← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن يعينه على جميع ما يريد، فهدم ذلك الرومي قدر نصف المنار فأزال المرآة التي كانت غرضه وأراد هدم الكل فضج أهل الإسكندرية وعلموا أنها مكيدة وحيلة، فلما استفاض ذلك خشي الرومي على نفسه فهرب في الليل في مركب كان قد أعده لذلك الوقت، وبقيت المنارة على ذلك المقدار. وارتفاع هذا المنار ثلثمائة ذراع بالرشاشي (١) وهو ثلاثة أشبار، وأمر الإسكندرية ومنارها أشهر من أن يطال الكتاب بذكره، وبين الإسكندرية والمنارة في البحر ميل وفي البر ثلاثة أميال. والإسكندرية من عمالة مصر قاعدة من قواعدها، وأرض مصر تتصل حدودها من جهة الجنوب ببلاد النوبة ومن جهة الشمال بالبحر الشامي ومن جهة الشام بفحص التيه ومن جهة الشرق ببحر القلزم ومن جهة الغرب ببلاد الواحات. فأما المنار اليوم فهو ثلاثة أحزم، الأول مربع البناء قد عمل أحسن عمل بحجارة مربعة قد أخفي الصاقها حتى صارت كالحجر الواحد لم يغيره الزمان، وارتفاعه ثلثمائة ذراع وعشرون ذراعاً ثم ترك في أعلاه قدر غلظ الحائط وهو ثمانية أشبار ونحو عشرة أذرع سوى الغلط ورفع ما بقي من البناء مثمن الشكل طوله ثمانون ذراعاً ثم ترك غلظ حائطه وهو أقل من غلظ الأسفل وهو ثمانية اذرع سوى ذلك، ثم أقيم عليه بناء مربع الشكل ارتفاعه خمسون ذراعاً أو نحوها، وفي أعلى ذلك مسجد ينسب لسليمان ﵇ وفي الناحية الشمالية من البناء كتابة بالنحاس لم يقدر أحد على فكها ولا معرفة ما هي، وباب المنار من حديد لا يعلم له عهد ويرقى إلى الباب من أسفل المنار في علوة لا تتبين وكذلك إلى أعلى الحزام الأول في طريق يمشي فيه فارسان متواكبان (٢) في أرض سهلة لا يعلم الراقي فيه هل هو راق أو ماش، وفي كل عطف من هذا العقد باب دار في داخلها بيوت مربعة، سعة كل بيت منها من عشرين ذراعاً إلى عشرة أذرع قد فتح لها مضاو ومنافس للهواء لئلا تهدمها الرياح، وعدد ما في المنار من البيوت ثلثمائة وأربعة وستون بيتاً، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها اثنان وسبعون عطفاً في كل عطف اثنتا عشرة درجة، وبيوتها كلها آزاج معقودة، وبناء المنار كله معقود بخشب الساج، وعدد أبوابه الظاهرة اثنان وعشرون باباً فتحت لتخترقه الرياح ولولا ذلك لهدمته وهذا المنار من دخله ولم يعرف مسالكه تاه فيه وضل لأن فيه طرقاً تؤول إلى أسفله وإلى البحر، ويقال إن جيش صاحب المغرب حين وصل الإسكندرية وذلك في خلافة المقتدر دخل جماعة منهم المنار على خيولهم ليروا ما فيه من الغرائب فتاهوا وتهوروا هم ودوابهم وفقد منهم عدد كبير. وكان البحر أثر في أسفل المنارة من غربيها كالكهف العظيم فسد بعض أمراء مصر ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض، فالبحر يضرب اليوم في تلك الأساطين فلا يوثر فيها شيئاً. وفي جهة الشمال من المنار، بناء عظيم عريض قد ارتفع من فم البحر حتى ظهر على وجه الماء يدل على أنه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمى ذلك البنيان الفاروس، وتحته مرسى السفن لأنه يكف عنها الريح والموج، وقد زعم قوم أن ذلك الظاهر ليس ببناء وإنما هو هدم من حجارة المنار الذي ذكرناه. ولهذه المنارة بالإسكندرية مجمع في العام يسمونه بخميس العدس، وهو أول خميس من شهر نيسان لا يتخلف في الإسكندرية عن الخروج إلى المنار ذلك اليوم أحد، وقد أعدوا لذلك الأطعمة والأشربة، ولا بد في ذلك الطعام من العدس، فيفتح بابها للناس ويدخلون فيها، فمن ذاكر لله تعالى ومصل ومن لاه متفرغ، فيقيمون إلى نصف النهار ثم ينصرفون، ومن ذلك اليوم بعينه يحترس البحر. وفي المنارة قوم مرتبين يوقدون النار بالليل كله في الحزام الأول، ليؤم أهل السفن سمت تلك النار من جميع البلاد، ويوقد صاحب السفينة النار في سفينته، فإذا رأى المحترسون النار في البحر زادوا في وقود النار وأوقدوها من جهة المدينة، فإذا رأى ذلك محرسو المدينة ضربوا الأبواق والأجراس حذراً من العدو. وكان حول المنار مغايص يستخرج منها أنواع الأحجار، يتخذ منها فصوص الخواتم، وكان حول المنارة من تلك الجواهر كثير، فيقال إن الإسكندر غرق ذلك حول المنار ليوجد هناك إذا طلب فيكون ذلك الموضع أبقى لها ويرى الناس على مر الدهر عظم ملكه وما قدر عليه من وجود ما عز عند غيره، وقيل إنها كانت آلات شراب الإسكندر فلما مات كسرتها أمه ورمتها في تلك المواضع غيرة أن لا تصير لأحد بعده. والقصر الأعظم الذي بالإسكندرية الذي لا نظير له في معمور الأرض اليوم خراب، وهو على ربوة عظيمة بازاء باب الموسم، طوله خمسمائة ذراع وعرضه على النصف من ذلك، ولم يبق منه إلا بعض سواريه، وبابه من أعظم بناء وأتقنه كل عضادة منه

стр. 72

حجر واحد وعتبته حجر واحد فيه نحو مائة اسطوانة وفي نحو الشمال منه اسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها ستة وثلاثون شبراً وهي في العلو بحيث لا يدرك أعلاها قاذف حجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أن بناء كان عليها، وتحتها قاعدة حجر أحمر بديع الشكل محكم عرض كل ضلع من أضلاعه عشرون شبراً في ارتفاع ثمانية أشبار، والاسطوانة منزلة في عمود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدت الرياح رأيتها تتحرك وربما جعلت تحتها الحجارة فتطحنها لشدة حركتها، وهذه الاسطوانة من عجائب العالم، ويقال إن الجن صنعتها لسليمان ﵇، وكانت في وسط قبة وحولها أساطين، وعلى الكل قبة شبه الصحفة من حجر واحد رخام أبيض بأحسن صنعة وأغرب إتقان، فلما مات سليمان رفعت الجن تلك القبة ورمت بها في البحر فإنها كانت من أغرب ما عملت الجن لسليمان ﵊. ودخل بعض ملوك مصر الإسكندرية ورأى قصرها فرآه عجيب الشان غريب البنيان فدعا الصناع وسألهم أن يبنوا له مثله فقالوا: لا نقدر على ذلك، فعزم عليهم، فقام إليه شيخ فقال: أنا أبني لك مثله وأحسن منه إن فعلت لي ما أريد، قال: بلى، قال: ايتوني بثورين مطيقين وعجلة فأمر له بذلك، فدخل مقابر الأولين فيها واحتفر قبراً منها واستخرج جمجمة عظيمة فوضعها في العجلة فما جرها الثوران إلا بعد مشقة وجهد فجاءه بها فقال: أصلح الله الملك إن أعطيتني من تكون رؤوسهم مثل هذا الرأس بنيت لك مثل هذا القصر، فعلم أنه لا يقدر على ذلك. ورئي بالإسكندرية قصاب عنده ضرس إنسان يزن به اللحم زنته ثمانية أرطال. وكان بالإسكندرية دار ملعب قد تهدم أكثرها، وكانت قد بنيت بضروب من الحكمة، وكانوا يجلسون فيها لقضاء حوائجهم وأخذ آرائهم، فكان كل جالس فيها إنما جلوسه تلقاء وجه صاحبه لا يخفى على أحد منهم شيء من حال غيره يتساوى قريبهم وبعيدهم في ذلك، وكان لهم يوم مهرجان يجتمعون فيه في هذا الملعب ويحضره رؤساؤهم وأبناء ملوكهم وعامتهم ويلعب فيها الفتيان بالصوالج وبينهم كرة فإن دخلت تلك الكرة كم رجل ممن حضر ذلك اليوم فلا بد له من ولاية مصر، كان هذا عندهم معروفاً لا ينكره أحد. وكان عمرو بن العاصي ﵁ قد سافر إلى الإسكندرية في الجاهلية تاجراً بالقطن والأدم فحضر ذلك الملعب في ذلك اليوم، فلعبوا فيه بالكرة، فدخلت كم عمرو بن العاصي ﵁، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا اليوم، فكان ما قدر الله تعالى من مجيء الإسلام وولاية عمرو بن العاصي ﵁ مصر ثلاث مرات. والإسكندرية تعجب كل من رآها لبهجتها وحسن منظرها وارتفاع مبانيها وإتقانها وسعة شوارعها وطرقاتها، وهي برية بحرية وفيها من النعم والأرزاق والفواكه ما ليس ببلد، مع طيب هوائها وتربتها. ومن المفسرين من قال إنها إرم ذات العماد، وقال عوف بن مالك حين دخل الإسكندرية لأهلها ما أحسن مدينتكم، فقالوا له: إن الإسكندر حين بناها قال: أبني مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية، فبقيت بهجتها على الدهور، وكان الفرما أخوه قال: أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس فذهبت بهجتها ولا يزال ينهدم كل يوم فيها شيء. وأمر ملك الروم مرة باحصاء ملوك الإسكندرية ورؤسائها خاصة، فوجدهم ستمائة ألف ملك، وأخبار هذا الصقع كثيرة مستقصاة في المطولات فلنقتصر على هذا القدر. إسكندرونة (١) مدينة أو حصن بينه وبين انطاكية خمسة وأربعون ميلاً، وهو حصن على ساحل البحر فيه نخيل وزروع كثيرة وغلات، وبينها وبين المصيصة أربعون ميلاً. اسبيجاب (٢) مدينة متصلة ببلاد الشاش لها قهندز وربض ودار الإمارة والجامع في المدينة الداخلة، وفي ربضها مياه وبساتين، وهي مدينة في مستو من الأرض، وهي ذات خصب وسعة، وليس بخراسان كلها وما وراء النهر منها بلد لا خراج عليه إلا اسبيجاب. أسطور (٣) مدينة من مدن الكيماكية، وهم بشر كثير وخلق عظيم من المجوس يعبدون النار، وأسطور عامرة بالأتراك ممتدة الزراعات ومياهها كثيرة وغلاتهم الحنطة والأرز، وبها معدن الحديد ويصنع الصناع بها منه كل عجيبة، وأهلها أنجاد لهم عزم ولذلك لا يمشون إلا وهم حذرون شاكون في سلاحهم وهم أشجع

стр. 73

الترك نفوساً وأنفذهم عزماً وأنجحهم طلباً، ولهم عند ملوكهم حظوة وإعزاز ولهم أموال واسعة. ومدينة ملكهم خاقان مدينة عظيمة لها أسوار حصينة وأبواب حديد، وللملك بها أجناد وعساكر والملوك بها تهاب سلطانه وتخاف سطوته، وهو ملك عظيم لا يتولى الملك فيهم إلا وهو من أهل الملك. وملك الكيماكية يلبس عليه (١) الذهب وقلنسوة الذهب ويظهر لأهل مملكته في أربعة أوقات من السنة، وله حاجب ووزراء ودولة عادلة، وأهل دولته يحبونه لإحسانه إليهم ونظره في أمورهم، وله قصور ومبان شامخة ومنتزهات وهمم عالية وكرم طبع، وأهل مدينة أسطور، لا يقولون بالهموم ولا تجدها قلوبهم ولا يكترثون بالمصائب، وهم أخصب أهل البلاد وأطيبهم معايش وأكثرهم انفاقاً وأعلاهم همماً ولباسهم الحرير الأحمر والأبيض، ولا يلبس هذا النوع منهم إلا الخاصة، والمياه تخترق أزقتهم وأسواقهم، ومنهم من يدين بدين الصابئة. اسفرايين هي مهرجان (٢) في آخر عمل نيسابور من خراسان وبينهما خمس مراحل وقيل اثنان وثلاثون فرسخاً، وهي مدينة كبيرة فيها أسواق ومياه جارية وخانات. اسفي مرسى اسفي في أقصى المغرب، وفي بعض الأخبار أن الشيطان نزغ بين بني حام وبني سام أو ساسان، فوقعت بينهم مناوشات وحروب كانت الدائرة فيها لسام وبنيه، وكان آخر أمر حام أن هرب إلى ناحية مصر وتفرق بنوه، ومضى على وجهه يؤم المغرب حتى انتهى إلى السوس الأقصى إلى موضع يعرف اليوم باسفي، وهو آخر مرسى تبلغه المراكب من عند الأندلس إلى ناحية القبلة وليس بعده للمراكب مذهب، وخرج بنوه في أثره يطلبونه فكل طائفة من ولده بلغ موضعاً وانقطع عنهم خبره أقامت بتلك الناحية وتناسلوا فيه، ولما مات دفنوه بنوه في حجر منقور في جبل أصيلا. ووقوف المراكب عند اسفي (٣) لأنه آخر مرسى تصل إليه المراكب كان فيما سلف، وأما الآن فهي تجوزه بأربعة مجار. واسفي عليها عمارات وبشر كثير من البربر، والمراكب تحمل منها أوساقها في وقت السفر وسكون حركة البحر المظلم، ومن مرسى اسفي إلى مرسى ماست مائة وخمسون ميلاً وقد أوردنا في ذكر اشبونة خبر القوم المغررين الذين ركبوا البحر المظلم ليقفوا على نهايته انهم صيروا إلى موضع اسفي، وأن جماعة من البربر رأوهم فتعرفوا أمرهم فقال زعيمهم وا أسفي تحسراً عليهم لما قاسوه، فسمي المكان إلى اليوم اسفي بتلك الكلمة. اسنخوا (٤) مدينة بالصين، وهي على بطحاء أرض ممتدة لا ينبت بها شيء إلا الزعفران غرساً ومن ذات نفسه برياً، ومنها يتجهز بالزعفران إلى سائر أمصار الصين ويباع بها منه ما يعم الكل كثرة وطيباً، وقد يعمل بهذه المدينة الحديد (٥) والغضار، وليس في بلاد الصين صنعة أجمل من الفخار والرسم، لا يقدمون على الرسم والتصوير صنعة، وإنما تلحق بها في الفضل عندهم صنعة الفخار حتى إنهم يسمون الفخار خالقاً صغيراً والمصور خالقاً كبيراً، ولا يفوق الرسم عندهم صنعة، وملوك الهند والصين لا يتركون الرسم بل يقولون به ويتعلمونه، لا يدني الملك من أولاده إلا أرسمهم وأمهرهم في صنعة الرسم. أسوان (٦) في الصعيد آخر بلاد مصر، وفي بلادهم من الجبال والأوعار التي تحول بينهم وبين النوبة ولولا هي لأفسدت النوبة بلاد مصر، والنيل إنما يهبط من بلاد النوبة على صخور وأوعار لا يدخل ذلك الموضع مركب، وأسوان من ثغور النوبة إلا انهم في أكثر الأوقات مهادنون، وكذلك مراكب مصر لا تصعد في النيل إلا إلى مدينة أسوان فقط وهي في آخر الصعيد الأعلى. وإلى أسوان تصعد المراكب من فسطاط مصر وعلى أميال منها جبال وأحجار يجري النيل في وسطها وهذا الموضع فارق بين سفن الحبشة في النيل وسفن المسلمين. وأسوان مدينة صغيرة كثيرة الحنطة وسائر أنواع الحبوب والفواكه والبطيخ الأخضر وسائر البقول، وبها اللحوم الكثيرة من البقر والغزلان والمعز وغيرها من صنوف اللحم العجيبة البالغة في الطيب والسمن وأسعارها أبداً رخيصة، وبها تجارات وبضائع تحمل منها إلى بلاد النوبة، وليس يتصل بأسوان من جهة المشرق

стр. 74

بلد للإسلام، وعلى مقربة من أسوان، جنوباً من النيل، جبل في أسفله معدن الزمرد وفي برية منقطعة من العمارة، ولا يوجد الزمرد في شيء من الأرض بأجمعها إلا فيه وله طلاب كثيرة، ومن هذا المعدن يخرج ويتجهز به إلى سائر البلاد؛ وأما معدن الذهب فمن أسوان إليه نحو خمسة عشر يوماً من شرق وشمال، ويتصل بأسوان من جهة المغرب الواحات وهي الآن خالية لا ساكن بها وكانت فيما سلف عامرة والمياه تخترق أرضها وبها معز وغنم قد توحشت فهي تتوارى من الناس وتصاد كما يصاد الحيوان البري. ومن أسوان الطريق إلى عيذاب، وعيذاب مدينة على ضفة البحر المغربي المعروف ببحر القلزم، ومن عيذاب يعبر إلى ساحل الحجاز إلى جدة، ومن عيذاب يسلك إلى اليمن والهند وغير ذلك من البلاد. وأهل أسوان عرب من قحطان وربيعة ومضر وقريش ناقلة من الحجاز، وهو خصيب كثير النخل توضع النواة في تربته فتنبت نخلة تثمر لسنتين تمراً، وببلاد البصرة وغيرها لا يغرس النخل إلا من الفسيل وما يخرج من النواة فليس يثمر، وكان لقمان ﵇ عبداً نوبياً أسود ذا مشافر، ومن النوبة النساء المعروفات بالمقورات لا يقدر أحد على افتضاض أبكارهن ولا مباشرتهن حتى يفتق القوابل من قبلها بقدر ما يحتاج للوطء، وهن أطيب النساء خلوة، فإذا حملت المرأة منهن وأقربت زاد القوابل في شق ذلك المكان فإذا وضعت حملها عادت تلك الزيادة بالأدوية الملحمة حتى يلتئم، أخبر بذلك الثقات. اسلي (١) مدينة في شرقي ارشجول وبمقربة من وهران من أرض المغرب، وهي مدينة قديمة عليها سور صخر وكانت حصينة، ولها نهر يسقي بساتينها وثمارها. أسيوط (٢) مدينة على الضفة الغربية من نيل مصر وهي كبيرة عامرة آهلة جامعة لضروب المحاسن كثيرة الجنات والبساتين واسعة الأرضين جميلة حسنة بينها وبين اخميم صاعداً من النيل نصف مجرى. اسقيريا (٣) مدينة من مدن الصين على نهر، وهي عامرة وبها ملوك وسادات وجلة وعمال، وبها مجمع أموال الصين التي تصل إلى ملكها الأكبر بعد تخليصها من جميع النوايب، لأن جميع التجارات (٤) المجموعة في بلاد الصين براً وبحراً يصل بها عمالها إلى مدينة اسقيريا هذه فيدفعونها هنالك إلى عمال وأمناء يخلصونها ويحاسبون بها وعليها ثم ينصرف العمال إلى بلادهم، فإذا اجتمعت الأموال. بمدينة اسقيريا وكان الوقت المعلوم من العام المؤرخ عندهم جمعت تلك الأموال بأسرها ورفعت إلى مدينة باجة، وهي مدينة الملك الأعظم (٥) فيستودع هنالك المال الذي جيء به في خزائن الملك البغبوغ، وهذه سيرة دائمة لا تنقطع، ولا يصل إلى بيت مال الملك شيء يحتاج فيه إلى الإخراج منه إنما يوصل إليه ما كان مخلصاً من جميع النوائب. وأهل اسقيريا يرمون موتاهم في النهر ولا يدفنونهم ألبتة. اشبيلية (٦) مدينة بالأندلس جليلة بينها وبين قرطبة مسيرة ثمانية أيام ومن الأميال ثمانون، وهي مدينة قديمة أزلية يذكر أهل العلم باللسان اللطيني ان أصل تسميتها اشبالي معناه المدينة المنبسطة ويقال إن الذي بناها يوليش القيصر وإنه أول من تسمى قيصر، وكان سبب بنيانه إياها أنه لما دخل الأندلس ووصل إلى مكانها أعجبه كرم ساحته وطيب أرضه وجبله المعروف بالشرف، فردم على النهر الأكبر مكاناً وأقام فيه المدينة وأحدق عليها بأسوار من صخر، وبنى في وسط المدينة قصبتين متقنتين عجيبتي الشأن تعرفان بالأخوين، وجعلها أم قواعد الأندلس واشتق لها اسماً من اسمه ومن اسم رومية فسماها رومية يوليش. ويقال إن اشبانية اسم خاص ببلد اشبيلية الذي كان ينزله اشبان بن طيطش وباسمه سميت الأندلس اشبانية، ولم تزل معظمة عند العجم من ذلك الوقت، وقد كان فيها رجال ولوا قيادة العجم العظمى

стр. 75

والمملكة بمدينة رومية، وروي (١) أن المرأة التي قتلت يحيى بن زكريا ﵇ من اشبيلية من قرية طالقة. وهي كبيرة (٢) عامرة لها أسوار حصينة وسوقها عامرة وخلقها كثير وأهلها مياسير، وجل تجاراتهم الزيت يتجهزون به إلى المشرق والمغرب براً وبحراً، يجتمع هذا الزيت من الشرف، وهو مسافة أربعين ميلاً كلها في ظل شجر الزيتون والتين، أوله مدينة اشبيلية وآخره مدينة لبلة، وسعته اثنا عشر ميلاً وفيه ثمانية آلاف قرية عامرة بالحمامات والديار الحسنة، وبين الشرف واشبيلية ثلاثة أميال. ومدينة اشبيلية موفية على النهر وهو في غربيها. ويذكر في بعض الأخبار أن اشبان بن طيطش من ذرية طوبيل بن يافث بن نوح كان أحد أملاك الاشبانيين خص بملك أكثر الدنيا وان بدء ظهوره كان من اشبيلية فغلظ أمره وبعد صيته وتمكن في كل ناحية سلطانه، فلما ملك نواحي الأندلس وطاعت له أقاصي البلاد خرج في السفن من اشبيلية إلى إيليا فغنمها وهدمها وقتل بها من اليهود مائة ألف وسبى مائة ألف وفرق في الأرض مائة ألف، وانتقل رخامها إلى اشبيلية وماردة وباجة، وانه صاحب المائدة التي الفيت بطليطلة وصاحب الحجر الذي وجد بماردة وصاحب قليلة الجوهر التي كانت بماردة أيضاً على حسب ما ذكر في فتح الأندلس، وأنه حضر خراب بيت المقدس الأول مع بخت نصر وحضر الخراب الذي كان مع قيصر بشبشيان، واذريان قيصر يذكر أنه من طالقة اشبيلية. وفي سنة عشرين من دولته اتفق بنيان إيليا، وكان من مضى من ملوك الأعاجم يتداولون بمسكنهم أربعة من مدن الأندلس: اشبيلية وماردة وقرطبة وطليطلة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها. وكان سور اشبيلية من بناء الإمام عبد الرحمن بن الحكم بناه بعد غلبة المجوس عليها بالحجر، وأحكم بناءها، وكذلك جامعها من بنائه، وهو من عجيب البنيان وجليلها، وصومعته بديعة الصناعة غريبة العمل، أركانها الأربعة عمود فوق عمود، إلى أعلاها، في كل ركن ثلاثة أعمدة فلما مات عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج في محرم سنة إحدى وثلثمائة قدم أهلها أحمد بن مسلمة وكان من أهل البأس والنجدة فأظهر العناد وجاهر بالخلاف، فأخرج إليه عبد الرحمن قائداً بعد قائد حتى افتتحها عليه بدر الحاجب سنة إحدى وثلثمائة واستعمل عليها سعيد بن المنذر المعروف بابن السليم، فهدم سورها وألحق أعاليه بأسفله وبنى القصر القديم المعروف بدار الإمارة وحصنه بسور حجر رفيع وأبواب منيعة، وبني سور المدينة في الفتنة بالتراب. وباشبيلية آثار للأول كثيرة، وبها أساطين عظام تدل على هياكل كانت بها. واشبيلية من الكور المجندة، نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق، وهي من أمصار الأندلس الجليلة الكثيرة المنافع العظيمة الفوائد. ويطل على اشبيلية جبل الشرف، وهو شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه، وزيته أطيب الزيوت كثير الرفع (٣) عند العصر لا يتغير على طول الدهر، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق براً وبحراً. وكل ما استودع أرض اشبيلية وغرس فيها نمى وزكا وجل، والقطن يجود بأرضها ويعم بلاد الأندلس ويتجهز به التجار إلى إفريقية وسجلماسة وما والاها، وكذلك العصفر بها يفضل عصفر الآفاق. وبقبلي مدينة اشبيلية بساتين تعرف بجنات المصلى وبها قصب السكر، وفي آخر نهر اشبيلية من كلتا جانبيه جزائر كثيرة يحيط بها الماء كلأها قائم لا يصوح لدوام ندوتها ورطوبة أرضها، ويصلح نتاجها وتدوم ألبانها ويمتنع ما فيها من الحافر والظلف على العدو فلا يصل إليه أحد، وهذه الجزائر تعرف بالمدائن وبعضها يقرب من البحر. وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة في جماداها الآخر كان السيل العظيم الجارف باشبيلية المربي على كل سيل وهو مذكور في الثاني من " جالي الفكر " في أول ورقة منه سنة سبع وتسعين وخمسمائة فانقله من هناك.

стр. 76

وفي سنة ست وأربعين وستمائة تغلب العدو على مدينة اشبيلية في شعبان منها بعد أن حوصرت أشهراً حتى ساءت أحوال أهلها وخافوا ويئسوا من الاعانة، فأصفق رأيهم على إسلامها للعدو والخروج عنها فكان ذلك، وأجلهم الفنش ريثما يستوفون احتمال ما استطاعوا حمله من أموالهم ثم خرجوا عنها وأقامت خالية ثلاثة أيام وسرح معهم الطاغية خيلاً توصلهم إلى مأمنهم وكان صاحب أناة وسياسة، ويقال إنه لما مات دفن في قبلة جامعها الأعظم. اشك لطورية أرض في ناحية من ايطالية (١) بأرض افرنجة فيها عين ماء من شرب منها من الخلق ارتكبه الهم وخبثت نفسه ولا يزال حزيناً مغموماً فاتراً عابساً. اشروسنة (٢) في بلاد خراسان من سمرقند إليها خمس مراحل مشرقاً، واشروسنة اسم للإقليم وليس باسم لمدينة كما أن العراق اسم للأرض والشام مثله وكذلك الصغد وفرغانة والشاش كلها أسماء أرضين فيها عدة بلاد كثيرة، واشروسنة أرض يحيط بها من إقليم ما وراء النهر من شرقيها بعض فرغانة، ومن غربيها بلاد الصغد والصغانيان، وشمالها بلاد الشاش ولأشروسنة مدن كثيرة ومملكتها واسعة جليلة ويقال إن فيها أربعمائة حصن ولها واد عظيم يأتي من نهر سمرقند، وتوجد في ذلك الوادي سبائك الذهب وبين اشروسنة وفرغانة مرحلتان، وأكبر مدن اشروسنة بومنجكث وفيها سكنى الولاة ولها سوران سور على مدينتها وسور على ربضها، وللمدينة بابان: باب الأعلى وباب المدينة، وداخل المدينة المسجد الجامع مع القهندز ودار الإمارة في الربض. وفي المدينة الداخلة نهر كبير عليه رحى، والسجن في قهندزها، والجامع خارج القهندز، وأسواقها في المدينة والربض جميعاً، وسور الربض يشتمل على بساتين وكروم وهو مقدار فرسخ. اشير (٣) بلدة أو حصن بينها وبين المسيلة مرحلة، من بلاد الزاب بناها زيري بن مناد الصنهاجي وتعرف بأشير زيري، وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة وإنما بنى زيري سورها وحصنها وعمرها فليس في تلك الأقطار أحصن منها، وهي بين جبال شامخة محيطة بها، وداخل المدينة عينان لا يبلغ لهما غور ولا يدرك لهما قعر من بناء الأول، وبالقرب من المدينة بنيان عظيم عجيب يعرف بمحراب سليمن ولم ير بنيان أعظم منه ولا أحكم، فيه من الرخام والأعمدة والنقوش ما يقصر عنه الوصف، وهي جليلة حصينة، وفيها يقول عبد الملك بن عيشون: يا أيها السائل عن غربنا ... هذا وعن محل اشير عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيدت للكفر والزور أشمخها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زيري أشتبين (٤) حصن بالأندلس على يسار الطريق تحت أصل جبل ممتنع لا يدركه لمقاتل طمع، بنى عليه بعض الملوك حصوناً كثيرة، وحوصر مدة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وبعد لأي ما افتتح وذلك في عقب سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. أشك (٥) قرية عامرة على طريق من جاء من فارس، بها حدائق نخل كثيرة وزراعات وغلات جمة، ومنها تحمل الأدياس المنسوبة إلى أشك، وتعمل منها الحصر بالعراق، وهذا الديس مفضل على كل ديس، وبهذه القرية كانت وقعة الأزارقة وكانوا أربعين رجلاً من الشراة امتنعوا في مكان منها فخرج إليهم من الجند ألفا رجل فقتلتهم الازارقة حتى أتوا على آخرهم. أشونة (٦) من كور استجة بالأندلس بينهما نصف يوم، وحصن أشونة ممدن كثير الساكن. أشكوني (٧) بالأندلس من كور تدمير معروف، ومن الغرائب أن من أراد أن يتخذ فيه جناناً صرف إلى الموضع العناية بالتدمين والعمارة والسقي من النهر فتنبت الأرض هناك بطبعها شجر التفاح

стр. 77

والكمثرى والتين والرمان وضروب الفواكه حاشا شجر التوت، من غير غراسة ولا اعتمال. اشبونة (١) بالأندلس من كور باجة المختلطة بها، وهي مدينة على طريق العساكر فإن الطريق من باجة إلى الأشبونة يعترض مدينة الأشبونة، والأشبونة بغربي باجة، وهي مدينة قديمة على سيف البحر تتكسر أمواجه في سورها واسمها قودية، وسورها رائق البنيان بديع الشان، وبابها الغربي قد عقدت عليه حنايا فوق حنايا على عمد من رخام مثبتة على حجارة من رخام، وهو أكبر أبوابها، ولها باب غربي أيضاً يعرف بباب الخوخة مشرف على سرح فسيح يشقه جدولا ماء يصبان في البحر، ولها باب قبلي يسمى باب البحر تدخل أمواج البحر فيه عند مده وترتفع في سوره ثلاث قيم، وباب شرقي يعرف بباب الحمة، والحمة على مقربة منه ومن البحر بمائين: ماء حار وماء بارد، فإذا مد البحر واراهما، وباب شرقي أيضاً يعرف بباب المقبرة. والمدينة (٢) في ذاتها حسنة ممتدة مع النهر لها سور وقصبة منيعة، والأشبونة على نحر البحر المظلم، وعلى ضفة البحر من جنوبه قبالة مدينة الأشبونة حصن المعدن ويسمى بذلك لأن عند هيجان البحر يقذف بالذهب التبر هناك، فإذا كان الشتاء قصد إلى هذا الحصن أهل تلك البلاد فيخدمون المعدن الذي به إلى انقضاء الشتاء، وهو من عجائب الأرض. ومن مدينة الأشبونة كان خروج المغررين في ركوب بحر الظلمات ليعرفوا ما فيه وإلى أين انتهاؤه، ولهم باشبونة موضع بقرب الحمة منسوب إليهم يعرف بدرب المغررين، وذلك أن ثمانية رجال كلهم أبناء عم اجتمعوا فابتنوا مركباً وادخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر، ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية فجروا بها نحواً من أحد عشر يوماً، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح كثير التروش قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف فردوا قلعهم في اليد الأخرى وجروا في البحر في ناحية الجنوب اثني عشر يوماً، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عد ولا تحصيل، وهي سارحة لا ناظر لها ولا راعي فقصدوا الجزيرة ونزلوها فوجدوا عين ماء جارية عليها شجرة تين بري، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوماً إلى أن لاحت لهم جزيرة فنظروا فيها إلى عمارة وحرث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها فما كان إلا غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر فأنزلوا بها في دار فرأوا بها رجالاً شقراً زعراً شعورهم سبطة وهم طوال القدود، لنسائهم جمال عجيب، فاعتقلوا في بيت ثلاثة أيام ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي، فسألهم عن حالهم وفيم جاءوا وأين بلادهم، فأخبروه بكل خبرهم فوعدهم خيراً وأعلمهم أنه ترجمان، فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم احضروا بين يدي الملك فسألهم عما سألهم عنه الترجمان، فأخبروه بما أخبر به الترجمان بالأمس وأنهم اقتحموا البحر ليروا ما فيه من العجائب وليقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان: أخبر القوم أن أبي أمر قوماً من عبيده يركبون هذا البحر وأنهم جروا في عرضه شهراً إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير فائدة تجدي، ثم وعدهم خيراً وصرفوا إلى موضع حبسهم إلى أن بدأ جري الريح الغربية فعمر بهم زورقاً وعصبت أعينهم وجرى بهم في البحر برهة من الدهر، قال القوم: قدرنا أنه جرى بنا ثلاثة أيام بلياليها حتى جاء بنا إلى البر فأخرجنا وكتفنا إلى خلف وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى النهار وطلعت الشمس ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف حتى سمعنا ضوضاء وأصوات ناس فصحنا بجملتنا، فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلوا وثاقنا وسألونا فأخبرناهم بخبرنا وكانوا برابر، فقال لنا أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم؟ فقلنا: لا، فقال: مسيرة شهرين، فقال زعيم القوم: وا أسفي، فسمي المكان إلى اليوم اسفي، وهو المرسى الذي في أقصى المغرب. الأهواز (٣) مدينة متصلة بالجبل، فتحها حرقوص بن زهير السعدي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، والأهواز هي خوزستان وهي رام هرمز، وبين الأهواز وأصبهان خمسة وأربعون فرسخاً، قالوا: ومن أقام بالأهواز حولاً ثم تفقد عقله فإنه يجد فيه نقصاً بيناً. وقصبة الأهواز تغلب كل من نزل بها من الأشراف إلى طبائع أهلها، ولا يوجد بها أحد له وجنة حمراء،

стр. 78

والحمى بها دائمة، وزعم الجاحظ أن عدة من قوابل الأهواز أخبرنه أنه ربما قبلن المولود فوجدنه محموماً، وجمعت مع ذلك كثرة الأفاعي في جبلها المطل عليها وكثرة العقارب. وكان صاحب الأهواز الهرمزان وفتحها وما يليها حرقوص بن زهير كما قدمناه وكانت له صحبة، بعث به عتبة بن غزوان من البصرة بأمر عمر بن الخطاب ﵁. وحكى البلاذري (١) أن المغيرة بن شعبة ﵁ غزا سوق الأهواز في ولايته حين شخص عتبة بن غزوان من البصرة آخر سنة خمس عشرة وأول سنة ست عشرة فقاتله البيروان (٢) دهقانها ثم صالحه على مال ثم إنه نكث، فغزاها أبو موسى الأشعري ﵁ حين ولي البصرة بعد المغيرة وفتح سوق الأهواز عنوة وفتح نهر تيرى عنوة وولي ذلك بنفسه في سنة سبع عشرة. وروي أنهم غدروا وافتتحت رام هرمز عنوة في آخر أيام أبي موسى، وفتح أبو موسى سرق على مثال رام هرمز. والأهواز موضع يجمع سبع كور، وبلغ عمر ﵁ أن حرقوصاً نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه والجبل كؤود يشق على الناس، فكتب إليه: بلغني أنك نزلت منزلاً كؤوداً لا يؤتى إلا على مشقة، فأسهل ولا تشقق على مسلم ولا معاهد وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا ولا تدركنك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك. أهناس (٣) موضع في صعيد مصر، قال الجاحظ: ولد عيسى بن مريم ﷺ بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بأهناس إلى اليوم. أوطاس (٤) وادي ديار هوازن فيه اجتمعت هوازن وثقيف، إذ أجمعوا على حرب رسول الله ﷺ ، فالتقوا بحنين ورئيسهم عوف بن مالك النضري، وقال لهم دريد بن الصمة وهو في شجار يقاد به بعيره: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا لين دهس، وهي قصة حنين بطولها، وفيها قال الله تعالى " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً " وقد استوفى خبر هذه القصة ابن إسحاق (٥) . أوارة (٦) موضع لبني تميم كانت فيه قصة لعمرو بن هند عم النعمان بن المنذر على بني دارم، وكان أسعد بن المنذر أخا عمرو بن هند، وكان مسترضعاً في بني تميم في بني دارم في حجر حاجب بن زرارة، وقيل في حجر زرارة، فخرج يوماً متصيداً فلم يصب شيئاً فمر بإبل سويد بن ربيعة الدارمي فنحر منها بكرة فقتله سويد فقال عمرو بن لقيط الطائي يحرض عمرو بن هند: من مبلغ عمراً بأ ... ن المرء لم يحلق صباره وحوادث الأيام لا ... تبقى عليهن الحجاره ها إن عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أواره تسفي الرياح خلال كش؟ ... حيه وقد سلبوا أزاره فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره فنذر عمرو بن هند، وكان شديد البأس، أن يقتل من بني تميم مائة من خيارهم بدل ذلك المقتول، فغزاهم يوم القصيبة ويوم أوارة ثم أقسم ليحرقن منهم مائة رجل فلهذا سمي محرقاً، فأخذ له منهم تسعة وتسعون رجلاً، فقذفهم في النار، وأراد أن يبر قسمه بعجوز منهم ليكمل العدة التي أقسم عليها، فلما أمر بها قالت: ألا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه، ثم قالت: هيهات، صارت الفتيان حمماً (٧) وأقبل رجل من البراجم كان أبصر الدخان ووجد قتار لحومهم على بعد فظن أنه طعام يصنع للناس، فلما بلغ ورأى ما رأى جزع فقال عمرو: انظروا ممن الرجل، فأتي به إليه، فقال: ممن أنت: قال: من البراجم، فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم (٨) ألقوه في النار ليتم نذري، فتم نذره بالبراجم من بني تميم، وفي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق وينسب بني تميم إلى الشره والنهم: أين الذين بنار عمرو حرقوا ... أم أين اسعد فيكم المسترضع

стр. 79

وقال الطرماح (١) : ودارم قد قذفنا منهم مائة ... في جاحم النار إذ ينزون بالجدد ينزون بالمشتوى منهم ويوقدها ... عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد فلطمع البرجمي في الأكل عيرت تميم بحب الطعام، وقال الشاعر: إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد الأبيات. وقد ذكر ابن دريد في مقصورته هذه القصة في قوله (٢) : ثم ابن هند باشرت نيرانه ... يوم أوارات تميماً بالصلى أوال (٣) جزيرة في بلاد البحرين بين اليمامة والبصرة وعمان، وهذه الجزيرة بينها وبين الساحل مجرى يوم وهي كثيرة النخل والموز والجوز والأترج والأشجار والزرع والأنهار. وأوال جزيرة طويلة مسيرة ستة عشر يوماً وفيها معادن اللؤلؤ ولذلك قال أبو العلاء المعري في قصيدة له (٤) : فإن صلحت للناظرين دموعنا ... فأنتن منها والكثيب حوالي جهلتن أن اللؤلؤ الذوب عندنا ... رخيص وأن الجامدات غوالي فلو كان حقاً ما ظننتن لاغتدت ... مسافة هذا البر سيف أوال وكانت هذه الجزيرة حبساً لكسرى، وأكثر أهلها يمانيون ومن أهل اليمامة، وإليها لجأ من أفلت من أهل هجر عند محنتهم مع القرمطي، وإليها فر أهل اليمامة والبحرين، وبينها وبين هجر اثنا عشر فرسخاً في البر وعشرة فراسخ في البحر. أوثان (٥) جبل في البحر في طريق الإسكندرية من إفريقية وهذا الطرف الخارج منه في البحر هو طرف أوثان وهو ما بين طرابلس والإسكندرية، وإذا رآه الناس المسافرون استبشروا بالسلامة، ويقال إنه طرف جبل درن المشهور في الغرب. أوزاع اسم قرية على مقربة من باب الفراديس من دمشق، وإليها ينسب الأوزاعي. أونبة (٦) من مدن جبل العيون بالأندلس، وهي مدينة ممتنعة بين جبال ضيقة المسالك، وهي قديمة بها آثار للأول فيها ماء مجلوب في قناة واسعة قد خرق بها الجبال الشامخة حتى وصل الماء إلى أسفل هذه المدينة فيسقي بعض بساتينها، ولا يدرى من أين أصل هذا الماء، وشرقي هذه المدينة كنيسة كبيرة معظمة عندهم يزعمون أن أحد الحواريين بها، وما أكثر ما يوجد في حفائر هذه المدينة آثار عجيبة، وهذه المدينة برية بحرية بينها وبين البحر نحو ميل وبينها وبين لبلة ستة فراسخ. أودغشت (٧) مدينة بين صحراء لمتونة والسودان، وهي مدينة عظيمة آهلة لكنها صغيرة، وفي صحرائها ماء قليل، وهي بين جبلين شبه مكة في الصفة، وليس بها تجارة كبيرة ولأهلها جمال منها يعيشون، ومنها إلى غانة اثنتا عشر مرحلة وكذلك من أودغشت إلى مدن واركلان إحدى وثلاثون مرحلة، وفي أودغشت أمم لا تحصى، ولها بساتين كثيرة ونخل كثير ويزدرعون فيها القمح بالحفر بالفؤوس ويسقونه بالدولاب، وكذلك يسقون بساتينهم، وإنما يأكل القمح عندهم الملك وأهل اليسار منهم، وسائر أهلها يأكلون الذرة، والمقاثي تجود عندهم، والبقر والغنم عندهم أكثر شيء وأرخصه فيشترى في أودغشت عشرة أكبش بدينار وأكثر من ذلك، وهم أرباب نعم جزيلة وأموال جليلة، ولهم أسواق حافلة عامرة الدهر كله لا يكاد يسمع الإنسان فيها

стр. 80

صوت جليسه لكثرة غوغاء الناس، وتجاراتهم إنما هي بالتبر ليست عندهم فضة. وبأودغشت مبان حسنة رفيعة، وأهلها أخلاط من جميع الأمصار قد استوطنوها لكثرة خيرها ونفاق أسواقها وتجاراتها، هكذا حكي وكأنه مناقض لما سبق، ولعل ذلك في وقتين مختلفين. وحريم أودغشت لا يوجد مثله في بلد، يجلب منها جوار بيض الألوان رشيقات القدود لطاف الخصور ضخام الأرداف واسعات الأكتاف ضيقات الفروج، المستمتع بإحداهن كأنما يستمتع ببكر أبداً من غير أن ينكسر لإحداهن ثدي طول عمرها، وأخبرني (١) من رأى امرأة منهن بمدينة أودغشت راقدة على جنبها وكذلك يفعلن في أكثر أحوالهن اشفاقاً من الجلوس على أردافهن ورأى ابناً لها طفلاً يلعب حواليها، وهو يدخل تحت خصرها ويخرج من الجهة الأخرى من غير أن تتجافى له، وذلك لعظم ردفها ودقة خصرها. وبين مدينة بريسي (٢) وأودغشت اثنتا عشرة مرحلة، وليس في بلاد السودان شيء من الفواكه الرطبة ولا اليابسة إلا ما يجلب إليها من التمر من بلاد سجلماسة أو بلاد الزاب يجلبه إليهم أهل واركلان الصحراء. والنيل يجري في هذه الأرض من المشرق إلى المغرب وينبت على ضفتيه شجر الأبنوس والشمشار والخلاف والطرفاء والأثل غياضاً متصلة وبها يستظلون عند شدة الحر وحمارة القيظ، وفي غياضها الأسد والزراريف والغزلان والضبعان والأرانب والقنافذ، وفي النيل أنواع من السمك وضروب من الحيتان الكبار والصغار، ومنه طعام أكثر السودان يتصيدونه ويملحونه وهو في غاية الحسن والغلظ. وأسلحة أهل هذه البلاد القسي وعليها عمدتهم ويتخذون الدبابيس من شجر الأبنوس ولهم فيها حكمة وصناعة متقنة، وأما قسيهم فمن القصب وحليهم النحاس وخرز الزجاج. وهي بلاد حر ووهج شديد، وأهل المدن منها يزرعون البصل والقرع والبطيخ ويجلب منها سودانيات طباخات محسنات تباع الواحدة منهن بمائة دينار كبار وأزيد لحسن عمل الأطعمة الطيبة ولا سيما أصناف الحلاوات مثل الجوزينيات واللوزينجات والقاهرات والكنافات والقطائف والمشهدات وأصناف الحلاوات فلا يوجد أحذق بصنعتها منهن. ومنها تجلب الدرق الجيدة فإن اللمط بأرض أودغشت كثير جداً ويجلب أيضاً منها العنبر الطيب لقربها من البحر المحيط، ويجلب منها الذهب الإبريز الخالص خيوطاً مفتلة، وذهب أودغشت أطيب ذهب الأرض وأصحه، وكان صاحب أودغشت في عشر خمسين وثلاثمائة (٣) رجلاً من صنهاجة وكانت له جيوش كثيرة فدانت له أزيد من عشرين ملكاً من ملوك السودان كلهم يؤدون إليه الجزية، وكان عمله مسيرة شهرين في مثلها في عمارة متصلة، وكان يعتد في أزيد من مائة ألف نجيب فإن الخيل في تلك البلاد قليلة، فيقال إنه غزا ملكاً من ملوك السودان فدخل بلده وأحرقه وقتل جنده والملك في قصره ينظر إليه، فلما رأى ما حل ببلده هان عليه الموت فخرج ورمى بدرقته إلى الأرض وقاتل حتى قتل، فلما عاين نساؤه ذلك تردين في الآبار وقتلن أنفسهن بضروب القتل أسفاً على ملكهن وأنفة أن يملكهن البيضان. وبين أودغشت وسجلماسة نحو خمسين مرحلة ومنها إلى غانة نحو عشرين مرحلة. أسكر (٤) قرية على شط النيل في البلاد المصرية، وهي على الضفة الشرقية من النيل مياسرة للصاعد، يذكر أن فيها مولد موسى الكليم صلوات الله عليه. أوجلة (٥) مدينة بينها وبين برقة في البر عشر مراحل، وهي مدينة صغيرة متحضرة، وهي في ناحية البرية يطيف بها نخل وغلات لأهلها، ومنها يدخل إلى كثير من أرض السودان، والوارد عليها والصادر عنها قليل، وأرض أوجلة وبرقة واحدة، وشرب أهلها من المواجل. أوليل (٦) جزيرة في الإقليم الأول من أرض السودان على مقربة من الساحل وبها ملاحة مشهورة ولا يعلم في بلاد السودان ملاحة غيرها، ومنها يحمل الملح إلى جميع بلاد السودان، ومن هذه الجزيرة إلى مدينة سلى ست عشرة مرحلة.

стр. 81

أوراس (١) هو جبل قريب من باغاية بإفريقية بينه وبين نقاوس ثلاث مراحل وهو المتصل بالسوس، ويقال إنه قطعة من جبل درن بالمغرب ومتصل به وطوله نحو اثني عشر يوماً، ومياهه كثيرة وعمارته متصلة وفي أهله نخوة وتسلط على من جاورهم من الناس. ومن هذا الجبل قام أبو يزيد مخلد بن كيداد الزناتي النكاري في سنة ثلاث وثلاثمائة واستفحل أمره وعظم شأنه واستولى على كثير من البلاد الإفريقية، وعظمت فتنته وأكثر القتل في الناس فكانت فتنته شنيعة وأمره عظيماً إلى أن قتل واستراح المسلمون منه ومن خبائث سيره وقبيح أفعاله على ما سيرد إن شاء الله تعالى. وفي جبل أوراس كانت الملكة المعروفة بالكاهنة المقتولة في الفتح الأول على يدي المسلمين، فروي أن حسان بن النعمان الغساني لما أغزاه عبد الملك بن مروان إفريقية سنة تسع وستين في جيش فيه نحو من ستة آلاف فارس لما وصل إفريقية قصد قرطاجنة فوافقه أهلها فقتل رجالهم وفرسانهم فهربوا في البحر في سفن كانت لهم إلى الأندلس وإلى صقلية ثم دخلها بالسيف وأرسل إلى ما حولها من العمران فاجتمعوا له مسرعين خوفاً منه فأمرهم بهدم قرطاجنة وقطع القناة عنها ثم رجع إلى روم سطفورة فقاتلهم فهزم الله تعالى الروم بعد بلاء عظيم ثم سأل عن أعظم ملك بإفريقية ومن إذا قتل دانت إفريقية لقاتله، ويئس البربر والروم من أنفسهم، فقيل له ليس بإفريقية أعظم قدراً ولا أبعد صيتاً ولا أشد حزماً من امرأة يقال لها الكاهنة، وهي في جبل أوراس وجميع من بإفريقية خائفون منها، والروم سامعون لها مطيعون، فإن قتلتها يئس الروم والبربر أن تكون لهم دولة. فلما سمع ذلك حسان خرج إليها بجيوشه، فلما بلغ مجانة نزل بها، وكانت قلعتها لم تفتح فتحصن فيها الروم فمضى وتركهم، وبلغ الكاهنة أمره فرجعت إليه من جبل أوراس في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى فنزلت مدينة باغاي فأخرجت من بها وظنت أن حسان يريد حصناً يتحصن به، ثم أقبل حسان وزحفت الكاهنة فانتهوا إلى نهر كان حسان ومن معه يشربون من أعلاه وكانت الكاهنة ومن معها يشربون من أسفله، وأبى حسان أن يقاتلها ليلاً فوقف كل فريق على مصافهم، فلما أصبح زحف بعضهم إلى بعض ثم اقتتلوا قتالاً شديداً وقتل من العرب خلق عظيم وانهزم حسان بعد بلاء عظيم وسمي النهر نهر البلاء، واتبعته الكاهنة بمن معها حتى حد قابس، فأسلم إفريقية ومضى على وجهه وأسرت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل ثمانين، فيهم خالد بن يزيد العبسي وكان رجلاً مذكوراً، فلما فصل من قابس كتب إلى عبد الملك يخبره بما نزل من البلاء بالمسلمين من قبل الكاهنة وترفق في السير طمعاً في لحاق أصحابه، فكتب إليه عبد الملك: أقم حيث يأتيك كتابي ولا تبرح حتى يأتيك أمري، فأتاه كتابه وهو بالموضع الذي يقال له اليوم قصور حسان فابتنى هناك قصراً لنفسه وأقام بمن معه ثلاث سنين وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأرسلت من معها من أسرى المسلمين إلا رجلاً واحداً يقال له خالد بن يزيد العبسي، فإنها حبسته عندها، وعمدت إلى دقيق الشعير وهم يسمونه البسيسة، ثم دعت خالد بن يزيد وابنين لها فأمرتهم فأكلوا ثلاثتهم منها، وقالت لهم: أنتم الآن قد صرتم إخوة وذلك عند البربر من أعظم العهد في جاهليتهم إذا فعلوه، ثم بعث حسان إلى خالد بن يزيد وهو عند الكاهنة يقول له: ما منعك من الكتاب إلي بخبر الكاهنة فكتب إليه مع رسوله في خبزة ملة قد أنضجها ليظن من رأى الخبزة أنها زاد للرجل فلم يغب شخص الرسول عنهم حتى خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تقول: يا معشر بني هلاككم فيما يأكل الناس، كررت ذلك ثلاث مرات. ومضى الرسول حتى قدم على حسان بالكتاب فيه كل ما احتاج إليه من خبرها، وفيه أن البربر تجتمع عساكرهم بالنهار ويفترقون بالليل وليس لهم حزم في رأيهم، وإنما ابتلينا بأمر أراده الله وأكرم به من أراد منا بدرجة الشهادة، فإذا نظرت في كتابي فاطو المراحل وجد في السير فإن الأمر لك ولست أسلمك إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم كتب خالد بن يزيد بعد ذلك إلى حسان بخبر ما قبله، وعمد إلى قربوس فنقره ثم وضع فيه الكتاب وأطبق عليه وأخفى مكان النقر ثم حمل رسولاً على دابة بالكتاب إلى حسان، فلما فصل خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تقول: يا بني هلاككم في شيء من نبات الأرض، وكانت من أعلم أهل زمانها بالكهانة، ومضى الرسول حتى قدم على حسان، فلما علمت الكاهنة أن حسان يقيم بقصوره لا يبرح قالت للبربر والروم: إنما

стр. 82

يطلب حسان من إفريقية المدائن والذهب والفضة والشجر ونحن إنما نريد منها المراعي والمزارع فما أرى لكم إلا خراب إفريقية، فوجهت البربر يقطعون الشجر ويهدمون الحصون، قالوا: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة فأخربت ذلك كله، فخرج من النصارى ثلاثمائة رجل مستغيثين بحسان مما نزل بهم من الكاهنة من خراب الحصون وقطع الشجر، وكان قد وجه إليه عبد الملك بن مروان يأمره بالنهوض إلى إفريقية قبل أن تخربها الكاهنة، فوافق ذلك قدوم الروم عليه وقدوم رسول خالد بن يزيد عليه، فرجع بجميع عسكره إلى إفريقية؟ فيقال إن الكاهنة خرجت ناشرة شعرها تقول: يا بني انظروا ماذا ترون، فقالوا: نرى شيئاً من سحاب أحمر، قالت: بلى وإلهي ما هو إلا رهج خيل العرب قد أقبلت إليكم، ثم قالت لخالد بن يزيد الذي كانت أسرته: إنما كنت تبنيتك لمثل هذا اليوم، أما أنا فمقتولة ولكن أوصيك بأخويك هذين خيراً، تريد ولديها، فانطلق بهما إلى العرب فخذ لهما أماناً. فانطلق بهما خالد بن يزيد فأخذ لهما أماناً، ولقي حسان وهو مقبل يريد الكاهنة، فوصل إلى قابس فلقيته الكاهنة، وكانت مع حسان جماعة من البربر فولى عليهم الأكبر من ولدي الكاهنة وأكرمه وأقربه، ولقيته الكاهنة في جيوش عظيمة فاقتتلوا فهزمهم الله تعالى، وانهزمت الكاهنة تريد قلعة بشر لتتحصن بها فأصبحت القلعة لاصقة بالأرض فهربت تريد جبل أوراس ومعها صنم عظيم من خشب كانت تعبده يحمل بين يديها على جمل، فتبعها حسان حتى قرب من موضعها، فلما كان الليل قالت الكاهنة لابنيها: إني مقتولة وإن رأسي تركض به الدواب وتمضي به إلى المشرق من حيث تطلع الشمس وأراه موضوع بين يدي ملك العرب الذي بعث إلينا بهذا الرجل، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فإذا كان الأمر هكذا عندك فارحلي وخلي البلاد، قالت: وكيف أفر وأنا ملكة والملوك لا تفر من الموت فأقلد قومي عاراً إلى آخر الدهر، قالوا لها: أفلا تخافين على قومك قالت: إذا أنا مت فلا أبق الله منهم أحداً في الدنيا، فقال لها خالد بن يزيد وولداها: فما نحن صانعون؟ فقالت: أما أنت يا خالد بن يزيد فستنال ملكاً عظيماً عند الملك الأعظم وأما أولادي فسيدركون بإفريقية ملكاً عظيماً مع هذا الملك الذي يقتلني، ثم قالت لهم: اركبوا فاستأمنوا إليه فركب خالد بن يزيد وولداها بالليل إلى حسان، فلما أصبح حسان زحف إليها، وأقبلت الكاهنة راجعة إليه فلقيت أعنة الخيل خالداً وولديها فسلموا عليهم ومضوا بهم إلى حسان فدخل ابن يزيد على حسان وأخبره بما قالت الكاهنة، وأنها وجهت إليه بولديها فأمر بهما حسان فأدخلهما ووكل بهما قوماً، وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل، فالتقى القوم ووضعوا السلاح بعضهم على بعض ووقع الصبر، وانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر سماه الناس بئر الكاهنة إلى اليوم، ويقال إنها قتلت عند طبرقة، فنزل حسان على الموضع الذي قتلت فيه وعجب الناس من خلقها وكانت الأترجة تجري فيما بين عجيزتها وأكتافها. ثم إن الروم تحزبوا بعد ذلك وأجمعوا على قتال حسان فقاتلهم فهزمهم الله تعالى، وخافته البربر فاستأمنوا إليه فلم يقبل منهم حتى أعطوه من جميع قبائلهم اثني عشر ألف فارس يكونون مع العرب فأجابوه وأسلموا على يديه، وعقد لولدي الكاهنة بعد إسلامهما لكل واحد منهما ستة آلاف فارس من البربر، وأخرجهم مع العرب يفتتحون إفريقية ويقتلون الروم، فمن أجل ذلك صارت الخطط بإفريقية للبربر فكان يقسم الفيء بينهم والأراضي، وحسنت طاعتهم له، فدانت له إفريقية ودون الدواوين. أوش (١) من مدن فرغانة بينها وبين قبا عشرة فراسخ، وهي مدينة عامرة، وقهندزها عامر ودار الإمارة والحبس في القهندز، وعلى ربضها سور وهي ملاصقة للجبل الذي عليه مرقب الأتراك الذي تحرس منه ولها ثلاثة أبواب. أولية السهلة (٢) بالأندلس قريبة من قرطبة تعرف بالرملة وهي أم الأقاليم، كثيرة الأهل واسعة الخطة مثمرة الأرضين، بها ديار للعجم متقنة البنيان في إحداها أربع سوار مجزعة من نفيس الرخام في نهاية العظم والطول عليها الناقوس. أوريط (٣) مدينة قديمة بالأندلس كانت عظيمة مذكورة مع طليطلة، وهي معها في حد واحد من مدن قسطنطين، وإنما عمرت قلعة رباح وكركي بخراب أوريط.

стр. 83

أورشين (١) مدينة صغيرة من مدن الهند على الساحل، وجزيرتها عظيمة المقدار كثيرة الجبال والأشجار، وفيها فيلة كثيرة وبها تصاد ويتجهز بأنيابها منها، وللناس في صفة صيدها أقوال، منهم من يقول إن الصائدين لها يقصدون إلى مواضع مبيتها والأماكن التي تأوي إليها فيحفرون لها حفائر كما تفعله عربهم (٢) في صيد الأسود، ويكون أعلاها واسعاً وأسفلها ضيقاً، ويسترونها بالخشب الرقاق والحشيش ويسوى بالتراب فوق ذلك حتى تخفى الحفرة، فإذا جاءت الفيلة إلى مواضعها التي اعتادت المبيت فيها وفي طرق مائها الذي اعتادت الشرب منه سقطت في الحفرة على رأسها وفر باقي الفيلة على وجوهها وصائدوها يكونون هناك في أماكن لهم ينظرون منها إلى ما يسقط في الحفرة من الفيلة فإذا رأوا ذلك أسرعوا إلى ما سقط في الحفرة وفتحوا خواصرها وبطونها واستخرجوا أنيابها وأخذوا كعوبها. قالوا: وهي تمشي قطاراً وتبيت في الغياض اثنين في واحدة، وثلاثة وأربعة في واحدة وصفة رقادها أن تقصد الشجر فتورك على أصولها فيورك بعضها على بعض وتنام وقوفاً لغلظ أرساغها وطول مفاصلها فيأتي الصائدون إلى تلك الأشجار بالنهار فيقطعون أكثرها، ويتركون الشجر قائمة مستهلكة، فإذا جن الليل وأتت الفيلة على عادتها إلى تلك الأشجار التي عادتها الرقاد بالاعتماد عليها فلا يزال يثقل بعضها على بعض إلى أن تسقط الشجر وتسقط الفيلة مع سقوطها فلا تقدر أن تقوم، فيثب الصيادون إليها بالخشب فيضربون رؤوسها إلى أن تموت وتستخرج أنيابها وتباع من التجار بأموال كثيرة وتحمل إلى البلاد وتصرف في كثير من الأعمال والترصيع، ويكون في النابين الكبيرين من الفيلة ستة عشر قنطاراً إلى ما فوقها ودونها قالوا: والإناث منها تلد أولادها في المياه الراكدة فإذا وضعت أولادها سقطت في الماء فتسرع الأمهات إليها وتقيمها في الماء على سوقها وتخرجها منه وتديم لحسها إلى أن تجف وتستدرجها إلى أن تكمل تبارك الله أحسن الخالقين. ولا يدرى في الحيوانات أفهم من الفيل ولا أقبل منه للتعليم، ومن خواصه أنه لا ينظر إلى عورة الإنسان، وتتنافس ملوك الهند في اقتناء الفيلة وتتغالى في أثمانها وتحافظ عليها وتجلب إلى مرابطها عندهم صغاراً فتنشأ على التأنس بالناس ويقاتلون عليها لأن الفيل الكبير يقاتل على ظهره اثنا عشر رجلاً بالحجف والسيوف والدبابيس الحديد، ويقف على رأس كل فيل رجل يسوقه بمخاطف، ويضرب على رأسه بخشبة ويحمل بعضها على بعض فيمر الأقوى على الأضعف، ولها كرات ورجعات، كل ذلك من أمر الفيلة مشهور في بلاد الهند. وقد عاين ذلك المسلمون في صدر الإسلام وفي حروب القادسية، والفيلة في جزيرة أورشين كثيرة ويستولدونها وتخرج منها إلى سائر البلاد من الهند وغيره، وفي هذه الجزيرة معدن الحديد، وينبت في أكثر جبالها الراوند، والذي يجلب منه من الصين أفضل لأنه أصلب جسماً وأصبغ لوناً وأبلغ فيما يراد منه من إصلاح الكبد وجملة منافعه، وفي هذه الجزيرة شجر يسمونه الشهكير (٣) على صفة الخروع كثير الشوك بارزه له عروق سود، وملوك الهند والصين تدبر منه سم ساعة، وأهل الهند والصين لا يقتلون أحداً من ذوي محارمهم ولا من خدامهم إلا بالسم. أوفة (٤) مدينة من مدن هراة وهي أصغر قدراً من هراة، ولها أسواق عامرة وعمارات وتجارات كثيرة وبساتين وجنات وكروم. أوريولة (٥) حصن بالأندلس وهو من كور تدمير وأحد المواضع التي صالح عليها تدمير بن غندرس عبد العزيز بن موسى بن نصير حين هزمه عبد العزيز ووضع المسلمون السيف فيهم فصالحه على هذه المعاقل على أداء الجزية، وكان حصن أوريولة قاعدة تدمير وذلك مشروح في ذكر قرطاجنة. وبين أوريولة وألش خمسة عشر ميلاً وقيل عشرون ميلاً، ومدينة أوريولة قديمة أزلية كانت قاعدة العجم وموضع مملكتهم، وتفسيرها باللطيني الذهبية ولها قصبة في غاية من الامتناع على قنة جبل، ولها بساتين وجنات فيها فواكه كثيرة وفيها رخاء شامل وأسواق وضياع، وبينها وبين مرسية اثنا عشر ميلاً، وبينها وبين قرطاجنة خمسة وأربعون ميلاً، ولي قضاءها أبو الوليد الباجي.

стр. 84

إيليا (١) ويقال أيليا بفتح الهمزة، مدينة بالشام وهي بيت المقدس، وهي مدينة قديمة جليلة على جبل يصعد إليها من كل جانب، وهي طويلة من المغرب إلى المشرق، وفي طرفها الغربي باب البحر وهذا الباب عليه قبة داود ﵇، وفي طرفها الشرقي باب يسمى باب الرحمة وهو مغلق لا يفتح إلا من عيد الزيتون إلى مثله، وفي المشرق منها زقاق شارع إلى الكنيسة العظمى المعروفة بكنيسة القيامة، وهي الكنيسة المحجوج إليها من جميع بلاد الروم التي في مشارق الأرض ومغاربها فيدخل من باب في غربيها فيجد الداخل القبة التي تشتمل على جميع الكنيسة، وهي قالوا من عجائب الدنيا، والكنيسة أسفل ذلك الباب، ولها باب من جهة الشمال ينزل منه إلى أسفل الكنيسة على ثلاثين درجة، ويسمى هذا الباب باب شنتمرية، وعند نزول الداخل إلى الكنيسة تلقاه مقبرة عيسى ﵇ فيما زعموا ولها بابان، وعليها قبة محكمة البناء، وعلى الباب في يسار الكنيسة منحرفاً بشيء إلى الجنوب الحبس الذي حبس فيه المسيح ﵇، والقبة الكبيرة قوراء مفتوحة إلى السماء، وبها دار فيها الأنبياء مصورون، وعلى المقبرة ثلاثة قناديل من ذهب معلقة على المكان. وإذا خرجت من هذه الكنيسة وقصدت شرقاً ألفيت البيت المقدس الذي بناه سليمان بن داود ﵉، وكان مسجداً محجوجاً إليه في أيام دولة اليهود ثم انتزع من أيديهم وأخرجوا عنه إلى مدة الإسلام، فهو معظم في مدة الإسلام وهو المسجد الأقصى وليس في الأرض مسجد على قدره إلا جامع قرطبة، وصحن المسجد الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة. ومدينة إيليا مسورة في نشز من الأرض، والجبال محيطة بها، والمدينة في غربي المسجد، وماء إيليا من الأمطار، ولداود ﵇ بها حياض مصهرجة فيها مياه الأمطار، وخارجها بساتين ومزارع وأشجار وزيتون وليس بها من شجر النخل إلا واحدة، ويقال إنها المذكورة في التنزيل في شأن مريم، وهي منحنية، ويقال إنها غرست منذ زيادة على ألف سنة. والأرض المقدسة أربعون ميلاً في مثلها، فأما بيت المقدس فأول من بناه وأوري موضعه يعقوب ﵇، وقيل إن أول من بناه داود ﵇، وكان بناؤه له إلى وقت تخريب بخت نصر له وانقطاع دولة بني إسرائيل أربعمائة سنة وأربع وخمسون سنة، فلم يزل خراباً إلى أن بناه ملك من ملوك الطوائف من الفرس يقال له كوشك، ثم تغلبت ملوك غسان على الشام بتمليك الروم لهم ودخولهم في نصرانيتهم، إلى أن جاء الله بالإسلام، وملك الشام منهم جبلة بن الأيهم ففتح الله الشام على المسلمين في زمن عمر بن الخطاب ﵁. وكان أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أمير الجيش قد كتب إلى بطاركة إيليا يدعوهم إلى الإسلام أو أداء الجزية فالتووا عليه فنزل عليهم وحاصرهم حصاراً شديداً فلما رأوا أنه غير مقلع عنهم واشتد عليهم الحصار سألوه أن يصالحهم على أن يعطوه الجزية فأجابهم إلى ذلك، فقالوا: فأرسل إلى خليفتك فيكون هو الذي يعطينا العهد ويكتب لنا الأمان فإنا لا نرضى إلا به، فاستوثق منهم أبو عبيدة بالأيمان المغلظة إن قدم أمير المؤمنين فأعطاهم الأمان ليقبلوا ذلك منه، ثم خاطب عمر ﵁ بما دعوا إليه وباستيثاقه منهم، فسار عمر ﵁ نحو إيليا وخرج المسلمون يستقبلونه فخرج أبو عبيدة ﵁ بالناس، وأقبل عمر ﵁ على جمل له عليه رحل ملبس جلد كبش حولي حتى انتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يتبادرونه حتى نزل عن بعيره وأخذ بزمامه وهو من ليف، ثم دخل بين يديه حتى صار إلى أصحاب أبى عبيدة ﵄ فإذا معهم برذون يجنبونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين اركب هذا البرذون فإنه أحجى بك وأهون عليك في ركوبه ولا نحب أن يراك أهل الذمة في مثل هذه الهيئة، واستقبلوه بثياب بيض فركب البرذون وترك الثياب، فلما هملج به نزل عنه وقال: خذوا هذا عني فإنه شيطان، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو لبست هذه الثياب البيض وركبت هذا البرذون لكان أجمل في المروءة وأحسن في الذكر، فقال عمر ﵁: ويحكم لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا، ثم مضى ومضى المسلمون فيهم أبو الأعور السلمي قد لبسوا ثياب الروم من الديباج وغيره، فقال عمر ﵁: احثوا في وجوههم التراب حتى يرجعوا إلى هيئتنا وسنتنا، وأمر بذلك الديباج فخرق، فقال له يزيد بن أبي سفيان: يا أمير المؤمنين إن الدواب والسلب عندنا كثير والعيش رفيغ والسعر رخيص وحال المسلمين كما تحب فلو أنك لبست هذه الثياب البيض وركبت هذه المراكب الفره وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير لكان أبعد في الصيت

стр. 85

وأعظم في أعين الأعاجم، فقال له عمر ﵁: يا يزيد لا والله لا أتزين للناس بما يشينني عند الله تعالى ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس ويصغر عند الله ، ثم سار حتى أتى إيليا فخرج إليه أبو الجعيد فصالحه، وكتب له عمر ﵁ كتاباً (١) أمنهم فيه على أنفسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم وكنائسهم واشترطوا أن لا يساكنهم اليهود فيها، فلما قبضوا كتاب الصلح فتحوا للمسلمين أبواب إيليا، فدخل عمر ﵁ والمسلمون معه، وسخر عمر ﵁ أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس، وكانت فيه مزبلة عظيمة، وجاء عمر ﵁ ومعه كعب فقال: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: اذرع من الحائط الذي يلي موضع كذا، كذا وكذا ذراعاً ثم احفر فإنك تجدها، قال: وهي يومئذ مزبلة، فحفروا فظهرت، فقال عمر ﵁ لكعب: أين ترى أن نجعل قبلة المسجد قال: اجعلها خلف الصخرة فتجمع القبلتين قبلة موسى وقبلة محمد صلى الله عليهما وسلم، قال: ضاهيت اليهود يا أبا إسحاق، خير المساجد مقدمها. قال: فبنى القبلة في مقدم المسجد، ثم بنى عبد الملك بن مروان مسجد بيت المقدس سنة سبعين، وحمل إلى بنيانه خراج مصر سبع سنين، وبنى القبة على الصخرة وجعل على أعلى القبة ثمانية آلاف صفيحة من نحاس مطلية بالذهب، في كل صفيحة سبعة مثاقيل ونصف من ذهب، وأفرغ على رؤوس الأعمدة مائة ألف مثقال ذهباً وخارج القبة كلها ملبس بصفائح الرصاص، وطول مسجد بيت المقدس بالذراع الملكي ويقال إنه ذراع سليمان ﵇ وهو ثلاثة أشبار سبعمائة وخمس وخمسون ذراعاً، وفيه من الأساطين ستمائة وأربع وثمانون اسطوانة، والعمد التي في قبة الصخرة ثلاثون عموداً وفيه خمسة آلاف قنديل توقد فيه ليلة كل جمعة. الإيوان هو إيوان كسرى بدار ملك الأكاسرة المدائن من العراق وبالمدينة العتيقة منها التي كان ينزلها ملوك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف هو الذي بناه، وهو من أكابر ملوكهم. وهذا الإيوان هو الذي يقول فيه البحتري من قصيدة وصف في أولها القصر الأبيض فأجاد ما شاء ثم قال يصف الإيوان هذا: وكأن الإيوان من عجب الصن؟ ... عة جوب في جنب أرعن جلس يتظنى من الكآبة إذ يب؟ ... دو لعيني مصبح أو ممسي مزعجاً بالفراق عن أنس ألف ... عز أو مرهقاً بتطليق عرس عكست حظه الليالي وبات ال؟ ... مشتري فيه وهو كوكب نحس فهو يبدي تجلداً وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرس لم يعبه إن بز من بسط الديبا ... ج واستل من سور الدمقس مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوى وقدس لابسات من البياض فما تب؟ ... صر منها إلا غلائل ورس لست تدري أصنع أنس لجن ... صنعوه أو صنع جن لأنس غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس وروي أن أبا جعفر المنصور (٢) لما أفضت الخلافة إليه هم بنقض هذا الإيوان واستشار في ذلك جلساءه وذوي الرأي عنده من رجاله، فكلهم وافقه على رأيه وأشار عليه بما يطابق هواه إلا خالد بن برمك فإنه قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه آية الإسلام وإذا رآه من يأتي في مستقبل الزمان علم أن أصحاب مملكته لم يغلبوا عليه إلا بأمر من الله تعالى وتأييد أمد به المسلمين الذين قهروهم، وبقاؤه فخر لكم وذكر ومع ذلك فالمؤونة في هدمه أكثر من العائد منه فاستغشه المنصور في ذلك فقال له: يا خالد أبيت إلا ميلاً مع العجمية ثم أمر بنقض الإيوان،

стр. 86

فبلغت النفقة في نقض شيء يسير منه مبلغاً عظيماً، فكتب إليه بذلك فعزم على تركه وقال لخالد بن برمك: قد صرنا إلى رأيك، فقال له خالد: إن رأيي الآن أن تبلغوا به الماء، فقال له المنصور: وكيف ذلك؟ قال: إني آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه والهدم أسهل من البناء. ففكر المنصور في قوله فعلم أنه قد صدق، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه. وكان بعد يقول: لقد حبب إلي هذا ألا أبني إلا بناء جليلاً يصعب هدمه. وقد بشر رسول الله ﷺ أصحابه بالاستيلاء على مملكة فارس ووعدهم بافتتاح المدائن فضرب ﷺ يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة اعترضت عليهم في الخندق، فكسر ثلثها بضربة وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة "، ثم ضرب الثانية فكسر ثلثها الثاني وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض "، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأرى أبواب صنعاء من مكاني الساعة "، فصدق الله وعده وأنجز لأمة محمد ﷺ ما بشرهم به واستأصل بهم مملكة فارس، وفتح عليهم المدائن في زمان عمر ﵁. والمدائن على مسافة يوم من بغداد، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقاً وغرباً، ودجلة يشق بينهما، ولذلك سميت المدائن، فالغربية منها تسمى بهرسير، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها وفيها إيوان كسرى المتقدم الذكر. ونزل الرشيد مرة على قرب من الإيوان فسمع بعض الخدم من وراء السرادق يقول لآخر: هذا الذي بنى هذا البناء أراد أن يصعد إلى السماء، فأمر الرشيد بضربه مائة عصا وقال لمن حضره: إن الملك نسبة بين الملوك لهم به إخوة وإن الغيرة بعثتني على أدبه لصيانة الملك وما يلحق الملوك للملوك. قالوا: ولما بنى أنوشروان سور الباب والأبواب وفدت عليه الملوك بالهدايا فكان في جملتهم رسول قيصر فنظر إلى الإيوان وحسن بنائه وإعجاب صنعته ورأى تعريجاً في ميدانه واعوجاجاً فسأل عن معنى ذلك فقيل له إن عجوزاً لها منزل في جانب الاعوجاج، وأن الملك أرادها على بيعه وأرغبها فأبت فلم يكرهها فقال الرومي: هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء. ولما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتج هذا الإيوان وسقط منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان وهو القائم بأمر الدين عندهم خيلاً عراباً قد قطعت دجلة فأفزع ذلك كسرى أنوشروان، وكان مولد رسول الله ﷺ لاثنتين وأربعين سنة من ملكه، فكتب أنوشروان إلى النعمان بن المنذر وهو ولاه أمر العرب أن يوجه إليه رجلاً من مشاهير العرب يسأله عما يريد فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو إلى آخر القصة وهي مشهورة. وللإيوان بناء عال شديد البياض. أيلة (١) في طريق مكة، حاطها الله، من مصر، وهي أول حد الحجاز، وهي مدينة جليلة القدر على ساحل البحر الملح بها يجتمع حاج مصر والمغرب، وبها التجارة الكثيرة وأهلها أخلاط من الناس. وسميت بأيلة بنت مدين قالوا: وهي القرية التي كانت حاضرة البحر المذكورة في القرآن. قال ابن إسحاق (٢) : ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية وكتب له كتاب أمنه هو مذكور في سير ابن إسحاق. وروى أبو حميد الساعدي في خبر تبوك أن صاحب أيلة أهدى للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه برداً وكتب له. وتسير من أيلة فتلقى العقبة التي لا يصعدها راكب لصعوبتها ولا تقطع إلا في طول اليوم لطولها ثم تسير مرحلتين في فحص التيه، وأيلة حد مملكة الروم في الزمن الغابر وعلى ميل منها باب معقود لقيصر قد كان مسلحة يأخذون عنده المكوس ومن أيلة إلى بيت المقدس ست مراحل، والطور الذي كلم الله تعالى عليه موسى ﵇ على يوم وليلة من أيلة، وينزلها اليوم قوم من بني أمية وأكثرهم موالي عثمان ﵁ كانوا سقاة الحاج، وبها علم كثير وآداب ومتاجر وأسواق عامرة، وهي كثيرة النخل والزرع واصلح عقبة أيلة فائق مولى خمارويه بن أحمد بن طولون

стр. 87

وسوى طريقها وردم ما استرم فيها، وبأيلة أسواق ومساجد، وفيها كثير من اليهود يزعمون أن عندهم برد النبي ﷺ وأنه وجهه إليهم أماناً وهم يظهرونه رداء عدنياً ملفوفاً في الثياب قد أبرز منه مقدار شبر فقط. ثم أصلحها السلطان الأشرف قانصوه الغوري آخر ملوك الجراكسة من جملة ما أصلح في طريق الحجاج في أواخر عمره قبل العشرين والسبعمائة (١) . الأيكة المذكورة في كتاب الله تعالى: قيل إنها مدين وقيل من ساحل البحر إلى مدين، وقيل هي غيضة نحو مدين وهو مدين بن إبراهيم ﵇، ونبيهم شعيب ﵇، وفيهم قال الله تعالى " ولقد كذب أصحاب الأيكة المرسلين "، وفي آية أخرى " وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم " ومن ملوكهم أبو جاد وهوز وحطي على تواليها فكان أبو جاد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز وحطي ببلاد وج وهي الطائف وما اتصل بها من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقريشات ببلاد مصر، وفيما لحق بهم من عذاب الله تعالى يقول المنتصر بن المنذر: ملوك بني حطين وسعفص ذي الندى ... وهوز أرباب البنية والحجر هم ملكوا (٢) أرض الحجاز بأوجه ... كمثل شعاع الشمس أو صورة البدر وهم قطنوا أرض الحرام وزينوا ... (٣) قصوراً وفازوا بالمكارم والفخر وسلط الله على قوم شعيب ﵇ حراً شديداً أخذ بأنفاسهم ثم بعث الله سبحانه سحابة فوجدوا لها برداً فلما صاروا تحتها أرسلها الله عليهم فذلك قوله تعالى: " فأخذهم عذاب يوم الظلة " فاحترقوا كما يحترق الجراد، وكانوا أهل كفر وبخس في الميزان والمكيال. إيلاق (٤) من بلاد خراسان، لها قصبة ونهر وربض، ولهم في الربض والمدينة ماء جار، وبجبل إيلاق معادن ذهب وفضة، ويتصل بهذا الجبل حدود فرغانة، وبها دار ضرب وليس فيما وراء النهر دار ضرب إلا بسمرقند وبخارى وإيلاق، ولإيلاق بضع عشرة مدينة، وإيلاق متصلة ببلاد الشاش وهما جميعاً لا فصل بينهما عمارتهما متصلة متكانفة لا تنقطع، مقدار عرضها مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان وما وراء النهر كورة ولا إقليم على مقدارها في المساحة أكثر منابر وقرى عامرة من هذه الناحية، وآخر حدودها ينتهي إلى وادي الشاش الذي يقع في بحيرة خوارزم وعامة دور مدنها يجري فيها الماء، وقد أهلك ذلك (٥) . ايكلي (٦) هي قاعدة بلاد السوس الأقصى وهي مدينة كبيرة قديمة في سهل من الأرض على نهر كبير، وهي كثيرة البساتين والتمر وجميع الفواكه ربما بيع فيها حمل التمر بما دون كراء الدابة من الجنان إلى السوق، وقصب السكر بها كثير، وأكثر شرب أهلها إنما هو ماء قصب السكر، ويعمل بها النحاس المسبوك ويتجهز به إلى بلاد السودان. ودخل عقبة بن نافع إلى هذه المدينة عند دخوله بلاد المغرب وافتتحها وأخرج منها سبياً لم ير مثله حسناً، كانت تباع الجارية الواحدة منهن بألف دينار وأكثر لحسنها وتمام خلقها. ويعمل بهذه المدينة زيت اليرجان (٧) وشجره يشبه الكمثرى إلا أنه لا يعلو شجر الكمثرى ولا يفوت وأغصانه نابتة من أصله لا ساق لشجرته ولها شوك وثمرته تشبه الأجاص فيجمع ويترك حتى يذبل ثم يوضع في مقلاة فخار على النار فيستخرج دهنه، وطعمه يشبه طعم القمح المقلو وهو حينئذ محمود الغذاء يسخن الكلى ويدر البول. إيكجان (٨) جبل بين سطيف وقسطنطينة فيه قبائل كتامة، وبه حصن حصين ومعقل منيع كان قبل هذا من أعمال بني حماد، وتمتد عمارة كتامة بهذه الأرض إلى أن تجاور أرض القل وبونة، وفيهم كرم وبذل طعام لقاصدهم، وهم أكرم الرجال للأضياف حتى استسهلوا مع ذلك بذل أولادهم للأضياف فلا يرون

стр. 88

بذلك عاراً، وبالغت الملوك في عقوبتهم على ذلك فما انتقلوا عنه ولا امتنعوا عن عادتهم، وقد فنوا وكانوا قبل هذا أعداداً لا تحصى. ايالي (١) مدينة على خمسة فراسخ من مدينة الشيرجان عادلاً عن الشمال إلى المغرب، ولها سور عتيق ومسجد وبها منبر ومسجد جامع، وهي مدينة جميلة لها رساتيق يمنة ويسرة وبها معادن صفر وحديد، وعلى أربعة فراسخ منها مدينة الروذان وهي من عمل فارس.

стр. 89

حرف الباء بابل بالعراق، كانت بابل من عظمها واستبشاع أمرها لا تكاد تجعل من عمل الآدميين، وهي المذكورة في قوله تعالى: " وما أنزل على الملكين ببابل " ويقال إن الضحاك أول من بناها، وسكنها العمالقة (١) ، ودخلها إبراهيم ﵇، ويقال إن بها مولده، وقيل بل ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل بكوثى من أرض السواد، وينسب إليها السحر والخمر، ويقال إن بها هاروت وماروت يعذبان إذ اختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة وأنهما معلقان في سرب تحت الأرض كالحبلين، وأن بعض الناس رآهما كذلك، فجادله يهودي بها لرغبته في ذلك، فلما رأى منظرهما رأى منظراً عظيما وأمراً هائلاً أفزعه، هذا سمعته من الفقيه ابن البراء يحكيه عن مجاهد صاحب التفسير ولا أدري أهو الرائي لهما أو غيره فالله أعلم. ويقال إن نمرود أسسها وهي مدينة ضاحكة المنظر جميلة المنصب زاهرة البناء واسعة الفناء قد جمعت إلى حسن المنظر من كل جانب رصانة البنيان وبهاء المنصب، وكانت سهلة بطحاء ديمومة فيحاء مربعة لها في كل تربيع حصنان عظيمان، وسائر ذلك من سورها لا يكاد من يبلغه خبره يصدق بصفته لكثرة ارتفاعه وفرط اتقانه، وكان خمسين ذراعاً عرضاً في ارتفاع مائتي ذراع في دور أربعة وستين ميلاً، مبنياً بالآجر المرصص، وقد خندق حولها بخندق يجري فيه الفرات وفيه مائة باب من نحاس، وسعة السور في أعلاه كسعته في أسفله، وقد بني في أعلاه مساكن للمقاتلة، والجوابي متصلة في جميع دوره. قالوا: وبابل أقدم بناء بني بعد الطوفان وأن منها تفرق ولد نوح ﵇، وأن الذي هدمها كسرى الأول ملك الفرس لما تغلب على أرض بابل، وملوك بابل هم النبط، وزعموا أنهم أول ملوك العالم وأن الفرس أخذت الملك منهم كما أخذته الروم من اليونانيين وأول ملوكهم نمرود، وهم الذين شيدوا البنيان ومدنوا المدن وكوروا الكور وشقوا الأنهار ورتبوا الجيوش وجعلوا الألوية والأعلام. قالوا: وأول صنم يعبد من دون الله تعالى ود وكان رجلاً مسلماً من أهل بابل وكان محبباً في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى الشيطان جزعهم عليه تشبه بصورة إنسان وقال: أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم في أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه، قالوا: نعم، فصنع لهم تمثالاً فجعلوا يقبلون عليه ويعظمونه، حتى اتخذ كل واحد منهم تمثالاً في منزله يعظمه ويتبرك به، ثم تناسلوا على ذلك حتى اتخذوه الهاً يعبدونه من دون الله تعالى. باذغيس في خراسان، من بوشنج إلى باذغيس ثلاث مراحل، افتتحها عبد الرحمن بن سمرة في أيام معاوية بن أبي سفيان ﵄. وفي خبر المدائني أن ابن عامر حين صالح أهل مرو وصالح الأحنف أهل بلخ (٢) وبعث خليد بن عبد الله الحنفي إلى هراة وباذغيس فافتتحها، ولما رجع الأحنف قال لابن عامر (٣) ما فتح الله على أحد ما فتح عليك فارس وكرمان وسجستان وسائر خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكري لله تعالى على مثل ذلك أن أخرج معتمراً من موقفي وأحرم بعمرة من نيسابور، فلما

стр. 90

قدم على عثمان ﵁ لامه على إحرامه من خراسان وقال له: ليتك تضبط الميقات الذي يحرم منه الناس. ومنها كانت مراجل أم المأمون بن الرشيد وهلكت بعد مولد المأمون بمديدة ولقبها صواحبها بمراجل لأنها كانت حسنة الشعر مولعة بترجيله وخدمته. الباميان (١) في خراسان، يخرج من جبل الباميان عيون عظام فيمر منها واد إلى القهندار مسيرة شهر، ونهر آخر إلى سجستان، ونهر آخر إلى هراة، ونهر آخر إلى مرو مسافة شهر، ونهر آخر إلى بلخ مسيرة اثني عشر يوماً، ونهر آخر إلى خوارزم مسيرة أربعين يوماً، كل هذه الأنهار تخرج من جبل الباميان لارتفاعه، وفيه معادن نحاس ورصاص وزئبق. والباميان مضافة إلى مرو الشاهجان وبرسمها، وفي سنة إحدى عشرة وستمائة استولى خوارزم شاه على الباميان بجموعه الكثيفة وبها علي بن سام فأناخ عليها حتى ضاق ذرعاً بالحصار فنزل على أن لا يقتله وينزله من بلاده حيث أحب، وحلف على ذلك بمحضر الأمراء والعلماء بالأيمان المغلظة، فلما نزل إليه ودخل للسلام عليه أشار إلى مماليكه الأتراك أن يستعملوا سراً فيما بينهم، فضربه أحدهم بدبوس على الرأس سال منه دماغه فأظهر أنه قتل خطأ فطلب المملوك الذي فعل هذا فهرب، ومر دمه هدراً واستولى على جميع بلاده. بانياس مدينة قريبة من دمشق هي ثغر بلاد المسلمين، وهي صغيرة ولها قلعة يستدير بها نهر يفضي إلى أحد أبواب المدينة ولها مصب تحت أرحاء، وكانت بيد الفرنج فاسترجعها نور الدين ﵀، ولها محترث عظيم واسع في بطحاء متصلة. البانس (٢) قرية في آخر عمارة الزنج، وهي جامعة آهلة بالناس، وهم يعبدون الرجيم، والرجيم عندهم طبل كالبتية (٣) مجلد من جهة واحدة، ويربطون في ذلك الجلد شريطاً يجذبونه به فيكون له صوت هائل يسمع على ثلاثة أميال ونحوها، ومدينة البانس آخر عمالة الزنج وتتصل بها أرض سفالة الذهب، وجميع بلاد الزنج بضائعهم الحديد وجلود النمور الزنجية وهي جلود حمر ناعمة جداً وليس عندهم دواب، إنما يتصرفون بأنفسهم وينقلون أمتعتهم على رؤوسهم وعلى ظهورهم إلى مدينتي منبسة وملندة (٤) فيبيعون هناك ويشترون، وليس للزنج مراكب يسافرون بها إنما تدخل إليهم المراكب من عمان وغيرها إلى جزائر الهند فيبيعون هناك متاعهم، وللعرب في قلوب الزنج رعب عظيم ومهابة، فلذلك متى عاينوا رجلاً من العرب تاجراً أو مسافراً سجدوا له وعظموا شأنه وقالوا بكلامهم: هنيئاً لكم يا أهل اليمن (٥) ، والمسافرون لبلادهم يسرقون أبناء الزنج بالتمر يخدعونهم به، فينقلونهم من مكان إلى مكان حتى يقبضوا عليهم ويخرجوهم من بلادهم إلى البلاد التي يكونون بها، ويقابل بلاد الزنج الساحلية جزائر تسمى الزابج وهي كبيرة وأرضها واسعة وأهلها سمر جداً وتزرع بها الذرة وقصب السكر وشجر الكافور. باجرا مدينة في الجزيرة من أعمال الموصل بناها عبد الأعلى بن يزيد بن أمية السلمي في الفتنة وبها منزله. باجروان من بلاد الجزيرة أيضاً وهي قرية كبيرة كثيرة الأهل، وهي كثيرة الأسواق والحمامات، وهي على نهر وبها زروع وكروم وبساتين، ومنها إلى الرقة ثلاثة فراسخ. بازبدى مدينة من كور الموصل وعندها يلتقي نهر الخابور الخارج من بلاد ارمينية بدجلة، وهذه الديار ديار بني حمدان، وفيها يقول الشاعر٦: بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود وبغداد ما بغداد أما ترابها ... فجمر وأما حرها فشديد باخرزه (٧) من نواحي نيسابور منها علي بن الحسن الباخرزي

стр. 91

الأديب صاحب كتاب دمية القصر، ذكر فيه شعراء عصره وديوان شعره مشهور في الآفاق، وقتل سنة سبع وستين وأربعمائة، أنشد للعميد أبي نصر الحافظ: قد قلت لما فاق خط عذاره ... في الحسن خط يمينه المستملحا من يكتب الخط المليح لغيره ... فلنفسه لا شك يكتب أملحا بادس (١) مدينة بينها وبين تهودة بالمغرب مرحلة، وبادس حصنان لهما جامع وأسواق وبسائط ومزارع جليلة يزدرعون بها الشعير مرتين في العام على مياه سائحة كثيرة، وبها نخل كثير وفواكه وثمار، وهي قديمة فيها آثار للأول وبها مياه وعيون كثيرة، ومن بادس إلى قيطون بياضة (٢) وهي أول بلد مطماطة (٣) ومنه تفترق الطرق إلى بلاد السودان وإلى طرابلس وإلى القيروان وإلى نفطة ومنها يخرج إلى جميع البلاد، وهي آخر بلاد الزاب. باجة في إفريقية باجة (٤) وفي الأندلس وفي الصين، فالتي في إفريقية مدينة كبيرة أولية قديمة فيها آثار للأول ولها حصن حصين قديم مبني بالصخر الجليل أتقن بناؤه يقال إنه من عهد عيسى ﵇، وباجة على جبل شديد البياض يسمى الشمس لبياضه، وهي في وطاء من الأرض، وبين باجة وطبرقة مرحلة وبعض أخرى، وهي كثيرة الأنهار والعيون، وإحدى تلك العيون عين كبيرة تسمى عين الشمس، وهي تحت سور المدينة وباب المدينة بازاء العين ويسمى الباب باب عين الشمس، وباجة رخيصة الأسعار جداً أمحلت البلاد أو أخصبت، فإذا أخصبت البلاد لم تكن للحنطة فيها قيمة، وتسمى باجة هري إفريقية فإن منها يمتار جميع تلك البلاد عربها وبربرها لكثرة طعامها ورخصه، وباسمها سميت باجة الأندلس، وباجة إفريقية على مقربة من فحص قل المشهور بكثرة الزرع، وأرض هذا الفحص أرض مشققة سوداء يجود فيها جميع البذر ويكون فيه حمص وفول قلما يوجد مثله في موضع، ولباجة نظر كبير وقرى كبيرة عامرة، وكان الولاة يتنافسون في ولاية باجة ويقولون: من يترك قمح عندة وسفرجل زانة وعنب بلطة وحوت درنة؟ ودرنة بحيرة كبيرة بين باجة وطبرقة. وأما باجة الأندلس (٥) فهي من أقدم مدائنها بنيت في أيام الأقاصرة، وبينها وبين قرطبة مائة فرسخ، وهي من الكور المجندة نزلها جند مصر وكان لواؤهم في الميسرة بعد جند فلسطين، وهم النازلون بشذونة، فحمل الأمير عبد الرحمن بن معاوية لواءهم وأسقط جندهم وأخمل ذكرهم، وكان سبب ذلك أن العلاء بن مغيث اليحصبي (٦) كان رأس جند باجة فثار بها وقام بدعوة بني العباس ولبس السواد ورفع راية سوداء واجتمع إليه فئام من الناس، فقاتله عبد الرحمن بن معاوية في قرية من قرى اشبيلية تعرف بالكرم حتى هزمه الإمام وقتله. ومدينة باجة أقدم مدن الأندلس بنياناً وأولها اختطاطاً وإليها انتهى يوليش جاشر وهو أول من تسمى قيصر وهو سماها باجة، وتفسير باجة في كلام العجم الصلح وحوز باجة وخطتها واسعة ولها معاقل موصوفة بالمنعة والحصانة، ومنها الإمام القاضي أبو الوليد الباجي سليمان ابن خلف (٧) شارح الموطأ الفقيه الأديب العالم المتكلم، رحل إلى الحجاز والعراق ولقي العلماء وتجول ثلاثة عشر عاماً وصنف في الأصول والفروع وله: إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه ذكر ابن عساكر في تاريخه أنه توفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة بالمرية، وقبره في الرباط على حاشية البحر. وأما باجة الصين (٨) فهي مدينة البغبوغ، والبغبوغ ملك الصين بأجمعه، وإلى مدينته ينتهي مسافرو بلاد العرب (٩) ، وبها جميع

стр. 92

الفواكه والبقول والحنطة والشعير والأرز، ولا يوجد بجميع بلاد الهند والصين عنب ولا تين البتة، وهذه المدينة دار ملك البغبوغ وموضع رجاله وخزائن أمواله وقصور حرمه وعياله، ولهذا الملك مائة زوجة بمهور وانفاذ، ومن لم يملك منهم هذا العدد لا يسمى عندهم ملك الملوك ولهم الفيلة المعدة للحروب ألف فيل بعدتها وأسلحتها ومن لم يكمل له هذا العدد فليس بملك الملوك، ولا يلي الصين إلا من ورثه عن آبائه وإخوته أو أقاربه، وهم جادون على سنن العدل وطريق الأمان وسيرهم حميدة، وهذه المدينة على ضفة نهر الصين. باشو (١) بلد بجزيرة شريك العبسي كان عاملاً عليها في قديم الزمان، وباشو قبلة مدينة تونس وباشو هذه أم أقاليمها، وكانت مدينة كبيرة آهلة بها جامع وحمامات وثلاث رحاب وأسواق عامرة وبها قصر أحمد بن عيسى القائم على بني الأغلب. وبجزيرة شريك اجتمعت الروم بعد دخول عبد الله بن أبي سرح المغرب وتبادروا منها مدينة اقليبيا وما حولها، ثم ركبوا منها إلى جزيرة قوصرة وهي بين صقلية وإفريقية وكانت إذ ذاك عامرة، فيقال إنهم أقاموا بها إلى خلافة عبد الملك بن مروان، فاغتزى عبد الملك بن قطن في البحر ففتح ما كان هناك من الجزائر والقصور وخربها وقفل ظافراً. ومن تونس إلى منزل باشو مرحلة وبينهما قرى كثيرة، ويقال إن سواري جامع منزل باشو نقلت إلى تونس فبني عليها جامع القصبة بتونس، ومدينة باشو اليوم خراب لم يبق منها إلا مكانها وفيه قصر معمور وكانت أراضيها مباركة طيبة ذات شجر وزيتون وعمارات متصلة. بانقيا (٢) أرض بالنجف دون الكوفة وكان إبراهيم الخليل ولوط ﵉ نزلا بها يريدان بيت المقدس مهاجرين وكانت تزلزل في كل ليلة وكانت ضخمة، فلما باتا بها لم تزلزل في تلك الليلة، فمشى بعضهم إلى بعض تعجباً من عافيتهم في ليلتهم فقال صاحب منزل إبراهيم ﵇: ما رفع عنكم إلا شيخ يبات عندي كان يصلي ليله ويبكي فاجتمعوا إليه فسألوه المقام عندهم على أن يجمعوا له من أموالهم فيكون أكثرهم مالاً فقال: لم أؤمر بذلك وإنما أمرت بالهجرة، فخرج حتى أتى النجف فلما رآه رجع أدراجه فقال لمن تلك الأرض بعد النجف قالوا: هي لنا (٣) ، قال: فتبيعونها؟ قالوا: هي لك فوالله ما تبت شيئاً قال: لا أحب إلا أن يكون شراء، فدفع إليهم غنيمات كن معه، والغنم يقال لها بالنبطية نقيا. باغاية (٤) مدينة بإفريقية أولية جليلة بقرب مسكيانة ذات أنهار وثمار ومزارع ومسارح، وهي على مقربة من جبل أوراس المتصل بالسوس، وبهذا الجبل قام أبو يزيد مخلد بن كيداد النفزي الزناتي النكار على أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي وبه كان مستقر الكاهنة، وكانت حين نهدت إلى حرب حسان بن النعمان الغساني حين أغزاه عبد الملك بن مروان إفريقية اجتازت على باغاية فأخربتها وأخرجت من فيها وظنت أن حسان يريد أن يتحصن بها إلى أن كان من أمرها ما ذكرناه في حرف الألف عند ذكر أوراس. ورأيت في موضع آخر أنه مسيرة سبعة أيام وفيه قلاع كثيرة يسكنها قبائل هوارة ومسكيانة وهم على رأي الخوارج الاباضية. وباغاية (٥) مدينة كبيرة عليها سوران من حجر، وربض وعليه سور، وكانت الأسواق فيه وأما الآن فالأسواق بالمدينة والأرباض خالية بإفساد العرب لها، ولها واد يجري إليها من جهة القبلة منه شربهم، ولهم أيضاً آبار عذبة وكانت لها بواد وقرى وعمارات والآن قل ذلك فيها، وحولها عمارات برابر،، وغلاتهم الحنطة والشعير، وقبض مغارسها لأشياخها. وعلى أميال منها جبل أوراس المذكور، وهو يشق بلاد الغرب وبلاد إفريقية، فطرفه من البحر الغربي حيث البحر المحيط حيث انتهى عقبة المستجاب ﵀، وطرفه الثاني في البحر الشرقي بقرب الإسكندرية وهو المسمى بطرف أوثان الذي إذا عدته المراكب استبشرت بالسلامة، مبدؤه هو الذي بالمغرب وهو جبل المصامدة المسمى بدرن وهو جبل جزولة المسمى بانكسيت، وهو جبل أوراس هذا، ويسكنه لواتة وهو جبل نفوسة، ويدخل طرفه في البحر نحو مائة ميل وأزيد، وله جون عظم، فإن أدخلت

стр. 93

الرياح سفينة في هذا الجون عدمت الرياح التي تخرجها منه فلا تجد هناك قرية (١) لأنه جبل صلد وهو أملس مثل الحائط وهذا الجون أعجب عجائب الدنيا. وبقرب باغاية قبر مادغوس (٢) وهو قبر مثل الجبل العظيم مبني بآجر رقيق معقود بالرصاص وبنيت فيه طبقات (٣) صغار وصورت فيه جميع الصور من الإنسان والطير والوحوش وهو مدرج النواحي، وقد رام كثير من الناس هدم هذا القبر فلم يقدروا على ذلك، ولا يعلم على الحقيقة ما هو، هل هو قبر أو هيكل، إنما هو بناء قديم لا يعلم له حقيقة وهو مجمع لكل طائر ويقال إن لهم هناك طلاسم. ويسكن فحص هذه المدينة قبائل من لواتة وضريسة. وإلى مدينة باغاية لجأ البربر والروم وبها تحصنوا من عقبة بن نافع القرشي فدارت بينهم حروب وكانت الدبرة على أهل باغاية فهزمهم عقبة وقتلهم قتلاً ذريعاً ولجأ فلهم إلى الحصن وغنم منهم خيلاً لم يروا في مغازيهم أصلب منها ولا أسرع، من نتاج خيل أوراس، فرحل عنهم ولم يقم كراهية أن يشتغل بهم عن غيرهم. وأهلها اليوم كلهم على رأي الاباضية، وكان حماد عتب على أهل باغاية وشن عليهم الغارات، حكي عنه أنه قال: ما تداهى قط أحد علي ولا خدعني إلا امرأة وكعاء من البربر، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال (٤) : إن صاحباً لي كان بالقيروان نشأ معي نشأة واحدة لم يفرق بيننا مكتب ولا مشهد، كنت قد خلطته بنفسي وجعلته انسي، فلم يزل على ذلك حتى صرت إلى ما أنا فيه ففقدته، فجعلت أتفقده فلا أقدر عليه ولا أجد سبيلاً إلى الوصول إليه، فلما أن عتبت على أهل باغاية وشننت عليهم الغارات لم أنشب في صبيحة ذلك اليوم أن سمعت منادياً ينادي: أنا بالله والأمير، فقلت: ما لك ومن أنت؟ قال: أنا فلان ابن فلان، فإذا هو صاحبي المطلوب قد حبسه عني نسكه وتغلب على هواه، وأظهرت البشر بمكانه ولو شفع في أهل باغاية لشفعته، فجعلت ألطفه وأؤنسه وهو كالولهان، فسألته عن أمره فقال إنه فقد ابنته في من فقد من النساء فقلت: والله لو خرجت إلي بالأمس لحقنت دماء أهل بلدك لحرمتك عندي، فقال: القدر غالب والمحروم خائب، قال حماد: ثم أمرت القواد فأحضروا جميع ما كان في جيوشهم من النساء فعرف فيهن ابنته، قال: فأمرت بسترها وحملها مع أبيها فرفعت صوتها قائلة: لا بالله يا حماد لا رجعت مع أبي ولا رجعت مع الذي غصبني، قلت: فما تريدين؟ قالت: إني لا أصلح إلا للملوك فلا حاجة لي في السوق، قال: فلما سمعت ذلك منها أمرتها أن تكن ما في نفسها، وظننت أنها قد فتنت أو فسدت، قال حماد: ومن، أين تصلحين للملوك؟ قالت: لأن عندي علماً لا أشارك فيه ولا يدعيه غيري، قلت: ألا أريتنا شيئاً من ذلك؟ قالت: نعم، تأمر بقتل إنسان وتحضر أمضى سيف عنك وأتكلم عليه بكلمات تمنع من تأثيره ويعود بيد حامله أكل من قائمه، قال حماد: إن الذي يجرب فيه لمغرور، قالت: أو يتهم أحد أنه يريد قتل نفسه؟ قلت: لا، قالت: إني أريد أن تجرب ذلك في، فتكلمت على سيف اختاره، ومدت عنقها فضربها السياف ضربة أبان رأسها فاستيقظت من غفلتي وعلمت أنها تداهت علي وكرهت الحياة بعد ما جرى عليها واستبان لأبيها من ذلك مثل الذي بان لي، فجعل يلقي نفسه عليها ويتمرغ في دمها حزناً لما حل به وأسفاً لما رأى من عظيم أنفتها واحتيالها في الموت على ما نزل بها، وكانت الكلمات التي تكلمت بها الشهادة. الباب والأبواب (٥) قالوا: جبل القبج جبل عظيم وصقع مشتمل على كثير من الأمم فيه اثنتان وسبعون أمة، كل أمة لها ملك ولغة مخالفة لغيرها، ومدينة باب الأبواب على شعب من شعابه بناها كسرى أنوشروان وجعلها حاجزاً بين بلاده وهذه الأمة لما كان من إفسادهم، فجعل مبدأ السور من جوف البحر على مقدار ميل ماراً في البحر، بناه بالصخر والحديد والرصاص المفرغ على أزقاق البقر المنفوخة، فكلما ارتفع البنيان نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرت في قرار البحر، ولما ارتفع السور غاصت الرجال حينئذ بالخناجر على تلك الأزقاق فثقبتها وتمكن السور على الأرض في قعر البحر، ثم مد السور في البر ما بين جبل القبج والبحر ماراً في أعالي الأرض ومنخفضاتها نحواً من أربعين فرسخاً

стр. 94

إلى أن انتهى إلى قلعة طبرستان، وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور باباً من حديد، وأسكن من داخله أمة تراعيه وتحرس ما يليه، وجعل لكل أمة ملكاً، وحول هذا السور أمم لا يحصيهم إلا خالقهم، ولم يبنه (١) أنو شروان إلا عن استيلاء عليهم، وحينئذ أذعنت له ملوك الآفاق وهادنته وراسلته. وكان ملك الباب والأبواب في بعض أعصار الإسلام محمد بن يزيد من ولد بهرام جور وكانت مملكته نحواً من شهر، وكان أهلها أسلموا حين دخلها مسلمة بن عبد الملك، وكان محمد هذا غلب على كثير من ممالك القبج وهو الذي يقال له شروان، قالوا: ولولا هذا السور بالباب والأبواب لغزت الأمم التي خلفه بلاد برذعة: الران والبيلقان واذربيجان وقزوين وهمذان والدينور ونهاوند وغيرها، ولوصلت إلى الكوفة والبصرة والعراق، لا سيما مع ضعف الإسلام في هذا الزمان. وهذا الجبل تكون مسافته طولاً وعرضاً نحواً من شهرين بل أكثر، وعليه وحوله أمم لا يحصيهم إلا الخالق جل وعز، والمدينة على بحر الخزر وفي وسطها مرسى للسفن وعلى فم هذا المرسى كالسد من جانبيه، وهناك سلسلة تمنع الداخل والخارج إلا بأمر من صاحب البحر، وهذان السدان من الصخور المحكمة أفرغ بينها الرصاص. وهي مدينة كبيرة بساتينها يسيرة وفواكهها قليلة وأكثر ذلك يجلب إليها من غيرها، وعليها سور حجارة وآجر وهي في نهاية (٢) من المنعة، وهي فرضة بحر الخزر والسرير وسائر بلاد طبرستان وجرجان، وتصنع بها ثياب الكتان وأهلها يلبسونها دون سائر البلدان وبلاد ارمينية واذربيجان، والأبواب التي ينسب إليها البلد هي أفواه شعاب في الجبال فيها حصون منها باب صول وباب اللان وباب صاحب السرير وباب فيلان شاه، وغيرها، ومن أهل هذه المدينة معتمر بن أحمد البابي أنشد في معنى قوله ﷺ : " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه ": سألتك حاجة وعلمت أني ... ألاقي في سؤالكها نجاحا لقول نبينا إذ قال حقاً ... وصرح في مقالته صراحا سلوا الحاجات أحسنكم وجوهاً ... ولا تسلوا اللئام ولا القباحا وفي سنة ثمانين ومائة جاشت الخزر وخرجوا من الباب والأبواب وقتلوا من المسلمين وأهل نعمهم مائة ألف وأربعين ألفاً وفضحوا المسلمات وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع بمثله في الإسلام. وكان فتح الباب (٣) في خلافة عمر ﵁ على يد سراقة بن عمرو، وكان بكير بن عبد الله بازاء الباب قبل قدوم سراقة، وكان ملك الباب يومئذ شهربراز (٤) ، رجل من آل شهربراز الملك الذي أفسد بني إسرائيل وأعرى منهم الشام، وكان عمر ﵁ جعل على مقدمة سراقة: عبد الرحمن بن ربيعة فقدم سراقة عبد الرحمن بن ربيعة وخرج في الأثر، حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب قدم عليه بكير في أداني الباب، فلما أطل عبد الرحمن على الباب كاتبه شهربراز واستأمنه على أن يأتيه فأمنه عبد الرحمن على (٥) ذلك فأتاه فقال: إني بازاء عدو كلب وأمم مختلفة لا ينتسبون إلى حسب وليس ينبغي لذي الفضل والحسب أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب من ذي الحسب حيث كان، ولست من القبج في شيء ولا من الأرمن، وإنكم قد غلبتم على بلادي، وأمتي، فأنا اليوم منكم، يدي مع أيديكم، وصغوي معكم، فمرحباً بكم وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم ولكم النصر والقيام بما تحبون، ولا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم، فقال عبد الرحمن: فوقي رجل قد أظلك فسر إليه فجوزه، فسار إلى سراقة بمثل ذلك، فقال له سراقة: قد قبلت ذلك في من كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء على من يقيم ولا ينهض، فقبل ذلك شهربراز وصارت سنة فيمن يحارب العدو من المشركين وفي من يستنفر من أهل الجزية فتوضع عنه جزية تلك السنة التي استنفر فيها، وكتب سراقة بذلك إلى عمر ﵁ فأجازه وحسنه. باغه (٦) قالوا على بحر باب الأبواب وهو بحر الخزر والديلم وجرجان وأنواع الترك مما يلي الباب والأبواب الموضع المسمى

стр. 95

باغة وهي النفاطة ومن هناك يحمل النفط الأبيض، وهناك آطام، وهي عيون النيران تظهر من الأرض وترى من الليل على مسافات كأطمة صقلية، وأطمة وادي برهوت من وادي الشحر وحضرموت، وأطمة أشك (١) بين بلاد فارس والأهواز ترى في الليل عن مسافة أربعين فرسخاً، والأطمة العظيمة التي في مملكة المهراج ملك جزائر الزابج (٢) ، والمهراج سمة لكل من ملكها، يلحق لهب هذه الأطمة بأعنان السماء لذهابها في الجو ويسمع لها كأشد ما يسمع من أصوات الرعود، وربما ظهر منها صوت عجيب يفزع من يسمعه من البلاد النائية ينذر بموت بعض ملوكهم، وربما كان أخفض من ذلك ينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرفوا ذلك بطول التجارب والعادة على قديم الزمان. ببشتر (٣) بالأندلس حصن منيع بينه وبين قرطبة ثمانون ميلاً، وهو حصن تزل عنه الأبصار فكيف الأقدام على صخرة صماء منقطعة لها بابان، ويتوصل إلى أعلاها من شعب يسلكه الداخل الخفيف، وطريقه عند الطلوع والهبوط على النهر، وأعلى الصخرة سهلة مربعة ذات مياه كثيرة، يقطع الحجر فينبعث الماء العذب وتنبط فيها الآبار بأيسر عمل وكد وحصن ببشتر كان قاعدة العجم، كثير الديارات والكنائس والدواميس، ولهذا الحصن قرى كثيرة وحصون خطيرة وما حوله كثير المياه والأشجار والثمار والكروم وشجر التين وأصناف الفواكه والزيتون وما بها الآن نبذ مما كان فإن فتنة ابن حفصون أتت على أكثر ذلك. البثنية (٤) مدينة بالشام، قالوا كان نبي الله أيوب كثير المال وكانت له البثنية والجابية من الشام كلها بما فيها، وكان له فيهما ما لا يحصى من العبيد والغنم والدواب، وابتلاه الله تعالى في ماله وولده فصبر ثم ابتلاه في جسمه وبقي مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً فصبر، قالوا: ومدينة البثنية هي اذرعات من عمل دمشق. بجانة (٥) بفتح الباء وبعدها جيم مفتوحة مشددة بعدها ألف وبعد الألف نون، مدينة بالأندلس كانت في قديم الدهر من أشرف قرى أرش اليمن، وإنما سمي الإقليم أرش اليمن لأن بني أمية لما دخلوا الأندلس أنزلوا بني سراج القضاعيين في هذا الإقليم وجعلوا إليهم حراسة ما يليهم من البحر وحفظ الساحل، فكان ما ضمنوا منه من مرسى كذا إلى مرسى كذا يسمى أرش اليمن أي عطيتهم ونحلتهم. وبقرب بجانة كان جامع الإقليم الأعظم إلا أنها كانت حارات مفترقة حتى نزلها البحريون وتغلبوا على من كان فيها من العرب وصار الأمر لهم فجمعوها وبنوا سورها وامتثلوا في ذلك ببنية قرطبة وترتيبها، وجعلوا على أحد أبوابها صورة تشاكل الصورة التي على باب القنطرة فأمها الناس من كل جهة وانجفلوا إليها من كل ناحية فارين من الفتن التي كانت إذ ذاك شاملة فكانت أمناً لمن قصدها وحرماً لمن لجأ إليها، وكانت الميرة تجلب إليها من العدوة وضروب المرافق والتجارات، وكان ذلك أيضاً من الأسباب الداعية إلى قصدها واستيطانها، وصار حولها أرباض كثيرة، ويدخلها من النهر جدولان أحدهما بأعلى المدينة من جانب المشرق يسقي بساتينها كلها، والثاني يشق الأرباض الجوفية ويخرج عنها إلى الأرباض القبلية حتى يقع في النهر هناك، وجامعها داخل المدينة بناه عمر بن أسود وفيه قبو على قبة فيها إحدى عشرة حنية منصوبة على أربعة عشر عموداً، منقش أعاليه بنقوش عجيبة، وبشرقي القبو ثلات بلاطات وبغربيه أربع بلاطات أوسع من الشرقية على عمد صخر، وفي الصحن بئر عذبة. وكان بمدينة بجانة أحد عشر حماماً وطرز حرير ومتاجر رائجة، وكان يذهب الوادي الآتي من شرقيها كثيراً من أرباضها وأسواقها عند حمله. وبشرقي بجانة على ثلاثة أميال جبل شامخ فيه معادن غريبة وفيه الحمة العجيبة الشأن ليس لها نظير في الأندلس في طيب مائها وعذوبته وصفائه ولدونته ونفعه وعموم بركته يقصدها أهل الأسقام والعاهات من جميع النواحي فلا يكاد يخطئهم نفعها، وعليها بناء للأول صهريج إلى جانب العين مربع واسع كانوا قد بنوا على شرقيه قبوين فأعلاهما هناك ظاهر إلى اليوم، والجدر الباقية حواليه واتخذوا على ذلك الماء قرية كثيرة الزيتون والأشجار وضروب الثمار يسقى جميعها من ذلك الماء تعرف بقرية الحمة، وما فضل عن سقي هذه القرية يجتمع أسفلها في صهريج عظيم من بناء الأول أيضاً، فإذا تكامل فيه الماء سرب إلى قرية متخذة تحته

стр. 96

تسمى آبله فسقيت بذلك الماء، وبجوفي مدينة بجانة حمة أخرى أغزر من الحمة الأولى إلا أن الأولى أنجع في الأسقام وأصلح للأبدان، وهم يزعمون أن جرية الأولى على الكبريت وجرية هذه على النحاس، وتذكر الأعاجم أن ملك تدمير وملك ريه في غابر الدهر خطبا ابنة ملك أرش اليمن وما يليه فشرطت ابنة الملك أن من بلغ ماء إحدى الجهتين حتى يدخله في دار سكنى أبيها، وكانت في موضع مدينة بجانة اليوم، أنه أحق ببضعها، فجد كل واحد منهما في ذلك وجهد جهده، وبنيا قنياً يجلبون الماء فيها فاعترض صاحب الحمة الجوفية خندق ولم يكن بد من بناء قناطر عليه فشغله ذلك حتى بلغ صاحب الحمة الشرقية ماءه، فزوجه الملك ابنته، وأثر ما حاولاه من ذلك باق في الجانبين إلى اليوم. وبين بجانة والمرية خمسة أميال أو ستة أميال، وكانت بجانة في القديم هي المدينة المشهورة قبل المرية فانتقل أهلها إلى المرية فعمرت وخربت بجانة، ولم يبق منها الآن إلا آثار بنيانها ومسجد جامعها قائم بذاته، وحول بجانة جنات وبساتين ومتنزهات وكروم وأموال كثيرة، وعلى ستة أميال منها حصن الحمة، والحمة في رأس جبل، ذكر المسافرون أنه لا نظير لهذه الحمة في معمور الأرض إتقان بناء وسخانة ماء، والمرضى يقصدونها من جميع الجهات ويقيمون عليها حتى يشفوا من أمراضهم، ويرحل إليها أهل المرية في فصل الربيع بنسائهم وأولادهم باحتفال في المطاعم والمشارب والتوسع في الإنفاق، فربما بلغ المسكن في الشهر بها ثلاثة دنانير مرابطية وأقل وأكثر. وكان السبب في نزول البحريين مدينة بجانة أنه لما اشتدت شوكة بني ادريس بن ادريس الحسنيين بالمغرب أمر خلفاء بني أمية بضبط السواحل وألا تجري في البحر جارية إلا تحت نظر وإشراف، وكان لا يخرج خارج من الأندلس إلا بسراح ولا يدخل أحد حتى يعرف خبره ومن حيث ورد ما الذي أورده ولا تظهر في البحر جارية إلا استخبر أمرها وعرف شأنها ومتى ألفي في البحر قارب يزيد على اثني عشر ذراعاً ممسوح العجز نقض ورد إلى المقدار المذكور، فلم يزل الأمر كذلك إلى أن تحركت الفتن بالأندلس ووقعت الفترة في احتراس البحر وسواحله، فاتخذ قوم من أوباش الأندلس مراكب وكانوا يأتون بها السواحل الخالية ويحملون الناس إلى كل جهة وهم المسمون بالبحريين وكان عظم نزولهم نواحي طرطوشة، فلما قوي أمرهم وكثر جمعهم غزوا أهل مرشانة وأخفروا العهد الذي كان بين الأمير وبينهم، فأصابوا فيهم شيئاً، فلما صدروا بغنائمهم لم يأمنوا على أنفسهم إن نزلوا سواحل الأندلس، فكانوا ينتجعون هناك البلاد وينتهزون الفرص في المراكب إذا أمكنتهم ويغزون سواحل افرنجة، وغيرها، ثم أجمعوا على الانصراف إلى الأندلس واستيطان موضع منها، ثم نزلوا شرقي وادي أرش اليمن وهو خلاء قفر، فخرجوا هنالك ولاطفوا من بإزائه من العرب وهادوهم بتحف المشرق وطرائفه وأوسعوهم براً فأذنوا لهم في النزول فانتشروا على وادي أرش اليمن، وافترقوا في قراه على وجه التصنيف والتجارة، وأظهروا أحسن المعاملة وأداء الطاعة، ثم كثروا وتلاحق بهم من كان تخلف عنهم واشتدت شوكتهم وعظمت على تلك الناحية مضرتهم، حتى تغلبوا على مدينة بجانة وطردوا عنها مشاهير عربها ومن تقدمت له رياسة بها، وفرقوهم في البلاد وابتنوا مدينة بجانة على هيئة مدينة قرطبة واستأذنوا الإمام محمد بن عبد الرحمن في ذلك ورغبوا إليه أن يسجل لرجل منهم ويعقد له بالتأمير عليهم، وكان الأمير محمد مشغولاً بقيام ابن مروان وعمر بن حفصون وغيرهما، فعقد لهم ما أرادوا وكان ذلك في سنة ست وسبعين ومائتين (١) فأحسنوا مجاورة أهل بجانة وأظهروا العدل فيهم، وكان عربها قد أساءوا مجاورتهم وأكثروا الجور فيهم، فتسامع الناس بأمرهم وما بسطوه من عدلهم فأموا مدينة بجانة من الأقاليم القاصية والأقطار النائية وصارت حرماً لمن سكنها وأمناً لمن أوطنها واتخذوا حولها حصوناً كثيرة فلم تزل الولاية تتردد فيهم إلى أن كان آخرهم ولاية عبد الرحمن بن مطرف بن عبد الرحمن بن أصبغ الطائي وكان صالحاً ورعاً قد حج حجات، عقد له الولاية على أهل بجانة أمير المؤمنين عبد الرحمن سنة ثلاث وثلاثمائة ثم اختلفت عليها الولاة بعد ذلك إلى أن فسد النظام واختل الترتيب كما في سائر البلاد. بجاية (٢) قاعدة الغرب الأوسط، مدينة عظيمة على ضفة البحر يضرب سورها، وهي على جرف حجر ولها من جهة الشمال جبل يسمى امسيول (٣) وهو جبل سام صعب المرتقى، وفي أكنافه جمل من النبات المنتفع به في صناعة الطب مثل البرباريس

стр. 97

والقنطوريون والراوند والاسفيوس وغير ذلك من الحشائش، وفي هذا الجبل عقارب صفر الألوان قليلة الضرر، وهي عين بلاد بني حماد والسفن إليها متكررة، والسفر إليها براً وبحراً والسلع إليها مجلوبة وأهلها تجار مياسير، ولها بواد ومزارع، والحنطة والشعير بها والتين كثير وسائر الفواكه، وبها دار صناعة لإنشاء الأساطيل لأن الخشب في أوديتها وجبالها كثير، ويجلب إليها من أقاليمها الزيت الطيب والقطران، وبها معادن الحديد الطيب وبها من الصناعات كل غريبة، وعلى نحو ميل منها نهر يأتي إليها من جهة المغرب وهو نهر عظيم يجاز عند فم البحر بالسفن، وكلما بعد عن البحر كان ماؤه قليلاً ويجوزه من شاء في كل موضع. وهي قطب لكثير من البلاد، وهي محدثة بناها ملوك صنهاجة أصحاب قلعة أبي طويل المعروفة بقلعة حماد، وكان سبب بنائها أن العرب لما دخلوا إفريقية وأفسدوا القيروان وأكثر مدن إفريقية وهرب منهم صاحب القيروان المعز بن باديس إلى المهدية وكان ابن عمه صاحب القلعة المنصور بن بلكين بن حماد أشد شوكة من صاحب القيروان وأكثر جيشاً فخرج لنصرة ابن عمه وجيش جيشاً كبيراً، فلقيته العرب بجملتها بفحص سبيبة على مقربة من القيروان، فكان بينهم يوم عظيم حتى هزم المنصور وقتل أخوه وأكثر صنهاجة، وذلك أن أخاه كان أسن منه فنهاه عن مقاتلة العرب وقال له: أنت ببلادك فابعث إليهم وصانعهم يأتوك خاضعين طامعين في حبائك فهذا من خلق العرب قديماً فأبى إلا لقاءهم، فلما كان ذلك اليوم وهزم قال له أخوه: ألم أنهك أن تلقاهم بنفسك ولكن أعطني تاجك والراية اقيم على الجيش وانج بنفسك، فإن كانت السلامة فمن الله تعالى وإلا بقيت أنت للناس فليس منك الخلف، وهذا من أغرب ما يفعله الأخ مع أخيه والمولى مع وليه، وأعطاه عمامته ورايته وكانت مشهورة، فسار بالجيش حتى لحق وقتل. وكانت لملوك صنهاجة عمائم شرب مذهبة يغالون في أثمانها تساوي العمامة منها خمسمائة دينار وستمائة دينار وأزيد، وكانوا يعممونها بأتقن صنعة فتأتي كأنها تاج، وكان ببلادهم صناع لذلك، يأخذ الصانع على تعميم عمامة منها دينارين وأزيد، وكانت لهم قوالب من عود في حوانيتهم يسمونها الرؤوس يتعممون عليها تلك العمائم، فلما جاء المنصور إلى تلك القلعة نزلت عليه جيوش العرب وضيقوا بلاده وكان يصانعهم حتى ضاق ذرعاً بهم، وكان لا يقدر على التصرف في بلاده فطلب موضعاً يبني فيه مدينة لا يلحقه فيها العرب، فدل على موضع بجاية وكان مرسى، ويقال إنه كانت فيه آثار قديمة، وإنها كانت مدينة فيما سلف، فبناها المنصور وسماها المنصورية، وانتقل ملكهم من القلعة إلى بجاية واتخذوها دار ملكهم. وبينها وبين قلعة حماد أربعة أيام، وهي مدينة عظيمة ما بين جبال شامخة قد أحاطت بها والبحر منها في ثلاث جهات في الشرق والغرب والجوف، ولها طريق إلى جهة المغرب يسمى المضيق على ضفة النهر المسمى بالوادي الكبير، وطريق في القبلة إلى قلعة حماد على عقاب وأوعار، وكذلك طريقها إلى الشرق، وليس لها طريق سهلة إلا من جهة الغرب، ولذلك قال الشاعر يعنيها: بجاية كلها عقاب ... حل لمن حلها عقاب فلم يكن للعرب إليها سبيل، ولا كان يدخل من العرب إلا من يبعث عند الملك لمصانعة على بلاد القلعة وغيرها فيدخلها أفذاذ وفرسان دون عسكر، فبقي صاحب بجاية في ملك شامخ فإنها على نظر كبير وفائد عظيم لكن إنما عمرت بخراب القلعة التي بناها حماد بن بلكين التي تنسب دولة بني حماد إليها، وهي كانت دار الملك قبل بجاية وفيها كانت ذخائرهم وأموالهم. ورأيت في خبر آخر أن الناصر بن عالناس (١) صاحب قلعة حماد هو الذي بنى بجاية وصيرها دار ملكه ولهذا تسمى الناصرية وأظن ذلك سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وبجاية معلقة من جبل قد دخل في البحر يضرب فيه، ولها دار لصناعة المراكب وإنشاء السفن، وبينها وبين صقلية ثلاثة مجار، وهي مرسى عظيم تحط فيه السفن من كل جهة، وبجاية كثيرة الفواكه والخيرات، وهي مشرفة نزهة مطلة على البحر وعلى فحص قد أحاطت به جبال، ودوره نحو عشرة أميال، وتسقيه أنهار وعيون وفيه أكثر بساتينهم، ولها نهر كبير يقرب منها نحو الميلين أو دونهما عليه كثير من جنانهم، وقد صنعت عليه نواعر تسقي من النهر، وله منتزه عظيم. وفي بجاية موضع يعرف باللؤلؤة وهو أنف من الجبل قد خرج في البحر، متصل بالمدينة فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة غاية في الحسن فيها طاقات مشرفة على البحر عليها شبابيك الحديد والأبواب المخرمة المحلاة والمجالس المقرنصة المبنية حيطانها بالرخام

стр. 98

الأبيض من أعلاها إلى أسفلها قد نقشت أحسن نقش وأنزلت بالذهب واللازورد، وكتب فيها الكتابات الحسنة بالذهب، وصورت فيها الصور الحسنة فجاءت من أحسن القصور وأتمها جمالاً وهذا الجبل أمسيول الذي فيه بجاية جبل عظيم عال قد ذهب في الجو وخرج في البحر وفيه مياه سائحة وعيون كثيرة وبساتين، وهو كثير القردة ويكون فيه الحيوان المشوك المسمى بالذرب. وكان هجم على بجاية علي بن إسحاق بن حمو المشهور بابن غانية فملكها سنة ثمانين وخمس مائة في أول ولاية المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ثم انتقل إلى قسنطينة فحاصرها ولم يقدر عليها فتوغل في صحراء بلاد الجريد وعاث وسفك الدماء ومات على توزر، سنة أربع وثمانين وخمسمائة. بلاد البحرين (١) هي بلاد واسعة شرقيها ساحل البحر، وجوفها متصل باليمامة، وشمالها متصل بالبصرة، وجنوبها متصل ببلاد عمان، وقاعدتها هجر، وأهلها عبد القيس ومن بلاد البحرين الأحساء والقطيف وبيشة والزارة والخط الذي تنسب إليه الرماح الخطية وغيرها. وهي بلاد سهلة كثيرة الأنهار والعيون عذبة الماء ينبطون الماء على القامة والقامتين، والحناء والقطن على شطوط أنهارها بمنزلة السوسن، وهي كثيرة النخل والفواكه، ولها تمر إذا انتبذ وشرب اصفرت الثياب من عرقه، وبساتينهم على نحو ميل منها ولا يأتونها إلا غدواً أو رواحاً لافراط حر الرمضاء وإن حوافر الدواب تسقط فيها إذا احتدمت، وهي مخصوصة بتعظيم الطحال ولذلك قال بعض الشعراء: ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع ولها مدن كثيرة وبلاد البحرين منهالة الكثبان جارية الرمل حتى يسكروه (٢) بسعف النخل وربما غلب عليهم في منازلهم، فإذا أعياهم حملوا النقوض وتحولوا، وقد كان من البحرين إلى عمان طريق فغلب عليه الرمل ومنع من سلوكه فلا يوصل اليوم من البحرين إلى عمان إلا في البحر. وفي البحرين على طريق البصرة جزائر مسيرة يومين وثلاثة وفيها آثار وبناء وخرابات يرفئ فيها أصحاب السفن إذا هاجت الرياح وفي تلك الجزائر صيد كثير وفي جزيرة خارك منها جزر غليظ يقطع بالقدوم لغلظه، وميرة البحرين تجلب إليها من فارس، ويقال إن اليمامة والبحرين والقريتين وما يليها كانت لطسم وجديس، وفي اليمامة كانت زرقاء اليمامة، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى في حرف الياء. ولما سار حسان بن تبان أسعد أبو يكرب ملك اليمن بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كانوا بالبحرين كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم إلى آخر الخبر، ذكره ابن إسحاق (٣) . وبها كان خروج أبي فديك الخارجي تغلب عليها سنة اثنتين وسبعين، ووجه إليه عبد الملك بن مروان عشرين ألفاً من أهل البصرة والكوفة وكانت بينهم معركة عظيمة وحمل إليه أهل المصرين حتى استباحوا عسكر الخوارج وقتلوا أبا فديك وحصروهم في المشقر فنزلوا على الحكم فقتل منهم ستة آلاف وأسر ثمانمائة (٤) . بخارى (٥) من بلاد خراسان، وهو بلد واسع يشف على المدن كبراً ومحاسن وكثرة أشجار، وهي في مستو من الأرض وبناؤها خشب مشتبك ويحيط بهذا الخشب المشتبك في البناء من القصور والبساتين والسكك والقرى المتصلة ما يكون طوله ستة وثلاثين ميلاً في مثلها، ويحيط بجميعها سور يجمع هذه القصور والمساكن التي تمتد (٦) من القصبة ويسكنها من يكون من أهل القصبة شتاء وصيفاً، وداخل هذا السور سور آخر يكون عرضه نحو ثلاثة أميال في مثلها، وداخل هذا السور (٧) مدينة حسنة لها سور مجصص ولها قصبة خارج المدينة متصلة بها تكون كالمدينة الصغيرة وفيه (٨) قلعة ومسكن حسن وقصور يروق الأبصار منظرها ينزلها الولاة. ولبخارى ربض طويل فسيح المحلات، وأكثر أسواقها في هذا الربض، والمسجد الجامع بها معدوم المثال كثير الاحتفال، وببخارى بشر كثير لا يحصيهم العدد وجل أهلها

стр. 99

مياسير ويشق ربضها (١) نهر الصغد ويخترق أكثر ديارها وشوارعها وأسواقها ولأهل بخارى عليه أرحاء عدة، وبضفتيه المنازه والبساتين والجنات والحدائق المتسعة والأشجار والمزارع، ويقع فاضل هذا النهر في بحيرة كبيرة هناك، ولبخارى هذه مدن عدة. وافتتح بخارى (٢) سعيد بن عثمان بن عفان في زمن معاوية ﵁ ثم خرج عنها يريد سمرقند فامتنع أهلها فلم تزل مغلقة حتى افتتحها سلم بن زياد في أيام يزيد بن معاوية ثم انتقضت وامتنعت حتى صار إليها قتيبة بن مسلم الباهلي في أيام الوليد بن عبد الملك فافتتحها. قال أهل العلم بالممالك (٣) : لم ير ولم يسمع بظاهر بلد أحسن من ظاهر بخارى لأنك إذا علوت قهندزها لم يقع بصرك من جميع النواحي إلا على خضرة تتصل خضرتها بلون السماء فكأن السماء مكبة زرقاء على بساط أخضر تلوح القصور فيما بين ذلك كالكواكب العلوية بياضاً ونوراً، بين أرض وضياع كوجه المرآة استواء وكطلعة الحسناء بهاء قد جمعت إلى بعد المسافة وسعة المساحة عذاء التربة وكمال حسن المنتزه قالوا: والمشار إليه من متنزهات الأرض صغد سمرقند ونهر الأبلة وغوطة دمشق وسواد العراق. وببخارى (٤) دار الإمارة على جميع خراسان، وهي مدينة في مستو من الأرض ويحيط بها من القصور والبساتين والمسالك والقرى المتصلة والسكك المشتبكة ما يكون اثني عشر فرسخاً في مثلها ويحيط بذلك كله سور يجمع تلك القرى والقصور ولا يرى من أضعاف ذلك قفر ولا خراب، ومن دون هذا السور على القصبة وما يتصل بها من القصور والمحال التي تعد من القصبة سور آخر هو فرسخ في مثله، ومدينة داخل هذا السور وتحيط بها حصون ولها قهندز خارج المدينة متصل بها وهو مقدار مدينة صغيرة وبها قلعة بها مسكن ولاة خراسان، ولها ربض عريض طويل، والمسجد الجامع على باب القهندز في المدينة، ولها سبعة جوامع وأسواقها في ربضها وليس بخراسان ولا ما وراء النهر ما هو أشد اشتباكاً من بخارى ولا أكثر أهلاً، وفي ربضها نهر الصغد يشق الربض وأسواقها، وهو آخر نهر الصغد ويصير إلى طواحن وضياع ومزارع ويسقط الفاضل منه في مجمع ماء هناك، وللمدينة سبعة أبواب حديد وللقهندز بابان ولربضها دروب كثيرة وليس في مدينتها ولا قهندزها ماء جار لارتفاعهما (٥) ، وتنبعث من نهرها الأعظم أنهار، وليس في داخل حدود بخارى جبل ولا نشز إلا موضع المدينة ولهم خارج المدينة ملاحات. وأهل بخارى (٦) يتفاوضون فيما بينهم ويتعارفون أنه ما عقد في قلعتهم لواء ولا خرجت منه راية فهزمت ولا غلب فيها وال قط وهذا من الاتفاق العجيب. ولسان بخارى لسان الصغد يحرف بعضه قليلاً، وزيهم الأقبية والقلانس كزي ما وراء النهر لأنها مستقيمة على كور ما وراء النهر، ويرجع أهلها من العفة والدماثة والأمانة وحسن السيرة وحسن المعاملة وقلة الشر وإفاضة الخير وبذل المعروف وسلامة النية إلى ما يفضلون به سائر الناس. ويكفي أن من بخارى الإمام محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري (٧) ﵀ مؤلف الكتاب الصحيح من حديث رسول الله ﷺ الذي عليه معول أهل السنة في جميع بلاد المسلمين وغير ذلك من تصانيفه، ومناقبه لا تحصى توفي سنة ست وخمسين ومائتين وعاش اثنتين وستين سنة. وفي سنة ست عشرة وستمائة (٨) وقعت كائنة الططر العظمى، كان فيها المصاف بين الملك خوارزم شاه وجنكزخان بين نهر سيحون ونهر جيحون ودام القتال ثلاثة أيام بلياليها وقتل من الفريقين ما لا يحصى ولم ينهزم المسلمون ولا الكفار، فلما كانت الليلة الرابعة افترق كل فريق منهما تحت الليل وفر خوارزم شاه وقد انقطع قلبه مما شاهد من صبر (٩) العدو وأيقن بذهاب دولته على

стр. 100

على أيديهم، وقيل إن منجمه قال له: لا تتعب نفسك فما لك معهم طالع وهم الغالبون على البلاد لا محالة، فشغل نفسه بالفرار حتى مات، فلما استراح الططر ساروا إلى بخارى فقاتلوها ثلاثة أيام وكان فيها عشرون ألف فارس فهربوا (١) تحت الليل، فخرج إلى الططر أكابر البلد وأخبروهم أن جند السلطان قد فروا وقالوا: نحن رعية من ملكنا فإن حلفتم لنا وأمنتمونا مكناكم من المدينة فحلفوا بأيمانهم وبذلوا لهم الأمان ووصلوا بخارى يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة فقاتلوا القلعة المعروفة بالقهنداز اثني عشر يوما ثم دخلوها عنوة فقتلوا جميع من فيها حتى الكلاب والقطط وضربوا برؤوس الأطفال الحيطان وقالوا: كذا نصنع بكل من امتنع منا وأغلق باباً في وجوهنا، ثم إنهم أمروا أهل بخارى بالخروج إلى ظاهرها بنسائهم وأولادهم بعد ما أخذوا جميع سلاحهم، فلما أخرجوا الجميع قالوا: ميزوا فقراءكم من أغنيائكم، فلما تميزوا اقتسموا الأغنياء وأحالوا على الفقراء السيف وأبقوا على أرباب الصنائع من ينتفعون به وفجروا بالنساء أمام الرجال فكان من الناس من ذهب عقله ومنهم من خطف دبوساً أو سيفاً وقاتل حتى قتل ثم انهم عذبوا الأغنياء على الأموال حتى ودوا أنهم ماتوا، ودرى (٢) الططر أنهم لم يبق عندهم شيء فقتلوهم عن آخرهم. بختة (٣) بلدة في بلاد البجة من أرض الحبشة وهي مسكونة وبها سوق وإليها تنسب الجمال البختية وليس يوجد على وجه الأرض جمال أحسن منها ولا أصبر على السير ولا أسرع خطى وهي بديار مصر معروفة بذلك. البخراء (٤) منزل من منازل البحرين بين البصرة والاحساء، وقيل هي أرض بالشام سميت بذلك لعفونة تربتها ونتن ريحها. وكان الوليد بن يزيد توجه إليها يغتذي بها ويشرب ألبان اللقاح يتطلب الصحة ويستبعد من الوباء وكان ماجناً سفيهاً مستخفاً بأهل الدين، وأخباره في ذلك مشهورة، فأقبل إليه يزيد بن الوليد بن عبد الملك من دمشق في المعتزلة وصلحاء القدرية منكرين لفعل الوليد فقتلوه بالبخراء سنة ست وعشرين ومائة، وكان معطلاً وله أخبار قبيحة. بدر (٥) ماء على ثمانية وعشرين فرسخاً من المدينة في طريق مكة، وبين مدينة الجار إلى بدر نحو المشرق إذا أردت المدينة عشرون ميلاً وهناك قرية فيها حدائق نخل، وببدر عين فوارة، وموضع القليب الذي كانت بازائه الوقيعة المباركة الإسلامية هو اليوم نخيل وموضع الشهداء خلفه، وببدر عينان جاريتان عليهما الموز والعنب والنخل قيل كان قريش بن بدر بن الحارث بن مخلد (٦) بن النضر بن كنانة وكيل بني كنانة في تجاراتهم وكان يقال قدمت عير قريش فسمت قريش به قال: وهو صاحب بدر الذي لقي عليه رسول الله ﷺ مشركي قريش أنبط هنالك بئراً فنسب إليه، وقيل سميت بدراً لأنه كان ماء لرجل من جهينة اسمه بدر، وهو موضع الوقيعة المباركة التي لقي رسول الله ﷺ فيها صناديد قريش وأشرافهم فأوقع بهم فقتل الله تعالى طغاتهم وأكابرهم، وهي أول غزواته ﷺ التي قاتل فيها وهي بدر الكبرى وفيها قال الله تعالى " لقد نصركم الله ببدر "، وقال أمية ابن أبي الصلت يرثي من أصيب ببدر من المشركين من قصيدة (٧) : ماذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح (٨) وكانت وقيعة بدر يوم الخميس صبيحة سبع عشرة من رمضان على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة ﷺ وقيل لسنة ونصف من مقدمه، وقال ابن شهاب: في شهر رمضان من سنة اثنتين. وبدر موسم من مواسم العرب ومجمع من مجامعهم في الجاهلية وبها قلب ومياه وآبار ورياض يقال لها الأثيل منها ينبع والصفراء والجار والجحفة. وهذه الوقيعة التي رفع الله بها قوماً في الدنيا والآخرة وخفض بها آخرين وأيد الله رسوله والمؤمنين بملائكته فقاتلت معه، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: رأيت عن يمين النبي ﷺ وعن

стр. 101

يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال لم أرهما قبل ولا بعد وقال جبريل ﵊: يا محمد أي أصحابك أفضل؟ قال ﷺ : " الذين شهدوا بدراً "، قال: كذلك الملائكة أفضلهم الذين شهدوا بدراً، وقصة الوقيعة على الشرح والإيضاح في كتب المغازي. وببدر جبل عظيم من رمل شديد البياض كان بياضه إذا طلعت عليه الشمس يعشي الأبصار وهم يسمعون من ذلك الجبل دوياً فيدل ذلك على خصب العام عندهم ويرى على بدر في الليل الغاسق نور ساطع لا يرى على سواه. بذونة (١) في أرض الحبشة على الساحل، وهي خراب قليلة العمارة وحشية المساكن قذرة البقاع وعيش أهلها من السمك ولحوم الصدف والضفادع والأحناش والفيران والورل وأم حبين وغير ذلك من الحيوانات التي لا تؤكل، وهم يتصيدون في البحر عوماً بشباك يصنعونها ويربطونها بأرجلهم وهم أهل فاقة وفقر وضيق حال، وهم في طاعة الزنج. البذندون (٢) على طريق طرسوس، كان المأمون بن الرشيد خرج إلى الصائفة على طريق طرسوس فمرض بعين يقال لها عين البذندون وذلك سنة ثماني عشرة ومائتين فمات في رجب، وكان لما خرج عهد إلى سائر حصون الروم ودعاهم إلى الإسلام وخيرهم ببن الإسلام والجزية والسيف وذلل النصرانية، وأجابه خلق من الروم إلى الجزية، فلما نزل البذندون جاءه رسول ملك الروم فقال له: إن الملك يخيرك بين أن يرد عليك نفقتك التي أنفقتها من بلدك إلى هذا الموضع وبين أن يخرج كل أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء: لا درهم ولا دينار (٣) ، وبين أن يعمر لك كل بلد للمسلمين قد أخربته النصرانية ويرده كما كان وترجع عن غزاتك هذه، فقام المأمون ودخل إلى خيمته وصلى ركعتين واستخار الله وخرج وقال للرسول: قل له أما قولك ترد علي نفقتي فإني سمعت الله يقول في كتابه: " وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون. فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون " وأما قولك إنك تخرج كل أسير من المسلمين في كل بلد الروم فما في يدك إلا أحد رجلين إما رجل طلب الله والدار الآخرة فقد صار إلى ما أراد وإما رجل طلب الدنيا فلا فك الله أسره، وأما قولك إنك تعمر كل بلد للمسلمين قد خربه الروم فلو أني قلعت أقصى حجر في بلاد الروم ما اعتضت بامرأة عثرت (٤) في حال أسرها فقالت: وامحمداه، عد إلى صاحبك فليس بيني وبينه إلا السيف، يا غلام اضرب الطبل، فرحل فلم ينثن عن غزاته حتى فتح أربعة عشر حصناً وانصرف من غزاته فنزل عين البذندون المعروفة بالقشيرة وأقام هناك حتى ترجع رسله من الحصون، فوقف على العين ومنبع الماء فأعجبه برد مائها وصفاؤه وحسن بياضه وطيب الموضع وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال فبسطت على العين كالجسر وجلس عليه والماء تحته، وطرح في الماء درهم فقرأ كتابته وهو في قرار الماء لصفائه، ولم يقدر أحد يدخل الماء من شدة برده، فبينما هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنها سبيكة فضة فأمر من أخرجها فلما صارت على حرف العين أو على الخشب اضطربت وانملست من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر فنضحت الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته فبلت ثوبه ثم أخذها الفراش ثانية فوضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب فقال المأمون: تقلى الساعة، ثم أخذته رعدة من ساعته لم يقدر يتحرك من مكانه فغطي باللحف والدواويج وهو يرعد كالسعفة ويصيح: البرد.. البرد، ثم حول إلى المضرب ودثر وأوقدت النيران حوله وهو، يصيح: البرد، ثم أتي بالسمكة وقد فرغ من قليها فلم يقدر على ذوقها وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها، ولما اشتد الأمر عليه سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عنه وهو في سكرات الموت ما الذي يدل عليه علم الطب من أمره وهل يمكن برؤه، فتقدم ابن ماسويه فأخذ إحدى يديه وبختيشوع الأخرى وأخذا المجسة من كلتا يديه فوجدا نبضه خارجاً عن الاعتدال منذراً بالفناء والتزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر في سائر جسده كالرب أو كلعاب الأفاعي فأنكرا معرفة العرق وذكرا أنهما لم يجداه في شيء من الكتب وأنه دال على انحلال الجسد، وأفاق المأمون من غشيته وفتح عينيه وأمر بإحضار ناس من الروم

стр. 102

فسألهم عن اسم الموضع فأحضر له عدة من الأسرى والأدلاء فقيل لهم: ما تفسير هذا الاسم وهو القشيرة فقالوا: تفسيره مد رجليك، فلما سمعها المأمون اضطرب من هذا الفأل وتطير به فقال: سلوهم ما اسم هذا الموضع بالعربية، فقالوا: الرقة، وكان فيما عمل من مولد المأمون أنه يموت بالموضع المعروف بالرقة، فكان يحيد عن المقام بمدينة الرقة خوفاً من الموت، فلما سمع هذا من الروم علم أنه الموضع الذي وعد فيه فيما تقدم من مولده وأن فيه وفاته، والبذندون تفسيره مد رجليك، فلما ثقل المأمون قال: أخرجوني أشرف على عسكري وأنظر إلى رجالي وأتبين ملكي وذلك بالليل، وأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رد إلى مرقده وأجلس المعتصم رجلاً يلقنه الشهادة لما أثقل فرفع الرجل بها صوته ليقولها المأمون، فقال ابن ماسويه: لا تصح فوالله ما يفرق الآن بين ربه وبين ماني، ففتح المأمون عينيه وبها من العظم والتورم والاحمرار ما لم ير مثله قط وأقبل يحاول البطش بابن ماسويه ورام مخاطبته فعجز عن ذلك فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعاً وانطلق لسانه من ساعته فقال: يا من لا يموت ارحم من يموت، وقضى من ساعته وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين وحمل إلى طرسوس فدفن بها. ماسويه ورام مخاطبته فعجز عن ذلك فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعاً (١) وانطلق لسانه من ساعته فقال: يا من لا يموت ارحم من يموت، وقضى من ساعته وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين وحمل إلى طرسوس فدفن بها. براغة (٢) هي مدينة مجاورة لبلاد الأتراك مبنية على نهر هناك بالحجر والجيار، وهي تصغر عن المدن وتكبر عن القرى وبها سوق تجمع المرافق السفرية والحضرية في أعلاها قلعة كبيرة حصينة وبها عين ماء معينة يخترق ماؤها بسيط بطحائها، وهي أكثر البلاد متاجر تأتيها من مدينة كراكو (٣) الروس والصقالبة بالمتاجر ويأتيهم من بلاد الترك والإسلام اليهود والترك بالمتاجر أيضاً والمثاقيل البرقطية (٤) يحملون من عندهم الدقيق والقصدير وضروب الأوبار، وهي أطيب بلاد أهل الجوف وأزكاها معيشة يباع عندهم من القمح بقنشار ما يكتفي به المرء شهوراً، ويبلغ عندهم بقنشار من الشعير علف أربعين ليلة لدابة، ويباع عندهم عشر دجاجات بقنشار، وبمدينة براغة تصنع السروج واللجم والدرق المستعملة في بلادهم. برقعيد (٥) مدينة بينها وبين نصيبين سبعة وعشرون ميلاً، وهي مدينة حصينة كبيرة كثيرة الخير والخصب ويسكنها قوم من تغلب. برهوت في نحر (٦) بلاد حضرموت من بلاد الشحر في جهة اليمن ببلاد عمان، فيها أطمة يسمع صوتها كالرعد من أميال كثيرة تقذف من قعرها بجمر كالجبال وقطع من الصخر سود حتى يرتفع ذلك في الهواء ويدرك حسها من أميال كثيرة ثم تنعكس سفلاً فتهوي إلى قعرها وحولها. برذال (٧) مدينة من إقليم برغش كاملة شاملة بضروب النعم كثيرة الفواكه، بينها وبين البحر اثنا عشر ميلاً. برك الغماد (٨) بالغين المعجمة، وهو المذكور في قصة غزو بدر وهو في أقاصي هجر، وهذه الغين المعجمة تضم وتكسر، وفي خبر هجرة النبي ﷺ لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر ﵁ مهاجراً إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي وأريد أن أسيح في الأرض أعبد ربي، قال ابن الدغنة: مثلك لا يخرج إنك لتكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ارجع واعبد ربك في بلدك، فرجع وذكر باقي الحديث، وقال الهمداني (٩) : برك الغماد في أقصى اليمن. برشلونة (١٠) مدينة للروم بينها وبين طركونة خمسون ميلاً، وبرشلونة على البحر ومرساها ترش لا تدخله المراكب إلا عن معرفة،

стр. 103

ولها ربض وعليها سور منيع، والدخول إليها والخروج عنها إلى الأندلس على باب الجبل المسمى بهيكل (١) الزهرة ويسكن برشلونة ملك افرنجة وهي دار ملكهم وله مراكب تسافر وتغزو وللافرنج شوكة لا تطاق، وبرشلونة كثيرة الحنطة والحبوب والعسل واليهود بها يعدلون النصارى كثرة وربضها خارج عنها، وهي في القسم الثالث من الأندلس وهي مسورة كبيرة (٢) . برزة مدينة بالشام من عمل الغوطة كان من أهلها رجل صالح وكان أعور، قال الراوي: قلت له: ما سبب ذهاب عينك؟ فقال: أمر عجيب، وامتنع أن يخبرني شهوراً، ثم حدثني قال: جاءني وأنا شاب رجلان فدفعا إلي ثمن غرارة قمح وقالا: اعجن لنا كل يوم ربعاً وأنفق لنا خمسة دراهم في لحم وشيء من الحلوى، فأقاما عندي جمعة ثم قالا لي: في قرية برزة واد، قلت: نعم، فخرجا إليه نصف الليل وأخذاني معهما ونزلا إلى الوادي وكانت معهما دابة محملة فحطا عنها وأخرجا خمس مجامر وأوقدا فيها ناراً وجعلا فيها بخوراً كثيرا وأقبلا يعزمان والحيات تقبل إليهما من كل مكان فلا يعرضان إليها إلى أن جاءت حية نحو ذراع وعيناها تقدان مثل الدينار، فلما رأياها استبشرا وقالا: الحمد لله من أجلها جئنا من خراسان، ثم قبضا عليها ثم أدخلا في عينيها ميلاً واكتحلا به، فقلت لهما: اكحلاني كما اكتحلتما، فقالا: ما يصلح لك، فقلت: لا بد من ذلك، قالا: يا هذا ما لك فائدة فيها، فقلت: والله لا زايلتكا أو تكحلاني أو لأصرخن بالوادي حتى يخرج فيؤخذ كل ما معكما، فلما لم يريا لهما مني مخلصاً قالا: فنكحل عينك الواحدة، فكحلا عيني اليمنى، فحين وقع ذلك في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة انظر ما تحتها كما تؤدي المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا، فسرت معهما وهما يحدثاني حتى إذا بعدنا عن القرية كتفاني ثم أدخل أحدهما اصبعه في عيني فقلعها ورمى بها وتركاني ملقى ومضيا فكان آخر العهد بهما ولم أزل مكتفاً إلى الصبح حتى جاءني نفر من الناس فحلوني، فهذا ما كان من خبر عيني. برذعة (٣) هي مدينة ارمينية، وقد تقدم ذكرها، وطول برذعة ثلاثة أميال في عرض مثلها وهي نزيهة حصينة ذات أنهار وأشجار ومياه كثيرة وهي أم بلاد الران (٤) كلها، وهي مدينة كبيرة جداً وهي من أنزه البلاد بقعة وأوفرها نعمة وبها خصب زائد وكروم وبساتين وأشجار وعلى ثلاثة أميال موضع يسمى الأندراب مسيرة يوم في مثله جميعه بساتين مشتبكة وعمارات متصلة وفواكه دائمة وجنات كثيرة ومتاجر عظيمة، وبها من البندق والشاه بلوط ما يربي على ما في الشام كبراً وطيباً. ولبرذعة باب يعرف بباب الأكراد له سوق مقدار ثلاثة أميال وهي سوق عظيمة يجتمع الناس إليها في كل يوم أحد ويقصدون إليها من كل جهة ويبتاع فيها من صنوف الأمتعة وجميع المصنوعات الشيء الكثير. وببرذعة مات يزيد بن مزيد، قالوا أهديت إلى يزيد هذا جارية حسناء فوافقته حين رفع يده من الطعام فواقعها فما سقط عنها

стр. 104

إلا ميتاً فقبره ببرذعة وقال أبو قدامة القشيري: كنا مع يزيد بن مزيد بأرمينية فإذا صائح في الليل يصيح: يا يزيد بن مزيد، قال: فأتي به يزيد فقال له: ما حملك على هذا الصياح؟ قال: نفقت دابتي ونفدت نفقتي وسمعت قول الشاعر: إذا قيل من للمجد والجود والندى ... فناد بصوت يا يزيد بن مزيد فأمر له بفرس أبلق كان معجباً به وبمائة دينار. برغش (١) في بلاد الروم بالقرب من مدينة ليون، وهي مدينة كبيرة يفصلها نهر، ولكل جزء منها سور والأغلب على الجزء الواحد منها اليهود، وهي حصينة منيعة ذات أسوار وتجار وعدد وأموال وهي رصيف للقاصد والمتحول (٢) ، وهي كثيرة الكروم ولها رساتيق وأقاليم معمورة. برشك (٣) بين تنس وبرشك في الساحل ستة وثلاثون ميلاً، وبرشك مدينة صغيرة على تل وعليها سور تراب وهي على ضفة البحر، وشرب أهلها من عيون وماؤها عذب، وبها فواكه وجملة مزارع وحنطة كثيرة وشعير، ومنها إلى شرشال (٤) عشرون ميلاً وكان طاغية صقلية (٥) أخذها واستولى عليها. برلي جزيرة في بحر الهند فيها الكافور الذي ليس في الدنيا مثله يكون في الشجرة الواحدة منه عشرة أجناس ينساب كل عرق منها بجنس منه، وكافور هذه الجزيرة يحمل إلى الصين، قالوا: ويلي هذه الجزيرة ستة آلاف جزيرة لا يحيط علماً بما فيها إلا خالقها منها جزيرة بروان (٦) يخرج منها مائتا مركب محاربة وهم أهل بأس ونجدة وشجاعة وشدة يقاتلون من يليهم لاستحلالهم البنات والأخوات، ومنها جزيرة تسمى سواكن يحارب أهلها ملك قمار وشريرة وفنصور (٧) ، وأخذوا مرة سفينة كبيرة للمسلمين في ناحية كله وسبوا من فيها من الرجال والنساء ثم أتوا بهم بعد أعوام إلى بلاد جاوه وهم منهم على مسيرة ستين يوما فأخبروا أولئك النسوة أنهم لم يعترضوا منهم واحدة، ووجدوا الأبكار منهم بخواتيمهم (٨) . بريانة (٩) بالأندلس بقرب عقبة أنيشة، وهي مدينة جليلة عامرة كثيرة الخصب والأشجار والكروم، وهي في مستو من الأرض وبينها وبين البحر ثلاثة أميال، وهي قريبة من بلنسية. برشانة (١٠) بالأندلس أيضاً وهي حصن على مجتمع نهرين وهو من أمنع الحصون مكاناً وأوثقها بنياناً وأكثرها عمارة. بريسا (١١) في بلاد السودان على النيل وهي كثيرة الخيرات بها معدن للذهب عظيم مشهور في بلاد السودان، ومن العجائب أن في هذه المدينة معزى قصاراً وعندهم شجر معلوم تحتك هذه المعزى إليها فتلقح من غير ذكر ويذبحون ذكران المعز ويستحيون الإناث لاستغنائهم عن الفحل، حدث بذلك من دخل بلادهم من ثقات التجار وهذا مثل ما حكاه المسعودي عن جزيرة النساء. وليس على بريسا سور وأهلها تجار يتجولون وأهلها كالقرية الحاضرة وهم طاعة للتكروري. برطاس (١٢) بلاد برطاس ويقال بلاد برداس فيما بين الخزر وبلغار، بينها وبين الخزر مسيرة خمسة عشر يوما، وهي طاعة لملك الخزر ليس لهم ملك سواه إلا أن لهم في كل محلة حاكماً يتحاكمون إليه فيما نابهم، وهم حرب لبلغار والبجاناكية ودينهم شبيه بدين الغزية، ولهم أرض واسعة سهلة كبيرة وأرضهم مسيرة نصف شهر في مثلها، وينتهي عددهم نحو عشرة آلاف فارس،

стр. 105

وأكثر أشجارها الخلنج وأكثر أموالهم العسل والوبر، ولهم سوائم كثيرة من البقر والغنم ومزارع واسعة، وطائفة منهما يحرقون موتاهم وأخرى تدفنها، وإذا أدركت الجارية عندهم لم يكن لأبيها عليها حكم بل تختار لنفسها من شاءت من الرجال وتصنع ما أحبت؛ وهم أصحاب جمم ولهم قلانس يشدونها على رؤوسهم، ولباسهم القمص والقواطن والجباب، ولهم مزارق وأترسة وقسي ودروع، وبرطاس مدينة متصلة ببلاد الروس، وكان لأهل برطاس لسان غير لسان الروس وغير لسان الخزر، وكانوا مسلمين ولهم مساجد وجوامع، وأخبر بعضهم ممن كان يخطب لهم ويصلي بهم أن عدد المسلمين فيها كان ينتهي عشرين ألفاً وأن الليل يكون عندهم في وقت ما من السنة يعدل ما يسير المرء فرسخين وأن مساكنهم خلت بتغلب الروس على مدينتهم وأجلوهم عنها فشتتوا في البلاد. برطانية جزيرة توازي حد الأندلس الأقصى وهي مستطيلة من القبلة إلى الجوف طولها ثمانمائة ميل وعرضها مائة ويتصل حدها ببلد الصقالبة، وهي طيبة الهواء معتدلة الحر كثيرة الثمرات والخيرات وعند أهلها حكمة وفلسفة وبصر بحد المنطق، وهي من ممالك افرنجة وبأيدي ملوكها، وبجوفي برطانية في البحر المحيط الجزائر المعروفة بجزائر أرطاوس وهي ثلاث وثلاثون جزيرة يسكن المجوس الأردمانيون (١) في اثنتي عشرة منها وباقيها خالية لفساد هوائها. بردى (٢) نهر يقال له بالفارسية بهردان وهو نهر دمشق ينبعث من جبالها فيجتازها فيقسمها ويشق غوطة دمشق ثم يصب في البحر (٣) ، وإياه عنى حسان في قصيدته التي يمدح فيها آل جفنة، يقول فيها (٤) : لله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل برونة (٥) هي مدينة من مدن انقبردية وهي مبنية بالصخر الجليل بناء متقناً يشبه بنيان طركونة ومبانيها كلها حسنة شريفة، وفيها دار ملعب عجيب البنيان واسع الفناء، وهي مدينة واسعة الأحواز كثيرة الحصون سابغة النعم، وهي على (٦) نهر يصب في بحر بناحية على يومين منها، ومن برونة إلى حصن غاردة (٧) عشرون ميلاً وهو معقل حصين إلى أبعد غاية. البركان (٨) هو اسم الاطمة التي يخرج منها النار كالتي بجزيرة صقلية، وهو بركان عظيم لا يعلم في العالم أشنع منظراً منه ولا أغرب خبراً وهو في جزيرتين شمالاً من مدينة بلرم، وإذا هبت الريح الجوفية سمع لها دوي هائل كالرعد القاصف فتخرج النار منها وإنما تظهر بالليل ناراً حمراء ذات ألسن تصعد في الجو، وكان برفريوس (٩) الفيلسوف قد شخص من مدينة صور إلى صقلية لينظر إلى البركان فيعاين فعل الطبيعة هنالك ويخبر عنه وعن العلة فيه بقول واضح فمات بها وقبره معروف، وقبر جالينوس أيضاً هنالك معلوم، وكان شخص من مدينة رومة يريد الشام ليلقى أصحاب عيسى ﵇. قالوا: وفي ملك بطليموس أحد ملوك اليونانيين وصاحب علم الفلك وواضع المجسطي (١٠) ظهرت جزيرة البركان بصقلية. وقالوا أيضاً: إذا صرت من قطانية إلى كذا ففي المغرب منه جبل النار وهو جبل عظيم منيف كثير الثمار وتقطع منه عدد السفن من خشب الشرع والأرجل الضخمة وغير ذلك، ويذكر أهل صقلية (١١) أنه انفجر من جبل النار نهر جار فجرى أياماً يراه الناس وبقي أثره هنالك إلى الأبد متحرقاً

стр. 106

أسود، ويذكرون أنه قذف فيها حجر في كساء فبقي هاوياً ساعة ثم رفعت الريح ذلك الكساء إلى أعلى العنق وذهب الحجر سفلاً، قالوا: وجبل النار بصقلية شأنه عجيب فإن ناراً خرجت منه في بعض السنين كالسيل العرم لا تمر بشيء إلا حرقته حتى تنتهي إلى البحر فتركت تتجه طائرة على صفحته حتى تغوص فيه. برذيل (١) في بلاد جليقية، وإقليم برذيل من أشرف أقاليم تلك الناحية وهو كثير الكروم والفاكهة والحبوب (٢) ، وهو مدينة كبيرة مبنية بالكلس والرمل، وهو على نهر عجاج يسمى جرونة (٣) وربما عطبت مراكب المجوس فيه عند الأهوال لاتساعه وانخراقه وبين هذه المدينة وموقع نهرها في البحر مائة وخمسون ميلاً، وأهل برذيل في أخلاقهم ولباسهم على أخلاق الجليقيين، وبجوفي مدينة برذيل بنيان منيف على سوار سامية جليلة هو قصر طيطس وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر. برطايل (٤) جزيرة في بحر الصين الذي في جزائره مملكة المهراج قيل إنه يسمع بها في الليل والنهار الضرب والطبول، ويقال إن فيها الدجال، وقال بعضهم: هي جبال مسكونة وجوه أهلها مثل المجان المطرقة آذانهم مخرمة، وفيها أشجار القرنفل ويشتريه التجار من قوم لا يرونهم إنما يضعونه أكواماً على الساحل فيأخذه التجار ويترك هناك العوض، وقيل إن التجار يتركون البضائع على الساحل ويعودون إلى مراكبهم فإذا أصبح من غد ذلك اليوم جاءوا فوجدوا إلى جانب كل بضاعة كوماً من القرنفل فإن رضيه أخذه وترك البضاعة ولها أخذ بضاعته وترك القرنفل، وإن أخذهما معاً لم تقدر مراكبهم على المسير حتى يرد القرنفل، وربما طلب أحدهم الزيادة فيترك البضاعة والقرنفل فيزاد فيه، وشجر القرنفل على نهر هناك يعرف بنهر القرنفل لم يدخل قط إليه أحد ولا ذكر أنه رأى شجره، وزعم بعضهم أن الجن يبيعونه من التجار، وذكر بعضهم أنه دخل الجزيرة وأمعن فيها فرأى قوماً في زي النساء مرداً بغير لحى ذوي شعور مرسلة فغابوا عنه وأن التجار أقاموا بعد ذلك مدة يخرجون إلى ساحل الجزيرة فلا يجدون شيئاً من القرنفل فعلموا أن ذلك من أجل من نظر إليهم، ثم عادوا بعد سنتين إلى ما كانوا عليه. ويقال إنه إذا كان رطباً حلو الطعم ويأكلون منه فلا يمرضون ولا يهرمون، وليس لهذا البحر حد يعرف، ورأسه يخرج من الظلمة الشمالية ويمر على بلاد الواق واق. بربشتر (٥) هي مدينة من بلاد بربطانية (٦) بالأندلس، وهي حصن على نهر مخرجه من عين قريبة منها، وبربشتر من أمهات مدن الثغر الفائقة في الحصانة والامتناع وقد غزاها على غرة وقلة عدد من أهلها وعدة، أهل غاليش والروذمانون وكان عليهم رئيس يسمى ألبيطش، وكان في عسكره نحو أربعين ألف فارس فحصرها أربعين يوما حتى افتتحها وذلك في سنة ست وخمسين وأربعمائة فقتلوا عامة رجالها وسبوا فيها من ذراري المسلمين ونسائهم ما لا يحصى كثرة، ويذكر أنهم اختاروا من أبكار جواري المسلمين وأهل الحسن منهن خمسة آلاف جارية فأهدوهن إلى صاحب القسطنطينية، وأصابوا فيها من الأموال ما يعجز عن الوصف وتخلفوا فيها من جلة رجالهم وأهل البأس منهم من وثقوا بضبطه لها ومنعه إياها واستوطنوها بالأهل والولد وجعلوها ثغراً من ثغورهم ثم انصرفوا عنها، وفي ذلك يقول الفقيه الزاهد ابن العسال من قصيدة: ولقد رمانا المشركون بأسهم ... لم تخط لكن شأنها الإصماء هتكوا بخيلهم قصور حريمها ... لم يبق لا جبل ولا بطحاء جاسوا خلال ديارهم فلهم بها ... في كل يوم غارة شعواء ماتت قلوب المسلمين برعبهم ... فحماتنا في حربهم جبناء كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء

стр. 107

ولكم رضيع فرقوا من أمه ... فله إليها ضجة وبغاء ولرب مولود أبوه مجدل ... فوق التراب وفرشه البيداء ومصونة في خدرها محجوبة ... قد أبرزوها ما لها استخفاء وعزيز قوم صار في أيديهم ... فعليه بعد العزة استخذاء لولا ذنوب المسلمين وانهم ... ركبوا الكبائر ما لهن خفاء ما كان ينصر للنصارى فارس ... أبداً عليهم فالذنوب الداء فشرارها لا يختفون بشرهم ... وصلاح منتحلي الصلاح رياء ثم تداعت لأخذها ممالك الأندلس وجمع أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة وجهاتها أهل الثغور ونهد إليها في جمع كثيف ذوي حد وجد ففتحها الله على يديه عنوة فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية ودخل منها سرقسطة نحو خمسة آلاف سبية مختارة ونحو ألف فرس وألف درع وأموال كثيرة وثياب جليلة وعدة وسلاح، وكان افتتاحه لها لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة ومذ ذاك تسمى بالمقتدر بالله، وكانت مدة ملك النصارى لها تسعة أشهر (١) . البراقة (٢) مدينة في جزيرة الصريف في بحر الصنف حيث مملكة المهراج، وهي مدينة لطيفة من حجر أبيض براق يسمع فيها صياح وضوضاء ولا يرى بها ساكن وربما نزل بها البحريون وأخذوا من مائها فوجدوه زلالاً حلواً (٣) فيه روائح الكافور. برقة (٤) مدينة كبيرة قديمة بين الإسكندرية وإفريقية بينها وبين البحر ستة أميال وهي مرج أفيح وتربة حمراء افتتحها عمرو بن العاصي ﵁ سنة إحدى وعشرين، وفيها آثار للأول كثيرة، ومن حمرة تربتها تحمر ثياب ساكنيها والمتصرفين فيها، وعلى ستة أميال منها جبل كثير الخصب والفواكه والمياه السائحة، وتصلح السائمة في نواحيها، وأكثر ذبائح أهل مصر والإسكندرية من أغنامها لعظم خلقها وكثرة شحمها ولذة لحمها وقد تقدم ذكرها في ذكر انطابلس فلا نكرره، وبرقة أول منبر ينزلها القادم من ديار مصر إلى القيروان، ولها كور عامرة، وهي في بقعة فسيحة وأرضها حمراء خلوقية كما تقدم وبحمرة ثياب أهلها يعرف أهلها، والصادر عنها والوارد عليها كثير، وهي برية بحرية، وكان من غلاتها فيما سلف القطن الطيب، وبها ديار لدباغ الجلود البقرية والنمور الواصلة إليها من أوجلة وتتجهز منها المراكب إلى الإسكندرية وأهل مصر بالصوف والعسل، ويخرج منها التربة المنسوبة إليها يتعالج الناس بها مع الزيت للجرب والحكة ولها رائحة كريهة كرائحة الكبريت. ويذكر أن في بعض جوانب برقة وآثارها القديمة داراً منقورة في حجر صلد عليها باب من حجر صلد وذلك من أغرب ما يكون في الدنيا لا تدخل الذرة بين العضادة والباب ولا ينفتح الباب إلا للداخل ولا يقدر أحد على الخروج منه إلا أن يدخل عليه آخر ويقال إنه كان مفتحاً لا قفل له ودخلها رجل ليراها فرأى داراً منقورة في حجر صلد وفيها من عظام الناس كثير فهاله ذلك، فلما أراد الخروج وجد الباب قد انغلق فلم يقدر على فتحه فأيقن بالهلكة حتى طلبه بعض أصحابه فجاء إلى ذلك الباب فسمع صوته يستغيث ففتح الباب فخرج الرجل. بزنة أظنها بذنة بالذال (٥) قلعة في الهند كان صاحبها يعد من أعيان كفارهم وينسب إلى زيادة الاستظهار بالمال والرجال، وغزاه محمود سلطان خراسان فحين شاهد غبار طلائعه نجا بنفسه وحيداً وترك عساكره وأتباعه في حصنه للقتل والأسر حصيداً وقذف الله في قلوبهم الرعب فلاذوا بطلب الأمان وحقنوا دماءهم بقبول الإيمان وأسلم زهاء عشرين ألف نفس من عباد الأوثان، وقع الاحتواء على ثلاثين فيلاً من كبار الفيلة.

стр. 108

بزليانة (١) قرية على ساحل البحر قريبة من مالقة وهي قرية أشبه بالمدينة في مستو من الأرض، وأرضها رمل وبها الحمام والفنادق ويصاد بها الحوت الكثير ويحمل منها إلى الجهات المجاورة لها، وبينها وبين مالقة ثمانية أميال. بزاخة (٢) موضع كانت فيه الوقيعة بين خالد بن الوليد ﵁ وبين طليحة، وكان قد ارتد عن الإسلام وادعى النبوة، ولما انتهى خالد ﵁ بالمسلمين إلى عسكر طليحة وقد ضربت له قبة من أدم وأصحابه حوله معسكرون، وانتهى خالد ﵁ ممسياً فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة وتدانيا فاختلطت الصفوف واختلفت السيوف وضرس خالد ﵁ في القتال فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله فانك أمير القوم ولا ينبغي لك أن تقدم، فيقول: والله إني لأعرف ما تقولون ولكني والله ما رأيتني أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين، وأخرج طليحة أربعين غلاماً جلداً من جنده جرداً مرداً فأقامهم في الميمنة فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة وإذا وصلتم الميسرة فافعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال خالد ﵁ لما كان ذلك: يا معشر الأنصار، الله الله، واقتحم وسط القوم وكر عليه أصحابه وحينئذ اختلفت الصفوف، ونادى رجل من طيء: يا خالد عليك بسلمى وأجا، فقال: بل إلى الله الملجأ، ثم حمل، فوالله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، فخرج طليحة منهزماً وحمل امرأته وراءه فنجا بها، وعمل خالد ﵁ اخدوداً أضرم فيه النار ثم أحرقهم أحياء، فقيل لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ قال: بلغه عنهم مقالة سيئة شتموا النبي ﷺ . بزقطة من سقي الفرات منها أبو الفضل محمد بن أحمد البزقطي كان يعلم علي بن الخليفة الناصر، حكى ابن سعيد (٣) أنه لما استخلف المستنصر صيره في ديوان الإنشاء وتوفي معه في سنة واحدة (٤) وأنشد له: (٥) وأهيف مثل خوط البان قداً ... تجول على معاطفه الرياح أبيت ولي بلثمي عارضيه ... ورشفي راح ريقته ارتياح ولي من ليل طرته اغتباق ... ولي من صبح غرته اصطباح (٦) بزوان (٧) مدينة من أرض التبت وهي تلول وعلى ضفة بحيرة هناك طولها أربعون فرسخاً وعرضها اثنان وسبعون ميلاً وماؤها حلو وبها سمك كثير يصيده أهل بزوان وأهل أوج، وبين بزوان وأوج خمسة أميال وقدرهما في الكبر سواء وهما بلدان قائمان بأنفسهما وبهما أسواق وصناعات تكفيهما، وبضفة بحيرة (٨) بزوان أنهار كثيرة كبار في كل جهة منها وعلى مقربة من بزوان جبل معطوف على هيئة الدال لا يصل أحد إلى أعلاه إلا عن جهد وطرفاه يتصلان ببلاد الهند وفي بحبوحته أرض وطية فيها قصر مبني مربع لا باب له فمن قصده أو مشى نحوه وجد في نفسه فرحاً وطرباً مثل ما يجد شارب الخمر، ويقال إن من تعلق بهذا القصر وصعد إلى أعلاه لم يزل ضاحكاً، وهذا خبر عظيم مستفيض في الناس. البطائح تقع في الفرات بين الخابور الذي في أرض الجزيرة حيث قرقيسيا (٩) ، وفي البطائح مجمع هذه المياه وهي ثلاثون فرسخاً في ثلاثين فرسخاً وهي خزانة أهل البصرة تجتمع فيها مياههم وتنبت القصب لحطبهم ومنافعهم ومنها سمكهم وفي نواحيها مزارعهم وأشجارهم، وقد اجتمعت من هذه البطائح أنهار منها نهر المرأة ونهر ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، في أسفل البطائح مما يلي قصر أنس بن مالك ﵁ وطوله أربعة فراسخ من أسفل البطائح إلى فيض البصرة، ونهر مرة وهو مرة بن أبي عثمان مولى عبد الرحمن بن أبي بكر كتبت عائشة ﵂ إلى زياد بالوصاة عليه وأقطعه ذلك النهر، وفيض البصرة

стр. 109

يقع في نهر الأبلة حتى يخرج إلى دجلة العوراء حتى يقع في بحر الهند، وفيض البصرة هو نهرها الذي البصرة عليه. بطليوس (١) بالأندلس من إقليم ماردة بينهما أربعون ميلاً، وهي حديثة بناها عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليتي بإذن الأمير عبد الله له في ذلك، فأنفذ له جملة من البناة وقطعة من المال فشرع في بناء الجامع باللبن والطابية وبنى صومعته خاصة بالحجر واتخذ مقصورة وبنى مسجداً خاصاً بداخل الحصن وابتنى الحمام الذي على باب المدينة وأقام البناة عنده حتى ابتنوا له عدة مساجد، وكان سور بطليوس مبنياً بالتراب، وهو اليوم مبني بالكلس والجندل وبني، في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وهي (٢) مدينة جليلة في بسيط من الأرض ولها ربض كبير أكبر من المدينة في شرقها خلا بالفتن وهي على ضفة نهرها الكبير المسمى الغؤور لأنه يكون في موضع يحمل السفن ثم يغور تحت الأرض حتى لا توجد منه قطرة فسمي الغؤور لذلك، وينتهي جريه إلى حصن مارتلة ويصب قريباً من جزيرة شلطيش، ومن بطليوس إلى اشبيلية ستة أيام ومنها إلى قرطبة ست (٣) مراحل. بطروش (٤) بالأندلس أيضاً في طريق قرطبة، وهو حصن كثير العمارة شامخ الحصانة، لأهله جلادة وحزم على مكافحة أعدائهما، ويحيط بجبالهم وسهولهم شجر البلوط الذي فاق طعمه كل بلوط على وجه الأرض، ولهم اهتمام بحفظه وخدمته وهو لهم غلة وغياث في سني الشدة والمجاعة. بطن مر (٥) بالحجاز بالقرب من عسفان وبينهما أربعة وثلاثون ميلاً، وهي قرية عظيمة كثيرة الأهل حسنة المنازل كثيرة النخل والزرع فيها بركة يجري الماء فيها من الجبل، فإذا خرجت من بطن مر فعلى أربعة أميال قبر ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وبعد ذلك على ستة أميال مسجد عائشة ﵂، ثم إلى بكة ستة أميال، يحرم أهل مكة ويخرجون إلى ذلك الموضع وهو حد الحرم من ذلك الوجه، وحول الحرم أعلام منصوبة من جوانبه، ومن بطن مر إلى بكة ستة عشر ميلاً، وبطن مر متسع وفيه، قرى كثيرة وعيون ومنه تجلب الفواكه إلى مكة شرفها الله تعالى. بكة (٦) هو اسم من أسماء مكة شرفها الله تعالى تبدل الميم من الباء، قال تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ". قيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا، وقيل بكة اسم لبطن مكة لأنهم كانوا يتباكون فيها أي يزدحمون، وقيل بكة موضع البيت ومكة ما حواليه، وقيل بكة ما ولي البيت ومكة ما حواليه، والذي عليه أهل اللغة أن بكة ومكة شيء واحد، وهي مدينة قديمة البناء أزلية معمورة مقصودة من جميع الأراضي الإسلامية وإليها حجهم، وهي بين شعاب الجبال، وطولها من جهة الجنوب إلى الشمال نحو ميلين، ومن أسفل جبل أجياد إلى ظهر جبل قعيقعان مثل ذلك، والمدينة مبنية في وسط هذا الفضاء وبنيانها بالحجارة والطين، وأحجارها من جبالها، وأسواقها قليلة؛ وفي وسط مكة مسجدها الجامع المسمى الحرم وليس لهذا الجامع سقف إنما هو دائر كالحظيرة، والكعبة هو البيت المسقف في وسط الحرم، وهذا البيت طوله من خارجه من ناحية المشرق أربع وعشرون ذراعا وكذلك طول الشقة التي تقابلها من جهة المغرب، وبشرقي هذا الوجه باب الكعبة وارتفاعه عن الأرض نحو القامة. وسطح الكعبة من داخل مساو لأسفل الباب وفي ركنه الحجر الأسود، وطول الحائط الذي من جهة الشمال وهو الشامي ثلاث وعشرون ذراعا وفيه حجر أبيض يقال إنه قبر إسماعيل ﵇، وفي الجهة الشرقية من الحرم قبة العباس وبئر زمزم. وما استدار بالكعبة كله حطيم توقد فيه بالليل المصابيح، وللكعبة سقفان وماء السقف الأعلى يخرج عنه إلى خارج البيت في ميزاب من الخشب وذلك الماء يقع على الحجر الذي قيل إنه قبر إسماعيل ﵇، والبيت كله من خارج على استدارته مكسو ثياب الحرير العراقية فلا يظهر منه شيء، وهذه الكسوة معلقة فيه بأزرار وعرى يرسلها خليفة بغداد في كل سنة وتزال الأخرى عنها ولا يقدر أحد أن يكسوها غيره فيما سلف والآن يرسلها صاحب مصر، وارتفاع سمك البيت سبع وعشرون ذراعا، ويقال إن الكعبة كانت خيمة لآدم مبنية بالطين والحجارة

стр. 110

فهدمها الطوفان وبقيت مهدمة إلى مدة إبراهيم وإسماعيل ﵉ فأمرهما الله تعالى ببنيانها فتعاونا على بنائها. ومياه مكة زعاق لا تسوغ لشارب وأطيبها ماء زمزم وهو شروب لا يمكن إدمان شربه، وليس لصاحب مكة عسكر خيل إنما هم الرجالة تسمى الحرابة. ولمكة موسمان ينفق فيهما كل ما جلب إليها، أحدهما أول رجب، والثاني موسم الحجيج، ولأهلها أموال فاشية ولا زرع بها ولا حنطة إلا ما جلب إليها من سائر البلاد. والتمر يأتي إليها كثيرا مما حولها والعنب يجلب إليها من الطائف. ومن مكة إلى المدينة على الجادة نحو عشر مراحل (١) . وعن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لما أهبط آدم ﵇ إلى الأرض حزن واشتد بكاؤه على الجنة فعزاه الله تعالى بخيمة من خيام الجنة فوضعها له بمكة في موضع الكعبة وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها قناديل من ذهب ونزل معها الركن وهو ياقوتة بيضاء وكان كرسياً لآدم ﵇ يجلس عليه، فلما كان الغرق زمن نوح ﵇ رفع ومكثت الكعبة خراباً ألفي سنة حتى أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ أن يبني بيته فبنى هو وإسماعيل البيت ولم يجعلا له سقفاً وحرس الله تعالى البيت بالملائكة، والحرم مقام الملائكة يومئذ، وهو أول بيت وضع للناس، وبنته قريش قبل مبعث النبي ﷺ بخمس سنين. وفي خبر آخر أن البيت انهدم بعد إبراهيم ﵇ فبنته العمالقة ثم انهدم فبنته جرهم ثم انهدم فبناه قصي بناء لم يبن أحد مثله. ثم احترقت (٢) الكعبة واحترق الركن الأسود وضعفت جدرانها حتى إن الحمام ليقع عليها فتتناثر حجارتها، ففزع أهل مكة لذلك والحصين بن نمير محاصر لابن الزبير ﵄، فهدمها ابن الزبير بعد مشاورة الناس واختلافهم عليه، فلما أراد هدمها خرج أهل مكة إلى منى خوف أن ينزل العذاب وما اجترأ على هدمها أحد، فعلاها ابن الزبير بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي حجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترءوا وهدموا وأرقى ابن الزبير ﵄ عبداً من الحبش يهدمها رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي روي أن النبي ﷺ قال: " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة "، فما ترجلت الشمس حتى ألحقها كلها بالأرض. وقال ابن الزبير ﵄: أشهد لسمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : " إن قومك استقصروا في بناء الكعبة وعجزت بهم النفقة فتركوا في الحجر أذرعاً ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها " قالت، قلت: لا. قال ﷺ : " تعززاً لئلا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد يدخل دفعوه فسقط فإن بدا لقومك هدمها فهلمي لأريك ما تركوا في الحجر منها " فأراها قريباً من سبع أذرع، فلما هدمها ابن الزبير ﵄ وسواها بالأرض وكشف عن أساس إبراهيم ﵇ وجد داخلاً إلى الحجر نحواً من ست أذرع وشبر كأنه أعناق الإبل آخذ بعضها ببعض كتشبيك الأصابع تحرك الحجر من القواعد فتتحرك الأركان كلها، فأشهد ابن الزبير ﵄ الناس على ذلك الأساس وأدخل بعضهم عتلة في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها ورجفت مكة رجفة شديدة حين تزعزع الأساس وخاف الناس خوفاً شديداً حتى ندم من أشار على ابن الزبير بهدمها وسقط في أيديهم، ثم وضع ابن الزبير ﵄ البناء على ذلك الأساس، ولما قتل ابن الزبير ﵄ ودخل الحجاج مكة كتب إليه عبد الملك أن ابن الزبير قد زاد في بيت الله ما ليس فيه وأحدث باباً آخر، فهدم الحجاج منه ست أذرع وشبراً مما يلي الحجر وبناها على أساس قريش، وآخر من زاد في الكعبة أمير المؤمنين المهدي سنة أربع وستين ومائة فهو على ذاك الآن، وهذا باب يتسع القول فيه فليقتصر على هذا القدر. بلنجر (٣) مدينة في بلاد الروم شهد فتحها جماعة من الصحابة ﵃، قال زهير بن القين البجلي: غزوت بلنجر وشهدت فتحها فسمعت سلمان الفارسي ﵁ يقول: أفرحتم بفتح الله تعالى عليكم فإذا أدركتم شباب آل محمد ﷺ فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم، فلما سمع زهير بخروج الحسين بن علي ﵄ تلقاه فكان في جملته وقتل معه بكربلاء، وكان عمر ﵁ جعل سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو الذي كان يلي لعمر ﵁ الخيل وهو سلمان الخيل، على مقاسم مغانم
следующие страницы →