَّسِيمَ يُعِيدُ مِنْ أَخْبَارِهِ ... فَلَهُ حَوَاشٍ لِلْحَدِيثِ رِقَاقُ
مَا ثَمَّ مَنْ عُلِّقَ النَّسِيمَ بِغَائِبٍ ... إِلا وَقَدْ شَهِدَتْ بِهِ الْآمَاقُ
وَلَهُ:
وَمُهَوِّنٌ لِلْوَجْدِ يَحْسَبُ أَنَّهَا ... يَوْمَ الْعُذَيْبِ مَدَامِعُ وَخُدُودُ
سَلْ بَانَةَ الْوَادِي فَلَيْسَ يَفُوتُهَا ... خَبَرٌ يَطُولُ بِهِ الْجَوَى وَيَزِيدُ
وَانْشُدْ مَعَ الصَّبَاحِ وَقُلْ لَهُ: ... كَمْ تَسْتَطِيلُ بِكَ الْلَيَالِي السُّودُ؟
وَإِذَا هَبَطْتَ الْوَارِدَيْنِ وَفِيهِمَا ... دِمَنٌ عَلَى الْبِلَى وَعُهُودُ
فَاخْدَعْ فُؤَادِي فِي الْخَلِيطِ فَكُلٌّ ... يَهْفُو عَلَى آثَارِهِمْ وَيَعُودُ
أَصَبَابَةٌ بِالْجِزْعِ بَعْدَ سُوَيْقَةٍ ... سَفْلٌ لَعَمْرُكَ يَا أُمَيْمُ جَدِيدُ
وَلِي فِي قَصِيدَةٍ:
لِي شُغُلٌ عَنِ الرُّقَادِ شَاغِلِي ... مَنْ هَاجَدَ الْبَرْقَ بِسَفْحٍ عَاقِلٍ
يَا صَاحِبِي هَذِهِ رِيَاحُ رَبْعِهِمْ ... قَدْ أَخْبَرَتْ شَمَائِلَ الشَّمَائِلِ
نَسِيمُهُمْ سُحَيْرَى الرِّيحِ ... مَا يُشْبِهُهُ رَوَائِحُ الْأَصَائِلِ
مَا لِلصَّبَا مُولَعَةٌ بِذِي الصِّبَا ... أَوَ صَبَا فَوْقَ الْغَرَامِ الْقَاتِلِ
مَا لِلْهَوَى الْعُذَرِيِّ فِي دِيَارِنَا ... أَيْنَ الْعُذَيْبُ مِنْ قُصُورِ بَابِلِ؟
لا نَطْلُبُوا ثَارَاتِنَا يَا قَوْمَنَا ... دِمَاؤُنَا فِي أَذْرُعِ الرَّوَاحِلِ
للَّهِ دَرُّ الْعَيْشِ فِي طِلابِهِمْ ... وَلَّى وَكَمْ أُسَارٍ فِي الْمَفَاصِلِ
стр. 69
وَاطْرَبِي إِذَا رَأَيْتِ أَرْضَهُمْ ... هَذَا وَفِيهَا رَمَيْتُ مُقَاتِلِي
يَا طُرَّةَ الشِّيحِ سُقِيتِ أَدْمُعِيِ ... وَلا ابْتُلِيتِ بِالْهَوَى تَمَايُلِي
مَيْلُكِ مِنْ زَهْوٍ وَمَيْلِي عَنْ أَسًى ... مَا طَرَبُ الْمَخْمُورِ مِثْلُ الثَّاكِلِ
ذِكْرُ فِيدَ
! ٢٠٨ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
سَقَى اللَّهُ حَيًّا بَيْنَ صَارَةَ وَالْحِمَى ... حِمَى فِيدَ صَوْبَ الْمُرْخِيَاتِ الْمَوَاطِرِ
آمِينَ وَادَى إِلَيْهِ رُكَّعًا إِلَيْهِمْ ... بَخَيْرٍ وَرَقَّاهُمْ حَمَامَ الْمَقَادِرِ
ذِكْرُ الْحَاجِرِ
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ اللُّغَوِيُّ: الْحَاجِرُ مِنَ الْحَجَرِ، وَهُوَ مَحْبَسُ الْمَاءِ، وَالْجَمْعُ: حُجَرَانٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فَارِسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَيْرَ النُّسَّاجِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصَ، وَقَدْ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ، وَكَانَ غَابَ عَنِّي سِنِينَ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي أَصَابَكَ فِي سَفَرِكَ؟ فَقَالَ: عَطِشْتُ عَطَشًا شَدِيدًا حَتَّى سَقَطْتُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَإِذَا أَنَا بِمَاءٍ قَدْ رُشَّ عَلَى وَجْهِي، فَلَمَّا أَحَسَسْتُ
стр. 70
بِبَرْدِهِ، فَتَحْتُ عَيْنَيَّ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ حَسَنِ الْوَجْهِ وَالزِّيِّ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ، عَلَى فَرِسٍ أَشْهَبَ، فَسَقَانِي حَتَّى رَوِيتُ، ثُمَّ قَالَ: ارْتَدِفْ خَلْفِي، وَكُنْتُ بِالْحَاجِرِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ، قَالَ: أَيْشِ تَرَى؟ قُلْتُ: الْمَدِينَةَ.
قَالَ: انْزِلْ وَاقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّيَ السَّلامَ، وَقُلْ: أَخُوكَ الْخَضِرُ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ.
وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَفِيهَا قُلْ لَهُ: رِضْوَانُ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ كَثِيرًا.
وَقَالَ مِهْيَارٌ فِي ذِكْرِ الْحَاجِرِ:
يَا قَلْبُ صَبْرًا عَسَاكَ حِينَ حُرِمْتَ ... الْوَصْلَ تُعْطَى مَثُوبَةَ الصَّابِرِ
حِجْرٌ عَلَيْكَ الْإِطْرَابُ بَعْدَ لَيَالِيكَ ... اللَّوَاتِي انْطَوَتْ عَلَى حَاجِرِ
ذَلِكَ عَهْدٌ نَاسِي بَشَاشَتِهِ ... أَسْعَدُ حَظًّا بِهِ مِنَ الذَّاكِرِ
وَلَهُ:
أَهْفُو لِعُلْوَى الرِّيَاحِ إِذَا جَرَتْ ... وَأَظُنُّ رَامَةَ كُلَّ وَادٍ أَقْفَرَتْ
وَيَشُوقُنِي رَوْضُ الْحِمَى مُتَنَفَّسًا ... يَصِفُ التَّرَائِبَ وَالْبُرُوقَ إِذَا سَرَتْ
يَا دِينَ قَلْبِي مِنْ لَيَالِي حَاجِرٍ ... مَكَرَتْ بِهِ فَقَضَتْ عَلَيْهِ وَانْقَضَتْ
وَلَهُ:
أَسِفْتُ لِحُلْمٍ كَانَ لِي يَوْمَ بَارِقٍ ... فَأَخْرَجَهُ جَهْلُ الصَّبَابَةِ عَنْ يَدِي
وَمَا زِلْتُ أَبْكِي كَيْفَ حُلَّتْ بِحَاجِرٍ ... قُوًى جَلَدَى حَتَّى تَدَاعَى تَجَلُّدِي
تَحَرَّشَ بِأَحْقَافِ اللِّوَى عُمِّرَ سَاعَةً ... وَلَوْلا مَكَانَ الرَّيْبِ قُلْتُ لَكَ: ازْدَدِ
وَقُلْ: صَاحِبٌ لَهُ ضَلَّ بِالرَّمْلِ قَلْبُهُ ... لَعَلَّكَ أَنْ يَلْقَاكَ هَادٍ فَتَهْتَدِي
стр. 71
وَسَلِّمْ عَلَى مَاءٍ بِهِ بَرَدُ غُلَّتِي ... وَظِلِّ أَرَاكٍ كَانَ لِلوَصْلِ مَوْعِدِي
وَقُلْ لِحَمَامِ الْبَانَتَيْنِ مُهَنِّئًا ... تَغَنَّ خَلِيًّا مِنْ غَرَامِي وَغَرِّدِ
أَعِنْدَكُمْ يَا قَاتِلِينَ بَقِيَّةٌ ... عَلَى مُهْجَةٍ إِنْ لَمْ تَمُتْ فَكَانَ قَدِ؟
وَيَا أَهْلَ نَجْدٍ كَيْفَ بِالْغَوْرِ عِنْدَكُمْ ... بَقَاءُ تِهَامِيٍّ يَهِيمُ بِمُنْجِدِ؟
مَلَكْتُمْ عَزِيزًا رِقُّهُ فَتَعَطَّفُوا ... عَلَى مُنْكِرٍ لِلذُّلِ لَمْ يَتَعَوَّدِ
وَلَهُ:
يَا لَيْلَتِي بِحَاجِرٍ ... إِنْ عَادَ مَاضٍ فَارْجِعِي
أَرْضَى بِأَخْبَارِ الرَّيَاحِ ... وَالْبُرُوقِ الْلُمَّعِ
وَأَيْنَ مِنْ بَرْقَ الْحِمَى ... شَائِمَةٌ بِلَعْلَعِ
وَلابْنِ فَارِسٍ:
لَوْلا يُذْكَرُ مَنْ ذَكَرْتُ بِحَاجِرٍ ... لَمْ أَبْكِ فِيهِ مَوَاقِدَ النِّيرَانِ
يَا وَاقِفَيْنَ مَعِي عَلَى الدِّيَارِ طَالَمَا ... غَبَرْتُهُ بِهَا إِنْ كُنْتُمَا تَقِفَانِ
مَنَعَ الْوُقُوفَ عَلَى الْمَنَازِلِ طَارِقٌ ... أَمَرَ الدُّمُوعَ بِمُقْلَتِي وَنَهَانِي
إِنَّا لَنَجْتَمِعُ عَلَى الْبُكَاءِ وَكُلُّنَا ... نَبْكِي عَلَى شَجَنٍ مِنَ الْأَشْجَانِ
ذِكْرُ شَجَرِ أُمِّ غَيْلانَ
قَالَ شَاهُ بْنُ شُجَاعٍ الْكِرْمَانِيُّ: دَخَلْتُ الْبَادِيَةَ فَرَأَيْتُ غُلامًا أَمْرَدَ كَأَنَّهُ مُوَسْوَسٌ لا يَأْلَفُ أَهْلَ الْقَافِلَةِ، فَسَاعَةً يُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ وَسَاعَةً يَصِيحُ فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ فِي شَأْنِهِ، وَمِنْ أَيْنَ مَعَاشُهُ، وَمَا كَانَ مَعَهُ زَادٌ وَلا وِطَاءٌ، فَرَاقَبْتُهُ يَوْمًا فَدَخَلَ وَسَطَ شَجَرِ أُمِّ غَيْلانَ، فَتَبِعْتُهُ فَإِذَا هُوَ يَجْنِي مِنْ شَجَرِهِ شَيْئًا يَأْكُلُهُ، فَلَمَّا بَصُرَ بِي، أَنْشَأَ يَقُولُ:
بِاعْتِزَالِي عَنْكُمُ فِي الْخَلَوَاتِ ... صَارَ طُعْمِيَ التَّمْرُ فِي الْفَلَوَاتِ
стр. 72
بَابُ ذِكْرِ الْأَمْيَالِ وَبَعْضِ مَا جَرَى عِنْدَهَا وَفِي الطَّرِيقِ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْلُونَ، حَدَّثَنِي سَمْنُونٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلَيُّ بْنُ شُعَيْبٍ السَّقَّاءُ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْ نَيْسَابُورَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً، وَكَانَ عَادَتُهُ الرُّكُوعَ عِنْدَ كُلِّ مِيلٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِتَشْهَدَ لَهُ الْبِقَاعُ، قَالَ: «جِئْتُ إِلَى مِيلٍ أُصَلِّي، فَلَمَّا اسْتَفْتَحْتُ الصَّلاةَ وَرَفَعْتُ يَدَيَّ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحَرَامِ، دَاخَلَنِي شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبِ، فَذَهَبَ عَقْلِي، فَمَكَثْتُ فِي مَوْضِعِي ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدَخَلْتُ الْمَنْزِلَ فَوَجَدْتُهُ آخِرَ الشَّهْرِ»
! ٢١٠.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَرْدِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ تَمَكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيَّ، سَمِعْتُ عَلُّوشَ الدَّيْنَوَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُرِّيَّ، يَقُولُ: " كُنْتُ بِمَكَّةَ فَخَطَرَ لِي خَاطِرُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَخَرَجْتُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ أَمْشِي، فَإِذَا أَنَا بِشَابٍّ مَطْرُوحٍ إِلَى جَانِبِ مِيلٍ، عَلَيْهِ خِرْقَتَانِ وَهُوَ يَنْزِعُ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَنَظَرَ إِلَيَّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَنَا إِنْ مِتُّ فَالْهَوَى حَشْوُ قَلْبِي ... وَبِدَاءِ الْهَوَى تَمُوتُ الْكِرَامُ
стр. 73
وشَهَقَ شَهْقَةً كَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، فَكَفَّنْتُهُ فِي أَطْمَارِهِ وَرَجَعْتُ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ الْوَرَثَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَارَسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْهَبِ السَّائِحُ، قَالَ " رَأَيْتُ بَيْنَ الثَّعْلَبِيَّةِ وَالْخُزَيْمِيَّةِ غُلامًا قَائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ الْأَمْيَالِ، قَدِ انْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَضَى صَلاتَهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: مَا مَعَكَ مُؤْنِسٌ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: أَمَامِي، وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعنْ شِمَالِي، وَفَوْقِي.
فَعَلِمْتُ أَنَّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةً، فَقُلْتُ: أَمَا مَعَكَ زَادٌ؟ قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: الْإِخَلاصُ لِلَّهِ ، وَالتَّوْحِيدُ، وَالْإِقْرَارُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِيمَانٌ صَادِقٌ، وَتَوَكُّلٌ وَاثِقٌ.
قُلْتُ: هَلْ لَكَ بِمُرَافَقَتِي؟ قَالَ: الرَّفِيقُ يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ، وَلا أُحِبُّ أَنْ أُرَافِقَ أَحَدًا فَأَشْتَغِلُ بِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
قُلْتُ: أَمَا تَسْتَوْحِشُ فِي هَذِهِ البَرِّيَّةِ وَحْدَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْأُنْسَ بِاللَّهِ قَطَعَ عَنِّي كُلَّ وَحْشَةٍ، حَتَّى لَوْ كُنْتُ بَيْنَ السِّبَاعِ مَا خِفْتُهَا وَلا اسْتَوْحَشْتُ مِنْهَا، فَقُلْتُ: فَمِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ قَالَ: الَّذِي غَذَّانِي فِي ظُلَمِ الْأَرْحَامِ صَغِيرًا تَكَفَّلَ بِرِزْقِي كَبِيرًا.
قُلْتُ: فَفِي أَيِّ وَقْتٍ تَجِيئُكَ الْأَسْبَابُ؟ فَقَالَ: لِي حَدٌّ مَعْلُومٌ وَوَقْتٌ مَفْهُومٌ، إِذَا احْتَجْتُ إِلَى الطَّعَامِ أَصَبْتُهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كُنْتُ، وَقَدْ عَلِمَ مَا يُصْلِحُنِي، وَهُوَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنِّي.
قُلْتُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنْ رَأَيْتَنِي فَلا تُكَلِّمْنِي، ولا تُعْلِمْ أَحَدًا أَنَّكَ تَعْرِفُنِي، قُلْتُ: لَكَ ذَاكَ، فَهَلْ حَاجَةٌ غَيْرُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا تَنْسَانِي
стр. 74
فِي دُعَائِكَ، وَعِنْدَ الشَّدَائِدِ إِذَا نَزَلَتْ بِكَ فَافْعَلْ.
قُلْتُ: كَيْفَ يَدْعُو مِثْلِي لِمِثْلِكَ، وَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي خَوْفًا وَتَوَكُّلا؟ فَقَالَ: لا تَقُلْ هَذَا، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ لِلَّهِ قَبْلِي، وَصُمْتَ قَبْلِي، وَلَكَ حَقُّ الْإِسْلامِ وَمَعْرِفَةُ الْإِيمَانِ.
قُلْتُ: فَإِنَّ لِي أَيْضًا حَاجَةً.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: ادُعُ اللَّهَ لِي.
قَالَ: حَجَبَ اللَّهُ طَرْفَكَ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ، وَأَلْهَمْ قَلْبَكَ الْفِكْرَ فِيمَا يَعْنِيهِ حَتَّى لا يَكُونَ لَكَ هَمٌّ إِلا هُوَ.
قُلْتُ: يَا حَبِيبِي مَتَى أَلْقَاكَ، وَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِلِقَائِي فِيهَا، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَإِنَّهَا مَجْمَعُ الْمُتَّقِينَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُخَالِفَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ وَنَدَبَكَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ لِقَائِي فَاطْلُبْنِي مَعَ النَّاظِرِينَ إِلَى اللَّهِ فِي زُمْرَتِهِمْ.
قُلْتُ: كَيْفَ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِغَضِّ طَرْفِي لَهُ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ وَاجْتِنَابِي فِيهِ كُلَّ مُنْكَرٍ وَمَأْثَمٍ، وَقَدْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَجْعَلَ جَنَّتِيَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ صَاحَ وَأَقْبَلَ يَسْعَى حَتَّى غَابَ عَنْ بَصَرِي "
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حُكِيَ أنَّ بَعْضَ الْمُتْرَفِينَ مَالَ إِلَى طَرِيقَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَاسْتُصْرِفَ لِصُحْبَتِهِمْ وَالاخْتِلاطِ بِهِمْ، فَشَاوَرَ فِي هَذَا بَعْضَ مَشْيَخَتِهِمْ، فَرَدَّهُ عَمَّا تَشَرَّفَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا وَحَذَّرَهُ، فَأَبَتْ نَفْسُهُ إِلا إِجَابَةَ مَا جَذَبَتْهُ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، فَمَالَ إِلَى فَرِيقٍ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ فَتَعَلَّقَ بِهِمْ، ثُمَّ صَحِبَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَجِّ، فَعَجَزَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَنْ مُسَايَرَتِهِمْ، وَقَصَّرَ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ، فَمَضَوْا وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ، فَاسْتَنَدَ إِلَى بَعَضِ الْأَمْيَالِ إِرَادَةَ الاسْتِرَاحَةِ مِنَ الْإِعْيَاءِ وَالْكَلالِ، فَرَآهُ الشَّيْخُ الَّذِي شَاوَرَهُ فِيمَا حَصَلَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَتَسَنَّمَهُ فَنَهَاهُ وَحَذَّرَهُ، فقال هذا الشيخ مخاطبا له
إن الذين بخير كنت تذكرهم ... قضوا عليك وعنهم كنت أنهاكا
стр. 75
فقال له الفتى فما أصنع الآن؟ فقال
لا تطيقن حياة عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا
أخبرنا أبو بكر الصوفي، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْكَتَّانِيَّ، يَقُولُ: " كُنْتُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَإِذَا أَنَا بِهِمْيَانٍ تَلْمَعُ مِنْهُ الدَّنَانِيرُ، فَهَمَمْتُ أَنْ آخُذَهُ فَأَحْمِلَهُ إِلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ مِنْ وَرَائِي: إِنْ أَخَذْتَهُ سَلَبْنَاكَ فَقْرَكَ "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ الْحِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطَاءٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: " كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ عَلَى جَمَلٍ، فَغَاصَتْ رِجْلُ الْجَمَلِ فِي الرَّمْلِ، فَقُلْتُ: جَلَّ اللَّهُ.
فَقَالَ الْجَمَلُ: جَلَّ اللَّهُ "
! ٢١٥ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَنَّانًا الْحَمَّالَ، يَقُولُ: " دَخَلْتُ الْبَرِّيَّةَ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ وَحْدِي فَاسْتَوْحَشْتُ، فَإِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ
следующие страницы →