← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 10442

سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين

الداني آل زهوي

Полный текст (697 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة فضيلة الشيخ العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن صالح العُبيلان حفظه الله تعالى إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد؛ فإن الله ردَّنا إلى كتابه وإلى سنة رسوله ﵌، وإلى أعلم الناس بكتابه وسنة رسوله ﵌، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال جابر بن عبد الله ﵁: "أولوا الفقه والخير". أخرجه ابن أبى شيبة وغيره؛ بإسناد جيد. وقال ابن مسعود ﵁: "لا يزال الناسُ بخير ما أتاهم العلمُ من أصحاب محمد ﵌ ومن أكابِرِهم، فإذا جاء العلم من قِبَلِ أصاغرهم هلكوا". أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" وغيره؛ بإسناد صحيح. فلا ريب أنهم كانوا أبرّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأَقَلَّ تكلُّفًا، وأحري بأن يوفَّقوا في فهم كتاب الله وسنة رسوله ﵌ بما لم يوفَّقْ له من لم يلزم طريقهم؛ لما خَصَّهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحُسن الإدراك وسرعته، وقلَّة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الله تعالى. فالعربية سليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة لهم إلى النظر في الإسناد، وأحوال الرواة، وعلل الحديث، والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول، وأوضاع الأصوليين؛ بل قد غُنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا. والثاني: معناه كذا وكذا. وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما.

стр. 2

ولذا فإن الله تعالى جعل ما كانوا عليه من دين، وعقيدة، ومنهاج، وعبادة وسلوك؛ هو الحق الذي يجبُ اتباعه، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ الآية. فالله جعلهم متبوعين، فمن جاء بعدهم فهو تابع لهم. ومن هنا جاءت كلماتُ أئمة أهلِ العلم في أنه لا يجوز الخروج عن ما كانوا، وإن اختلفوا على قولين فلا يجوز إحداث قول ثالث، لأن الحق لا يخرج عنهم؛ بل إن شيخ الإسلام ﵀ والذي عُرِفَ بسعة استقرائه لمسائل العلم - يقرِّرُ أنه لا يمكن أن ينفرد أحد الأئمة عن الباقين ويكون الصواب معه إلا وقد اعتمد على أثر جمع من الصحابة أو أحدهم. "منهاج السنة" (٥/ ١٧٨). وابن القيم ﵀ يعزو كثرة الاختلاف بين أهل العلم لعدم التقيّد بهذا المنهج؛ إما لعدم العلم بالآثار، أو تقليد الأئمة، فيقول: "فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاهُ إلى الله ورسوله، وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة؛ لقل الاختلاف وإن لم يعدم من الأرض". أعلام الموقعين ٣/ ٢٢٦. ولعل تشكيل مدارس أهل -على النحو المعروف- أَضعَفَ من الأخذ بآثار الصحابة؛ بل أَضْعَفَ من الأخذَ بالسنة. وهذا ما حذَّر منه الأئمة بقولهم: "خذوا من حيث أخَذْنَا". ولا يشك عاقل أن افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة سببه الأعظم هو ترك هذا المنهج المعصوم، كما أخبر بذلك المصطفى ﵊. وأعتقد أن الأمة لا يمكن أن تنهض من كبوتها إلا بالعودة إلى ما كان عليه النبي ﵌ وصحابته ﵃، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾. فكل جهد للإصلاح لا ينطلق من هذا الأساس فهو جهد ضائع، فاقتصادٌ في سنة خير من اجتهادٍ في بدعة. لذا كان من واجب أهل العلم العناية بآثار الصحابة ﵃، ودراستها بتمييز ما يثبت عنهم من غيره، للحفاظ على الدين، ونبذ الاختلاف فيما لم نعلم أنهم اختلفوا فيه؛ فيرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌.

стр. 3

وأعتقد أن أهل السنة السائرين على طريق الصحابة لا يمكنهم أن يتميزوا عن غيرهم إلا بهذا. وقد نبَّهَ ابنُ عمر ﵁ إلى هذا -وهو مخالفة من بعدهم لهم في فهم القرآن والسنة- فقال: "قاتل الله الخوارج؛ انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين" رواه البخاري. فإن فَهْمَ الدين مع البعد الزمني عن الصَّدر الأول يعظم خفاؤه، وهذا ما أخبر به النبي ﵌ بقوله: "اتخذ الناسُ رؤوسًا جُهّالًا، فأفتوا برأيهم" وهذا لفظ البخاري. ولا يمكن ردّ هذا الرأي المخالف للدين إلا بالتزام فهم السلف الصالح. وقد وقفتُ على كتاب أخينا أبي عبد الله الداني بن منير آل زهوي "سلسلة الآثار الصحيحة"، فسرَّني ذلك جدًا؛ لما رأيتُ فيه من جهدٍ مشكور في دراسة الأسانيد دراسة علمية رصينة، والتنبيه على ما فيها من حِكَم وأحكام، من خلال كلام أهل العلم. كما اعتنى بدراسة آثار التابعين الذين أخذوا العلم عن أصحاب رسول الله ﵌، لقرب عهدهم بنور النبوة، وإن لم يكن لآحادهم ما لآحاد الصحابة من وجوب الإتباع. وأرجو من الله أن يكون لهذه السلسلة من النفع والقبول ما كان لسابقتها في حديث النبي ﵌، للعلامة المحقق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀. وأشدُّ على يدِ أخينا أبي عبد الله في مواصلة هذا العمل، فإن الأمة سيأتي عليها وقت تكون في أشد الحاجة إلى هذا الكتاب المبارك، كما ستكون خدمة عظيمة لأهل العلم الذين يعنون بفهم الصحابة لترجيح أقوال أهل العلم المختلفة. والحمد لله رب العالمين. وكتبه أبو عبد الرحمن عبد الله بن صالح العبيلان ٣/ ١/ ١٤٢٤ هـ

стр. 4

شكر وتقدير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. أما بعد؛ فعملًا بقول النبي ﵌: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"؛ فإني أتقدم بالشكر للشيخ الفاضل العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن صالح العُبيلان -حفظه الله تعالى- على ما قام به من مراجعة هذا الكتاب، والتقديم له، وعلى حُسن ظنّه بأخيه وتشجيعه له، والحث على مواصلة هذا العمل. كما وأشكره على إفاداته وإرشاداته، وتفرغه لقراءة الكتاب ومراجعته، وهذا من شيمة الشيخ ومكارم أخلاقه، ولين جانبه، وتواضعه، فقد أخجلني الشيخُ - حفظه الله- جدًا واللهِ - بتواضعه الجمّ، ولين جانبهِ. فالله أسألُ أن يرفعَ من منزلة الشيخ عبد الله، في الدنيا والآخرة، وأن يجزيه خيرًا، ويسدّد خطاه، ويدفع عنه كل سوء، ويحفظه بما يحفظ به عباده الصالحين. قيَّد ذلك اعترافًا بالشكر لأهله أبو عبد الله الداني بن منير آل زهوي

стр. 5

سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين جمعها وخرّجها وذكر بعض فوائدها أبو عبد الله الداني بن منير آل زهوي راجعه وقدم له فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح العبيلان حفظه الله تعالى المجلد الأول ١ - ٣٥٠ دار الفاروق للطباعة والنشر والتوزيع

стр. 6

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى جمادى الأولى سنة ١٤٢٤ آب (أغسطس) ٢٠٠٣ م دار الفاروق للطباعة والنشر لبنان - بيروت - ص. ب: ٥١٤٠/ ١٥ - الرمز البريدي: ١١٠١٢٠٢٠ هاتف وفاكس: ٨٠٤٥٢٠ (٠٠٩٦١٥) - محمول: ٩٥٤٦٦١ (٠٠٩٦١٣)

стр. 7

سلسلة الآثار الصحيحة أو الصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين، وعليه اتّكالي، وإليه مآبي إن الحمد لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل فلا هَادِي له. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد؛ فإن أَصْدَقَ الكلامِ كلامُ الله، وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلّم -، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثَاتُها، وكُل مُحْدَثَةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة. فإن الله أنعم علينا معاشر المسلمين بشريعة غرّاءَ نقيّةٍ، واضحةِ المعالِم، متينة في أُسِّها، وَارِفَة الظِّلَالِ، يَنْعم فيها المرءُ بالسعادة الأبدية التي وعد اللهُ من التزم بها وتمسّك بعُراها. وكان من تمام نِعَمِ اللهِ تعالى أن أيَّد هذا الدين برسوله الأمين - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فبعثَهُ هَاديًا وبشيرًا، رحمةً للعباد، معلّمًا لهم، ومربيًا، وإمامًا.

стр. 10

وأيَّد اللهُ رسوله صلوات الله وسلامه عليه بكتابه المبين، فشرَع به الشراثع، وأحل به الحلال، وحرّم به الحرام، وأنذر به العباد؛ فقصَّ عليهم أنباء من قبلهم من الأمم، ورغبهم فيه بما أعدّ لمطيعهم من الثواب والنعيم المقيم، وأنذرهم وحذّرهم بما أعدَّ لمخالفيه من النقمة والعذاب الأليم. وكانت من ثَمَّ السُّنَّةُ النبويَّةُ متمّمة لهذه الغاية، ولهذا المطلب، فبُيِّنَ بها ما أجمل، وفُسِّرَ بها ما خَفِيَ وأُبهِمَ، فكانت السُّنّةُ للقرآن كالأغصان والأوراق للأشجار، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وكان من نعم الله أيضًا على هذه الأمة أن حفظ لهم كتابه العظيم من تلاعب المتلاعبين، ومن عبث العابثين، فحفظه من الزيادة والنقصان والتحريف (١)، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢). ومن تمام النعمة على هذه الأمة أيضًا، أن حفِظَ ربنا سُنَّةَ نبيِّهِ ﵌، وذلك بأن قيد لنبيه أُناسًا يحفظون عنه أقواله، وَيرْوُونَ عنه أفعالَهُ، ويُخبِرُونَ عن أحوالِهِ وصِفَاتِهِ؛ وعلى رأسِ هؤلاء؛ أصحابه ﵃ وأرضاهم، فقد كانوا خيرَ الناسِ قلوبًا، وأصدقهم حالًا ومقالًا، باعوا أنفسَهُم لله تعالى، وجاهدوا في الله حقَّ الجهادِ؛ ومن جهادِهم أن حفظوا لنا سنّة نبينا ﵌، فنقلوها للأجيال من بعدهم، وحدّث العالِم منهم بها من جَهِلَهَا. لكن لم يتمّ للسنةِ ما تمَّ للقرآنِ الكريم من تمامِ الحفْظ والصَّوْنِ، فقد امتدَّت أيدي العابثين لما حُفِظَ من السنةِ النبوَيةِ، فدَسَّ الدَّاسُّون فيها، وكذَبَ الكذابون، وافترى المفترون ... وما ذلك إلا لحكمة يعلمها فاطر السموات والأرض، وخالق الخلق أجمعين. ومع ذلك فإن الذي حَفِظَ كتابَهُ العظيم من التَّلاعُبِ والعَبَثِ حَفِظَ أيضًا سُنَّةَ نبيهِ - ولكن بدرجةِ أقل من درجة حِفْظِ الكتاب، وبنوعٍ من الحِفْظِ غير النوع الذي حَفِظَ به القرآن.

стр. 11

من ذلك أن صاحبَ هذه السنة صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر -فيما تواتر عنه- أنه سيكون من بعده من يكذِبُ عليه، ومن يحدّثُ عنه بالكَذَبِ ... فكان أصحابهُ من بعده يتحرون في الرواية عنه، ويحرصون على التثبتِ، وعلى أخذ الحديث من الثقات العدول سماعًا وكتابةً ... وكذا سار التابعون من بعدهم، إلى أن ظهر الكذب، وانتشر هذا الدين في أرجاء الأرض، فاندسَّ أعداء الله وأعداء دينه لينالوا من حديث النبي ﵌ بعدما علموا أنهم لن يستطيعوا النيل من الكتاب الكريم. فظهر الكذب والوضع في الحديث، فما كان من العلماء الأتقياء النجباء إلا أن انبروا لهؤلاء وتصدّوا لهم؛ بأن جعلوا للرواية عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضوابط وقواعد وقيودًا، كبّلوا بها أيدي هؤلاء المعتدين، فنخّلوا الحديث تنخيلًا؛ فميزوا صحيحه من سقيمه، ودوَّنُوهُ في كتبهم، ومَيَّزُوا الرواةَ صادِقهم من كاذبهم، بل حتى من لم يعرف بالضبط والسماع -وإن كان في نفسه صادقًا- لم يقبلوا الرواية عنه، وغير ذلك من الأمور التي محلّ بسطها في دواوين كتب مصطلح الحديث. فتوالى العلماء منذ عصر التابعين -بل منذ عصر الصحابة- على تمحيص السنة، والتدقيق في رواتها، وتمييزهم، فكان يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وشعبة بن الحجاج، وابن حبان، والعقيلي، وابن الجوزي، والذهبي، وابن حجر -وغيرهم كثير مما لا يحصى عددهم- حَمُوا حِيَاضَ السُّنَّةِ وذَبّوا عنها. وكان في عصرنا الحاضر الإمام المحدّث شامة الشام، وريحانة الزمان، وقِبْلَةُ أهل الحديث في هذا العصر؛ العلامة الشيخ محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وأسكنه فسيح الجنة - الذي إذا ذُكر اسمه طَرِبَت له قلوبُ أهلِ الحديثِ ومُحِبِّي سُنَّةِ المصطفى ﷺ ، جدَّدَ اللهُ تعالى به معالم الدين بعدما اندرست، وتذاكرنا به عصر أحمد وابن معين وعبد الرزاق وابن المبارك ... كيف كانوا يرحلون في طلب الحديث، وكيف كان يُرحَلُ إليهم، فإني لا أعلم رجلًا رَحَلَ الناسُ إليه في هذا العصر مثل ما رحل الناس إلى محدث الدنيا.

стр. 12

كانت السُّنَّةُ قَبلَهُ نَسْيًا مَنْسيًّا -إلا قليلًا- وكان الحديث غريبًا -حتى بين أهله-! لا يميزون صحيحًا من سقيمِ، ولا مقبولًا من مردودٍ، يستدلُّ الخطباء والفقهاء والمدرسون والوعاظ بما وضع على نبيهم! جهلًا منهم بالأمر والخطب. فبعث الله تعالى لهذه الأمة على رأس المائة الرابعة عشر من يجدّد لهذه الأمة أمر دينها، فلمع اسم الألباني، فعرفَهُ القاصي والدَّاني، ورحَلَ إليه القريب والبعيد، بل الصديق والعدو. عاش ﵀ من أجل خدمة السُّنَّةِ النبوية، وتمييز صحيحها من سقيمها، ووضع لنفسه مشروعه الكبير: "تقريبُ السُّنةِ بين يدي الأمة"، فألَّف الكتب الكثيرة الفريدة النادرة، وحقَّق الكثير من كتب الحديث تحقيقًا لا يوجد له نظير. ولعلَّ من أهمّ هذه الكتب: "سلسلتي الأحاديث؛ الصحيحة، والضعيفة"، حيث جمع ﵀ كَمًّا هائلًا من الأحاديث النبوية، ومن ثمَّ درس أسانيدها وتتبَّع طرقها، ثم فصل الصحيح منها في سلسلة، والضعيف في السلسلة الأخرى. فـ-﵀ وجزاه عن الدّين كل خير. ولما كان من أُسُسِ الدين؛ التمسّك والسير على آثار السَّالفين، ومعرفة ما كان عليه أهل القرون الثلاثة الأول، وفهم الكتاب والسنة بفهمهم، والتمسك بهديهم؛ كان لأقوال وآثار أصحاب هذه القرون -وعلى رأسهم أصحاب النبي ﵌ أهمية في ديننا، ومنزلة في شرعنا. فكان من اهتمام العلماء بالسنة أن اهتموا بنقل وحفظ وتدوين آثار الصحابة والتابعين، فهم المبلّغين عن رسول الله ﵌، الكاشفين لما أُبْهِمَ وخَفِيَ من فَهْم سُنَّتِهِ، كما أن السنّةَ مُبَيِّنَةٌ للقرآنِ، فآثارهم وأقوالهم تبيِّن السنة. ولا شك أنه يجري على آثار الصحابة ما يجري على الأحاديث النبوية؛ من تمحيص أسانيدها والبحث في حال رجالها ورواتها، كي يُنْسَبَ القولُ إلى قائله منهم. ولمَّا لم يكن لهذه الآثار السَّلفية كتاب جامع ككتب السنة ودواوينها؛ عزمت على جمع ما أقف عليه من الآثار، ثم أُخرِّجُهَا وفق الطريقة المتّبعة في

стр. 13

تخريج الأحاديث النبوية، وأدرس رجال الإسناد وحالهم، مع البحث على شواهد ومتابعات إن وجدت، وإن كان لأهل العلم كلام وقفتُ عليه حول أثر ما؛ أُثبِتُهُ دون تردّدٍ. وفي هذا العمل تحقيق أمنية تمنَّاها المحدِّثُ الألباني ﵀ في جمع هذه الآثار والاعتناء بها؛ كما هو الحال في الأحاديث النبوية المرفوعة، وكانت هذه الإشارة إلى هذا العمل عبر سؤالٍ وجهه الشيخ الفاضل عبد الله بن صالح العبيلان -حفظه الله تعالى- للشيخ ﵀. وَتَيَمُّنًا بصنيع المحدث الألباني ﵀ في سلسلتيه الصحيحة والضعيفة؛ إذ أَوْدَعَ ما صحّ عن رسول الله ﵌ في سلسلة، وما لم يصح في الأخرى؛ فكذا كان صنيعي في هذا العمل. ولمّا كان من العسير جمع هذه الآثار على الأبواب الفقهية وترتيبها في كتاب واحد؛ لما يحتاجه هذا العمل من الوقت الطويل والجهد الكبير والإحاطة بما هو مطبوع ومخطوط؛ فقد اتبعتُ أيضًا طريقة الشيخ الألباني ﵀ في "الصحيحة" و"الضعيفة"، وذلك بذكرِ ما يعرضُ لي وما أقِفُ عليه، ثم أرتّبُ هذه الآثار على أبوابها الفقهية في فهرس الكتاب كي يتسنَّى للباحِثِ والقارئ الوقوف على مراده منها. أما عن الفرق بين عملي في هذا الكتاب وعمل الشيخ زكريا بن غلام قادر الباكستاني في كتابه: "ما صَحَّ من آثار الصحابة في الفقه" -والذي صدر عن دار الخرَّاز ودار ابن حزم -فالفرق بين العملين يتلخَّص فيما يلي: أولًا: أن كتابه خاص بآثار الصحابة -في الفقه- دون التابعين، وكتابي جمع آثار الصحابة والتابعين. ثانيًا: أن كتابه -وفقه الله- خاص بالفقه دون غيره من أبواب الدين؛ أما كتابي فإنه شامل غير مختص بباب معين. ثالثًا: أنه قد فات الشيخ -وفقه الله- كثير من الآثار التي تتعلق بكتابه؛ لم يودعها، ولعلّ ذلك يعود لصعوبة احتواء هذه الآثار في أبواب فقهية -كما أسلفت- وكما سيتبين من خلال هذه السلسلة إن شاء الله. رابعًا: أن الشيخ اعتمد في كتابه على مصادر قليلة جدًا، أهمها: "الأوسط" لابن المنذر، و"المصنف" لابن أبي شيبة، و"مصنف عبد الرزاق"، وغيرها.

стр. 14

أما في هذه السلسلة فإني سأجمع -إن شاء الله- آثار الصحابة والتابعين من كتب الحديث المطبوعة -بما في ذلك السنن والمسانيد والمجاميع والأجزاء الحديثية- وما أقف عليه من مخطوطها. خامسًا: أني أفصّل في حكمي على الأثر بالإعتماد على كلام أهل العلم السابقين -إن وجد- وإلا بيَّنتُ ذلك بذكر طرق الأثر، وتخريجه تخريجًا علميًا على قواعد تخريج الأحاديث المرفوعة. وهذا هو المجلد الأول من قسم الصحيح من هذه الآثار، وهو يحتوي على ثلاثمائة وخمسين أثرًا، على أن تصدر هذه السلسلة تباعًا إن شاء الله تعالى، يسّر الله أمرنا وأمدّنا بعونه ورحمنا برحمته. هذا؛ وأسألُ الله تعالى أن يتقبَّلَ مِنَّا أعمالنا، وأن يكتب لنا فيها الإخلاص والقبول، وأن لا يجعلَ لأحدٍ من خلقه في المقصد والمأربِ نصيبًا. وهذا الكتاب أيها القارئ بين يَدَيكَ، وهو عمل بشر يعتريه الخطأ والزَّلَل، والحقُّ والصواب؛ فإن كانت الأولى فإني أستغفر الله تعالى من كل خطإٍ أو زللٍ، وأرجو ممن وقف على ذلك التصحيح والتنبيه، فإن العلم رَحِمٌ بين أهله، والنُّصح من مهمات هذا الدين. وإن كانت الثانية -وأسال الله تعالى أن يوفّقنا إليها- فهو فضل من الله ونعمة، وإكرام منه ومنّة، والحمد لله على كل حال. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. كتب ذلك: الفقير إلى عَفْوِ ربّه الرحيم أبو عبد الله الداني بن منير آل زهوي كان الله له الجية، منطقة جبل لبنان لثلاثٍ خلون من شهر صفر، سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وألف

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم يَسِّر وأعِنْ ١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن اللهَ نَظَرَ في قلوب العباد فوجَدَ قَلْبَ محمدٍ ﵌ خير قلوب العباد؛ فاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ برسالته ثم نَظَرَ في قلوب العباد بعد قَلْبِ محمد ﵌ فَوَجَدَ قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد؛ فَجَعَلَهُمْ وزراءَ نبيه؛ يقاتلون على دينِهِ؛ فما رآهُ المَسلمونَ حَسنًا فهو عند اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوْهُ سيئًا فهو عند الله سيِّئٌ". أثر حسن. أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٧٩) أو رقم (٣٦٠٠ - شاكر) والقطيعي في زوائده على "فضائل الصحابة" (٥٤١) والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٧٨) والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٨٥٨٢) والآجري في "الشريعة" (٢/ ٤١٣، ٤١٤/ ١٢٠٤، ١٢٠٥، ١٢٠٦) والبزار (٥/ ٢١٢/ ١٨١٦ - البحر الزخار) أو (١/ ٨١/ ١٣٠ - كشف الأستار) وأبو بكر بن النقور في "الفوائد" (٣٢) وابن الأعرابي في "معجمه" (٢/ ٤٤٣/ ٨٦١). من طريق: أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله بن مسعود به. قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذي" (٢/ ٧٨٨): "قال حنبل بن إسحاق، ثنا مسدد، ثنا أبو زيد الواسطي، عن حماد بن سلمة، قال: كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي عن أبي وائل. قال العجلي: عاصم ثقة في الحديث، لكن يختلف عليه في حديث زر وأبي وائل". وقال الدارقطني في "العلل" (٥/ ٦٦ - ٦٧/ ٧١١): "يرويه عاصم؛ واختلف فيه، فرواه أبو بكر بن عياش وابن عيينة عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، وخالفهما المسعودي وحمزة الزيات، فروياه عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله.

стр. 16

وخالفهم نصر بن أبي الأشعث؛ رواه عن عاصم، عن المسيب بن رافع ومسلم بن صبيح، عن عبد الله. ورواه الأعمش، واختلف عنه؛ فقال عبد السلام بن حرب، عن الأعمش عن شقيق، عن عبد الله. وقال ابن عيينة: عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الله". قلت: حديث المسعودي أخرجه: الطيالسي في "مسنده" (٢٤٦) والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٨٥٨٣) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٧٥) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٢٢/ ٤٤٥) وفي "تاريخ بغداد" (٤/ ١٦٥) والبيهقي في "الإعتقاد" (ص ٤٤٨ ط دار الفضيلة) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٢١٤/ ١٠٥) وابن الأعرابي في "معجمه" (٢/ ٤٤٤/ ٨٦٢) والبيهقي في "المدخل إلى السنن" (رقم: ٤٩). من طريق: المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به. والمسعودي اختلط، لكن الراوي عنه هنا في بعض الطرق أبو داود الطيالسي، وسماعه منه قبل الإختلاط. وتابعه عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أبي وائل به؛ عند الطبراني في "الكبير" (٩/ رقم: ٨٥٩٣) وفي "الأوسط" (رقم: ٣٦٠٢) والبزار كما في "كشف الأستار" (٢٣٦٧). وأخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣/ ٤٤٦) من طريق: الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله به. ويُروى مرفوعًا عن أنس بإسناد ضعيف جدًا؛ انظر "الضعيفة" (٥٣٢). والأثر حسّنه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٩٥٩) والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٨٨) والألباني في "الضعيفة" (٢/ ١٧). * * * ٢ - قال الحافظ أبو جعفر محمد بن سليمان المصيصي المعروف بـ"لوين" في جزئه (ص ٦٨/ رقم: ٢١ - ط. مكتبة الرشد بالرياض):

стр. 17

حدثنا أبو بحر بن عياش، عن عبد الملك بن عُمير، عن محمد بن المنقشر، عن عروة البارقي، قال: "كان لي أفراسٌ فيها فَحْلٌ شَرْوُهُ عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان؛ فأتيتُ عمر ﵁، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁: أن خيّر الدِّهْقَان بين أن يُعْطِيَهُ عشرين ألفًا ويأخذ الفرس، وبين أن يغرم ربع الثمن. فقال لي الدهقان: ما أصنع بالفرس؟! فغرم ربع الثمن". أثر حسن. رجاله كلهم ثقات، وعبد الملك بن عمير اللخمي قال عنه الحافظ: "ثقة فصيح عالم، تغير حفظه، وربما دلس". قلت: بل هو صدوق حسن الحديث إن شاء الله تعالى، كما تراه على التفصيل في "تحرير تقربب التهذيب" (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧/ ٤٢٠٠)؛ فانظره. والدّهقان: يأتي بمعنى التاجر، أو المتصرف بحدة، أو زعيم فلاحي العجم، أو رئيس الإقليم ... وفي الأثر بيان أن كتابة الأحاديث والأحكام كان على عهد الخلفاء الراشدين خلافًا لما يزعمه البعض. وهذا الأثر يضاف إلى مقدمتي لكتاب "تقييد العلم" -للخطيب البغدادي- ط. المكتبة العصرية، في الفصل الذي كتبته عن تدوين الحديث. وفيه أيضًا بيان الحكم الشرعي فيمن فقأ عين فرس غيره، كما هو مفصل في هذا الأثر. * * * من أَدَبِ المَجْلِس: ٣ - عن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: "كُنَّا إذا أتينا النبيَّ ﵌ جَلَسَ أحدُنا حيث ينتهي". أئر صحيح. أخرجه: أحمد (٥/ ٩١، ١٠٧ - ١٠٨) أو رقم (٢٠٩٢٤، ٢١١١٦ - قرطبة) وابنه عبد الله في زوائده على "المسند" (٥/ ٩٨) أو (٢١٠٠٤ - قرطبة) وأبو داود (٤٨٢٥) والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٤١) والنسائي في

стр. 18

"الكبرى" (٣/ ٤٥٣/ ٥٨٩٩) والترمذي (٢٧٢٥) وزهير بن حرب في "العلم" (رقم: ١٠٠) وأبو جعفر المصيصي لوين في "جزئه" (رقم: ٢٢) وابن حبان (١٤/ ٣٤٥/ ٦٤٣٣) والطيالسي (٧٨٠) والبيهقي (٣/ ٢٣١) والطبراني في "الكبير" (٢/ رقم: ١٩٥١) والمعافى بن عمران في "الزهد" (رقم: ١٣٢) وأبو نعيم في "ذكر أخبار أصبهان" (٢٩٩). من طريق: شريك بن عبد الله، عن سماك، عن جابر بن سمرة به. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب، وقد رواه زهير عن سماك أيضًا". قال الشيخ الألباني ﵀ في "الصحيحة" (١/ ٢/ ٦٤٨/ رقم: ٣٣٠): "شريك فيه ضعف من قبل حفظه، لكن متابعة زهير إياه تقويه، وهو زهير بن معاوية بن حُديج، وهو ثقة من رجال الشيخين". فقه الأثر: قال العلامة الألباني ﵀: "وفي الحديث تنبيه على أدب من آداب المجالس في عهد النبي ﷺ ، طالما أهمله الناس اليوم -حتى أهل العلم- وهو أن الرجل إذا دخل المجلس يجلس فيه حتى ينتهي به المجلس، ولو عند عتبة الباب، فإذا وجد مثله فعليه أن يجلس فيه، ولا يترقَّب أن يقوم له بعض أهل المجلس من مجلسه؛ كما يفعل بعض المتكبرين من الرؤساء والمتعجرفين من المتمشيخين" اهـ. * * * ٤ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: " الإقتصادُ في السُّنّةِ خيرٌ من الإجتهاد في البدعة ". أثر صحيح. أخرجه: الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٠٣) وأحمد في "الزهد" (رقم: ٨٦٩ - ط. دار الكتاب العربي) والدارمي في "مسنده" أو "سننه" (١/ ٨٣/ ٢١٧ - ط. دار الكتاب العربي) أو (١/ ٢٢٣/٢٩٦ - ط. حسين سليم أسد) واللالكائي (١/ ٦١، ٩٩/ ١٣، ١٤، ١١٤) والمروزي في "السنة" (رقم: ٩٠ - ط. العاصمة) وابن بطة في "الإبانة" (١/ رقم: ١٦١، ٢٠١، ٢٤٦، ٢٤٧)

стр. 19

وأبو ذر الهروي في "ذم الكلام وأهله" (٣/ ٧٠/ ٤٢٩، ٤٣٠ - ط. العلوم والحكم) أو (٢/ ٣٤٤، ٣٤٥/ ٤٣٧، ٤٣٨ - ط. الغرباء الأثرية) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٣٨٣/ ٣٩١) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ١١٧٩/ ٢٣٣٤) -معلقًا-. من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير ومالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود به. وإسناده صحيح. وله طريق أخرى عند الطبراني في "الكبير" (١٠/ رقم: ١٠٤٨٨) فيها ضعف، بسبب محمد بن بشير الكندي، وانظر "مجمع الزوائد" (١/ ١٧٣). وله طرق أخرى عند المروزي في "السنة" (٩١) وابن بطة في "الإبانة" (١/ رقم: ١٧٨، ١٧٩) وأبو جعفر الطوسي في "الأمالي" (رقم: ٤٨٤). ورُوي الأثر عن أبي الدرداء وأُبي بن كعب. والأثر صحّحه المحدث الألباني في "صلاة التراويح " (ص ٦ - ط. المكتب الإسلامي). وأثر أبي الدرداء؛ أخرجه ابن نصر المروزي في "السنة" (رقم: ١٠٢) وابن بطة (٢٣٢) واللالكائي (١١٥) وغيرهم، وهو صحيح أيضًا. * * * ٥ - عن حمزة بن صهيب؛ أن صهيبًا كان يكنى أبا يحيى، ويقول: إنه من العرب، ويطعم الطعام الكثير، فقال له عمر: "يا صهيب؛ مالك تكنى أبا يحيى وليس لك ولد؟ وتقول: إنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير؛ وذلك سرف في المال؟! فقال صهيب: إن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى. وأما قولك في النسب؛ فأنا رجلٌ من النمر بن قاسط، من أهل الموصل، ولكني سُبيتُ غلامًا صغيرًا، قد غفلتُ أهلي وقومي. وأما قولك في الطعام؛ فإن رسول الله ﷺ كان يقول: "خياركم من أطعمَ

стр. 20

الطعامَ وردَّ السلام"؛ فذلك الذي يحملني على أن أُطعِمَ الطعام". أثر حسن. أخرجه: أحمد في "المسند" (٦/ ١٦) أو رقم: (٣٤٠٣٢ - قرطبة) وابن ماجه -مختصرًا- (٣٧٣٨) والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ رقم: ٧٣١٠) ولوين في "جزئه" (رقم: ٦٣) وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ١٧٠ - ١٧١) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٣٤٠) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٥٣). من طريق: عبد الرحمن بن مهدي، عن زهير، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب به. قال الشيخ الألباني في "الصحيحة" (١/ ١/ ١١٠): "وإسناده حسن، وهو وإن كان فيه زهير؛ وهو ابن محمد التميمي الخراساني، فإنه من رواية غير الشاميين عنه، وهي مستقيمة. لكن حمزة لم يوثقه غير ابن حبان، وما روى عنه إلا اثنان، لكنه تابعي، فيمكن تحسين حديثه" اهـ. وقال الحافظ أبو نعيم في "الحلية": "رواه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن صهيب نحوه". ثم ساقه من رواية محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى به. وخالفه سعيد بن يحيى الأموي؛ فرواه عن أبيه، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه به. أخرجه الحاكم (٣/ ٣٩٨) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١/ ٢١٨/ ٢٨٥). وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ رقم: ٧٢٩٧) والتيمي في "سير السلف الصالحين" (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦). من طريق: ربيعة بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه به. وضعَّف إسناده الشيخ الألباني. وأخرجه أحمد (٦/ ٣٣٣) من طريق: بهز، عن حماد بن سلمة، عن زيد بن أسلم؛ أن عمر بن الخطاب قال لصهيب ... فذكره.

стр. 21

رهو منقطع بين زيد بن أسلم وعمر بن الخطاب. قال الشيخ الألباني: "وبالجملة" فالحديث قوي بهذه الطرق، وقد ذكر نحوه ابن حجر في "الفتح" (٤/ ٤١٣) اهـ. "الصحيحة" (رقم: ٤٤). من فوائد الحديث: [الكلام تحت هذا العنوان للعلامة الألباني ﵀]. "وفي هذا الحديث فوائد: الأولى: مشروعية الإكتناء لمن لم يكن له ولد؛ بل قد صحّ في البخاري وغيره أن النبي ﷺ كنى طفلة صغيرة حينما كساها ثوبًا جميلًا، فقال لها: "هذا سنا يا أم خالد! هذا سنا يا أم خالد". وقد هجر المسلمون -لا سيما الأعاجم منهم- هذه السنة العربية الإسلامية، فقلّما تجد من يكتني منهم، ولو كان له طائفة من الأولاد، فكيف من لا ولد له؟! وأقاموا مقام هذه السنة ألقابًا مبتدعة؛ مثل: الأفندي، والبيك، والباشا، ثم السيد، أو الأستاذ، ونحو ذلك مما يدخل بعضه أو كله في باب التزكية المنهي عنها في أحاديث كثيرة؛ فليتنبه لهذا. الثانية: فضل إطعام الطعام، وهو من العادات الجميلة التي امتاز بها العرب على غيرهم من الأمم، ثم جاء الإسلام وفد ذلك أيما توكيد؛ كما في هذا الحديث الشريف، بينما لا تعرف ذلك أوروبا، ولا تستذوقه، اللهم! إلا من دان بالإسلام منها؛ كالألبان ونحوهم. وإن مما يؤسف له أن قومنا بدؤوا يتأثرون بأوروبا في طريقة حياتنا -ما وافق الإسلام منها وما خالف- فأخذوا لا يهتمون بالضيافة، ولا يلقون لها بالًا؛ اللهم! إلا ما كان منها في المناسبات الرسمية، ولسنا نريد هذا، بل إذا جاءنا أي صديق مسلم؛ وجب علينا أن نفتح له دورنا، وأن نعرض عليه ضيافتنا؛ فذلك حقٌّ له علينا ثلاثة أيام؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة. وإن من العجائب التي يسمعها المسلم في هذا العصر الإعتزار بالعربية لمن لا يقدرها قدرها الصحيح، إذ لا نجد في كثير من دعاتها اللفظيّين من تتمثّل فيه

стр. 22

الأخلاق العربية؛ كالكرم، والغيرة، والعزة، وغيرها من الأخلاق الكريمة التي هي من مقوّمات الأمم. ورحم الله من قال: وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت ... فإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا" اهـ. * * * ٦ - قال الإمام البخاري ﵀: "حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد، عن أيوب وعبد الحميد صاحب الزيادي وعاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، قال: "خطبنا ابن عباس في يوم رَزْغٍ، فلما بلغ المؤذن: (حيَّ على الصلاة)؛ فأمره أن يناديَ: الصلاة فى الرحال، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال: فعل هذا من هو خير منه، وإنها عزمة". أخرجه: البخاري (٦١٦، ٦٦٨، ٩٠١) ومسلم (٦٩٩) وأبو داود (١٠٦٦) وابن ماجه (٩٣٩) ولوين في "جزئه" (رقم: ٧٦). من طريق: عبد الحميد به. فقه الأثر: هذا الأثر أخرجه الامام أبو عبد الله البخاري في "صحيحه" -كتاب الأذان (١٠) - باب: الكلام في الأذان. ثم قال: "وتكلم سليمان بن صُرَد في أذانه". هكذا ذكره معلقًا. "وقد وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب "الصلاة" له، وأخرجه البخاري في "التاريخ" عنه -وإسناده صحيح- ولفظه: "أنه كان يؤذن في العسكر فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه" اهـ. كلام الحافظ ابن حجر. قلت: والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٩٢). أما الكلام في الأذان والإقامة؛ فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في "فتح الباري" (٣/ ٤٩٠ - ٤٩١ - ط. ابن الجوزي": "واختلف العلماء في الكلام في الأذان والإقامة على ثلاثة أقوال:

стр. 23

أحدها: أنه لا بأس به فيهما، وهو قول الحسن والأوزاعي. والثاني: يكره فيهما؛ وهو قول ابن سيرين والشعبي والنخعي وأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي، ورواية عن أحمد. وكلهم جعل كراهة الكلام في الإقامة أشد. وعلى هذا؛ فلو تكلم لمصلحة، كرد السلام وتشميت العاطس، فقال الثوري وبعض أصحابنا: لا يكره. والمنصوص عن أحمد في رواية علي بن سعد أنه يكره، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال أصحاب الشافعي: لا يكره، وتركه أولى. وكذلك الكلام لمصلحة، فإن كان لغير مصلحة كُرِهَ. وقال إسحاق: إن كان لمصلحة غير دنيويّة؛ كرد السلام، والأمر بالمعروف، فلا يكره، وإلا كره، وعليه حمل ما فعله سليمان بن صرد. ووافق ابن بطة من أصحابنا قول إسحاق، إن كان لمصلحة. ورخّص في الكلام في الأذان عطاء وعروة. والقول الثالث: يكره في الإقامة دون الأذان؛ وهو المشهور عن أحمد، والذي نقله عنه عامة أصحابه، واستدل بفعل سليمان بن صرد. وقال الأوزاعي: يرد السلام في الأذان، ولا يرده في الإقامة. وقال الزهري: إذا تكلم في إقامته يعيد. والفرق بينهما؛ أن مبنى الإقامة على الحدر والإسراع، فالكلام ينافي ذلك. ثم قال: وحاصل الكلام في الأذان شبيه بكلام الخاطب في خطبته. والمشهور عن أحمد أنه لا يكره الكلام للخاطب، وإنما يكره للسامع" اهـ. قوله: "في يوم رزغ" .. بالزاي وبالغين المعجمة؛ هو: الوحل. أما أمره المؤذن أن يقول: "الصلاة في الرحال"؛ فقد اختُلف فيه متى يقوله؛ قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ١١٧): "بوب عليه ابن خزيمة وتبعه ابن حبان ثم المحب الطبري حذف "حي على الصلاة يوم المطر"، وكأنه نظر إلى

стр. 24

المعنى، لأن حيَّ على الصلاة، والصلاة في الرحال، وصلوا في بيوتكم؛ يناقض ذلك. وعند الشافعية وجه: أن يقول ذلك بعد الأذان، وآخر: أنه يقوله بعد الحيعلتين، والذي يقتضيه الحديث ما تقدم". وقال النووي في "المنهاج" -شرح صحيح مسلم- (٥/ ٢٠٧): "يجوز بعد الأذان وفي أثنائه لثبوت السنة فيهما، لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى نظم الأذان على وضعه" اهـ. وقوله: "فإنها عزمة" أي: ضد الرخصة. * * * ٧ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "إن الفتنةَ وكلت بثلاث: بالحادّ النحرير الذي لا يرتفع له شيءٌ إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد، فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتجتثه حتى تَبْلُوَ ما عنده". صحيح. أخرجه أحمد في "الزهد" (٢/ ١٣٦ - ط. النهضة) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٥/ ١٧ - ١٨ - ط. الهند) أو (٧/ ٤٥٠/ ٣٧١٢٤ - ط. العلمية) ونعيم بن حماد في "الفتن" (رقم: ٣٥٢) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٧٤) وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" (رقم: ٢٨). من طريق: الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة به. فقه الأثر: في الأثر تحذير من الخطباء الذين يوطفون خطبهم لإشعال الفتن، أو الدعوة إليها، ومن هؤلاء الخطباء الحركيين الحزبيين الذين يدعون إلى الخروج على الحكام، أو يهيجون الشباب المسلم بالكلام في خطبهم حول الحكام وسياستهم، دون أن يوجّهوا الشباب الى العلم والحض عليه، والأولى بهم أن يعلموا الناس دينهم، وأن يحذروهم عن الشرك والبدع المتفشيان في الأمة، والله أعلم.

стр. 25

٨ - عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "من سرَّهُ أن يلقى الله غدًا مُسْلِمًا فليحافظ على هؤلاء الصلواتِ حيثُ ينادى بهنَّ، فإن الله شَرَعَ لنبيّكُم ﷺ سُنَنَ الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يصلِّي هدا المُتَخَلِّفُ في بيته لتركتُم سُنَّةَ نبيكم، ولو تركتُم سُنَّةَ نبيكم لَضَلَلْتُمْ. وما من رجلِ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثم يَعْمِدُ الى مسجد من هذه المساجد إلا كَتَبَ الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعُهُ بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة. ولقد رأيتُنَا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجلُ يؤتى به يُهَادَي بين الرجلين حتى يقامَ في الصف". أخرجه: مسلم (٦٥٤) وأبو داود (٥٥٠) والنسائي في "الكبرى" (١/ ٢٩٧/ ٩٢٢). ووقع في رواية أبي داود: " .. ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم .. " بدل "لضللتم". وهي رواية ضعيفة كما قال الشيخ الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (١/ ١٢٧/ ٢٣٢). فقه الأثر: - بيان عظم قدر الصلاة ومنزلتها في الإسلام. - المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، ووجوب حضورها في الجماعة لمن تجب في حقه الجماعة. - بيان خطورة التخلف عن صلاة الجماعة، وأن التخلف عنها من صفات المنافقين، والعياذ بالله تعالى. - بيان عظم الأجر في المسير إلى المسجد. - يهادى بين الرجلين: أي يممثعي مستندًا بعضدين على رجلين. - فيه بيان حرص الصحابة ﵃ على سنن النبي ﵌ وهديه، وعدم التهاون بتركها.

стр. 26

٩ - قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: حدثنا أبو نعيم، كال: حدثنا حنش بن الحاوث، عن أبيه [الحارث بن لقيط]، قال: "كان الرجلُ مِنَّا تُنتِجُ فرسه؛ فينحرها، فيقول: أنا أعيشُ حتى أركبَ هذه؟! فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما رزقكم الله؛ فإن في الأمر تنفُّسًا". أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (رقم: ٤٧٨) - باب (٢٢٢) - اصطناع المال، ووكيع في "الزهد" (رقم: ٤٧٠) وهناد في "الزهد" (رقم: ١٢٨٩). وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة! " (١/ القسم الأول/ ٣٨ - ٣٩/ تحت الحديث رقم: ٩). وانظر "فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد" للجيلاني (١/ ٥٦٣). * * * ١٠ - وقال البخاري: حدثنا أبو حفص بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عمرو بن وهب الطائفي، قال: حدثنا غطيف بن أبي سفيان، أن نافع بن عاصم أخبره، أنه سمع عبدَ الله بن عمرو كال لابن أخٍ له خرج من الوهط: "أيعملُ عُمّالُكَ؟ قال: لا أدري! قال: أما لو كنتَ ثَقفِيًّا لعلمتَ ما يعملُ عمالكَ. ثم التفتَ إلينا، فقال: إن الرجلَ إذا عَمِلَ مع عماله في داره -وقال أبو عاصم مرة: في ماله- كان عاملًا من عُمّال الله ". أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٤٤٨)، وقال الشيخ الألباني ﵀ في "الصحيحة" (١/ ١/ ٣٩/ رقم: ٩): "وسنده حسن إن شاء الله". فقه الأثر: - الوهط: موضع بالطائف، وهي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص. - فيه: الحث على العمل، وأن يشارك عماله في أعمالهم.

стр. 27

١١ - عن السائب بن يزيد قال: "كنتُ قائمًا في المسجد، فحصبني رجلٌ، فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهاذين، فجئته بهما، قال: من أنتما -أو: من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ "!. أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم: ٤٧٠) - ٨ - كتاب الصلاة، (٨٣) باب رفع الصوت في المسجد. فقه الأثر: قوله: "فحصبني"؛ أي: رماني بالحصباء. قال الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦ - ط. ابن الجوزي): "وفيه أن التنبيه في المسجد بالحصب بالحصى جائز .. ". قال الحافظ ابن رجب (٢/ ٥٦٥): "إنما فرَّق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا؛ لأن أهل المدينة لا يخفى عليهم حرمة مسجد رسول الله ﵌ وتعظيمه، بخلاف من لم يكن من أهلها؛ فإنه قد يخفى عليه مثل هذا القدر من احترام المسجد، فعفى عنه بجهله". أما حكم رفع الصوت في المسجد؛ فقال عنه ابن رجب (٢/ ٥٦٧): "ورفع الأصوات في المسجد على وجهين: أحدهما: أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعلّمه، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فهذا كله حسن مأمور به. وقد كان النبي ﷺ إذا خطب علا صوتُه واشتد غضبُه؛ كأنه منذر جيش، يقول: "صبَّحكم ومسَّاكم"، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تُسمع قراءته خارج المسجد، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيمُ في يوم الجمعة في المسجد. وقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي ﷺ أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين، تأدبًا مع النبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ حاضر يسمع ذلك، فيلزم التأدب معه، كما لو كان حيًا. وما لا حاجة إلى الجهر فيه؛ فإن كان فيه أذًى لغيره ممن يشتغل بالطاعات

стр. 28

- كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته، حتى يُغلّط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي؛ فإنه منهي عنه. وقد خرج النبي ﷺ ليلة على أصحابه وهم يصلُّون في المسجد ويجهرون بالقراءة، فقال: "كلكم يناجي ربه، فلا بجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وفي رواية: "فلا يُؤْذِ بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة". خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد. وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدًا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء، وقد سبق ذكره مستوفًى في أوائل "كتاب العلم" في باب: رفع الصوت بالعلم. الوجه الثاني: رفع الصوت بالإختصام ونحوه من أمور الدنيا؛ فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة. ويشبهه: إنشاد الضالة في المسجد، وفي "صحيح مسلم" عن النبي ﷺ كراهته والزجر عنه، من رواية أبي هريرة وبريدة. وأشد منه كراهة: رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين؛ فإن الله ذمّ الجدال في الله بغير علم، ولا جدال بالباطل، فإذا وقع ذلك في المسجد ورُفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه، وقد كَرِهَ مالكٌ رفعَ الصوت في المسجد بالعلم وغيره. ورخَّصَ أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة -من أصحاب مالك - في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه" اهـ. * * * ١٢ - قال الحميدي: ذكر الشافعيُّ يومًا حديثًا؛ فقال له رجل: أتقول به يا أبا عبد الله؟ فاضطرب وقال: "يا هذا! أرأيتني نصرانيًا؟! أرأيتني خارجًا من كنيسة؟! أرأيتَ في وسطي زنارًا؟! أروي حديثًا عن رسول الله ﵌ ولا أقول به"!! أثر صحيح. أخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ١٧٤) وأبو نعيم في "ذكر أخبار أصبهان" (١/ ١٨٣) وفي "حلية الأولياء" (٩/ ١٠٦) من طرق؛ عن الحميدي به.

стр. 29

وأورده السيوطي في "مفتاح الجنة في الإعتصام بالسنة" (ص ١٦/ رقم: ٦ - ط. بدر البدر). وأخرج نحوه الهروي في "ذم الكلام" (٢/ ٢٦٢/ ٣٣٠) عن أحمد بن نصر من قوله. فقه الأثر: في هذا الأثر الجميل ردٌّ واضح على المقلّدة الذين يققدون إمامًا معينًا أو مذهبًا معينًا؛ وإذا أتاهم الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أعرضوا عنه، وقالوا: نحن على مذهب الشافعي! أو على مذهب أبي حنيفة!! وهكذا. فها هو الإمام الشافعي يضطرب ويستغرب ويستنكر من الرجل الذي سأله: هل تأخذ بالحديث الذي ترويه؟ وانظر يا أخا الإسلام كيف كان رد الإمام الشافعي؛ فقد شبه الذي يدع حديث النبي ﵌ ولا يأخذ به بالنصراني والذمي الكافر، والعياذ بالله تعالى. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد استوعب المحدث الإمام محمد ناصر الدين الألباني ﵀ أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم في وجوب اتباع الحديث الصحيح والسنة النبوية، وعدم الاعتماد والأخذ بأقوالهم إذا خالفت السنة، وأن الأصل هو: كتاب الله وسنة رسول الله ﵌. استوعب هذه النقول في مقدمة كتابه الماتع "صفة صلاة النبي ﷺ " فارجع إليه، هُدِيتَ للحقّ. * * * ١٣ - عن طاروق بن شهاب، قال: قالت اليهود لعمر بن الخطاب: إنكم تقرؤون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيدًا.

стр. 30

قال عمر: "وأي آية"؟ قالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال عمر: (والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ فيه، والساعة التي نزلت فيها؛ نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة، في يوم جمعة". أخرجه البخاري (٤٥، ٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨) ومسلم (٣٠١٧) والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣/ ١١١٣٧) وفي "المجتبى" (رقم: ٣٠٠٢، ٥٠١٢) والترمذي (٣٠٤٣). فقه الأثر: فيه: "أن الاعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا، وإنما تكون بالشرع والإتباع. فهذه الآية تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة، أنزلها الله في يوم شَرَعَهُ عيدًا لهذه الأمة من وجهين: أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة. والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم، وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم. وقد قيل: إنه يوم الحج الأكبر. وقد جاء تسميتُه عيدًا في حديث مرفوع خرّجه أهل السنن، من حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق؛ عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب". اهـ[فتح الباري/ لابن رجب (١/ ١٥٩ - ١٥٨)]. وفي الآية فوائد عظيمة، منها: ما قاله العلامة محمد سلطان المعصومي ﵀: "فطرق الدين والعبادات الصحيحة إنما هي ما بيّنه الذي خَلَقَ الخَلْقَ على لسان رسوله محمد ﷺ ، فمن زاد على هذا أو نقص فقد خالف الحكيم الخلّاق

стр. 31

العليم؛ بتركيبه الأدوية من عند نفسه، فربما صار دواؤه داءً، وعبادته معصية، وهو لا يشعر؛ لأن الدين قد كمل تمام الكمال، فمن زاد شيئًا فيه نقد ظنّ الدين ناقصًا، وهو يكمله باستحسان عقله الفاسد، وخياله الكاسد". وقال الإمام الشوكاني ﵀: "فإذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض نبيه ﵌، فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟! إن كان من الدين في اعتقادهم، فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم؛ وهذا فيه ردٌّ للقرآن. وإن لم يكن من الدين؛ فأي فائدة في الإشتغال بما ليس من الدين؟! وهذه حجة قاهرة، ودليل عظيم، لا يمكن لصاحب الرأي أن يدفعه بدافع أبدًا، فاجعَل هذه الآية الشريفة أول ما تصل به وجوه أهل الرأي، وترغم به آنافهم، وتَدْحَضُ به حججهم" اهـ. نقلًا من كتاب "البدعة وأثرها السيّئ في الأمة" (ص ٢٧ - ٢٨) للشيخ الفاضل: سليم بن عيد الهلالي وفقه الله تعالى. وفي مضمون الآية المذكورة؛ قال إمام دار الهجرة: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة؛ فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا". وسيأتي تخريج هذا الأثر وشرحه في هذه السلسلة إن شاء الله تعالى. * * * ١٤ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العِلْمُ من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا جاء العلمُ من قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ هَلَكُوا". أثر صحيح. أخرجه: عبد الله بن المبارك في "الزهد" (رقم: ٨١٥) وعبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ٢٤٩، ٢٥٧/ ٢٠٤٤٦، ٢٠٤٨٣) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٥٥/ ٧٧٦ - ط ابن الجوزي) وفي "نصيحة أهل الحديث" (رقم: ٦) والهروي في "ذم الكلام" (٥/ ٧٧/ ١٤١٢) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٦١٦، ١٠٥٧/ ٦١٧، ١٠٥٨، ١٠٦٠)

стр. 32

والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٨٥٨٩، ٨٥٩٠) وفي "المعجم الأوسط" (٧/ ٣١١/ ٧٥٩٠ - الحرمين) وابن عدي في مقدمة كتابه "الكامل" (١/ ١٦٤ - الفكر) أو (١/ ٢٦٠، ٢٦١) وابن الأعرابي في "معجمه" (رقم: ٩٢٦) واللالكائي في "شرح الأصول" (رقم ١٠١) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٤٩). من طرق؛ عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن وهب، عن عبد الله به. وإسناده صحيح؛ وإن كان فيه أبو إسحاق السبيعي، فقد رواه عنه جمع من الثقات؛ منهم سفيان الثوري، وهو من أثبت الناس فيه كما في "تهذيب الكمال" للحافظ المزي (٢٢/ ١٠٩). وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ رقم: ٨٥٩١، ٨٥٩٢) من طريقين؛ عن شعبة وزيد بن حبان، عن زيد بن وهب، عن أبي إسحاق به. قال الطبراني: "هكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق، عن زيد بن وهب. وتابعه زيد بن حبان: اهـ. تنبيه: وهم محقق "مجمع البحرين" للهيثمي (١/ ٢١٠) -ط. الرشد- في اعتبار سعيد بن وهب، أنه الثوري الهمداني الكرفي، ثم نقل قول الحافظ عنه أنه "مقبول". والصواب: أن سعيد بن وهب الذي في الإسناد هو: الهمداني الخيواني الكوفي والد عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، المترجم قبل السابق، وهو ثقة، وهو الذي يروي عن عبد الله بن مسعود، أما السابق فلا رواية له عنه، والله أعلم. فقه الأثر: هذا أثر عظيم عزيز، فيه أصل عظيم من أصول العلم؛ وهو وجوب أخذ العلم عن الأكابر، وقد وردت الآثار الكثيرة في ذلك. والمقصود بالأصاغر هنا: "أهل البدع، أو: من لا علم عنده. ويحتمل أن يُراد بهم: من لا قَدْرٌ له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما فلا بد أن يسمو أمره ويعظم قدره". ["الحوادث والبدع" للطرطوشي (ص ٨٠ - ط. ابن الجوزي)].

стр. 33

وقال ابن قتيبة في شرح هذا الأثر: "يريد: لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ، ولم يكن علماؤهم الأَحْداث، لأن الشيخ قد زالت عنه مُتْعَةُ الشباب، وحِدَّتُه، وعجلتُه، وسفهه، واستصحب التجربة والخبرة، فلا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزته الشيطان استزلال الحدَث، ومع السن الوقار والجلالة والهَيْبَة، والحدَثُ قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمِنَتْ على الشيخ، فإذا دخلت عليه وأفتى؛ هلك وأهلك". أخرجه عنه الخطيب البغدادي في "نصيحة أهل الحديث" (رقم: ٧) بإسناد حسن. قلت: ورحم اللهُ ابنَ قتيبة كأنه يحكي واقعنا وما نعايشه في هذا الزمان، من تولي الأحداث والشباب، والإعراض عن العلماء الكبار الثقات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وانظر للمزيد من الفائدة مقدمة العلامة الفقيه عبد المحسن العبَّاد -حفظه الله- لكتاب "مدارك النظر" ففيه حكاية عن هذا الواقع، والله المستعان. وقد روى الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٦٧٠) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٣٢٤/ ١٠٣٩) عن مالك قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة، فقال: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أدَخَلَت عليك مصيبة؟ فقال: لا؛ ولكن استُفتِيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم". قال الخطيب البغدادي: "ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المُفْتِينَ، فمن كان يَصلُحُ للفتوى أَقَرَّهُ عليها، ومن لم يكن من أهلها منَعَهُ منها، وتقدَم إليه بأن لا تعرض لها، وأوعده بالعقوبة إن لم ينتهِ عنها". قلت: كيف لو رأى ربيعة ومالك والبغدادي حال زماننا؛ وقد انتصب للفتوى فيه أهل البدع والجهل، ومن لا يحسنون السُّنّة، إنما يدينون بالبدعة؟! كيف لو رأوا الشباب اليوم يترك ويعرض عن علماء الأمة الثقات الأكابر، ويركن إلى الأغمار الأصاغر، فيأخذ منهم الفتوى في مسائل عظيمة، يجسر العلماء الكبار عن الكلام فيها، فيأتي هؤلاء المرتزقة فيتكلمون ويفتون؛ فيكفّرون الأمة، ويتهمون من لم يوافقهم بالإرجاء! وبالتّجهُّم!! هذه التُّهمَ يتّهمون بها

стр. 34

العلماء الكبار المحدِّثين؛ الذين قضوا عمرهم في الدفاع عن السنة ونشرها وتنقيتها من كل شائبة، يتهمون العلماء الذين أصّلُوا قواعد الدين والمنهج! فلا حول ولا قوة إلا بالله. * * * ١٥ - عن سعد بن أبي وقاص في قول الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [يوسف: ٣]؛ قال: "أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ فتلاهُ عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله؛ لو قصَصْتَ علينا! فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية [يوسف: ١ - ٢] فتلاهُ عليهم زمانًا. قالوا: يا رسول الله؛ لو حدَّثْتَنَا! فأنزل الله: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، كل ذلك يؤمرون بالقرآن. زاد خلّاد -[أحد رجال الإسناد]-: وزادني فيه غيره: قالوا: يا رسول الله؛ لو ذكّرتنا! فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. أثر حسن. أخرجه البزار كما في "البحر الزخار" (رقم: ١١٥٢، ١١٥٣) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٠٩٩ - ١٣٠٠/ ١٣٢٣، ١١٣٢٥) وابن جرير الطبري في " تفسيره" (١٢/ ٩٠ - مختصرًا) أو رقم (١٨٧٧٦ - شاكر) وابن حبان في "صحيحه" (١٤/ ٩٢/ ٦٢٠٩) والحاكم (٢/ ٣٤٥) والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٦٩ - ط. الحميدان) وإسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (رقم: ٣٦٣٤ ط. العاصمة) وأبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٨٧ - ٨٨/ ٧٤٠). من طرق؛ عن خلاد الصفار، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد به. وليس عند بعضهم الزيادة الأخيرة. وهذا إسناد حسن؛ كما قال البوصيري في "الإتحاف"، والحافظ في "المطالب".

стр. 35

وحسنه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٧/ ٤٠)، وصححه العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص ٨٨). فقه الأثر: هذا أثر عظيم؛ يبيُّن أن الدين قائم على الشرع والوحي المنزّل، لا على الأهواء والآراء، ولا على ما تستحسنه العقول، وتحبه النفوس وتميل إليه. وقد روى أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٠٣) بإسناده، عن رجل من أشجع، قال: "سمع الناسُ بالمدائن أن سلمان (الفارسي) في المسجد، فأتوه؛ فجعلوا يثوبون إليه حئى اجتمع إليه نحو من ألف. قال: فقام، فجعل يقول: اجلسوا، اجلسوا .. فلما جلسوا؛ فتح سورة يوسف يقرؤها، فجعلوا يتصدّعون ويذهبون، حتى بقي منهم في نحو من مائة! فغضب وقال: "الزخرف من القول أردتم! ثم قرأت كتاب الله عليكم ذهبتم! ". قال الشيخ المفضال عبد المالك الرمضاني الجزائري -وفقه الله- في كتابه الماتع "مدارك النظر في السياسة" (ص ١٤١): "قلتُ: لعلّ اختيار سلمان ﵁ لسورة يوسف دون غيرها؛ لما فيها من معاني القناعة بقصص كتاب الله دون ما تصبو إليه النفوس من حكايات وأحاجي، وهو قول الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، واقتداءً بالنبي ﷺ حين سُئل قصصًا غير قصص القرآن، فتلى عليهم ما أنزل الله عليه من هذه السورة، وكذلك فعل عمر ﵁ حين رأى من أقبل على كتاب فيه عجائب الأولين، فرضي الله عنهم جميعًا؛ ما أشدّ حرصهم على الهدي النبوي" اهـ. * * * ١٦ - عن سليمان بن قيس اليشكري، قال: قلتُ لجابر بن عبد الله: يكون علينا الإمام الجائر الظالم؛ أقاتل معه أهل الضلالة؟ قال: "نعم؛ عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمِّلْتُم". أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠/

стр. 36

١٥٢٢٥) أو (٦/ ٥١٢/ ٣٣٣٦٧ - ط. العلمية) وحنبل في "جزئه - التاسع من فوائد ابن السماك" (رقم: ٧٧) - واللفظ له. من طريق: حماد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان، عن سليمان بن قيس به. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (١٨٤٦) والآجري في "الشريعة" (١/ ١٦٠ - ١٦١/ ٧٣) عن وائل الحضرمي، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ : "أرأيتَ إن قامت علينا أمراء، فسألونا حقهم، ومنعونا حقنا، فما تأمرنا"؟ فأعرض عنه، ثم سأله الثانية أو في الثالثة؛ فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حُمّلتم". * * * ١٧ - عن الأسود بن يزيد، قال: "ما رأيتُ أحدًا ممّن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله ﵌ آمر بصوم عاشوراء من عليّ ﵇ وأبي موسى الأشعري". أخرجه: ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢/ ٣١٢/ رقم: ٩٣٦١، ٩٣٦٢ - العلمية) والطيالسي في "مسنده" (رقم: ١٢١٢) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٤/ رقم: ٧٨٣٦) والبيهقي في "سننه الكبرى" (٤/ ٢٨٦) وأبو القاسم البغوي في "الجعديات حديث علي بن الجعد" (٢/ ٢٣٠/ ٢٥٣٦ - ط. الخانجي المصرية) أو (رقم: ٢٥٢٤ - ط. الكتب العلمية) أو (رقم: ٢٦١٨ - الطبعة الكويتية) -[وفي الطبعتين الأخيرتين عنوان الكتاب: مسند ابن الجعد!!]- وأبو ذر الهروي في "جزء من فوائد حديثه" (رقم: ١١ - ط. الرشد بالرياض) وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ١٥٠) وأبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه"- كما في "اللفظ المكرم بفضل عاشوراء المحرم" ضمن "مجموع فيه رسائل الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي"/ ص ٧٤ - ط. ابن حزم) - ولوين في "جزئه" (رقم: ٤٢)، من طرق كثيرة؛ عن أبي إسحاق، عن الأسود به.

стр. 37

وإسناد الأثر صحيح؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (رقم: ١٠٧٧ - ط. العاصمة). * * * ١٨ - عن مجاهد ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: "العلمَ والفقهَ". أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٣١/ ٢٨٢٣) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٣٢، ١٣٣/ ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧) والآجري في "أخلاق العلماء" (رقم: ١) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/ ٩٠) والبيهقي في "المدخل" (رقم: ٢٧٠). من طرق؛ عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد به. وهذا إسناد ضعيف لأجل ليث بن أبي سُليم؛ "صدوق اختلط جدًا" كما في "التقريب". لكن يشهد له ما أخرجه الآجري في "أخلاق العلماء" (رقم: ٢) والبيهقي في "المدخل" (رقم: ٢٧١) وابن أبي حاتم (٧/ ٢١١٩/ ١١٤٥٢) والطبري (٧/ ١٧٨). من طريق: شبابة، أنبأنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢]، قال: "الفقه والعقل والعلم". وهذا إسناد صحيح، والله تعالى أعلم. * * * ١٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ في تفسير قول الله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قال: "أولوا الفقه والخير". أثر حسن. أخرجه ابن أبي شيبة فى "مصنفه" (٦/ ٤٢١/ ٣٢٥٢٣١ - العلمية) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٨٨/ ٥٥٣٣) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٥/ ٩٤) والآجري في "أخلاق العلماء" (رقم: ٥) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٧٦٨/ ١٤١٩) والبيهقي في "المدخل" (٢٦٨).

стр. 38

من طريق: عبد الله بن عقيل، عن جابر به. وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب؛ "صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بأخرة! [تقريب]. قلت: ومثله حديثه حسن إن شاء الله تعالى. وأخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٢٦/ ٩١) والبيهقى في "المدخل" (٢٦٨) من طريق: محمد بن حميد، ثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر به. وهذا إسناد ضعيف؛ لكنه حسن بما قبله. وانظر الأثر الذي بعده. وصحّ عن عطاء مثل هذا التفسير عند ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٤٧) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم: ١٠١)، وانظر "سنن الدارمي" (١/ ٢٩٧/ ٢٢٥). * * * ٢٠ - عن مجاهد في قول الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: "الفقهاء والعلماء". أثر صحيح. أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٥/ ٩٤) والآجري فى "أخلاق العلماء" (رقم: ٦) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم: (١/ ٧٦٨/ ١٤١٨) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٢٨، ١٢٩/ ٩٦، ٩٧، ٩٨) وسعيد بن منصور في "سننه" (٤/ ١٢٩٠/ ٦٥٦ - ط. الصميعي) والهروي في "ذم الكلام" (٢/ ١٥١ - ١٥٢/ ٢٢٨، ٢٢٩) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٨٩/ ٥٥٣٥) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤). من طرق؛ عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد به. وليث تقدم أنه ضعيف، لكنه توبع؛ تابعه الأعمش عن مجاهد به، أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٢٧، ١٢٨/ ٩٣، ٩٤) وابن جرير الطبري (٥/ ١٤٩) وسعيد بن منصور في "سننه" (٤/ ١٢٨٧/ ٦٥٣ - الصميعي) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٩٢) وأبو خيثمة في "العلم" (رقم: ٦٢).

стр. 39

والأعمش مدلس، لا سيما عن مجاهد. فتصحيح إسناده -كما فعل محقق كتاب "الفقيه والمتفقه" ط. دار ابن الجوزي- بعيد جدًا. وتابعه ابن أبي نجيح، عن مجاهد به، أخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١٦٦) وابن جرير في "تفسيره" (٨/ ٥٠١/ ٩٢٧٢ - شاكر) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٢/ ٢١٣/ ٠٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٩٣). وإسناده صحيح. وأخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/ ١٢٨/ ٩٥) من طريق: تليد، عن منصور، عن مجاهد به. وتليد بن سليمان؛ ضعيف. خلاصة الكلام: أن الأثر صحيح، فلله الحمد والمنة. * * * ٢١ - عن سلمان الفارسي ﵁ قال: "علمٌ لا يُقال به ككنزٍ لا ينفق منه". أخرجه: ابن أبى شيبة في "مصنفه" (١٣/ ٣٣٤/ ١٦٥١٤) وأبو خيثمة في "العلم" (رقم: ١٢) والدارمي في "مسنده" (١/ ٤٦١/ ٥٧٤). من طريق: أبي معاوية، عن الأعمش، عن صالح بن خباب، عن حصين بن عقبة، عن سلمان به. قال الشيخ الألباني في تحقيقه لكتاب "العلم": "إسناد هذا الأثر جيد". * * * ٢٢ - عن زيد بن أرقم قال: "أول من صلّى مع رسول الله ﵌؛ علي" - وفي لفظ: "أول من أسلم علي". أخرجه: أحمد في "المسند" (٤/ ٣٦٨، ٣٧٠) وفي "الفضائل" (١٠٠٠، ١٠٠٤) وابن أبي شيبة في "المغازي" (رقم: ٦١) والترمذي (٣٧٣٥) والنسائي في

стр. 40

"خصائص علي بن أبي طالب" (رقم: ٢، ٣، ٤، ٥) والطيالسي في "مسنده" (رقم: ٦٧٨) والطبري في "تاريخه" (٢/ ٢١١ - ٢١٢) وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢١ - ط. صادر) والطبراني في "الأوائل" (رقم: ٥٣) وفي "الكبير" (٥/ رقم: ٥٠٥٠٢) و (١١/ رقم: ١٢١٥١) وابن أبي عاصم في "الأوائل" (ص ٤٦) والحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٣٦) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٠٦) وابن عبد البر في "الإستيعاب" (٣/ ٣٢) والخوارزمي فى "المناقب" (رقم: ٢٢). من طريق: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرقم به. وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين، سوى أبي حمزة، واسمه: طلحة بن يزيد، وهو من رجال البخاري. * * * ٢٣ - عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: "أن يُطَاعَ فلا يُعصى، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وأن يُشكرَ فلا يُكْفَر". أخرجه: الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٩٤) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٧٧٢/ ٣٩٠٨) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٧/ ٦٥/ ٧٥٢٦ - شاكر) وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (رقم: ٩٣ - ط. المكتبة العصرية) وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رقم: ٤٧٥) والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص ٨٤ - ٨٥) والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ رقم: ٨٥٠١، ٨٥٠٢). من طريق: زُبيد اليامي، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا. قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣٢٦): "رواه الطبراني بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح، والآخر ضعيف". وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٥٠٥): "إسناده صحيح موقوف". تنبيه: عزا الحافظ ابن كثير الأثر للحاكم، وقال: "كذا رواه الحاكم من حديث مسعر، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعًا.
следующие страницы →