← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أسود، ويذكرون أنه قذف فيها حجر في كساء فبقي هاوياً ساعة ثم رفعت الريح ذلك الكساء إلى أعلى العنق وذهب الحجر سفلاً، قالوا: وجبل النار بصقلية شأنه عجيب فإن ناراً خرجت منه في بعض السنين كالسيل العرم لا تمر بشيء إلا حرقته حتى تنتهي إلى البحر فتركت تتجه طائرة على صفحته حتى تغوص فيه. برذيل (١) في بلاد جليقية، وإقليم برذيل من أشرف أقاليم تلك الناحية وهو كثير الكروم والفاكهة والحبوب (٢) ، وهو مدينة كبيرة مبنية بالكلس والرمل، وهو على نهر عجاج يسمى جرونة (٣) وربما عطبت مراكب المجوس فيه عند الأهوال لاتساعه وانخراقه وبين هذه المدينة وموقع نهرها في البحر مائة وخمسون ميلاً، وأهل برذيل في أخلاقهم ولباسهم على أخلاق الجليقيين، وبجوفي مدينة برذيل بنيان منيف على سوار سامية جليلة هو قصر طيطس وفي سواحل هذه المدينة يوجد العنبر. برطايل (٤) جزيرة في بحر الصين الذي في جزائره مملكة المهراج قيل إنه يسمع بها في الليل والنهار الضرب والطبول، ويقال إن فيها الدجال، وقال بعضهم: هي جبال مسكونة وجوه أهلها مثل المجان المطرقة آذانهم مخرمة، وفيها أشجار القرنفل ويشتريه التجار من قوم لا يرونهم إنما يضعونه أكواماً على الساحل فيأخذه التجار ويترك هناك العوض، وقيل إن التجار يتركون البضائع على الساحل ويعودون إلى مراكبهم فإذا أصبح من غد ذلك اليوم جاءوا فوجدوا إلى جانب كل بضاعة كوماً من القرنفل فإن رضيه أخذه وترك البضاعة ولها أخذ بضاعته وترك القرنفل، وإن أخذهما معاً لم تقدر مراكبهم على المسير حتى يرد القرنفل، وربما طلب أحدهم الزيادة فيترك البضاعة والقرنفل فيزاد فيه، وشجر القرنفل على نهر هناك يعرف بنهر القرنفل لم يدخل قط إليه أحد ولا ذكر أنه رأى شجره، وزعم بعضهم أن الجن يبيعونه من التجار، وذكر بعضهم أنه دخل الجزيرة وأمعن فيها فرأى قوماً في زي النساء مرداً بغير لحى ذوي شعور مرسلة فغابوا عنه وأن التجار أقاموا بعد ذلك مدة يخرجون إلى ساحل الجزيرة فلا يجدون شيئاً من القرنفل فعلموا أن ذلك من أجل من نظر إليهم، ثم عادوا بعد سنتين إلى ما كانوا عليه. ويقال إنه إذا كان رطباً حلو الطعم ويأكلون منه فلا يمرضون ولا يهرمون، وليس لهذا البحر حد يعرف، ورأسه يخرج من الظلمة الشمالية ويمر على بلاد الواق واق. بربشتر (٥) هي مدينة من بلاد بربطانية (٦) بالأندلس، وهي حصن على نهر مخرجه من عين قريبة منها، وبربشتر من أمهات مدن الثغر الفائقة في الحصانة والامتناع وقد غزاها على غرة وقلة عدد من أهلها وعدة، أهل غاليش والروذمانون وكان عليهم رئيس يسمى ألبيطش، وكان في عسكره نحو أربعين ألف فارس فحصرها أربعين يوما حتى افتتحها وذلك في سنة ست وخمسين وأربعمائة فقتلوا عامة رجالها وسبوا فيها من ذراري المسلمين ونسائهم ما لا يحصى كثرة، ويذكر أنهم اختاروا من أبكار جواري المسلمين وأهل الحسن منهن خمسة آلاف جارية فأهدوهن إلى صاحب القسطنطينية، وأصابوا فيها من الأموال ما يعجز عن الوصف وتخلفوا فيها من جلة رجالهم وأهل البأس منهم من وثقوا بضبطه لها ومنعه إياها واستوطنوها بالأهل والولد وجعلوها ثغراً من ثغورهم ثم انصرفوا عنها، وفي ذلك يقول الفقيه الزاهد ابن العسال من قصيدة: ولقد رمانا المشركون بأسهم ... لم تخط لكن شأنها الإصماء هتكوا بخيلهم قصور حريمها ... لم يبق لا جبل ولا بطحاء جاسوا خلال ديارهم فلهم بها ... في كل يوم غارة شعواء ماتت قلوب المسلمين برعبهم ... فحماتنا في حربهم جبناء كم موضع غنموه لم يرحم به ... طفل ولا شيخ ولا عذراء

стр. 107

ولكم رضيع فرقوا من أمه ... فله إليها ضجة وبغاء ولرب مولود أبوه مجدل ... فوق التراب وفرشه البيداء ومصونة في خدرها محجوبة ... قد أبرزوها ما لها استخفاء وعزيز قوم صار في أيديهم ... فعليه بعد العزة استخذاء لولا ذنوب المسلمين وانهم ... ركبوا الكبائر ما لهن خفاء ما كان ينصر للنصارى فارس ... أبداً عليهم فالذنوب الداء فشرارها لا يختفون بشرهم ... وصلاح منتحلي الصلاح رياء ثم تداعت لأخذها ممالك الأندلس وجمع أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة وجهاتها أهل الثغور ونهد إليها في جمع كثيف ذوي حد وجد ففتحها الله على يديه عنوة فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية ودخل منها سرقسطة نحو خمسة آلاف سبية مختارة ونحو ألف فرس وألف درع وأموال كثيرة وثياب جليلة وعدة وسلاح، وكان افتتاحه لها لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة ومذ ذاك تسمى بالمقتدر بالله، وكانت مدة ملك النصارى لها تسعة أشهر (١) . البراقة (٢) مدينة في جزيرة الصريف في بحر الصنف حيث مملكة المهراج، وهي مدينة لطيفة من حجر أبيض براق يسمع فيها صياح وضوضاء ولا يرى بها ساكن وربما نزل بها البحريون وأخذوا من مائها فوجدوه زلالاً حلواً (٣) فيه روائح الكافور. برقة (٤) مدينة كبيرة قديمة بين الإسكندرية وإفريقية بينها وبين البحر ستة أميال وهي مرج أفيح وتربة حمراء افتتحها عمرو بن العاصي ﵁ سنة إحدى وعشرين، وفيها آثار للأول كثيرة، ومن حمرة تربتها تحمر ثياب ساكنيها والمتصرفين فيها، وعلى ستة أميال منها جبل كثير الخصب والفواكه والمياه السائحة، وتصلح السائمة في نواحيها، وأكثر ذبائح أهل مصر والإسكندرية من أغنامها لعظم خلقها وكثرة شحمها ولذة لحمها وقد تقدم ذكرها في ذكر انطابلس فلا نكرره، وبرقة أول منبر ينزلها القادم من ديار مصر إلى القيروان، ولها كور عامرة، وهي في بقعة فسيحة وأرضها حمراء خلوقية كما تقدم وبحمرة ثياب أهلها يعرف أهلها، والصادر عنها والوارد عليها كثير، وهي برية بحرية، وكان من غلاتها فيما سلف القطن الطيب، وبها ديار لدباغ الجلود البقرية والنمور الواصلة إليها من أوجلة وتتجهز منها المراكب إلى الإسكندرية وأهل مصر بالصوف والعسل، ويخرج منها التربة المنسوبة إليها يتعالج الناس بها مع الزيت للجرب والحكة ولها رائحة كريهة كرائحة الكبريت. ويذكر أن في بعض جوانب برقة وآثارها القديمة داراً منقورة في حجر صلد عليها باب من حجر صلد وذلك من أغرب ما يكون في الدنيا لا تدخل الذرة بين العضادة والباب ولا ينفتح الباب إلا للداخل ولا يقدر أحد على الخروج منه إلا أن يدخل عليه آخر ويقال إنه كان مفتحاً لا قفل له ودخلها رجل ليراها فرأى داراً منقورة في حجر صلد وفيها من عظام الناس كثير فهاله ذلك، فلما أراد الخروج وجد الباب قد انغلق فلم يقدر على فتحه فأيقن بالهلكة حتى طلبه بعض أصحابه فجاء إلى ذلك الباب فسمع صوته يستغيث ففتح الباب فخرج الرجل. بزنة أظنها بذنة بالذال (٥) قلعة في الهند كان صاحبها يعد من أعيان كفارهم وينسب إلى زيادة الاستظهار بالمال والرجال، وغزاه محمود سلطان خراسان فحين شاهد غبار طلائعه نجا بنفسه وحيداً وترك عساكره وأتباعه في حصنه للقتل والأسر حصيداً وقذف الله في قلوبهم الرعب فلاذوا بطلب الأمان وحقنوا دماءهم بقبول الإيمان وأسلم زهاء عشرين ألف نفس من عباد الأوثان، وقع الاحتواء على ثلاثين فيلاً من كبار الفيلة.

стр. 108

بزليانة (١) قرية على ساحل البحر قريبة من مالقة وهي قرية أشبه بالمدينة في مستو من الأرض، وأرضها رمل وبها الحمام والفنادق ويصاد بها الحوت الكثير ويحمل منها إلى الجهات المجاورة لها، وبينها وبين مالقة ثمانية أميال. بزاخة (٢) موضع كانت فيه الوقيعة بين خالد بن الوليد ﵁ وبين طليحة، وكان قد ارتد عن الإسلام وادعى النبوة، ولما انتهى خالد ﵁ بالمسلمين إلى عسكر طليحة وقد ضربت له قبة من أدم وأصحابه حوله معسكرون، وانتهى خالد ﵁ ممسياً فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة وتدانيا فاختلطت الصفوف واختلفت السيوف وضرس خالد ﵁ في القتال فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله فانك أمير القوم ولا ينبغي لك أن تقدم، فيقول: والله إني لأعرف ما تقولون ولكني والله ما رأيتني أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين، وأخرج طليحة أربعين غلاماً جلداً من جنده جرداً مرداً فأقامهم في الميمنة فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة وإذا وصلتم الميسرة فافعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال خالد ﵁ لما كان ذلك: يا معشر الأنصار، الله الله، واقتحم وسط القوم وكر عليه أصحابه وحينئذ اختلفت الصفوف، ونادى رجل من طيء: يا خالد عليك بسلمى وأجا، فقال: بل إلى الله الملجأ، ثم حمل، فوالله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، فخرج طليحة منهزماً وحمل امرأته وراءه فنجا بها، وعمل خالد ﵁ اخدوداً أضرم فيه النار ثم أحرقهم أحياء، فقيل لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ قال: بلغه عنهم مقالة سيئة شتموا النبي ﷺ . بزقطة من سقي الفرات منها أبو الفضل محمد بن أحمد البزقطي كان يعلم علي بن الخليفة الناصر، حكى ابن سعيد (٣) أنه لما استخلف المستنصر صيره في ديوان الإنشاء وتوفي معه في سنة واحدة (٤) وأنشد له: (٥) وأهيف مثل خوط البان قداً ... تجول على معاطفه الرياح أبيت ولي بلثمي عارضيه ... ورشفي راح ريقته ارتياح ولي من ليل طرته اغتباق ... ولي من صبح غرته اصطباح (٦) بزوان (٧) مدينة من أرض التبت وهي تلول وعلى ضفة بحيرة هناك طولها أربعون فرسخاً وعرضها اثنان وسبعون ميلاً وماؤها حلو وبها سمك كثير يصيده أهل بزوان وأهل أوج، وبين بزوان وأوج خمسة أميال وقدرهما في الكبر سواء وهما بلدان قائمان بأنفسهما وبهما أسواق وصناعات تكفيهما، وبضفة بحيرة (٨) بزوان أنهار كثيرة كبار في كل جهة منها وعلى مقربة من بزوان جبل معطوف على هيئة الدال لا يصل أحد إلى أعلاه إلا عن جهد وطرفاه يتصلان ببلاد الهند وفي بحبوحته أرض وطية فيها قصر مبني مربع لا باب له فمن قصده أو مشى نحوه وجد في نفسه فرحاً وطرباً مثل ما يجد شارب الخمر، ويقال إن من تعلق بهذا القصر وصعد إلى أعلاه لم يزل ضاحكاً، وهذا خبر عظيم مستفيض في الناس. البطائح تقع في الفرات بين الخابور الذي في أرض الجزيرة حيث قرقيسيا (٩) ، وفي البطائح مجمع هذه المياه وهي ثلاثون فرسخاً في ثلاثين فرسخاً وهي خزانة أهل البصرة تجتمع فيها مياههم وتنبت القصب لحطبهم ومنافعهم ومنها سمكهم وفي نواحيها مزارعهم وأشجارهم، وقد اجتمعت من هذه البطائح أنهار منها نهر المرأة ونهر ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، في أسفل البطائح مما يلي قصر أنس بن مالك ﵁ وطوله أربعة فراسخ من أسفل البطائح إلى فيض البصرة، ونهر مرة وهو مرة بن أبي عثمان مولى عبد الرحمن بن أبي بكر كتبت عائشة ﵂ إلى زياد بالوصاة عليه وأقطعه ذلك النهر، وفيض البصرة

стр. 109

يقع في نهر الأبلة حتى يخرج إلى دجلة العوراء حتى يقع في بحر الهند، وفيض البصرة هو نهرها الذي البصرة عليه. بطليوس (١) بالأندلس من إقليم ماردة بينهما أربعون ميلاً، وهي حديثة بناها عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجليتي بإذن الأمير عبد الله له في ذلك، فأنفذ له جملة من البناة وقطعة من المال فشرع في بناء الجامع باللبن والطابية وبنى صومعته خاصة بالحجر واتخذ مقصورة وبنى مسجداً خاصاً بداخل الحصن وابتنى الحمام الذي على باب المدينة وأقام البناة عنده حتى ابتنوا له عدة مساجد، وكان سور بطليوس مبنياً بالتراب، وهو اليوم مبني بالكلس والجندل وبني، في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وهي (٢) مدينة جليلة في بسيط من الأرض ولها ربض كبير أكبر من المدينة في شرقها خلا بالفتن وهي على ضفة نهرها الكبير المسمى الغؤور لأنه يكون في موضع يحمل السفن ثم يغور تحت الأرض حتى لا توجد منه قطرة فسمي الغؤور لذلك، وينتهي جريه إلى حصن مارتلة ويصب قريباً من جزيرة شلطيش، ومن بطليوس إلى اشبيلية ستة أيام ومنها إلى قرطبة ست (٣) مراحل. بطروش (٤) بالأندلس أيضاً في طريق قرطبة، وهو حصن كثير العمارة شامخ الحصانة، لأهله جلادة وحزم على مكافحة أعدائهما، ويحيط بجبالهم وسهولهم شجر البلوط الذي فاق طعمه كل بلوط على وجه الأرض، ولهم اهتمام بحفظه وخدمته وهو لهم غلة وغياث في سني الشدة والمجاعة. بطن مر (٥) بالحجاز بالقرب من عسفان وبينهما أربعة وثلاثون ميلاً، وهي قرية عظيمة كثيرة الأهل حسنة المنازل كثيرة النخل والزرع فيها بركة يجري الماء فيها من الجبل، فإذا خرجت من بطن مر فعلى أربعة أميال قبر ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وبعد ذلك على ستة أميال مسجد عائشة ﵂، ثم إلى بكة ستة أميال، يحرم أهل مكة ويخرجون إلى ذلك الموضع وهو حد الحرم من ذلك الوجه، وحول الحرم أعلام منصوبة من جوانبه، ومن بطن مر إلى بكة ستة عشر ميلاً، وبطن مر متسع وفيه، قرى كثيرة وعيون ومنه تجلب الفواكه إلى مكة شرفها الله تعالى. بكة (٦) هو اسم من أسماء مكة شرفها الله تعالى تبدل الميم من الباء، قال تعالى: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ". قيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا، وقيل بكة اسم لبطن مكة لأنهم كانوا يتباكون فيها أي يزدحمون، وقيل بكة موضع البيت ومكة ما حواليه، وقيل بكة ما ولي البيت ومكة ما حواليه، والذي عليه أهل اللغة أن بكة ومكة شيء واحد، وهي مدينة قديمة البناء أزلية معمورة مقصودة من جميع الأراضي الإسلامية وإليها حجهم، وهي بين شعاب الجبال، وطولها من جهة الجنوب إلى الشمال نحو ميلين، ومن أسفل جبل أجياد إلى ظهر جبل قعيقعان مثل ذلك، والمدينة مبنية في وسط هذا الفضاء وبنيانها بالحجارة والطين، وأحجارها من جبالها، وأسواقها قليلة؛ وفي وسط مكة مسجدها الجامع المسمى الحرم وليس لهذا الجامع سقف إنما هو دائر كالحظيرة، والكعبة هو البيت المسقف في وسط الحرم، وهذا البيت طوله من خارجه من ناحية المشرق أربع وعشرون ذراعا وكذلك طول الشقة التي تقابلها من جهة المغرب، وبشرقي هذا الوجه باب الكعبة وارتفاعه عن الأرض نحو القامة. وسطح الكعبة من داخل مساو لأسفل الباب وفي ركنه الحجر الأسود، وطول الحائط الذي من جهة الشمال وهو الشامي ثلاث وعشرون ذراعا وفيه حجر أبيض يقال إنه قبر إسماعيل ﵇، وفي الجهة الشرقية من الحرم قبة العباس وبئر زمزم. وما استدار بالكعبة كله حطيم توقد فيه بالليل المصابيح، وللكعبة سقفان وماء السقف الأعلى يخرج عنه إلى خارج البيت في ميزاب من الخشب وذلك الماء يقع على الحجر الذي قيل إنه قبر إسماعيل ﵇، والبيت كله من خارج على استدارته مكسو ثياب الحرير العراقية فلا يظهر منه شيء، وهذه الكسوة معلقة فيه بأزرار وعرى يرسلها خليفة بغداد في كل سنة وتزال الأخرى عنها ولا يقدر أحد أن يكسوها غيره فيما سلف والآن يرسلها صاحب مصر، وارتفاع سمك البيت سبع وعشرون ذراعا، ويقال إن الكعبة كانت خيمة لآدم مبنية بالطين والحجارة

стр. 110

فهدمها الطوفان وبقيت مهدمة إلى مدة إبراهيم وإسماعيل ﵉ فأمرهما الله تعالى ببنيانها فتعاونا على بنائها. ومياه مكة زعاق لا تسوغ لشارب وأطيبها ماء زمزم وهو شروب لا يمكن إدمان شربه، وليس لصاحب مكة عسكر خيل إنما هم الرجالة تسمى الحرابة. ولمكة موسمان ينفق فيهما كل ما جلب إليها، أحدهما أول رجب، والثاني موسم الحجيج، ولأهلها أموال فاشية ولا زرع بها ولا حنطة إلا ما جلب إليها من سائر البلاد. والتمر يأتي إليها كثيرا مما حولها والعنب يجلب إليها من الطائف. ومن مكة إلى المدينة على الجادة نحو عشر مراحل (١) . وعن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لما أهبط آدم ﵇ إلى الأرض حزن واشتد بكاؤه على الجنة فعزاه الله تعالى بخيمة من خيام الجنة فوضعها له بمكة في موضع الكعبة وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة فيها قناديل من ذهب ونزل معها الركن وهو ياقوتة بيضاء وكان كرسياً لآدم ﵇ يجلس عليه، فلما كان الغرق زمن نوح ﵇ رفع ومكثت الكعبة خراباً ألفي سنة حتى أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ أن يبني بيته فبنى هو وإسماعيل البيت ولم يجعلا له سقفاً وحرس الله تعالى البيت بالملائكة، والحرم مقام الملائكة يومئذ، وهو أول بيت وضع للناس، وبنته قريش قبل مبعث النبي ﷺ بخمس سنين. وفي خبر آخر أن البيت انهدم بعد إبراهيم ﵇ فبنته العمالقة ثم انهدم فبنته جرهم ثم انهدم فبناه قصي بناء لم يبن أحد مثله. ثم احترقت (٢) الكعبة واحترق الركن الأسود وضعفت جدرانها حتى إن الحمام ليقع عليها فتتناثر حجارتها، ففزع أهل مكة لذلك والحصين بن نمير محاصر لابن الزبير ﵄، فهدمها ابن الزبير بعد مشاورة الناس واختلافهم عليه، فلما أراد هدمها خرج أهل مكة إلى منى خوف أن ينزل العذاب وما اجترأ على هدمها أحد، فعلاها ابن الزبير بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي حجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترءوا وهدموا وأرقى ابن الزبير ﵄ عبداً من الحبش يهدمها رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي روي أن النبي ﷺ قال: " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة "، فما ترجلت الشمس حتى ألحقها كلها بالأرض. وقال ابن الزبير ﵄: أشهد لسمعت عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﷺ : " إن قومك استقصروا في بناء الكعبة وعجزت بهم النفقة فتركوا في الحجر أذرعاً ولولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها " قالت، قلت: لا. قال ﷺ : " تعززاً لئلا يدخلها إلا من أرادوا فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد يدخل دفعوه فسقط فإن بدا لقومك هدمها فهلمي لأريك ما تركوا في الحجر منها " فأراها قريباً من سبع أذرع، فلما هدمها ابن الزبير ﵄ وسواها بالأرض وكشف عن أساس إبراهيم ﵇ وجد داخلاً إلى الحجر نحواً من ست أذرع وشبر كأنه أعناق الإبل آخذ بعضها ببعض كتشبيك الأصابع تحرك الحجر من القواعد فتتحرك الأركان كلها، فأشهد ابن الزبير ﵄ الناس على ذلك الأساس وأدخل بعضهم عتلة في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها ورجفت مكة رجفة شديدة حين تزعزع الأساس وخاف الناس خوفاً شديداً حتى ندم من أشار على ابن الزبير بهدمها وسقط في أيديهم، ثم وضع ابن الزبير ﵄ البناء على ذلك الأساس، ولما قتل ابن الزبير ﵄ ودخل الحجاج مكة كتب إليه عبد الملك أن ابن الزبير قد زاد في بيت الله ما ليس فيه وأحدث باباً آخر، فهدم الحجاج منه ست أذرع وشبراً مما يلي الحجر وبناها على أساس قريش، وآخر من زاد في الكعبة أمير المؤمنين المهدي سنة أربع وستين ومائة فهو على ذاك الآن، وهذا باب يتسع القول فيه فليقتصر على هذا القدر. بلنجر (٣) مدينة في بلاد الروم شهد فتحها جماعة من الصحابة ﵃، قال زهير بن القين البجلي: غزوت بلنجر وشهدت فتحها فسمعت سلمان الفارسي ﵁ يقول: أفرحتم بفتح الله تعالى عليكم فإذا أدركتم شباب آل محمد ﷺ فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم، فلما سمع زهير بخروج الحسين بن علي ﵄ تلقاه فكان في جملته وقتل معه بكربلاء، وكان عمر ﵁ جعل سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو الذي كان يلي لعمر ﵁ الخيل وهو سلمان الخيل، على مقاسم مغانم

стр. 111

المسلمين حين افتتحوا بلاد العجم وعلى قضائهم فهو أول قاض لعمر ﵁، وافتتح سلمان ما بين أذربيجان إلى الباب والأبواب من الخزر، وجاز الباب حتى بلغ مدينتهم بلنجر، ومات هناك بالخزر، والترك تعرف فضله وتستسقي بقبره من القحوط وتستشفي به من الأسقام وله صحبة. وقيل غزا عبد الرحمن بن ربيعة الذي يقال له ذو النور في السنة التاسعة من إمارة عثمان ﵁ بلنجر فحصرها ونصب عليها المجانيق والعرادات فكان لا يدنو منها أحد إلا أعنتوه وقتلوه وأسرعوا في الناس ثم إن الترك توافوا إليهم فاقتتلوا فأصيب عبد الرحمن فاحتازه المشركون فحملوه في سفط، فكانوا يستشفون به ويستسقون به. وقيل بلنجران بزيادة ألف ونون وهي جزيرة سرنديب تكون هذه الجزيرة ستين فرسخاً في مثلها وفيها جبل واسم (١) الذي أهبط عليه آدم ﵊. فحص البلوط (٢) بالأندلس من ناحية قرطبة منه القاضي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي كان متفنناً في ضروب من العلوم وكانت له رحلة لقي فيها جماعة من العلماء في الفقه واللغة وكان كثير المناقب والخصال الحميدة غير مدافع مع ثبات جنان وجهارة صوت وحسن ترتيل، وله تفسير على الكتاب العزيز. ومما جرى له مع عبد الرحمن الناصر أمير المؤمنين أنه بنى قبة واتخذ قراميد القبة من فضة وبعضها مغشى بالذهب وجعل سقفها نوعين صفراء فاقعة وبيضاء ناصعة يستلب الأبصار شعاعها، فجلس فيها إثر تمامها لأهل مملكته وقال لقرابته ووزرائه مفتخراً عليهم: رأيتم أو سمعتم ملكاً كان قبلي صنع مثل ما صنعت فقالوا له: لا والله يا أمير المؤمنين وإنك لأوحد في شأنك، فبينا هم على ذلك دخل منذر بن سعيد واجماً ناكساً رأسه، فلما أخذ مجلسه قال له ما قال لقرابته، فأقبلت دموع القاضي تتحدر على لحيته وقال له: والله يا أمير ما ظننت أن الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله تعالى وفضلك به على المسلمين حتى ينزلك منازل الكافرين، فاقشعر عبد الرحمن من قوله وقال: انظر ما تقول، كيف أنزلني منازلهم؟ قال: نعم أليس الله تعالى يقول " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون " فوجم الخليفة عبد الرحمن ونكس رأسه ملياً ودموعه تتحدر على لحيته خشوعاً وتذمماً مما جرى ثم أقبل على منذر بن سعيد فقال له: جزاك الله عنا وعن الدين خيراً وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت والله هو الحق، وقام من مجلسه ذلك يستغفر الله تعالى وأمر بنقض سقف القبة وأعاده قرمداً على صفة غيرها. ومن أخباره أن الناصر لدين الله أمره بالخروج للاستسقاء، فخرج واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة بارزين إلى الله في جمع عظيم ثم قام منذر بن سعيد باكياً خاشعاً لله تعالى، فخطب فقال: " سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، قال: فضج الناس بالبكاء وارتفعت أصواتهم بالاستغفار والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال، فما تم النهار حتى أرسل الله تعالى السماء بماء منهمر. وكان رحمه الله تعالى على متانة دينه وجزالته في أحكامه حسن الخلق كثير الدعابة ربما ارتاب بباطنه من لا يعرفه حتى إذا رام أن يصيب من دينه ثار به ثورة الليث العادي، قيل له إن قوماً من جيران أحد المتحاكمين من أهل ربض الرصافة قد تألبوا معه على خصمه وأعانوه بشهادة مدخولة وهم غادون بها عليك وكان كثيرا ما تأتيه عيونه بمثل ذلك فغدوا عليه بمجلس نظره وكانت أسماء جميعهم متفقة في الوزن على مثال فعلون فأخذوا مواضعهم وقام الذين يشهدون له، فلما رأى القاضي أسماءهم قال رافعاً صوته: يا ابن صيفون ويا ابن زيدون ويا ابن سحنون من الربض الملعون ألقوا ما أنتم ملقون، فلما سمعوا قوله لاذوا عن الشهادة وخرجوا متسللين فكفي شأنهم. وكان نظاراً لا يقنع بالتقليد، ومن قوله في استقصار هذه الفرقة: عذيري من قوم إذا ما سألتهم ... دليلاً يقولوا هكذا قال مالك

стр. 112

فإن زدت قالوا قال سحنون مثله ... وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن قلت قال الله ضجوا وأعولوا ... علي وقالوا أنت خصم مماحك ونوادره كثيرة. بلخ (١) هي مدينة خراسان العظمى وهي في مستو من الأرض، ودار مملكة الأتراك والملك بها لازم، وبها العساكر والأجناد والملك والقواد والعمال والأسواق العامرة والمتاجر والأموال الواسعة والأحوال الصالحة، وبناؤها بالطين واللبن، ولها سبعة أبواب وربض عامر كثير المساكن، وبها أسواق وصناعات، ومسجد جامعها في وسط المدينة والأسواق دائرة به، وهي على ضفة نهر متوسط مقدار ما يدير ماؤه عشر أرحاء، وهو جار على باب النوبهار ويسقي رساتيق وقد أحاط بجميعها من كل الجهات الكروم والجنات والبساتين والمباني والمنتزهات، وبها مدارس للعلوم ومقامات للطلاب والأرزاق جارية على من أراد شيئا من ذاك، وبهذه المدينة أموال وملوك مياسير وتجار وأحوال صالحة. ويتصل بها من جهة جنوبها بلاد طخارستان، وهي قطب ومدار لما جاورها (٢) . ولها كور ومدائن وفتحها عبد الله بن سمرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄. ومدينة بلخ (٣) يتصل بعملها طخارستان والختل وعمل الباميان وهي مدينة في بساط من الأرض وبينها وبين أقرب الجبال إليها أربعة فراسخ وهي مع ربضها نحو فرسخ في مثله، واسم نهرها دهاس، وهي قديمة تجمع ضروب التجارات وتقصد بالأمتعة من كل الجهات، ويغلب على أهلها تدقيق النظر في العلوم الغامضة ويرتفع من بلخ النوق البخاتي التي لا نظير لها في قطر من الأقطار، ومن بلخ إلى مدينة مرو مائة وستة وعشرون فرسخاً. قال أصحاب المغازي (٤) : بعث عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس إلى بلخ فسار إليهم من مرو الروذ فحاصرهم فصالحه أهلها على أربعمائة ألف فرضي بذلك ومضى إلى خوارزم فأقام حتى هجم الشتاء فقال لأصحابه: ما ترون؟ فقال له حصين: قد قال عمرو بن معدي كرب: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع فأمر الأحنف بالرحيل ثم انصرف إلى بلخ وقد قبض ابن عمه ما صالحهم عليه ووافق مهرجانهم وهو يجبيهم فأنفذوا إليه هدايا من آنية الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع ودواب فقال: هذا لم نصالحكم عليه، قالوا: لا، ولكن هذا شيء نصنعه في هذا اليوم لمن ولينا نستعطفه به، قال: ما أدري ما هذا وإني لأكره أن أرده ولعله من حقي، ولكني أقبضه وأعزله حتى أنظر، وقدم الأحنف فأخبره فسألهم عنه فقالوا مثل ما قالوا له، فقال الأحنف: آتي به الأمير، فحمله إلى ابن عامر وأخبره به فقال: اقبضه يا أبا بحر فهو لك، قال: لا حاجة لي فيه، فقال ابن عامر: ضمه إليك، قال: وكان مضماً. وفي سنة ثمان عشرة (٥) وست مائة نزل الططر على مدينة بلخ وقد انتهت حينئذ في العمارة والجلالة، فقاتل أهلها وصبروا حتى قتل منهم ومن الططر خلق، وكان تحصل عند الططر من المسلمين من بلاد خراسان عدد كثير فأضافوهم لمن جلبوه معهم وقدموهم أمامهم وزحفوا بهم لقتال بلخ لتقع فيهم السهام وحجارة المنجنيق، وتكاثر الططر واشتد القتال وطال، وكانت أسوارها متشعثة لاستمرار العافية، فدخلوها عنوة ولم يبقوا فيها عيناً تطرف، وتركوها أكوام تراب تعوي فيها الذئاب ثم ساروا إلى أختها نيسابور. بلابية مدينة في العدوة الشامية من مدينة برذيل بناحية الأندلس من جهة بلاد الافرنجة وهي مبنية بالحجر كثيرة الكروم، وبينها وبين برذيل عشرون ميلاً في السفن مع جرية الماء. البلقاء (٦) مدينة بالشام من عمل دمشق سميت بالبلقاء بن سورية

стр. 113

من بني عبيل بن لوط وهو بناها، وبها كان اجتماع الحكمين: أبي موسى وعمرو بن العاصي ﵄ فكان من أمرهما ما كان، وقيل كان ذلك بدومة الجندل على عشرة أيام من دمشق. وفي بعض أخبار يوم اليرموك عن حنظلة بن جؤية قال (١) : والله إني لفي الميسرة إذ مر بنا رجال من الروم وهم أشبه شيء بنا فلا أنسى قول قائل منهم: يا معشر العرب الحفوا بوادي القرى ويثرب ويقول: في كل يوم خيلنا تغير ... نحن لنا البلقاء والسدير ... هيهات، يأبى ذلك الأمير ... والملك المتوج المحبور ... قال: فحملت عليه وحمل علي فاضطربنا بسيفينا فلم يغنيا شيئا ثم اعتنقنا فخررنا جميعا فاعتركنا ساعة ثم إنا تحاجزنا فنظرت إلى ما بدا من عنقه فوالله ما أخطأته، فقطعته فصرع فضربته حتى قتلته، وأقبلت إلى فرسي وقد كان عار، وإذا بقومي قد حبسوه علي فأقبلت حتى ركبته. وبالبلقاء مات يزيد بن عبد الملك بن مروان سنة خمس ومائة وبويع لأخيه هشام بن عبد الملك. بلنسية (٢) في شرق الأندلس بينها وبين قرطبة على طريق بجانة ستة عشر يوما وعلى الجادة ثلاثة عشر يوما، وهي مدينة سهلية وقاعدة من قواعد الأندلس في مستو من الأرض عامرة القطر كثيرة التجارات وبها أسواق وحط وإقلاع، وبينها وبين البحر ثلاثة أميال، وهي على نهر جار ينتفع به ويسقي المزارع وعليه بساتين وجنات وعمارات متصلة والسفن تدخل نهرها، وسورها مبني بالحجر والطوابي، ولها أربعة أبواب، وهي من أمصار الأندلس الموصوفة وحواضرها المقدمة، ولأهلها حسن زي وكرم طباع والغالب عليهم طيب النفوس والميل إلى الراحات، وهي في أكثر الأمور راخية الأسعار كثيرة الفواكه والثمار جامعة لخيرات البر والبحر، ولها أقاليم كثيرة، وهي في الجزء الرابع من قسمة قسطنطين. وكان الروم تغلبوا على بلنسية قديماً ثم أحرقوها عند خروجهم منها سنة خمس وتسعين وأربعمائة فقال أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن خفاجة (٣) : عاثت بساحتك العدا يا دار ... ومحا محاسنك البلى والنار فإذا تردد في جنابك ناظر ... طال اعتبار فيك واستعبار أرض تقاذفت النوى بقطينها ... وتمحضت بخرابها الأقدار فجعلت أنشد خير سادة أهلها ... " لا أنت أنت ولا الديار ديار " (٤) وقال الأستاذ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن خلصة البلنسي (٥) : وروضة زرتها للأنس مبتغياً ... فأوحشتني لذكرى سادة هلكوا تغيرت بعدهم حزناً وحق لها ... مكان نوارها أن ينبت الحسك لو أنها نطقت قالت لفقدهم ... " بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا " (٦) ثم في سنة ست وثلاثين وستمائة ملك الروم بلنسية صلحاً واستولى عليها ملك أرغون جاقه (٧) ، وأكثر أدباؤها بكاءها والتأسف عليها نظماً ونثراً، فمن ذلك قول الكاتب أبي المطرف

стр. 114

ابن عميرة (١) خاطب بها الكاتب أبا عبد الله بن الأبار جواباً عن رسالة: طارحني حديث مورد جف، وقطين خف، فيالله لأتراب درجوا، وأصحاب عن الأوطان خرجوا، قصت الأجنحة وقيل طيروا، وإنما هو القتل أو الأسر أو تسيروا، فافترقوا أيدي سبا، وانتثروا على الوهاد والربا، ففي كل جانب عويل وزفرة، وبكل صدر غليل وحسرة، ولكل عين عبرة، لا ترقأ من أجلها عبرة داء خامر بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجى موتاها وشجا بيومها الأطول كهلها وفتاها، أنذر في القوم بحران أنيجة (٢) يوم أثاروا أسدها المهيجة فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب، أثكلتنا إخواناً أبكانا نعيهم، ولله أحوذيهم وألمعيهم ذاك أبو ربيعنا (٣) ، وشيخ جميعنا، سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يسوءه في أهله وقومه، وبعد ذاك أخذ من الأم (٤) بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق، وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان، فبرح الخفاء، وقيل: على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء، فأودت الخفة والحصافة، وذهب الجسر والرصافة، ومزقت الحلة والشملة، وأوحشت الحرة (٥) والرملة، ونزلت بالجارة وقعة الحرة، وحصلت الكنيسة من جآذرها وظبائها على طول الحسرة، فأين الخمائل ونضرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها (٦) والأصائل وشحوب معتلها (٧) دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها، ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها (٨) ، حتى أحاطت بجزيرة شقرها فآه لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه، ويا لجنة أجرى الله النهر تحتها، وروضة أجاد أبو إسحاق (٩) نعتها وإنما كانت داره التي فيها دب، وعلى أوصاف محاسنها أكب، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب، ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه، ودمعهم عليها أراقوه. وله من رسالة أخرى في المعنى. ثم ردف الخطاب الثاني بقاصمة المتون، وقاضية المنون، ومضرمة نار الشجون، ومذرية ماء الشؤون، وهو الحادث في بلنسية دار النحر، وحاضرة البر والبحر، وطمع أمل السيارة، ومطرح شعاع البهجة والنضارة، أودى الكفر بإيمانها، وأبطل الناقوس صوت أذانها، ودهاها الخطب الذي أنسى الخطوب، وأذاب القلوب، وعلم سهام الأحزان أن تصيب ودمع الأجفان أن يصوب، فيا ثكل الإسلام، وشجواً للصلاة والصيام، يوم الثلاثاء وما يوم الثلاثاء يا ويح الداهية الدهياء وتأخير الإقدام عن موقف العزاء: أين الصبر وفؤادي أنسيه ... لم يبق لقومه على الرمي سيه هيهات يحور ما مضى من أنسيه ... (١٠) من بعد مصاب حل في بلنسيه يا طول هذه الحسرة، ألا جابر لهذه الكسرة، أكل أوقاتنا ساعة العسرة، أخي أين أيامنا الخوالي، وليالينا على التوالي، ولاية عيش نعم بها الوالي، ومسندات أمس (١١) يعدها الرواة من العوالي (١٢) : بعداً لك يا يوم الثلاثا من صفر ... ما ذنبك عندي بشيء يغتفر قد أشمت بالإسلام حزب من كفر ... (١٣) من أين لنا المفر كلا لا مفر كل رزء في هذا الرزء يندرج، وقد اشتدت الأزمة فقل لي متى

стр. 115

تنفرج، كيف انتفاعنا بالضحى والأصايل إذا لم يعد ذلك النسيم الأرج (١) ليس لنا إلا التسليم والرضا بما قضاه الخلاق العظيم. وقال في رسالة أخرى في المعنى: وأجريت خبر الحادثة التي محقت بدر التمام، وذهبت بنضارة الأيام، فيا من حضر يوم البطشة، وعزي في أنسه بعد تلك الوحشة، أحقاً أنه دكت الأرض، ونزف المعين والبرض، وصوح روض المنى، وصرح الخطب وما كنى، أبن لي كيف فقدت رجاحة الأحلام، وعقدت مناحة الإسلام، وجاء الخطب العسر، وأوقدت نار الحزن فلا تزال تستعر: حلم ما نرى بل ما رأى ذا حالم ... طوفان يقال عنده لا عاصم من منصفنا من الزمان الظالم ... (٢) الله بما يلقى الفؤاد عالم بالله أي نحو تنحو، ومسطور تثبت أو تمحو، وقد حذف الأصلي والزائد وذهبت الصلة والعائد، وباب التعجب طال، وحال البائس لا تخشى الانتقال (٣) ، وذهبت علامة الرفع وفقدت سلامة الجمع، والمعتل أعدى الصحيح، والمثلث أردى الفصيح، وامتنعت العجمة من الصرف، وأمنت زيادتها (٤) من الحذف. ومالت قواعد الملة، وصرنا إلى جمع القلة، فللشرك صيال وتخمط، ولقرنه في شركه تخبط، وقد عاد الدين إلى غربته، وشرق الإسلام بكربته، كأن لم تسمع بنصر بن نصير، وطرق طارق بكل خير، ونهشات حنش (٥) وكيف أعيت الرقى، وأبانت ليل السليم من نوم الملتقى (٦) ولم تخبر عن المروانية وصوائفها، وفتى معافر (٧) وتعفيره الأوثان وطوائفها، لله ذاك السلف لقد طال الأسى عليهم والأسف. وقال في رسالة أخرى: وما الذي نبغيه، أو أي أمل لا نطرحه ونلغيه، بعد الحادثة الكبرى والمصيبة التي كل كبد لها حرى، وكل عين من أجلها عبرى، لكن هو القضاء لا يرد، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ومما قاله في ذلك من المنظوم قوله: ما بال دمعك لا يني مدراره ... أم ما لقلبك لا يقر قراره أللوعة بين الضلوع لظاعن ... سارت ركائبه وشطت داره أم للشباب تقاذفت أوطانه ... بعد الدنو وأخفقت أوطاره أم للزمان أتى بخطب فادح ... من مثل حادثه خلت اعصاره بحر من الأحزان عب عبابه ... وارتج ما بين الحشا زخاره في كل قلب منه وجد عنده ... أسف طويل ليس تخبو ناره أما بلنسية فمثوى كافر ... حفت به في عقرها كفاره زرع من المكروه حل حصاده ... عند الغدو غداة لج حصاره وعزيمة للشرك جعجع بالهدى ... أنصارها إذ خانه أنصاره قل كيف تثبت بعد تمزيق العدا ... آثاره أم كيف يدرك ثاره ما كان ذاك المصر إلا جنة ... للحسن تجري تحته أنهاره

стр. 116

طابت بطيب نهاره آصاله ... وتعطرت بنسيمه أشجاره أما السرار فقد عداه وهل سوى ... قمر السماء يزول عنه سراره قد كان يشرق بالهداية ليله ... والآن أظلم بالضلال نهاره ودجا به ليل الخطوب فصبحه ... أعيى على إبصاره إسفاره ومما صدر عن الكاتب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الابار في ذلك قوله من رسالة: وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد، أسلمها الإسلام، وانتظمها الانتثار والاصطلام، حين وقعت أسعدها الطائرة، وطلعت أنحسها العاثرة فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن. كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ... فلم يدع من جنى فيها ولا غصن واهاً وآهاً يموت الصبر بينهما ... (١) موت المحامد ببن البخل والجبن أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد ورقها وأغانيها، أين حلى رصافتها وجسرها، ومنزل عطائها ونصرها، أين أفياؤها تندى غضارة، وذكاؤها تبدو من خضارة، أين جداولها المنساحة وخمائلها، أين جنائنها النفاحة وشمائلها، شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها، وخلعت شعشعانية الضحى بحيرتها وبحرها فأية حيلة لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان،، ثم لم يلبث داء عقرها أن دب إلى جزيرة شقرها، فأمر عذبها النمير، وذوى غصنها النضير، وخرست حمائم أدواحها، وركدت نواسم أرواحها، ومع ذلك اقتحمت دانية، فنزحت قطوفها وهي دانية،،ويا لشاطبة وبطحائها، من حيف الأيام وأنحائها، والهفاه على تدمير وتلاعها، وقرطبة وبواديها، وحمص وواديها، كلها رعي كلؤها ودهي بالتفريق والتمزيق ملؤها، فأغص الحصار أكثرها، وطمس الكفار عينها وأثرها وتلك إلبيرة بصدد البوار، وريه في مثل حلقة السوار، ولا مرية في المرية وخفضها على الجوار، إلى بنيات لواحق بالأمهات، ونواطق بهاك لأول ناطق بهات، ما هذا النفخ بالمعمور، أهو النفخ في الصور، أم النفر عارياً من الحج المبرور فيا للأندلس أصيبت بأشرافها، ونقصت من أطرافها، قوض عن صوامعها الأذان، وصمت بالنواقيس فيها الأذان، أجنت ما لم تجن الأصقاع، أعقت الحق فحاق بها الإيقاع، كلا بل دانت للسنة، وكانت من البدع في أحصن جنة، هذه المروانية مع اشتداد أركانها وامتداد سلطانها، ألقت حب آل النبوة في حبات القلوب، وولت ولم تظفر من خلعة ولا نقلة بمطلوب (٢) ، إلى المرابطة بأقاصي الثغور، والمحافظة على معالي الأمور، والركون إلى الهضبة المنيعة، والروضة المريعة، من معاداة الشيعة وموالاة الشريعة، فليت شعري بما استوسق تمحيصها، ولم يعلق بعموم البلاء تخصيصها. اللهم غفراً طال ما ضر ضجر، ومن الأنباء ما فيه مزدجر، جرى بما خط في اللوح المقدور، فما عسى أن ينفث المصدور، وربنا الحكيم العليم، فحسبنا التفويض والتسليم. ويا عجباً لبني الأصفر، أنسيت يوم الصفر (٣) ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضنفر، دع ذا فالعهد به بعيد، ومن اتعظ بغيره فهو سعيد، هلا تذكرت العامرية وغزواتها، وهابت العمرية وهبواتها. ومما قاله في ذلك من المنظوم قصيدته السينية التي أولها: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... يقول فيها: يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للحادثات وأمسى جدها تعسا يا للمساجد عادت للعدى بيعاً ... وللنداء يرى أثناءها جرسا

стр. 117

لهفاً عليها إلى استرجاع فائتها ... مدارساً للمثاني أصبحت درسا كانت حدائق للأحداق مونقة ... فصوح النضر من أزهارها وعسا وحال ما حولها من منظر عجب ... يستجلس الركب أو يستركب الجلسا محا محاسنها طاغ أتيح لها ... ما نام عن هضمها حيناً ولا نعسا ورج أرجاءها لما أحاط بها ... فغادر الشم من أعلامها خنسا مدائن حلها الإشراك مبتسماً ... جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا وصيرتها العوادي العائثات بها ... يستوحش الطرف منهم ضعف ما أنسا وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا وهي طويلة. وفي بلنسية بقول أبو عبد الله ابن عياش (١) : بلنسية بيني عن القلب سلوة ... فإنك روض لا أحن لزهرك وكيف يحب المرء داراً تقسمت ... على صارمي جوع وفتنة مشرك وامتعض من هذا القول أبو الحسن ابن حريق فأجاب (٢) : بلنسية نهاية كل حسن ... حديث صح في شرق غرب فإن قالوا محل غلاء سعر ... ومسقط ديمتي طعن وضرب فقل هي جنة حفت رباها ... بمكروهين من خوف وحرب بلخشان (٣) موضع على مقربة من غزنة إحدى مدن خوارزم بينهما مسيرة ستة أيام فيها معدن البلخش جبل يحتفره أهل العلم بذلك وعليه الأمناء والحفظة والضبط والحراسة، فيخرجون منه، بعد الحفر الكثير والبحث الطويل، صخرة تنقض عن حجارة البلخش من دقاق وجلال أطباقاً كحب الرمان، بينها في تلك الصخرة فصول كشحم الرمان، بقدرة العزيز الحكيم، فتخرج حجارة البلخش صداء غير براقة فإذا جليت عادت كجمر المصطلي لمعاناً وتوقداً، يستأثر السلطان منها بما عظم وجل ويباع من الناس ما دق وقل. بلغار (٤) بلاد بلغار متاخمة لبلاد برداس بينهما مسيرة ثلاثة أيام، ومنازلهم على شاطئ نهر أثل، وهم بين برداس والصقلب، وهم قليلو العدد نحو خمسمائة أهل بيت، وهم ينتحلون الإسلام وعندهم المساجد والمؤذنون، ومنهم من يسجد لمن يعظمه كما يفعل أهل الأوثان، والخزر تتاجرهم وتبايعهم. بلرم (٥) هي قاعدة بلاد جزيرة صقلية ومدينتها العظمى وهي المدينة المسماة بالمدينة حسبما عناه ابن رشيق في قوله في ذكر هذه البلدة: أخت المدينة في اسم لا يشاركها ... فيه سواها من البلدان والتمس

стр. 118

وعظم الله معنى ذكرها قسماً (١) قلد إذا شئت أهل العلم أو فقس وبلرم هذه دار الملك بصقلية في مدة الإسلام ومدة الروم، ومنها كانت تخرج الأساطيل للغزو، وهي على ساحل البحر والجبال محدقة بها ولها ساحل حسن، وفيها من المباني الحسنة ما هو مشهور، وفيها المساجد والفنادق والحمامات وحوانيت التجارة، وبها الجامع الأعظم الذي كان في الزمن القديم وفيه من البنايات وغرائب الصنعة وأجناس التزويق والكتابات (٢) كل شيء حسن، ولها ربض هو مدينة أخرى تحدق بالمدينة من جميع جهاتها، وبها المدينة القديمة المسماة بالخالصة التي كان بها سكنى السلطان والخاصة في أيام المسلمين وباب البحر ودار الصناعة. والمياه بجميع جهات مدينة صقلية مخترقة جارية متدفقة وفواكهها كثيرة ومبانيها ومتنزهاتها حسنة رائقة. وكان إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية نزل على بلرم هذه حين توجه إلى صقلية غازياً ففتح بلرم هذه ودخلها سنة سبع وثمانين ومائتين وقتل من أهلها بشراً عظيماً ثم عفا عنهم، وكان المتولي لحربها ابنه أبو العباس الذي كان ولي عهده وتخلى له عن التدبير عندما أظهر التوبة وأنه يريد الحج ثم أظهر أنه يخاف ابن طولون صاحب مصر ولا يمكنه الجواز عليه بمصر، فصرف وجهه وجده إلى الجهاد وأزال المظالم ونادى مناديه بردها وحضور المتظلم إلى مجلسه، ومات وهو محاصر كشنته (٣) من صقلية وكان منع من النوم وبه زلق الأمعاء فوصف له دواء عمله وعرض له الفواق، فقيل: الانطلاق والفواق علتان مفنيتان، ولم يشرب ذلك الدواء، واشتغل إبراهيم بنفسه وزادت به العلة فمات في ذي القعدة من سنة تسع وثمانين ومائتين، وأدى أهل كشنته الجزية وهم لا يعلمون بموته، وحمل إلى المدينة بلرم بعد أن صبر فدفن بها، وقبره في بلرم مشهور. بلكين (٤) : جبل بلكين في جزيرة صقلية وفيه المغارة العظيمة التي فيها الدفين المكنوز الذي وضعه هناك صاحب قطانية، وقد أعجزت الناس الحيلة في الوصول إليه. قال محمد بن سعيد الأنصاري الأرجواني إنه أتى هذا الغار في نفر أرادوا الوقوف عليه ومعاينة ما فيه، قال: وكان ديراً للرهبان يسكنونه وله باب واسع يكون طوله مائتي ذراع في مثله، وله مما يلي القبلة باب آخر صغير، قال: فنزلت أنا وصاحب لي فيه فإذا بين أعلاه وقعره نحو ستين قامة وأنزلنا مع أنفسنا سرج الشمع وبقي سائر أولئك النفر في أعلى الغار ينتظرون تحريكنا للحبال التي أرسلونا بها فيجذبونها، قال: ثم سرنا في الغار منحدرين في طريق يسلك تجاه الجنوب حتى أفضينا إلى بئر عمقها نحو ست قيام فنزلنا إليها فإذا بطريق يشرع فيها فسرنا مدة منحنين نحو نصف ميل أيضاً ثم لم تزل تقصر علينا حتى سلكناه حبواً حتى وصلنا إلى مجلس كبير مملوء بحجارة قدر كل حجر نصف القنطار، فنظرنا في إخراج تلك الحجارة فعلمنا إن أخرجنا منها حجراً واحداً فما زاد سد المسلك الذي دخلنا منه، قال: ورأيت للمجلس المذكور من خلل الحجارة باباً آخر من جهة القبلة مرتفعاً عن أسفله بنحو القامتين ومنه أدخلت إليه تلك الحجارة والله أعلم. قال: وقد صنع أمام ذلك المجلس طاق محفور في ناحية المغارة وله فتح قصير يكون شبرين في مثلهما لا يدخل فيه الداخل إلا بتعب شديد ومشقة مجهدة، يذكرون أنه ينزل منه إلى مكان صعب ينزل فيه بحيلة ولطف يوصل منه إلى سماط عظيم يكون طوله نحو مائة ذراع في عرض سبعين ذراعاً وعلوه كثير وفيه عجائب عظيمة من حياض مملوءة بضروب من مياه الحكمة وصور قد وضعت لفنون من المنفعة، قال: فأردنا الدخول إليه والوقوف على عجائبه فخشينا أن ينفد الشمع الذي كان معنا فنهلك، قال: فانصرفنا من حيث دخلنا وكان دخولنا إثر صلاة الصبح، فما وصلنا إلى موضع الحبال التي توازي باب المغارة إلا بعد هزيع من الليل فتعلقنا بالحبال وخرجنا، وقد كان أصحابنا أيسوا منا. ويقال إن صاحب قطانية أدخل هذا الدفين هناك من أسفل غربي الجبل من مغارة أخرى كانت تنفذ إلى هذه ثم سد بابها بطين الحكمة فالله أعلم، ويذكر أن محمد بن سعيد هذا وجد هناك مالاً عريضاً وأصاب فيه خيراً كثيراً.

стр. 119

بلاطة (١) : فحص بلاطة بالأندلس بين أشبونة وشنترين، يقول أهل أشبونة وأكثر أهل المغرب إن الحنطة تزرع بهذا الفحص فيقيم في الأرض أربعين يوماً فتحصد وان الكيل الواحد منها يعطي مائة كيل وربما زاد ونقص. بلزمة (٢) : هي حصن اولي في الشرق من قبر مادغوس وهي في القرب منه وبمقربة من بلد قسطنطينة وبينهما يومان، وهو حصن لطيف وفي أهله عزة ومنعة وله ربض وسوق وآبار طيبة الماء وهو في بساط من الأرض كثير المزارع والقرى، وفي قراه حصون كثيرة وتسير منه إلى مدينة نقاوس، وبناؤه بالحجارة الكبار القديمة، ويذكر أهل تلك الناحية أنه من أيام عيسى ﵇، والمدينة في ذاتها مردومة بالتراب والأحجار، ويرى الراءون سورها من خارجها عالياً فإذا دخلوا المدينة لم يروا لها سوراً لأن أرض الحصن مساو لشرفاته ردماً وهذا من غريب البناء. بليونش (٣) : قرية كبيرة عند سبتة آهلة كبيرة وكان يوسف بن عبد المؤمن (٤) ملك المغرب أمر بجلب الماء من هذه القرية إلى سبتة في سنة ثمانين وخمسمائة على مسافة ستة أميال في قناة تحت الأرض وشرع في عمل ذلك ثم عاقت عنه عوائق فترك. وقرية بليونش على جبل عظيم فيه القردة، وتحته عبر موسى بن نصير إلى ساحل طريف فسمي به، ولبعضهم: بليونش جنة ولكن ... طلوعها يقطع النياطا وقد ذكرها أبو العباس الينشتي الذي كان صاحب سبتة في قوله، وهو ببغداد، يتشوق إلى سبتة (٥) فقال: تذكرت من بغداد أقصى المغارب ... فجال نجي الفكر بين الترائب فصبرتها نفساً تكاد من الأسى ... تسرب ما بين الدموع السوارب وقلت لئن كابدت ترحة راحل ... فسوف يريك الله فرحة آيب فلا تيأسي من بعد قصة يوسف ... ولو كنت قد جاوزت سد مآرب ويا جفن كم تجفو المنام حفيظة ... وكم أنت معقود برعي الكواكب لعل الذي ترعاه ليس بحافظ ... لعهدك والأيام ذات عجائب فكم منزل بدلته بعد منزل ... وكم صاحب عوضت عنه بصاحب ولكن سأرعى من يخون مودتي ... ورعي الهوى في البعد أوجب واجب وأذكر أوطاناً نعمت بظلها ... معاهد أحباب ومعني حبايب أبليونش لا جانبت روضك الصبا ... (٦) وجاد على مغناك صوب السحائب فما شعب بوان ولا الغوطة التي ... زهت برياض بينها ومذانب بأحسن من مرآك والبحر معرض ... وقد جال فيه الطرف من كل جانب لقد طفت في شرقي البلاد وغربها ... فجانب طرفي غير تلك الجوانب وما عهد أويات لدي مذمم ... ولا ذكر ميمات علي بذاهب فكم لي بها من لذة مع معشر ... يحيون بالريحان يوم السباسب كرام نمتهم للمعالي أكارم ... حسان الوجوه والحلى والضرائب

стр. 120

سلام عليهم ما حييت فإنني ... أزيد لهم حباً بطول التجارب بلطش (١) : بالأندلس إقليم من أقاليم سرقسطة، ونهر هذا الإقليم يسقي مسافة عشرين ميلاً، وبقرب بلطش موضع يتفجر بالماء العذب أول ليلة من شهر أغشت ومن الغداة إلى حد الزوال ثم يبدو فيه القلوص والنقصان، فإذا غربت الشمس جف إلى تلك الليلة من العام المستقبل، هذا دأبه أبداً. بم (٢) : مدينة من أرض كرمان كبيرة ذات أسواق وعمارات وأموال كثيرة ولها نخل وكروم وقرى كثيرة وهي أصح هواء من جيرفت ولها قلعة منيعة حصينة مشهورة مذكورة في جميع بلاد كرمان، وأهلها تجار مياسير وبها صناعات قائمة وطرز منصوبة ويعمل بها ثياب القطن الحسنة والمتاع الكثير يتجهز به إلى سائر الأقطار وتصنع عندهم الطيالسة الفاخرة التي يساوي الطيلسان منها ثلاثين ديناراً، ويتجهز به إلى العراقات والشامات وديار مصر وتصنع أيضاً بها العمائم الرفيعة، تبقى مع الدهر والملوك يتنافسون في ثيابها وجيد متاعها ويدخرونه في خزائنهم، ومن بم إلى جيرفت مرحلتان. وفي بم يقول الطرماح (٣) : ألا أيها الليل الذي طال أصبح ... ببم وما الإصباح فيك بأروح لئن مر في كرمان ليلي فربما ... حلا بين تلي بابل والمضيح المضيح جبل بناحية الكوفة، ويقال مر الشيء وأمر من المرارة. بنشكلة (٤) : حصن بالأندلس وبالقرب من طركونه. منيع على ضفة البحر وهو عامر آهل وله قرى وعمارات ومياه كثيرة وبه عين ثرة تريق في البحر، ويقابل مرسى بنشكلة من بر العدوة جزائر بني مزغناي (٥) بينه وبينها ستة مجار. بنجهير (٦) : في بلاد الختل وهي على جبل مشتمل على نحو عشرة آلاف رجل ويغلب على أهلها العبث والفساد، ولهم نهر وبساتين وليس لهم مزارع، وهي متصلة ببلاد التبت. بنزرت (٧) : بإفريقية وهي أم بلاد عمل صطفورة، وهي مدينة صغيرة عامرة حصينة بها مرافق وأسواق وعليها سور قديم حصين، وبحيرتها المعروفة بها طولها ستة عشر ميلاً وعرضها ثمانية أميال، وهي متصلة بالبحر وكلما أخذت في البر اتسعت، وهذه البحيرة من أعاجيب الدنيا فيها اثنا عشر نوعاً من السمك يؤخذ منه في كل شهر نوع لا يمتزج بغيره من أصناف السمك فإذا تم الشهر جاء صنف آخر من السمك وفقد الأول، وهكذا في كل شهر طول شهور العام. بنبلونة (٨) : مدينة بالأندلس بينها وبين سرقسطة مائة وخمسة وعشرون ميلاً بها كانت مملكة غرسية بن شانجة (٩) سنة ثلاثين وثلثمائة، وهي بين جبال شامخة وشعاب غامضة قليلة الخيرات أهلها فقراء جاعة لصوص، وأكثرهم متكلمون بالبشقية (١٠) ، لا يفهمون، وخيلهم أصلب الدواب حافراً لخشونة بلادهم، ويسكنون على البحر المحيط في الجوف. بنبايش (١١) : مدينة في بلاد الإفرنجة عظيمة كثيرة الأهل، سورها مبنى بالآجر والكلس، وبها نحو من خمسمائة حداد يعملون الدروع والسيوف والبيضات والرماح، وهو بلد واسع الخطة كثير الخير، وتنتهي أحوازها في الجوف إلى البحر المحيط مسيرة ثلاثة أيام، وأهل بنبايش يزعمون أنهم من الإفرنج ويشبهونهم في صفتهم وملابسهم وهيئتهم وأخلاقهم.

стр. 121

البصرة: بالعراق، وهي كانت قبة الإسلام، ومقر أهله، بنيت في خلافة عمر ﵁ سنة أربع عشرة واختط عتبة بن غزوان المنازل بها وبنى مسجداً من قصب، ويقال بل كان ذلك سنة سبع عشرة. وعتبة أول من اختطها ونزلها في ثمانمائة رجل وهو الذي فتح الأبلة. وبالبصرة خطب عتبة بن غزوان خطبته المشهورة وهي ثابتة في صحيح مسلم (١) ، أولها: أما بعد فإن الدنيا آذنت بصرم وولت حذاء، إلى آخرها ... قالوا: وبشرقيها مياه الأنهار منفرشة، وهي نيف على ثمانية آلاف نهر، وهي في مستو من الأرض لا جبال فيها. وقيل كان فيها سبعة آلاف مسجد ثم خلا أكثرها وما بقي فيها إلا ما دار بالمسجد الجامع الذي فيها. وبالبصرة نهر يعرف بنهر الأبلة طوله اثنا عشر ميلاً وهو مسافة ما بين البصرة والأبلة، وعلى جانبي هذا النهر قصور وبساتين متصلة كأنها بستان واحد ويحويها حيط واحد، وينصب إلى هذا النهر عدة أنهار مما يقاربه أو يماثله في الكبر، وجميع نخيلها في اعتدال قدوده ونضارة فروعه كأنها أفرغت في قالب واحد وغرس سائره في يوم واحد، وجميع أنهار البصرة المحيطة بشرقيها يصب بعضها في بعض، وينشعب بعضها من بعض وأكثرها يدخله المد والجزر من البحر، فإذا دخل المد تراجعت مياه الأنهار فصبت في البساتين والمزارع وسقتها، وإذا كان الجزر عادت الأنهار جارية على حسب عادتها. وحكى الخليل فيه ثلاث لغات: ضم الباء وفتحها وكسرها. ولها نهران أحدهما يعرف بنهر ابن عمر - وجه عمر بن الخطاب ابنه عبد الله ﵄ لحفره فنسب إليه والآخر يعرف بنهر حسان وهو حسان النبطي صاحب خراج العراق، وبين البصرة والكوفة ثمانون فرسخاً. وسبب بنائها أن عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو على حرب العراق يستنبئ ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم، فكتب إليه أن العرب غير ألوانها وخومة المدائن ودجلة، فكتب إليه أن العرب لا يوافقها إلا ما يوافق إبلها من البلاد فابعث سلمان وحذيفة ﵄، وكانا رائدي الجيش، ليرتادا منزلاً ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر، فبعث سعد حذيفة وسلمان ﵃ حتى أتيا الأنبار، فسار سلمان ﵁ في غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة، وسار حذيفة ﵁ في شرقيه حتى أتى الكوفة فأكبا عليها وفيها ديارات ثلاثة منها، دير حرقة بنت النعمان، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصليا وقال كل واحد منهما: اللهم رب السموات وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت، ورب الرياح وما أذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما حوت، بارك لنا في هذا الكوفة واجعله منزل ثبات ثم رجعا إلى سعد ﵁ بالخبر. وفي رواية أن عمر ﵁ كتب إلى سعد ﵁ أن العرب لا يصلحها من البلدان إلا ما يصلح الشاة والبعير وسأل من قبله عن هذه الصفة فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب وعلمائها باللسان لسان البر الذي أدلعه في الريف، وهو نهر الكوفة فكتب عمر إلى سعد ﵄ يأمره بنزوله، وبين هذا اللسان وبين القادسية ثمانية فراسخ، فارتحل سعد ﵁ من المدائن بالناس حتى عسكر في الكوفة سنة سبع عشرة. واستقر أيضاً بأهل البصرة منزلهم اليوم فاستقرا في قرارهما في شهر واحد،، قيل بصرت البصرة سنة أربع عشرة وكوفت الكوفة سنة سبع عشرة، فبصر البصرة لعمر ﵁ عتبة بن غزوان ثم استعمل عليها المغيرة بن شعبة، ثم عزله عمر ﵁ واستعمل أبا موسى ﵁، ثم إن القوم استأذنوا عمر ﵁ في بنيان القصب فقال: العسكر أجد لحربكم وما أحب أن أخالفكم فشأنكم، فابتنى أهل المصرين بالقصب. ثم إن الحريق وقع بالكوفة والبصرة وكان أشدهما حريقاً الكوفة، احترق فيها ثمانون عروساً ولم تبق فيها قصبة فبعث سعد إلى عمر ﵄ منهم نفراً يستأذنونه في البناء باللبن ويخبرونه عن الحريق فأذن لهم وقال: لا يزيد أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولون في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة، وعهد عمر ﵁ إلى الناس وتقدم إلى الناس لا يرفعوا بنياناً فوق القدر، قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد. ولما بلغ عمر ﵁ أن سعداً وأصحابه ﵃ قد بنوا بالمدر قال: قد كنت أكره لكم ذلك فأما إذا فعلتم فعرضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا الخشب، وعلى الجملة

стр. 122

فالبصرة والكوفة مصرا الإسلام وقرارة الدين ومحال الصحابة والتابعين والعلماء الصالحين وجيوش المسلمين والمجاهدين، ثم نشأت بين أهل المصرين مفاخرة ومفاضلة، فقال من فضل البصرة: كان يقال الدنيا والبصرة. ووقف شيخ دهقان فقال، وهو يتأمل البصرة - أنهارها وكلاءها وأسواقها ومسجدها الأعظم ومجالسها -: قاتلك الله، فوالله ما استجمعت هكذا حتى أخربت بلاداً وبلاداً. وقال بعضهم: مررت ببعض طرق الكوفة فإذا برجل يخاصم جاراً له، فقلت: ما لكما تختصمان؟ فقال أحدهما: لا والله إلا أن صديقاً زارني فاشتهى علي رؤوساً فاشتريت له رأساً فتغدينا به فأخذت عظام الرأس فوضعتها على باب داري أتجمل بها في جيراني فأخذها هذا من بابي فوضعها على بابه وقال: أنا اشتريته. وأنشدوا لبعض أصحاب الضياع: زرعنا فلما سلم الله زرعنا ... ووافى عليه منجل لحصاد بلينا بكوفي حليف مجاعة ... أضر علينا من دبا وجراد وقال الأحنف لأهل الكوفة: نحن أعذى منكم برية وأكثر منكم بحرية وأبعد منكم قرية وأكثر منكم سرية. وزعم أهل الكوفة أن البصرة أسرع الأرض خراباً وأخبثها تراباً وأبعدها من السماء وأسرعها غرقاً. قال البصريون: كيف تكون أسرع غرقاً ومغيض مائها في البحر ثم يخرج ذلك إلى البحر الأعظم ثم إذا جاوز الأبلة بعدة فراسخ يصب في دجلة سامرا ودجلة عبادان ولم يدخل البصرة ماء قط. وعن إياس بن معاوية: مثلت الدنيا على صورة طائر فالبصرة ومصر الجناحان والشام الرأس والجزيرة الجؤجؤ واليمن الذنب، وليس في الحديث ذكر الكوفة. وسئل بعض الناس عن فقهاء الكوفة فقال: أبحث الناس لصغير وأتركه لكبير، يتكلف أحدهم القول في الدور والدين والعين وهو لم يحكم طلاق السنة. وعاب بعض الكوفيين فقهاء البصريين فقال: كان الحسن أزرق وقتادة أعمى وابن أبي عروبة أعرج وهشام أعمى وواصل أحدب وعبد الوارث أبرص ويحيى بن سعيد أحول، فقال بعض البصريين: كان علقمة أعرج وإبراهيم أعور وسليمن أعمش ورشيد أعرج وأبو معاوية أعمى ومسروق مفلوجاً وشريح سناطاً. وقال أبو عبيدة: سعوا بالوليد ثم جاءوا يعتذرون إليه وقالوا: ما رأينا بعدك خيراً منك، قال: لا والله ما رأيت أنا بعدكم شراً منكم، فلما أسهبوا في الثناء وأطنبوا في التقريظ قال: حبكم كلف وبغضكم تلف وطبعتم على الزيادة في الأشعار والتوليد في الآثار وطبعنا على حذف الفضول والتمسك بالأصول، وقال النجاشي: إذا سقى الله قوماً صوب غادية ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا السارقون إذا ما جن ليلهم ... والدارسون إذا ما أصبحوا السورا وأرسل الريح تذري في وجوههم ... حتى إذا لم يروا عيناً ولا أثرا ألقى العداوة والبغضاء بينهم ... حتى يكونوا بمن عاداهم جزرا وقال اليعقوبي: أهل الكوفة على قلة أمولهم أهل تجمل وستر وكفاف وعفاف ليس في البلدان أشد عفافاً منهم ولا أشد تجملاً وهي طيبة الهواء عذبة الماء، ماؤها ماء الفرات الأعظم، وهي دار العرب ومادة الإسلام ومعدن العلم، بها أئمة القراء الفصحاء الذين ترجع عامة الناس إلى قراءتهم وفقهاؤها الفقهاء الذين عليهم المعتمد، وهم أهل العلم بالشعر وفصيح اللغة لأن أهلها عرب كلهم لم تخالطهم الأنباط ولا الفرس ولا الخزر ولا السند ولا الهند، ولا تناكحوا في هذه الأجناس فيفسدوا لغاتهم، وإن أصل الرواية ومعرفة اللغة كان فيهم، ومن رواتهم صار إلى أهل البصرة وغيرها لأن أهل الحيرة كانوا أول من دون الشعر وكتبه في أيام آل المنذر اللخميين ملوكها وكانت شعراء الجاهلية تفد عليهم مثل الأعشى والنابغة وعبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة والمتلمس وطرفة وغيرهم، فكان آل المنذر يأمرون كتابهم من أهل الحيرة أن يكتبوا أشعارهم فأخذه الناس عنهم. قال الجاحظ: والكتب الموضوعة في محاجة أهل الشام لأهل العراق وأهل الكوفة لأهل البصرة وأهل الجزيرة لأهل الشام وبغداد والبصرة، وهذا الشكل أهون من محاجة أهل المدينة لأهل مكة والحسنية للحسينية والمهاجرين للأنصار على ما في هذا من الخطأ

стр. 123

فإن الله تعالى لم يفرق في القرآن بين المهاجرين والأنصار كما لم يفرق بين الصلاة والصيام وبين الجنة والنار، كذلك القول في الحسنية والحسينية لأنهما سبط واحد وكنفس واحدة، قال: وأصحاب الفضول كثير فقد رأيت من يزعم أن منكراً أفضل من نكير ويأجوج أشرف من ماجوج وهاروت خير من ماروت، وللأمور حدود الوقوف عندها أصوب. وسنستوفي خبر الكوفة عند الوصول إلى رسمها إن شاء الله تعالى فلنرجع الآن إلى ذكر البصرة. واختطت البصرة في موضعها اليوم على اختلاف الناس في وقت ذلك كما تقدم فبنوا بالقصب ومكثوا كذلك يسيراً حتى أذن لهم عمر ﵁ في البناء باللبن لما وقعت النار بالكوفة واحترق فيها ثمانون عروساً كما ذكرنا، فبنى الناس تزجية وبلغة لما تقدم إليهم عمر ﵁ ألا يرفعوا فوق القدر، وكان عمر ﵁ كتب إلى سعد ﵁ أن ابعث عتبة بن غزوان إلى فرج الهند يرتاد موضعاً يمصره وابعث معه ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فخرج عتبة من المدائن سنة ست عشرة من الهجرة في سبعمائة حتى نزل على شاطئ دجلة بحيال جزيرة العرب فبنى ولم يبدأ بأول من المسجد فاختطوه ثم رموا من حواليه كله باسهم، واختطوا ما وراء منتهاها على حسب ما فعلوه بمسجد الكوفة، وأول ما بني بالبصرة سبع دساكر منها الخريبة اثنتان والزابوقة واحدة، وفي بني سليم اثنتان وفي الازد اثنتان وبني مسجدها بالقصب ثم بناه ابن عامر باللبن لعثمان بن عفان ﵁ ثم بناه زياد بالآجر لمعاوية ﵁، وبنى جنبتيه وأتمه عبيد الله بن زياد، ويذكر أن المسجد الحرام أكبر من مسجد البصرة ببضع عشرة ذراعاً. وكسرت البصرة أيام خالد القسري فوجد طولها فرسخين في مثلهما والكوفة ثلثا البصرة. وأول مولود ولد فيها عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵄ فنحر يومئذ جزوراً وأطعم أهلها وكانوا ثلثمائة أو ثلاثين ومائة. ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد من أهل البلدان أن يدعيها ولا يشركهم فيها وهي النخل والشاء والحمام الهدي، أما النخل فهم أعلم قوم بها وأحذقهم بغراستها وتربيتها وإصلاحها وإصلاح عللها وأدوائها وأعرفهم بأحوالها من حين تغرس إلى حين تكمل وتستوي وأبصرهم بالتمر وخرصه وتمييزه وحزره وخزنه، وهي تجارتهم العظمى وعدتهم الكبرى، وفي البصرة من أصناف النخيل ما ليس في بلد من بلاد الدنيا. وأما الشاء فانهم اصطفوا منها العبدية المنسوبة إلى عبد القيس، وذكروا أن رجلاً من وفد عبد القيس يقال له عبادة بن عمرو الشني قال للنبي ﷺ عند وفادتهم عليه ودعائه لهم: يا رسول الله إني رجل أحب الشاء، فدفع له رسول الله ﷺ فحلاً جليلاً من المعز وقبض بيده على أصل أذن ذلك الفحل حتى استدارت أصابعه الكريمة فصار في أذنه كالسمة، فقدم به عبادة بلاده فأطرقه شياهه فجاءت بالشاء العبدية فحملها أهل البصرة من البحرين، وهم يذكرون أن ما من شاة موصوفة كريمة منها إلا وفي أذنها حلقة كالسمة فإذا وجدوها كذلك رغبوا فيها وغالوا فيها، تبلغ الشاة منها خمسين ديناراً، وإذا كان في التيس مثل ذلك تنوفس فيه وبلغ عدة دنانير، وأخبر يحيى بن الفضيل أنه رأى تيساً بالبصرة عظيماً قد حملت عليه مزادة ماء وهي الراوية التي تحملها البغال، فبلغ بها منزل صاحبه، واشتري بأربعمائة دينار، وللشاء عندهم أنساب معروفة ويشهدون على ذلك العدول في الصحف فيقولون: شاة بني فلان أمها فلانة شاة آل فلان، وأبوها تيس آل فلان، وجدتها الفلانية، ويوصف مقدار ما تحلب من اللبن. وأما الحمام فالأمر بالبصرة جل فيه وتجاوز الحد وبلغت الحمام عندهم في الهدي أن جاءت من أقاصي بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة وتنافسوا في اقتنائها ولهجوا بها حتى بلغ ثمن الطائر منها سبعمائة دينار، قال: وهذا ما حضرته ورأيته وشهدته. وقيل إنه بلغ بالبصرة ثمن لطائر منها جاء من خليج القسطنطينية ألف دينار، وكانت تباع البيضة من الطائر المشهور الذي قد أتاهم وأبوه من الغاية بعشرين ديناراً وعندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب، وكان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتخاذ الحمام والمنافسة فيها والاخبار عنها والوصف لأمرها والنعت لمشهورها حتى وجه أهل البصرة إلى بكار بن قتيبة البكراني قاضي مصر وهو منهم، وكان في فضله وعقله ودينه وورعه على ما لم يكن عليه قاض، بحمامات لهم مع قوم ثقات وكتبوا إليه يسألونه أن يتولى إرسالها بنفسه ففعل، وكان الحمام عندهم متجراً من التجارات لا يرون بذلك بأساً. قال الطبري (١) : وفي سنة مائتين وست وسبعين انفرج تل في نهر البصرة يعرف بتل بني شقيق عن سبعة قبور فيها سبعة أبدان صحيحة وحوض من حجر في لون المسن فيه كتابة لا يدرى ما هي وعلى تلك الأبدان أكفان جدد لينة تفوح منها رائحة المسك، أحدهم

стр. 124

شاب له جمة وجميع أعضائه صحاح وكأنه قد كحل بالكحل وبلت شفتاه بالماء من صحة بشرته وبه ضربة في خاصرته. قال محمد بن جرير: وحدثني بعض أصحابنا ممن شهد أمره أنه جذب شعرة من شعر بعضهم فوجده قوي الأصل نحو قوة شعر الحي. وفي شوال سنة ثمان وخمسين ومائتين غلب على البصرة الدعي وكان قد حصرهم في شعبان ورمضان وقتل من أهلها مائة ألف رجل وقتل بعد أن دخلها مائتي ألف وحرق عامتها وهدم المسجد الجامع وحرقه، وكان أصل هذا الدعي الثائر من البصرة وبها قرأ وتأدب وكان يعلم القرآن والأدب لبعض أبنائها إلى أن كان من أمره ما كان، وخرج في خلافة المعتمد وقيل في خلافة المهتدي فلم يخرج إليه المعتمد وبعث إليه الجيوش فهزمها العلوي الدعي واسمه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وعن من انتمى إليهم، وكان الذي طاوله في تلك الحروب طلحة بن جعفر المتوكل المعروف بالموفق ﵀، ثلاث سنين وثمانية أشهر، إلى أن قتله وسيق رأسه إلى بغداد وطيف به. قال بعضهم: رأيت ذلك اليوم فما رأيت مثله حسناً، سار الأمير والجيش أمامه وخلفه والرأس بين يديه محمول على الرمح، وصاعد الوزير معه. وكان قيام هذا الدعي في شوال سنة خمس وخمسين في خلافة المهتدي بالله، وقيل في صفر سنة سبعين كذا في تاريخ القضاعي، وفي تاريخ محمد بن سهل أنه قتل سنة إحدى وسبعين ومائتين وهو خارج من مدينته التي سماها المختارة وهي على دجلة على مسيرة يوم من البصرة بالقرب من عبادان، وسكنها بسودانه الذين جيشوا معه من عبيد أهل البصرة وغيرهم، كان خرج إليهم من البصرة إلى بواديهم وألفهم فأقام معهم بها يقاتل البصرة إلى أن هدمها وحرقها، وكانت مدته إلى أن قتل ست عشرة سنة، وكان موته بسهم أصابه في نحره بين الصفين وهو ينشد: لميتة يلقها الإنسان واحدة ... خير له من لقاء الموت تارات ولما ظفر الموفق بصاحب الزنج قال ابن الرومي يمدح صاعداً الوزير بقصيدة عددها أربع مائة بيت أولها: أبين ضلوعي جمرة تتوقد ... على ما مضى أم حسرة تتجدد قال الصولي: ولا نعلم أحداً مدح رجلاً بأنه لا يحضر الحرب وينفذ كيده فيها نفوذ الأقدار بأحسن مما قاله ابن الرومي: يظل عن الحرب العوان بمعزل ... وآثاره فيها وإن غاب تشهد كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... عن الناس طراً ليس عنه معرد ولقد أحسن وإن كان نقله من قول بشار: الدهر طلاع بأحداثه ... ورسله فيها المقادير محجوبة تنفذ أحكامها ... ليس لنا عن ذاك تأخير ثم مدح ابن الرومي فيها صاعداً مشيراً إلى هذه القصة فأحسن. قالوا: وأقام الرواة يروون حرفاً مصحفاً: تهلك البصرة بالريح بعد مائتي سنة حتى جاء صاحب الزنج فعلموا أن صوابه بالزنج بالزاي والنون والجيم. ولصاحب الزنج أشعار أكثرها في الفخر ووجوب القيام لإزالة الظلم وتغيير المنكر. وفيما بين طنجة وفاس من أرض المغرب مدينة يقال لها البصرة (١) أيضاً كبيرة هي أوسع تلك النواحي مرعى وأكثرها زرعاً ولكثرة ألبانها تعرف بقصر الذبان، وتعرف ببصرة الكتان، وكانوا يتبايعون في بدء أمرها جميع تجاراتهم بالكتان، وتعرف أيضاً بالحمراء لأنها حمراء التربة وسورها مبني بالحجارة وهي بين شرفين ولها عشرة أبواب وجامعها سبع بلاطات وبها حمامان (٢) ومقبرتها الكبرى في شرقيها في جبل، وماء المدينة زعاق وشرب أهلها من بئر عذبة على باب المدينة تعرف ببئر ابن ذلفاء، وخارجها في جناتها عيون كثيرة وآبار عذبة. ونساء البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق ليس بأرض المغرب أجمل منهن. قال أحمد بن الفتح المعروف بالخراز (٣) التاهرتي يمدح أبا العيش بن إبراهيم بن القاسم:

стр. 125

قبح الإله اللهو إلا قينة ... بصري ة في حمرة وبياض الخمر في لحظاتها والورد في ... وجناتها والكشح غير مفاض في شكل مرجي ونسك مهاجر ... وعفاف سني وسمت إباضي تاهرت أنت خلية وبرية ... عوضت منك ببصرة فاعتاضي لا عذر للحمراء في كلفي بها ... أو تستفيض بأبحر وحياض (١) ما عذرها والعيش عيشي إذ بها ... ملك الملوك ورائض الرواض ومدينة البصرة هذه محدثة أسست في الوقت الذي أسست فيه أصيلة أو قريباً منه، وبين البصرة وفاس مرحلتان أو ثلاث. بصنا (٢) : مدينة من كور خوزستان بينها وبين مدينة السوس مرحلة، وهي صغيرة خلقها كثير، وبها طرز للسلطان يعمل بها الستور المنسوبة إليها في جميع الأرض المكتوب على تطريزها " مما عمل ببصنا "، وقد يعمل بغيرها من المدن ستور تكتب عليها " بصنا ". بصرى: من أرض الشام من أعمال دمشق وهي مدينة حوران وفي شرقي هذه المدينة بحيرة تجتمع فيها مياه دمشق وتسير منها في صحراء ورمال مقدار خمسة عشر فرسخاً فتدخل دمشق. وفي الخبر أن آمنة لما حملت بالنبي ﷺ رأت كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، روي ذلك عنه ﷺ . بعلبك (٣) : مدينة بالشام بينها وبين دمشق في جهة الشرق مرحلتان، وهي حصينة في سفح جبل وعليها سور حصين بالحجارة سعته عشرون شبراً، والماء يشق في وسطها ويدخل كثيراً من ديارها وعلى هذا النهر أرحاء ومطاحن، وهي كثيرة الغلات نامية الإصابات والفواكه كثيرة الكروم والأشجار رخيصة الأسعار، وبها من عجيب الآثار الملعبان، والكبير بني في أيام سليمان بن داود ﵉، وطول الحجر من حجارته عشرة أذرع على عمد شاهقة يروع منظرها (٤) وبهذه المدينة من الهياكل شيء عجيب. وهذه المدينة هي المذكورة في قول امرئ القيس: لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريج في قرى حمص أنكرا وهي قديمة البناء جداً حتى إن عوام أهلها يزعمون أن سورها من بنيان الشياطين لا يغيره زمان ولا يؤثر فيه حدثان، ولكثرة بساتينهم يشترى عندهم من الفواكه بدانق ما يأكل جماعة أهل البيت ويفضلون منه. قيل النسبة إليها بعلبكي وإن شئت قلت بعلي أو بكي وفتحت بصلح في زمان عمر ﵁ سنة أربع عشرة، وإلى أهل بعلبك بعث الله تعالى الياس النبي ﵇، وكان لأهل بعلبك صنم يدعى بعلاً والبعل بلغة اليمن الرب، فسميت بعبادة أهلها بعلاً واسم الموضع بك. بعاث (٥) : بضم أوله وبالعين المهملة والثاء المثلثة موضع على ليلتين من المدينة النبوية فيه كانت الوقيعة واليوم المنسوب إليها بين الأوس والخزرج قبل الإسلام، قالت عائشة ﵂: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله تعالى لرسوله ﷺ فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم وجرحوا فقدمه الله تعالى لرسوله ﷺ في دخولهم الإسلام. بغداد (٦) : دار مملكة خلفاء بني العباس، وفيها أربع لغات: بغداد بدالين مهملتين، وبغداذ معجمة (٧) الأخيرة، وبغدان بالنون، ومغدان بالميم بدلاً من الباء، وتذكر وتؤنث. قالوا: وبغداذ بالفارسية عطية الصنم لأن بغ صنم وداذ عطية، ولذلك

стр. 126

كره الأصمعي هذه التسمية. وكانت قرية من قرى الفرس فأخذها أبو جعفر غصباً فبنى فيها مدينة وقال الجرجاني: باغ بالفارسية هو البستان الكثير الشجر، وداذ: معطي، فمعناه معطي البساتين. قال أبو عثمان النهدي (١) : كنا نسير مع جرير بن عبد الله البجلي حتى انتهى إلى موضع فقال: أي موضع هذا؟ قالوا: قطربل، فحرك دابته ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة والدجيل والصراة وقطربل يجبى إليها خراج كل أرض وتجمع إليها جبابرة الأرض، وفي رواية يخسف بها. كذا أحسب. وسميت بغداد لأنه أهدي إلى كسرى خصي من المشرق وكان له صنم يقال له بغ فقال الخصي: بغداذي أي أعطاني إلهي يعني الصنم، ولهذا كان المتورعون يكرهون أن يسموا بغداذ بهذا الاسم ويقولون بغداد بالدال المهملة. وكان أبو جعفر المنصور بعث رجالاً سنة خمس وأربعين ومائة يطلبون له موضعاً يبني فيه مدينة فطلبوا فلم يرضوا موضعاً حتى جاء موضعاً بالصراة وقال: هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصراة. وكان أبو جعفر هذا وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بنى مدينة بين الكوفة والجزيرة سماها الهاشمية فأقام بها مدة إلى أن عزم على توجيه ابنه محمد المهدي لغزو الصائفة في سنة أربعين ومائة فصار إلى بغداد فوقف بها وقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقيل: بغداد، فقال: هذه والله المدينة التي أعلمني أبي محمد بن علي أني أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية والإسلام حتى يتم تدبير الله تعالى وحكمه في وتصح الروايات وتبين الدلالات والعلامات تأتيها الميرة في الدجلة والفرات من واسط والأبلة والأهواز وفارس وعمان واليمامة وما يتصل بذلك، وكذلك ما يأتي من الموصل وديار ربيعة وأذربيجان وأرمينية والرقة والشام والثغور ومصر والمغرب وأصفهان وكور خراسان فالحمد لله الذي ذخرها لي وأغفل عنها كل من تقدمني والله لأبنينها ثم أسكنها أيام حياتي ويسكنها ولدي من بعدي ثم لتكونن أعمر مدينة في الدنيا ثم لأبنين بعدها أربع مدن لا تخرب واحدة منهن أبداً فبناها وبنى الرافقة ولم يستتمها وبنى ملطية والمصيصة والمنصورة، فوجه في حشر الصناع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والعفة والأمانة والمعرفة بالهندسة، وكان فيمن أحضر الحجاج بن ارطاة وأبو حنيفة فكان أول ما ابتدئ ببنيانها في سنة خمس وأربعين ومائة ثم قسم الأرض أربعة أقسام وقلد القيام بكل ربع رجلاً من قواده ورجلاً من مواليه ورجلاً من المهندسين ونظر عند بنائها من أخذ الطالع فكان المشتري في القوس فدلت النجوم على طول ثباتها وكثرة عمارتها وانصباب الدنيا إليها، قال المخبر: ثم قلنا يا أمير المؤمنين وخلة أخرى فيها تدل النجوم على أنه لا يموت فيها خليفة، فتبسم وقال: الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولذلك قال بعض مداح المنصور: إن خير القصور قصر السلام ... إذ به حل سائس الإسلام منزل لا يزال من حل فيه ... آمناً من حوادث الأيام ولهذا قالوا: نزل بغداد سبعة خلفاء: المنصور والمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد ومحمد الأمين وعبد الله المأمون والمعتصم فلم يمت بها واحد منهم إلا محمد الأمين فإنه قتل خارج باب الأنبار عند بستان طاهر، وانتقل المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين إلى سر من رأى، فهذا مصداق ما دلت عليه النجوم. وإنما سميت مدينة السلام لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام فقيل لبغداد مدينة السلام. وقيل لأنهم أرادوا مدينة الله واسمها الأول عند الناس الزوراء لانعطافها بانعطاف دجلة، وتسمى القوس زوراء لانعطافها، وكان بعضهم يسميها الصيادة لأنها تصيد قلوب الرجال، وقال رجل من أهل البصرة: مررت ببغداد في السحر فأعجبني كثرة الأذان فيها فهتف بي هاتف: ما الذي يعجبك منها، لقد فجر فيها البارحة سبعون ألفاً. ورأى أبو بكر الهذلي سفيان بن عيينة ببغداد فقال: بأي ذنوبك دخلتها؟ وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ فقال: الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها. وقال آخر: لو أن الدنيا خربت وخرج أهل بغداد لعمروها. وكان فراغ المنصور من بنائها ونقل الخزائن إليها والدواوين وبيوت الأموال سنة ست وأربعين ومائة وكان استتمامه لجميع أمر المدينة سنة تسع وأربعين.

стр. 127

وقال أحمد بن أبي يعقوب (١) : بغداد وسط العراق، والمدينة العظمى التي ليس لها نظير في مشارق الأرض ولا في مغاربها سعة وجلالة وكبراً وعمارة وكثرة مياه وصحة هواء، سكنها أهل الأمصار والكور وانتقل إليها من جميع البلدان القاصية والدانية وآثرها جميع أهل الآفاق على أوطانهم، يجري في حافتيها النهران الأعظمان دجلة والفرات، فتأتيها التجارات والميرة براً وبحراً بأيسر السعي حتى تكامل فيها كل متجر من المشرق والمغرب من أرض الإسلام ومن غير أرض الإسلام، فإنه يحمل إليها من الهند والسند والصين والتبت والترك والديلم والخزر والحبشة وسائر البلدان القاصية والدانية حتى يكون بها من التجارات أكثر مما في البلدان التي خرجت التجارات منها إليها، وهي مدينة بني هاشم ودار مملكتهم ومحل سلطانهم، لم يستبد بها أحد قبلهم ولم يسكنها سواهم، وهي وسط الدنيا لأنها من الإقليم الرابع، وهو الإقليم الأوسط الذي يعتدل فيه الهواء في جميع الأزمان والفصول، فيكون الحر شديداً في أيام القيظ، والبرد شديداً في أيام الشتاء ويعتدل الفصلان الربيع والخريف. قال: وباعتدال الهواء وطيب الثرى وعذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها ونضرت وجوههم وانفتقت أذهانهم حتى فضلوا الناس في العلم والفهم والنظر والتمييز والتجارات والحذق بكل مناظرة وإحكام كل مهنة وإتقان كل صناعة، فليس عالم أعلم من عالمهم ولا أروى من رواتهم ولا أجدل من متكلمهم ولا أعرب من نحويهم ولا أفصح من قارئهم ولا أمهر من طبيبهم ولا أحذق من مغنيهم ولا ألطف من صانعهم ولا أكتب من كاتبهم ولا أبين من منطيقهم ولا أعبد من عابدهم ولا أورع من زاهدهم ولا أفقه من حاكمهم ولا أخطب من خطيبهم ولا أشعر من شاعرهم ولا أفتك من ماجنهم. وكانت بغداد في أيام الأكاسرة قرية من قرى طسوج بادوريا، ومدينة الأكاسرة إذ ذاك المدائن، من مدن العراق وهي من بغداد على سبعة فراسخ وبها إيوان كسرى انوشروان، ولم تكن بغداد إلا ديراً على مصب الصراة، ولم يكن ببغداد لملك أثر قديم ولا حديث، أما ملك العرب فبدأ أولاً بالحجاز ثم استقر بدمشق من أيام معاوية ﵁ لا يعرف بنو أمية غيرها، فلما جاء أبو العباس السفاح عرف فضل العراق وتوسطها في الدنيا وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله العباس فنزل الكوفة أول مدة ثم انتقل إلى الأنبار فبنى بأعلى شاطئ الفرات الهاشمية وتوفي قبل أن تستتم المدينة ثم كان من بنيان أبي جعفر لبغداد ما كان، ووضع الأساس وضرب اللبن العظام وحفرت الآبار، وعملت القناة التي من نهر كرخايا وهو الآخذ من الفرات وأجريت إلى داخل المدينة للشرب ولضرب اللبن، وجعل للمدينة أربعة أبواب: باب الكوفة وباب البصرة وباب خراسان وباب الشام، بين كل باب منها إلى الآخر خمسة آلاف ذراع بالذراع السوداء، وعلى كل باب منها بابا حديد عظيمان جليلان لا يغلق الباب الواحد منهما ولا يفتحه إلا جماعة رجال، يدخله الفارس بالعلم والرمح الطويل من غير أن يثنيه ولا يميله، وجعل عرض أساس السور تسعين ذراعاً ثم ينخرط حتى يصير في أعلاه خمس وعشرون ذراعاً وارتفاعه ستون ذراعاً مع الشرفات، وحول السور فصيل عظيم بين حائط السور وحائط الفصيل مائة ذراع، وبالفصيل أبرجة عظام وعليه الشرفات المدورة، وحد لهم أن يجعلوا عرض الشوارع خمسين ذراعاً وان يبنوا في جميع الأرباض والدروب من الأسواق والمساجد والحمامات ما يكتفي به أهل كل ناحية ومحلة، وأمرهم أن يجعلوا قطائع القواد والجند ذرعاً معلوماً وللتجار ذرعاً معلوماً يبنونه وينزلونه، ولسوقة الناس وأهل البلدان، وآخر ما بنى القنطرة الجديدة وبها أسواق كثيرة فيها سائر التجارات مادة متصلة ثم ربض وضاح مولى أمير المؤمنين المعروف بقصر وضاح حاجب خزانة السلاح وهناك أسواق، وأكثر من كان فيه في هذا الوقت القريب (٢) الوراقون أصحاب الكتب فإن به أكثر من مائة حانوت للوراقين، والكرخ السوق العظمى مادة من قصر وضاح إلى سوق الثلاثاء طولاً مقدار فرسخين، وكل تجارة لها شوارع معلومة في تلك الشوارع حوانيت، وليس يختلط قوم بقوم ولا تجاور تجارة تجارة، وأحصيت الدروب والسكك فكانت ستة آلاف درب وسكة، وأحصيت المساجد فكانت ثلاثين ألف مسجد سوى ما زاد بعد ذلك، وأحصيت الحمامات عشرين ألف حمام سوى ما زاد بعد ذلك، وحفرت القناة التي تأخذ من الفرات في عقود وثيقة من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فتدخل المدينة وتنفذ في أكثر شوارعها، وشوارع الأرباض صيفاً وشتاء قد هندست هندسة لا ينقطع الماء منها في وقت، وقناة أخرى من دجلة على هذا المثال سماها دجيلاً، وجر لأهل الكرخ وما اتصل به نهراً يسمى نهر الدجاج لأن أصحاب الدجاج كانوا يقعدون عنده،

стр. 128

ونهر عيسى الأعظم الذي يأخذ من معظم الفرات تدخل فيه السفن العظام التي تأتي من الرقة يحمل فيها الدقيق والتجارات من الشام ومصر، وتصير إلى فرضة عليها الأسواق وحوانيت التجار لا تنقطع صيفاً ولا شتاء، ولهم الآبار التي يدخلها الماء من هذه القنوات، وإنما احتيج إلى هذه القنوات لكبر البلد وسعته، ولها فهم بين دجلة والفرات من جميع النواحي تتدفق عليهم المياه حتى غرسوا النخل الذي حمل من البصرة وغيرها فصار ببغداد أكثر منه بالبصرة والكوفة والسواد، وغرسوا الأشجار فأثمرت ثمرات عجيبة وكثرت البساتين والجنات في أرض بغداد من كل ناحية لطيب المياه وطيب الأرض، وعمل فيها كل ما يعمل في بلد من البلدان، لأن حذاق أهل الصناعات انتقلوا إليها من كل بلد وأتوها من كل أفق ونزعوا إليها من الأداني والأقاصي، فهذا الجانب الغربي من بغداد وهو جانب الكرخ وجانب الأرباض، وفي كل طرف منه مقبرة وقرى متصلة وعمارات مادة، والجانب الشرقي من بغداد نزله المهدي بن المنصور وهو ولي عهد أبيه وابتدأ بناءه سنة ثلاث وأربعين ومائة، واختط المهدي قصوره بالرصافة إلى جانب المسجد الجامع الذي بالرصافة وحفر نهراً يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي يجري في هذا الجانب، واقطع المهدي اخوته وقواده بعد من اقطع في الجانب الغربي وهو جانب مدينته، وقسمت القطائع في هذا الجانب، وتنافس الناس في النزول مع المهدي لمحبتهم له ولتوسعته عليهم ولأنه كان أوسع الجانبين أرضاً. وفي الجانب الشرقي الذي نزله المهدي أربعة آلاف درب وسكة وخمسة عشر ألف مسجد سوى ما زاد الناس وخمسة آلاف حمام سوى ما زاد الناس بعد ذلك. قود وثيقة من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فتدخل المدينة وتنفذ في أكثر شوارعها، وشوارع الأرباض صيفاً وشتاء قد هندست هندسة لا ينقطع الماء منها في وقت، وقناة أخرى من دجلة على هذا المثال سماها دجيلاً، وجر لأهل الكرخ وما اتصل به نهراً يسمى نهر الدجاج لأن أصحاب الدجاج كانوا يقعدون عنده، ونهر عيسى الأعظم الذي يأخذ من معظم الفرات تدخل فيه السفن العظام التي تأتي من الرقة يحمل فيها الدقيق والتجارات من الشام ومصر، وتصير إلى فرضة عليها الأسواق وحوانيت التجار لا تنقطع صيفاً ولا شتاء، ولهم الآبار التي يدخلها الماء من هذه القنوات، وإنما احتيج إلى هذه القنوات لكبر البلد وسعته، ولها فهم بين دجلة والفرات من جميع النواحي تتدفق عليهم المياه حتى غرسوا النخل الذي حمل من البصرة وغيرها فصار ببغداد أكثر منه بالبصرة والكوفة والسواد، وغرسوا الأشجار فأثمرت ثمرات عجيبة وكثرت البساتين والجنات في أرض بغداد من كل ناحية لطيب المياه وطيب الأرض، وعمل فيها كل ما يعمل في بلد من البلدان، لأن حذاق أهل الصناعات انتقلوا إليها من كل بلد وأتوها من كل أفق ونزعوا إليها من الأداني والأقاصي، فهذا الجانب الغربي من بغداد وهو جانب الكرخ وجانب الأرباض، وفي كل طرف منه مقبرة وقرى متصلة وعمارات مادة، والجانب الشرقي من بغداد نزله المهدي بن المنصور وهو ولي عهد أبيه وابتدأ بناءه سنة ثلاث وأربعين ومائة، واختط المهدي قصوره بالرصافة إلى جانب المسجد الجامع الذي بالرصافة وحفر نهراً يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي يجري في هذا الجانب، واقطع المهدي اخوته وقواده بعد من اقطع في الجانب الغربي وهو جانب مدينته، وقسمت القطائع في هذا الجانب، وتنافس الناس في النزول مع المهدي لمحبتهم له ولتوسعته عليهم ولأنه كان أوسع الجانبين أرضاً. وفي الجانب الشرقي الذي نزله المهدي أربعة آلاف درب وسكة وخمسة عشر ألف مسجد سوى ما زاد الناس وخمسة آلاف حمام سوى ما زاد الناس بعد ذلك. وانتقل المعتصم إلى سر من رأى في سنة ثلاث وعشرين ومائتين واتصل مقامه بها مدة حياته وأيام الواثق والمتوكل ولم تخرب بغداد ولا نقضت أسواقها لأنهم لم يجدوا منها عوضاً ولأنه اتصلت العمارة والمنازل بين بغداد وسر من رأى. قال أحمد بن أبي الطاهر: أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد الأمير الناصر لدين الله عند دخوله مدينة السلام فوجد مائتي حبل وخمسين حبلاً وعرضه مائتي حبل وخمسة أحبل تكون ستة وخمسين ألف جريب ومائتين وخمسين جريباً، ووجد طول الجانب الغربي مائتين وخمسين حبلاً وعرضه خمسين حبلاً يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب وخمسمائة جريب، فجميع ذلك ثلاثة وسبعون ألف جريب وسبعمائة جريب وسبعون جريباً. وحكى الهيثم بن عدي (١) أن المنصور لما جلس في قصره بباب الذهب أذن لرسل ملك الروم فدخلوا عليه فقال لرسول ملك الروم: هل ترى عيباً؟ قال: نعم عيوباً ثلاثة، قال: ما هي؟ قال: النفس خضراء ولا خضرة عندك، والحياة في الماء ولا ماء عندك، وعدوك مخالطك ومطلع على سرك، قال: أما الماء فحسبي منه ما بلغ الشفة، وأما الخضرة فللجد خلقت لا للعب، وأما السر فلا أبالي علم سري رعيتي أم ولدي وخاصتي، فأمسك الرومي عن الكلام. ثم تعقب أبو جعفر الرأي فرأى أن القول ما قال، فاتخذ العباسية وأجرى القناة من دجلة وأخرق السوق عن المدينة، فلما فعل ذلك وجلس في قصره بالخلد نظر إلى التجار من البزازين والصيرفي والقصاب وطبقات السوقة فتمثل بهذين البيتين: كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمعت من شتى لأمر جمعت حديدة وجمعت نصلاً ... ومن عقب البعير وريش نسر ثم قال: يا ربيع إن هذه العامة تجمعها كلمة وترأسها السفلة ولا أرينك معرضاً عنها فإن إصلاحها يسير وإصلاحها بعد إفسادها عسير فاجمعها بالرهبة واملأ صدورها بالهيبة وما استطعت من رفق بها وإحسان إليها فافعل. وفي هذا الذي ذكرناه من أولية بغداد كفاية وهي أعظم مما قيل وأشهر حالاً مما ذكر فلنقتصر على هذا القدر. ثم إن دولة بني العباس استمرت بها من مبايعة السفاح بالكوفة يوم الخميس لثلاث عشرة خلون من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة إلى أن ملكها الططر حين دخلوا العراق واستولوا على تلك الآفاق وقتلوا الخليفة المستعصم. البغيبغة: على التصغير، ضيعة وعين كانت لعلي بن أبى طالب ﵁ ثم وقفها هي وعين أبي نيزر ونص كتاب الوقف: هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين (٢) تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على فقراء المدينة وابن السبيل ليقي

стр. 129

الله وجهه بهما حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا تورثا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين ﵄ فهما طلق لهما ليس لأحد غيرهما. قال: فركب الحسين ﵁ دين فحمل إليه معاوية ﵁ في عين أبي نيزر مائتي ألف دينار فأبى أن يبيعها وقال: إنما تصدق بهما أبي ليقي الله بهما وجهه حر النار. وفي حديث الزبير ﵁ بين أن الحسين ﵁ نحل البغيبغة أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر ﵄ حين رغبها في نكاح ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر وقد خطبها معاوية ﵁ على ابنه يزيد. فلم تزل هذه الضيعة بأيدي بني جعفر حتى صار الأمر إلى المأمون فعوضهم منها وردها إلى ما كانت عليه وقال: هذه وقف علي بن أبي طالب ﵁. وقال موسى بن إسحاق بن عمارة: مررنا بالبغيبغة مع محمد بن عبد الله بن حسن وهي عامرة فقال: أتعجبون لها والله لتموتن حتى لا يبقى فيها خضراء ثم لتعيشن ثم لتموتن، قالوا: وكانت البغيبغة وغيقة وأذناب الصفراء مياهاً لبني غفار وبني ضمرة. البقيع (١) : وهي بقيع الغرقد، وهو مدفن أهل المدينة النبوية وفيه مدافن أكثر أهل المدينة، وهناك قبر إبراهيم ابن النبي ﷺ وقبر الحسن بن علي ﵄ وهو يلي باب المدينة الذي في جهة الشرق الذي وراء دار عثمان بن عفان ﵁ وفيه يخرج إلى بقيع الغرقد هذا، قال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون ﵁ فسمي بقيع الغرقد لهذا وقال الخليل: البقيع من الأرض موضع فيه أروم شجر وبه سمي بقيع الغرقد، والغرقد شجر كان ينبت هناك. وكان الحسن بن علي ﵄ أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ إلا أن يخاف أن يراق في ذلك محجم من دم، فمنعه مروان حتى كادت الفتنة أن تقع وأبى الحسين ﵁ إلا أن يدفن مع جده ﷺ فكلمه عبد الله بن جعفر والمسور بن مخرمة ﵄ فدفنه بالبقيع. بسطة (٢) : مدينة بالأندلس بالقرب من وادي آش، وهي متوسطة المقدار حسنة الوضع عامرة آهلة حصينة ذات أسوار وبها تجارات وفعلة بضروب الصناعات وبينها وبين جيان ثلاث مراحل. وهي من كور جيان، وشجر التوت فيها كثير وعلى قدر ذلك غلة الحرير والزيتون وسائر الثمار بها على مثل ذلك من الكثرة، وأرضها عذاة كثيرة الريع، وبها كانت طرز الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير. وببسطة بركة تعرف بالهوتة (٣) لا يدرك لها قعر وماؤها على قامة من شفيرها وبها جبل يعرف بجبل الكحل لا يزال ينشر منه كحل أسود يزيد بزيادة القمر وينقص بنقصانه لم يزل على ذلك من قديم الدهر. ومن بسطة إلى قوليه وهي آخر حوز جيان وأول أحواز تدمير، قال البكري (٤) : جعلت بسطة مدينة مفردة من الجزء الرابع من قسمة قسطنطين، وهي مشهورة بالمياه والبساتين، وكان الأديب أبو الحسن على بن محمد بن شفيع (٥) البسطي يقول: لو طبعت على الزهد لحملني حسن بلدي على المجون والعشق والراحات، وكان شاعر بسطة. بشام (٦) : مدينة باليمن تخرح من ذمار على قرى متصلة حتى تأتي مدينة بشام وهي المنزل، وهي مدينة طيبة بها بيوت منقورة في صخرة طويلة طولها ثلثمائة ذراع في مثلها ثم تخرج منها فتنزل وادياً يقال له علان تقطعه حتى تأتي الجند. بست: مدينة من أعمال سجستان منها أبو الفتح البستي الأديب وإياها عنى بعض الشعراء بقوله: أكتاب بست كم تناحركم على ... كتابة بست وهي سخنة عين وخف حنين دون ما تطلبونه ... فكم بينكم في ذاك حرب حنين بسكرة (٧) : من بلاد الزاب بأرض المغرب، وهي قاعدة تلك البلاد، وهي كبيرة كثيرة النخل والزيتون وأصناف الثمار، وعليها سور وخنادق وبها جامع ومساجد كثيرة وحمامات وحواليها بساتين كثيرة، وهي في غابة كبيرة مقدار ستة أميال، فيها أجناس من

стр. 130

التمر منها جنس يعرف بالكسبا وهو الصيحاني يضرب به المثل لفضله على غيره، وجنس آخر يعرف بالياوي (١) أبيض أملس، وكان عبيد الله الشيعي صاحب القيروان يأمر عماله بالمنع من بيعه ويبعث ما هناك منه إليه لطيبه وحسنه، وتعرف هذه البلدة ببسكرة النخل، ويشق غابة بسكرة نهر كبير ينحدر من جبل أوراس يسقي بساتينها ونخيلها وهو نحو ستة أميال في غابة متصلة بالمدينة سوى غابات كورها وقراها. وحول بسكرة أرباض خارجة عن الخندق. وبسكرة دار فقه وعلم كثير وفيها العلماء وأهلها على مذهب أهل المدينة ولها من الأبواب باب المقبرة، وباب الحمام، وباب ثالث يسكنه المولدون. وحولها من قبائل البربر سدراتة ومغراوة. وداخل بسكرة آبار عذبة منها في الجامع بئر لا تنزف وداخل المدينة جنان يدخل إليها الماء من النهر، وبها جبل ملح يقطع منه كالصخر الجليل ومنه كان عبيد الله الشيعي وبنوه يستعملون في أطعمتهم وتعرف ببسكرة النخل (٢) . ومن قرى بسكرة قرية ملشون منها كان أبو عبد الملك الملشوني، كان فقيهاً عالماً يحمل عنه العلم وهو الذي أخبر أن في طريق بسكرة جبلاً فيه كهف فيه رجل قتيل لم يعرف أحد من أي عهد هو ولم تغيره الدهور ولا تقادم الأزمان كأنما جراحه تقطر دماً، ويخبر الكافة عن الكافة والخلف عن السلف أنهم كذا عرفوه مذ كانوا، وقد نقله أهل تلك النواحي ودفنوه بأفنيتهم تبركاً به ثم لم يلبثوا أن وجدوه في الكهف على حاله، حدث بذلك ثقات أهل تلك النواحي، ويقال إنه من الحواريين، قيل إن هذا القتيل في شق جبل في شرقي عين أوبار (٣) وهي عين عظيمة بين مدينة مرماجنة ومدينة سبيبة، وذكر أنه بجبل لواتة وأنه كأنما ذبح من يومه وأنه هناك من قبل فتح إفريقية. بسطام (٤) : من عمل قومس مدينة حسنة عليها سور تراب، وبها أسواق عامرة وجبايات قائمة، ومنها أبو يزيد البسطامي واسمه طيفور بن عيسى بن شوشان، كان من قدماء مشايخ القوم، له كلام حسن في المعاملات وأحوال سنية وفراسة حادة ورياضة لأصحابه حسنة؟ قال الجنيد: كان الخلق يركضون فإذا بلغوا ميدان أبي يزيد هملجوا. ومات سنة إحدى وستين ومائتين ابن ثلاث وتسعين سنة وله أخوان آدم أكبر منه وعلي أصغر منه وكانا أيضاً زاهدين عابدين. بشنتار (٥) : مدينة بالصين فيها رئيس من قبل البغبوغ وله خيول ورجال وحشم وعبيد وملك عظيم وهو يقاتل الترك الداخلين إليه، ممن يجاوره منهم. بشرى (٦) : من مدن نفزاوة وهي مدينة مسورة قديمة لها غابة كبيرة، وهي كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه. بهرسير (٧) : بالعراق، والمدائن على مسافة يوم من بغداد ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقاً وغرباً، ودجلة يشق بينها ولذلك سميت المدائن فالغربية منها هذه التي تسمى بهرسير والشرقية تسمى العتيقة وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها وفيها إيوان كسرى العجيب الشأن الشاهد بضخامة ملك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه. بهنسى (٨) : مدينة بصعيد مصر في الجهة الغربية من الخليج الخارج من معظم النيل، وهي عامرة بالناس جامعة لأمم شتى، ومن هذه المدينة إلى مصر سبعة أيام، وبهذه المدينة تعمل الستور البهنسية وتنسج الطرز والمقاطع السلطانية والمضارب الكبار والثياب المتخيرة ويقيم بها التجار الستور الثمينة طول الستر ثلاثون ذراعاً وأزيد وأنقص، قيمة الاثنين منها مائتا مثقال وأكثر من ذلك وأقل، ولا يصنع فيها شيء من الستور والأكسية وسائر الثياب من الصوف والقطن إلا وفيها اسم المتخذ له (٩) مكتوباً على ذلك مطرزاً (١٠) جيلاً بعد جيل، وهذه الأكسية والفرش مشهورة في جميع الأرض.

стр. 131

بورى (١) : في أسفل الديار المصرية، في سنة عشر وستمائة وصل العدو إليها بشوانيه فسباها كما فعل في قره، وكان حلق رشيد قد حرس بالقطائع المصرية فعدل عنها إلى هذا المكان. بونة (٢) : من بلاد إفريقية قريبة من فحص قل وهي مدينة قديمة من بناء الأول وبها آثار كثيرة، وهي على ساحل البحر في نشز من الأرض مشرف على البحر وعلى فحوصها وقراها، وهي من أنزه البلاد وأكثرها لبناً ولحماً وعسلاً وحوتاً، والبحر يضرب في سورها وفيها بئر على ضفة البحر منقورة في حجر صلد وماؤها أعذب ماء وأنقعه (٣) منها يشرب أكثر أهلها لعذوبته، وبغربي هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتينها وأرضها، وموضع جناتها متنزه حسن مشرف على البحر، ويطل على بونة جبل زغوغ وهو كثير الثلج والبرد، وببونة مساجد وأسواق وحمام، وهي ذات ثمر وزرع، وقد سورت بونة بعد الخمسين والأربعمائة. ومن العجائب أن في هذا الجبل مسجداً لا ينزل عليه من ذلك الثلج شيء وإن عم الجبل كله. وأكثر لحمان أهل بونة البقر إلا أنها يصح بها السودان ويسقم البيضان. وحول بونة قبائل كثيرة من البربر مصمودة وأوربة وغيرهما، وأكثر تجارها أندلسيون. ومستخلص بونة غير جباية بيت المال عشرون ألف دينار. وبغربي مدينة بونة بركة في دورها نحو عشرة أميال فيها سمك جليل كثير، وفيها طائر يعرف بالكيكل وهو يعشش على وجه الماء ويفرخ، فإن أحس بحيوان في البر أو إنسان يروم أخذه أخذ عشه بفراخه برجليه حتى يصير في وسط البركة حيث يأمن، وهو طائر حسن وهو الذي يسمى بمصر الغطاس (٤) ، وتتخذ مصر من جلوده الفراء لأمنها (٥) وجمالها وتباع بالأثمان الغالية. ومرسى بونة من المراسي المشهورة، وبونة في جون من البحر يسمى جون الأزقاق وهو صغير ربما عطبت فيه المراكب، وتسمى بونة بلد العناب لكثرة العناب فيها، ومنه خشب سقوفهم ووقودهم ومنه جميع ما يتصرفون فيه. وفي بونة دفن ملك إفريقية الأمير الأجل أبو زكريا ابن الشيخ الأجل المجاهد أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص ﵀ (٦) وإنه كان تحرك من حضرته تونس في تاسع صفر من سنة سبع وأربعين وستمائة ومعه ولي عهده ابنه أبو عبد الله محمد المستنصر بالله أمير المؤمنين فلما انتهى إلى قسنطينة مرض بها المرض الذي توفي منه وكان أبل منه وطمع له في البرء، وكتب بذلك إلى تونس وتوجه إليه منها الطلبة وغيرهم يهنئونه بالبرء من مرضه وقالت الشعراء في ذلك ثم عاوده مرضه فمات منه ليلة يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وستمائة وصلي عليه عصر يوم الجمعة فقرر أخوه أبو عبد الله اللحياني الولاية لابنه المستنصر فبايعه الناس هناك بيعة مجددة ثم جهز إلى روضته وحمل إلى بونة فدفن بجامعها بازاء قبر الشيخ الصالح الولي أبي مروان الفحصلي وهو ابن تسع وأربعين سنة وفي ذلك قال أبو عمرو عثمان بن عربية (٧) : ليت شعري عن الخليفة يحيى ... وإلى ليت يستريح الحزين قفل الجيش سالمين ويحيى ... بالمصلى من بونة مدفون وقيل في ذلك من المراثي والأقوال المبكية نظماً ونثراً ما لا يسعه المختصر. البونت (٨) : هي قرية من أعمال بلنسية ينسب إليها صاحب الوثائق المجموعة عبد الله بن فتوح بن عبد الواحد (٩) . بونية (١٠) : هي قاعدة مدن لنقبردية، وهي مدينة مبنية بالحجر والآجر والكلس كبيرة جداً كثيرة الأهل تنفجر داخلها العيون وهي على نهر يجتمع تحتها بمقدار نصف ميل بنهر آخر، وفي هذه المدينة قصر حسن على بابه صورة فارس من نحاس متناهية

стр. 132

العظم بعثها في الدهر القديم ملك القسطنطينية إلى بلد لنقبردية. وبهذه البلدة ثلثمائة فقيه من المسلمين وعندهم يتحاكم أهل لنقبردية وهم يعقدون لهم وثائق أشريتهم وبيوعهم، وفيها من المسلمين تجار أغنياء عددهم أزيد من أربعمائة ولهم مبان سرية ومتاجر قوية ولذلك صار المتوجهون من التجار والحاج إلى رومة لا بد لهم من بونية. بوليه: مدينة على البحر الشمالي، وهو بحر لا يركبه أحد لغلظ جوهر مائه وظلمته وتكاثف الهواء عليه. البويب (١) : موضع بالعراق قريب من الكوفة فيه كانت وقيعة بين المسلمين والأعاجم أيام عمر ﵁ بعد وقعة جسر أبي عبيد ﵀، فإنه لما بلغ عمر والمسلمين مقتل أبي عبيد والمسلمين يوم الجسر أهمهم ذلك وحركهم، فاستخلف عمر ﵁ على المدينة علي بن أبي طالب ﵁ وخرج فنزل بصرار يريد أرض فارس وقدم طلحة بن عبيد الله ﵁ فنزل الأعوص فدخل عليه العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فأشاروا عليه بالمقام وقالوا: شاور الناس، فكتب إلى علي وطلحة ﵄ فقدما عليه فجمع الناس وقال: إني نزلت منزلي هذا وأنا أريد العراق فصرفني عن ذلك قوم من ذوي الرأي منكم، وقد أحضرت هذا الأمر من خلفت ومن قدمت فأشيروا علي، فقال علي ﵁: أرى أن ترجع إلى المدينة وتكتب إلى من هناك من المسلمين أن يدعوا من حولهم ويحذروا على أنفسهم، وقد قدم قوم من العرب يريدون الهجرة فقدمهم إليهم فتكون دار هجرة لهم حتى إذا كثروا وليت أمرهم رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل السابقة والقدم. فانصرف عمر ﵁ إلى المدينة وكتب إلى المثنى بن حارثة بأن يدعو من حوله ولا يقاتل أحداً حتى يأتيه المدد وقدم من الأزد وبارق وغامد وكنانة سبعمائة أهل بيت فسيرهم إلى العراق فشخصوا إلى الكوفة فقدموا على المثنى بن حارثة فأقبل بهم حتى نزلوا العذيب وقدم أربعمائة أهل بيت من كندة والسكون فيهم الأشعث بن قيس ومعاوية بن حديج وشرحبيل بن السمط وقدم ألف أهل بيت فيهم ثلثمائة بيت من النخع، ثم قدم المدينة ألف أهل بيت من همدان فقالوا لعمر ﵁: خر لنا، قال: أرض العراق، قالوا: بل الشام، قال: بل العراق، فصرفوا ركابهم إلى العراق وقدمت بجيلة فيهم جرير بن عبد الله وهم أربعة آلاف وقيل ألفان، ففصلوا إلى العراق ممدين إلى المثنى بن حارثة ثم تتابعت الإمداد فنزلوا العذيب بالعيال وهم قبائل اليمن والحجاز والأزد ثم حضرموت وكندة، ثم النخع ومراد ثم همدان ثم بجيلة ثم جاءت قبائل الحجاز وأهل البوادي من تميم وبكر، وجاءت طيء عليها عدي بن حاتم، وجاءت أسد وقيس والرباب وضبة وحنظلة وطوائف من سعد والنمر بن قاسط. ووجه يزدجرد مهران بعد وقعة الجسر وأمره أن يبث المسالح إلى أدنى أرض العرب ويقتل كل عربي قدر عليه، فخرج مهران في الجنود يريد الحيرة، وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباع ما بين القادسية وخفان، فاستبطن فرات باذقلى، وأرسل إلى جرير ﵁ ومن معه: قد جاءنا أمر لن نستطيع معه المقام حتى يقدموا علينا فعجلوا اللحاق بنا وموعدكم البويب ومهران من وراء الفرات بازائه. واجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلي موضع الكوفة اليوم وعليهم المثنى وهم بازاء مهران وعسكره، فكاتبه مهران إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا، فعبر مهران فنزل على شاطئ الفرات، فقال المثنى للناس: انهدوا لعدوكم، فتناهدوا ومهران في ثلاثة عشر ألف معه ثلاثة فيلة، فقدموا فيلتهم واستعدوا للحرب، وأقبلوا إلى المسلمين في ثلاثة صفوف، مع كل صف فيل ورجلهم أمام فيلهم وجاءوا لهم زجل، فقال المثنى للمسلمين: إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت وائتمروا همساً، والمسلمون أربعة آلاف وثمانمائة، وقيل ستة آلاف، وعبأ المثنى الجيش فصير مضر وربيعة في القلب وصير اليمن ميمنة وميسرة وقال: يا معشر المسلمين قد قابلت العجم والعرب بمائة من العرب كانوا أشد علي من ألف من العجم، إن الله تعالى قد أذهب مصدوقتهم وأوهن كيدهم فلا يهولنكم سوادهم، إن للعجم قسياً بحاً وسهاماً طوالاً هي أغنى سلاحهم عندهم، فلو قد لقوكم رموكم بها فإذا أعجلوا عنها وأنفدوها فهم كالبهائم أينما وجهتموها توجهت فتترسوا والزموا مصافكم واصبروا لشدة أو شدتين ثم أنتم الظاهرون إن شاء الله تعالى. وركب يومئذ فرساً ذنوباً أدهم يدعى الشموس للين عريكته وطهارته، وكان لا يركبه إلا لقتال ويودعه ما لم يكن قتال، ومر على الرايات يحض القبائل، وقد صفوا صفوفهم، وقال: الزموا الصمت فإني مكبر ثلاث تكبيرات فإذا كبرت الثالثة فاحملوا، ومر على الرايات

стр. 133

راية راية يحرضهم ويهزهم بأحسن ما فيهم ويكلمهم، وأنصف في القول والفعل، وخالط الناس في المكروه والمحبوب، فلم يستطع أحد أن يعيب له قولاً ولا عملاً، وانه ليحضهم إذ شدت كتيبة من العجم على الميسرة فيها بكر وكندة، فقال المثنى: إن الخيل تنكشف ثم تكر، يا معشر طيء الزموا مصافكم واغنوا ما يليكم واعترض الكتيبة التي كشفتهم بخيل كانت معه فمنعهم من اتباعهم وقاتلهم فثارت عجاجة بينهم ورجع أهل الميسرة فأقبلت الميمنة نحو المثنى وقد انكشف العدو عنه وسيفه بيده وقد جرح جراحات وهو يقول: اللهم عليك تمام النصر، هذا منك فلك الحمد، وكانت هزيمة المشركين فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى نهر بني سليم، ثم كروا على المسلمين وركدت الحرب بينهم ملياً فما تسمع إلا هرير الرجال وحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم لا المسلمون ولا المشركون وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين والمجنبات قد هد بعضها بعضاً، فلما رآه المسلمون قد أزال القلب وأفنى أهله قويت مجنبات المسلمين على المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول: إن المثنى يقول لكم عادتكم في أمثالهم، انصروا الله ينصركم حتى هزموا القلب ودارت بينهم رحى الحرب (١) ، وأخذت جرير بن عبد الله ﵁ الرماح فنادى: واقوماه، أنا جرير، فقاتلت عنه جماعة من قيس حتى خلص، وأحصي يومئذ مائة من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة في المعركة، وأبصر جرير بن عبد الله ﵁ مهران يقاتل فحمل عليه جرير والمنذر بن حسان فقتلاه، طعنه المنذر فأرداه عن دابته وقد وقذه فنزل إليه جرير ﵁ فاحتز رأسه، وقيل في قتله غير هذا، وهزم المشركون فأتوا الفرات فاتبعهم المسلمون فانتهوا إلى الجسر وقد عبرت طائفة من المشركين الجسر فحالوا بين الباقين وبينه فأخذوا يميناً وشمالاً فقاتلهم المسلمون حتى أمسوا واقتحم طائفة الفرات فغرق بعضهم ونجا بعض، ورجع المسلمون عنهم حين أمسوا فلما أصبحوا عقدوا الجسر وأكثروا القتل فيهم حتى جعلوهم جثاً فما كانت وقعة أبقى رمة منها، وكانوا يحزرونها مائة ألف. ز رأسه، وقيل في قتله غير هذا، وهزم المشركون فأتوا الفرات فاتبعهم المسلمون فانتهوا إلى الجسر وقد عبرت طائفة من المشركين الجسر فحالوا بين الباقين وبينه فأخذوا يميناً وشمالاً فقاتلهم المسلمون حتى أمسوا واقتحم طائفة الفرات فغرق بعضهم ونجا بعض، ورجع المسلمون عنهم حين أمسوا فلما أصبحوا عقدوا الجسر وأكثروا القتل فيهم حتى جعلوهم جثاً فما كانت وقعة أبقى رمة منها، وكانوا يحزرونها مائة ألف. بورة (٢) : مدينة على ضفة البحر الهندي، وهي آخر بلاد الكفرة الذين لا يعتقدون شيئاً بل يدهنون الأحجار بدهن السمك ويسجدون لها فهذه عبادتهم، وهي كثيرة النخل والتجارات متصلة العمارات وافرة الحنطة وبها أرز وشجر مقل شهي للأكل. بويرة (٣) : مدينة عظيمة من مدن الأفرنج، قالوا: ولهم من المدن نحو من مائة وخمسين مدينة غير العمائر والكور، وقد كانت مملكتهم قبل ظهور الإسلام بإفريقية وصقلية واقريطش. والافرنجة أكثر الناس عدة وأحسنهم انقياداً لملوكهم وأكثرهم مدناً، والافرنجة والصقالبة والنوكبرد وأشبان ويأجوج ومأجوج والترك والخزر وبرجان واللان والجلالقة كل هؤلاء من ولد يافث بن نوح. وبويرة (٤) أيضاً في تيماء، قالوا: أحرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع زهو البويرة فنزل الله تعالى: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله " وقال حسان: لهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير بوصير (٥) : قرية من قرى الفيوم بصعيد مصر، إليها انهزم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفاء بني أمية فقتله عامر بن إسماعيل من أهل خراسان سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان قال حين وصل إلى بوصير: نحن ببوصير والى الله المصير. وكان صالح بن علي دخل في طلب مروان ومعه عامر بن إسماعيل المذحجي فلحقوه بمصر وقد نزل بوصير فهجموا على عسكره وضربوا الطبول وكبروا ونادوا: يا ثارات إبراهيم، فظن من في عسكر مروان أن قد أحاط بهم سائر المسودة فقتل مروان، قتله عامر بن إسماعيل وأراد الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساؤه فإذا بخادم لمروان شاهر السيف يريد الدخول عليهن، فأخذوا الغلام

стр. 134

فسئل عن أمره فقال: أمرني مروان إذا هو قتل أن أضرب رقاب بناته ونسائه فلا تقتلوني فإنكم والله إن قتلتموني ليفقدن ميراث رسول الله ﷺ ، فقالوا له: انظر ما تقول، قال: إن كذبت فاقتلوني، هلموا فاتبعوني، فأخرجهم من القرية إلى موضع رمل فقال: اكشفوا هاهنا، فكشفوا فإذا البرد والقضيب وقعب ومخصر قد دفنها مروان لئلا تصير إلى بني هاشم، فوجه بها عامر بن إسماعيل إلى عبد الله بن علي، فوجه بها عبد الله بن علي إلى أبي العباس السفاح فتداولتها خلفاء بني العباس إلى أيام المقتدر، فيقال إن البرد كان عليه يوم قتل. ثم وجه عامر بن إسماعيل ببنات مروان وجواريه والأسارى إلى صالح بن علي، فتكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه وأسعدك في الأمور كلها بخواص نعمه وعلمك بالعافية في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك فليسعنا من عدلكم ما وسعكم من جورنا، قال: إذاً لا نستبقي منكم أحداً رجلاً ولا امرأة، قالت: يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم إذاً، قال: أما العفو فنعم قد وسعكم، فإن أحببت زوجتك من الفضل بن صالح بن علي وزوجت أختك من أخيه، قالت: يا عم أمير المؤمنين وأي أوان عرس هذا فلتلحقنا بحران، قال: أنا أفعل ذلك إن شاء الله تعالى، فألحقهن بحران. واتصل بأبي العباس السفاح ما كان من عامر بن إسماعيل وقتله لمروان ببوصير وقد قيل إن ابن عم لعامر يقال له نافع قتله في تلك الليلة في المعركة وهو لا يعرفه وان عامراً لما احتز رأسه واحتوى على عسكره دخل الكنيسة التي كان فيها مروان فقعد على فرشه وأكل من طعامه، فخرجت إليه ابنة مروان الكبرى وتعرف بأم مروان، فقالت: يا عامر، إن دهراً أنزل أمير المؤمنين عن فرشه حتى أقعدك عليه فأكلت من طعامه واحتويت على أمره وحكمت في مملكته لقادر أن يغير مآربك، فاغتاظ السفاح من ذلك وكتب إليه: ويلك، أما كان لك في أدب الله ما يزجرك عن أن تأكل من طعام مروان وتقعد على مهاده وتتمكن من وساده!! أما والله لولا أن أمير المؤمنين تأول ما فعلت على غير اعتقاد منك لذلك والشهوة لمسك من غضبه وأليم أدبه ما يكون لك زاجراً ولغيرك واعظاً، فإذا أتاك كتاب أمير المؤمنين فتقرب إلى الله بصدقة تطفئ بها غضبه وصلاة تظهر بها الاستكانة وصم ثلاثة أيام ومر جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك. فلما جيء برأس مروان ووضع بين يدي أبي العباس السفاح سجد فأطال ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله الذي لم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك، الحمد لله الذي أظفرني بك وأظهرني عليك، ثم قال: ما أبالي متى طرقني الموت وقد قتلت بالحسين وبني أبيه من بني أمية مائتين وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي وقتلت مروان بأخي إبراهيم، وتمثل: لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم جمعاً ترويني ثم حول وجهه إلى القبلة فأطال السجود ثم جلس وقد أسفر وجهه وتمثل بقول العباس بن عبد المطلب ﵁ من أبيات له: أيا قومنا إن تنصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما تدرين من أشياخ صدق تقدموا ... بهن إلى يوم الوغى متقدما إذا خالطت هام الرجال تركنها ... كبيض نعام في الوغى قد تحطما بوصا: جزيرة بأرض الهند أهلها ألوانهم إلى البياض، وفي نسائهم جمال، وفيهم نجدة وبأس شديد. وربما قطعوا على الناس في مراكب لهم سابقة في الجري؛ وإنما يفعلون ذلك إذا كانوا مع الصينيين في خلاف ولم تكن بينهم هدنة. بومنجكث (١) : هي أعظم مدن أشروسنة، وهي مدينة جليلة، وينزلها الولاة والعمال، وعليها سور حصين ولها في وسطها نهر كبير عليه أرحاء. ومعظم أسواقها في الربض الخارج عنها، وسور الربض مشتمل على ثلاثة أميال، وعلى ذلك بساتين وزروع وكروم، ولها مسجد جامع. وموضع هذه المدينة في ظهر جبل من اشروسنة وبومنجكث قاعدتها. بوشنج (٢) من مدن هراة، وهي في القدر نصف هراة. وهراة في مستو من الأرض وفيها من المدن خركود وغيرها. وبوشنج نصف مدينة هراة ومنها إلى الجبل نحو فرسخين، وإذا

стр. 135

مررت من بوشنج إلى هراة سرت في سواد بوشنج، وقرى متصلة، إلى أن تقرب من هراة. بوغرات (١) : مدينة في آخر عمل غانة من بلاد السودان، فيها فخذ من صنهاجة، قالوا: وفي هذا البلد طائر يشبه الخطاف يفهم من صوته كل سامع إفهاماً لا يشوبه لبس: قتل الحسين، قتل الحسين يكررها مراراً. ثم يقول: بكربلا، مرة واحدة، وهذا مشهور عندهم. بيانه (٢) : بالأندلس من أعمال قرطبة، وهي من مدن قبرة وعلى يمين الطريق الذاهب من قرطبة وشرقي قبرة، بينهما عشرة أميال، وهي على ربوة من الأرض طيبة التربة، كثيرة المياه السائحة، ولها حصن منيع، وبها جامع بناه الإمام عبد الرحمن ومنبر. وكانت قبل الفتنة من غرر البلدان، وكان بها أسواق عامرة وحمامات. وهي كثيرة البساتين والكروم والزيتون، وهي على نهر مربلة يأتيها من جهة القبلة، وهو نهر كبير، عليه الأرحاء الكثيرة. ومن بيانة قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البياني مولى الوليد بن عبد الملك، سمع بقرطبة من بقي بن مخلد وغيره، وبمكة من جماعة، وبالعراق من أحمد بن زهير بن حرب وهو ابن أبي خيثمة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة ومحمد بن يزيد المبرد وثعلب وغيرهم. البيلقان (٣) : مدينة دون برذعة على طريق العراق وهي من عمل الران، دخلها الططر عنوة سنة ثمان عشرة وستمائة، فلم يبق الططر على كبير منهم ولا صغير ولا امرأة، وكانوا إذا رأوا امرأة حسناء فجروا بها ثم قتلوها. بيانة (٤) : مخفف، قرية من قرى البصرة منها أحمد بن عبد الله البياني، قال: أنشدني الزبير بن بكار: عتاب ليس ينقطع ... وعذر ليس يستمع ومقتدر على قتلي ... وهجراني له ولع يواصل ثم يهجرني ... ويدنو ثم يمتنع بيهق (٥) : مدينة من أعمال نيسابور، سرح ابن عامر إليها الأسود بن كلثوم العدوي من عدي الرباب، ففتحها. وهي من أبرشهر على ستة عشر فرسخاً، وقتل الأسود، وكان فاضلاً في دينه، وكان بعضهم (٦) يقول: ما أسفي من العراق على شيء إلا على ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين واخوان مثل الأسود بن كلثوم. ومنها البيهقي الإمام والمحدث. وقصبة بيهق يقال لها خسروجرد. بينون (٧) وسلحين وغمدان: من حصون اليمن التي كان هدمها أرياط ملك الحبشة، ولم يكن في الناس مثلها، وفيها يقول ذو جدن الحميري: هونك لن يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكن أسفاً في اثر من ماتا أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا بيسان (٨) : مدينة بالشام صغيرة جداً وتنسب الخمر الطيبة إليها، قال الأخطل (٩) : وجاءوا ببيسانية هي بعدما ... يعل بها الساقي ألذ وأسهل ويقال إن الموضع الذي قتل فيه جالوت كان بيسان من أرض الغور من بلاد الأردن. ومنها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني كاتب صلاح الدين يوسف بن أيوب والغالب عليه، ذو الترسل البليغ. وينبت ببيسان السامان الذي تعمل منه الحصر السامانية لا يوجد نباته إلا بها وليس في سائر الشام شيء منه. وقال عطية بن قيس الكلابي: وافقني زرعة بن إبراهيم اليهودي فنزلنا بيسان فقال:

стр. 136

ألا أريك شيئاً حسناً، فانحدر إلى البحر فأخذ ضفدعاً، فجعل في عنقها شعرة من ذنب فرس، فحانت مني التفاتة فإذا هو خنزير، في عنقه حبل؛ ثم مشى، فدخل به بيسان، فباعه من بعض الأنباط بخمسة دراهم، ثم ارتحلنا، فسرنا غير بعيد، فإذا الأنباط يتعادون في أثرنا، فقلت: قد أتاك القوم، قال: فأقبل منهم رجل جسيم، فرفع يده فلكمه في أصل لجيته، فصرعه عن الدابة، فإذا برأسه معلق بجلده من رقبته، وأوداجه تشخب دماً. فقلت: قتلتم الرجل. فمضى القوم يتعادون هاربين. فقال لي الرأس: انظر، مروا؟. فقلت: نعم، قال: انظر، أمعنوا؟ فذهبت أنظر إليهم، ثم التفت فإذا هو جالس ليس به بلية. وبيسان (١) : أيضاً بالحجاز. وفي الخبر أن رسول الله ﷺ مر بماء يقال له بيسان في غزوة ذي قرد، فسأل عنه فقيل: اسمه بيسان، وهو ملح. فقال: " هو نعمان وهو طيب "، فغير رسول الله ﷺ اسمه وغير الله تعالى الماء، واشتراه طلحة بن عبيد الله ﵁ ثم تصدق به، فقال له رسول الله ﷺ : " ما أنت يا طلحة إلا فياض " فبذلك سمي الفياض. وقال جابر بن حيوة لعروة بن رويم: اذكر لي رجلين صالحين من أهل بيسان، فبلغني أن الله تعالى اختصهم برجلين من الأبدال لا ينقضي منهم رجل إلا أبدل الله تعالى مكانه رجلاً، لا تذكر لي متماوتاً ولا طعاناً على الأئمة فإنه لا يكون منهم الأبدال. بيش ة (٢) : واد من أودية تهامة. وبيشة السماوة مأسدة معروفة. بيش (٣) : من قواعد بلاد الروم، مشهورة الذكر، كثيرة القطر، عامرة الأسواق والديار، كثيرة البساتين والجنات، متصلة الزراعات، معاقلها كثيرة، وأرضها خصبة، ومياهها مغدودقة، وآثارها عجيبة، ولأهلها مراكب واستعداد لركوب البحر وقصد البلاد. وهي على نهر يأتي إليها من جبل بناحية انكبرده وهو نهر كبير عليه الأرحاء والبساتين. بياش (٤) : موضع أو قرية بالبلاد الإفريقية بين القيروان وتونس. فيه كان قتل محمد بن سليمان القوبع التجيبي (٥) الخارج بتونس على محمد بن الأغلب، وكان ولاه عليها، فنبذ طاعته، وخالف عليه، وشرع في قتل الجند، فكتب إليه محمد بن الأغلب يعظه ويحضه على الطاعة، فلم يقبل. فوجه إليه جيشاً عليهم محمد بن موسى معه فيه جماعة من وجوه الجند فيهم تمام بن تميم التميمي، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بطبريق زحف إليهم القوبع من تونس، فالتقوا وعثر بتمام فرسه، فسقط وأخذ أسيراً، فأتي به القوبع، فأحب أن يستبقيه، فلما رأى ذلك ابنه ضربه بحربة في صدره، فسقط ميتاً، وانهزم عسكر محمد بن الأغلب، ثم حشد الناس ووجوههم مع خفاجة بن سفيان مولاه. فلما صاروا إلى جبل شعيب من حد صطفورة التقوا فاقتتلوا اقتتالاً شديداً، وقتل من الفريقين عدد كبير. ثم انهزم القوبع وأصحابه، وقتل منهم ما لا يحصى كثرة ومضى المنهزمون يريدون تونس، ولحق القوبع رجل من الجند، فطعنه فأرداه عن فرسه، وهو لا يعرفه، ونزل إليه، فأخذ درعه وسيفه، ولحقه رجل نظر إلى حسن الدرع والسلب، فسأل عن صاحبه، فأشار إليه، فنظر: فإذا هو القوبع، فبدر إليه فضرب عنقه، ومضى برأسه إلى ابن الأغلب، فوصله وأحسن إليه، وكان ذلك في بياش هذه، في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ومائتين. وبعث إلى أهل تونس، فأمنهم ورغبهم في العافية، وأمرهم بإخراج أخي القوبع وابنه، فأبوا من ذلك، فقاتلهم على أبواب الخنادق قتالاً شديداً، ورموا بأنفسهم عليهم في خندقهم حتى دخلوا عليهم عنوة، وهرب ابن القوبع في قارب، فوجهت إليه القوارب، فأخذوه، فلما أتي به إليه قال لسلمة بن تميم: انزل فاقتله بأخيك، فنزل إليه سلمة فقال له: لا تجزع يا بني، فإنما هو دين يقضى، فضرب عنقه. البيضاء (٦) : هي أكبر مدن اصطخر من أرض فارس، لها حصن وربض عامر، وسميت البيضاء لأن قلعتها بيضاء يرى بياضها من بعد، وهي في الكبر تضاهي اصطخر، ولها حروث متسعة وخصب زائد، وأكثر ميرة شيراز منها، وأهلها مياسير وزيهم زي العراقيين في اللباس والعمائم.

стр. 137

بيران (١) : حصن من حصون الأندلس، ومن قصيدة لابن الأبار يمدح بها السيد أبا زيد (٢) عند انقياد أهل بيران لابنه السيد أبي يحيى أبي بكر سنة اثنتين وعشرين وستمائة: لله قلعة بيران وعزتها ... على الأعاصير في ماضي الأعاصير عنت ودانت على حكم المنى فرقاً ... من سطو مرهوب أعلى السطو محذور وأذعنت وهي الشماء ذروتها ... على حجاج لها من قبل مذكور ولو أصرت على الإعراض ثانية ... لأصبحت بين تخريب وتدمير مدت إليك أبا زيد بطاعتها ... يداً مخافة صول منك مشهور وأكدت في الرضى والصفح رغبتها ... كما تقدم تأييد المقادير فجدت جودك بالنعمى بما سألت ... من الأمان لها طلق الأسارير بياسة (٣) : بالأندلس أيضاً، بينها وبين جيان عشرون ميلاً، وكل واحدة منهما تظهر من الأخرى. وبياسة على كدية من تراب مطلة على النهر الكبير المنحدر إلى قرطبة، وهي مدينة ذات أسوار وأسواق ومتاجر وحولها زراعات، ومستغلات الزعفران بها كبيرة. وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة (٤) ملك الروم بياسة في يوم عرفة من ذي حجتها، وكان صاحب جيان إذ ذاك عبد الله بن محمد بن عمر بن عبد المؤمن قد تغير له عبد الله العادل بن المنصور صاحب إشبيلية فخافه، فخرج إلى بياسة فدخلها وكلم أهلها لمساعدته وامتناعه بهم إلى أن يأخذ لنفسه الأمان، فساعدوه على مراده ومنعوه ممن رامه، فجهز إليه العادل العساكر وقدم عليهم ادريس بن المنصور، فلما نزلوا بظاهر بياسة مكثوا عليها أياماً، والزمان شات، فلم يغنوا شيئاً، وأراد عبد الله صاحب بياسة تفريق ذلك الجمع بما أمكن، فداخله بأن صالحه على أن يدفع له ابناً صغيراً ليكون رهينة لديه بطاعته، فوجد إدريس السبيل إلى الانصراف عنه، وكان أكبر همه، إذ قد جهده وأصحابه شدة البرد ونزول المطر إلى ما كانوا يخافونه من مد النهر ووصول روم طليطلة الذين كانوا أولياء لصاحب بياسة وأنصاراً له، فخاف أن يدعو بهم فيلبوه، إذ كان حل من أنفسهم محلاً كثيراً لشجاعته، فارتحل أبو العلا لذلك ورأى أنه قد صنع شيئاً وأنه قد قام عذره، فلما وصل إلى اشبيلية استقصر فعله واستهجن رأيه وبقي عندهم كالخامل المتخوف. ثم جهزوا بعده جيشاً آخر إلى بياسة قدموا عليه عثمان بن أبي حفص، فسار حتى بلغ قبلي بياسة، فبرز إليهم دون المائة فارس من فرسان عبد الله صاحب بياسة ومن الروم الذين معهم، فلما رأوهم انهزموا وولوا الأدبار ولم يجتمع منهم أحد مع أحد، وبقي صاحب بياسة ببلده ولا أحد يرومه إلى أن تملك قرطبة ومالقة وغيرهما وكاد يستولي على الأمر لو ساعده المقدار، وخرج فأوقع بأهل اشبيلية بفحص القصر سنة اثنتين وعشرين وستمائة وقتل منهم نحو ألفي رجل وانصرف عنها مكسوراً مفلولاً. وقد كان أدخل الروم قصبة بياسة وأسكنهم فيها، والمسلمون معهم في سائر المدينة، وكان دفعه القصبة إليهم على سبيل الرهن في مال كان لهم تعين عليه، فبقوا في القصبة ساكنين، والمسلمون في البلد يداخلونهم ويعاملونهم، وهو إذ ذاك في قرطبة مقيم، فلما غزا اشبيلية وانصرف عنها مفلولاً مكسوراً ثار به أهل قرطبة، إذ توهموا أنه يريد إدخال النصارى مدينتهم، فخرج عنها فاراً إلى الحصن المدور، فأقام هناك وبقيت بياسة بيد الروم، وغلق

стр. 138

الرهن، وأحب أهل بياسة إخراج الروم عن قصبتهم فداخلوا صاحب جيان: عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى وسألوه المسير إليهم في جموعه، فجاءهم بحشوده ومعه محمد بن يوسف المسكدالي، فدخلوا بياسة، وأما من كان بالقصبة من الروم فلم يبالوا شيئاً، وأما من كان منهم بالمدينة فأتى عليه القتل بعد أن أبلوا في الدفاع، إلا أنهم غلبوا بالكثرة، وبقي أهل القصبة لا يستطيع أحد الوصول إليهم لحصانتها، ولو أراد الله تعالى لوفق هذا الوالي إلى المقام، فإن أهل القصبة لم يكن عندهم شيء يقتاتونه إلا ما يأتيهم من المدينة مياومة، فلو مكث عليها يوماً أو يومين لضاقوا وخرجوا، ولم يكن أهل ملتهم نصروهم إلا في مدة بعيدة لبعد المسافة، ولكن أبى المقدار إلا أن يفرغ في يومه ذاك ولم يجسر على المبيت ليلة واحدة، وظن أن الفجاج ترميه بالخيل والرجال، فقال لأهل البلد: أنا راجع فمن أحب أن يخرج فليخرج ومن أحب أن يقعد فليقعد، فرغبوا أن يمكث يوماً أو يومين فأبى عليهم إلا الرجوع في يومه، فلم يكن لأهل البلد بد من فراق بلدهم والخروج عن نعمتهم، فتفرقوا في البلاد وبقي الروم في جميع المدينة وملكوها كلها. ومن أهل بياسة الأديب التاريخي أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم البياسي (١) مصنف كتاب " الإعلام بحروب الإسلام " وغيره من تصانيفه. بيغو (٢) : مدينة بالأندلس من عمل غرناطة، كان عبد الله صاحب بياسة من بني عبد المؤمن وهو المعروف بالبياسي استدعى عدو الدين لما نزل عليه العادل ببياسة، فحاصره فأقلع عنه دون شيء، فلما لم يجد في المسلمين كبير إعانة استدعى النصارى فوصلوا إليه، فسلم إلى ألفنش بياسة وجازى أهلها شر الجزاء، بعد ما آووه ونصروه، فأخرجهم منها وسار مع الفنش ليأخذ معاقل الإسلام باسمه، فدخل قيجاطة من عمل جيان بالسيف، فقتل العدو فيها خلقاً كثيراً وأسر آخرين، وكان حديثها شنيعاً تنفر منه القلوب والأسماع، ثم نهض أيضاً ومعه العدو إلى لوشة من عمل غرناطة، فاعتصم أهلها بسورها الحصين وقاتلوا أشد القتال، وأسمعوه ما أهاج غيظه، فلما تمكن منها سلط عليهم عدوهم في الدين ففتكوا بهم أشد الفتك، ثم ساروا إلى بيغو هذه فأطال مع الفنش حصارها إلى أن دخل البلد بعد شدة وصالحه أهل القلعة، وما زال أمره يقوى إلى أن احتوى على قرطبة ومالقة وكثير من معاقل هاتين القاعدتين وبلادهما، فخاف منه العادل باشبيلية وجمع من عنده من الجند ونظر في كفه عن جهته، وكان ذلك في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. بيروذ (٣) : مدينه بين نهر تيرى ومناذر من ناحية فارس فتحت على يد أبي موسى في أيام عمر بن الخطاب ﵁. بيروت (٤) : في ساحل الشام وهي مرابط دمشق، وفيها كان أبو الدرداء ﵁ نازلاً، قال الأوزاعي: كان عندنا ببيروت عجائب، ذكر عن رجل ممن يوثق به أنه رأى رجلاً راكباً جرادة، وذكر من عظم الرجل وعظم الجرادة، قال: وعليه خفان طويلان أحمران، وهو يقول: الدنيا باطل وباطل ما فيها، ويقول بيده هكذا فحيثما أشار انساب الجراد إلى ذلك الموضع. قال: وكان عندنا رجل صياد يسافر يوم الجمعة ولا يأتي الجمعة، قال: فخرج يوماً فخسف به وببغلته فلم يبق منها إلا أذنها، قال محمد بن بشر: ورأيت موضع مكانه ببيروت يلقى فيه التراب. وفي رواية أخرى قال الأوزاعي: رأيت ببيروت ثلاث عجيبات: رأيت رجلاً من جراد في الماء وإذا رجل راكب على جرادة مسلك بالحديد وفي يده عصا وهو يومئ بيده وهو يقول: الدنيا باطل، يرددها. ورأيت رجلاً يكتب المصاحف بخط جيد في ستة أيام، فكتب مصحفاً فقال: كتبته في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فجفت يمينه، ورأيت رجلاً شاباً كان يأوي في المسجد حسن العبادة حسن الصمت قليل الكلام، فكان يلزم المسجد، فخرج ذات يوم من المسجد بعد أن أغلقت الأبواب فجاء إلى باب المدينة فوقف عليه ساعة، فإذا هو قد انفتح له وخرج وخرجت معه حتى وقف على شجر بلوط كثير، فصعد شجرة فجعل يأكل ويرمي إلى الأرض فما يسمع صوت شيء يقع في الأرض، فجئت إليه فقلت: السلام عليكم، فقال: وعليك السلام أبا عمرو، أتحب؟ قلت: نعم، فأخذ ملء كفه فدفعها إلي فإذا هو رطب، فأكلت ثم غاب عني فلم أره.

стр. 139

وعلى بيروت (١) سور حجارة، وبمقربة منها جبل فيه معدن حديد جيد يقطع، ويستخرج منه الكثير ويحمل إلى بلاد الشام، وبها غيضة أشجار صنوبر تتصل إلى جبل لبنان وتكسير هذه الغيضة اثنا عشر ميلاً في مثلها، وشرب أهلها من الآبار، ومنها إلى دمشق يومان. بيونة (٢) : في بلاد الروم على ساحل البحر وهي بالقرب من مدينة طودة (٣) . بيكند (٤) : هي أدنى مدن بخارى إلى النهر، ومنها إلى حائط بخارى فرسخان، وهو الحائط المضروب على جميع عمران بخارى، وافتتحها قتيبة بن مسلم سنة سبع وثمانين، وهو حصن حصين مشبه بالأسوار، وفيها مسجد جامع وبيت نار للمجوس يذكرون أن افريدون بناه، وخارج الحصن سبعمائة رباط. بيت لحم (٥) : بقرب إيليا من أرض الشام، وهناك كنيسة يقال لها الجسمانية على فرسخ منها مما يلي قبليها في مستو من أرض بيت لحم، وبه ولد المسيح ﵇، وبه النخلة التي تساقطت على مريم رطباً جنياً، والسري الذي جعل الله تحتها فشربت منه وتطهرت به، والمهد الذي جعلت فيه المسيح حين ولدته، وهو حوض أبيض غسلته فيه وهو قريب من العين، وإلى جانب بيت لحم كنيسة يقال لها مايان (٦) فيها الصبيان الذين قتلوا على اسم الملك من سنه بين سنة إلى ثلاثة أشهر قتلهم ايرديوس (٧) الملك، وعلى فرسخين من بيت لحم تجاه القبلة منه قبر إبراهيم ﵇ وهناك مسجده، ومن بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم ثلاثة عشر ميلاً مما يلي القبلة، وحول القبلة التي فيها قبر إبراهيم غياض وأشجار تفاح أحمر، وفي هذه الغياض أعراب يقال لهم بنو زياد يسكنونها، وعلى فرسخين من شرقي بيت لحم ديارات منها دير يقال له طورزيتا، وإلى جانب هذا الدير جبل يصعد في قلته في قدر ستمائة مرقاة، يقال إن هذا الجبل صعد منه المسيح إلى السماء، وهناك قبر راحيل أم يوسف ﵇، وعند بيت لحم كنيسة حسنة البناء متقنة العمل مديدة إلى أبعد غاية في وطاء من الأرض، وفي جهة الشمال المغارة التي ولد فيها المسيح ﵇. وفي الخبر (٨) عن عكرمة قال: لما أسلم تميم الداري ﵁ قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها فهب لي قريتي من بيت لحم، قال ﷺ : " هي لك " وكتب له بها، فلما استخلف عمر ﵁ وظهر على الشام جاء تميم ﵁ بكتاب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: أنا شاهدك، فأعطاه إياها، فهي بأيدي أهل بيته إلى اليوم. وقال بعض المؤلفين: لأهل طبرية، على ثلاثة عشر ميلاً، قرية تعرف بالناصرة (٩) فيها ولد المسيح وان أهلها كانوا عيروا مريم بنت عمران فليس يولد في تلك القرية بكر إلى هذه الكائنة (١٠) وأهل بيت المقدس يدفعون هذا وينكرونه. البينمان (١١) : جزيرة من جزر الهند عامرة فيها مدينة كبيرة، وأكل أهلها النارجيل وبه يأتدمون، وهم أهل شدة ونجدة، ومن سيرتهم التي توارثها الأبناء عن الآباء أن الرجل منهم إذا أراد أن يتزوج المرأة لم يزوجها له أهلها حتى يأتيهم برأس رجل يقتله فيخرج الرجل يطوف في جميع النواحي المجاورة لهم حنى يقتل رجلاً ويأتي برأسه، فإذا فعل ذلك زوج من المرأة التي خطبها وإذا جاء برأسين زوج امرأتين وكذلك إن جاء بثلاثة زوج ثلاث زوجات ولو قتل خمسين زوج خمسين امرأة، وينظر إليه أهل بلده بعين الجلالة ويشهدون له بالنجدة ويوجبون له الفخر، وفي هذه الجزيرة فيلة وبها البقم والخيزران والقصب.

стр. 140

بيارة (١) : مدينة بالأندلس قريبة من بلكونة بينهما عشرة أميال وكان مبناها على النهر الأعظم معقوداً بالرصيف، وكانت المحجة العظمى عليها من باب نربونة إلى بابها إلى باب قرطبة، وحنية بابها باقية لم تتثلم وهي عالية لا يدرك أعلاها فارس بعنانه، وكانت من بناء ركارد بن لويلد (٢) ملك القوط وهو الذي جمع الفرق وقطع الشعوب وبث الاختلاف وقدم ثمانين أسقفاً على ثمانين مدينة وكان مستقره طليطلة، وهو الذي بنى الكنائس الجليلة في نواحي الأندلس وهو الذي قال بالتثليث.

стр. 141

حرف التاء تاجرا (١) موضع من أحواز قابس في مكان منه يقال له لاقية، وفي تاجرا كانت الوقيعة بين الشيخ المجاهد أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص وبين يحيى بن إسحاق المسوفي الميورقي، وكان سببها أن يحيى بن إسحاق هذا كان تغلب على حصن المهدية في جملة ما تغلب عليه من البلاد الإفريقية، فتحرك إليه صاحب المغرب الملك الناصر أبو عبد الله محمد بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن من مراكش في جمادى الأولى من سنة إحدى وستمائة، فلما فارق بلاد المغرب وأشرف على بلاد العدو، جد في أمره وتدرج حتى أتى المهدية فنزل عليها في صفر من سنة اثنتين وستمائة فحاصرها ونصب عليها المجانيق وواصل حربها، وكان يحيى بن إسحاق ترك بالمهدية نائبه وبقي جوالاً في بلاد إفريقية بعسكره، فلما نزل الناصر على المهدية وجه الشيخ أبا محمد عبد الواحد هذا في أربعة آلاف فارس إلى لقاء يحيى بن إسحاق وأقام الناصر على محاصرة المهدية، وكان أصحاب يحيى بن إسحاق شجعوه وحرضوه على الثبوت فثبت، فالتقى الجمعان بموضع يقال له لاقية من تاجرا، وأمر يحيى أصحابه فعقلوا الإبل وأوقفوا الهوادج إزاءها، وأمر الشيخ أبو محمد عبد الواحد أصحابه بالإعراض عن تلك الإبل والهوادج ومشوا على تعبئة، وصدر الرماة وقدم الطلائع فصدقوا الدفاع ودارت بين الفريقين رحى الحرب ثلاث ساعات من النهار وحمل يحيى حملات وبعد ذلك انهزم أصحابه وركبهم السيف إلى الأصيل، وأجلت الحرب عن قتل جبارة أخي يحيى وكاتبه علي بن اللمطي وعامل له يقال له الفتح بن محمد وبعض الأعراب وجماعة من الجند، وفر يحيى في شرذمة قليلة وتفرقت حشوده وأعرابه وأخذت رايته السوداء وأحاط الموحدون بعسكره وأمواله وما كانوا حازوا من طرابلس إلى منتهى بجاية، وقفل الشيخ أبو محمد غانماً مظفراً وساق معه المتاع والكراع وسائر الغنائم. حكي أنه كان في محلة يحيى نحو ثمانية عشر ألف جمل محملة بالأموال والرجال والنساء وغير ذلك وسلم جميعها وفر، ولم يقتل من جيش الموحدين إلا أربعة نفر، وكان يحيى أنفذ عياله وأولاده وحاشيته مع ثقات أصحابه إلى موضع نحو خمسة فراسخ من محلته فلما فر أخذهم في صدره ولولا ذلك ما سلم له أحد منهم، ومات في عسكر يحيى نحو المائة نفس سوى من قتل في المعركة من الفرسان واستنقذ السيد أبا زيد وجماعة من الأسرى الذين كانوا في يد يحيى أسرى، ورجع الشيخ أبو محمد بجميع ذلك إلى الناصر وهو محاصر للمهدية ومعه الغنائم والأسرى الذين استنقذهم، وقدم الحرسي الذي كان على نكال السيد أبي زيد على قتب سام إشهاراً له وبيده راية سوداء وطيف بذلك كله على المهدية. وكانت هذه الهزيمة في الثاني عشر من ربيع الأول من سنة اثنتين وستمائة وكان بين فتح الموحدين ميورقة وبين هزيمة تاجرا نحو من ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، ورفع حماد المالقي وهو مشهور بالإبداع هذين البيتين إلى الناصر في قطع الكاغد: رأى يحيى إمام الخلق يأتي ... ففر أمام من يأتي إليه فشبهت الشقي بياء يفري ... ولام الأمر قد دخلت عليه

стр. 142

وكمل التبريز بالغنائم على ملاحظة من المحصورين بالمهدية وهم مع ذلك متجلدون مواظبون على القتال بصرامة وشدة شكيمة معلنون بالتكذيب بهزيمة يحيى وينوعون السب ويفحشون، وألح الملك الناصر في قتالهم وجمع المجانيق والآلات على جهة واحدة من السور حتى كثر فيهم الموتان والجراحة، وتحققوا بعد ذلك بانهزام يحيى فسقط في أيديهم وطلبوا الأمان فأسعفهم به، ونزل علي بن الغازي صاحب المهدية وهو ابن عم يحيى وأتباعه وشيعته على أن يخلى سبيله ويسلموا البلد، وكان ذلك في التاسع من جمادى الأولى أو في السابع والعشرين منه من سنة اثنتين وستمائة، فكان بين هزيمة تاجرا وببن فتح المهدية شهران وستة وعشرون يوماً. تاهرت (١) : مدينة مشهورة من مدن الغرب الأوسط على طريق المسيلة من تلمسان، وكانت تاهرت فيما سلف مدينتين كبيرتين إحداهما قديمة والأخرى محدثة، فالقديمة منهما ذات سور على قنة جبل ليس بالعالي وبها ناس وجمل من البرابر ولهم تجارات وبضائع وأسواق عامرة وبأرضها مزارع وضياع جمة وبها من نتاج البراذين والخيل كل شيء حسن، وبها البقر والغنم كثير جداً وكذلك العسل والسمن وسائر غلاتها كثيرة، وبها مياه متدفقة وعيون جارية تدخل أكثر ديارهم ولهم على هذه المياه بساتين وأشجار تحمل ضروباً من الفواكه الحسنة، ولها سور صخري وبها قصبة منيعة مشرفة على سوقها المسماة بالمعصومة. وتاهرت (٢) في سفح جبل يسمى قزول (٣) وعلى نهر كبير يأتيها من ناحية الغرب ولها نهر آخر يجري من عيون يجتمع منه شرب أرضها وبساتينها، وسفرجلها لا نظير له حسناً وطعماً وشماً، ولها ثلاثة أبواب: باب الصفا وهو باب الأندلس وباب المنازل وباب المطاحن، وهي شديدة البرد كثيرة الغيوم والثلج، قال بكر بن حماد وكان ثقة مأموناً حافظاً للحديث يصف برد تاهرت: ما أصعب البرد وريعانه ... وأطرف الشمس بتاهرت تبدو من الغيم إذا ما بدت ... كأنما تنشر من تحت فنحن في بحر بلا لجة ... تجري بنا الريح على السمت نفرح بالشمس إذا ما بدت ... كفرحة الذمي بالسبت ونظر رجل من تاهرت إلى توقد الشمس بالحجاز فقال: احرقي ما شئت فوالله انك بتاهرت لذليلة. وتاهرت الحديثة (٤) في قبليها لواتة وهوارة في قرارات، وبغربيها زواغة وبجوفيها مطماطة وزناتة ومكناسة، وفي شرقيها حصن هو تاهرت القديمة. وكان صاحب تاهرت ميمون بن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام من ولد سابور ذي الأكتاف الفارسي، وكان ميمون اباضياً وكان يسلم عليه بالخلافة، وتعاقب مملكة تاهرت بنو ميمون وبنو إخوته إسماعيل وعبد الرحمن بن الرسمية إلى سنة ست وتسعين ومائتين، فوصل أبو عبد الله الشيعي إلى تاهرت فدخلها بالأمان ثم قتل ممن فيها من الرسمية عدداً كثيراً وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس وطيف بها في القيروان ونصبت على باب رقادة، وملك بنو رستم تاهرت مائة وثلاثين سنة. وكان عبد الرحمن بن رستم خليفة لأبي الخطاب (٥) عبد الأعلى بن السمح بن عبيد بن حرملة على إفريقية، فلما قتل محمد بن الأشعث الخزاعي أبا الخطاب في صفر سنة أربع وأربعين ومائة هرب عبد الرحمن بأهله وما خف من ماله وترك القيروان، فاجتمعت إليه الاباضية واتفقوا على تقديمه وبنيان مدينة تجمعهم، فنزلوا موضع تاهرت اليوم وهو غيضة أشبة، ونزل عبد الرحمن منه موضعاً مربعاً لا شعراء فيه وأدركتهم صلاة الجمعة فصلى بهم هناك، فلما انقضت الصلاة ثارت صيحة شديدة على أسد ظهر في الشعراء فأخذ حياً وأتي به إلى الموضع الذي صلوا فيه وقتل هناك، فقال عبد الرحمن بن رستم: هذا بلد لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبداً، وانتدبوا من تلك الساعة فبنوا في ذلك الموضع مسجداً وقطعوا خشبه من تلك الشعراء فهو كذلك إلى اليوم، وهو مسجد جامعها وهو من أربع بلاطات. وبتاهرت أسواق عامرة وحمامات كثيرة يسمى منها نحو

стр. 143

اثني عشر حماماً، وحواليها من البرابر أمم كثيرة (١) . وفي سنة خمس وستمائة (٢) كانت وقعة تاهرت ليحيى بن إسحاق الميورقي على السيد أبي عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن، فإنه لما فر من إفريقية أمام صاحبها الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص الموالي عليه الهزائم تمرس بجهة تلمسان، فكتب أبو محمد إلى أبي عمران بأن لا يعرض له فإنه في اتباعه بالقوم الذين دربوا على قتاله، فقال أولياء السيد: إن هذه لذلة عظيمة نقعد كالنساء في البيوت حتى يأخذه صاحب إفريقية من أيدينا، فخرج إليه السيد من تلمسان بمن اجتمع إليه وساروا إلى جهة تاهرت، فأقبل الميورقي حين أبعدوا من منازلهم بشرذمته التي هي بقايا الحتوف وطرائد السيوف، فحمل عليهم حملة فلم يثبتوا لها وقتل السيد في المعركة وأسر ولده وأقاربه وخواصه، وكان القتلى من عسكره ألفاً وسبعمائة، واحتوى الملثمون على ما أقال عثرتهم من نكبتهم، ورجعوا إلى إفريقية، ففك الأسرى وأخذ الغنائم صاحبها أبو محمد عبد الواحد من أيديهم على عادته، ولما خلت تلمسان من حكام لجهاتها ومصلح لما فسد من أحوالها اختير لها أبو زيد بن يوجان الهنتاتي الذي كان وزير المنصور يعقوب فهو الذي فتح باب الفتنة الآتية على دولتهم، فيالله ماذا فعل وما فعل به وصنع. تاجه (٣) : نهر عظيم يشق طليطلة قصبة الأندلس في الزمان الأقدم يخرج من بلاد الجلالقة ويصب في البحر الرومي، وهو نهر موصوف من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة قنطرة عظيمة بنتها ملوك سالفة وهي من البنيان الموصوف. تانسيفت (٤) : نهر على ثلاثة أميال من مراكش ليس بالكبير لكنه دائم الجري وإذا كان زمن الشتاء حمل بسيل كبير لا يبقي ولا يذر، وكان أمير المؤمنين علي بن يوسف بنى عليه قنطرة عظيمة متقنة البناء بعد أن جلب إلى عملها صناع الأندلس وجملة من أهل المعرفة بالبناء فشيدوها وأتقنوها حتى كملت، ثم لم تلبث بعد أعوام يسيرة حتى أتى عليها السيل فاحتمل أكثرها وحل عقدها وهدمها ورمى بها إلى البحر. وهذا النهر يأتي إليها من عيون ومياه منبعثة من جبل درن من ناحية مدينة اغمات ايلان. تارنانا (٥) : مدينة بالمغرب قريبة من ندرومة كبيرة مسورة على ساحل البحر كانت محطاً للسفن ومقصداً لقوافل سجلماسة وغيرها، وكان سكانها من قبائل البربر مطغرة وهم أعدل من هناك من البربر، وعلى هذا الساحل مدن كثيرة قد خربت وكانت في سالف الدهر آهلة كثيرة الخصب. تابحريت (٦) : مدينة بينها وبين تارنانا عشرة أميال، وهي مدينة مشهورة على ساحل البحر بها مسجد جامع متقن البناء يشرف على البحر، ولها أسواق جامعة، وهي محط للسفن ومقصد لقوافل سجلماسة وغيرها، وفي الشرق من تابحريت مدينة مسكاك (٧) بينهما نحو ثلاثة أميال وهي أقدم من تابحريت وإنما جددت مدينة تابحريت بعد العشرين والأربعمائة (٨) وهي ساحل وجدة. تادلى (٩) : من بلاد المغرب، وهي مدينة قديمة أزلية فيها آثار للأول، بنى الملثمون فيها حصناً منيعاً هو الآن معمور وفيه الأسواق والجامع، والبلد كله كثير الخيرات والأرزاق أحاطت به القبائل من جميع الجهات. وهي بلد أحمد بن عبد السلام الجراوي (١٠) الشاعر الباقعة، يقال إنه مدح عبد المؤمن وولده يوسف وولده يعقوب وولده محمداً الناصر ومات عام العقاب، وهو عام تسعة وستمائة، واستوطن مدينة فاس وقرأ بها وكان لا يسلم أحد من لسانه، وكان مسلطاً على بني الملجوم أعيان فاس واستطرد بهجاء قومه وبلده إليهم فقال:

стр. 144

يا ابن السبيل إذا مررت بتادلى ... لا تنزلن على بني غفجوم قوم طووا طنب السماحة بينهم ... لكنهم نشروا لواء اللوم يا ليتني من غيرهم ولو أنني ... من أهل فاس من بني الملجوم تامدلت (١) : في بلاد السوس، مدينة كبيرة أسسها عبد الله (٢) بن ادريس العلوي وتوفي بايكلي وبها قبره. وتامدلت مدينة سهلية كثيرة العمارة حافلة الأسواق على نهر عنصره من جبل على نحو عشرة أميال منها، وما بينهما عمائر وبساتين متصلة، وهذا النهر هو نهر درعة، ومدينة تامدلت على رأس النهر وبينها وبين درعة مسيرة ستة أيام في عمارة متصلة، وعليها سور طوب وحجر وبها حمامان وسوق عامرة، ولأهلها أربعة أبواب وعلى نهرها أرحاء كثيرة وأرضها أكرم أرض وأكثرها زرعاً تعطي الحبة مائة، وبها معدن فضة غزير كثير المادة. تامللت (٣) : هو حصن عظيم جداً من حصون جبل درن بالمغرب وهو منيع صعب المرتقى يمسكه أربعة من الرجال، وكان الإمام المهدي زاد في تحصينه وجعل فيه مخازن أمواله وبه الآن قبره، فإنه لما مات بجبل الكواكب حملوه أصحابه فدفنوه في هذا الحصن وقبره هناك يزار وعليه كالقبة العالية، وفي ذكر جبل درن طرف من هذا. تامدوت (٤) : مدينة لطيفة بينها وبين اوفرجي مرحلة وبين اوفرجي (٥) وبين مراكش مرحلة، وتامدوت طيبة الهواء والماء، ومنها يرتقى إلى جبل درن، ويقال إنه أكبر جبال الدنيا وأنه يتصل بجبل المقطم الذي في بلاد مصر، وفيه قبائل كثيرة من المصامدة ويقال إنهم من العرب دخلوا تلك البلاد وسكنوها في الفتنة الواقعة عند هزيمة ميسرة التي تسمى غزوة الأشراف (٦) وكان البربر يطلبون المغرب فتوغلوا في تلك الجبال وتناسلوا. تازا (٧) : من بلاد المغرب، أول بلاد تازا حد ما بين المغرب الأوسط وبلاد المغرب في الطول، وفي العرض البلاد الساحلية مثل وهران ومليلة وغيرهما، وقد بني فيها في هذا العهد القريب مدينة الرباط أعني في جبال تازا، ومدينة الرباط هذه كبيرة في سفح جبل عال مشرفة على بسائط تشقها جداول المياه العذبة عليها سور عظيم، وهي في فسحة من نحو ستة أميال ما بين جبال، تنصب إليها من تلك الجبال مياه كثيرة وأنهار تسقي جميع بساتينها، ولها نظر كبير كثير الزرع والفواكه وجميع الخيرات، وسورت هذه المدينة سنة ثمان وستين وخمسمائة، وهي على طريق المار من المغرب إلى المشرق وتسمى مكناسة تازا، ومكناسة قبيلة من البربر سكنوا هناك فسمي الموضع بهم. تامزغران (٨) : مدينة بالمغرب بقرب مصب نهر شلف في البحر، بينها وبين مستغانم ثلاثة أميال، وهي مدينة مسورة لها مسجد جامع، وعلى مقربة منها قلعة هوارة وهي قلعة في جبل لها ثمار وزرع. تانكرمت (٩) : حصن على الساحل من حصون تلمسان، ولهم مزارع واسعة وبسائط خصيبة. تامسامان (١٠) : بقرب بلد نكور من البلاد الغربية من أعمال تلمسان، وهي مرسى مشهور. تادمكة (١١) : في بلاد السودان، وهي أشبه بلاد الدنيا بمكة شرفها الله تعالى، ومعنى تاد عندهم هيئة أي على هيئة مكة، وهي منيعة كبيرة بين جبال وشعاب وهي أحسن بناء من مدينة غانة وكوكو. وأهل تادمكة بربر مسلمون، وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء وعيشهم من اللحم ومن اللبن ومن حب تنبته الأرض من غير اعتمال،

стр. 145

وتجلب إليهم الذرة وسائر الحبوب من بلاد السودان، ويلبسون الثياب المصبغة من القطن والصوف وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصاً أصفر، ودنانيرهم تسمى الصلع لأنها ذهب محض غير مختومة، ونساؤهم فائقات الجمال لا يعدل بهن نساء بلد حسناً، والزنا عندهم مباح وهن يتلقين التجار إذا أقبلوا إلى بلدهم ويتقارعن على الرجل أيتهن تحمله إلى منزلها، وبين تادمكة وغانة نحو خمسين مرحلة، وبينهما مدن وعمائر للسودان والبربر. تاكررت (١) : قلعة منيعة بينها وبين تلمسان مسيرة يوم بها تحصن يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان من بني عبد الوادي في سنة ست وأربعين وستمائة حين توجه إليه ملك المغرب علي بن أبي العلا ابن المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب مراكش الملقب بالسعيد وصعد إليه فقتل علي هنالك وذهبت محلته وفسد أمره واختلت حاله كلها، وربما أوردت طرفاً من خبره في ذكر تلمسان. تاكرنا (٢) : مدينة بالأندلس بمقربة من استجة، وهي مدينة أولية إليها تنسب الكورة وبها بلاط من بنيان الأول لم يتغير. وإقليم تاكرنا منضاف إلى إقليم استجة، ومن مدن تاكرنا مدينة رندة وهي قديمة ولها آثار كثيرة، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. تامسنا (٣) : إقليم تامسنا في بلاد المغرب، وهناك مات الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز الصنهاجي صاحب المهدية سنة ست وستين وخمسمائة وكان انتقل إلى المغرب بأهله وولده فمات بإقليم تامسنا بموضع يقال له ابارزلو (٤) وسكن المهدية ثمانية أعوام أو نحوها تحت لواء الموحدين. تبالة (٥) : في الحجاز في طريق مكة من اليمن وبينهما أربع مراحل، وهي قرية صغيرة وبها عيون متدفقة ومزارع ونخل وفيها مسجد جامع ومنبر والماء من العيون والآبار، وهي في أسفل أكمة من تراب، وفيها جاء المثل: " أهون من تبالة على الحجاج " وكانت أول عمل وليه، فلما جاءها قيل له هي خلف هذه الأكمة، فقال: لا خير في بلدة تسترها هذه الأكمة، وولى راجعاً. وكان بتبالة في الجاهلية صنم لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب يقال له ذو الخلصة، وقال الشاعر (٦) : لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا ... لم تنه عن قتل العداة زورا ... وكان أبوه قتل فأراد الطلب بدمه فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنده بالأزلام فخرج السهم بنهيه عن ذلك فقال هذه الأبيات. وكان النبي ﷺ استعمل عكرمة على صدقات عامر فلما مات النبي ﷺ (٧) انحاز إلى تبالة في أناس من العرب ثبتوا على الإسلام فكان مقيماً بتبالة من أرض كعب بن ربيعة فجاءه كتاب أبي بكر ﵁، وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة، أن سر في من قبلك من المسلمين إلى أهل دبا فسار إليهم، الخبر بطوله. تبسا (٨) : من بلاد إفريقية بقرب وادي ملاق، مدينة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة للأول ومبان عجيبة ما بإفريقية بعد قرطاجنة أعظم منها، وبها دار ملعب قد تهدم أكثره أغرب ما يكون من البناء، وفيها هيكل يظن الرائي له أنه كما رفعت اليد عنه ما تكاد تعرف الفرق بين أحجاره، ولو غرزت الإبرة بين حجرين من حجاره ما وجدت منفذاً، وفي داخله أقباء معقودة وبعضها فوق بعض وبيوت تحت الأرض وأدراج كثيرة ولها منظر هائل، ويقال إن ذلك الهيكل كان لاستنزال الروحانيات لأن فيه أثر الدخن وفيه صور جميع الحيوانات وصور شاذة لا يعلم ما هي، وفي وسط المدينة هيكل عظيم مبني على سواري رخام، وقد صور
следующие страницы →